Полный текст (271 стр.). Показаны 246–271 · переход к 251.
стр. 246
وجل: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة ـ أو حبة من خردل ـ من إيمان، فيخرجون منها، قد اسودوا، فيلقون في نهر الحياة أو الحياء شك مالك فينبتون، كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية؟» .
ولفظه للبخاري.
وعند مسلم: «فيخرجون منها حمماً قد امتحشوا» .
وفي الصحيحين أيضاً، «عن الزهري، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: يجمع الله الناس يوم القيامة، فذكر الحديث بطوله، وفيه ذكر جواز الناس على الصراط، ثم قال: حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل الكبائر من النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً، ممن دخل النار، يعرفون بأثر السجود، تأكل النار ما من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون منه، كما تنبت البية في حميل السيل» .
وذكر بقية الحديث.
وخرج مسلم، «من حديث يزيد الفقير، عن جابر، قال: قال: رسول الله ﵌: إن قوماً يخرجون من النار، يحترقون فيها، إلا دارة وجوههم، حتى يدخلوا الجنة» .
وخرج أيضاً، «من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي
стр. 247
صلى الله عليه وآله وسلم، قال: أما أهل النار، الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم ـ أو قال بخطاياهم ـ فأماتهم الله إماتة، حتى إذا كانوا فحماً، أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبابير ضبابير، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل لأهل الجنة: أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل» .
وظاهر الحديث، يدل على أن هؤلاء يموتون حقيقة، وتفارق أرواحهم أجسادهم.
ويدل على ذلك، ما خرجه البزار، من حديث عبد الله بن رجاء، «حدثنا سعيد بن مسلمة، أخبرني موسى بن جبير، عن أبي أمامة بن سهل، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: إن أدنى أهل الجنة حظاً ـ أو نصيباً ـ قوم يخرجهم الله من النار، فيرتاح لهم الرب تعالى، إنهم كانوا لا يشركون بالله شيئاً، فينبذون بالعراء، فينبتون كما تنبت البقلة، حتى إذا دخلت الأرواح أجسادهم، قالوا: ربنا، كما أخرجتنا من النار، وأرجعت الأرواح إلى أجسادها، فاصرف وجوهنا عن النار، فتصرف وجوههم عن النار» .
وروى مسكين أبو فاطمة، «حدثني اليمان بن يزيد، عن محمد بن حمير، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵌، إن أصحاب الكبائر، من موحدي الأمم كلها، إذا ماتوا على كبائرهم، غير نادمين ولا تائبين، من دخل النار منهم، في الباب الأول من جهنم، لا تزرق أعينهم، ولا تسود وجوههم، ولا يقرنون بالشياطين، ولا يغلون بالسلاسل، ولا يجرعون الحميم، ولا يلبسون القطران في النار، حرم الله أجسادهم على الخلود من أجل التوحيد، وحرم صورهم على النار من أجل السجود، منهم من تأخذه النار إلى قدميه، ومنهم من تأخذه النار إلى
стр. 248
حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه، على قدر ذنوبهم وأعمالهم، فمنهم من يمكث فيها شهراً، ثم يخرج: ومنهم من يمكث فيها سنة، ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مكثاً، بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى، فإذا أراد الله أن يخرجوا منها، قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله وكتبه ورسله، فنحن وأنتم اليوم في النار سواء، فيغضب الله لهم غضباً لم يغضبه لشيء مما مضى، فيخرجهم إلى عين في الجنة، وهو قوله تعالى:
﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ » .
خرجه ابن أبي حاتم وغيره.
وخرجه الإسماعيلي مطولاً.
وقال الدارقطني في كتاب المختلق: هو حديث منكر، واليمان مجهول، ومسكين ضعيف، ومحمد ابن خمير لا أعرفه في هذا الحديث.
انتهى.
وقد سبق حديث أنس، في الذي ينادي في النار ألف سنة: يا حنان يا منان ثم يخرج منها.
وروينا من طريق محمد بن معاوية، حدثنا حازم، عن الحسن، قال: أهل التوحيد في النار لا يقيدون، فتقول الخزنة بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء يقيدون وهؤلاء لا يقيدون؟ ! فناداهم مناد: إن هؤلاء كانوا يمشون في ظلام الليل إلى المساجد.
