Полный текст (555 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
﴿انْكَدَرَتْ﴾ أنهارت، وتَناثرت ﴿وإذا الجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ أي: سُيرت من أَماكنها، فاستوت بالأرض ﴿وإِذَا العِشَارُ عُطِلِّتْ﴾ أي: أهملت؛ وذلك أن العُشراء من النُّوق التي قد أَتى عليها من حملها عشرةَ أشهرٍ النَّاقة أحبُّ إلى أَحدكم من مفروح من الدُّنيا.
فلذلك قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿وَإِذَاْ العِشَارُ عُطِّلَتْ﴾.
وروى عنْ ابْنِ كَثِيْرٍ: «عُطِلَتْ» مخففًا.
قَالَ ابنُ مُجاهدٍ وهو خطٌأ.
فإن سأل سائل فقال: لم اتفق القراء عَلَى تَخفيف «حُشرت» واختلفوا فيما عدا ذَلِكَ فشدَّدُوا وخفَّفُوا نحو «نُشِرَتْ» و «نُشِّرَتْ» و «سُجِرَت» و «سُجِّرَتْ» و «سُعِرَتْ» و «سُعِّرَتْ»؟ .
فالجواب فِيْ ذَلِكَ: أن البحر يُسجَر مرةً بعد مرةٍ، والوحوش حشرها فَناؤها، ولا يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ.
حَدَّثَنِي ابنُ مجاهدٍ عنْ السِّمَّرِيِّ، عنْ الفَرَّاء، عنْ أَبِي الأخوص سلام بْن سليم، عنْ سَعِيد بْن مسروق، عنْ عكرمة ﴿وإِذَاْ الوُحُوْشُ حُشِرَتْ﴾ قَالَ: حشرُها: موتُها.
وقال آخرون: بل تُحشر كما يُحشر سائرُ الخَلائق فيقتص الجَمَّاء من القَرْناء ثُمَّ يُقال: كُوني ترابا فعند ذلك يتمنى الكافر فيقول: ﴿يا ليتني كُنْتُ تُرَابًا﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿وإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ﴾.
خفَّفها ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرو.
وشدَّدها الباقون. فشاهد من خفف «والبحر المَسْجُوْرِ» ولم يَقل المُسَجَّر، ومعنى المَسجور: المَمْلُوءُ، ويُنْشَدُ:
إِذَا شَاءَ طالَعَ مَسْجُوْرَةً ... يَرَى حَوْلَها النَّبْعُ والسَّأْسَمَا
يعني: شجر الآبنوس.
وقال الفَرَّاءُ: ﴿وإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ أَفضى بعضها إلى بعضِ فصارت بحرًا واحدًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿وإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾.
قَرَأَ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرو وحمزة والكِسَائِيّ مشدَّدًا، لأنَّ الصُّحُفَ جماعةٌ وهي تنشر مرةً بعدَ أخرى، وشاهد التَّشديد قولُه تَعَالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرة﴾ ولم يقل منشورة.
стр. 492
وقرأ الباقون مخففًا؛ لأنَّ العرب تَقُولُ: مررت بكباش مَذبوحة ومذبَّحة، وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿فِيْ رِقٍّ مَنْشُوْرِ﴾.
خففها نافعٌ وحفصٌ وابنُ ذكوان.
وقولُه تَعَالى: ﴿سُعِّرَتْ﴾.
خففها أهلُ الكوفة وابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرو.
وشدّدها الباقون.
والتَّشديد والتخفيف عَلَى ما قَدْ بيَّنت لَكَ حجتهما فيما قبله، والسَّعيرُ: وقودُ النارِ، فأمَّا قولُه: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيْرًا﴾ فقيل: جُنُونًا، وقيل: وَقودًا، يُقال: ناقةٌ مسعورةٌ: إِذَا كَانَ بها كالجُنُونِ من النَّشاط.
وقولُه تَعَالى: ﴿وإذا النُّفوسُ زُوِّجَتْ﴾ أي: قرنت بنظيرها، وقيل: بشياطينها.
﴿وإذا الموؤدة سُئِلَتْ﴾: هِيَ البِنت التي كَانَ بعض العَربِ يَئِدُها أي: يَدْفِنُها وهي حيَّةٌ خشيةَ العار عَلَيْها.
﴿بأيّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ مُخفَّفًا جماعٌ إلا أبا جَعْفَر المَدَنِيّ فإنه ثَقَّله ومعنى سُئِلَتْ أي:
طُلب قتلها.
وقرأ عشرة من الصَّحابة والتابعين أحدهم ابن عباس: «وإذا الموؤودة سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ» وكان عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود إِذَا قَرأ هَذِهِ السُّورة فَبَلَغَ «عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ» قَالَ: وانْقِطَاعُ ظَهْرَاهُ، وكان ابنُ مجاهدٍ إِذَا قَرأها فِيْ الصَّلاةِ قرأها بَنَفَسٍ واحدٍ من أولها ووقف «عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ».
وقولُه تَعَالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾.
قَرَأَ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرو والكِسَائِيُّ: «بَظَنِيْنٍ» بالظاء أي: بمتَّهمٍ يُقال: بئرٌ ظَنِيْنٌ:
إِذَا كَانَ لا يُوثَقُ بِهَا.
قَرَأَ الباقون: «بضَنِين» بالضَّاد أي: ببخيلٍ أي: ليس ببخيل بالوحي بما أنزل اللَّه من القرآن فلا يكتمه أحدًا، تَقُولُ العربُ: ضننت بالشَّيء أضنّ بِهِ: إِذَا بخلت بِهِ، ويُنشد:
مَهْلًا أَعَاْذِلُ قَدْ جَرَّبْتِ مِنْ خُلُقِيْ ... إِنّي أَجُوْدُ لَأَقْوَامٍ وإنْ ضَنَنُوا
والغَيْبُ فِيْ القرآن أشياءَ: فقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ بما غابَ عَنْهُمْ مما
стр. 493
أَنبأهم الرَّسول ﷺ من أمرِ الآخِرَةِ.
وقيلَ: «يُؤْمِنُوْنَ بِالْغَيْبِ» أي: بالله. وقيل: «الغَيْبُ»: القيامةُ. والعربُ تَسمّى الليلَ غيبًا لظُلمته وسَتْره، وأنشدَ يَصِفُ صائِدَ الضَبّ:
حَتَّى إِذَا الغَيْبُ وَارَاهُ وَقَدْ قَدَرَتْ ... كفٌّ عَلَيْهِ وَكَانَ اللَّيلُ قَدْ قَدَرَا
أي: كَانَ اللَّيْلُ مقدارًا لِنَجاته. والغيب: القلب، فقيل «يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» أي:
بقلوبهم لا بألسنتهم كالمُنَافقين وينشد:
وبِالغَيبِ آمَنَّا وَقَدْ كَانَ قَوْمُنَا ... يُصَلُّونَ للَأوثَانِ قَبْلُ محمدا
стр. 494
ومن سورة انفطرت
قَرَأَ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرو ونافعٌ وابنُ عامرٍ: «فَعَدَلَّكَ» مشدّدًا، أي: قوَّمك، قَالَ: ابنُ الجَهم قَالَ أَبُو طَلحة الناقد للفراء، حَدَّثَنَا ..... ذكر سندًا أنَّ رَسُول اللَّه ﷺ كَانَ إِذَا رَأى الهلالَ قَالَ: «الحَمْدُ لِلهِ الَّذِيْ خَلَقَكَ فَسَوَّاْكَ فَعَدَّلكَ» فعرَّفه الفَرَّاء الحَدِيْثَ. وقال كنتُ أقرأ بالتَّخفيف إتّباعًا للأعمش ولا تَراني أقرؤها بعد يَومي هَذَا إلا بالتَّشديد إِذَا كانت قَدْ ذكرت عنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، قَالَ ابنُ الجَهْمِ: فسألتُ الفَرَّاء بعد ثلاثِ سنين فِيْ طريقِ مكَّة كيف يقرأ هَذَا الحرف «فَعَدَلَكَ» فَقَالَ: بالتَّشديد.
وقرأ الباقون: «فَعَدَلَكَ» مخففًا، ومعناه: فصرفك إلى أي صُوْرَةٍ شاءَ، إما حَسَنٌ وإما قَبِيْحٌ، وإما طويلٌ وإما قصيرٌ، ولك أن النُّطفة إِذَا وقعت فِيْ الرحم طابت فِيْ البدن أربعين صباحًا، ثُمَّ تَصير علقةً أربعين، ثُمَّ مضغة أربعين، ثُمَّ يَبعث اللهُ ملكًا ومعه تُراب هِيَ تُربة العَبْدِ، فيعجنه بتلك النُّطفة ويقول: يا رب أَطويلٌ أم قصيرٌ، أَغنيٌّ أم فَقيرٌ، أَشقيٌّ أم سَعيدٌ، فذلك قولُه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ وقال ابْنُ أَبِي نُجيح: ﴿فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ﴾ قَالَ: فِيْ صورةِ عَمٍّ، فِيْ صورة أَبٍ، فِيْ صورةِ بَعضِ القَرابات.
وقال بعضُ النحَّويين: الاختيارُ التَّشديدُ، والتَّقدير، فَعَدَّلَكَ، أي: جَعَلَكَ مُعَدَّلَ الخَلْقِ مُعْتَدِلًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾.
قَرَأَ ابنُ كثيرٍ وعاصمٌ مفخَّمًا.
وقرأ نافعٌ بين بين.
وقرأ الباقون بالِإمالة.
وقولُه تَعَالى: ﴿يَومَ لَا تَمْلِكُ﴾.
قَرَأَ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرٍو: «يَومُ لَا تَمْلِكُ» بالرَّفْعِ عَلَى الاستئِناف.
وقرأ الباقون: «يوم» جعلوه ظرفا، ويجوز لمن رَفَعَ أن يجعلَه بدلًا مما قَبله، ومَنْ نَصَبَهُ جازَ أن ينصبَه بإضمار فعل أي: يَقُولُ: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شيئا والأمر﴾
стр. 495
﴿يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وَقَدْ علمنا أنَّ الأمرَ فِيْ الدُّنيا والآخرة لله . غير أن الدُّنيا قَدْ ملَّكها اللَّه قومًا فصاروا مالكين لها، وذلك اليوم خالصٌ لله، كما قَالَ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَومَ﴾ قَالَ: ﴿لِلهِ الوَاحد القَهَّارِ﴾ وكما قَالَ ﴿مَالِكِ يَومِ الدِّين﴾ أي: يوم الحساب والجَزاء، وهو ملك يوم الدين، وغير يوم الدين ولكنه عَلَى ما أَنبأتك.
стр. 496
ومن سورة المُطَفِّفِيْن
قولُه تَعَالى: ﴿وَيْلٌ﴾ قيل: ويل: وادٍ فِيْ جَهَنَّمَ قعرُه سبعون سنةً، وقيل: دُعاءٌ عَلَيْهِ. وإنما نزلت هَذِهِ السُّورة حين خرج رَسُول اللَّه ﷺ إلى المدينة.
وكان بِسُوْقِ الجاهِلِيَّة لهم كيلان وميزانان معلومة لا يُعاب عليهم، فكان الرجل إذا اشترى بالكيل الزَّائد، وإذا باعَ باعه بالنَّاقص وكانوا يَرْبَحُوْنَ بين الكيلين والوَزنين فلمَّا قدم رَسُول اللَّه ﷺ المدينة، قَالَ: ويلٌ لكم ما تصنعون فأنزل اللَّه تصديقًا لقوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِيْنَ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿وإذَا كالوهم﴾.
اتفق القُراء السَّبعةُ عَلَى «كالوهم» أن يجعلوا الهاء والميم مفعولًا، وإنما ذكرته، لأنَّ حمزةَ روى عنه عيسى بن عمر «كالوهم أو وزنوهم» جعلاه من كلمتين فتكون الهاء والميم عَلَى هَذِهِ القراءة فِيْ موضع رفع تأكِيْدًا للضَّمير كما تَقُولُ: قمت أنت، وقاموا هُمْ.
وحجة الآخرين أنَّ العربَ تَقُولُ: كلتُك، ووزنتُك بمعنى: كلتُ لَكَ ووزنتُ لَكَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿كَلَّا بل ران على قلوبهم﴾.
