Полный текст (271 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الباب الخامس والعشرون ـ في ذكر مجيء النار يوم القيامة وخروج عنق منها يتكلم
قال الله : ﴿كلا إذا دكت الأرض دكا دكا * وجاء ربك والملك صفا صفا * وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى * يقول يا ليتني قدمت لحياتي﴾ .
وقال الله تعالى: ﴿فإذا جاءت الطامة الكبرى * يوم يتذكر الإنسان ما سعى * وبرزت الجحيم لمن يرى﴾ .
وقال الربيع بن أنس في قوله: ﴿وبرزت الجحيم لمن يرى﴾ قال: كشف عنها غطاؤها.
وقال تعالى:
﴿كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين﴾ .
وروى العلاء بن خالد الكاهلي، «عن أبي وائل، عن ابن مسعود، عن النبي ﵌، قال: يؤتى يومئذ بجهنم، لها سبعون ألف زمام، مع
стр. 212
كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» .
خرجه مسلم، من طريق حفص بن غياث، عن العلاء به، وخرجه الترمذي من طريق سفيان، عن العلاء، موقوفاً على ابن مسعود، ورجح العقيلي والدارقطني.
وخرج ابن أبي حاتم، من طريق عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: لما نزلت هذه الآية:
﴿وجيء يومئذ بجهنم﴾ .
تغير لون النبي ﵌، وعرف ذلك في وجهه، حتى اشتد ذلك على أصحابه، فسألوه فقال: «إنه جاءني جبريل فأقرأني هذه الآية، قال: كيف يجاء بها؟ قال: يجيء بها سبعون ألف ملك، يقودونها بسبعين ألف زمام تشرد مرة، لو تركت لأحرقت أهل الجمع ومن عليه، ثم تعرض جهنم فتقول: مالي ومالك يا محمد لقد حرم الله لحمك علي، فلا يبقى أحد إلا قال: نفسي نفسي، ومحمد ﵌، يقول: أمتي أمتي» .
الوصافي شيخ صالح لا يحفظ، فكثرت المناكير في حديثه.
وخرج أبو يعلى الموصلي، «من حديث أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵌، قال: إذا جمع الله الناس في صعيد واحد يوم القيامة، أقبلت النار يركب بعضها بعضاً، وخزنتها يكفونها، وهي تقول: وعزة ربي لتخلن بيني وبين أزواجي، أو لأغشين الناس عنقاً واحداً، فيقولون: من أزواجك؟ فيقول: كل متكبر جبار» .
وخرج الإمام أحمد والترمذي، «من حديث الأعمش، عن أبي صالح،
стр. 213
عن أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: يخرج يوم القيامة عنق من النار، لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، تقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين» ، وصحيحه الترمذي.
وقد قيل: إنه ليس بمحفوظ بهذا الإسناد، وإنما يرويه الأعمش، «عن عطية، عن أبي سعيد وغير واحد عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبي ﵌، قال: يخرج عنق من النار يتكلم، يقول: وكلت اليوم بثلاثة: بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلهاً آخر، ومن قتل نفساً بغير نفس، فتنطوي عليهم، فتقذفهم في غمرات جهنم» .
خرجه الإمام أحمد، وخرجه البزار، ولفظه: «يخرج عنق من النار، يتكلم بلسان طلق ذلق، لها عينان تبصر بهما، ولها لسان تتكلم به، فتقول: إني أمرت بمن جعل مع الله إلهاً آخر، وبكل جبار عنيد، وبكل من قتل نفساً، فتنطلق بهم قبل سائر الناس بخمسمائة عام» .
وقد روي عن عطية، عن أبي سعيد موقوفاً.
وروى ابن لهيعة، «عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم، عن عائشة، عن النبي ﵌، قال: يخرج عنق من النار، فتنطوي عليهم وتتغيظ، ويقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة،
стр. 214
وكلت بثلاثة، وكلت بمن دعا مع الله إلهاً آخر، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد، فتنطوي عليهم، فتطرحهم في غمرات جهنم» .
خرجه الإمام أحمد.
وروي «عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد، عن النبي ﵌، قال: يخرج عنق من النار، فيظل الخلائق كلهم، فيقول: أمرت بكل جبار عنيد، ومن زعم أنه عزيز كريم، ومن دعا مع الله إلهاً آخر» .
ورواه أبو المنهال، سيار بن سلامة، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس موقوفاً، قال: إذا كان يوم القيامة، خرج عنق من النار، فأشرفت على الخلائق، لها عينان تبصران ولسان فصيح، تقول: إني وكلت بكل جبار عنيد، فتلقطهم من الصفوف، فتحسبهم في نار جهنم، ثم تخرج ثانياً فتقول: إني وكلت بمن آذى الله ورسوله، فتلقطهم من الصفوف، فتحبسهم في نار جهنم، ثم تخرج ثالثة، قال أبو المنهال: أحسب أنها قالت: إني وكلت اليوم بأصحاب التصاوير، فتلقطهم من الصفوف، فتحسبهم في نار جهنم.
وفي حديث الصور الطويل، الذي خرجه إسحاق بن راهويه، وأبو يعلى الموصلي وغيرهما، بإسناده فيه ضعيف، «عن أبي هريرة، عن النبي ﵌: ثم يأمر الله تعالى جهنم، فيخرج منها عنق ساطعة مظلمة، فيقول:
﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون﴾ إلى قوله ﴿أفلم تكونوا تعقلون﴾ » .
стр. 215
وخرج ابن أبي الدنيا، من طريق الشعبي، عن أبي هريرة قال: يؤتى بجهنم، تقاد بسبعين ألف زمام، آخذ بكل زمام سبعون ألف ملك، وهي تمايل عليهم، حتى توقف عن يمين العرش، ويلقي الله عليها الذل يومئذ، فيوحي الله إليها: ما هذا الذل؟ فيقول: يا رب، أخاف أن يكون لك في نقمة، فيوحي الله إليها: إنما خلقتك نقمة، وليس لي فيك نقمة، ويوحي الله إليها، فتزفر زفرة، لا تبقى دمعة في عين إلا جرت، ثم تزفر أخرى فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل، إلا صعق، إلا نبيكم نبي الرحمة ﵌، يقول: يا رب أمتي أمتي.