وقال مروان بن معاوية، عن مالك بن أبي الحسن، عن الحسن، قال: يخرج رجل من النار بعد ألف عام، قال الحسن: ليتني ذلك الرجل.
فصل ـ حسن الظن بالله
قال أحمد بن أبي الحواري: دخلت على أبي سليمان وهو يبكي،
стр. 249
فقلت: ما يبكيك؟ قال: لئن طالبني بذنوبي لأطالبنه بعفوه، ولئن طالبني ببخلي لأطالبنه بجوده، ولئن أدخلني النار لأخبرن أهل النار أني كنت أحبه.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن بالله تعالى بإسناده، عن علي ابن بكار، أنه سئل عن حسن الظن بالله، قال: أن لا يجمعك والفجار في دار واحدة.
وعن سلمان بن الحكم بن عوانة، أن رجلاً دعا بعرفات، فقال: لا تعذبنا بالنار بعد أن أسكنت توحيدك قلوبنا، قال: ثم بكى، وقال: ما إخالك تفعل بعفوك، ثم بكى، وقال: ولئن فعلت: فبذنوبنا.
لا تجمعن بيننا وبين قوم ظالمين، عاديناهم، فيك.
وعن حكيم بن جابر، قال: قال إبراهيم ﵇: اللهم لا تشرك من كان يشرك بك ومن كان لا يشرك بك.
قال ابن أبي الدنيا: وحدثني أبو حفص الصيرفي، أن عمر بن الخطاب، ﵁، كان إذا تلى:
﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت﴾ .
قال: ونحن نقسم بالله جهد أيماننا، ليبعثن الله من يموت، أتراك تجمع بين القسمين في دار واحدة؟ ! ثم بكى أبو حفص بكاء شديداً.
وروى أبو نعيم بإسناده، عن عون بن عبد الله، قال: ما كان الله لينقذنا من شر، ثم يعيدنا فيه:
﴿وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾ .
وما كان الله ليجمع بين أهل القسمين في النار:
﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت﴾ ، ونحن نقسم
стр. 250
بالله جهد أيماننا ليبعثن الله من يموت.
وقال محمد بن إسحاق السراج: حدثنا حماد بن المؤمل الكلبي، حدثني بعض أصحابنا، عن ابن السماك، قال: لما طلبني هارون الرشيد قال: تكلم وادع، فدعوت بدعاء أعجبه، وقلت في دعائي: اللهم إنك قلت: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت﴾ اللهم إنا نقسم بالله جهد أيماننا لتبعثن من يموت، أفتراك يا رب، تجمع بين أهل القسمين في مكان واحد؟ وهارون يبكي.
стр. 251
الباب التاسع والعشرون ـ في ذكر أكثر أهل النار
أهل النار الذين هم أهلها على الحقيقة، هم الذين يخلدون فيها، ولهم أعدت، كما قال تعالى: ﴿أعدت للكافرين﴾ .
وقد ذكرنا فيما تقدم، حديث «أبي سعيد، عن النبي ﵌، قال: أما أهل النار الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها، ولا يحيون» وهؤلاء، أهلها الخالدون فيها، هم أكثر ممن يدخلها من عصاة الموحدين، الذين يخرجون منها بعد أن يهذبون وينقوا، ويدل على ذلك ما روى «أبو سعيد الخدري، عن النبي ﵌، قال: يقول الله يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادى بصوت، إن الله يأمرك أن تخرج بعث النار من ذريتك، قال: يا رب، وما بعث النار، قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل، ويشيب الوليد:
﴿وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾ .
فشق ذلك على الناس، حتى تغيرت وجوههم، فقال النبي ﵌: من يأجوج وماجوج تسعمائة وتسعة وتسعون، ومنكم واحد.
ثم قال: أنتم في الناس، كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء، في جنب الثور الأسود إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبرنا، ثم قال: ثلث أهل الجنة،
стр. 252
فكبرنا، فقال: شطر أهل الجنة، فكبرنا» ، خرجاه في الصحيحين، ولفظه البخاري.
روى «هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﵌ هذا المعنى وفي حديثه: إنما أنتم جزء من ألف جزء» خرجه الإمام أحمد والحاكم وصححه.