اتفق القراء على إدغام اللام في الراء هاهنا لقُرب اللام من الرَّاء، ومثله الرَّحْمَن؛ لأنَّها لامٌ ساكنةٌ صادفت راءً. إلا حفصًا فإنه روى عنْ عاصمٍ: «بَلْ رَانَ» يقف عَلَى «بَلْ» وقفةً خفيفةً، ليُبين أن «بَلْ» من كلمة و «ران» من كلمةٍ. ومعنى الرَّينُ - فِيْ اللُّغة -: الذَّنبُ عَلَى الذَّنبِ حَتَّى يَسودَّ القَلبُ. فأمَّا الِإمالةُ فِيْ «بل رانَ» فإن أهلَ الكوفةِ يميلون ذلكَ.
والباقون يُفَخِّمُونَ. وَقَدْ ذكرتُ علةَ ذَلِكَ فيما سلف.
قَرَأَ الكِسَائِيُّ وحده: «خاتَمَهُ مسك» أي: آخر شرابهم مسك بفتح التاء فِيْ «خاتَمَهَ» وَقَدْ رُوى عنْ إِبْرَاهِيم النَّخعي عنْ الكِسَائِيِّ «خاتِمه مِسْكٌ» بكسرِ التاءِ، والعربُ تَقُولُ: خاتِم وخاتَم، وخِيتام، وخَاتام، وأَنْشَد:
стр. 497
يا خدل ذات الجَوْرَب المُنْشَقِّ ... أخذتَ خِيتَامِي بِغَيْرِ حَقِّ
وقرأ الباقون: «خِتَامُهُ مِسْكٌ» ومعناه: آخر شرابهم مختم بالمِسك: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿إنَّ كِتابَ الَأبْرَارِ لَفِي عِّلِيِّيْنَ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وحَمزةُ والكِسَائِيُّ «الَأبَراْرِ» بالِإمالة.
وقرأ الباقون بالتَّفخيم. وَقَدْ أنبأتُ فِيْ علّته فيما سلف. والأبرار. واحدهم بَرٌّ، ويجوزُ أن يكونَ جمعًا لبارٍّ؛ لأنَّ أفعالًا يكون جمعًا كصاحب وأصحاب، ولفِعَلٍ كعِنَبٍ وأَعناب، ولفُعُلٍ كأُطُمٍ وآطام، ولفِعْلٍ كحِمْلٍ وأحمال، ولفَعَلٍ كجَمَلٍ، ولفِعْلٍ كجِذْع وأَجذاع، ولأشياءَ كثيرة قَدْ ذكرتها فِيْ غير هَذَا الموضع وَيُقَال: رجلٌ بارٌّ وبر جمعه بَرَرَةٌ، وَيُقَالُ: خرجتُ إلى بَرًّ ولا يُقال: إلا بًّرا، والبِرُّ بالكسر برُّ الوالدين، والبِرُّ:
القلبُ، والبِرُّ: الفارةُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾.
روى حفصٌ عنْ عاصمٍ «فَكِهِينَ».
وقرأ الباقون: «فَاكِهِينَ».
فحدَّثني ابنُ مجاهدٍ عنْ السِّمَّرِيِّ، عنْ الفَرَّاءِ، قَالَ: «فكِهِينَ» و «فَاكِهِينَ» لُغتان كطَمِعِينَ وطامِعِيْنَ، وبَخِلِيْن وبَاخِلِيْنَ ومعنى فاكهين: معجبين لاعبين. والفُاكهةُ المِزَاحُ. فأمَّا قولُهم: «فَظَلْتُمْ تَفَكَهُونَ» فإنه قُرِئ تفكنون، ومعناه: تَنْدَمُوْنَ قَرَأَ بِهِ أَبُو حِزَامٍ العُكْلِيّ. وَقَدْ روى «فكهين» فِيْ كل القرآن بغير ألفٍ، عنْ أَبِي جَعفر، وكذلك في السورة. وروي عنه «عرف فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ» عَلَى ما لم يُسم فاعله، والنَّضرة: الحسنُ والجَمال.
قَالَ ابنُ مجاهدٍ قَرَأَ ابنُ عامرٍ: «إِلَى أَهْلِهُمُ» برفع الهاءِ والميمِ خلافَ ما أُصِّل فِيْ سائر القرآن.
وروى عَلَى بْن نصرٍ، عنْ أَبِي عَمْرٍو: «هَلْ ثُّوِّبَ الكُفَّارُ» بإِدغام اللَّامِ فِيْ الثاء
стр. 498
كحمزة والكِسَائِيّ لقُرب اللام عنْ الثاء.
وقرأ الباقون بالِإظهار لأنَّهما من كلمتين.
فإن قيل: «هَلْ» هَلْ هنا مبتدأ بها أَوْ صلة لَمَا قبل؟ .
فالجوابُ فِيْ ذَلِكَ: أن الوقفَ - هاهنا - عَلَى قولُه: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ ثُمَّ تَبْتَدِئ ﴿يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ والوقفُ عَلَى الأرائك التي قبل هَذِهِ غيرُ تامٍّ حَتَّى تقول: ﴿على الأرائك ينظرون﴾ فِيْ أولِ الآيةِ صلةً للأرائك وفي الثَّاني من صلةً «هَلْ» والَأرائك: واحدها أَرِيْكَةٌ، وهي السَّريرُ فِيْ الحِجال فإن لم يكن فِيْ الحِجَال لم يُسمَّ أرِيْكَةً.
стр. 499
ومن سورة الانشقاق
حَدَّثَنِي ابْنُ مجاهدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عليّ القطعي، عنْ عُبَيْدٍ، عنْ أَبِي عَمْرٍو أَنَّهُ قَرَأَ: «إِذَا السَّمَاءُ انشقت» شملها شيئا من الجر، وكذلك ﴿وحقت﴾ و ﴿مُدَّتْ﴾ لأنَّ الحَرفَ المُشَدَّدَ كالسَّاكِنِ، والثَّاءُ ساكنةٌ فكسرها لذلك، وإنَّما الحرفُ الَأوَّلُ فِيْ المشدد هُوَ السَّاكن عَلَى الحَقيقة، ومعنى «إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ» أي: انشقت لِنُزُوْلِ الملائكة تنشق حَتَّى يرى طَرَفَاهَا «وَحُقَّتْ» أي: وحقَّ لها أن تسمع، ﴿وأَذِنَتْ لِرَبِّهَاْ﴾ أي: سَمِعَتْ وطَاْعَتْ رَبَّهاْ. وقال رسول الله ﷺ : «ما أَذِنَ اللَّه لشيءٍ كإِذْنِهِ لنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوتِ بالقرآن» وقال عديُّ بنُ زَيْدٍ:
أيُّها القَلْبُ تَعَلَّلْ بِدَدَنْ ... إنَّ هَمِّي فِيْ سَمَاعٍ وَأُذُنْ
﴿وإِذَا الَأرْضُ مُدَتْ﴾ كما يُمدُّ الَأدِيْمْ.
فإن قيلَ فأينَ جَوَابُ «إِذَا»؟
ففي ذَلِكَ أقوال، قَالَ: قومٌ الواو مُقْحَمَةٌ فِيْ قولُه: «وَأَذِنَتْ» والتقدير: إذا السماء انشقت وأذنت لِرَبِّها وحُقَّت والجوابُ محذوفٌ بعلمِ المخاطب.
وقال آخرون: - وهو الاختيار - فاءٌ مُضْمَرَةٌ، والتَّقدير: إِذَا السماء انشقت إلى قوله: «وحقت» ف ﴿أيها الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ أي: ساعٍ إلى ربِّكَ سَعْيًا، يُقال فلانٌ يكدَحُ لِمَعَايِشِهِ أي: يَسعى.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَيَصْلَى سَعِيْرًا﴾.
قَرَأَ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ والكِسَائِيّ وابنُ عامرٍ: «وَيُصلَّى سَعِيْرًا» بالتَّشديد صلّى يُصَلّى تَصْلِيَةً، وشاهدهم «تَصْلِيَةُ جَحِيْمٍ» لأنَّ تَفْعِلَةً لا يكون مصدرًا إلا لفَعَّلَ بالتَّشديد.
وقرأ الباقون: «وَيَصْلَى» بفتحِ الياءِ والتَّخفيفِ من صَلَى يَصْلَى صَلْيًا فهو صالٍ، وشاهدهم ﴿إلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الجَحِيْمِ﴾.
وفيه قراءةٌ ثالثةٌ روى خارجة عنْ نافعٍ وهارون عنْ أَبِي عَمْرٍو «ويُصْلَى» بضمةِ اليَاء مُخَفَّفًا، فهذه القراءةُ يجوز أن تكونَ من أفعلَ ومن فَعَّل؛ لأنَّ المضارعَ من الثُّلاثي يَستوي فِيهِ ما لم يُسم فاعله مَعَ الرُّباعي إلَّا أنّ الاختيارَ أن يقولَ صلّى زيدٌ: إِذَا لَم تعده،
стр. 500
وأَصلى غيره، وإنما جاء صَلَّاهُ غيره شاذًا. قَرَأَ الَأعمش: «فسوف نَصْلِيه» بفتح النُّون فعلًا للثلاثي.
وقولُه تَعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾.
قَرَأَ ابنُ كثيرٍ وحمزةُ والكِسَائِيُّ: «لتركَبن» بفتح الباء عَلَى خطاب رَسُول اللَّه ﷺ أي: لتركبنَّ يا مُحَمَّد أنت حالًا بعد حالٍ، وسماءً بعد سماءٍ، والطَّبق:
أطباق السماءِ، والطَّبق - فِيْ غير هَذَا -: طبق الرّطب، وغيره، والطبق: ساعةٌ من اللَّيل. تقولُ العربُ: مضى طبقٌ من اللَّيْلِ، وطَبِقٌ، وطَبِيْقٌ.
وقرأَ الباقون: «لَتَرْكَبُنَّ» بضمِّ الباءِ عَلَى خطاب الجَميع، والَأصلُ: لتركبون فَسَقَطَتِ الواوُ لسكونها وسكونِ نونِ التأكيد؛ لأنَّ كلَّ حرفٍ مشدَّدٍ حرفان، الأولُ ساكنٌ، واللَّامُ لامُ التأكيدِ وجوابُ القَسَمِ، والنُّون للتأكيد.
وقرأ عُمَرُ بْن الْخَطَّاب: «لَيَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ» بالياء، أي: ليَركبن يا مُحَمَّد سماءَ بعدَ سماءٍ.
وصليتُ خلفَ ابنِ مجاهدٍ فوقف عَلَى ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وابتدأ ﴿إلا الذين آمنوا﴾ فقلت له: - لما انفلت - وقفتَ عَلَى الاستثناء. قَالَ: لأنُّه استثناءُ منقطعٌ بمعنى لَكِنِ الَّذِيِْنَ آمَنُواْ.
وصلَّيْتَ خلفَ مُحَمَّد بْن القاسم الَأنْبَاْرِيِّ عَلَيْهِ أيضًا فسأَلته فأجابَ بمثلِ جوابِ ابنِ مجاهدٍ.
стр. 501
ومن سورة البروج
أقسم اللَّه تَعَالى بالسَّماء ذات البروج، وهي النُّجوم، كما قَالَ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا﴾، ﴿واليَوم المَوعُود﴾: يومُ القيامة الَّذِي وعد اللَّه أولياءه الجنة وأعد لأعدائه النار ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قيل النَّحر والفِطر والجُمعة. وقيل: الشَّاهد يومُ عرفةَ، وهو أجلُّ الأعياد الَّذِي أنزل اللَّه تَعَالى فِيهِ. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ والمشهود: يوم القِيامة. هَذَا قول الحسن بن علي ﵁، وشاهده: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿ذُوْ العَرْشِ المَجِيْدِ﴾.
قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلاه نعتا للعرش أي ذو العرش الرَّفيع.
وقرأ الباقون بالرَّفعِ نعتًا ل «ذو» وهو اللَّه تَعَالى وهو أحقَّ بأن يُوصف بالمجادة والمَجد حيثُ وَصَفَ نفسه فِيْ قولِهِ: ﴿إنَّه حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾، والمَجيد - أيضًا -:
المُصحف قَالَتْ عَائِشَة لبريرة ائتيني بالمَجيد أي: المُصحف.
وما خَلَقَ اللَّه تَعَالى أعظم من العَرش؛ لأنَّ السَّماوات والَأرضين تحتَ العَرش كالحَلَقَةِ فِيْ أرضٍ فلاةٍ وقال المُفسرون: ﴿ذو العرش المَجِيْدُ﴾ أي: الجَواد الكريم ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ لأن المخلوق يفرق العبد من سيده، والسيد من أميره، والأمير من مالكه، والملك من اللَّه فليس فوقه أحد فهو فعال لما يشاء.
والعرش: سرير الملك أيضًا خاصة. والعرش أيضًا: عرش القدم وهو ظاهره.