وروى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده، عن أبي عبد الله الجدلي، عن عبادة بن الصامت وكعب، قالا: يخرج عنق من النار: أمرت بثلاثة: بمن جعل مع الله إلهاً آخر، وبكل جبار عنيد، وبكل معتد، ألا إني أعرف بالرجل من الوالد بولده، والمولود بوالده.
стр. 216
الباب السادس والعشرون ـ في ضرب الصراط على متن جهنم ـ وهو جسر جهنم ومرور الموحدين عليه
روى زيد بن أسلم، «عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵌، فذكر حديثاً طويلاً، قال: ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، فيقولون: اللهم سلم سلم.
قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة، يقال لها السعدان، فيمره المؤمن كظرف العين، وكالبرق وكالريح وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس على وجهه في النار» خرجاه في الصحيحين.
وفي رواية للبخاري «حتى يمر آخرهم يسحب سحباً» .
وفي رواية لمسلم قال أبو سعيد
стр. 217
الخدري بلغني أن الجسر أدق من الشعر وأحد من السيف.
وروى آدم بن أبي إياس، في تفسيره: «حدثنا أبو عمرو الصنعاني، عن زيد ابن أسلم، فذكر الحديث، ولفظه: يمر المؤمنون على الصراط بنورهم، فمنهم من يمر كطرف العين» وذكر الحديث.
وخرجا في الصحيحين أيضاً، «من حديث الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌، فذكر الحديث، وفيه قال: ويضرب الجسر بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزه، ولا يتلكم في ذلك اليوم إلا الرسل، ودعوة الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمتها إلا الله ، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق بعمله، ومنهم المجازى حتى ينجى» .
وذكر الحديث.
وفي آخره قال: وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يرد عليه من حديثه شيء.
وخرج مسلم، «من حديث أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة وأبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة، كلاهما عن النبي صلّى الله عليه وآله
стр. 218
وسلم، فذكر حديث الشفاعة، وفيه قال: فيأتون محمداً ﵌ فيقوم، ويؤذن له، وترسل معه الأمانة والرحم، فيقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً، فيمر أولكم كالبرق.
قال: قلت بأبي أنت وأمي، أي شيء كمر البرق؟ قال: ألم تر إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفه عين؟ ! ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وأشد الرجال تجري بهم أعمالهم، ونبيكم ﵌، قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، وحتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً قال: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة، مأمورة بأخذ من أمرت بأخذه، فمخدوش ناج، ومكردس في النار.
والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعين خريفاً» .
وفي حديث الصور الطويل، الذي سبقت الإشارة إليه، «عن أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، كقدر الشعرة أو كحد السيف، له كلاليب وخطاطيف، وحسك كحسك السعدان، دونه جسر دحض مزلقة» وهو يشعر بالتفريق بين الجسر والصراط.
والأحاديث الصحيحة السابقة تدل على أنهما واحد.
وروى أبو خالد الدالاني، «عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبي ﵌، فذكر حديثاً طويلاً، وفيه قال: والصراط كحد السيف، دحض مزلة قال: فيقولون: انجوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كأشد الرجال ويرمل رملاً، فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدميه، تخر يد وتتعلق يد، وتخر رجل وتعلق رجل، فتصيب جوانبه النار» .
خرجه الحاكم، وصححه هو وغيره
стр. 219
من الحفاظ.
وفي سنن أبي داود، «عن الحسن، عن عائشة ﵂، أنها ذكرت النار فبكت، فقال لها رسول الله ﵌: مالك يا عائشة؟ قالت: ذكرت فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﵌: أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند الكتب حين يقال: ﴿هاؤم اقرؤوا كتابيه﴾ ، حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أو من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم حافتاه كلاليب كثيرة وحسك كثيرة، يحبس الله بها من شاء من خلقه، حتى يعلم أينجو أم لا» .
وروى ابن لهيعة، «عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم، عن عائشة، عن النبي ﵌ نحوه.
إلا أنه ذكر الميزان وتطاير الكتب وخروج عنق من النار، وقال: ولجهنم جسر أدق من الشعر وأحد من السيف، وعليه كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، والناس عليه كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، والملائكة يقولون: رب سلم سلم، فناج مسلم، ومخدوش مسلم، ومكردس في النار على وجهه» .
خرجه الإمام أحمد.
стр. 220
وروى أبو سلام الدمشقي: «حدثني عبد الرحمن، حدثني رجل من كندة، قال: أتيت عائشة، فقلت: حدثك رسول الله ﵌، أنه يأتي عليه ساعة لا يملك لأحد فيها شفاعة؟ قالت: لقد سألته عن هذا، قال: نعم، حين يوضع الصراط، لا أملك لأحد فيه شفاعة، حتى أعلم أين يسلك بي، ويوم تبيض وجوه وتسود وجوه، حتى أنظر ماذا يفعل بي أو قال: يوحى إلي، وعند الجسر، حين يستحد ويستحر قلت: وما يستحد وما يستحر؟ قالت: يستحد حتى يكون مثل شفرة السيف، ويستحر حتى يكون مثل الجمرة، فأما المؤمن، فيجيزه لا يضره، وأما المنافق، فيتعلق، حتى إذا بلغ وسطه، خر من قدميه، فهوى بيده إلى قدميه، قالت: فهل رأيت من يسعى حافياً، فتأخذه شوكة حتى كادت تنفذ قدميه؟ ! فإنها كذلك، يهوي بيده ورأسه إلى قدميه، فتضربه الزبانية بخطاب في ناصيته وقدميه، فتقذفه في جهنم، فيهوي فيها مقدار خمسين عاماً قلت: وما ثقل الرجل قال: ثقل عشر خلفات سمان فيومئذ:
﴿يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام﴾ » .