وخرج الإمام أحمد والترمذي «من حديث الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبي ﵌ هذا المعنى أيضاً، وفي حديثه قال النبي ﵌: قاربوا وسدوا، فإنها لم تكن نبوة، فإنها نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية، فيؤخذ العدد من الجاهلية، فإن تمت وإلا كملت من النافقين، وما مثلكم ومثل الأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير.
وفي رواية قال: اعملوا وأبشروا، فو الذي نفس محمد بيده، إنكم لمع خليقتين، ما كانتا في شيء إلا كثرتاه، يأجوج ومأجوج، ومن هلك من بني آدم وبني إبليس» .
وخرج «ابن أبي حاتم، من حديث أنس، عن النبي ﵌ نحوه في حديثه: ومن هلك من كفرة الجن والإنس» .
стр. 253
فهذه الأحاديث وما معناها، تدل على أن أكثر بني آدم من أهل النار، وتدل أيضاً على أن أتباع الرسل قليل بالنسبة إلى غيرهم، وغير أتباع الرسول كلهم في النار، إلا من لم تبلغه الدعوة، أو لم يتمكن من فهمها، على ما جاء فيهم من الاختلاف، والمنتسبون إلى اتباع الرسول، كثير منهم من تمسك بدين منسوخ، وكتاب مبدل، وهم أيضاً من أهل النار، كما قال تعالى:
﴿ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده﴾ .
وأما المنتسبون إلى الكتاب المحكم، والشريعة المؤيدة، والدين الحق، فكثير منهم من أهل النار أيضاً، وهم المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار، وأما المنتسبون إليه ظاهراً وباطناً، فكثير منهم فتن بالشبهات، وهم أهل البدع والضلال.
وقد وردت الأحاديث على أن هذه الأمة ستفترق على بضع وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة، وكثير منهم أيضاً فتن بالشهوات المحرمة المتوعد عليها بالنار ـ وإن لم يقتض ذلك الخلود فيها ـ فلم ينج من الوعيد بالنار، ولم يستحق الوعد المطلق بالجنة من هذه الأمة، إلا فرقة واحدة، وهو ما كان على ما كان عليه النبي ﵌ وأصحابه ظاهراً وباطناً، وسلم من فتنة الشهوات والشبهات، وهؤلاء قليل جداً، لا سيما في الأزمان المتأخرة والقرآن يدل على أن أكثر الناس هم أهل النار، وهم الذين اتبعوا الشيطان، كما قال تعالى:
﴿ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين﴾
وقال تعالى: ﴿لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ .
فأما عصاة الموحدين، فأكثر من يدخل النار منهم النساء، كما في الصحيحين، «عن ابن عباس، عن النبي ﵌، أنه
стр. 254
قال في خطبة الكسوف: رأيت النار، ورأيت أكثر أهلها النساء، بكفرهن، قيل: أيكفرون بالله؟ ! قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت منك خيراً قط» .
وفي صحيح مسلم «عن ابن عباس، عن النبي ﵌، قال: اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء» .
وخرج البخاري، من حديث عمران بن حصين، عن النبي ﵌ مثله.
وخرجا في الصحيحين، «من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵌، أنه قال: يا معشر النساء، تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقلن: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» .
وخرج مسلم، من حديث جابر وابن عمر وأبي هريرة، عن النبي ﵌ نحوه.
стр. 255
وخرجا في الصحيحين، «من حديث أسامة بن زيد ﵁، عن النبي ﵌، قال: قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أهل النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء» .
وخرج الإمام أحمد، من «حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﵌، قال: اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء والأغنياء» .
وفي صحيح مسلم، «عن عمران بن حصين، عن النبي ﵌، قال: إن أقل ساكني الجنة النساء.
وقد أشكل على بعض النساء» ، الجمع بين هذا الحديث، وبين حديث «أبي هريرة عن النبي ﵌، أنه قال في أهل الجنة: لكل واحد منهم زوجتان» .
وفي صحيح مسلم، «عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: إما تفاخروا، وإما تذاكروا، الرجل في الجنة أكثر أم النساء؟ فقال أبو هريرة: ألم يقل أبو القاسم، ﵌: إن أول زمرة تدخل الجنة، على صورة القمر ليلة
стр. 256
البدر، والتي تليها على أضوء كوكب دري في السماء، كل واحد منهم زوجتان اثننتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب» .