فأمَّأ قوله في هذه السورة: ﴿بل هو قرآن مَجِيْدٌ﴾ جماعٌ إلا ما حَدَّثَنِي ابنُ مجاهدٍ، عنْ أَحْمَد بْن إِسْحَاق، عنْ أَبِيهِ، عنْ محبوب، عنْ إِسْمَاعِيل أنَّ اليماني مُحَمَّد بْن السميع قَرَأَ: «بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيْدٍ» مضافًا. وتقديره عندي: بل هُوَ قرآن ربّ مجيدٍ، فنابت الصفة عنْ الموصوف كما قَالَ:
غَفُورُ، وَلَكِنَّ الغِنَى رَبٌّ غَفُوُرِ.
عَلَى تقدير: ولكنَّ الغنى غِنَى ربِّ غفورٍ.
وقولُه تَعَالى: ﴿فِيْ لَوْحٍ مَحْفُوْظٍ﴾.
قَرَأَ نافعٌ وحده: «مَحفوظٌ» بالرَّفعِ جعله نعتًا للقرآن، بل هُوَ قرآن محفوظٌ فِيْ
стр. 502
لوحٍ.
وقرأ الباقون: «محفوظٍ» بالجر جعلوه نعتًا للَّوح قَالُوا: لأنَّ الآثارَ كلَّها تواترت بأن يُقال: فِيْ اللوح المحفوظ.
وقرأ يَحيى بْن يَعمر: «فِيْ لُوْحٍ مَحْفُوْظٍ» بضم اللام أي فِيْ هواءٍ.
تَقُولُ العرب: فلان فِيْ السُّكاكة، والسكاك، واللوح وبمعنى واحد. واللوح أيضا غير هَذَا العَطَشُ، يُقال للعطش: الظَّمأُ، والغَيمُ، واللوح، واللوح بالضم، والإلياح، والغَلةُ، والغَليلُ، والصَّدَيُ.
وجاءَ فِيْ الحديث: «كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يتعوَّذُ بالله من خمسٍ: » من العَيْمَةِ، والغَيْمَةِ، والَأيْمَةِ، والكَدْمِ، والقَرمِ» فالعَيمةُ: شهوةُ اللَّبن، والغَيْمَةُ:
شدَّةُ العَطَشِ، والَأيْمَةُ: موتُ الَأزواجِ، والكَدْمُ: كثيرةُ الَأكْلِ، والقَرْمُ: شَهْوَةُ اللَّحْمِ.
وحدَّثني أَبُو عُمَر، عنْ ثعلب، عنْ ابْنُ الأعرابي أنَّ أعرابيًا دعا على آخر، فقال:
ما له أم وعم، وأُلَّ: قَالَ، وغَامَ وغُلَّ، وسقى بلززٍ ضاحٍ. اللَّززُ: المكانُ الضَيِّقُ، والضَّاحي: الظاهر للشمس وأُل: أي ضرب بالأله، وهي الحَرْبَةُ، والَألِيْلُ: أنينُ المَرِيْضِ، وكذلك الَألَلُ. وغُلَّ من العَطَشُ، ويجوز أن يكون من الغل: القيد.
стр. 503
ومن سورة الطارق
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: الطارقُ، النجم، سمي لطُلُوْعِهِ ليلًا، قَالَتْ هِنْدُ تَفْتَخِرُ:
نَحْنُ بَنَاْتِ طَارِقِ ... نَمْشِيْ عَلَى النَّمَارِقِ
أي: إنَ أبانا كالنَّجْمِ فِيْ شَرَفِهِ. هَذَا قولُ النَّاس كلِّهم إلا ما ذكر أَبُو حَنِيْفَةَ الدِّيْنَوَرِيُّ أنَّ بَنَات طارقٍ هُنَّ بناتُ ملكٍ من المُلوك في الزمان الأول يوصفن بالجمال.
أي: إنَّا فِيْ شرفنا مثل بناتِ طارقٍ. والطَّارقُ أيضًا: أحدُ الكواكبِ الأحدَ عشرَ التي رآها يُوْسٌف ﵇، ومنها الوَثَّابُ والعمودان. وَقَدْ ذكرتُها فِيْ سورةِ يُوْسٌف.
- وقولُه تَعَالى: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾.
قَرَأَ عاصمٌ وحمزةُ وابنُ عامرٍ: «لَمَّا» مشددًا؛ لأنَّ «إنْ» بمعنى «ما» الجاحِدة.
و«لمَّا» بمعنى «إلا» والتقدير إن كلُّ نفسٍ إلَّا عليها حافظ من اللَّه.
وقرأ الباقون: «لَمَا» مخفَّفًا ف «ما» صلة فِيْ هَذِهِ القراءة، والتقدير: إن كلُّ نَفْسٍ لَعَلَيْهَا حافِظٌ.
قَالَ أَبُو عبدِ اللَّه: وَقَدْ تأمَّلت «إن» فِيْ القرآن وفي كلام العرب فوجدتها تنقسمُ أربعةً وعشرين قسمًا:
منها تكون إنْ شرطًا كقولك: إنْ تَزرني أَزُرْكَ، ﴿وإن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ﴾.
وتكون إن بمعنى ما قولك: إن أنت إلَّا قائم، أي: ما أنت إلا قائم و ﴿إنْ أَنْتَ إلَّا نَذِيْرٌ﴾.
وتكون صلة: ما كقولك: ما إنْ رَأَيْتُ مِثْلَكَ، أي: ما رَأَيْت، ويُنشد:
مَا إنْ رَأَيتُ وَلَا سَمِعْتُ بِهِ ... كاليوم طالي أينق جرب
متبذلا تبدو مَحًاسِنُهُ ... يَضَعَ الهَنَاءَ مَوَاضِعَ النَّقْبِ
وتكونُ إن مخفَّفةً من مشدَّدة، كقولك: إنْ زيدًا قائم، تريد إنَّ زيدًا قائمٌ. قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿وإنْ كُلًّا لَمَا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ كذلك قَرأها نافعٌ وعاصم، وينشد:
стр. 504
وصَدْرٍ مُشْرِقِ النَّحْرِ ... كَأَنْ ثَدْيَيهِ حُقَّانِ
يريد: كأنَّ فخفف، أَنشدني ابنُ مُجاهدٍ:
فَلَو أَنْكِ في يوم الرخاء سألتني ... فراقك لم أبخل وأنت صديق
وتكون بمعنى قد ولم كقوله تَعَالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ قيل: فيمَ لم نمكنكم، وقيل: فيما قَدْ مكناكم.
والوجهُ السَّابعُ: أن بمعنى إذْ كقوله تَعَالى: ﴿اتَّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي: إِذ كنتم.
والوجه الثامن: إن أمر من مان يمين: إِذَا حانَ وقت الشيءِ فإذا أمرت قلت: إِنْ كما تَقُولُ: مِنْ من مانَ يمين مَيْنًا: إِذَا كذب مِنْ ومن حان يَحين حِنْ ومن رانَ يرين رِنْ.
قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ثُمَّ فسر أن الْإِنْسَان ﴿خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ﴾ مهين ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ أي: صلبُ الرَّجُلِ وتَرِيْبَةِ المَرْأَةِ، وهي معلق الحلى عَلَى الصَّدرِ. وفي الصُّلب ثلاثُ لُغاتٍ: الصُّلْبُ وهي قراءَةِ النَّاس والصُّلُبُ بضمتين، وقرأَ بذلك عِيسَى ابن عُمَر، والصَّلَب بفتح اللام والصَّاد قَالَ العَجَّاج:
فِيْ صَلَبٍ مِثْلُ العَنَاْقِ المُؤْدِمِ
ولغةٌ رابعةٌ: صالب، قَالَ الْعَبَّاسُ بْن عبدِ المُطَّلب يَمْدَحُ النَّبِيَّ ﷺ :
مِنْ قَبْلِهَا طبتَ فِيْ الظّلال وفي ... مُستودع حيثُ تخصف الوَرَقُ
ثُمَّ هَبَطتَ البلادَ لا بَشَرٌ ... أَنْتَ ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السَّفين وَقَدْ ... ألجمَ نَسْرًا وقومَهُ الغَرَقُ
تُنقَلُ من صَالبٍ إلى رَحِمٍ ... إِذَا مَضَى عامٌ بَدَا طَبَقُ
قَد احتَوى بَيْتُكَ المُهذُّبُ من ... خِنْدِفَ عَلياءَ تَحتها النُّطُق
فأنت ما ظهرت أشرقت الأرض ... وضَاءَت بنُورِك الأُفُقُ
стр. 505
فنَحُن فِيْ ذَلِكَ الضِّياء وفي النُّو ... رِ وسُبلِ الرّشادِ نَحْتَرِقُ
فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ «لا فَضَّ اللَّه فَاكَ» فيقالُ: للصلب الصلب والصلب، والصلب، والصالب، والمَتْنُ، والمَتْنَةُ، والظَّهْرُ، والمَطَاْ، والقَرَاْ، وكتب بالألفِ كقولهم: ناقةٌ قرواء إِذَا كانت طَويلةَ القَراء، أي: الظَّهر، ولا يُقال: جَمَلٌ أقرى كما لا يُقال: رَجُل أحسن، وديمة هطلاء ولا يُقال سحابة أهطل، وذكر ابْنُ السِّكِّيْتِ: أن القَرا بالياء والألف ويثنى «القَرَيَانِ، والقَرَوَاْنِ».
وقولُه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ الرَّجعُ: الماءُ. أنشدَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِيْ صِفة سَيْفٍ:
للمُتَنَخَّلِ:
أَبْيَضُ كالرَّجعِ رَسُوبٌ إِذَا ... مَا ثَاَخَ فِيْ مُحْتَفَلٍ يختلي
стр. 506
ومن سورة الأعلى
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: سألتُ ابنُ مجاهدٍ كيفَ يلفظُ أَبُو عَمْرٍو بأواخر أي هَذِهِ السُّورة، لأنَّ فيها ما آخره ياءٌ وراءٌ مثل: «اليُسرى»، ومنها ما يكون آخره ألف مقصورة؟
فَقَالَ: اسمعها منَّي فقرأ عليَّ هَذِهِ السُّورة بأَسرها فكان لفظُه بينَ الِإمالة، والتَّفخيم، لم يفصل بعضًا عَلَى بعضٍ.
وقراءة نافعٌ شبيهةٌ بذلك، وهو إلى الفتحِ أَميلُ.
فأمَّا حمزةُ والكِسَائِيُّ فكانا يميلان كلَّ ذَلِكَ.
وأمَّا عاصمٌ وابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ فيفخِّمون عَلَى الَأصل والِإمالة داخلةً عَلَيْهِ.
وكان ابنُ مُجاهدٍ إِذَا قَرَأَ فِيْ الصَّلاة هَذِهِ السُّورة يقطعُ ألفَ الوصلِ فِيْ نحو «إسْمِ رَبِّكَ الَأعْلَى» ثُمَّ يَقُولُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ لأنَّه يومي إلى الوقف عند رأسِ كلِّ آيةٍ عَلَى مذهب رَسُولِ اللَّه ﷺ .
وقولُه تَعَالى: ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾.
قَرَأَ الكِسَائِيُّ وحده: «والَّذِيْ قَدَرَ فَهَدَى» مخفَّفًا وحجته ﴿فَنِعْمَ القَادِرُوْنَ﴾.
وقَرَأَ الباقون بالتَّشديد وحجتهم: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيْرًا﴾ وكلُّ ذَلِكَ صَوَابٌ بحمد اللَّه.
ومعنى «والذي قَدَّرَ فَهَدَى» أي: هَدَى الذَّكَرَ كيف يَأتي الُأنْثَى من البَهائم وغيرها.
وقال آخرون: معناه: والذي قدَّر فَهَدَى وأضلَّ. فأسقط وأضل ليوافق رءوس الآي. كما قَالَ تَعَالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشمال قعيد﴾ فاجتزأ قَعِيدٌ عنْ قعيدان، وكما قَالَ: فِيْ هَذِهِ السُّورة: ﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾ وإنما يكون أحوى، ثُمَّ يصير غثاء، والأحوى: الشدائد الخُضرة يضرب إلى السَّواد من رِبِّهِ. وكذلك الحُوَّةُ فِيْ الشِّفاةِ قَالَ ذو الرُّمة:
قَرْحَاءُ حَوَّاءُ أشراطِيَّةٌ وَكَفَتْ ... فيها الذَّهابُ وحفَّتها البَرَاعِيْمُ
وقولُه تَعَالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَيَاة الدُّنْيَا﴾.
قَرَأَ أَبُو عُمَر وحده بالياء ردًا عَلَى قولُه: ﴿ويتجنبها الَأشْقَى﴾ الَّذِي «قَالَ:
والَأشقى بمعنى الأشقين.
