Полный текст (271 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الباب الثالث ـ[في ذكر تخويف أصناف الخلق بالنار وخوفهم منها]
النار خلقها الله تعالى لعصاة الجن والإنس، وبهما تمتليء، قال الله تعالى:
﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها﴾ .
وقال تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ .
وقال تعالى: ﴿ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ .
وقال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قال النار مثواكم خالدين فيها﴾ .
وقال تعالى حاكياً عن الجن الذين استمعوا القرآن:
﴿وأنا منا
стр. 37
المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا * وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا﴾ .
وقال تعالى: ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان * فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ .
﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران﴾ إلى قوله
﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان * فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام﴾ .
ولهذا روي «أن النبي ﵌، قرأ هذه السورة على الجن، وأبلغهم إياها، لما تضمنت ذكر خلقهم وموتهم وبعثهم وجزائهم» .
وأما سائر الخلق، فأشرفهم الملائكة، وهم متوعدون على المعصية بالنار، وهم خائفون منها، قال الله تعالى:
﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون * ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين﴾ .
وقد استفاض عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، أن هاروت
стр. 38
وماروت كانا ملكين، وأنهما خيرا بعد الوقوع في المعصية، بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا لعلمهما بانقضائه، وقد روي في ذلك حديث مرفوع، من حديث ابن عمر، عن النبي ﵌، وخرجه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه، ولكن قد قيل: إن الصحيح أنه موقف على كعب.
وخرج الإمام أحمد، «من حديث أنس عن النبي ﵌، أنه سأل جبريل ﵇، فقال له: مالي لا أرى ميكائيل ﵇ يضحك؟ ! فقال جبريل: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار» .
روي أيضاً في كتاب الزهد «من حديث أبي عمران الجوني، قال: بلغنا أن جبريل جاء إلى رسول الله ﵌، وجبريل ﵇ يبكي، فقال رسول الله ﵌: ما يبكيك يا جبريل؟ قال: أو ما يبكي أنت يا محمد؟ ما جفت عيناي منذ خلق الله جهنم مخافة أن أعصيه فيلقيني فيها» .
وقد روي نحوه من وجوه أخر مرسلة أيضاً.
وخرج الطبراني «من حديث محمد بن أحمد بن أبي خيثمة، حدثنا محمد بن علي، حدثنا أبي عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمران، أن جبريل جاء إلى النبي ﵌ حزيناً لا يرفع رأسه، فقال له: مالي أراك يا جبريل حزيناً؟ ! قال: إني رأيت نفحة من جهنم، فلم ترجع إلي روحي بعد» .
وقال: لم يرفعه عن زيد إلا علي، تفرد به ابنه محمد بن علي بن خلف، وهذا يدل على أن غيره وقفه.
стр. 39
وخرج الطبراني أيضاً، «من طريق سلام الطويل، عن الأجلح الكندي، عن عدي بن عدي الكندي، عن عمر بن الخطاب، قال: جاء جبريل إلى النبي ﵌ في غير حينه الذي كان يأتيه فيه، فقال النبي ﵌: يا جبريل مالي أراك متغير اللون؟ قال: ما جئتك حتى أمر الله بمنافيخ النار، قال: يا جبريل، صف لي النار، وانعت لي جهنم» فذكر الحديث، وسنذكره إن شاء الله تعالى مفرقاً في الكتاب في مواضع، «ثم قال: فقال رسول الله ﵌: حسبي يا جبريل، لا ينصدع قلبي فأموت قال: فنظر رسول الله ﵌ إلى جبريل وهو يبكي، فقال رسول الله ﵌: تبكي يا جبريل، وأنت من الله بالمكان الذي أنت فيه؟ فقال: وما لي لا أبكي، أنا أحق منك بالبكاء، لعلي أن أكون في علم الله، على غير الحال التي أنا عليها، وما أدري لعلي أبتلى بما ابتلي به إبليس، فقد كان مع الملائكة، وما أدري لعلي أبتلي بما ابتلى به هاروت وماروت، قال: فبكى رسول الله ﵌، وبكى جبريل ﵇، فما زالا يبكيان حتى نوديا: يا محمد ويا جبريل، إن الله قد أمنكما أن تعصياه، فارتفع جبريل، وخرج رسول الله ﵌، فمر بقوم من الأنصار يضحكون، فقال: تضحكون ووراءكم جهنم؟ ! فلو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، ولما أسغتم الطعام والشراب، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله فنودي: يا محمد، لا تقنط عبادي، إنما بعثتك ميسراً ولم ابعثك معسراً، فقال رسول الله ﵌: سددوا وقاربوا» .
سلام الطويل: ضعيف جداً.
وروى ابن أبي الدنيا، من حديث أبي فضالة عن أشياخه، قال: إن لله ملائكة، لم يضحك أحدهم منذ خلقت جهنم، مخافة أن يغضب الله
стр. 40
عليهم فيعذبهم.
وبإسناده عن بكر العابد، قال: قلت لجليس لابن أبي ليلى ـ يكني أبا الحسن ـ: أتضحك الملائكة؟ قال: ما ضحك من دون العرش منذ خلقت جهنم.
وعن محمد بن المنكدر قال: لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة من أماكنها، فلما خلق بنو آدم عادت.
وروى أبو نعيم بإسناده عن طاووس، قال: لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة، فلما خلقت بنو آدم سكنت.
فأما البهائم والوحوش والطير، فقد روي ما يدل على خوفها أيضاً.. قال عامر بن يساف، عن يحيى بن أبي كثير، قال: بلغنا أنه إذا كان يوم نوح داود ﵇ يأتي الوحش من البراري، وتأتي السباع من الغياض، وتأتي الهوام من الجبال، وتأتي الطيور من الأوكار، وتجتمع الناس لذلك اليوم، ويأتي داود ﵇ حتى يرقى على المنبر، فيأخذ في الثناء على ربه، فيضجون بالبكاء والصراخ، ثم يأخذ في ذكر الجنة والنار، فيموت طائفة من الناس وطائفة من السباع وطائفة من الهوام وطائفة من الوحوش وطائفة من الرهبان والعذارى المتعبدان، ثم يأخذ في ذكر الموت وأهوال القيامة ويأخذ في النياحة على نفسه، فيموت طائفة من هؤلاء، وطائفة من هؤلاء، ومن كل صنف طائفة.
خرجه ابن أبي الدنيا.
وأما غير الحيوان من الجمادات وغيرها، فقد أخبر الله سبحاته، أنها تخشاه، قال تعالى:
﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ .
قال
стр. 41
ابن أبي نجيح عن مجاهد: كل حجر يتفجر منه الماء ويتشقق عن ماء، أو يتردى عن رأس جبل، فهو من خشية الله ، نزل بذلك القرآن.
وخرج الجوزجاتي وغيره في طريق مجاهد عن ابن عباس، قال: إن الحجر ليقع إلى الأرض، ولو اجتمع عليه الفئام من الناس، ما استطاعوا، وإنه ليهبط من خشية الله.
