Полный текст (271 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
الباب الأول ـ في ذكر الإنذار بالنار والتحذير منها
قال الله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾
وقال تعالى: ﴿فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾ .
وقال تعالى: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ .
وقال تعالى: ﴿فأنذرتكم ناراً تلظى﴾ .
وقال تعالى: ﴿لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون﴾
وقال تعالى: ﴿وما هي إلا ذكرى للبشر * كلا والقمر * والليل إذ
стр. 2
أدبر * والصبح إذا أسفر * إنها لإحدى الكبر * نذيرا للبشر * لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر﴾ .
قال الحسن في قوله تعالى ﴿نذيراً للبشر﴾ ، قال: والله ما أنذر العباد بشيء قط أدهى منها خرجه ابن أبي حاتم.
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿إنها لإحدى الكبر﴾ يعني النار.
«وروى سماك بن حرب، قال: سمعت النعمان بن بشير يخطب، يقول: سمعت رسول الله ﷺ وآله وسلم يقول: أنذرتكم النار أنذرتكم النار حتى لو أن رجلاً كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، حتى وقعت خميصة كانت على عاتقة عند رجليه» .
خرجه الإمام أحمد.
وفي رواية له أيضاً «عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﵌: أنذرتكم النار، أنذرتكم النار حتى لو كان رجل في أقصى السوق لسمعه، وسمع أهل السوق صوته وهو على المنبر» ، وفي رواية له «عن سماك قال: سمعت النعمان يخطب وعليه خميصة، فقال: لقد سمعت رسول الله ﵌ يقول: أنذرتكم النار، أنذرتكم النار فلو أن رجلاً بموضع كذا وكذا سمع صوته» .
«و
стр. 3
عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﵌: اتقوا النار قال: وأشاح، ثم قال: اتقوا النار، ثم أعرض وأشاح ثلاثاً، حتى ظننا أنه ينظر إليها، ثم قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة» ، خرجاه في الصحيحين.
وخرج البيهقي بإسناده فيه جهالة «عن أنس عن النبي ﵌: يا معشر المسلمين ارغبوا فيما رغبكم الله فيه، واحذروا وخافوا ما خوفكم الله به من عذابه وعقابه، ومن جهنم، فإنها لو كانت قطرة من الجنة معكم في دنياكم التي أنتم فيها حلتها لكم، ولو كانت قطرة من النار معكم في دنياكم التي أنتم فيها خبثتها عليكم» .
وفي الصحيحين «عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: إنما مثلي ومثل أمتي، كمثل رجل استوقد ناراً، فجعلت
стр. 4
الدواب والفراش يقعن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها» وفي رواية لمسلم «مثلي كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها قال: فذلكم مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني وتقتحمون فيها» .
وفي رواية للإمام أحمد «مثلي ومثلكم ـ أيتها الأمة ـ كمثل رجل أوقد ناراً بليل، فأقبلت إليها هذه الفراش والذباب التي تغشى النار، فجعل يذبها ويغلبنه إلا تقحماً في النار، وأنا آخذ بحجزكم أدعوكم إلى الجنة وتغلبوني إلا تقحماً في النار» .
وخرج الإمام أحمد أيضاً «من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عبيه وآله وسلم قال: إن الله لم يحرم حرمة إلا وقد علم أنه سيطلعها منكم مطلع، ألا وإني آخذ بحجزكم أن تهاتفوا في النار، كتهافت الفراش والذباب» .
стр. 5
وخرج البزار والطبراني «من حديث ابن عباس عن النبي ﵌ قال: أنا آخذ بحجزكم فاتقوا النار، اتقوا النار، اتقوا الحدود، فإذا مت تركتم، وأنا فرطكم على الحوض، فمن ورد فقد أفلح؟ فيؤتي بأقوام ويؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: رب أمتي! فيقول: إنهم لم يزالوا بعدك يريدون على أعقابهم» .
وفي رواية للبزار قال: «وأنا آخذ بحجزكم أقول: إياكم وجهنم، إياكم والحدود، إياكم وجهنم، إياكم والحدود، إياكم وجهنم، إياكم والحدود» ، وذكر بقية الحديث.
وفي صحيح مسلم «عن أبي هريرة، قال: لما نزلت هذه الآية:
﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ .
دعا رسول الله ﵌ قريشاً فاجتمعوا، فعم وخص، فقال:
يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً» .
стр. 6
وخرج الطبراني وغيره «من طريق يعلى بن الأشدق عن كليب بن حزن، قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: اطلبوا الجنة جهدكم واهربوا من النار جهدكم، فإن الجنة لا ينام طالبها، وإن النار لا ينام هاربها، وإن الآخرة اليوم محفوفة بالمكاره، وإن الدنيا محفوفة باللذات والشهوات، فلا تلهينكم عن الآخرة» .
ويروي هذا الحديث أيضاً عن يعلى بن الأشدق عن عبد الله بن جراد عن النبي ﵌، وأحاديث يعلى بن الأشدق باطلة منكرة.
وخرج الترمذي «من حديث يحيى بن عبد الله عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: ما رأيت مثل النار نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها» ويحيى هذا ضعفوه، وخرجه ابن مردويه من وجه آخر أجوه من هذا إلى أبي هريرة، وخرج الطبراني نحوه بإسناده فيه نظر عن أنس عن النبي ﵌، وخرجه ابن عدي بإسناده عن عمر ﵁ عن النبي ﵌.
وقال يوسف بن عطية عن المعلمي بن زياد: كان هرم بن حيان يخرج في بعض الليالي وينادي بأعلى صوته: عجبت من الجنة كيف نام طالبها، وعجبت من النار كيف نام هاربها، ثم يقول:
﴿أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون﴾
وقال أبو الجوزاء: لو وليت من أمر الناس شيئاً اتخذت مناراً على
стр. 7
الطريق وأقمت عليها رجالاً ينادون في الناس: النار النار.
خرجه الإمام أحمد في كتاب الزهد.
وخرج ابنه عبد الله في هذا الكتاب أيضاً بإسناده عن مالك بن دينار، قال: لو وجدت أعواناً لناديت في منار البصرة بالليل: النار النار، ثم قال: لو وجدت أعواناً لفرقتهم في منار الدنيا: يا أيها الناس النار النار.
стр. 8
الباب الثاني ـ في ذكر الخوف من النار وأحوال الخائفين
قال الله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار * ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار﴾ .
قال تعالى: ﴿قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد * الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار﴾
وقال تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾ .
﴿إنها ساءت مستقراً ومقاماً﴾
وقال تعالى: ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾
стр. 9
وقال تعالى: ﴿والذين هم من عذاب ربهم مشفقون﴾ .
وقال: ﴿ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد﴾ .
وقال تعالى: ﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين * فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم﴾ .
قال إبراهيم التيمي: ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار، لأن أهل الجنة قالوا:
﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ .
وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة لأنهم قالوا:
﴿إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين﴾ .
وقد كان النبي ﵌ كثيراً ما يستعيذ من النار ويأمر بذلك في الصلاة وغيرها، والأحاديث في ذلك كثيرة.
وقال أنس: «كان أكثر دعاء النبي ﵌:
﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ »
خرجه البخاري.