فرام بعضهم الجمع بين الحديثين، بأن قلة النساء في الجنة، إنما هو قبل خروج عصاة الموحدين من النار، فإذا خرجوا منها كان النساء حينئذ في الجنة أكثر، والصحيح أن أبا هريرة إنما أراد أن جنس النساء في الجنة أكثرمن جنس الرجال، لأن كل رجل منهم له زوجتان، ولم يرد أن النساء من ولد آدم أكثر من الرجال.
ويدل على هذا، أنه ورد في بعض روايات حديث أبي هريرة هذا الصحيحة: «لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين» .
كذلك رواه يونس، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌.
خرجه من طريقه الإمام أحمد وكذا رواه هشام، عن محمد بن سيرين، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ خرج حديثه البيهقي.
وخرج هذه اللفظة البخاري في صحيحه، من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌.
ويشهد لذلك، أن في بعض ألفاظ روايات حديث أبي هريرة هذه، المخرجة في الصحيح أيضاً: «وأزواجهم الحور العين» بدل قوله: «لكل واحد منهم زوجتان» ، فهاتان الزوجتان من الحور العين، لا بد لكل رجل دخل الجنة منهما، وأما الزيادة على ذلك،، فتكون بحسب الدرجات والأعمال، ولم يثبت في حصر الزيادة على الزوجتين شيء.
ويدل أيضاً على ما ذكرنا، ما خرجه مسلم في صحيحه، من «حديث
стр. 257
أبي سعيد، عن النبي ﵌، قال: أدنى أهل الجنة منزلة، رجل صرف الله وجهه عن النار قبل الجنة، فذكر الحديث، وفي آخره قال: ثم يدخل بيته، فيدخل عليه زوجتان من الحور العين..
» وذكر الحديث.
وكذلك ورد في الشهيد، إذا استشهد أنه يبتدره زوجتان من الحور العين، فيدل هذا على أن لكل رجل من أهل الجنة زوجتين من الحور العين، ولو كان أدنى أهل الجنة منزلة، والله أعلم.
وروى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده، عن أبي صالح، قال: بلغنا أن أكثر ذنوب أهل النار في النساء، كأنه يشير إلى الزنا ومتعلقاته.
وروى ابن أبي الدنيا، بإسناد منقطع، عن ابن مسعود، قال: ذنبان لا يغفران، فذكر أحدهما، رجل زين له سوء عمله فرآه حسناً، فإن هذه التي يهلك بها من هذه الأمة، يشير إلى الشبهات المضلة، والله أعلم.
стр. 258
الباب الثلاثون ـ في ذكر صفات أهل النار وأصنافهم وأقسامهم
قد سبق قول ابن مسعود، أنه لا يترك في النار سوى الأربعة، وليس فيهم خير، وأخذه من قوله تعالى:
﴿قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين﴾ .
وفي الصحيحين، عن «حارثة بن وهب، وعن النبي ﵌، قال: ألا أخبركم بأهل الجنة؟ : كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ : كل عتل جواظ مستكبر» .
والعتل قال مجاهد وعكرمة: هو القوي.
وقال أبو رزين: هو الصحيح.
وقال عطاء بن يسار، عن وهب الذماري، قال: تبكي السماء والأرض من رجل أتم الله خلقه، وأرحب جوفه، وأعطاه معظماً من الدنيا، ثم يكون ظلوماً
стр. 259
غشوماً للناس، فذلك العتل الزنيم.
وقال إبراهيم النخعي: العتل: الفاجر، والزنيم: اللئيم في أخلاق الناس.
«وروى شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، أن رسول الله ﵌، قال: لا يدخل الجنة جواظ والا جعظري ولا العتل الزنيم.
فقال رجل من المسلمين: ما الجواظ الجعظري والعتل الزنيم؟ فقال رسول الله ﵌: الجواظ: الذي جمع ومنع، وأما الجعظري: فالفظ الغليظ، قال الله تعالى:
﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ ، وأما العتل الزنيم: فشديد الخلق، رحيب الجوف، مصحح، أكول شروب، واجد للطعام، ظلوم للأنام» .