قال ابن أبي الدنيا: حدثني أحمد بن عاصم بن عنبسة العباداني، حدثنا الفضيل بن العباس ـ وكان من الأبدال، وكانت الدموع قد أثرت في وجهه، وكان يصوم الدهر، ويفطر كل ليلة على رغيف ـ قال: مر عيسى ﵇ بجبل بين نهرين، نهر عن يمينه، ونهر عن يساره، ولا يدري من أين يجيء هذا الماء، ولا إلى أين يذهب، قال: أما الذي يجري عن يساري فمن دموع عيني اليسرى، قال: مم ذاك؟ قال: خوف من ربي أنه يجعلني من وقود النار، قال عيسى: فأنا أدعو الله أن يهبك لي، فدعا الله فوهبه له، فقال عيسى: قد وهبت لي، قال: فجاء منه الماء حتى احتمل عيسى فذهب به، قال له عيسى، اسكن بعزة الله، فقد استوهبتك من ربي فوهبك لي فما هذا؟ قال، أما البكاء الأول فبكاء الخوف، وأما البكاء الثاني فبكاء الشكر.
قال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: إن القمر ليبكي من خشية الله.
قال طاووس: إن القمر ليبكي من خشية الله ولا ذنب له، ولا يسأل عن عمل ولا يجازي به.
فصل ـ[النار في الدنيا تخاف من نار جهنم]
وهذه النار التي في الدنيا تخاف من نار جهنم، روى نفيع أبو داود عن «
стр. 42
أنس، عن النبي ﵌ قال: إن ناركم هذه لجزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، ولولا أنها أطفئت بالماء مرتين ما انتفعتم بها، وإنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها» .
خرجه ابن ماجه، ونفيع فيه ضعيف، وقد روي موقوفاً على أنس.
وخرج الحاكم، «من حديث جسر بن فرقد، عن الحسن عن أنس، عن النبي ﵌ قال: ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، ولولا أنها غمست في البحر مرتين ما انتفعتم بها أبداً، وايم الله إن كانت لكافية، وإنها لتدعو الله وتستجير الله أن لا يعيدها في النار أبداً» وقال: صحيح الاسناد، وفي ذلك نظر، فإن جسر بن فرقد ضعيف.
وروي ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي رجاء، قال: لما ألقى إبراهيم ﵇ في النار أوحى الله إليها: لئن ضريتيه أو آذيتيه لآردنك إلى النار الكبرى، فخرت مغشياً عليها ثلاثة أيام لا ينتفع الناس منها بشيء.
وعن أبي عمران الجوني، قال: بلغنا أن عبد الله بن عمرو سمع صوت النار فقال: وأنا، فقيل له: ما هذا؟ فقال: والذي نفسي بيده إنها تستجير من النار الكبرى أن تعاد إليها.
وعن الأعمش عن مجاهد، قال: ناركم هذه تستعيذ من نار جهنم.
стр. 43
الباب الرابع ـ[في أن البكاء من خشية النار ينجي منها وأن التعوذ بالله من النار يوجب الإعاذة منها]
قد تكاثرت النصوص في أن البكاء من خشية الله يقتضي النجاة منها، والبكاء خوف نار جهنم هو البكاء من خشية الله، لأنه بكاء من خشية عقاب الله وسخطه والبعد عنه وعن رحمته وجواره ودار كرمته.
وروى أبو هريرة عن «النبي ﵌ قال: لا يلج النار رجل بكى من خشية الله، حتى يعود اللبن في الضرع» خرجه النسائي والترمزي وقال: صحيح.
«وعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: عينان لا تمسها النار: عين بكت في جوف الليل من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله » خرجه الترمزي وقال: حسن.
«و
стр. 44
عن أبي ريحانة، عن النبي ﵌، قال: حرمت النار على عين دمعت أو بكت في جوف الليل من خشية الله، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله وذكر عيناً ثالثة» .
خرجه الإمام أحمد وهذا لفظه، والنسائي والحاكم وقال: صحيح الإسناد، وخرجه الجوزجاني ولفظه «حرمت النار على عين سهرت بكتاب الله، وحرمت النار على عين دمعت من خشية الله، وحرمت النار على عين غضت عن محارم الله أو فقئت في سبيل الله» .
«وعن ابن مسعود، عن النبي ﵌ قال: ما من عبد مؤمن يخرج من عينيه دموع، ولو كانت مثل رأس الذباب، من خشية الله، ثم تصيب شيئاً من حر وجهه، إلا حرمه الله على النار» خرجه ابن ماجه، وقد روي موفوقاً على من دون ابن مسعود.
وفي الباب أحاديث أخر في المعنى مسندة ومرسلة، وفيه أيضاً عن معاذ بن جبل وابن عباس من قولهما غير مرفوع.
وخرج ابن أبي الدنيا من طريق نفيع أبي داود، «عن زيد بن أرقم، أن رجلاً قال: يا رسول الله، بما أتقي به النار؟ قال: بدموع عينيك، فإن عيناً بكت من خشية الله لا تمسها النار أبداً» .
ونفيع سبق أنه ضعيف.
ومن طريق النضر بن سعيد، رفعه قال: «ما اغرورقت عينا عبد بمائها
стр. 45
من خشية الله إلا حرم جسدها على النار، فإن فاضت على خده لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة، ولو أن عبداً بكى في أمة من الأمم، لأنجى الله ببكاء ذلك العبد تلك الأمة من النار، وما من عمل إلا وله وزن أو ثواب إلا الدمعة، فإنها تطفيء بحوراً من النار» .
وقد روي هذا المعنى أو بعضه موقوفاً من كلام الحسن وأبي عمران الجوني وخالد بن معدان وغيرهم.
وعن زادان أبي عمر قال: بلغنا أنه من بكى خوفاً من النار أعاذه الله منها، ومن بكى شوقاً إلى الجنة أسكنه الله إياها.
وكان عبد الواحد بن زيد يقول، يا إخوتاه، ألا تبكون شوقاً إلى الله ؟ ألا إنه من بكى شوقاً إلى سيده لم يحرمه النظر إليه، يا إخوتاه، ألا تبكون خوفاً من النار؟ ألا إنه من بكى خوفاً من النار أعاذه الله منها.
وعن فرقد السبخي، قال: قرأت في بعض الكتب أن الباكي على الجنة لتشفع له الجنة إلى ربها، فتقول: يا رب، أدخله، فتقول: يا رب، أدخله كما بكى علي، وإن النار لتستجير له من ربها، فتقول: يا رب، أجره من النار كما استجار مني، وبكى خوفاً من دخولي.
وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة، «عن النبي ﵌، أنه قال: رأيت الليلة رؤيا» فذكر الحديث بطوله، «وفيه قال: رأيت رجلاً من أمتي على شفير جهنم، فجاءه وجله من الله، فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلاً من أمتي يهوي في النار، فجاءته دموعه التي تبكي من خشية الله ، فاستخرجه من النار» .