خرجه بقي بن مخلد في مسنده وابن أبي حاتم في تفسيره وفي إسناده جهالة، وفي بعض ألفاظه نكارة.
والأحاديث الصحيحة تدل على أن الصراط، إنما يوضع بعد الإذن في الشفاعة، كما سبق.
وخرج الإمام أحمد، «من حديث أبي بكرة، عن النبي ﵌، قال: يحمل الناس على الصراط يوم القيامة، فتتقاذع بهم جنبتا الصراط، تفاذع الفراش في النار، فينجي الله برحمته من شاء» .
وخرج الحاكم، «من حديث سليمان الفارسي، عن النبي صلّى الله عليه
стр. 221
وآله وسلم، قال: يوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: ما عبدناك حق عبادتك!» وقال: صحيح.
قلت: المعروف أنه موقوف على سلمان الفارسي، من قوله.
وخرج الحاكم أيضاً، «من حديث أبي رزين العقيلي، عن النبي ﵌، قال: وتسلكون جسراً من النار، يطأ أحدكم الجمرة، فيقول: حس حس فيقول ربك: ادنه» .
وخرج البيهقي، «من حديث زياد النمري، عن أنس، عن النبي ﵌، قال: الصراط كحد السفرة أو كحد السيف، وإن الملائكة ينجون المؤمنين والمؤمنات، وإن جبريل لآخذ بحجزتي، وإني لأقول ذكر يا رب سلم سلم، فالزالون والزالات يومئذ كثير» .
وخرج أيضاً، من حديث سعيد بن زرني، «عن يزيد الرقاشي، عن أنس، عن النبي ﵌، قال: على جهنم جسر مجسور، أدق من الشعر وأحد من السيف، أعلاه نحو الجنة دحض مزلة، بجنبتيه كلاليب وحسك من النار، يحبس الله بها من يشاء من عباده، الزالون والزالات يومئذ كثير، والملائكة بجانبيه قيام ينادون: اللهم سلم سلم، فمن جاء بحق يومئذ جاز، ويعطون النور يومئذ على قدر إيمانهم بأعمالهم، فمنهم من يمضي
стр. 222
عليه كلمح البرق، ومنهم من يمضي عليه كمر الريح، ومنهم من يمضي عليه كمر الفرس السابق، ومنهم من يشتد عليه شداً، ومنهم من يهرول، ومنهم من يعطى نوره إلى موضع قدميه، ومنهم من يحبو حبواً، وتأخذ النار منهم بذنوب أصابوها، فعند ذلك يقول المؤمن: بسم الله حس حس ويلتوي، وهي تحرق من شاء الله منهم على قدر ذنوبهم» .
ثم قال البيهقي في زياد النميري ويزيد الرقاشي وسعيد بن زربي: ليسوا بأقوياء.
خرج أيضاً من حديث «عبيد بن عمير، عن النبي ﵌، قال: الصراط على جهنم مثل حرف السيف، بجنبتيه الكلاليب والحسك، فيركبه الناس، فيختطفون، والذي نفسي بيده، إنه ليؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر» .
وهذا مرسل.
وخرجه من وجه آخر موقوفاً على عبيد بن عمير مختصراً.
وخرج أيضاً بإسناده، «عن ابن مسعود، قال: الصراط على جهنم مثل حد السيف» .
وخرج الترمذي، بإسناد فيه ضعيف، «عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﵌، قال: شعار المؤمنين على الصراط: رب سلم سلم» ويروى نحوه من حديث أنس مرفوعاً بإسناد لا يصح.
«وروى منصور بن عمار، عن ابن لهيعة، عن أبي قبيل، عن عبد الله بن
стр. 223
عمرو، عن النبي ﵌، قال: شعار أمتي إذا حملواة على الصراط: لا إله إلا أنت» .
وهذا فيه نكارة، والله أعلم.
وفي صحيح مسلم «عن مسروق، عن عائشة، أنها سألت النبي ﵌: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ قال: على الصراط» .
وفيه أيضاً «عن ثوبان، أن حبراً من اليهود، سأل النبي ﵌: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ قال: هم في الظلمة دون الجسر.
قال:، فمن أول الناس إجازة؟ قال: فقراء المهاجرين» وذكر الحديث.
ويمكن الجمع بين الحديثين، بأن الظلمة دون الجسر حكمها حكم الجسر، وفيها تقسيم الأنوار للجواز على الجسر، فقد يقع تبديل الأرض والسموات وطي السماء، من حين وقوع الماس في الظمة، ويمتد ذلك إلى حال المرور على الصراط، والله أعلم.
واعلم أن الناس منقسمون إلى مؤمن يعبد الله وحده ولا شريك به شيئاً، ومشرك يعبد مع الله غيره، فأما المشركون فإنهم لا يمرون على الصراط إنما يقعمون في النار قبل وضع الصراط، ويدل على ذلك ما في الصحيحين «عن أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال:
стр. 224
يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع الشمس من يعبدها، ويتبع القمر من يعبد القمر، ويتبع الطواغيت من يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فذكر الحديث إلى أن قال: ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزه» .
وفيهما أيضاً، «عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵌، قال: إذا كان يوم القيامة، أذن مؤذن: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق غير من كان يعبد الله من بر وفاجر، وغير أهل الكتاب، فتدعى اليهود، فيقال: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد.
فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى النار، كأنها سراب، يحطم بعضها بعضاً، فيتساقطون في النار، ثم تدعى النصارى، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد.
فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، قال: فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم، كأنها سراب، يحطم بعضها بعضاً، فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، أتاهم رب العالمين.
стр. 225
فذكر الحديث إلى أن قال: فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد الله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء، إلا جعل الله ظهره طبقاً واحداً، كلما أراد أن يسجد، خر على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم، وقد تحول من صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون، أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم» .
وذكر الحديث.
وعند البخاري في رواية «ثم يؤتى بجهنم، تعرض كأنها السراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟» وذكر الباقي بمعناه.