وفي كتاب النسائي «عن أبي هريرة، أنه سمع النبي صلى الله عليه
стр. 10
وآله وسلم يقول: اللهم إني أعوذ بك من حر جهنم» .
وفي سنن أبي داود وابن ماجه «عن جابر أن النبي ﵌ قال لرجل: وكيف تقول في الصلاة؟ قال أتشهد، ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال النبي ﵌ حولها ند ندن» وخرجه البراز ولفظه «وهل أدندن أنا ومعاذ إلا لندخل الجنة ونعاذ من النار» .
وفي مسند الإمام أحمد بإسناد منقطع «عن سليم الأنصاري: أن النبي ﵌ قال له: يا سليم ماذا معك من القرآن؟ قال: إني أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، والله ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال النبي ﵌: وهل تصير دندنتي ودندنة معاذ إلا أن نسأل الله الجنة ونعوذ به من النار؟ !» .
وروينا «من حديث سويد بن سعيد، حدثنا حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر أن النبي ﵌ قال: إنما يدخل الجنة من يرجوها، ويجنب النار من يخافها، وإنما يرحم الله من
стр. 11
يرحم» وخرجه أبو نعيم، وعنده: «وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» .
وقال: غريب من حديث زيد مرفوعاً متصلاً، تفرد به حفص، ورواه ابن عجلان عن زيد مرسلاً، انتهى، والمرسل أشبه.
وقال عمر: لو نادى منادي من السماء: أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلاً واحداً لخفت أن أكون أنا هو.
خرجه أبو نعيم.
وخرج الأمام أحمد من طريق عبد الله بن الرومي قال: بلغني أن عثمان، ﵁ قال: لو أني بين الجنة والنار ـ ولا أدري إلى أيتهما يؤمر بي ـ لا خترت أن أكون رماداً قبل أن أعلم إلى أيتها أصير.
فصل ـ الخوف من عذاب جهنم لا ينجو منه أحد
والخوف من عذاب جهنم لا ينجو منه أحد من الخلق، وقد توعد الله سبحانه خاصة خلقه على المعصية، قال الله تعالى:
﴿ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحوراً﴾ .
وقال في خلق الملائكة المكرمين: ﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين﴾ .
وثبت من حديث عمارة بن القعقاع «عن أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي ﵌ في حديث الشفاعة، قال: فيأتون آدم»
стр. 12
وذكر الحديث، «وقال: فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً، لم يغضب قبله مثله، ولن بغضب بعده مثله، وإنه أمرني بأمر فعصيته، فأخاف أن يطرحني في النار، انطلقوا إلى غيري، نفسي نفسي» .
وذكر في نوح وإبراهيم وموسى وعيسى مثل ذلك، كلهم يقول: إني أخاف أن يطرحني في النار خرجه ابن أبي الدنيا عن أبي خيثمة، عن جرير، عن عمارة به، وخرجه مسلم في صحيحه عن أبي خيثمة إلا أنه لم يذكر لفظه بتمامة، وخرجه البخاري من وجه آخر بغير هذا اللفظ، «ولم يزل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون يخافون النار ويخوفون منها» .
فأما ما يذكر عن بعض العارفين من عدم خشية النار فالصحيح منه له وجه، سنذكره إن شاءالله تعالى.
قال ابن المبارك: أنبأني عمر بن عبد الرحمن بن مهدي، سمعت وهب بن منبه يقول: قال حكيم من الحكماء إني لأستحي من الله أن أعبده رجاء ثواب الجنة ـ أي فقط ـ فأكون كالأجير السوء، إن أعطي عمل، وإن لم يعط لم يعمل، وإني لأستحي من الله أن أعبده مخافة النار، أي فقط، فأكون كعبد السوء، إن رهب عمل وإن لم يرهب لم يعمل، وإنه يستخرج حبه مني ما لا يستخرجه مني غيره.
خرجه أبو نعيم بهذا اللفظ، وفي تفسير لهذا الكلام من بعض رواته، وهو أنه ذم العبادة على وجه الرجاء وحده أو على وجه الخوف وحده، وهذا حسن.
стр. 13
وكان بعض السلف يقول: من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد مؤمن، وسبب هذا أنه يجب على المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، ولا بد له من جميعها، ومن أخل ببعضها فقد أخل ببعض واجبات الإيمان، وكلام هذا الحكيم يدل على أن الحب ينبغي أن يكون أغلب من الخوف والرجاء.
وقد قال الفضيل ابن عياض: المحبة أفضل من الخوف، ثم استشهد بكلام هذا الحكيم الذي حكاه عنه وهب.
وكذا قال يحيى بن معاذ قال: حسبك من الخوف ما يمنع من الذنوب، ولا حسب من الحب أبداً.
فأما الخوف والرجاء، فأكثر السلف على أنهما يستويان، لا يرجح أحدهما على الآخر، قاله مطرف والحسن وأحمد وغيرهم، ومنهم من رجح الخوف على الرجاء، وهو محكي عن الفضيل وأبي سليمان الداراني.
ومن هذا أيضاً قول حذيفة المرعشي: إن عبداً يعمل على خوف لعبد سوء، وإن عبداً يعمل على رجاء لعبد سوء، كلاهما عندي سواء.
ومراده إذا عمل على إفراد أحدهما عن الآخر.
وقال وهيب بن الورد: لا تكونوا كالعامل، يقال له: تعمل كذا وكذا، فيقول: نعم إن أحسنتم لي من الأجر، ومراده: ذم من لا يلحظ في العمل إلا الأجر.
وهؤلاء العارفون لهم ملحظان:
أحدهما: أن الله تعالى يستحق لذاته أن يطاع ويحب، ويبتغى قربه والوسيلة إليه مع قطع النظر عن كونه يثيب عباده ويعاقبهم، كما قال القائل.
هب البعث لم تأتنا رسله ... وجاحمة النار لم تضرم
أليس من الواجب المست ... حق حياء العباد من المنعم
стр. 14
وقد أشار هذا إلى أن نعمه على عباده تستوجب منهم شكره عليها وحياءهم منه.
«وهذا هو الذي أشار النبي ﵌ لما قام حتى تورمت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً» .
والملحظ الثاني: أن أكمل الخوف والرجاء ما تعلق بذات الحق سبحانه، دون ما تعلق بالمخلوقات في الجنة والنار، فأعلى الخوف خوف العبد والسخط والحجاب عنه سبحانه، كما قدم سبحانه ذكر هذا العقاب لأعدائه على صليهم النار في قوله:
﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون * ثم إنهم لصالوا الجحيم﴾
وقال ذو النون: خزف النار عند خوف الفراق كقطرة في بحر لجي، كما أن أعلى الرجاء ما تعلق بذاته سبحانه من رضاه ورؤيته ومشاهدته وقربه، ولكن قد يغلط بعض الناس في هذا، فيظن أن هذا كله ليس بداخل في نعيم الجنة ولا في مسمى الجنة إذا أطلقت، ولا في مسمى عذاب النار أو في مسمى النار إذا أطلقت، وليس كذلك.