стр. 46
وروى أيمن، «حدثنا سهل بن حماد، حدثنا المبارك بن فضالة، حدثنا ثابت عن أنس، قال: تلا رسول الله ﵌ هذه الآية
﴿ناراً وقودها الناس والحجارة﴾ .
وبين يديه رجل أسود، فهتف بالبكاء، فنزل جبريل ﵇، فقال: من هذا الباكي بين يديك؟ قال: رجل من الحبشة وأثنى عليه معروفاً قال: فإن الله يقول: وعزتي وجلالي، وارتفاعي فوق عرشي، لا تبكي عين عبد في الدنيا من خشيتين إلا كثرت ضحكة في الجنة» .
فصل ـ[التعوذ من النار]
قال الله تعالى: ﴿الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار﴾ ﴿فاستجاب لهم ربهم﴾ .
стр. 47
وفي الصحيحين «عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﵌، في ذكر الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر، وفيه: إن الله يسألهم، وهو أعلم بهم، فيقول: مم يتعوذون؟ فيقولون: من النار، فيقول: وهل رأوها؟ قالوا: لا والله ما رأوها، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً وأشد منها مخافة، قال: فيقول: إني أشهدكم أني قد غفرت لهم» .
وخرج الترمزي والنسائي وابن ماجه، «من حديث أنس، عن النبي ﵌، قال: ما من مسلم يسأل الله الجنة ثلاثاً إلا قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار من النار ثلاثاً، قالت النار: اللهم أجره من النار» .
وخرج البزار وأبو يعلى الموصلي، «من حديث أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﵌، قال: ما استجار عبد من النار سبع مرات إلا قالت النار: يا رب، إن عبدك فلاناً استجار مني فأجره، ولا سأل عبد الجنة سبع مرات إلا قالت الجنة: يا رب، إن عبدك فلاناً سألني فأدخله الجنة» .
وروى صالح المري، «عن أبان، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله
стр. 48
وسلم: يقول الله : انظروا في ديوان عبدي، فمن رأيتموه سألني الجنة أعطيته، ومن استعاذ بي من النار أعذته» وإسناده ضعيف.
وروى أبو صالح عبد الله بن صالح، «حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن سليمان، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد ـ أو عن ابن أبي حجيرة الأكبر، عن أبي هريرة أو أحدهما حدثه عن النبي ﵌ قال: إذا كان يوم حار، فإذا قال الرجل: لا إله إلا الله، ما أشد حر هذا اليوم! اللهم أجرني من حر جهنم، قال الله لجهنم: إن عبداً من عبادي استجارني من حرك، وأنا أشهدك أني قد أجرته، وإذا كان يو شديد البرد، فقال العبد: لا إله إلا الله، ما أشد برد هذا اليوم! اللهم أجرني من زمهرير جهنم، قال الله لجهنم: إن عبداً من عبادي استجارني من زمهريرك، وأنا أشهدك أني قد أجرته» قالوا: وما زمهرير جهنم؟ قال: بيت يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة برده وقال أبو يحيحى القتات، عن مجاهد: يؤمر بالعبد إلى النار يوم القيامة، فتنزوي فيقول: ما شأنك؟ فتقول: إنه قد كان يستجير مني، فيقول: خلوا سبيله.
وقال سفيان، عن مسعر بن عبد الأعلى: الجنة والنار ألقيتا السمع من ابن آدم، فإذا قال الرجل: أعوذ بالله من النار، قالت النار: اللهم أعذه، وإذا
стр. 49
قال،: أسأل الله الجنة قالت الجنة: اللهم بلغه.
وقال عثمان بن أبي العاتكة: قال أبو مسلم الخولاني: ما عرضت لي دعوة إلا ذكرت جهنم، فصرفتها إلى الاستعاذة منها.
وقال أبو سنان عيسى بن سنان، عن عطاء الخراساني، قال: من استجار بالله من جهنم سبع مرات، قالت جهنم: لا حاجة لي فيك.
стр. 50
الباب الخامس ـ[في ذكر مكان جهنم]
روى عطية عن ابن عباس، قال: الجنة في السماء السابعة، ويجعلها الله حيث يشاء يوم القيامة، وجهنم في الأرض السابعة، أخرجه أبو نعيم.
وخرج ابن مندة، من حديث أبي يحيى القتات عن مجاهد، قال: قلت لابن عباس: أين الجنة؟ قال: فوق سبع سموات، قلت: فأين النار؟ قال: تحت سبع أبحر مطبقة.
وروى البيهقي، بإسناده فيه ضعف، عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود، قال: الجنة في السماء السابعة العليا، والنار في الأرض السابعة السفلى، ثم قرأ
﴿إن كتاب الأبرار لفي عليين﴾ .
﴿إن كتاب الفجار لفي سجين﴾ .
وخرجه ابن مندة، وعنده فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث شاء.
وقال محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن بشر بن شغاف، عن
стр. 51
عبد الله ابن سلام، قال: إن الجنة في السماء، وإن النار في الأرض.
خرجه ابن خزيمة وابن أبي الدنيا.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن قتادة، قال: كانوا يقولون: إن الجنة في السموات السبع، وإن جهنم لفي الأرضين السبع.
وروى ورقاء، عن أبي نجيح، عن مجاهد.
﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون﴾ .
قال: الجنة في السماء، وقال استدل بعضهم لهذا بأن الله تعالى أخبر أن الكفار يعرضون على النار غدواً وعشياً ـ يعني في مدة البرزخ ـ وأخبر أنه لا تفتح لهم أبواب السماء، فدل أن النار في الأرض.
وقال تعالى:
﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين﴾ .
وفي حديث البراء بن عازب، «عن النبي ﵌، في صفة قبض الروح، قال في روح الكافر: حتى ينتهوا بها السماء فيستفتحون فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله ﵌:
﴿لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ » .
قال: يقول قال تعالى: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى قال: فتطرح روحه طرحاً خرجه الإمام أحمد وغيره.
«وعن أبي هريرة، عن النبي ﵌، في صفة قبض الروح، وقال في روح الكافر: فتخرج كأنتن ريح جيفة، فينطلقون به إلى باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح! كلما أتوا على أرض قالوا
стр. 52
ذلك، حتى يأتوا به إلى أرواح الكفار» خرجه ابن حبان والحاكم وغيرهما.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أرواح الكفار في الأرض السابعة.
فصل ـ البحار تسجر يوم القيامة
روى الأمام أحمد، بإسناد فيه نظر، «عن يعلى بن أمية، عن النبي ﵌، قال: البحر هو جهنم فقالوا ليعلى، قال: ألا ترون أن الله يقول:
﴿ناراً أحاط بهم سرادقها﴾ .
لا والذي نفس يعلى بيده، لا أدخلها أبداً حتى أعرض على الله ، ولا يصيبني منها قطرة حتى ألقى الله » .
وهذا إن ثبت، فالمراد به أن البحار تفجر يوم القيامة، فتصير بحراً واحداً، ثم تسجر ويوقد عليها، فتصير ناراً، وتزاد في نار جهنم.