فهذا الحديث صريح في أن كل من أظهر عبادة شيء سوى الله، كالمسيح وعزير من أهل الكتاب، فإنه يلحق بالمشركين في الوقوع في النار قبل نصب الصراط، إلا أن عباد الأصنام والشمس والقمر وغير ذلك من المشركين تتبع كل فرقة منهم ما كانت تعبد في الدنيا، فترد النار مع معبودها أولاً، وقد دل القرآن على هذا المعنى، في قوله تعالى.
في شأن فرعون:
﴿يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود﴾ .
وأما من عبد المسيح والعزير من أهل الكتاب، فإنهم يتخلفون مع أهل الملل المنتسبين إلى الأنبياء، ثم يردون في النار بعد ذلك.
وقد ورد في حديث آخر، أن من كان يعبد المسيح، يمثل له شيطان المسيح فيتبعونه، وكذلك من كان يعبد العزير.
وفي حديث الصور أنه يمثل لهم ملك على صورة المسيح، وملك على صورة العزير، ولا يبقى بعد ذلك إلا من كان يعبد الله وحده في الظاهر، سواء كان صادقاً أو منافقاً من هذه الأمة وغيرها، ثم يتميز المنافقون على المؤمنين بامتناعهم من السجود، وكذلك
стр. 226
يمتازون عنهم بالنور الذي يقسم المؤمنين.
وقد اختلف السلف، هل يقسم للمنافين نور مع المؤمنين ثم يطفأ، أو لا يقسم له نور بالكلية، على قولين:
فقال أحدهما: إنه لا يقسم له نور بالكلية.
قال صفوان بن عمرو: حدثني سليم بن عامر، سمع أبا أمامة يقول: يغشى الناس ظلمة شديدة ـ يعني يوم القيامة ـ ثم يقسم النور، فيعطى المؤمن نوراً، ويترك الكافر والمنافق، فلا يعطيان شيئاً، وهو المثل الذي ضربه الله في كتابه قال تعالى:
﴿أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور﴾ .
فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن، كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير،
و ﴿يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً﴾ .
قال: وهي خدعة الله خدع بها المنافقين، قال عز جلاله:
﴿يخادعون الله وهو خادعهم﴾ .
فيرجعون إلى الموضع الذي قسم فيه النور، فلا يجدون شيئاً، فينصرفون إليهم
﴿فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب﴾ إلى قوله: ﴿وبئس المصير﴾ .
قال سليم: فلا يزال المنافق مغتراً، حتى يقسم النور، ويميز الله الله بين سبيل المؤمن والمنافق.
خرجه ابن أبي حاتم.
وخرج أيضاً من رواية مقاتل بن حيان والضحاك، عن ابن عباس، ما يدل على مثل هذا القول أيضاً، ولكنه منقطع.
والقول اثاني: أنه يقسم للمنافين النور مع المؤمنين كما كانوا مع المؤمنين في الدنيا،
стр. 227
ثم يطفأ نور المنافقين إذ بلغ السور.
قاله مجاهد.
وروى عتبة بن يقظان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ليس أحد من أهل التوحيد إلا يعطى نوراً يوم القيامة، فأما المنافقين فيطفأ نوره، فالمؤمن يشفق مما يرى من إطفاء نور المنافق فهم:
﴿يقولون ربنا أتمم لنا نورنا﴾ .
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد نحوه.
وكذا روى جويبر عن الضحاك.
وسنذكر في الباب الآتي إن شاء الله، من حديث جابر، عن النبي ﵌، ما يدل على صحة هذا القول.
وقال آدم بن أبي إياس: «أنبأنا المبارك بن فضلة، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﵌: يدفع يوم القيامة إلى كل مؤمن نور، وإلى كل منافق نور، فيمشون معه، فبينمكا نحن على الصراط إذ غشينا ظلمة، فيطفأ نور المنافق، ويضيء نور المؤمن، فعند ذلك
﴿يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا﴾ .
حين يضيء نور المنافقين» .
وقد سبق صفة مشي المنافق على الصراط في حديث عائشة، وإن كان في إسناده ضعيف.
وروى بشر بن شغاف، عن عبد الله بن سلام، قال: يوضع الجسر على جهنم، ينادي مناد: أين محمد وأمته؟ فيقوم، فتتبعه أمته برها وفاجرها، قال: فيأخذون الجسر فيطمس الله أنظار أعدائه، فيتهافتون فيها من شمال ويمين وينجو النبي والصالحون معه، ثم ينادي مناد: أين عيسى وأمته؟ فيقوم، فتتبعه أمته يرها وفاجرها، فيأخذون بالجسر، فيطمس الله أبصار أعدائه، فيتهافتون فيها من شمال ويمين، فينجو النبي والصالحون معه، ثم يتبعهم الأنبياء والأمم، حتى يكون آخرهم نوح، رحم الله نوح.
خرجه ابن خزيمة وغيره.
стр. 228
وقد تبين بما ذكرنا في هذا الباب، من حديث ابن مسعود وأنس وغيرهما.
أن اقتسام المؤمنين الأنوار، على حسب إيمانهم وأعمالهم الصالحة، وكذلك مشيهم على الصراط في السرعة والبطء.
وهذا أيضاً مذكور في حديث حذافة وأبي هريرة وغيرهما.
وروى أبو الزعراء، عن ابن مسعود، قال: يأمر الله بالصراط، فيضرب على جهنم، فيمر الناس على قدر أعمالهم زمراً زمراً، أوائل كلمح كلمح البرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، ثم كمر البهائم، حتى يمر الرجل سعياً، وحتى يمر الرجل مشياً، حتى يجيء آخرهم يتلبط على بطنه، فيقول: يا رب لم بطأت بي؟ فيقول: إني لم أبطىء بك، إنما أبطأت بك عملك.