стр. 507
وقرأ الباقون بالتَّاء، وهو الاختيار، لأنَّ فِيْ حرف أَبِي بكرٍ «أَنْتُمْ تُؤْثِرُونَ الحَيَاةَ» فهذا يُؤكد الخِطاب، ولم يَقل: بل هُم يؤثرون.
وكان حمزةُ والكِسَائِيّ يدغمان اللَّام فِيْ التَّاء: «بلْ تُّؤثِرُون» لقرب اللَّام من التاء.
والباقون يُظهرون؛ لأنَّهما من كَلِمَتَين.
وعظمهم اللَّه حيث أقبلوا عَلَى مشهد ما يستوخمون مغبته، ورغبهم فِيْ الحَياة الباقية. فَقَالَ: ﴿والآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾ ثُمَّ أكَّد ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إنَ هَذَا﴾ الَّذِي قصصت عليكم أحسن القصص ﴿لَفِي الصُّحُفِ الُأوْلَى﴾، ثُمَّ بيَّن فَقَالَ: ﴿صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ فصحف مُوسَى: التَّوراة، وصحف إِبْرَاهِيم ﵇ رُفعت، والنصارى عليهم لعائن الله لا يقرون بنبوة إِبْرَاهِيم. وقالوا: كَانَ رجلًا صالحًا، قَالُوا:
لأنَّ النَّبِيّ عندنا مَنْ لَهُ كتابٌ. والقُراء جميعا يقرءون ﴿لَفِي الصُّحُفِ﴾ بضمتين إلا ابْنُ عَبَّاس. فإنه قَرَأَ: «صُحْفِ إبْرَاهِيْمَ» خفيفًا، وكذلك روى وهيب، عنْ هارون، عنْ أَبِي عَمْرٍو «صُحْف إِبْرَاهِيْمَ» وهذه كلُّها من الشُّواذ، والاختيار فِيْ قراءتهم جميعا «الصحف» وإبراهيم فيه لغة أخرى إبراهيم بغيرِ ألفٍ، وأنشد:
نَحْنُ آلُ اللهِ فِيْ بلدته ... لم يزل ذلك على عهد إبراهيم
стр. 508
ومن سُورة الغاشية
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: إنَّما سُميت الغاشية؛ لأنَّ اللَّه خبَّرهم بصفة النار وأهلها ليرتدعوا عنْ المعاصي، وأن لا يعبدوا غيره وأَفردَ الرَّسُول ﷺ بالخطاب، فقال: ﴿هَلْ أَتاكَ﴾ يا مُحَمَّد ﴿حديث الغاشيَةِ﴾ أي: النار، الغاشية من قولُه ﴿تَغْشَى وُجُوْهَهُمُ النَّارُ﴾ غشيت تغشى غشيانًا فهي غاشيةٌ، والوجوه مغشيةٌ.
وقولُه تعالى: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وعاصمٌ فِيْ روايةِ أَبِي بكرٍ: «تُصْلَى» بالضَمِّ لِقَوْله: «تُسْقَى.»
وقرأ الباقون: «تَصْلَى» بفتح التاء لقوله: ﴿إلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الجَحْيمِ﴾ وَقَدْ أثبتُّ علة ذَلِكَ فِيْ «إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ».
وقولُه تَعَالى: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾.
قَرَأَ ابْنُ كثيرٍ وأبو عَمْرٍو: «لا يُسْمَعُ» بالياء «لَاغِيةٌ» بالرَّفع، وإنَّما ذكرَّ اللَّاغية واللَّاغية مؤنثةٌ أي: الحالفة، لا تَسمع فيها نفسٌ حالفةٌ، لأنَّ اللاغية بمعنى اللَّغْوِ.
وقال آخرون: لما فَصَلَ بين الاسمِ والفعلِ بحائل ذكَّره.
وفيه قول ثالثٌ - وهو الاختيار -: أن تأنيث اللَّاغية غير حقيقي.
وقرأ نافع: «لا تُسْمَعُ» بالتاء «لاغِيَةٌ» بالرفع فأنث للفظ لا للمعنى.
وقرأ الباقون: «لا تَسمع» بفتح التاءِ «لاغِيَةً» بالنصب عَلَى تقدير لا تَسمع أنت يا مُحَمَّد فِيْ الجَنَة لاغيةً.
وفيها قراءةٌ رابعةٌ: قَرَأَ ابنُ أبي إِسحاق «لا يُسمع» بالياء مضمومةٌ «لاغِيَةً» بالنصب عَلَى تقدير: لا يسمع الوجوهُ لاغيةً.
وقولُه تَعَالى: ﴿لست عليهم بمصيطر﴾.
قَرَأَ ابنُ عامرٍ بالسّين برواية هشام.
وكان حمزةُ يميل الصَّاد إلى الزَّاي.
وقرأ الباقون بصادٍ خالصة.
وروى عنْ قَتَادَة «بمصيطَر» بفتح الطاء أي: بمسلّط.
стр. 509
وقولُه تَعَالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ﴾.
اتَّفق القراءُ السَّبعةُ عَلَى كسرِ الهمزةِ والباءِ، وإنما ذكرته؛ لأنَّ الأصمعيَّ ذكر عنْ أَبِي عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: «أَفَلَا تَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ» خفيفًا. وقال: يعني بِهِ البَعيرَ؛ لأنَّ فِيْ ذَلِكَ أعجوبةً إذ كَانَ يَبرك ليُحمل عَلَيْهِ، ثُمَّ ينهض، وليس شيءٌ من الحيوان يفعل ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو عَمْرٍو: مَنْ قرأها «إلى الِإبلِّ» بتشديد اللام فإن الِإبِلَّ السَّحابُ التي تَحمل الماءَ للمطرِ.
واتفقوا أيضًا عَلَى إسكان التَّاءِ فِيْ «كَيفَ خُلِقَتْ»، وإنَّما ذكرته لأنَّ عليًا ﵁ رُوى عَنْهُ: «أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ»، اللَّه تَعَالى يُخبر عنْ نَفسه.
واتَّفقوا أيضًا عَلَى تَخفيف الطاءِ فِيْ «سُطِحَتْ» إلا هارون الرَّشيد، فإنه قَرَأَ «سُطِّحَتْ» بتشديد الطاء.
وقال أَبُو عَبْدِ اللَّه: أخذ هارون ذَلِكَ عنْ الْحَسَن فيما حَدَّثَنِي ابنُ مجاهدٍ أن ابْنُ رومي حدَّث، عن بكار، عن الحسن «سُطِّحَتْ» مشددةً.
وقرأ النَّاس كلهم: «إنَّا إلَيْنَا إيابهم» مصدر آب يئوب إيابًا، والِإيابُ:
الرجوعُ، إِلّا ما حَدَّثَنِي أَحْمَد، عن علي، عن أبي عبيد، أن أبا جَعفر المَدَنِيَّ قَرَأَ: «إنّ إلَيْنا إِيَّاْبَهُمْ» بالتَّشديدِ. وأهلُ العربية يضعِّفون ذَلِكَ، ولا وجهَ للتَّشديد عندهم وله عندي وَجْهٌ، تجعله مصدر أَوَّبَ إيَّابًا، كما قَالُوا: أرَّق إرَّاقًا وأنشد:
يَا عيد ما لك مِنْ شَوقٍ وإرَّاقِ ... وَمَرِّ طَيْفٍ عَلَى الَأهْوَالِ طرائق
فقلبت الواوُ ياءً فِيْ المصدر.
стр. 510
ومن سورة الفجر
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: أبان اللَّه تَعَالى فِيْ إقسامه بهذه السُّورة، عن غداة يوم النحر، وهو يوم الفَجْرِ وعن عشرِ ذي الحجَّة وهي: ﴿لَيَالٍ عشر﴾، ﴿والشفع﴾ الخلق جميعًا، ﴿والوَتْرِ﴾ اللَّه تَعَالى. لما أقسم بهذه الَأوقات، وبخلقه، ونفسه قَالَ: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾ أي: لذي لُبٍّ لذي عَقْلٍ. قَالَ الشَّاعِرُ:
دُنْيَا دَنَتْ مِنْ جَاْهِلٍ وَتَبَاْعَدَتْ ... عَنْ كُلِّ ذِيْ أَدَبٍ لَهُ حَجْرُ
وقال آخرون: بل اسمُ اللَّه تَعَالى مُضمرٌ قبل السُّورة، فالتقدير ورُبِّ الفَجِر.
وحَدَّثَنَا ابْنُ مجاهدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبو قُلابةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشر بْن عُمر، قَالَ حَدَّثَنَا همَّام بْن يَحيى، قَالَ: سُئِلَ قتادةَ، عنْ الشَّفيعِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عِمران بْن عصام، عنْ عِمران بْن حُصين، أن رَسُول اللَّه ﷺ سُئل عنْ الشَّفعِ والوَتر فَقَالَ: «هي الصلاة منها شفع وو تر».
قَالَ أَبُو عبدُ اللهِ: الشَّفع الزَّكا، وهو الزَّوج. والوَتر الخَسا، وهو الفَردُ: قَالَ الفَرَّاءُ: يكتبان بألف خسا، وزكا؛ لأن زكا من زَكوت، وخسا من خَسوت أصله الهَمز، فلا ينصرفان؛ لأنهما معرفتان، قَالَ الشَّاعِرُ:
وشرُّ أصنافِ الشيوخ ذو ريا ... أطلس يحنو ظَهْرَهُ إِذَا مَشَى
الزَّوراء أَوْ مال اليتيم عنده ... لعبُ الصَّبِيِّ بالحَصَا خَسَا زَكَا
فإن قيل: في «هل أتى على الإنسان» «و ﴿هل فِيْ ذَلِكَ قَسَمٌ» مجازَ «هَلْ» فِيْ العربية؟ .
فقل: «هَلْ» تَنقسم فِيْ كلام العرب ثمانية أقسامٍ:
تكون استفهامًا كقولك: هَلْ قَامَ زَيْدٌ؟
وتقريرا وتوبيخا: كقوله: «هل أنتم مطلعون» «و ﴿هل فِيْ ذَلِكَ قَسَمٌ».
وبمعنى قَدْ كقولِهِ: «هَلْ أَتَاكَ حَدِيْثُ الغَاشِيَةِ».
وبمعنى الأمرِ، حَدَّثَنِي ابْنُ مجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيِّ، عنْ الفَرَّاءِ فِيْ قولُه تَعَالى: «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُوْنَ» قَالَ: معناه: انْتَهُوا.
تكون هَلْ بمعنى ما جَحْدٌ، كقولِكَ: هَلْ أنت إلا ذاهبٌ، أي: ما أنتَ إلا
стр. 511
ذاهبٌ، قَالَ الرَّاجزُ:
أبرد فِيْ الظَّلماء من مَسّ الصبَّا ... هَلْ أَنْتَ إلَّا ذاهبٌ لتغلبا
وهل بمعنى: أَقبل وتعالى، كقولِكَ: «إِذَا ذُكر الصَّالِحُوْنَ فَحَيَّهَلَا بعُمر ويروي:
ف «حيّ» كلمة و «هلًا» كلمة، فأمَّا ما ذكر الخَليل: أن حيَّهل نبتٌ فهي كلمةٌ.
والوجهُ الثَّاني: هَلَا بمعنى السُّكونِ كقولِ الَّشاعِرِ:
أَعَيَّرْتَنِي دَاْءً بِأُمِّكَ مِثْلُهُ ... وَأَيُّ جَوَاْدٍ لَا يُقَالُ لَهَاْ هَلَا
أي: اسكت للجماع.
فأمَّا قولُهم فِيْ زَجر الفرس: هب، وهل فمعناه أيضًا: أقبل، وإن شئت جعلتَه قِسمًا تاسعًا. قَالَ الرَّاجِزُ:
ثُمَّ تَنادوا بعدَ تلك الضوضا ... منهم بهابٍ وهل وبابا يابا
وقولُه تَعَالى: ﴿والشَّفْعِ وَالوَتْرِ﴾.
قَرَأَ نافعٌ وابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرٍو وعاصمٌ وابنُ عامرٍ: «والوَتْرِ» بفتحِ الواوِ.
وقرأ الباقون: «الوِتْرِ» بالكسرِ. فَقَالَ أهل العربية: هما لغتان وتر وو تر.