وقد فسر غير واحد من السلف قوله تعالى:
﴿وإذا البحار سجرت﴾ .
بنحو هذا.
وروى المبارك بن فضالة، عن كثير أبي محمد، عن ابن عباس قال: تسجر حتى تصير ناراً.
وروى مجاهد، عن شيخ من بجيلية، عن ابن عباس ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال: تكور الشمس والقمر والنجوم في البحر، فيبعث الله عليها ريحاً دبوراً، فتنفخه حتى يرجع ناراً.
خرجه ابن أبي الدنيا وابن أبي الحاتم.
стр. 53
وخرج ابن أبي الدنيا، وابن أبي الحاتم أيضاً، من طريقي مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس في قوله تعالى:
﴿وإن جهنم لمحيطة بالكافرين﴾ [التوابة: ٤٩] .
قال: هو هذا البحر تنتثر الكواكب فيه، وتكور الشمس والقمر، فيمون هو جهنم.
وروى ابن جرير بإسناده، عن سعيد بن المسيب، عن علي أنه قال رجل من اليهود: أين جهنم؟ قال: البحر، قال علي: ما أراه إلا صادقاً، قال تعالى: ﴿والبحر المسجور﴾ وقال ﴿وإذا البحار سجرت﴾ .
ورواه آدم بن أبي إياس في تفسيره عن حمادة بن سلمة عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب، قال: قال علي ليهودي: أين جهنم؟ قال: تحت البحر، قال علي: صدق، ثم قرأ ﴿وإذا البحار سجرت﴾ وخرجه في موضوع أخر منه، وفيه ثم قال ﴿والبحر المسجور﴾ .
وخرج ابن أبي حاتم بإسناده، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب
﴿وإذا البحار سجرت﴾ .
قال: قالت الجن للإنس: تأتيكم بالخير، فانطلقوا إلى البحر، فإذا هو نار تأجج.
وعن ابن لهيعة، عن أبي قبيل، قال: إن البحر الأخضر هو جهنم.
وروى أبو نعيم بإسناده، عن كعب في قوله تعالى:
﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات﴾ .
قال: تبدل السموات فتصير جناناً، وتبدل الأرض فيصير مكان البحر النار.
وقد سبق عن ابن عباس أنه قال: النار سبعة أبحر مطبقة.
وروي عن عبد الله بن عمرو، ﵄، أنه قال: لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم، وكذا قال سعيد بن أبي الحسن أخو البصري: البحر طبق جهنم.
стр. 54
وفي سنن أبي داود «عن عبد الله بن عمرو، ﵄، عن النبي ﵌، قال لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله، فإن تحت البحر ناراً وتحت النار بحراً» .
وخرج ابن أبي حاتم بإسناده، عن معاوية بن سعيد، قال: إن هذا البحر ـ يعني بحر الروم ـ وسط الأرض والأنهار كلها تصب فيه، والبحر الكبير يصب فيه، وأسفله آبار كله مطبقة بالنحاس، فإذا كان يوم القيامة أسجر.
وذكر ابن أبي الدنيا عن العباس بن يزيد البحراني، قال: سمعت الوليد بن هشام وقلت له: عمن أخذت هذا؟ قال: عن رجل من أهل الكتاب، أسلم فحسن إسلامه، قال: لما التقم الحوت يونس ﵇ جال به الأبحر السبعة، فلما كان آخر ذلك، انتهى به الحوت إلى قعر البحر، موضع يلي قعر جهنم، فسبح يونس في بطن الحوت، فسمع قارون تسبيحه وهو في النار، وذكر بقية الخبر.
وروى قيس بن الربيع، «عن عبيد المكتب، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﵌: إن جهنم محيطة بالدنيا، وإن الجنة من ورائه، فلذلك كان الصراط على جهنم طريقاً إلى الجنة» غريب منكر.
وقد روي عن بعضهم ما يدل على أن النار في السماء، وروى مجاهد قال في قوله تعالى:
﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون﴾
قال: الجنة والنار، وكذا قال جوبير عن الضحاك.
وروى عاصم، «عن زر، عن حذيفة، أن النبي ﵌، قال: أوتيت بالبراق، فلم نزايل طرفه أنا وجبريل حتى أتينا بيت المقدس، وفتحت لنا أبواب السماء، ورأيت الجنة والنار» خرجه الإمام أحمد وغيره، قال في رواية المروذي وفي حديث حذيفة، «أن النبي ﵌ قال: رأيت ليلة أسري بي الجنة والنار في السماء، فقرأت هذه الآية: وفي السماء رزقكم وما توعدون» .
стр. 55
فكأني لم أقرأها قط وهو تصديق لما قاله حذيفة، نقله عنه الخلال في كتاب السنة وهذا اللفظ الذي احتج به الإمام أحمد لم نقف عليه بعد في حديثه، وإنما روي عنه ما تقدم.
وروي عن حذيفة، أنه قال: والله ما زايل البراق حتى فتحت لهما أبواب السماء، ورأيا الجنة والنار وو عد الله الآخرة أجمع، ولم يرفعه، وهذا كله ليس بصريح في أنه رأى النار في السماء كما لا يخفي.
وأيضاً، فعلى تقدير صحة ذلك اللفظ، لا يدل على أن النار في السماء، وإنما يدل على أنه رآها وهو في السماء، والميت يرى في قبره الجنة والنار وليست الجنة في الأرض.
وقد رأى النبي، ﵌، في صلاة الكسوف، الجنة والنار وهو في الأرض، وكذلك في بعض طرق الإسراء حديث أبي هريرة، أنه مر على أرض الجنة والنار، في مسيره إلى بيت المقدس، ولم يدل شيء
стр. 56
من ذلك على أن الجنة والأرض، فحديث حذيفة إن ثبت أنه رأى الجنة والنار في السماء، فالسماء ظرف للرؤية لا للمرئي، والله أعلم.
وفي حديث أبي هارون العبدي، وهو ضعيف جداً، عن أبي سعيد الخدري، في صفة الإسراء، أنه ﵌، رأى الجنة والنار فوق السموات، ولو صح، ولو صح لحمل على ما ذكرناه أيضاً.
وقد روى القاضي أبو يعلى، بإسناد جيد، عن أبي بكر المروذي، أن الإمام أحمد فسر له من القرآن آيات متعددة، فكان مما فسره له قوله تعالى: ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال: أطباق النيران، ﴿والبحر المسجور﴾ قال: جهنم، وهذا يدل على أن النار في الأرض، بخلاف عن المروذي، والله أعلم.
وأما المروي عن مجاهد، فقد تأوله بعضهم على أن المراد أن أعمال الجنة والنار مقدرة في السماء من الخير والشر، وقد صرح بذلك مجاهد في رواية أخرى عنه.