وذلك أن الأيمان والعمل الصالح في الدنيا هو الصراط المستقيم في الدنيا الذي أمر الله العباد بسلوكه والاستقامة عليه، وأمرهم بسؤال الهدية إليه، فمن استقام سيره على هذا المسقيم في الدنيا ظاهراً وباطناً، استقام مشيه على ذلك الصراط المنصوب على متن جهنم، ومن لم يستقم سيره على هذا الصراط المستقيم قوله الدنيا بل انحرف عنه إما إلى فتنة الشبهات أو إلى فتنة الشهوات، كان اختطاف الكلاليب له على صراط جهنم بحسب اختطاف الشبهات والشهوات له عن هذا الصراط المستقيم، كما في حديث أبي هريرة: إنها تخطف الناس بأعمالهم.
وروى الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله، في قوله تعالى:
﴿إن ربك لبالمرصاد﴾ .
قال: من وراء الصراط ثلاثة جسور، جسر عليه الأمانة، وجسر عليه الرحم، وجسر عليه الرب ﵎.
وقال أيفع بن عبد الكلاعي: لجهنم سعة قناطر، والصراط عليها، وذكر
стр. 229
أنه يحبس الخلق عند القنطرة الأولى، فيسألون عن الصلاة، فيهلك من يهلك ويهنجو من ينجو، ويحبسون عند القنطرة الثانية، فيسألون الأمانة، هل أدوها أم أضاعوها فيهلك من يهلك، وينجو من ينجو، ثم يحبسون عند الثالثة، فيسألون عن الرحم.
وقد ذكرنا فيما تقدم غير حديث، في حبس الولاة على جسر جهنم، وتزلزل الجسر بهم.
وخرج أبو داود، «من حديث معاذ بن أنس الجهني، عن النبي ﵌، قال: من رمى مسلماً بشيء يريد به تشيينه، حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال» .
وقد روي بلفظ آخر وهو «من قال في مؤمن مالا يعلم، حبسه الله على جسر جهنم، حتى يخرج مما قال» .
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن أبي سليمان الداراني، قال: وصفت لأختي عبدة قنطرة من قناطر جهنم، فأقامت يوماً وليلة في صيحة واحدة أمسكت، ثم انقطع عنها بعد، فكلما ذكرت لها صاحت.
قيل له: من أي شيء كان صياحها؟ قال: مثلت نفسها على القنطرة وهي تكفأ بها.
وكان أبو سفيان يقول: إذا سمعت الرجل يقول لآخر: بيني وبينك الصراط ولا يدري ما هو، لو عرف الصراط أحب أن لا يتعلق بأحد ولا يتعلق به أحد.
وكان أبو مسلم الخولاني يقول لا مرأته: يا أم مسلم، شدي رحلك، فليس على جسر جهنم معبر.
стр. 230
وروى ابن أبي الدنيا، من طريق معاوية بن أبي صالح، عن أبي اليمان، أن رجلاً كان شاباً أسود الرأس واللحية، فنام ليلة، فرأى في نومه، كأن الناس حشروا، وإذا بنهر من لهب نار، وإذا جسر يجوز الناس عليه، يدعون بأسمائهم، فإذا دعي الرجل أجاب، فناج وهالك، قال: فدعاني باسمي، فدخلت في الجسر، فإذا حده كحد السيف، يمور بي يميناً وشمالاً، قال: فأصبح الرجل أبيض اللحية والرأس مما رأى.
وسمع أسود بن سالم رجلاً ينشد هذين البيتين:
أمامي موقوف قدام ربي ... يسائلني وينكشف الغطاء
وحسبي أن أمر على صراط ... كحد اليف أسفله لظاء
فغشي عليه.
وروي عن بشر بن الحارث، قال: قال لي فضيل بن عياض: يا بشر، مسيرة الصراط خمسة عشر ألف فرسخ، فانظر كيف تكون على الصراط.
قال محمد بن السماك: سمعت رجلاً من زهاد أهل البصرة يقولون: الصراط ثلاثة ألف سنة، ألف سنة يصعدون فيه، وألف سنة يستوي بهم، وألف سنة يهبطون منه.
وروى فضيل بن إسحاق، عن الفضيل، قال: الصراط أربعون ألف فرسخ.
وروى ابن أبي الدنيا، في كتاب الأولياء، من حديث جعفر بن سليمان، قال: سمعت مالك بن دينار يسأل علي بن زيد ـ وهو يبكي ـ فقال: يا أبا الحسن، كم بلغك أن ولي الله يحبس علىالصراط؟ قال: كقدر رجل في صلاة مكتوبة، أتم ركوعها وسجودها، قال فهل بلغك أن الصراط يتسمع لأولياء الله؟ قال: نعم.
стр. 231
ومن حديث رشيدين بن سعد، عن عمر بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، قال: بلغنا أن الصراط يكون على بعض الناس أدق من الشعر، وعلى بعض الناس مثل الوادي الواسع.
وقال سهل التستري، من دق عليه الصراط في الدنيا عرض له في الآخرة، ومن عرض عليه الصراط في الدنيا دق عليه في الآخرة.
ومعنى هذا، أن من ضيق على نفسه في الدنيا، باتباع الأمر واجتناب النهي، وهو حقيقة الاستقامة على الصراط المستقيم في الدنيا، كان جزاؤه أن يتسع له الصراط في الآخرة، ومن وسع على نفسه في الدنيا، باتباع الشهوات المحرمة، والشبهات المضلة، حتى خرج عن الصراط المستقيم، ضاق عليه الصراط في الآخرة بحسب ذلك، والله أعلم.
رأى بعض السلف رجلاً يضحك، فقال له: ما أضحكك؟ ليس تقر عينك أبداً أو تخلف جهنم وراءك.
وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا يونس الحذاء، عن أبي حمزة البيساني، عن معاذ بن جبل يرفعه، قال: إن المؤمن لا تسكن روعته، ولا يأمن اضرابه، حتى يخلف جسر جهنم خلف ظهره.
خرجه ابن أبي الحاتم، وقال: أبو حمزة مجهول، ويونس الحذاء، قال: وأبو حمزة عن معاذ مرسل، والله أعلم.