«وروى معاوية بن صالح، عن كثير بن حارث، عن القاسم مولى معاوية، قال: سئل رسول الله ﵌ عن العتل الزنيم، قال: هو الفاحش اللئيم» .
وقال معاوية: وحدثني عياض بن عبد الله الفهري، عن موسى ابن عقبة، عن النبي ﵌ بذلك.
خرجه كله ابن أبي الحاتم.
وأما المستكب، فهو الذي يتعاطى الكبر على الناس والتعاظم عليهم، وقد قال تعالى:
﴿أليس في جهنم مثوى للمتكبرين﴾ .
وقد زكرنا فيما سبق حديث يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر، يساقون إلى سجن في النار، يقال له: بولس، تعلوهم نار الأنيار، يغشاهم الذل من
стр. 260
كل مكان.
فإن عقوبة التكبير الهوان والذل، كما قال الله تعالى:
﴿فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق﴾ .
وفي الحديث الصحيح، «عن النبي ﵌، فيما يحكيه عن ربه ، قال: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما عذبته بناري يعني ألقيه في جهنم» .
وفي الصحيحين، «عن أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: تحاجة الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم، قال الله للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي،، وقال للنار: أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكم ملؤها، وأما النار فلا تمتليء حتى يضع عليها رجله، فتقول قط قط، فهنالك تمتليء، وينزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً، وأما الجنة، فإن الله ينشيء لها خلقاً» .
وفي رواية خرجها ابن
стр. 261
أبي حاتم: فقالت النار: «مالي لا يدخلني إلا الجبارون والمتكبرون والأشراف وأصحاب الأموال؟» .
وخرج الإمام أحمد، «من حديث أبي سعيد، عن النبي ﵌، قال: افتخرت الجنة والنار، فقالت النار: يا رب، يدخلني الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف، وقالت الجنة: أي رب، يدخلني الضعفاء والفقراء والمساكين» ذكر الحديث بمعنى ما تقدم، وسبب هذا، أن الله ، حف الجنة بالمكاره، وحف النار بالشهوات، كما قال تعالى:
﴿فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى﴾ .
وفي صحيح البخاري، «عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵌، قال: حجبت الجنة بالمكاره، وحجبت النار بالشهوات» .
وخرجه مسلم، ولفظه: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» .
وخرجه أيضاً من حديث أنس، عن النبي ﵌.
وخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي، «من حديث أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبريل إلى الجنة، فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فجاءها، فنظر
стр. 262
إليها وإلى ما أعد لأهلها، قال ارجع إليه، فقال: وعزتك، لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بها فحفت بالمكاره، فقال: ارجع إليها، فانظر إلى ما أعددت لأهلها، قال: فرجع إليها، فإذا هي قد حفت بالمكاره فرجع إليه، فقال: وعزتك، لقد خفت ألا يدخلها أحد، قال: فاذهب إلى النار فانظر إلى ما أعددت لأهلها، فإذا هي يركب بعضها بعضاً، فرجع إليه فقال: وعزتك، لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها فحفت بالشهوات، فقال: ارجع إليها فقال: وعزتك، لقد خشيت ألا ينجو منها أحد إلا دخلها» .
فتبين بهذا، أن صحة الجسد وقوته وكثرة المال والتنعم بشهوات الدنيا والتكبير والتعاظم على الخلق، وهي صفات أهل النار ذكرت في حديث حارثة بن وهب، هي جماع الطغيان والبغي، كما قال تعالى:
﴿كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى﴾
والطغيان وإيثار الحياة الدنيا وشهواتها من موجبات النار، كما قال تعالى: ﴿فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى﴾ .
وأما الضعف في البدن، والآستضعاف في الدنيا من قلة المال والسلطان، مع الإيمان فهو جماع كل خير، ولهذا يقال: من العصمة أن لا تجد، فهذه صفة أهل الجنة، التي ذكرت في حديث في حديث حارثة.
وقد روي نحو حديث حارثة، من وجوه متعددة، وفي بعضها زيادات.
стр. 263
خرج له الإمام أحمد، «من حديث أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: الضعفاء المغلوبون، ألا أنبئكم بأهل النار؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: كل شديد جعظري، هم الذين لا يألمون رؤوسهم» .