وبقي ههنا أمر آخر، وهو أن يقال: ما أعده الله في جهنم من أنواع
стр. 15
العذاب المتعلق بالأمور المخلوقة لا يخافها العارفون، كما أن ما أعده الله في الجنة من أنواع النعيم المتعلق بالأمور المخلوقة لا يحبه العارفون ولا يطلبونه.
وهذا أيضاً غلط، والنصوص الدالة على خلافه كثيرة جداً ظاهرة.
وهو أيضاً مناقض لما جبل الله عليه الخلق من محبة ما يلائمهم وكراهة ما ينافرهم، وإنما صدر مثل هذا الكلام ممن صدر منه في حال سكره واصطلامه واستغراقه وغيبة عقله، فظن أن العبد لا يبقى له إرادة له أصلاً، فإذا رجع عقله وفهمه علم أن الأمر على خلاف ذلك.
ونحن نضرب لذلك مثلاً يتضح به هذا الأمر إن شاء الله تعالى.
وهو أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة واستدعاهم الرب سبحانه إلى زيارته ومشاهدته ومحاضرته يوم المزيد، فإنهم ينسون عند ذلك كل نعيم عاينوه في الجنة قبل ذلك، ولا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من نعيم الجنة حتى يحتجب عنهم سبحانه، ويحقرون كل نعيم في الجنة حين ينظرون إلى وجهه ﷻ ، كما جاء في أحاديث يوم المزيد.
فلو أنهم ذكروا حينئذ بشيء من نعيم الجنة لأعرضوا عنه، ولأخبروا أنهم لا يرونه في تلك الحال، وكذلك لو خوفوا عذاباً ونحوه لم يلتفوا إليه، وربما لم يستشعروا ألمه في تلك الحال، وإنما يحذرون حينئذ من الحجاب عما هم فيه والبعد عنه، فإذا رجعوا إلى منازلهم، رجعوا إلى ما كانوا عليه من التنعم بأإنواع المخلوق لهم، بل يزداد نعيمهم بذلك مع شدة شوقهم إلى يوم المزيد ثانياً.
فهكذا حال العارفين الصادقين في الدنيا إذا تجلى على قلوبهم أنوار الإحسان واستولى عليها المثل الأعلى، فإن هذا من شواهد ما يحصل لهم
стр. 16
في الجنة يوم المزيد، فهم لا يلتفتون في تلك الحال إلى غير ما هم فيه من الأنس بالله والتنعم بقربه وذكره ومحبته، حتى ينسوا ذكر نعيم الجنة، ويصغر عندهم بالنسبة إلى ما هم فيه، ولا يخافون حينئذ أيضاً غير حجبهم عن الله وبعدهم عنه وانقطاع مواد الأنس به، فإذا رجعوا إلى عقولهم، وسكنت عنهم سلطنة هذا الحال وقهره، وجدوا أنفسهم وإرادتهم باقية، فيشتاقون حينئذ إلى الجنة ويخافون من النار، مع ملاحظتهم لأعلى ما يشتاق إليه من الجنة ويخشى منه من النار.
وأيضاً، فالعارفون قد يلاحظون من النار أنها ناشئة عن صفة انتقام الله وبطشه وغضبه، والأثر يدل على المؤثر، فجهنم دليل على عظمة الله وشدة بأسه وبطشه وقوة سطوته وانتقامه في أعدائه، فالخوف منها في الحقيقية خوف من الله وإجلال وإعظام وخشية لصفاته المخوفة، مع أن الله سبحانه يخوف بها عبده، ويحب منهم أن يخافوه بخوفها، وأن يخشوه بخشية الوقوع فيها، وأن يحذروه بالحذر منها، فالخائف من النار خائف من الله، متبع لما فيه محبته ورضاه والله أعلم.
فصل ـ في القدر الواجب من الخوف
والقدر الواجب من الخوف، ما خمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثاً للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط في فضول المباحات، كان ذلك فضلاً محموداً، فإن تزايد على ذلك بأن أوراث مرضاً أو موتاً أو هماً لازماً بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوية المحبوبة لله ، لم يكن محموداً، ولهذا كان السلف يخافون على عطاء السلمي من
стр. 17
شدة خوفه الذي أنساه القرآن، وصار صاحب فراش، وهذا لأن خوف العقاب ليس مقصوداً لذاته، إنما هو سوط يساق به المتواني عن الطاعة إليها، ومن هنا كانت النار من جملة نعم الله على عباده الذين خافوه واتقوه، ولهذا المعنى عدها الله سبحانه من جملة آلائه على الثقلين في سورة الرحمن.
وقال سفيان بن عيينة: خلق الله النار رحمة يخوف بها عباده لينتهوا.
أخرجه أبو نعيم.
والمقصود الأصلي هو طاعة الله وفعل مراضيه ومحبوباته وترك مناهيه ومكروهاته.
ولا ننكر أن خشية الله وهيبته وعظمته في الصدور وإجلاله مقصود أيضاً، ولكن القدر النافع من ذلك ما كان عوناً على التقرب إلى الله بفعل ما يحبه وترك ما يكرهه، ومتى صار الخوف مانعاً من ذلك وقاطعاً عنه فقد انعكس المقصود منه.
ولكن إذا حصل ذلك عن غلبة، كان صاحبه معذوراً، وقد كان في السلف من حصل له من خوف النار أحوال شتى، لغلبة حال شهادة قلوبهم للنار، فمنهم من كان يلازمه القلق والبكاء، وربما اضطرب أو غشي عليه إذا سمع ذكر النار.
وقد روي عن النبي ﵌ شيء من ذلك، إلا أن إسناده ضعيف، فروى حمزة الزيات «عن حمران بن أعين، قال: سمع رسول الله ﵌ قارئاً:
﴿إن لدينا أنكالا وجحيما * وطعاما ذا غصة وعذابا أليما﴾ .
فصعق رسول الله ﵌.
وفي رواية فبكى حتى غشي عليه ﵌» .
هذا مرسل وحمران ضعيف.
ورواه بعضهم عن حمران عن أبي حرب بن الأسود مرسلاً أيضاً.
وقيل: إنه روي عن حمران عن ابن عمر ولا يصح.
«و
стр. 18
عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: لما أنزل الله على نبيه ﵌:
﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة﴾ .
تلاها رسول الله ﵌ ذات يوم على أصحابه، فخر فتى مغشياً عليه، فوضع النبي ﵌ يده على فؤاده فإذا هو يتحرك، فقال: رسول الله ﵌: يا فتى قل: لا إله إلا الله فقالها، فبشره بالجنة، فقال أصحابه يا رسول الله أمن بيننا؟ فقال: أو ما سمعتم قوله تعالى:
﴿ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد﴾ » .
وقد روي هذا عن ابن أبي رواد عن عكرمة عن ابن عباس، وخرجه من هذا الوجه الحاكم وصححه.
ولعل المرسل أشبه.
وقال الجوزجاني في كتاب النواحين حدثنا صاحب لنا «عن جعفر بن سليمان عن لقمان الحنفي، قال: أتى رسول الله ﵌ على شاب ينادي في جوف الليل: واغوثاه من النار، فلما أصبح قال: يا شاب لقد أبكيت البارحة أعين ملأ من الملائكة كثير» .