وقد ورد في بعض طرق حديث الإسراء، انه ﵌ رأى جهنم في طريقه إلى بيت المقدس، وروي عن عبادة بن الصامت أنه وقف على سور بيت المقدس الشرقي يبكي، وقال: ههنا أخبرنا رسول الله ﵌ أنه رأى جهنم.
стр. 57
الباب السادس ـ[في ذكر طبقاتها ودركاتها وصفتها]
قال الله : ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ .
وقد قرىء الدرك بسكون الراء وتحريكها، وهي لغتنان.
قال الضحاك: الدرك إذا كان بعضها فوق بعض، والدرك إذا كان بعضها أسفل من بعض، وقال غيره: الجنة درجات، والنار دركات.
وقد تسمى النار درجات أيضاً، كما قال تعالى، بعد أن ذكر أهل الجنة وأهل النار:
﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ .
وقال: ﴿أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير * هم درجات عند الله﴾ .
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: درجات الجنة تذهب علواً ودرجات النار تذهب سفولاً.
وروى ابن أبي الدنيا، بإسناده عن عكرمة، في قوله تعالى:
﴿لها سبعة أبواب﴾ .
قال: لها سبعة أطباق.
وعن قتادة:
﴿لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ .
قال: هي والله منازل بأعمالهم.
وعن يزيد بن أبي مالك الهمذاني قال: لجهنم سبعة نيران: تأتلق: ليس
стр. 58
منها نار إلا وهي تنتظر إلى التي تحتها، مخافة أن تأكلها.
وعن ابن جريج في قوله: ﴿لها سبعة أبواب﴾ قال: أو لها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية وفيها أبو جهل.
وروى سلام المدائني ـ وهو ضعيف ـ عن الحسن، عن أبي سنان، عن الضحاك، قال: للنار سبعة أبواب، وهي سبعة أدرك بعضها على بعض، فأعلاها فيه أهل التوحيد، يعذبون على قدر أعمالهم وأعمارهم في الدنيا ثم يخرجون منها، وفي الثانية اليهود، وفي الثالث النصارى، وفي الرابع الصابئون، وفي الخامس المجوس، والسادس فيه مشركو العرب، وفي السابعة المنافقون، وهو قوله:
﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ .
وروى العلاء بن المسيب، عن أبيه، وخيثمة بن عبد الرحمن، قالا: قال ابن مسعود: أي أهل النار أشد عذاباً، قالوا: اليهود والنصارى والمجوس، قال: لا، ولكن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، في توابيت من نار، مطبقة عليهم، ليس لها أبواب.
وروى عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، في قوله تعالى:
﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ .
قال الدرك الأسفل، بيوت لها أبواب تطبق عليها، فيوقد من فوقهم ومن تحتهم، قال تعالى:
﴿لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل﴾ .
وقال ابن المبارك، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن أبي يسار قال: الظلة من جهنم فيها سبعون زاوية، في كل زاوية صنف من العذاب ليس في الأخرى.
стр. 59
وروى ابن أبي الحاتم بإسناده عن كعب، قال: اقتحام العقبة في كتاب الله، يعني قوله:
﴿فلا اقتحم العقبة﴾ .
سبعين درجة في النار.
وعن ضمرة قال: سمعت أبا رجاء قال: بلغنيى أن العقبة التي ذكر الله في كتابه، مطلعها سبعة آلاف سنة، ومهبطها سبعة آلاف سنة.
وعن عطية، عن ابن عمر، قال في العقبة: جبل في جهنم، أفلا أجاوزه بعتق رقبة؟ !
وعن مقاتل بن حيان، قال: هي عقبة في جهنم، قيل: بأي شيء تقطع؟ قال: رقبة.
وفي الصحيحين ولفظه للبخاري، عن ابن عمر قال: رأيت في المنام أنه جاءني ملكان، في يد كل واحد منهما مقعمة من حديد، ثم لقيني ملك في يده مقمعة من حديد، قالوا: لن ترع، نعم الرجل أنت لو كنت تكثر الصلاة من الليل، فانطلقوا بي، حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، لها قرون كقرون البئر، بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، وإذا فيها رجال معلقون بالسلاسل رؤوسهم أسفلهم، وعرفت رجلاً من قريش، فانصرفوا بي عن ذات اليمين، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله ﵌، فقال: «إن عبد الله رجل صالح» .
стр. 60
الباب السابع ـ في ذكر قعر جهنم وعمقها
عن لد بن عمير قال: خطبنا عتبة بن غزوان فقال: إنه ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفة، فيهوي فيها سبعين عاماً، ما يدرك لها قعراً، والله لنملأنه، أفعجبتم؟ خرجه هكذا مسلم موقوفاً، فأخرجه الإمام أحمد موقوقاً ومرفوعاً، والموقوف أصح.
وخرج الترمذي من حديث الحسن، قال: قال عتبة بن غزوان على منبرنا هذا ـ يعني منبر البصرة ـ عن النبي ﵌، قال: إن الصخرة العظيمة لتلتقي من شفير جهنم، فتهوي سبعين عاماً، وما تفضي إلى قعرها، قال: وكان عمر يقول: أكثروا ذكر النار، فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها حديد، ثم قال: لا يعرف للحسن سماع من عتبة بن غزوان.
стр. 61
وخرج مسلم أيضاً، «من حديث أبي هريرة، قال: كنا عند النبي ﵌ يوماً، فسمعنا وجبة فقال النبي ﵌: أتدرون ما هذا؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفاً، فالآن انتهى إلى قعرها» .
وخرج أيضاً عن أبي هريرة قال: والذي نفس أبي هريرة بيده، إن قعر جهنم لسبعين خريفاً.
خرج الحاكم، «من حديث أبي هريرة أيضاً، عن النبي ﵌، قال: لو أخذ سبع خلفات بشحومهن، فألقين من شفير جهنم، ما انتهين إلى آخرها سبعين عاماً» .
وخرج البراز والطبراني، «من حديث بريدة عن النبي ﵌، قال: إن الحجر ليزن سبع خلفات، يرمى به في جهنم، فيهوى سبعين خريفاً وما يبلغ قعرها» .
وخرج ابن حبان في صحيحه «من حديث أبي موسى الاشعري،
стр. 62
عن النبي ﵌، قال: لو أن حجر قذف به في جهنم لهوى سبعين خريفاً قبل أن يبلغ قعرها» .
وقد سبق من حديث أنس وأبي سعيد، معنى حديث أبي هريرة، في سماع الهدة.
وقال ابن المبارك: أنبأنا يونس «عن الزهري، قال: بلغنا أن معاذ بن جبل، كان يحدث عن النبي ﵌، قال: والذي نفسي بيده إن ما بين شفة النار وقعرها، كصخرة زنة سبع خلفات بشحومهن ولحومهن وأولادهن، تهوي من شفة النار، قبل أن تبلغ قعرها، سبعين خريفاً» .