«ومن حديث سراقة بن مالك بن جعشم، أن النبي ﵌، قال له: يا سراقة، ألا أخبرك بأهل الجنة وأهل النار؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: أما أهل النار فكل جعظري جواظ مستكبر، وأما أهل الجنة فالضعفاء المغلوبون» .
«ومن حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﵌، قال: أهل النار كل جواظ مستكبر جماع مناع، وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون» .
«ومن حديث أنس، عن النبي ﵌، قال: ألا أخبركم بأهل الجنة وأهل النار؟ أما أهل الجنة، فكل ضعيف متضعف أشعث، ذو طمرين لو أقسم على الله لأبره، وأما أهل النار، فكل جعظري جواظ جماع مناع ذي تبع وقد سبق تفسير الجعظري بالفظ الغليظ الجافي» .
стр. 264
وخرج الطبراني، «من حديث أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: ألا أخبركم بصفة أهل الجنة؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: كل ضعيف متضاعف، ذو مطرين، لو أقسم على الله لأبره، ألا أنبئكم بأهل النار؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: كل جظ جعظر مستكبر قال: فسألته ما الجظ؟ قال: الضخم وما الجعظر قال: العظيم في نفسه» .
وورى «عثمان بن أبي العاتكة، عن أبي جعفر الحنفي، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: ألا أنبئكم بأهل النار؟ قالوا: بلى، قال كل سمين ليس طيب الريح» .
و «روى سليم بن عامر، عن فرات البهراني، عن أبي عامر الأشعري، أن رجلاً سأل رسول الله ﵌ عن أهل النار، فقال: لقد سألت عن عظيم، كل شديد قعبري فقال: وما القعبري يا رسول الله؟ قال: الشديد على العشيرة، الشديد على الأهل، الشديد على الصاحب، قال: فمن أهل الجنة يا رسول الله؟ فقال: سبحان الله! لقد سألت عن عظيم، كل ضعيف مزهد» .
وفي المعنى أحاديث أخر، وفي صحيح مسلم عن «عياض بن حمار، أن النبي ﵌، قال في خطبته: وأهل الجنة
стр. 265
ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى، ومسلم عفيف متعفف ذو عيال، وأها النار خمسة: الضعيف الذي لا نر له الذين هم فيكم تبع لا يبغون أهلاً ولا مالاً، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك» وذكر البخل والكذب والشنظير الفاحش.
ففي هذا الحديث جعل النبي ﵌ أهل الجنة ثلاثة أصناف:
أحدها: «ذو السلطان المقسط المتصدق، وهو من كان له سلطان على الناس فسار في سلطانه بالعدل، ثم ارتقى درجة الفضل.
والثاني: الرحيم الرقيق القلب الذي لا يخص برحمته قرابته، بل يرحم المسلمين عموماً، فتبين أن القسمين أهل الفضل والإحسان.
والثالث: العفيف المتعفف ذو العيال، وهو من يحتاج إلى ما عند الناس فيتتعفف عنهم، وهذا أحد نوعي الجود، أعني العفة عما في أيدي الناس، لا سيما مع الحاجة» .
وقد وصف الله في كتابه أهل الجنة ببذل الندى وكف الأذى، ولو كان الأذى بحق فقال:
﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين * الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾ .
فهذا حال معاملتهم للحق ثم وصف قيامهم بحق الحق فقال:
﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب
стр. 266
إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ .
فوصفهم الله عند الذنوب بالاستغفار، وعدم الإصرار وهو حقيقة التوبة النصوح.
وقريب من هذه الآية قوله تعالى:
﴿فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة * فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا مقربة * أو مسكينا ذا متربة * ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة * أولئك أصحاب الميمنة﴾ .
والعقبة قد فسرها ابن عباس بالنار، وفسرها ابن عمر بعقبة في النار كما تقدم، فأخبر سبحانه أن اقتحامها، وهو قطعها مجاوزتها، يحصل بالإحسان إلى الخلق، إما بعتق الرقبة، وإما بالإطعام في المجاعة، والمطعم إما يتيم من ذوي القربى أو مسكين قد لصق في التراب فلم يبق له شيء، ولا بد مع هذا الإحسان أن يكون من أهل الإيمان، والآمر لغيره بالعدل والإحسان، وهو التواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة، وأخبر سبحانه أن هذه الأوصاف أوصاف أصحاب الميمنة.