وقال سليمان بن سحيم: أخبرني من رأى ابن عمر يصلي وهو يترجح ويتمايل ويتأوه، حتى لو رآه غيرنا ممن يجهله لقال: لقد أصيب الرجل، وذلك لذكر النار إذا مر بقوله تعالى:
﴿وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين﴾ .
أو نحو ذلك.
خرجه أبو عبيدة.
وفي كتاب الزهد للإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: قلت ليزيد بن مرثد: مالي أرى عينك لا تجف؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله أن ينفعني به، قال: يا أخي إن الله توعدني إن أنا
стр. 19
عصيته أن يسجنني في النار، والله لو لم يوعدني أن يسجنني إلا في الحمام لكنت حرياً أن لا تجف لي عين، قلت له: فهكذا أنت في صلاتك؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله أن ينفعني به، قال: والله إن ذلك ليعرض لي حين أسكن إلى أهلي، فيحول بيني وبين ما أريد، وإنه ليوضع الطعام بين يدي، فيعرض لي، فيحول بيني وبين أكله، حتى تبكي امرأتي، وتبكي صبياننا، ما يدرون ما أبكانا، وربما أضجر ذلك امرأتي فتقول: يا ويحها، وما خصه من طول الحزن معك في الحياة الدنيا ما يقر لي معك عين.
وقال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز، كأن النار لم تخلق إلا لهما.
وروى ضمرة عن حفص بن عمر، قال: بكى الحسن، فقيل ما يبكيك؟ قال: أخاف أن يطرحني غداً في النار ولا يبالي.
وعن الفرات بن سليمان، قال: كان الحسن يقول: إن المؤمنين قوم ذلت والله منهم الأسماع والأبصار والأبدان، حتى حسبهم الجاهل مرضى، وهم والله أصحاب القلوب، ألا تراه يقول:
﴿وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ .
والله لقد كابدوا في الدنيا حزناً شديداً، وجرى عليهم ما جرى على من كان قبلهم، الله ما أحزنهم ما أحزن الناس، ولكن أبكاهم وأحزنهم الخوف من النار.
وروى ابن المبارك عن معمر عن يحيى بن المختار عن الحسن نحوه.
وروى ابن أبي الدنيا من حديث عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال سمعت عبد الله بن حنظلة يوماً، وهو على فراشه، وعدته من علته، فتلا رجل عنده هذه الآية:
﴿لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش﴾ .
فبكى، حتى ظننت أنه نفسه ستخرج، وقال: صاروا بين
стр. 20
أطباق النار، ثم قام على رجليه، فقال قائل: يا أبا عبد الرحمن اقعد، قال: منعني القعود ذكر جهنم، ولا أدري لعلي أجدهم.
ومن حديت عبد الرحمن بن مصعب، أن رجلاً كان يوماً على شط الفرات فسمع تالياً يتلو:
﴿إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون﴾ .
فتمايل، فلما قال التالي: ﴿لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون﴾ .
سقط في الماء فمات.
ومن حديث أبي بكر بن عياش، قال صليت خلف فضيل بن عياض صلاة المغرب وإلى جانبي علي ابنه، فقرأ الفضيل ﴿ألهاكم التكاثر﴾ فلنا بلغ ﴿لترون الجحيم﴾ .
سقط مغشياً عليه، وبقي الفضيل لا يقدر يجاوز الآية، ثم صلى بنا صلاة خائف، قال: ثم رابطت علياً فما أفاق إلا في نصف الليل.
وروى أبو النعيم بإسناد عن الفضيل، قال: أشرفت ليلة على علي، وهو في صحن الدار، وهو يقول: النار، ومتى الخلاص من النار؟ .
وكان علي يوماً عند ابن عيينه، فحدث سفيان بحديث فيه ذكر النار، وفي يد علي قرطاس في شيء مربوط، فشهق شهقة، ووقع ورمى بالقرطاس، أو وقع من يده، فالتفت إليه سفيان، فقال: لو علمت أنك ههنا ما حدثت به، فما أفاق إلا بعد ما شاء الله.
وقال علي بن خشرم: سمعت منصور بن عمار يقول: تكلمت يوماً في المسجد الحرام، فذكرت شيئاً من صفة النار، فرأيت الفضيل بن غياض صاح حتى غشي عليه وطرح نفسه.
стр. 21
وفي الحلية لأبي نعيم، أن علي بن فضيل صلى خلف إمام قرأ في صلاته سورة الرحمن، فلما سلم، قيل لعلي: أما سمعت ما قرأ الإمام:
﴿حور مقصورات في الخيام﴾ .
فقال: شغلني عيها ما قبلها:
﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران﴾ .
وقال ابن أبي ذئب: حدثني من شهد عمر بن عبد العزيز ـ وهو أمير المدينة ـ وقرأ عنده رجل:
﴿وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً﴾ .
بكى عمر حتى غلبه البكاء وعلا نيجشه، فقام من مجلسه، ودخل بيته، وتفرق الناس.
وقال أبو نوح الأنصاري: وقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين وهو ساجد، فجعلوا ينادونه: يا ابن رسول الله النار، فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل: ما الذي ألهاك عنها؟ قال: النار الأخرى.
قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول: ربما مثل لي رأسي بين جبلين من نار، وربما رأيتني أهوي فيها حتى أبلغ قرارها، فكيف تهنأ الدنيا من كانت هذه صفته؟ قال أحمد: وحدثني أبو عبد الرحمن الأسدي، قال: قلت لسعيد بن عبد العزيز: ما هذا البكاء الذي يعرض لك في الصلاة؟ فقال: يا ابن أخي وما سؤالك عن ذلك؟ قلت: يا عم لعل الله أن ينفعني به، قال: ما قمت في صلاتي إلا مثلت لي جهنم.
وقال سرار أبو عبد الله: عاتبت عطاء السلمي في كثرة بكائه، فقال لي: يا سرار، كيف تعاتبني في شيء ليس هو لي؟ إني إذا ذكرت أهل النار وما ينزل بهم من عذاب الله وعقابه، تمثلت لي نفسي بهم، فكيف
стр. 22
لنفس تغل يداها إلى عنقها، وتسحب إلى النار، أن لا تبكي وتصيح؟ وكيف لنفس تعذب أن لا تبكي؟
قال العلاء بن زياد كان إخوان مطرف عنده، فخاضوا في ذكر الجنة والنار، فقال مطرف: لا أدري ما تقولون! حال ذكر النار بيني وبين الجنة.
وقال عبد الله بن أبي الهذيل: لقد شغلت النار من يعقل عن ذكر الجنة.
وعوتب يزيد الرقاشي على كثرة بكائه، وقيل له: لو كانت النار خلقت لك ما زدت على هذا، فقال: وهل خلقت النار إلا لي ولأصحابي ولإخواننا من الجن والإنس؟ أما تقرأ:
﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان﴾ .
أما تقرأ:
﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران﴾ .
فقرأ حتى بلغ:
﴿يطوفون بينها وبين حميم آن﴾ .
وجعل يجول في الدار ويصرخ ويبكي حتى غشي عليه.
وقرئ على رابعة العدوية آية فيها ذكر النار، فصرخت، ثم سقطت، فمكثت ما شاء الله لم تفق.