قال ابن المبارك، وإن هشيماً قال: أخبرني زكريا بن أبي مريم الخزاعي، قال: سمعت أبا أمامة يقول: إن ما بين شفير جهنم، مسيرة سبعين خريفاً، من حجر يهوي، أو صخرة تهوي، أو صخرة تهوي، عظمها كعظم عشر عشروات عظام سمان فقال له رجل: هل تحت ذلك من شيء يا أبا أمامة؟ قال: نعم، غي وآثام.
وقد روي ذلك بإسناد ضعيف، من طريق لقمان بن عامر، «عن أبي أمامة، عن النبي ﵌، وزراد فيه: قلت: وما غي؟ وما آثام؟ قال: بئر يسيل فيهما صديد أهل النار وهما اللتان ذكرهما الله تعالى في كتابه ﴿فسوف يلقون غيا﴾ » وفي الفرقان ﴿يلق أثاماً﴾ ، والموقوف أصح.
стр. 63
وقد روي من وجه آخر: قال حريز بن عثمان: حدثني عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي، عن أبي أمامة، أنه كان يقول: إن جهنم ما بين شفتيها إلى قعرها سبعون، أو قال: خمسون خريفاً للحجر المتردي، والحجر مثل سبع خلفات مملوءة شحماً ولحماً.
خرجه الجوزجاني.
وروى مجالد عن الشعبي، «عن مسروق، عن عبد الله، عن النبي ﵌، قال: ما من حاكم يحكم بين الناس، إلا يحبس يوم القيامة، وملك آخذ بقفاه، حتى يقفه على جهنم، ثم يرفع رأسه إلى الله ، فإن قال له: ألقه، ألقاه في مهوى أربعين خريفاً» خرجه الأمام أحمد.
وروى عبد الله بن الوليد الوصافي، «حدثنا عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﵌: يجاء بالوالي يوم القيامة، فينبذ على جسر جهنم، فيرتج على ذلك الجسر به ارتجاجة، لا يبقى منه مفصل إلا زال عن مكانه، فإن كان مطيعاً لله في عمله مضوا به، وإن كان عاصياً لله في عمله انخرق فيه الجسر، فيهوي في جهنم مقدار خمسين عاماً» فقال له عمر: من يطلب العمل بعد هذا؟ قال أبو ذر: من سلت الله أنفه، وألصق خذه بالتراب، فجاء أبو الدرداء، فقال له عمر: يا أبا الدرداء هل سمعت من النبي ﵌ حديثاً حدثني به أبو ذر؟ قال: فأخبره أبو ذر، فقال: نعم ومع الخمسين خمسون عاماً، يهوي به إلى النار.
الوصافي لا يحفظ الحديث، كان شيخاً صالحاً ﵀.
وروى سويد بن عبد العزيز ـ وفيه ضعف شديد ـ «عن سيار، عن أبي وائل، أن
стр. 64
أبا ذر قال لعمر: سمعت رسول الله ﵌ يقول، فذكر معناه، وفي حديثه وإن كان مسيئاً انخرق به الجسر، فهوى في قعرها سبعين خريفاً» .
وفي موعظة الأوزاعي للمنصور قال: «أخبرني يزيد بن جابر، عن عبد الرحمن ابن أبي عمرة الأنصاري، أن أبا ذر وسليمان قالا لعمر: سمعنا رسول الله ﵌ يقول، فذكراه بمعناه، وقال هوى به في النار سبعين خريفاً» .
وفي الصحيحين «عن أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين فيها، يزل بها في النار، أبعد مما بين المشرق والمغرب» .
وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، «من حديث أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة، لا يرى بها باساً، يهوي بها في النار سبعين خريفاً» .
وخرج البزار نحوه من حديث ابن مسعود، عن النبي ﵌.
وفي تفسير ابن جرير، من رواية العوفي، عن ابن عباس، في قوله
стр. 65
تعالى:
﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة﴾ .
قال: ذكر أن اليهود وجدوا في التوراة مكتوباً، أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، ثابتة في أصل الجحيم.
وكان ابن عباس يقول: إن الجحيم سقر، وفيها شجرة الزقوم، فزعم أعداء الله، أنه إذا خلا العدد الذي وجدوا في كتابهم أياماً معدودة، وإنما يعني بذلك السير الذي ينتهي إلى أصل الجحيم، فقالوا: إذا خلا العدد انقضى الأجل، فلا عذاب، وتذهب جهنم وتهلك، فذلك قوله: ﴿لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة﴾ يعنون بذلك الأجل، فقال ابن عباس: لما اقتحموا من باب جهنم، ساروا في العذاب، حتى انتهوا إلى شجرة الزقوم آخر يوم من الأيام المعدودة وهي أربعون سنة، فلما أكلوا من شجرة الزقوم وملؤوا البطون آخر يوم من الأيام المعدودة، قال لهم خزنة سقر: زعمتم أنكم لن تمسكم النار إلا أياماً معدودة، وقد خلا العدد، وأنتم في الأبد، فأخذ بهم في الصعود في جهنم يرهقون، ففي هذه الرواية عن ابن عباس، أن قعر جهنم ومسافة عمقها أربعون عاماً وأن ذلك هو معنى ما في التوراة، ولكن اليهود حرفوه، فجعلوا مسافة مابين طرفيها، وزعموا أنه إذا انقضت هذه المدة، أن جهنم تخرب وتهلك، فإن ذلك من كذبهم على الله، وتحريفهم التوراة.
стр. 66
فصل ـ سعة جهنم طولاً وعرضاً
وأما سعة جهنم طولاً وعرضاً، فروى مجاهد، «عن ابن عباس، قال: أتدرون ما سعة جهنم؟ قلنا: لا، قال: أجل، والله ما تدرون، أن ما بين شحمة أذن أحدهم وأنفه مسيرة سبعين خريفاً، تجري فيه أودية القيح والدم، قلنا: أنهار؟ قال: لا، بل أودية، ثم قال: أتدرون ما سعة جهنم؟ قلنا: لا، قال: حدثتني عائشة، أنها سألت رسول الله ﵌، عن قوله تعالى:
﴿والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾
فأين الناس يومئذ؟ قال: على جسر جهنم» خرجه الإمام أحمد، وخرجه النسائي والترمذي منه المرفوع، وصححه الترمذي، وخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.
стр. 67
الباب الثامن ـ في ذكر أبوابها وسرادقها
قال الله : ﴿وإن جهنم لموعدهم أجمعين * لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ .
وخرج الإمام أحمد والترمذي، «من حدث ابن عمر عن النبي ﵌، قال: إن لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سل سيفه على أمتي» .
وخرج الإمام أحمد، «من حديث عتبة بن عبد السلمي، عن النبي ﵌، قال: إن للجنة ثمانية أبواب، ولجهنم سبعة أبواب، وبعضها أفضل من بعض» .
стр. 68
في حديث أبي رزين العقيلي، عن النبي ﵌، قال: لعمر إلهك إن للنار سبعة أبواب، ما منهن با بان إلا ويسير الراكب بينهما سبعين عاماً» .
خرجه عبد الله بن الإمام أحمد، وابن أبي عاصم، والطبراني، والحاكم، وغيرهم.