وأما أهل النار، فقد قسمهم النبي ﵌ في هذا الحديث خمسة أصناف:
الصنف الأول: الضعيف الذي لا زبر له، ويعني بالزبر القوة والحرص على ما ينتفع به صاحبه في الآخرة من التقوى والعمل الصالح.
وخرج العقيلي من حديث أبي هريرة مرفوعاً إن الله يبغض المؤمن الذي لا زبر له قال بعض رواة الحديث:
يعني الشدة في الحق.
ولما حدث مطرف بن عبد الله بحديث عياض بن حمار هذا وبلغ قوله: «الضعيف الذي لا زبر له» فقيل له: أو يكون هذا؟ قال: نعم، والله لقد أدركتهم في الجاهلية،
стр. 267
وإن الرجل ليرعى على الحي ماله إلا وليدتهم يطؤها.
وقال ابن شوذب: يقال: إن عامة أهل النار كل ضعيف لا زبر له، الذي هم فيكم اليوم تبع لا يبغون أهلاً ولا مالاً، خرجه عبد الله بن الإمام أحمد في الزهد، وهذا القسم شر أقسام الناس، ونفوسهم ساقطة، لأنهم ليس لهم همم في طلب الدنيا ولا الآخرة، وإنما همة أحدهم شهوة بطنه وفرجه كيف اتفق له، وهو تبع للناس خادم لهم أو طواف عليهم سائل لهم.
والصنف الثاني: الخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، أي يعني لا يقدر على خيانة ولو كانت حقيرة يسيرة إلا بادر إليها واغتنمها، ويدخل في ذلك التطفيف في المكيال والميزان، وكذلك الخيانة في الأمانات القليلة كالودائع وأموال اليتامى وغير ذلك وهو خصلة من خصال النفاق، وربما يدخل الخيانة من خان الله ورسوله في ارتكاب المحارم سراً مع إظهار اجتنابها.
قال بعض السلف: كنا نتحدث أن صاحب النار من لا تمنعه خشية الله من شيء خفي له.
الصنف الثالث: المخادع الذي دابه صباحاً ومساء مخادعة الناس على أهليهم وأموالهم، والخداع من أوصاف المنافقين، كما وصفهم الله تعالى بذلك، والخداع معناه إظهار الخير وإضمار الشر، لقصد التواصل إلى أموال الناس وأهاليهم والانتفاع بذلك، وهو من جملة المكر والحيل المحرمة، وفي حديث ابن مسعود عن النبي ﵌: «من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار» .
الصنف الرابع: الكذب والبخل، ولم يحفظ الراوي ما قاله النبي صلى
стр. 268
الله عليه وآله وسلم في هذا حفظاً جيداً، والكذب والبخل خصلتان،.
وفي مسند الإمام أحمد في هذا الحديث الكذب أو البخل بالشك، وقد قيل: إنه عدهما واحداً، كذا قاله مطر الورق وهو أحد رواة هذا الحديث.
والكذب والبخل، كلاهما ينشأ عن الشح، كما جاء في ذلك في الأحاديث، والشح هو شدة حرص الانسان على ما ليس له من الوجوه المحرمة، وينشأ عنه البخل، وهو إمساك الإنسان ما في يده والامتناع من إخراجه في وجوهه التي أمر بها، فالمخادع الذي سبق ذكره هو الشحيح، وهذا الصنف هو البخيل، فالشحيح أخذ المال بغير حقه، والبخيل منعه من حقه، كذلك روي تفسير الشح والبخل عن ابن مسعود وطاووس وغيرهما من السلف، وفي الأثر إن الشيطان قال: مهما غلبني ابن آدم فلن يغلبني بثلاث: يأخذ المال من غير حله، أو ينفقه في غير وجهه، أو يمنعه من حقه.
وينشأ عن الشح أيضاً، الكذب والمخادعة والتحيل على ما يستحقة الإنسان بالطرق الباطلة المحرمة.
وفي الصحيح عن النبي ﵌، قال: «إن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار» .