ودخل ابن وهب الحمام فسمع قارئاً يقول: ﴿وإذ يتحاجون في النار﴾ ،.
فسقط مغشياً عليه، فغسل عنه بالنورة وهو لا يعقل.
ولما أهديت معاذة العدوية إلى زوجها، صلة بن أشيم، أدخله ابن أخيه الحمام، ثم أدخله بيتاً مطيباً، فقام يصلي حتى أصبح، وفعلت معاذة كذلك، فلما أصبح عاتبه ابن أخيه على فعله، فقال له: إنك أدخلتني بالأمس بيتاً أذكرتني به النار، ثم أدخلتني بيتاً أذكرتني به الجنة، فما زالت فكرتي فيهما حتى أصبحت.
стр. 23
قال العباس بن الوليد عن أبيه: كان الأوزاعي إذا ذكر النار، لم يقطع ذكرها، ولم يقدر أحد أن يسأله عن شيء، حتى يسكت، فأقول بيني وبين نفسي: ترى بقي أحد في المجلس لم يتقطع قلبه حسرات؟ ! .
كانت آمنة بنت أبي الورع من العابدات الخائفات، وكانت إذا ذكرت النار قالت: أدخلوا النار، وأكلوا وشربوا من النار، وعاشوا، ثم تبكي.
وكانت كأنها حبة على مقلي.
وكانت إذا ذكرت النار بكت وأبكت.
قال عبد الواحد بن زيد: لم أر مثل قوم رأيتهم، هجمنا مرة على نفر من العباد في سواحل البحر، فتفرقوا حين رأونا، فما كنت تسمع عامة الليل إلا الصراخ والتعوذ من النار، فلما أصبحنا تعقبنا آثارهم فلم نر منهم أحداً.
فصل ـ[من السلف من إذا رأى النار اضطرب وتغيرت حاله]
﴿نحن جعلناها تذكرة﴾ قال مجاهد وغيره: يعني أن نار الدنيا تذكر بنار الآخرة.
وقال أبو حيان التيمي: سمعت منذ ثلاثين سنة أن عبد الله بن مسعود مر على الذين ينفخون على الكير فسقط، خرجه الإمام أحمد.
وخرج ابن أبي الدنيا من رواية سعد بن الأخرم، قال: كنت أمشي مع ابن مسعود فمر بالحدادين وقد أخرجوا حديداً من النار، فقام ينظر إليه ويبكي.
وعن عطاء الخراساني، كان أويس القرني يقف على موضع الحدادين فينظر إليهم كيف ينفخون الكير، ويسمع صوت النار، فيصرخ، ثم يسقط.
стр. 24
وعن ابن أبي الذباب، أن طلحة وزيداً مرا بكير حداد، فوقفا ينظران إليه يبكيان.
قال الأعمش: أخبرني من رأى الربيع بن خيثم مر بالحدادين، فنظر إلى الكير وما فيه، فخر.
وقال مطر الوراق، كان جمعة وهرم بن حيان إذا أصبحا غديا فمرا بأكورة الحدادين، فنظرا إلى الحديد كيف ينفخ، فيقفان ويبكيان، ويستجيران من النار.
وقال حماد بن سلمة عن ثابت: كان بشير بن كعب وقراء البصرة يأتون الحدادين، فينظرون إلى شهيق النار، فيتعوذون بالله من النار.
وعن العلاء بن محمد قال دخلت على عطاء السلمي فرأيته مغشياً عليه، فقلت لامرأته ما شأنه؟ قالت: سجرت جارة لنا التنور، فلما نظر إليه غشي عليه.
وعن معاوية الكندي قال: مر عطاء السلمي على صبي معه شعلة نار، فأصابت النار الريح، فسمع ذلك منها، فغشي عليه.
قال الحسن: كان عمر، ﵁، ربما توقد له النار، ثم يدني يديه منها، ثم يقول: يا ابن الخطاب هل لك على هذا صبر؟ ! .
وكان الأحنف بن قيس، يجيء إلى المصباح بالليل، فيضع أصبعه فيه، ثم يقول: حس حس، ثم يقول: يا حنيف، ما حملك على صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ .
وقال البختري بن حارثة: دخلت على عابد، فإذا بين يديه نار قد أججها، وهو يعاتب نفسه، ولم يزل يعاتبها حتى مات.
стр. 25
وكان كثير من الصالحين يذكر النار وأنواع عذابها برؤية ما يشبهه بها في الدنيا، أو يذكره بها، كرؤية البحر وأمواجه، والرؤوس المشوية، وبكاء الأطفال، وفي الحر والبرد، وعند الطعام والشراب، وغير ذلك، وسنذكر ما تيسر من ذلك مفرقاً في مواضعه إن شاء الله تعالى.
وقد سبق أن منهم من كان يذكر النار بدخول الحمام، وروى ليث «عن طلحة، قال: انطلق رجل من ذات يوم، فنزع ثيابه، وتمزغ في الرمضاء وهو يقول لنفسه: ذوقي نار جهنم ذوقي
﴿نار جهنم أشد حراً﴾ .
جيفة بالليل، بطالة بالنهار؟ !
فبينا هو كذلك إذا أبصر النبي ﷺ في ظل شجرة، فأتاه، فقال: غلبتني نفسي، فقال له النبي ﷺ : ألم يكن لك بد من الذي صنعت؟ لقد فتحت لك أبواب السماء، ولقد باهى الله بك الملائكة» خرجها «ابن أبي الدنيا» ، وهو مرسل، وخرج الطبراني نحوه من حديث بريدة موصولاً، وفي إسناده من لا يعرف حاله، والله أعلم.
فصل ـ من الخائفين من منعه خوف جهنم من النوم
ومن الخائفين من منعه خوف جهنم من النوم.
قال أسد بن وداعة: كان شداد بن أوس، إذا أوى إلى فراشه، كأنه حبة على مقلى، فيقول: اللهم إن ذكر جهنم لا يدعني أنام، فيقوم إلى مصلاه.
وقال أبو سليمان الداراني: كان طاووس يفترش فراشه، ثم يضطجع عليه، فيتقلى كما تقلى الحبة على المقلى، ثم يثب، فيدرجه، ويستقبل القبلة حتى الصباح، ويقول: طير ذكر جهنم نوم العابدين.
وقال مالك بن دينار: قالت ابنة الربيع بن خيثم: يا أبت، مالك لا تنام والناس ينامون؟ فقال: إن النار لا تدع أباك ينام.
стр. 26
وكان صفوان بن محرز، إذا جنه الليل يخور كما يخور الثور، ويقول: منع خوف النار مني الرقاد.
وكان عامر بن عبد الله يقول: ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، وما رأيت مثل النار نام هاربها، فكان إذا جاء الليل قال: أذهب حر النار النوم، فما ينام حتى يصبح، وإذا جاء النهار قال: أذهب حر النار النوم، فما ينام حتى يمسي.
وروي عنه أنه كان يتلوى الحب في المقلى، ثم يقوم فينادي: اللهم إن النار قد منعتني من النوم فاغفر لي وروي عنه أنه قيل له: مالك لا تنام؟ قال: إن ذكر جهنم لا يدعني أنام.