стр. 232
الباب السابع والعشرون ـ في ذكر ورود النار نجانا الله منها برحمته
قال الله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ .
روى إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: بكى عبد الله بن رواحة، فبكت امرأته، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك تبكي فبكيت، قال: إني ذكرت هذه الآية ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ وقد علمت أني داخلها، فلا أدري، أناج منها أنا أم لا.
وروى ابن المبارك، عن عباد المقبري، عن بكر المزني، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ ذهب ابن روحة إلى بيته فبكى، وجاءت المرأة فبكت، وجاءت الخادم فبكت، ثم جاء أهل البيت فجعلوا يبكون كلهم، فلما انقطعت عبرته قال: يا أهلاه، ما يبكيكم؟ قالوا: لا ندري، ولكنا رأيناك تبكي فبكينا، قال: آية نزلت على رسول الله ﵌، ينبئني فيها ربي أني وارد النار، ولم ينبئني أني صادر عنها.
وقال موسى بن عقبة، في مغازيه: زعموا أن ابن رواحة بكى حين
стр. 233
أراد الخروج إلى مؤته، فبكى أهله حين رأوه يبكي، فقال: والله ما بكيت جزعاً من الموت ولا صبابة لكم، ولكني بكيت جزعاً من قول الله : ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ فأيقنت أني واردها، فلا أدري أنجو منها أم لا.
وقال حفص بن حميد، عن شمر بن عطية: كان عمر بن الخطاب، ﵁، إذا قرأ هذه الآية يبكي، ويقول: رب، أنا ممن تنجي؟ أم ممن تذر فيها جيثياً؟ !
وروى أبو إسحاق عن أبي ميسرة أنه كان إذا أوى إلى فراشه، قال: ياليت أمي لم تلدني، فقالت له امرأته: يا أبا ميسرة، إن الله قد أحسن إليك هداك للإسلام، قال: أجل، إن الله يبين لنا أنا واردو النار، ولم يبين أنا صادرون منها.
وروينا من طريق سفيان بن حسين، عن الحسن، قال: كان أصحاب رسول الله ﵌، إذا التقوا يقول الرجل منهم لصاحبه: هل أتاك أنك وارد في النار، فيقول: نعم، فيقول: هل أتاك أنك خارج منها، فيقول: لا، قال: فيقول: ففيم الضحك إذا؟
وقال ابن عينة عن رجل، عن الحسن: قال رجل لأخيه، يا أخي، هل أتاك انك وارد النار؟ قال: نعم، قال: هل أتاك أنك خارج منها؟ قال، لا، قال: ففيم الضحك إذاً؟ قال: فما رؤي ضاحكاً حتى مات.
وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله : ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ قال: قال رجل لأخيه: فقد جاءك عن الله أنك وارد في جهنم؟ قال: نعم، قال: فأيقنت بالورود؟ قال: نعم، قال: فأيقنت وصدقت بذلك؟ قال: نعم، وكيف لا أصدق وقد قال الله : ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً﴾ قال: فأيقنت أنك صادر عنها؟ قال: والله ما أدري أأصدر عنها أم
стр. 234
لا، قال: ففيم التثاقل؟ وفيم الضحك؟ وفيم اللعب؟
قال أحمد: وحدثنا خلف بن الوليد، حدثنا المبارك، قال: سمعت الحسن يقول: لا والله، إن أصبح فيها مؤمن إلا حزيناً، وكيف لا يحزن المؤمن، وقد جاءه عن الله، أنه وارد جهنم، ولم يأته أنه صادر عنها؟
قال أحمد: وأنبأنا حسين بن محمد، حدثنا ابن عياش، عن عبد الله بن دينار، أن لقمان، قال لابنه: يا بني، كيف يأمن النار من هو واردها؟
وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في تفسير الورود، فقالت طائفة: الورود هو المرور على الصراط، وهذا قول ابن مسعود وجابر والحسن وقتادة وعبد الرحمن ابن زيد بن أسلم والكلبي وغيرهم.
وروى إسرائيل، «عن السدي، قال: سألت مرة الهمداني، عن قول الله : ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ فحدثني عن ابن مسعود أنه حدثهم، قال: قال رسول الله ﵌: يرد الناس النار، ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق، ثم كالريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب في رحله، ثم كسير الرجل، ثم كمشيه» خرجه الترمذي، وقال حديث حسن.
وخرج الإمام أحمد أوله، وخرجه الحاكم وقال: صحيح، ورواه شعبة، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله موقوفاً، ولو يرفعه شعبة، مع أنه قرأ بأن السدي حدثه به مرفوعاً.
قال الدر قطني: يحتمل أن يكون مرفوعاً.
стр. 235
قلت: ورواه أسباط، عن مرة الهمداني، عن عبد الله موقوفاً أيضاً، فقال: يرد الناس الصراط جميعاً، وورودهم قيامهم حول النار، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر كالبرق فذكر الحديث بطوله، وفي آخره: حتى إن آخرهم مراً، رجل نوره على إبهامي قدميه، يتكفأ به الصراط دحض مزلة، عليه حسك كحسك القتاد، حافتاه ملائكة معهم كلاليب من نار، يختطفون بها الناس وذكر بقية الحديث، خرجه ابن أبي حاتم.
ورواه الحكم بن ظهير، «عن السدي، عن مرة، عن عبد الله، فرفع آخر الحديث، ولفظ حديثه قال عبد الله: الورود ليس بالدخول فيها، ولكنه حضورها والوقوف عليها، مثل الدابة ترد الماء ولا تدخله، ثم قال عبد الله: قال رسول الله ﵌: يضع الله الصراط على جهنم، فيجوز العباد عليه وذكر الحديث بطوله، وفي آخره: ولو قيل لأهل النار: إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا سنة لرجوا، وقالوا: إنا لا بد مخرجون، ولو قيل لأهل الجنة: إنكم ماكثون في الجنة عدد كل حصاة في الدنيا سنة حزنوا، وقالوا: إنا لا بد مخرجون، ولكن الله جعل لهما الأبد، ولم يجعل لهما الأمد» .