وقال آخرون: «الوَتْرُ»: الفَرْدُ: فِيْ الذّحل والعَداوة، من قولهم: قَدْ وُتِرَ فلانٌ إِذَا قُتِلَ أَهْلُهُ وأُصيب بِبَلِيَّةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ العَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» فهذا الحديث يُصحح أنَّ الصلاةَ الوُسطى صَلَاةُ العصر؛ لأنَّ تخصيص رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى هَذِهِ الصّلاة دون غيرها، والأمرُ بالمحافظة عليها تَبْيِيْنٌ لقولُه تَعَالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ ويؤيد ذَلِكَ الحديث الآخر: «شغلونا عنْ صلاةِ الوُسطى حتَّى غابت الشَّمس ملَأ اللَّه قُبُورهم وبُيُوتهم نارًا».
وقولُه تَعَالى: ﴿واللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾.
قَرَأَ ابنُ كَثِيْر: «يَسْرِى» بالياءِ؛ لأنَّ الياء لائم الفعلِ من سَرَى يَسرى مثل قَضَى يَقْضِى، فأثبتها وصلا، وو قفا عَلَى الأصلِ.
وكان أَبُو عَمْرٍو ونافعٌ يثبتان الياء وصلا ويحذفانها وقفا ليكونا قد تبعا المصحف فِيْ الوقف، والأصل فِيْ الوصل.
وقرأ الباقون بغير ياء على الوصل لتوافق رءوس الآي نحو: «والفَجْرِ وَلَيَالِ﴾
стр. 512
﴿عشر﴾. .. ﴿والوتر».
وقرأ ابن كثير: «الصخر بالواد» بالياء وصل أو وقف.
والباقون قرءوا مثل: «يسر» من حذف ذلك وصلا ووقفا حذف هذه ومن أثبت ذلك وصلًا وحذفه وقفًا فعل بهذه مثل ذَلِكَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾.
كَانَ أَبُو عَمْرو وحده يقرأ: «كَيْفَ فَّعَلَ رَبُّكَ» بالِإدغام.
والباقون بالِإظهار، لأن الياءَ قبل الفاء ساكنةٌ، والِإظهارُ أخفُّ.
واتفق القراءُ عَلَى إجراء عاد إلا الْحَسَن فإنه قَرَأَ: «بعادَ» غيرَ مصروفٍ جعله اسمَ قبيلةٍ. واتفقوا عَلَى ترك الصرف من إِرَمَ؛ لأنّهم جعلوه اسم بلدةٍ لقوله: «ذَاتِ العِمَاد».
وروى عنْ الضَّحَّاك أَنَّهُ قَرَأَ: «بِعَادِ أرمَّ ذَاتِ العِمَادِ» أي: رمهم بالعذاب رَمًّا وأرمَّهم. واتَّفقُوا عَلَى رفع اللام فِيْ قولُه: «مِثْلُها فِيْ البِلَاد» إلا ابْنُ الزُّبير. فإنه قَرَأَ: «لم يَخْلُقْ مثلَها» عَلَى تقدير: لم يَخلِق اللَّهُ مثلها.
وقوله تعالى: ﴿أكرمن﴾ .... و ﴿أهانن﴾.
قَرَأَ نافع، والبزي، عنْ ابْنُ كَثِيْر بإثبات الياء فيهما فِيْ الوصل، واختلف عنْ أَبِي عَمْرو، فروى عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يقف عَلَى النون ساكنةً خفيفةً «أكرمن ..... وأهانن».
وروى عَنْهُ أَنَّهُ يثبت الياء مَعَ نافع.
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: سَمِعْتُ ابْنُ مجاهد، يَقُولُ: قَالَ اليَزِيْدِيُّ: عنْ أَبِي عَمْرو: وما أبالي كيف قرأتهما بالياء فِيْ الوصل أم بغير ياء، فأمَّا الوقف فبغير ياء.
ومعنى هَذِهِ الآية: أنَّ رجلًا عَلَى عهد رَسُول اللَّه ﷺ كَثِيْر المال مشركًا قَالَ: إنَّما رزقني اللَّه ما ترون لِإكرامي عَلَى اللَّه، وأصحاب رَسُول اللَّه ﷺ فيهم الفقراء قَدْ حبس اللَّه الرزقَ عَنْهُمْ لهوانهم عَلَيْهِ، فأخبر اللَّه تَعَالى عنْ كذبه فَقَالَ: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ قَدَرَ وقَتَر بمعنى، وهو الضِّيقُ والاختيار التّخفيف من قولُه: ﴿اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقَدِرُ﴾.
وقرا أَبُو جَعْفَر المَدني، مشدّدًا فيما حَدَّثَنِي أحمد، عن علي، عن أبي عبيد أن أبا
стр. 513
جَعْفَر قَرَأَ «فَقَدَّرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ».
وقولُه تَعَالى: ﴿كلا بل لا تكرمون اليتيم﴾.
«ويحبون» «ويأكلون» قرأ أبو عمرو كلُّ ذَلِكَ بالياءِ.
وقرأ الباقون بالتَّاءِ، فالتاءُ للخطاب أي: قُل لهم يا مُحَمَّد ذَلِكَ. ومن قَرَأَ بالياء أخبر عنْ من تقدّم ذكره أنهم بهذه الصفة لا يكرمون اليَتيم، «ويحبون المال حبا جما» أي: شديدا ﴿وتأكلون التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا﴾ أي: الميراث.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَا تَحاضُّونَ﴾.
قَرَأَ أهلُ الكوفةِ: «تَحَاضُّونَ».
وقرأ أَبُو عَمْرٍو وحده بالياء: «يُحَاضُونَ».
وقرا ابْنُ كَثِيْر ونافع وابن عامر: «تَحُضُّون» فمن قَرَأَ بالياء عطفه عَلَى ما قبله.
ومن قَرَأَ بالتاء فعلى الخطاب أي: لا يحض بعضهم بعضًا عَلَى إطعام المساكين، كما قَالَ تَعَالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ حضضته وحثثته واحدٌ.
ومَنْ قَرَأَ: «تَحَاضُّوْنَ» فمعناه كمعنى تحضُّون فاعلته وفعلته. إلا أن المفاعلة من اثنين أكثر.
وحدَّثني ابنُ مُجاهدٌ، عنْ السِّمَّرِيِّ، عنْ الفَرَّاءِ وأن بعضهم قَرَأَ «ولا تُحَاضُونَ» أي: ولا تحافظون.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾.
قَرَأَ الكِسَائِيُّ وحده: «لا يعذَّب» بفتح الذال «ولا يُوثَق» بالفتح ذهب إلى أن رسول الله ﷺ قرأها كذلك. ومعناه لا يعذب عذاب النار أحد.
وقرأ الباقون: «لا يعذِّب» ««ولا يوثِقُ» بكسر الذال، والثاء، قَالُوا: المعنى لا يُعذب فِيْ الدُّنيا عذابَ اللَّه فِيْ الآخرة.
وقيل لأبي عَمْرو بْن العلاء: لمَ تركت هَذِهِ القراءة يعني الفتح وَقَدْ أثر عنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَقَالَ: «لأنِّي أتَّهم الواحد الشَّاذّ إِذَا أتى بخلافِ ما عَلَيْهِ الكافةَ يعني أَنَّهُ قَدْ روى عنْ رَسُول اللَّه ﷺ الفتح من وجه واحدٍ، والكسر عَنْهُ من وجوه.
وحدثني ابن مجاهد، قال: حدثنا محمد بن سنان، عنْ عثمان، عنْ شُعْبَة، عنْ
стр. 514
خَالِد الحَذَّاء، عنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بكرةَ، عنْ أُمّه، عنْ رَسُول اللَّه ﷺ ، قَالَ: «لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ .... ولا يُوثَقُ وَثَاقَهُ» بالكسر. فأمَّا فتح الواو فِيْ وَثَاقٍ فإنه إجماع.
وسمعتُ ابنُ مجاهدٍ يَقُولُ: روَى أَبُو زَيْدٍ، عنْ العرب وَثاق ووِثاق، فأمَّا القِرَاءةُ فلا.
وأجمع القُراءُ عَلَى قولُه: ﴿فادْخُلِي فِيْ عَبَادِيْ﴾ أنَّها بالألفِ إلَّا ابنَ عَبَّاسٍ فإنه قَرَأَ: «فادخُلي فِيْ عَبْدِي» أي: فِيْ جسم عبدي وهي قراءةٌ حسنةٌ.
стр. 515
ومن سورة البلد
قَالَ أَبُو عبدِ اللَّه: سُمِّيت هَذِهِ السُّورة أعني: ﴿لا أُقْسِمُ بهذا البَلَدِ﴾ والبَلَدُ هنا:
مكَّة ﴿وأَنَتَ حِلٌّ﴾ خاطب محمدًا ﷺ بهذا البلد وذلك أنّ مكة ما أحلت لأحدٍ قبل رَسُول اللَّه ﷺ . ولم يَفتحها أحدٌ قبله فحللّها لَهُ ساعةً من النَّهار يومَ فتح مكة ﴿ووالدٍ وما وَلَدَ﴾ الوالد: آدم ﵇، وما ولد ذُريته.
حَدَّثَنِي أَبُو طالبٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ، قَالَ: سرتُ إلى مجلس أَبِي جَعْفَر الطَّبري وكان يومًا مَطِيْرًا فرآني قَدْ اغتممت، فَقَالَ: والله لأعوضنَّك ﴿لا أُقسم بهذا البلد﴾ يعني مكَّة ﴿وأنتَ حلُّ بهذا البَلَدِ﴾ يعني مُحَمَّدًا ﴿ووالدٍ﴾ يعني عليًّا وفاطمة ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ يعني: الحَسَنَ والحُسَين. قَالَ: فقمت فقبَّلتُ رجله وانصَرَفتُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيْرٍ وأبو عَمْرو والكِسَائِيُّ: «فَكَّ» بالفتح جعلوه فعلًا ماضيًا «رقبةً» مفعول.
وتقول العرب: فككت الأسيرَ والرهنَ أفكُّ فكًا، فالمصدر عَلَى لفظِ الماضي، ونَسَقَ ﴿إطْعَامٌ﴾ عَلَى «فك» و ﴿في يوم ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ المسغبةُ: المجاعةُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
لاهَ ابن عمك لا فضلت فِيْ حَسَبٍ ... عَنّى ولا أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي
ولا تَقُوْتُ عِيَالِي يَومَ مَسْغَبَةٍ ... وَلَاْ بِنَفْسَكَ في الضراء تُواسِيِنْي
وحدَّثني أَبُو عُمَر، عنْ ثعلب، عنْ أَبِي نصرٍ، عنْ الَأصمعي، قَالَ: الفَكُّ أن تفك الرّقبة والخِلخال واليَد فكًّا، وَيُقَالُ: أصابه فَكَكٌ. قَالَ رؤبةُ:
هَاجَاكَ مِنْ أَرْوَى كَمِنْهَاض الفَكَكْ
وتُسمى النُّجومُ المستديرةُ الفَكَّةَ. وَيُقَال: فِيْ فلانٍ فَكَّةٌ: إِذَا كَانَ فِيْ رأيه استرخاءٌ. ويُقالُ: فلانٌ يَسعى فِيْ فكاكِ رقبته، وهلمّ فكاك رَهنك. ويقالُ انكسر أحدُ فكَّيه أي: لَحْيَيْهِ. وينشد:
كأنَّ بينَ فَكِّها والفَكِّ ... فَارَةُ مِسْكٍ ذُبِحَتْ فِيْ سَكِّ
وأجمع القُراء عَلَى ذي بالياء نعتٌ ل «يومٍ» إلَّا الْحَسَن البصري فإنه قرأ، «في يومٍ ذَا مسغبةٍ» جعل «ذا» نعتًا لمحذوف، والتَّقدير: أَوْ إطعام فِيْ يومٍ فَقَيرًا ذا مسغبة.
стр. 516
والاختيار ما عَلَيْهِ النَّاس. و «يَتِيمًا» مفعول إطعام.
وقرأ الباقون: «فَكُّ رَقَبَةٍ» جعلوه مصدرًا. وأضافوه إلى رقبة، والمصدر إِذَا كَانَ بتقدير الفعل عمل عمله. فهذا وإن كَانَ فِيْ اللَّفظ مضافًا فهو فِيْ المعنى مفعول.
وتلخيصه: فلا يقتحم العقبة، ولا يجوز الصّراط إلا من كَانَ بهذه الصّفة أن يفك رقبة «أو إطعام في يوم ذي مسغبة» أي: أَوْ أن يطعم يتيمًا. فَقَالَ أهل البصرة:
ينتصب يتيمًا بإطعام.
وقال أهل الكوفة: المصدر إِذَا نون أَوْ دخلته الألف واللام لم يعمل فقيل لهم: فبمَ تنصبون يتيمًا؟ فقالوا: بفعل مشتق من هَذَا المصدر والتقدير عندهم: «أَوْ إطعامٌ» أن يطعم يتيمًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿مسكينًا ذا متربة﴾.