وقال الحر بن حصين الفزاري: رأيت شيخاً من بني فزارة أمر له خالد بن عبد الله بمائة ألف، فأبى أن يقبلها، وقال: أذهب ذكر جهنم حلاوة الدنيا من قلبي، قال: وكان يقوم إذا نام الناس، فيصيح: النار النار النار.
وكان رجل من الموالي، يقال له صهيب، وكان يسهر الليل ويبكي، فعوتب على ذلك، وقالت له مولاته: أفسدت على نفسك، فقال إن صهيباً إذا ذكر الجنة طال شوقه، وإذا ذكر النار طال نومه.
وعن أبي مهدي قال: ما كان سفيان الثوري ينام إلا أول الليل، ثم ينتفض فزعاً مرعوباً ينادي: النار النار، شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات، ثم يتوضأ، ويقول على أثر وضوئه: اللهم إنك عالم بحاجتي غير معلم، وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار.
وفي هذا المعنى يقول عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى:
إذا ما الليل أظلم كابدوه ... فيسفر عنهم وهم ركوع
أطار الخوف نومهم فقاموا ... وأهل الأمن في الدنيا هجوع
وقال ابن المبارك أيضاً:
стр. 27
وما فرشهم إلا أيامن أزرهم ... وما وسدهم إلا ملاء وأذرع
وما ليلهم فيهن إلا تخوف ... وما نومهم إلا عشاش مروع
وألوانهم صفر كأن وجوههم ... عليا جساد هي بالورس مشبع
نواحل قد أزرى بها الجهد والسرى ...
... إلى الله في الظلماء والناس هجع
ويبكون أحياناً كأن عجيجهم ... إذا نوم الناس الحنين المرجع
ومجلس ذكر فيهم قد شهدته ... وأعينهم من رهبة الله تدمع
كان عباد بن زياد التيمي له إخوة متعبدون، فجاء الطاعون فاخترمهم، فقال يرثاهم:
فتية يعرف التخشع فيهم ... كلهم أحكم القرآن غلاماً
قد برى جلده التهجد حتى ... عاد جلداً مصفراً وعظاماً
تتحافى عن الفراش من الخو ... ف إذا الجاهلون باتوا نياماً
بأنين وعبرة ونحيب ... ويظلون بالنهار صياماً
يقرؤؤن القرآن لا ريب فيه ... ويبيتون سجداً وقياماً
فصل ـ من منعه خوف النار من الضحك
ومنهم من منعه خوف النار من الضحك.
وقال إسماعيل السدي: قال الحجاج لسعيد بن جبير: بلغني أنك لم تضحك قط، قال: كيف أضحك وجهنم قد سعرت، والأغلال قد نصبت، والزبانية قد أعدت؟ ! .
стр. 28
وقال عثمان بن عبد الحميد: وقع في جيران غزوان، حريق، فذهب يطفئه، فوقع شرارة على أصبع من أصابعه، فقال: ألا أراني قد أوجعتني نار الدنيا، والله لا يراني ضاحكاً حتى أعرف أينجيني من نار جهنم أم لا؟ .
وقد كان جماعة من السلف عاهدوا الله أن لا يضحكوا أبداً حتى يعلموا أين مصيرهم، إلى الجنة أم إلى النار، منهم جمعة الدوسي، والربيع بن خراش، وأخوه ربعي، وأسلم العجلي، ووهيب بن الورد، وغيرهم.
وروى يزيد الرقاشي «عن أنس، قال: لما أسري بالنبي ﷺ وجبريل معه، سمع رسول الله ﷺ هدة، فقال: يا جبريل ما هذه الهدة؟ قال: حجر أرسله الله من شفير جهنم، فهو يهوي فيها منذ سبعين عاماً فبلغ قعرها الآن، قال: فما ضحك رسول الله ﷺ بعد ذلك إلا أن يبتسم تبسماً» ، خرجه ابن أبي الدنيا وغيره، ويزيد الرقاشي شيخ صالح لا يحفظ الحديث.
وخرج الطبراني، بإسناد ضعيف إلى أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ معناه، وفي حديثه قال: فما رؤي رسول الله ﷺ ضاحكاً حتى قبض.
وسيأتي امتناع الملائكة من الضحك، منذ خلقت جهنم، فيما بعد إن اء الله تعالى.
وفي حديث أبي ذر الطويل «عن النبي ﷺ قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف موسى؟ قال: كانت عبراً كلها، عجبت لمن أيقن بالموت وهو يفرح، وعجبت لمن أيقن بالنار وهو يضحك» وذكر الحديث بطوله، خرجه ابن حبان في صحيحه وغيره.
стр. 29
فصل ـ من حدث له من خوف النار مرض
ومنهم من حدث له من خوف النار مرض، ومنهم من مات من ذلك.
وكان الحسن يقول في وصف الخائفين: قد براهم الخوف، فهم أمثال القداح ينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى وما بهم مرض، ويقول: قد خولطوا، وقد خالط القوم من ذكر الآخرة أمر عظيم! ! .
وسمع عمر بن الخطاب ﵁ رجلاً يتهجد في الليل ويقرأ سورة الطور، فلما بلغ إلى قوله تعالى:
﴿إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع﴾ .
قال عمر: قسم ورب الكعبة حق، ثم رجع إلى منزله، فمرض شهراً يعوده الناس، لا يدرون ما مرضه.
وكان جماعة من عباد البصرى مرضوا من الخوف، ولزموا منازلهم، كالعلاء بن زياد، وعطاء السلمي، وكان عطاء قد صار صاحب فراش عدة سنين.
وكانوا يرون أن بدأ مرض عمر بن عبد العزيز الذي مات فبه كان من الخوف.
وروى الأمام أحمد «عن حسين بن محمد عن فضيل عن محمد بن مطرف، قال: حدثني الثقة، أن شاباً من الأنصار، دخل خوف النار قلبه، فجلس في البيت، فأتاه النبي ﷺ ، فقام إليه فاعتنقه، فشهق شهقة خرجت نفسه، فقال النبي ﷺ : جهزوا صاحبكم فلذ خوف النار كبده» .
ورواه ابن المبارك عن محمد بن مطرف به بنحوه، وروي من وجه آخر متصلاً، خرجه ابن أبي الدنيا، «
стр. 30
حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا حازم بن جبل بن أبي نضرة العبدي، عن أبي سنان، عن الحسن، عن حذيفة، قال: كان شاب على عهد رسول الله ﷺ يبكي عند ذكر النار، حتى حبسه ذلك في البيت، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فأتاه النبي ﷺ ، فلما نظر إليه الشاب قام إليه واعتنقه وخر ميتاً، قال النبي ﷺ : جهزوا صاحبكم فإن الفرق من النار فلذ كبده، والذي نفسي بيده لقد أعاذ الله منها، فمن رجا شيئاً طلبه، ومن خاف شيئاً هرب منه» .
والمرسل أصح وخازم بن جبلة، قال ابن مخلد الدوري الحافظ، لا يكتب حديثه.
وقال حفصى بن عمرو الجعفي: اشتكى داود الطائي أياماً، وكان سبب علته أنه مر بآية فيها ذكر النار، فكررها مراراً في ليلته، فأصبح مريضاً، فوجدوه قد مات ورأسه على لبنة.