والحكم بن ظهير ضعيف.
ولعل هذا الكلام في آخر الحديث موقوف على ابن مسعود، فإنه روي عنه موقوفاً، من وجه آخر بإسناد جيد، قال أبو الحسن بن البراء العبدي في كتاب الروضة له: حدثنا أحمد بن خالد هو الخلال، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله، قال: لو أن أهل جهنم وعدوا يوماً
стр. 236
من أبد أو عدد أيام الدنيا لفرحوا بذلك اليوم، لأن كل ما هو آت قريب.
وقد روي أول الحديث من طريق أبي إسحاق مرقوفاً أيضاً بمخالفة في الإسناد، فروى عمرو بن طلحة القتاد عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ قال الصراط على جهنم مثل حد السيف، فتمر الطائفة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود الإبل والبهائم، ثم يمرون والملائكة يقولون: رب سلم سلم.
خرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين.
وكذا خرجه آدم بن أبي إياس في تفسيره عن إسرائيل.
وخرج مسلم في صحيحه، من حديث روح بن عبادة، أبنأنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن الورود، فقال: نحن يوم القيامة على كذا وكذا، انظر أي ذلك فوق الناس، قال فتدعىالأمم بأوثانها وما كانت تعبد الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك، فيقول: من تنتظرون؟ فنقول: ننتظر ربنا، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجلى لهم يضحك، فينطلق بهم فيتبعونه، ويعطي كل إنسان منهم مؤمن أو منافق نوره، ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون، فينجو أول زمرة وجوهم كالقمر وذكر بقية الحديث.
كذا خرجه مسلم عن عبد الله بن سعيد ـ وهو الأشج ـ وإسحاق بن منصور، وكلاهما عن روح به.
وخرجه الإمام أحمد، «عن روح به، وزاد فيه بعد قوله: فيتجلى لهم يضحك قال: سمعت النبي ﵌، قال ذكر فينطلق بهم فيتبعونه» ، وساق الحديث، فجعله من هذا الموضع مرفوعاً، وما قبله مرقوفاً.
стр. 237
وقد روى محمد بن شرحبيل الصنعاني عن ابن جريح هذا الحديث، فرفع أوله أيضاً وهو ذكر التجلي والضحك، ورواه عبد الرزاق، عن رباح بن زيد، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﵌، فذكر التجلي.
وروى عنه الحديث كله أيضاً بهذا الإسناد، وهذا يدل على أن أول الحديث لم يكن عند ابن جريج عن أبي الزبير مرفوعاً، وإن كان عنده كله مرفوعاً، «عن زياد بن سعد، عن أبي الزبير.
وكذلك رواه أبو قرة، عن مالك، عن زياد ابن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﵌، قال: إذا كان يوم القيامة جمعت الأمم» فذكره كله مرفوعاً.
وكذلك رواه ابن لهيعة، «عن أبي الزبير، قال سمعت جابراً يسأل عن الورود، فقال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: نحن يوم القيامة على كوم» وذكر الحديث كله مرفوعاً، وفي حديثه زيادة بعد قوله: ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نوراً أو يغشاه ظلمة وقوله في هذه الرواية: «ونحن يوم القيامة على كوم» هذه الرواية الصحيحة.
وأما ما ورد في رواية روح، عن ابن جريج، عن كذا وكذا، فإن أصله تصحيف من الراوي للفظة كوم، فكتب عليه كذا وكذا، لإشكال فهمه عليه، ثم كتب انظر، أي ذلك يأمر الناظر فيه بالتروي والفكر في صحة لفظه، فأدخل ذلك كله في الرواية قديماً، ولم يقع ذلك في نسخ صحيح مسلم كما يظنه بعضهم فإن الحديث في مسند الإمام أحمد وكتاب السنة لابنه عبد الله كذلك.
وخرجه الطبراني في كتاب السنة، «من طريق أبي عاصم، عن ابن جريح، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابراً يسأل عن الورود، فقال: نحن يوم القيامة على كوم فوق الناس، فتدعى الأمم بأوثانها وذكر
стр. 238
الحديث إلى قوله: فيتجلى لهم يضحك قال: فسمعت رسول الله ﵌ يقول: حتى يبدو كذا وكذا، فينطلق بهم فيتبعونه» وذكر الحديث بتمامه.
وفي سياقه أيضاً «وتغشى المنافقين ظلمة» ، فظهر بهذه الرواية أن الشك والتصحيف، إنما جاء روح بن عبادة، ولعله وقع في كتابه كذلك، فحدث به كما في كتابه، والله أعلم، ولكن قد رواه محمد بن يحيى المازني عن ابن جريح، كما رواه عنه روح.
خرجه من طريقه الخلال.
ومما يستدل به على أن الورود ليس هو الدخول ما خرجه مسلم، من حديث «أبي الزبير، عن جابر، قال: أخبرتني أم بشر، أنها سمعت النبي ﵌ يقول عند حفصة: لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ فقال النبي ﵌: قد قال الله :
﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً﴾ » .
ورواه الأعمش، «عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم بشر بنحوه.
وفي بعض روايات الأعمش: فقال رسول الله ﵌: يردونها، ثم يصدرون عنها بالأعمال» .
وقالت طائفة: الورود هو الدخول، وهذا هو المعروف عن ابن عباس: وروي عنه من غير وجه، وكان يستدل لذلك بقوله تعالى في فرعون:
﴿يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار﴾ .
وبقوله: ﴿و
стр. 239
نسوق المجرمين إلى جهنم ورداً﴾ .
وكذلك قوله تعالى: ﴿لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها﴾
وقد سبق عن عبد الله بن رواحة نحو هذا، إلا أن الرواية عنه منقطعة.
وروى مسلم الأعور عن مجاهد ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ قال: داخلها.