نسق عَلَى «يتيمًا ذا مقربة» أي: قَدْ لصق بالتراب من الفقر وشدّته، يُقال ترب الرجلُ: إِذَا افتقر والتصق بالتراب، وأترب: إِذَا استَغنى أي: صار ماله كالتُّراب كثرةً، فأمَّا قول رَسُول اللَّه ﷺ للرجل الَّذِي قَالَ لَهُ: «تربت يَداك» فقد فسرتُهُ فِيْ غير المَوضع.
وأمَّا الفرقُ بين المسكين والفقير، فإن أكثرَ النَّاسِ قَالُوا المسكين أسوأُ حالًا من الفقير الَّذِي لَهُ البلغة من العيش، والمسكين الَّذِي لا شيء لَهُ. واحتجوا بقول الشَّاعِر:
أمَّا الفقيرُ الَّذِي كانَت حُلُوبَتُهُ ... وفقَ العيالِ فلَم يُترك لَهُ سَبَدُ
وقال آخرون: الفَقيرُ أسوأ حالًا من المسكين؛ لأن اللَّه تَعَالى قَالَ: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ فَقَالَ مَنْ يحتج للقول الأول: هَذَا لا يلزم من جهتين:
إحداهما: أنَّ أبا مُحَمَّدٍ قطربًا قَرَأَ: «أمَّا السَّفِيْنَةُ فكانت لِمَسَّاكِيْنَ» أي:
لملَّاحين.
والجهة الأخرى: أن اللَّه تَعَالى قَالَ: «لِمَسَاكيْنَ» أهل بيت فيهم كثرة عدد فهم فقراء وإن كانت لهم سفينةٌ.
فأمَّا قولُه: ﴿أَهْلَكْتُ مَاْلًا لُبَدًا﴾.
فأجمع القراء السبعة عَلَى ضمِّ اللام وتخفيف الباء جمع لُبْدَةٍ مثل غُرفةٍ وغُرفٍ، وقبلة وقبل.
стр. 517
وقال آخرون: يجوز أن يكون لُبد مثل زُفر، وعُمر، وإنما ذكرته لأن أبا جَعْفَر الْمَدَنِيّ قَرَأَ: «مالا لُبَّدًا» بتشديد الباء جعله جمع لا بد ولبد مثل راكع وركَّع.
وقرأ ابْنُ مجاهد: «مالًا لُبُدًا» بضم الباء واللام مخفَّفًا جعله كالرُّعُب والسُّحُت.
وأمَّا قولُه تَعَالى: ﴿أَيَحْسََبُ أَنْ لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾.
فقد ذكرت الاختلاف فِيْ الهاء المكني إِذَا اتصل بفعل مجزوم نحو: «يؤده إليك» «و ﴿نوله ما تولى» فيما سلف وإنما أعدتُ ذكرَه لأنَّ الْأَعْمَشَ قَرَأَ: «أنْ لَمْ يَرَهْ أَحَدٌ» بإسكان الهاء، وهي لُغةٌ، وينشد:
فضلتُ لَدَى البَيْتِ العَتِيْقِ أُجِيْلَهُ ... وَمَطْوَاْىَ مُشْتَاقَاْنِ لَهُ أَرِقَاْنِ
وأحد - هاهنا -: اللهُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿نارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرو وحمزة وحفص، عنْ عاصم: «مُؤْصَدَةٌ» بالهمز مفعلة من أصدت الباب أي: أطبقته مثل آمنت، فاء الفعل همزة.
وقرأ الباقون بالهمز جعلوه من أوصدت، فاء الفعل واو مثل النار الموقده، من أوقدت.
فأمَّا فتحةُ الدّال في «مؤصدة» والميم في «المشأمة» فإجماع، وإنما ذكرتُه لأنَّ ابْنُ مجاهد، حَدَّثَنِي، عنْ الخزاز، عنْ القطعي، عنْ أَبِي الربيع، عن حفص، «مؤصدة» بإمالة الدال، و «المشأمة» بكسر الميم. وهذه لغة أعنى إمالة الحرف الَّذِي يلي هاء التأنيث كقولهم: القيامة والآخرة ورحمة، واللُّغة الأولى الاختيار؛ لأنَّ هاء التأنيث يفتح ما قبلها فِيْ جميع كلامِ العربِ إلا فِيْ موضع واحدٍ، وهو قولهم:
هَذِهِ؛ لأن هَذِهِ بدلٌ من ياء والأصل هذي، تَقُولُ: هَذِهِ المرأة، وهذي المرأة، وينشد:
فَهَذِي سيوف يا صدي بن مالك ... كثير ولكن أينَ بالسَّيْفِ ضارِبُ
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: روى عنْ حَفْص أيضًا: «أصحابُ المَشَّمَة» بتشديد الشين، وذلك أن العرب مَنْ إِذَا أسقط الهمزة شدَّد الحرف الَّذِي قبل الهمزةِ عوضًا مما حذف، كقول أَبِي جَعْفَر: «ثُمَّ اجعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ منه جُزًّا» حذف وعوض. فأعرف ذَلِكَ فإِنَّه حسنٌ.
стр. 518
قال أبو عبد الله: سألت ابن مجاهد لِمَ شدد «جَزًّا» فَقَالَ عوضًا من الهمزة وكذلك «المشمَّة» مثله.
فإن قيل: كيف تقف عَلَى قراءة حمزة عَلَى «أصحاب المَشمَهْ» ومن شَرطه أن يدع الهَمْزَ إِذَا وقف؟
فقل: أنقل فتحة الهمزة إلى الشين وأسقطها. فأقول «أصحاب المشمة» وتفسير «أصحاب المشأمة»: هُمْ الَّذِيِْنَ كفروا بالقرآن، وهم الَّذِيِْنَ يعطون كتابهم بشمالهم. والشمال - بلغة بني غُطَيف يُقال له: المشأمة.
стр. 519
ومن سورة الشمس
قَرَأَ ابْنُ كَثِيْرٍ وعاصمٌ وابنُ عامرٍ: «وَضُحَاهَا» بالفتحِ، وكذلك أواخر هَذِهِ السُّورة.
وقرأ نافعٌ بين الفَتحِ والكسرِ، وكذلك أَبو عَمْرٍو.
وقرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ بالِإمالة. غيرَ أنَّ حمزةَ كَانَ يفتح ذوات الواو منها خاصة «تلاها» لأنها من تلوت و «سَجا» لأنَّه من سجوت، و «طَحا» لأنَّه من طحوت فأُلزِمَ أن يقرأ: «ضحا» بالفتح، لأنَّه من ذوات الواو لقولك: ضَحو. ولكن الكسائي وأهل العربية ذكروا أن رءوس الآي إِذَا جاوزت ذوات الياء ذوات الواو أميلت كلُّها، ولحمزةَ حجَّةٌ فِيْ فرقة بين «تلا» و «ضحا»، وإن كانا من ذَوات الواوِ؛ لأن أهل الكوفة ذَكروا أن ذوات الواو نحو «ضُحى»، و «عِدى» فِيْ جمع عدوٍّ، ونحوهما يكتب بالياء، ويثنى بالياء لانكسار فاء الفعل في عدى، وضمها فِيْ ضُحى.
وقال أهل البصرة لا يعتل آخر الاسم لأوله، ولا يجيزون كتب ضحا إلا بالألف.
وهو النهار كله.
وقال آخرون: الضُّحى، وهو الشمس لقوله: ضحيت للشمس إِذَا ظهرت لها، وقوله: ﴿وأنك لا تظمؤا فِيها وَلَا تَضْحى﴾ فأمَّا الضحاءُ - بالمَدِّ - فوقت الغداء، وينشد:
أَعْجَلَهَا أَقْدُحِيّ الضُّحاءِ ضُحيّ ... وهيَ تُنَاصِي ذَوَاْئِبَ السَّلَمِ
السَّلَمُ: شجرٌ. وتُنَاصِي: تَناولُ بِفِيْها. والَأضحى: يومُ العِيْدِ يذكَّر ويؤَّنث، والأضحية: ما ينسك يوم الأضحى ويعيد، والجمع أضاحي، وليلة أُضْحِيَان: إِذَا كانت قمراء. فأقسم اللَّه تعالى ب ﴿والشمس وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ أي:
تبعها: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ الهاء فِيْ «جَلاها» كنايةٌ عنْ الظُّلمة ولم يتقدم لَهُ ذكر، وذلك جائز؛ لأنّ العرب قَدْ تكنى عنْ الشيءِ وإن لم يتقدم ذكره إِذَا كَانَ ذَلِكَ مفهومًا غير مُتلبس. ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا وَالسَّمَاء وَمَا بناها﴾ في ما - هاهنا -: غيرُ قولٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدةَ: معناه: ومَنْ بناها يعني اللَّه فزعم أن «ما» بمعنى مَنْ.
وقال آخرون: معناه: والذي بناها. وكان المبرد يختار أن يجعل «ما» مَعَ الفعل مصدرًا. والتقدير: والسماء وبنائها، وجواب القَسمِ لامٌ مقدرة في ﴿قد أفلح من زكاها﴾ والتقدير: لقد أفلح من زكى نفسه بالصدقة ﴿وَقَدْ خاب من دَسَّاها﴾ أي:
стр. 520
دسها وأخفاها عنْ الصدقة.
وقولُه: ﴿كذبت ثمود بطغواها﴾.
والباقون يظهرون التاء عند الثاء. وَقَدْ أنبأت عنْ علته، وإنما ذكرته لأن الْحَسَن قَرَأَ: «كذبت ثمود بطُغواها» بضم الطاء، والاختيار ما عَلَيْهِ النَّاس «بطغواها» لأن العرب إِذَا أَتَتْ بهذا البناء عَلَى فَعلى ظهرت الواو، وإن كانت من ذوات الياء. فإذا ضموا لَهُ أوله صحت الياء فيقولون: الفتوى والفتيا، والعلوى، والعليا، والبقوى، والبقيا، والطغوى، والطغيا. عَلَى أَنَّهُ قَدْ جاء الواو مَعَ الضم فِيْ حرف من كتاب اللَّه تَعَالى، وهو قولُه: ﴿بالعُدْوَةُ القُصْوَى﴾ ومعنى الطغوى، والطغيا والطغيان واحدٌ، فمعناه: كذبت ثمود بطغيانها، ولكنَّه أتى بهذا المصدر على فعلى ليوافق رءوس الآي.
كما قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿إنَّ إلى ربِّكَ الرُّجْعَى﴾ يريد: الرُّجوع. وأمَّا طَغْيَا - بفتحِ الطّاءِ والياءِ -: فالبقرة، وهي تُمدُّ وتُقصُر:
وطَغْيَا مَعَ اللَّهَقِ النَّاشِطِ
فجمعُ طَغْيَا من البقرة طغايا مثل مرضى ومراضى، وطغوى الَّذِي فِيْ القرآن لا يُثنى ولا يُجمع: لأنَّه مصدرٌ. ومعنى الطغيان فِيْ اللُّغة مجاوزة الشيء حده.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَا يَخَاْفُ عُقْبَاهَا﴾.
قَرَأَ نافعٌ وابنُ عامرٍ بالفاء «فَلَا يَخَافُ» وكذلك فِيْ مصاحفهم.
وسَمِعْتُ مُحَمَّد بْن حمدان المُقرئ يَقُولُ: قرأتُ فِيْ محراب مسجد المدينة، مدينة الرَّسُول ﷺ مكتوبًا بالذهب من ﴿وَالسَّمَاءِ والطَّارِقِ﴾ إلى آخر القرآن. قَالَ: ورأيت «فلا يخاف عقباها» بالفاء مكتوبًا.
وقرأ الباقون: «ولا يَخَافُ» بالواو، وكذلك فِيْ مصاحفهم.
وروى عن رسول الله ﷺ أَنَّهُ قَرَأَ: «وَلَمْ يَخَفْ عُقبَاهَا» وَقَدْ روى ذَلِكَ عنْ ابْنُ الزُّبير أيضا وروى عَنْهُ: «فَدَهْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ» بالهاء فزلزل ودمدم ودهدم والهاء في «فسواها» كناية عنْ الدمدمة لأن الفعل يدل عَلَى المصدر.
وقال آخرون: «فسواها» أي: فسوى بيوتهم عَلَى قبورهم.
والهاء فِيْ «عُقْبَاهَا» فِيهِ قولان:
يكون الفعل لله تَعَالى، والمعنى: ولا يخاف اللَّه تَعَالى من يرجع يغفر بِهِ إهلاكه إيَّاها.