خرجه أبو نعيم.
وخرج أيضاً هو وابن أبي الدنيا، وغيرهما من غير وجه، قصة منصور بن عمار مع الذي مر به بالكوفة ليلاً، وهو يناجي ربه، فتلا منصور هذه الآية
﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة﴾
قال منصور، فسمعت دكدكة لم أسمع بعدها حساً ومضيت، فلما كان من الغد رجعت، فاذا جنازة قد أخرجت، وإذا عجوز، فسألتها عن أمر الميت، ولم تكن عرفتني، فقالت هذا رجل، لا جازاه الله خيراً، مر بابني البارحة وهو قائم يصلي، فتلا آية من كتاب الله، فتفطرت مرارته، فوقع ميتاً.
وروى ابن أبي الدنيا عن محمد بن الحسين، حدثني بعض أصحابنا حدثني عبد الوهاب، قال: بينما أنا جالس في الحدادين ببلخ، إذ مر رجل، فنظر إلى النار في الكور، فسقط، فقمنا ونظرنا، فإذا هو قد مات.
وبإسناده عن البختري بن يزيد عن حارثة الأنصاري، أن رجلاً من العباد
стр. 31
وقف على كور حداد، وقد كشف عنه، فجعل ينظر إليه ويبكي، قال: ثم شهق شهقة فمات.
قال: وحدثت عن عبد الرحيم بن مطرف بن قدامة الرواس، أنبأنا أبي عن مولى لنا، قال: لما مات المنصور بن المعتمر صاحت أمه: واقتيل جهنماه! ما قتل ابني إلا خوف جهنم.
وروي من غير وجه، أن علي بن فضيل مات من سماع قراءة هذه الآية:
﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين﴾ .
وقال يونس بن عبد الأعلى: قرأ عبد الله بن وهب كتاب الأهوال فمر في صفة النار فشهق فغشي عليه، فحمل إلى منزله، وعاش أياماً، ثم مات ﵀.
فصل ـ أحوال بعض الخائفين
خرج مسلم في صحيحه «من حديث أنس عن رسول الله ﵌ أنه قال: والذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار» .
وفي الصحيحين «عن ابن عباس أن النبي ﵌: قال: ما كسفت الشمس رأيت النار، فلم أر منظراً كاليوم قط أفظع منها» .
стр. 32
وروى ألاعمش «عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعاً: لو أبرزت النار للناس ما رآها أحد إلا مات» .
وروي موقوفاً.
وخرج أبو يعلى الموصلي في مسنده وغيره من «من حديث ابن عمر عن النبي ﵌ أنه خطب فقال: لا تنسوا العظيمتين: الجنة والنار ثم بكى حتى جرى وبلت دموعه جانبي لحيته ثم قال: والذي نفس محمد بيده، لو تعلمون ما أعلم عن الآخرة، لمشيتم إلى الصعدات، ولحثيتم على رؤوسكم التراب» .
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن معسر عن عبد الأعلى: ما جلس قوم مجلساً، فلم يذكروا الجنة والنار، إلا قالت الملائكة: أغفلوا العظيمتين؟ ! .
وعن عامر بن يساف، عن يحيى بن أبي كثير، قال: قطع قلوب الخائفين، طول الخلودين في الجنة أو النار.
وعن ابن السماك، قال: قطع قلوب العارفين بالله، ذكر الخلودين الجنة والنار.
وعن بكر المزني، أن أبا موسى الأشعري خطب الناس بالبصيرة، فذكر في خطبته النار، فبكى حتى سقطت دموعه على المنبر، قال: وبكى الناس يومئذ بكاء شديداً.
وعن إبراهيم بن محمد البصري قال: نظر عمر بن عبد العزيز إلى رجل عنده متغير اللون، فقال له: ما الذي أرى بك؟ قال: أسقام وأمراض يا أمير
стр. 33
المؤمنين إن شاء الله، فأعاد عليه عمر، فأعاد عليه الرجل مثل ذلك ثلاث مرات، فقال إذا أبيت إلا أن أخبرك، فإني ذقت حلاوة الدنيا، فصغر في عيني زهرتها وملاعبها، واستوى عندي حجارتها وذهبها، ورأيت كأن الناس يساقون إلى الجنة وأنا أساق إلى النار، فأسهرت لذلك ليلى، واظمأت له نهاري، وكل ذلك صغير حقير في جنب عفو الله وثواب الله وجنب عقابه.
وهذا الكلام يشبه حديث حارثة المشهور، وهو حديث روي من وجوه مرسلاً، وروي مسنداً متصلاً من «رواية يوسف بن عطية الصفار، وفيه ضعف، عن ثابت عن أنس أن النبي ﵌ قال لشاب من الأنصار: كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمناً بالله حقاً، قال: انظر ما تقول، فإن لكل قول حقيقة قال: يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني بعرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاؤون فيها، قال: أبصرت فالزم، عبد نور الله الإيمان في قلبه» والمرسل أصح.
وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا علي بن أبي الحر، قال: أوحى الله إلى يحيى بن زكريا ﵇: يا يحيى، وعزتي، لو اطلعت إلى الفردوس اطلاعة، لذاب جسمك، ولزهقت نفسك اشتياقاً، ولو اطلعت إلى جهنم اطلاعة لبكيت بالصديد بعد الدموع، وللبست الحديد بعد المسوح.
وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده عن سفيان، قال: كان عمر بن عبد العزيز ساكتاً وأصحابه يتحدثون، فقالوا: مالك لا تتكلم يا أمير المؤمنين، قال: كنت مفكراً في أهل الجنة كيف يتزاورون فيها، وفي أهل النار كيف يصطرخون فيها، ثم بكى.
стр. 34
وعن مغيث الأسود أنه كان يقول: زوروا القبور كل يوم بفكركم، وتوهموا جوامع الخير كل يوم بعقولكم، وشاهدوا الموقف كل يوم بقلوبكم، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة والنار بهممكم، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها.
وعن صالح المري أنه قال: للبكاء دواعي الفكرة في الذنوب، فإن أجابت على ذلك القلوب وإلا نقلتها إلى الموقف وتلك الشدائد والأهوال، فإن أجابت إلى ذلك وإلا فاعرض عليها التقلب بين أطباق النيران، قال: ثم صاح، فغشي عليه، وتصايح الناس من جوانب المسجد.
وعن أبي سليمان الداراني، قال: خرج مالك بن دينار بالليل إلى قاعة الدار وترك أصحابه في البيت، فأقام إلى الفجر قائماً في وسط الدار، فقال لهم: إني كنت في وسط الدار خطر ببالي أهل النار، فلم يزالوا يعرضون علي بسلاسلهم وأغلالهم حتى الصباح.
وكان سعيد الجرمي يقول في وصف الخائفين: إذا مروا بآية من ذكر النار، صرخوا منها فرقاً، كأن زفير النار في آذانهم، وكآن الآخرة، نصب أعينهم.
وقال الحسن: إن لله عباداً كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، وكمن رأى أهل النار في النار معذبين.