وخرج البيهقي، «من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، عن النبي ﵌ في حديث المرور على الصراط، قال فيه: فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومطروح فيها ﴿لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ .
وروى أبو إسحاق، عن هبيرة ابن مريم، عن علي، قال: أبواب جهنم سبعة، بعضها فوق بعض، وقال بإصبعه، وعقد خمسين، وأضجع يده، ثم يمتلئ الأول والثاني والثالث حتى عقدها كلها.
خرجه ابن أبي حاتم وغيره، ورواه بعضهم عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بمعناه.
وخرج ابن أبي الحاتم، من طريق حطان الرقاشي، قال: سمعت علياً يقول: هل تدرون كيف أبواب جهنم؟ قلنا: هي أبوابنا هذه، قال: لا، هي هكذا، بعضها فوق بعض.
وفي رواية له أيضاً: بعضها أسفل من بعض، وخرجه البيهقي، ولفظه: أبواب جهنم هكذا، ووضع يده اليمنى على ظهر يده اليسرى.
стр. 69
وعن ابن جريح، في قوله ﴿لها سبعة أبواب﴾ قال: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم وفيها أبو جهل، ثم الهاوية.
خرجه ابن أبي الدنيا وغيره.
وقال جوبير، عن الضحاك: سمى الله أبواب جهنم، لكل باب منها جزء مقسوم: باب لليهود، وباب للنصارى، وباب للمجوس، وباب للصابئين، وباب للمنافقين، وباب للذين أشركوا وهم كفار العرب، وباب لأهل التوحيد، وأهل التوحيد يرجى لهم ولا يرجى للآخرين.
خرجه الخلال.
وقال آدم بن أبي إياس: حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي ميسرة، في قوله:
﴿ادخلوا أبواب جهنم﴾ .
قال لجهنم سبعة أبواب، بعضها أسفل من بعض.
وقال عطاء الخراساني: إن لجهنم سبعة أبواب، أشدها غماً وكرباً وحراً، وأنتنها ريحاً، للزناة الذين ركبوه بعد العلم.
خرجه أبو نعيم.
وعن كعب قال: لجهنم سبعة أبواب، باب منها للحروية.
وهذا كله من حديث ابن عمر المتقدم، يدل على أن كل باب من الأبواب السبعة لعمل من الأعمال السيئة، كما أن أبواب الجنة الثمانية، كل باب منها لعمل من أعمال الصالحة.
وعن وهب بن منبه: بين كل بابين مسيرة سبعين سنة، كل باب أشد حراً من الذي فوقه.
وخرج الثعلبي في تفسيره بإسناد مجهول إلى منصور بن عبد الحميد بن أبي رباح، «عن أنس، عن بلال، أن أعرابية صلت خلف النبي ﵌، فقرأ النبي ﵌ هذه الآية:
﴿لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ .
فخرت مغشياً عليها، فلما
стр. 70
أفاقت قالت: يا رسول الله، كل عضوا من أعضائي يعذب على كل باب منهم، فقال رسول الله ﵌: ﴿لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ يعذب على كل باب على قدر أعمالهم، فقالت: مالي إلا سبعة أعبد أشهدك أن كل عبد منهم لكل باب من أبواب جهنم حر لوجه الله ، فجاء جبريل فقال: بشرها أن الله قد حرمها على أبواب جهنم» .
وهذا حديث لا يصح مرفوعاً، ومنصور بن عبد الحميد قال فيه ابن حبان: لا تحل الرواية عنها.
والصحيح ما روى مخلد بن الحسن عن هشام بن حسان، قال: خرجنا حجاجاً فنزلنا منزلاً في بعض الطريق، فقرأ رجل كان معنا هذه الآية: ﴿لها سبعة أبواب﴾ فسمعته امرأة، فقالت: أعد رحمك الله، فأعادها: فقالت: خلفت في البيت سبعة أعبد أشهدكم أنهم أحرار لكل باب واحد منهم» .
خرجه ابن أبي الدنيا.
وخرج البيهقي «من حديث الخليل بن مرة، أن النبي ﵌، كان لا ينام حتى يقرأ ﴿تبارك﴾ و ﴿حم﴾ السجدة وقال: الحواميم سبع وأبواب جهنم سبع: جهنم، والحطمة، ولظى، والسعير، وسقر، والهاوية، والجحيم، وقال: تجئ كل حم منها يوم القيامة، أحسبه قال: تقف على باب من هذه الأبواب فتقول: اللهم لا تدخل هذا الباب كل من يؤمن بي ويقرؤني» وقال: هذا منقطع، والخليل بن مرة فيه نظر.
وروى ابن أبي الدنيا من طريق عبد العزيز بن أبي رواد، قال: كان بالبادية رجل قد اتخذا مسجداً، فجعل في قبلته سبعة أحجار، فكان إذا قضى صلاته قال: يا أحجار أشهدكم أن لا إله إلا الله، قال: فمرض الرجل فعرج بروحه، قال: فرأيت في منامي أنه أمر بي إلى النار، فرأيت حجراً من تلك الأحجار ـ أعرفه بعينه ـ قد عظم، فسد عني باباً من أبواب جهنم، قال: حتى سد عني بقية الأحجار أبواب جهنم السبعة.
стр. 71
فصل ـ أبواب جهنم تغلق على أهلها يوم القيامة
وقد وصف الله أبوابها بأنها مغلقة على أهلها، فقال:
﴿إنها عليهم مؤصدة﴾ .
وقال تعالى: ﴿عليهم نار مؤصدة﴾ .
قال مجاهد: هي بلغة قريش: أصد الباب أغلقه يعني قوله ﴿مؤصدة﴾ ، وقال مقاتل: يعني أبوابها مطبقة عليهم، فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح، آخر الأبد.
وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، خرجه ابن مردويه، من طريق شجاع بن أشرس: «حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌: ﴿إنها عليهم مؤصدة﴾ قال: مطبقة» ، ولكن رفعه لا يصح، وقد خرجه آدم بن أبي إياس، في تفسيره، عن شريك بهذا الإسناد، موقوفاً على أبي هريرة، وروه إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، من قوله، ولم يذكر فيه أبا هريرة.
وكذلك قال عطاء الخراساني، وغيره في المؤصدة: إنها المطبقة.
وعن الضحاك قال: حائط لا باب له، ومراده ـ والله أعلم ـ أن الأبواب أطبقت فصار الجدار، كأنه لا باب له.
وقوله تعالى:
﴿إنها عليهم مؤصدة * في عمد ممددة﴾ .
معناه: أطبقت عليهم بعمد، قال قتادة: وكذلك هو في قراءة عبد الله بعمد بالباء، قال عطية: هي عمد من حديد في النار، وقال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم، ثم شدت بأوتاد من حديد، حتى يرجع عليهم غمها وحرها.
وعلى هذا قوله: ﴿ممددة﴾ صفة للعمد يعني أن العمد التي أوثقت بها الأبواب ممدة مطولة، والمدود الطويل أرسخ وأثبت من القصير.