стр. 521
ومن سورة «واللَّيْلِ»
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: أقسم اللَّه تَعَالى باللَّيل إِذَا غشى ظلمته ضوء النهار وب ﴿والنهار إِذَا تَجَلَّى﴾ عنْ ظلمة اللَّيل، ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ فِيْ حرف عَبْدِ اللَّه: «الَّذِي خَلَقَ الذَّكر والُأنثى» لأنَّ ما بمعنى الَّذِي، وقيل: ما بمعنى مَنْ، وقيل: ما مَعَ الفعل مصدر والتقدير: وخلقه الذَّكر والُأنثى. وجوابُ القَسَم ﴿إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾.
- وقولُه تَعَالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾.
قَرَأَ ابنُ كَثيرٍ فِيْ روايةِ البَزِّي: «نَارًا تَّلَظَّى» بتشديد التاء، يريد: تتلظى، فأدغم.
وَقَدْ روى عنْ عَبْد اللَّه بْن عمير: «نَارًا تَتَلَظَّى» بتاءين.
حَدَّثَنَا ابنُ مجاهدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن رحمة، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّه، عنْ سُفْيَان بْن عيينة، عنْ عَمْرو بْن دينار، قَالَ: رَأَيْت عَبْد اللَّه بْن عمير يقرأ فِيْ المغرب «فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَّلَظَّى» بالتَّشديد. قَالَ: وحرك رأسه ولحيته، وروى الفَرَّاءُ عنْ ابْنُ عُيينة عنْ عَمْرِو، عنْ عَبْد الملك: «تَتَلَظَّى» بتاءين، وكلٌّ صوابٌ بحمدِ اللَّه.
وقرأ الباقون: «تَلَظَّى» بتاءٍ واحدةٍ مخففة، وأسقطوا تاء تخفيفًا، وجميع ما فِيْ كتاب اللَّه تَعَالى من التاءات اللواتي شدَّدها ابْنُ كَثِيْر - فِيْ رواية البزي - أحدٌ وثلاثون حرفًا قَدْ ذكرتُها كلها فقوله: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى﴾ وَقَدْ علمنا أن النار قَدْ يصلاها من كَانَ بغير هَذِهِ الصفة فمعنى ذَلِكَ أن النار دركات وطبقات، فيجازون عَلَى قدر ذنوبهم، كقولُه تَعَالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ فكذلك لا يصلى هَذِهِ النار التي تتلظى إلا الأشقى الَّذِي كذب وتولى.
وقال آخرون: بل جميع من دخل النار بذنوبه فهو يصلي هَذِهِ النار. نعوذ بالله من جهنَّم، ومن عمل يقرب من النار، ونسأله عملا يدني من الجنة ويزلف لديه إنه سميع الدعاء.
стр. 522
ومن سورة «والضُّحى»
قَالَ أَبُو عبدِ اللَّه: هِيَ مكيّة، والضُّحى جزءٌ من الشَّمس، وهي أول ساعةٍ من النَّهار من حين تطلع الشمس. فأقسم اللَّه تَعَالى وب ﴿اللَّيْلِ إذَا سَجَى﴾ يعني: إِذَا غَطّى ظلمته ضوءَ النهار.
فقرأ الناس كلهم: «سجى» مُخفَّفًا إلا الْحَسَن، فإنه قَرَأَ «سجَّى» مشدَّدًا، والسَّاجي: السَّاكِنُ، وَيُقَال: بحر ساجٍ، وليل ساجٍ لام الفعل ياءٌ مبدلةٌ من واو، والأصل: ساجو فصارت الواو ياء لانكسار ما قبلها. فأمَّا الساج الطيلسان فلام الفعل جيم ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ جوابُ القسم.
وأجمع القراء عَلَى تشديد الدَّال من ودَّع يودع من التَّوديع والمفارقة والترك، وذلك أن الوحي احتبس عنْ رَسُول اللَّه ﷺ خمس عشرة سنة فَقَالَ كفار قريش: إن اللَّه قَدْ ودع محمدًا وقلاه أي: أبغضه كذبا منهم، وعدوانا فأنزل الله تعالى مقسما: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وروى عنْ رَسُول اللَّه ﷺ هشام بْن عروة: «ما وَدَعَكَ ربُّك» مُخففًا، أي: ما تركك من قولهم: زيدٌ يدع عمرًا أَوْ ينبذه أي: يتركه: وهذا لا يصححه أهل النقل؛ لأنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ أَفصحُ الناسِ فلا يقرأ إلا باللُّغة الفصحى، وكلامُ العربِ يدع، ويذر، ولا يُقال مِنْهُ ودعته، ولا وذرته. وإنما جاء ذَلِكَ فِيْ بيتِ شعر.
أنشدني أَبُو بشر بالرَّي، عنْ الْمَازِنِي:
لَيْتَ شِعْرِيِ عَن خَلِيِلي مَا الَّذِي ... غَالَهُ فِي الحُبِّ حَتَّى وَدَعَهُ
وقال سيبويه: استغنت العرب بتركه عنْ ودعته كما استغنوا بأنت مثلى وأنا مثلك عنْ أن يقولوا أنت لي وأنا لَكَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائلًا فَأَغْنَى﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرو: «وَوَجَدَكَ عِائِلًا» بكسرِ العين فيما حَدَّثَنِي ابْنُ مجاهد، قَالَ: حَدَّثَنَا الجمال، عنْ روح، عنْ أَحْمَد، عنْ أَبِي عَمْرو أَنَّهُ قَرَأَ «عائِلا» بالِإمالة والمدَّ والهمز والمشهور عنْ أَبِي عَمْرو «عائِلا» بفتح العين، وكذلك قُرَأَهُ الباقون.
وقال سيبويه: تجوز الِإمالة فِيْ كلِّ شيء عَلَى فاعل نحو: عالم وعامل ومالك لأنه
стр. 523
تبع فاء الفعل عين الفعل إلا أن يكون فِيْ الاسم حرف من حروف الاستعلاء السبعة التي قدمت ذكرها فيما سلف من الكتاب، والعائل، الفقير. تَقُولُ العرب: عال الرجل يعيل إِذَا افتقر، وعال يعول: إِذَا جارَ، وأعال يعيل: إِذَا كثر عياله، وينشد:
فَمَا يَدْرِي الفَقِيْرُ مَتَى غِنَاهُ ... وَمَا يَدْرِي الغَنِيُّ متى يعيل
وقال الأصمعي: يقال عال يعولُ عولًا: إِذَا أنفق عَلَى عياله وعالَ الأمرُ يعولُ عولًا: إِذَا اشتَدَّ، وتفاقَمَ. ومن ذَلِكَ عالت الفَريضُة وأنشد:
لَقَد سرَهُّمْ مَا عالني وتقطعت ... بروعاته مني القوى والوسائي
وَيُقَال: أعول يعول إعوالا: إِذَا بلى، والمعمولُ عَلَيْهِ يعذب، وَيُقَال ما عَلَى فلان معول، أي: محمل، وَيُقَال: ترك أولاده عيلى أي: فقراء، والعيل، يجمع عيايل، والعيال: الذي يجيء ويذهب، وَيُقَال: عول زيدٌ: إِذَا بنى عالةً خوفًا من المطر، وهي شجرة يستظل بها وأنشد:
فَالطَّعْنُ شغشغةٌ والضَّربُ هَيْقَعَةٌ ... ضَربَ المعوِّلِ تَحتَ الدِّيْمَةِ العَضَدا
وعال الفَرسُ يَعيلُ: إِذَا تَكَفَّأ فِيْ مِشيته، وعالَ الرَّجلُ يعيل: إذا تبختر. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: وكان رَسُول اللَّه ﷺ إِذَا بلغ سورة «والضُّحى» كبر عند آخر كل سورة. ويخبر أن جبريل ﵇ أمره بذلك عنْ اللَّه تَعَالى.
وروى عنْ عليٍّ صلوات اللَّه عَلَيْهِ أَنَّهُ يكبر من المُفَصَّل، فأمَّا قولُه: ﴿فأمَّا اليَتِيمَ فَلَا تَقْهَرُ﴾ فأجمع القراء عَلَى هذه القراءة، وإنما ذكرته؛ لأن أَحْمَد بن عبدان حدثني عن علي، عن أبي عُبَيْد أن فِيْ حرف عَبْد اللَّه «فلا تكهر» بالكاف فيكون الكاف، والقاف بمعنى. كما قرئ: «وإذا السَّماءُ كُشطت» و «قُشِطَتْ» ويكون لا تكهر:
لا تنهر، ولا تزجر، لأنَّه جاء فِيْ الحديث فِيْ الرجل الَّذِي تكلم فِيْ الصلاة، وخلف رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ: «فجعل النَّاس يُصَمِّتُونَ فقلت: وا ثكل أبَيَاْهُ، فلما قضى صلاته ﷺ فبأبي هُوَ وأمي ما رَأَيْت معلما كان أحسن تعليما منه - ما كهرني، ولا زبرني. ولكنَّه قَالَ: إنَّ صلاتنا هَذِهِ لا صحيح فيها شيءٌ من كلامِ الآدميين».
وحدَّثني ابنُ مجاهدٍ عنْ السَّماك، عنْ الفَرَّاءِ، قَالَ: قَرَأَ عليَّ أعرابي «وأمَّا بِنِعْمَةِ ربِّكَ فخَبِّر»، قَالَ: قلت: يا أعرابي إنَّما هُوَ «فَحَدِّثْ» قَالَ: خَبّر وحدِّث سيّان.
стр. 524
وقال بعضُ أصحاب الْحَسَن بْن عليّ عَلَيْهِ رضوان اللَّه: قَالَ: دخلت الحمَّام فوجدت سيدي الْحَسَن فِيْ الحمام فسلمت فَقَالَ: إن هَذَا الموضع ليس موضع تسليمة ولا سلام، فتقدمت أقبل رأسه فصافحني وقال: إنَّ قبلةَ المُؤمن المصافحةُ، فقلت: يا سيدي ما معنى قولُه: ﴿وأمَّا بِنِعْمَةِ ربِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قَالَ: هُوَ الرَّجُلُ يعمل عَلَى البِّر فيستره عنْ الآدميين ثُمَّ يحدِّث بِهِ أهل ثقته سرورًا بما صَنَع وبنعمة اللَّه؛ لأن بنعمة اللَّه وفقه لذلك العمل الصالح. وقال بعض أهل العلم فِيْ قوله: ﴿ويحذركم الله نفسه والله رؤف بِالْعِبَادِ﴾ قَالَ: فمن رأفته بهم أن حذَّرهم نفسه.
стр. 525
ومن سورة ألم نشرح
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ هَذِهِ الألف ألف تقرير بلفظ الاستفهام تأويله: ألم نمسح صدرك يا مُحَمَّد بالنور الَّذِي جعلته فِيهِ، نور الْإِيمَان والرحمة والهداية كقولُه تَعَالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ﴾ فَقَالَ عَبْدُ اللَّه بْن مَسْعُود: «يا رَسُول اللَّه أَوَ يشرح الصَّدر؟ قَالَ: نعم بنورٍ يُدخله اللَّه فِيهِ. فَقَالَ: وما أمارة ذَلِكَ؟ قَالَ: التّجافي عنْ دار الغُرور، والِإنابة إلى دار القرار، والاستعداد للموت قبل الموت ومات أربعمائة رَجُل من أصحاب النَّبِيّ ﵇ من أصحاب الصُّفة مسلمين إِذَا تصدقوا عليهم أكلوا وتصدقوا بفضل عَلَى المشركين. وكانُوا يأوون بمدينة رَسُول اللَّه ﷺ فِيْ مسجده، ولم يكن لهم بالمدينة قبيلة ولا عشيرة فخرجوا في غزوة من الغزوات فقتل منهم سبعون رجلًا، فشق ذَلِكَ عَلَى النَّبِيّ ﵇ وعلى أصحابه، فكانوا يدعون عليهم فِيْ دبر كلِّ صلاة، فأنزل اللَّه قولُه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ وأنزلَ اللَّه تَعَالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدرَكَ﴾ بالتَّوحيد. وقول: لا إله إلا اللَّه ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ يعني حططنا عنك ذنبك ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أي: أثقل، يعني تَعَالى قولُه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تقدم من ذنبك وما تأخر﴾، ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ إذ قَالَ المؤذن أشهدَ أن لا إله إلّا اللَّه، قَالَ: أَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه.
حَدَّثَنِي أَبُو الَأزرق، قَالَ: حَدَّثَنِي حميد بْن الرّبيع، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَان، عنْ ابْنُ أَبِي نجيح، عنْ مجاهد فِيْ قولُه تَعَالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قَالَ: لا أُذكر إلا ذكرتَ معي أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه.