وفي المسند «عن عبد الله بن عمرو، قال: سئل النبي صلى الله
стр. 269
عليه وآله وسلم ما عمل أهل النار؟ قال: الكذب، إذا الكذب العبد فجر، وإذا فجر كفر وإذا كفر دخل النار» .
الصنف الخامس: الشنطير، وقد فسر بالسيىء الخلق، والفحاش هو الفاحش المتفحش، وفي الصحيحين، «عن عائشة، عن النبي ﵌، قال: إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه» .
وفي الترمذي، «عن ابن مسعود، عن النبي ﵌ إن الله يبغض الفاحش البذيء» ، والبذيء الذي يجري لسانه بالسفه ونحوه من لغو الكلام.
وفي المسند عن النبي ﵌، قال: «يحسب امرئ من الشر أن يكون فاحشاً بذيئاً بخيلاً جباناً» ، فالفاحش هو الذي يفحش في منطقه ويستقبل الرجال بقبيح الكلام من السب ونحوه، ويأتي في كلامه بالسخف وما يفحش ذكره.
стр. 270
فصل ـ في ذكر أول من يدخل النار من عصاة الموحدين
خرج الإمام أحمد، «من حديث أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار، فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد، وعبد مملوك لا يشغله رق الدنيا عن طاعة ربه، وفقير متعفف ذو عيال، وأول ثلاثة يدخلون النار: فأمير متسلط، وذو ثروة من مال يمنع حق الله في ماله، وفقير فخور» وخرج الترمذي أوله وقال: حديث حسن.
فهؤلاء الأصناف الثلاثة من أهل النار، وضد الأصناف الثلاثة من أهل الجنة المذكورين في حديث عياض بن حمار، فإن السلطان المسلط ضد العادلى المحسن، والغني الذي يمنع حق الله ضد الرحيم الرقيق القلب بذي القربى وكل مسلم، والفقير الفخور ضد المتعفف الصابر على شدة الفقير وضره.
وأوصاف هؤلاء الثلاثة هي: الظلم، والبخل، والكبر، والثلاثة ترجع إلى الظلم، لأن الملك يظلم الناس بيده، والبخيل يظلم الفقراء بمنع حقوقهم الواجبة، والفقير الفخور يظلم الناس بفخره عليهم، بقوله، وأذاه لهم بلسانه.
وفي صحيح مسلم، «عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله
стр. 271
وسلم، في حديث طويل ذكر فيه المقاتل والقاريء والمتصدق الذين يراؤون بأعمالهم، وقال: أولئك أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة يا أبا هريرة» .
وقد يجمع بين هذا الحديث والذي قبله، بأن هؤلاء الثلاثة أول من تسعر بهم النار، وأولئك الثلاثة أول من يدخل النار أخص من دخولها، فإن تسعيرها يقتضي تلهبها وإيقادها، وهذا قدر زائد على مجرد الدخول، وإنما زاد عذاب أهل الرياء على سائر العصاة، لأن الرياء هو الشرك الأصغر، والذنوب المتعلقة بالشرك أعظم من المتعلقة بغيره.
وقد ورد أن فسقة القراء يبدأ بهم قبل المشركين، «فروى عبد الملك بن إبراهيم الجدي، حدثنا عبد الله بن عبد العزيز العمري، عن أبي طوالة، عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: الزنابية أسرع إلى فسقه القراء منهم إلى عبدة الأوثان، فيقولون: يبدأ بنا قبل عبدة الأوثان؟ فيقال لهم: ليس من علم كمن لا يعلم» .
خرجه الطبراني وأبو نعيم وقال: غريب من حديث أبي طوالة، تفرد به عند العمري، انتهى.
والعمري هذا هو أبو عبد الرحمن الزاهد ﵀.
وقد ذكرنا، في الباب الخامس والعشرين، أحاديث متعددة في خروج عنق من النار يوم القيامة، تتكلم، وأنها تلتقط من صفوف الخلق: المشركين والمتكبرين وأصحاب التصاوير، وفي رواية «ومن قتل نفساً بغير نفس، فينطلق بهم قبل سائر الناس بخمسمائة عام» .
وروى عن ابن عباس وغيره من السلف، أن ذلك يكون قبل نشر الدواوين ونصب الموازين.
وجاء في حديث مرفوع، أن ذلك يكون قبل حساب سائر الناس، والله أعلم.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.