وقال أيضاً: والله ما صدق عبد بالنار قط إلا ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وإن المنافق لو كانت النار خلف ظهره، لم يصدق بها حتى يهجم عليها.
وقال وهب بن منبه: كان عابد في بني إسرائيل قام في الشمس يصلي حتى اسود وتغير لونه، فمر به إنسان، فقال: كأن هذا حرق بالنار، قال: إن هذا من ذكرها، فكيف بمعاينتها؟ ! .
стр. 35
وقال ابن عيينة قال إبراهيم التيمي: مثلت نفسي في الجنة، آكل من ثمارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار، آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا، فأعمل صالحاً، قال: فأنت في الأمنية فاعملي.
стр. 36
الباب الثالث ـ[في ذكر تخويف أصناف الخلق بالنار وخوفهم منها]
النار خلقها الله تعالى لعصاة الجن والإنس، وبهما تمتليء، قال الله تعالى:
﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها﴾ .
وقال تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ .
وقال تعالى: ﴿ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ .
وقال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قال النار مثواكم خالدين فيها﴾ .
وقال تعالى حاكياً عن الجن الذين استمعوا القرآن:
﴿وأنا منا
стр. 37
المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا * وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا﴾ .
وقال تعالى: ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان * فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ .
﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران﴾ إلى قوله
﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان * فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام﴾ .
ولهذا روي «أن النبي ﵌، قرأ هذه السورة على الجن، وأبلغهم إياها، لما تضمنت ذكر خلقهم وموتهم وبعثهم وجزائهم» .
وأما سائر الخلق، فأشرفهم الملائكة، وهم متوعدون على المعصية بالنار، وهم خائفون منها، قال الله تعالى:
﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون * ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين﴾ .
وقد استفاض عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، أن هاروت
стр. 38
وماروت كانا ملكين، وأنهما خيرا بعد الوقوع في المعصية، بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا لعلمهما بانقضائه، وقد روي في ذلك حديث مرفوع، من حديث ابن عمر، عن النبي ﵌، وخرجه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه، ولكن قد قيل: إن الصحيح أنه موقف على كعب.
وخرج الإمام أحمد، «من حديث أنس عن النبي ﵌، أنه سأل جبريل ﵇، فقال له: مالي لا أرى ميكائيل ﵇ يضحك؟ ! فقال جبريل: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار» .
روي أيضاً في كتاب الزهد «من حديث أبي عمران الجوني، قال: بلغنا أن جبريل جاء إلى رسول الله ﵌، وجبريل ﵇ يبكي، فقال رسول الله ﵌: ما يبكيك يا جبريل؟ قال: أو ما يبكي أنت يا محمد؟ ما جفت عيناي منذ خلق الله جهنم مخافة أن أعصيه فيلقيني فيها» .
وقد روي نحوه من وجوه أخر مرسلة أيضاً.
وخرج الطبراني «من حديث محمد بن أحمد بن أبي خيثمة، حدثنا محمد بن علي، حدثنا أبي عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمران، أن جبريل جاء إلى النبي ﵌ حزيناً لا يرفع رأسه، فقال له: مالي أراك يا جبريل حزيناً؟ ! قال: إني رأيت نفحة من جهنم، فلم ترجع إلي روحي بعد» .
وقال: لم يرفعه عن زيد إلا علي، تفرد به ابنه محمد بن علي بن خلف، وهذا يدل على أن غيره وقفه.
стр. 39
وخرج الطبراني أيضاً، «من طريق سلام الطويل، عن الأجلح الكندي، عن عدي بن عدي الكندي، عن عمر بن الخطاب، قال: جاء جبريل إلى النبي ﵌ في غير حينه الذي كان يأتيه فيه، فقال النبي ﵌: يا جبريل مالي أراك متغير اللون؟ قال: ما جئتك حتى أمر الله بمنافيخ النار، قال: يا جبريل، صف لي النار، وانعت لي جهنم» فذكر الحديث، وسنذكره إن شاء الله تعالى مفرقاً في الكتاب في مواضع، «ثم قال: فقال رسول الله ﵌: حسبي يا جبريل، لا ينصدع قلبي فأموت قال: فنظر رسول الله ﵌ إلى جبريل وهو يبكي، فقال رسول الله ﵌: تبكي يا جبريل، وأنت من الله بالمكان الذي أنت فيه؟ فقال: وما لي لا أبكي، أنا أحق منك بالبكاء، لعلي أن أكون في علم الله، على غير الحال التي أنا عليها، وما أدري لعلي أبتلى بما ابتلي به إبليس، فقد كان مع الملائكة، وما أدري لعلي أبتلي بما ابتلى به هاروت وماروت، قال: فبكى رسول الله ﵌، وبكى جبريل ﵇، فما زالا يبكيان حتى نوديا: يا محمد ويا جبريل، إن الله قد أمنكما أن تعصياه، فارتفع جبريل، وخرج رسول الله ﵌، فمر بقوم من الأنصار يضحكون، فقال: تضحكون ووراءكم جهنم؟ ! فلو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، ولما أسغتم الطعام والشراب، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله فنودي: يا محمد، لا تقنط عبادي، إنما بعثتك ميسراً ولم ابعثك معسراً، فقال رسول الله ﵌: سددوا وقاربوا» .
سلام الطويل: ضعيف جداً.
وروى ابن أبي الدنيا، من حديث أبي فضالة عن أشياخه، قال: إن لله ملائكة، لم يضحك أحدهم منذ خلقت جهنم، مخافة أن يغضب الله
стр. 40
عليهم فيعذبهم.
وبإسناده عن بكر العابد، قال: قلت لجليس لابن أبي ليلى ـ يكني أبا الحسن ـ: أتضحك الملائكة؟ قال: ما ضحك من دون العرش منذ خلقت جهنم.
وعن محمد بن المنكدر قال: لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة من أماكنها، فلما خلق بنو آدم عادت.
وروى أبو نعيم بإسناده عن طاووس، قال: لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة، فلما خلقت بنو آدم سكنت.
فأما البهائم والوحوش والطير، فقد روي ما يدل على خوفها أيضاً.. قال عامر بن يساف، عن يحيى بن أبي كثير، قال: بلغنا أنه إذا كان يوم نوح داود ﵇ يأتي الوحش من البراري، وتأتي السباع من الغياض، وتأتي الهوام من الجبال، وتأتي الطيور من الأوكار، وتجتمع الناس لذلك اليوم، ويأتي داود ﵇ حتى يرقى على المنبر، فيأخذ في الثناء على ربه، فيضجون بالبكاء والصراخ، ثم يأخذ في ذكر الجنة والنار، فيموت طائفة من الناس وطائفة من السباع وطائفة من الهوام وطائفة من الوحوش وطائفة من الرهبان والعذارى المتعبدان، ثم يأخذ في ذكر الموت وأهوال القيامة ويأخذ في النياحة على نفسه، فيموت طائفة من هؤلاء، وطائفة من هؤلاء، ومن كل صنف طائفة.
خرجه ابن أبي الدنيا.
وأما غير الحيوان من الجمادات وغيرها، فقد أخبر الله سبحاته، أنها تخشاه، قال تعالى:
﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ .
قال
следующие страницы →