وقولُه تَعَالى: ﴿إن مع العسر يسرا﴾.
اتفق الفراء السَّبعةُ عَلَى تسكين السِّين، وإنَّما ذكرته لأنَّ أبا جَعْفَر المَدَنِيّ ويَحيى بْن وثاب قرءا: «مع العسر يسرا» بضمتين في كل الحرفين. وقال ابْنُ عَبَّاس: لا يَغْلِبُ يسرين عسرٌ واحدٌ، فأنبا أن هاهنا يُسرين اثنين، وعسرًا واحدًا، وإن كانت فِيْ اللَّفظ أربعةٌ، ومعنى ذَلِكَ فِيْ العربية وتقديره: أن العرب إِذَا ذكرت اسمَ المنكورِ ثُمَّ أعادته بالألف واللام كقولك: كسبت درهما وأنفقت الدِّرهم الَّذِي كسبته. فلو كَانَ اليسر
стр. 526
الثَّاني هُوَ الأول لأدخلتَ عَلَيْهِ الألف واللام فكنت قائلا: إن مَعَ العُسر يسرا إن مَعَ العسر يسرا. إن مَعَ العسر اليسر، فلما كرر بغير ألف ولام دل عَلَى أن الثَّاني غير الأول. وهذا دقيقٌ من علم القرآن. وإنما فتقها ترجمان القرآن ببركة دعاءِ رسولِ اللَّه ﷺ لَهُ وبأن بعلمه كتاب اللَّه.
وقال ابْنُ مجاهدٍ: ما قَرَأَ أحدٌ إلا «فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ» بفتح الزّاي. فأما العرب منهم من يَقُولُ فَرَغَ يَفْرُغْ مثل سَجَدَ يَسْجُدُ، وفَرَغَ يَفْرَغُ مثل دَبَغَ يَدْبَغُ، وفَرَغَ يَفْرَغُ مثل قَبِلَ يَقْبَلُ، وفَرَغَ يَفْرِغُ مثل ضَرَبَ يَضْرِبُ وفَرِغَ يَفْرَغُ مثل شَرِبَ يَشْرَبُ كلُّ ذَلِكَ صوابٌ بحمدِ اللَّه. والمعنى: فإذا فرغت من الصلاة فانْصب للدُّعاء وارغب إلى ربّك.
وكان شريح يذهب إلى أن العبدَ يجب عَلَيْهِ أن يرغب إلى ربه وينصب فِيْ كل حال إِذا كَانَ فراغًا من صلاة وغيرها.
حَدَّثَنِي ابنُ مجاهد، عنْ السِّمَّرِيِّ، عنْ الفَراء، قَالَ: حَدَّثَنِي قيس بْن الربيع، عنْ أَبِي حصين، قَالَ: مَرَّ شريحُ برجلين يصطرعان فَقَالَ: ليس بهذا أمر فارغ، إنّما قَالَ تَعَالى: ﴿فإذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عبدان، عن علي، عن أبي عبيد: «أن النَّبِيّ ﷺ مرَّ بقومٍ يَرْبَعُوْنَ حجرًا، فَقَالَ: ما هَذَا؟ قَالُوا:
حجر الَأشِدَّاء، قَالَ: أولا أدلكم عَلَى أشدكم، من مَلَكَ نفسه عنْد الغضب قَالَ: أَبُو عَبْد اللَّه وصدق رَسُول اللَّه ﷺ . ومثله إنّ العرب تَقُولُ: الغَضَبُ غُوْلُ الحَلِيْم أي: هَلَاكُهُ، ومعنى يربعون حجرًا: الربع: الِإشالة ليعلم بذلك قوة الْإِنْسَان من ضَعفه، وَيُقَال للعصا الَّذِي تحمل بها الجَوَالِقُ: المربعة، وينشده:
أين الشاظان وأين المربعه ... وأين وَسْقَ النَّاقَةِ المُطَبَّعَهْ
ويروي: الجَلَنْفَعَه وتفسير هَذَا البيت فِيْ كتاب
стр. 527
ومن سورة التين
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: اختلف النَّاس فِيْ تفسير هَذِهِ السُّورة وأقسام الله تعالى بها فَقَالَ قائلون هُوَ تينكم هَذَا، وزيتونكم هَذَا.
وقال آخرون: التَّينُ: جَبَلٌ ينُبت التِّين، والزَّيتون: جَبَلٌ ينبت الزَّيتون.
وقال آخرون: هما جبلان بالشَّامِ.
وقال آخرون: مدينتان بالشَّامِ، دمشق وفلسطين.
وقيل فِيْ قولُه: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قرار﴾، قَالَ: دمشق.
وحدَّثني أَحْمَد بْن الْعَبَّاس، عنْ مُحَمَّد بْن هارون بْن يَحيى بْن زياد فِيْ قولُه تَعَالى:
﴿والتَّيْنِ وَالْزَّيْتُوْنَ﴾ قال: هِيَ جبالُ ما بين حُلوان وهَمَذَان.
فأقسم اللَّه بهما، والاختيار أن يكون الِإقسام يقع عَلَى اسمه تَعَالى، والتقدير: ورب التّين والزَّيتون. ﴿وطور سينين﴾: وهو الجبل الَّذِي كلَّم اللَّه عَلَيْهِ مُوسَى ﵇ وسينين: وهو الْحَسَن، وكلُّ حسن عندهم سينين.
وقال آخرون: كلُّ جبلٍ مُثْمِرٍ يُقال لَهُ سينين.
واجتمع القُراء السَّبعة عَلَى كسر السِّين من «سِينين» وكان أَبُو عَمْرو يحتج بأن سينين وسيناء واحدٌ، وإنما زادوا النون لرءوس الآي.
وقرأ: «وَطُورِ سَيْنِيْن» عَبْد اللَّه بْن أَبِي إِسْحَاق، وعيسى الثَّقفي.
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: «وطُوْرِ سينآ وهذا البَلَدِ الَأمِيْنِ» يؤثر ذَلِكَ عن عمر بن الخطاب ﵁ ﴿لقد خلقنا الإنسان﴾ جواب القسم، والإنسان - هاهنا - مُحَمَّد ﵇، وقيل: آدم ﵇، وقيل: كلُّ إنسانٍ لأنَّ اللَّه تَعَالى خَلَقَ الجماد والحيوان من طائر وبهيمة فأحسن ما خَلَقَ الْإِنْسَان فِيْ أحسن صورة ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سَافِلِيْنَ﴾ قيل: الكفار، وقيل: أَبُو جهل بْن هشام وقيل: كلُّ إنسانٍ إِذَا هرم وشاخ فقد رد إلى أرذل العُمر، وهو تفسير أسفل سافلين، وَيُقَال: كلُّ مسلمٍ وإن رد إلى أرذل العمر فنقص عمله من أعمال البر كُتب لَهُ ذَلِكَ مثل ما كَانَ يعمل فِيْ شبيبته؛ لأنَّه أسير اللَّه فِيْ أرضه، فلذلك استثنى، فَقَالَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ﴾
стр. 528
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: لا يمن عليهم، والكافر إِذَا شاخ وختم لَهُ بالشرك ولج النار؛ لأنَّه يموت والله عَلَيْهِ غضبان ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ بأن يحكم بينك يا مُحَمَّد وبين كفّار أهل مكَّة حين آذَوْكَ حَتَّى أخرجوك من وطنك. فكان رَسُول اللَّه ﷺ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآية: «أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ» قَالَ: سبحانك اللَّهُمَّ بلى.
стр. 529
ومن سورة العلق
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: خمسُ آياتٍ من أول هَذِهِ السُّورة أول ما أُنزل من القرآن، وآخر ما نَزَلَ من القُرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾. ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ جزمٌ بالأمر، والسُّكونُ علامة الجزم وسكون الهمزةَ ﴿باسم ربك﴾ يا مُحَمَّد الواحد ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ يعني الْإِنْسَان، خلقه من عَلَقٍ، وهي النُّطفة تكون عشرين ليلة، ثُمَّ تكون علقة هَذَا قول.
وقال آخرون: النُّطفة تَصير فِيْ البدن أربعين ليلةً، ثُمَّ تصير علقة، وجمعها عَلَقَ، وهو الدّم، ثُمَّ أربعين مُضْغَةً. وَقَدْ ذكرتُ فِيْ أول قَدْ أَفْلَحَ.
فإن قيل لَكَ: لِمَ قيل فِيْ هَذِهِ السُّورة «من عَلَقٍ» وقيل هناك «العَلَقَةَ»؟
فقل: نزلت الهاء من آخر هذه لتوافق رءوس الآي «باسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ».
وقولُه تَعَالى: ﴿أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾.
فِيهِ أربعُ قراءات:
قَرَأَ حمزة والكسائي وأبو بكر، عن عاصم وابن عامرٍ برواية ابْنُ ذكوان بالخلف «أنْ رِآهُ استَغْنَى» بكسر الراء.
وقرأ أَبُو عَمْرو برواية الدُّوري بفتح الراء وكسر الهمزة.
وقرأ الباقون: «أَنْ رَآهُ» بالفتح، والأصل: رأيه عَلَى وزن رعيه، فصارت الياء التي هِيَ لام الفعل ألفًا؛ لانفتاح ما قبلها، فصارت «أن رآهُ استَغْنى» عَلَى وزن رعاه.
والقراءةُ الرابعةُ: قراءةُ ابنِ كثيرٍ فِيْ روايةِ قُنبل: «أنْ رَّأه» عَلَى وزن رَعَهُ.
قَالَ ابنُ مجاهدٍ: هُوَ غلطٌ؛ لأنَّه حذف لام الفعل التي كانت ألفًا مبدلةٌ من الياء، ويجوز أن الَّذِي سَمِعَ ابْنُ كَثِيْر يقرأ هَذَا الحرف لم يضبط عَنْهُ، ولا ترجم عَنْهُ باستواء، وكانت قراءته: «أَنْ رَاءَهُ استَغْنَى» بتقديم الَألِف عَلَى الهَمْزَةِ ثُمَّ يخفف الهمزة ويحذفها لالتقاء الساكنين. وهذه لغةٌ مشهورةٌ، تَقُولُ العرب: راءني وشاءني، وأنشد:
وَكُلُّ خَلِيْلٍ راءَني فهو قائِلٌ ... مِنَ أجلِكَ هَذَا هامةُ اليومِ أَو غَدِ
وقال آخر:
وسهو الفؤاد حتى كأن ... شاربٌ عُلَّ مِنْ رَحِيْقِ مُدَاْمِ
стр. 530
أو وليد معلل راء رؤيا ... فهوي هذي بَمَا يَرَى فِيْ المَنَامِ
فهذا أشبه بقراءة الأئمة من أن يُغَلَّط؛ لأنَّ القِراءة والأئمة يُختار لهم أَوْ يُحتَجُّ لهم لا عليهم.
وأجمع القُراء فِيْ هَذِهِ السُّورة عَلَى تخفيف النون فِيْ «لَنَسْفَعَنْ» والوقف «لَنَسْفَعًا» وإنَّما ذكرته لأنَّ ابنَ مُجاهدٍ، حَدَّثَنِي عنْ الجمَّال، عنْ الْحَسَن، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد، عنْ شبل، عنْ محبوب، عنْ أَبِي عَمْرو، وقال: حَدَّثَنَا سُلَيْمَان، عنْ أَبِي حاتم، عنْ محبوب «لَنَسْفَعَنَّ بِالْنَّاصِيَةِ» بتشديد النُّون، وهما لغتان تَقُولُ:
اضربْن زيدًا، أَوْ اضربَّن زيدًا، فمن شدَّد النون أَثبتها فِيْ الوقف، وفي التثنية والجمع، فتقول: اضربن واضربن. ومن خفَّف النُّون وقف بألف فَقَالَ: اضربًا وحذفها فِيْ التثنية. فأمَّا النُّون بالمشدَّدة فِيْ فعل جميع النَّساء فإنك تحجز بين النونات بألف، فتقول: اضربنانّ يا نِسْوَةُ، ومعنى «لَنَسْفَعًا بالنَّاصِيَةِ» أَوْ ليسوِّدن وجهه. وقيل:
لنأخذن بناصيته. وإنَّما كنّى عنْ جميعِ الوَجْهِ بالنَّاصية؛ لأنَّها فِيْ مقدم الوَجه كما قَالَ تَعَالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ أي، يُجعل وجهه بينَ رِجْلَيه ثُمَّ يُقذَفُ فِيْ النَّارِ، نعوذُ بالله منها.
следующие страницы →