وفي تفسير العوفي عن ابن عباس، في قوله: ﴿في عمد ممددة﴾
стр. 72
قال: هي عليهم مغلقة، أدخلهم في عمد، فمدت عليهم بعماد، وفي أعناقهم السلاسل، فسدت به الأبواب.
وقيل: إن الممددة صفة للأبواب.
رواه شبيب بن بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وقيل المراد بالعمد المددة: القيود الطوال، رواه إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، رواه أبو خباب الكلبي، عن زبيد، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله بن مسعود، في قوله تعالى: ﴿في عمد ممددة﴾ قال: هي الأدهم، وقد تقدم أن عبد الله كان يقرؤها بعمد، والأدهم: القيد.
وكذا قال ابن زيد في قوله: ﴿في عمد ممددة﴾ قال: في عمد من حديد مغلولين فيه، وتلك العمد من نار قد احترقت من النار، فهي ممددة لهم.
وقيل إن المراد بالعمد الممددة: الزمان الذي لا انقطاع له قاله أبو فاطمة.
وقال السدي: من قرأها في عمد يعنى بالفتح، فهي عمد من نار، ومن قرأها في عمد يعني بالضم، فهو أجل ممدود.
وقال سعيد بن بشير عن قتادة: ﴿مؤصدة﴾ أي مطبقة، أطبقها الله عليهم، فلا ضوء فيها، ولا فرج، ولا خروج منها آخر الأبد.
وهذا الإطباق نوعان:
أحدهما: خاص لمن يدخل في النار، أو من يريد الله التضييق عليه، أجارنا الله من ذلك.
قال أبو توبة اليزني: إن في النار أقواماً مؤصدة عليهم، كما يطبق الحق على طبقه.
خرجه ابن أبي الحاتم.
والثاني: الإطباق العام، وهو إطباق النار على أهلها المخلدين فيها.
وقد قال سفيان، وغيره، في قوله تعالى:
﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾ .
قالوا: هو طبق النار على أهلها.
стр. 73
وفي حديث مسكين أبي فاطمة، «عن اليمان بن يزيد، عن محمد بن حمير، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن النبي ﵌، في خروج الموحدين من النار، قال: ثم يبعث الله ملائكة، معهم مسامير من النار، وأطباق من نار، فيطبقونها على من بقي فيها، ويسمرونها بتلك المسامير، يتناساهم الجبار على عرشه من رحمته، ويشتغل عنهم أهل الجنة بنعيمهم ولذاتهم» خرجه الإسماعيلي وغيره، وهو حديث منكر، قاله الدارقطني.
وروى ابن أبي حاتم بإسناده، عن سعيد بن جبير، قال: ينادي رجل في شعب من شعاب النار مقدار ألف عام: يا حنان يا منان.
فيقول الله تعالى: يا جبريل، أخرج عبدي، فيجدها مطبقة، فيقول: يا رب إنها عليهم مطبقة مؤصدة.
وقال قتادة، عن أبي أيوب العتكي، عن عبد الله بن عمرو: إذا أجاب الله أهل النار بقوله:
﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ .
أطبقت عليهم، فبئس القوم بعد تلك الكلمة، وإن كان إلا الزفير والشهيق.
وقال أبو الزعراء، عن ابن مسعود: وإذا قيل لهم ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ أطبقت عليهم فلم يخرج منها أحد.
وقال أبو عمران الجوني: إذا كان يوم القيامة، أمر الله بكل جبار عنيد، وكل شيطان مريد، وبكل من يخاف في الدنيا شره العبيد، فأوثقوا بالحديد، ثم أمر بهم إلى جهنم التي لا تبيد، ثم أوصدها عليهم ملائكة رب العبيد، قال: فلا والله، لا تستقر أقدامهم على قرار أبداً، ولا والله، لا ينظرون فيها إلى أديم سماء أبداً، ولا الله، لا تلتقي جفون أعينهم على غمض نوم أبداً، ولا
стр. 74
والله، لا يذقون فيها بارد شراب أبداً.
وفي معنى إطباق النار على أهلها، يقول بعض السلف ﵃.
ألبسوا النضيح من النحاس، ومنعوا خروج الأنفاس، فالأنفاس في أجوافهم تتردد، والنيران على أبدانهم توقد، قد أطبقت عليهم الأبواب، وغضب عليهم رب الأرباب.
وأنشد بعضهم في هذا المعنى:
لو أبصرت عيناك أهل الشقا ... سيقوا إلى النار، وقد أحرقوا
يصلونها حين عصوا ربهم ... وخالفوا الرسل وما صدقوا
تقول أخراهم لأولاهم ... في لجج المهل وقد أغرقوا:
قد كنتم حذرتم حرها ... لكن من النيران لم تفرقوا
وجيء بالنيران مزمومة ... شرارها من حولها محرق
وقيل للنيران أن أحرقي ... وقيل للخزان أن أطبقوا
وقد ورد في بعض أحاديث الشفاعة، فتح باب النار، فخرج الطبراني من رواية العباس بن عوسجة، «حدثني مطر أبو موسى مولى آل طلحة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ إني آتي جهنم، فأضرب بابها، فيفتح لي، فأدخلها، فأحمد الله بمحامد ما حمده بها أحد قبلي مثلها، ولا يحمده أحد بعدي، ثم أخرج منها من قال: لا إله إلا الله مخلصاً، فيقوم إلي ناس من قريش فينتسبون إلي، فأعرف نسبهم، ولا أعرف وجوههم، فأتركهم في النار» .
إسناده ضعيف.
فصل ـ إحاطة سرادق جهنم بالكافرين
قال الله تعالى:
﴿إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها﴾ .
стр. 75
قال الزجاج: السرادق: كل ما أحاط بشيء نحو الشقة في المضرب والحائط المشتمل على الشيء، وقال ابن قتيبة: السرادقات: الحرة التي تكون حول الفسطاط، وقيل: هو الدهليز معرب، وأصله بالفارسية سرادار، وقال ابن عباس: هو سرادق من نار.
وروى ابن لهيعة، «عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵌ قال: سرادق النار أربعة جدر، كثف كل جدار مسيرة أربعين سنة» خرجه الترمذي.
وإحاطة السرادق بهم قريب من المعنى المذكور في غلق الأبواب، وهو شبه قول من قال: إنه حائط لا باب له.
ولما كان إحاطة السرادق بهم موجباً لهمهم وغمهم، وكربهم وعطشهم، لشدة وهج النار عليهم، قال الله تعالى:
﴿وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً﴾ .
وقال تعالى: ﴿ولهم مقامع من حديد * كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق﴾ .
قال أبو معشر: كنا في جنازة مع أبي جعفر القاري، فبكى أبو جعفر، ثم قال: حدثني زيد بن أسلم، أن أهل النار لا يتنفسون، فذلك الذي أبكاني.
خرجه الجوزجاني.
وخرج ابن أبي حاتم، من طريق إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن
следующие страницы →