وسئل كعب عن الورود المذكور في الآية، فقال: تمسك النار عن الناس، كأنها متن إهالة، حتى تسوى عليها أقدام الخلق كلهم برهم وفاجرهم، ثم يقول لها الرب : خذي أصحابك ودعي أصحابي، فتخسف بكل ولي لها، وينجي الله المؤمنين ندية ثيابهم.
قال كعب: ألم تر إلى القدر الكثيرة الودك إذا بردت استوت بيضاء كالشحم؟ فإذا أوقدت النار تحتها انخسف الودك في القدر من ههنا وههنا.
وفي رواية عنه قال: فهي أعرف بهم من الوالد بولده.
وقال ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان: إذا دخل أهل الجنة الجنة، قالوا: ألم بعدنا ربنا أنا نرد النار؟ قال: بلى، ولكن مررتم عليها وهي خامدة.
وفي رواية عنه قال: إذا جاز المؤمنون الصراط نادى بعضهم بعضاً: ألم يعدنا ربنا أن نمر على جسر جهنم؟ ، فيقول: بلى ولكن مررتم عليها وهي خامدة.
وقال مسكين: سمعت أشعث الحداني يقول: بلغني أن أهل الإيمان إذا مروا بصراط جهنم، قال: تقول لهم جهنم: جوزوا عني، قد بردتم وهجي، ذروني وأهلي.
ولكن هذا والذي قد يدلان على أن الورود هو المرور على الصراط كالقول الأول.
«و
стр. 240
روى كثير بن زياد البرساني، عن أبي سمية، قال: اختلفنا في الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضهم: يدخلونها جميعاً، ثم ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله، فقلت: إنا اختلفنا في الورود، فقال يردونها جميعاً.
وقال سليم بن مرة: يدخلونها، وقال سمعت رسول الله ﵌ يقول: لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجاً من بردهم
﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ » .
خرجه الإمام أحمد، وأبو سمية لا ندري من هو.
وفي الصحيحين، «عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵌، قال: لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فتمسه النار، إلا تحلة القسم» .
وقد فسر عبد الرزاق وغيره تحلة القسم بالورورد لقوله: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ .
وظاهر هذا يقتضي أن الورود هو مس النار، وفي رواية: «فيلج النار لا تحلة القسم» فجعله مستثنى من ولوجها.
وروى عبد الملك بن عمير، «عن عبد الرحمن بن بشير الأنصاري، قال: قال رسول الله ﵌: من مات له ثلاثة أولاد، لم يبلغوا الحنث، لم يرد النار إلا عابر سبيل» .
وخرج الإمام أحمد، من حديث «ابن لهيعة ورشدين بن سعد، كلاهما عن زاذان بن نائل، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، عن النبي صلّى الله
стр. 241
عليه وآله وسلم، قال: من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعاً، لا يأخذه سلطان، لم يرد النار إلا تحلة القسم، فإن الله يقول: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ » إسناده ضعيف.
وخرج الطبراني، «من حديث الواقدي، حدثنا شعيب بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن أبي بكر الصديق، عن النبي ﵌، قال: إنما حر جهنم على أمتي كحر الحمام» .
الواقدي متروك.
وروى «منصور بن عمار، عن بشير بن طلحة، عن خالد بن دريك، عن يعلى ابن منبه، عن النبي ﵌: تقول جهنم للمؤمن: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي» غريب وفيه نكاره.
وقد فسر بعضهم الورود بالحمى في الدنيا، روى مجاهد وعثمان بن الأسود، وفيه حديث مرفوع: الحمى حظ المؤمن من النار.
وإسناده ضعيف.
وقالت طائفة: الورود: ليس عاماً، وإنما هو خاص بالمحضرين حول جهنم، المذكورين في قوله تعالى:
﴿فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا﴾ إلى قوله: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ .
كأنه يقال لهؤلاء الموصوفين: وإن منكم إلا واردها.
روي هذا التأويل عن زيد بن أسلم، وهو بعيد جداً.
وعن عكرمة، أنه كان يقرأ: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ يقول: الضمير يعود إلى الظلمة، كذلك كنا نقرؤها.
وروي هذا القول، عن ابن عباس من وجه منقطع.
والصحيح عنه ما سبق.
فصل ـ إذا وقف العبد بين يدي الله تستقبله النار
وقد أخبر النبي ﵌: «أن العبد إذا وقف بين يدي
стр. 242
ربه للحساب، فإنه تستقبله النار تلقاء وجهه، وأخبر أن الصدقة تقي صاحبها من النار» .
ففي الصحيحين «عن عدي بن حاتم، عن النبي ﵌، قال: ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة» .
وفي صحيح مسلم عنه، «عن النبي ﵌، قال: من استطاع منكم، أن يستتر من النار، ولو بشق تمرة، فليفعل» .
وفي صحيح البخاري عنه، «عن النبي ﵌، قال ليقفن أحدكم، بين يدي الله ، ليس بينه وبينه حجاب، ولا ترجمان يترجم له، ثم ليقولن له: ألم أوتك مالاً؟ فليقولن: بلى، ثم ليقولن: ألم أرسل إليك رسولاً؟ فيقولن: بلى، فينظر عن يمينه، فلا يرى إلا النار، ثم ينظر على شماله، فلا يرى إلا النار، فليتقين أحدكم النار، ولو بشق تمرة، فإن لم يجد، فبكلمة طيبة» .
وفي «حديث عبد الرحمن بن سمرة، عن النبي ﵌، أنه خرج يوماً، فقال: رأيت الليلة عجباً فذكر حديثاً طويلاً، وفيه رأيت رجلاً من أمتي، يتقي وهج النار وشررها بيديه من وجهه، فجاءته صدقته، فصارت ستراً على رأسه، وظلاً على وجهه» .
стр. 243
الباب الثامن والعشرون ـ في ذكر حال الموحدين في النار وخروجهم منها برحمة أرحم الراحمين وشفاعة الشافعين
قد تقدم في الأحاديث الصحيحة، أن الموحدين يمرون على الصراط فينجو منهم من ينجو، ويقع منهم من يقع في النار، فإذا دخل أهل الجنة الجنة، فقدموا من وقع من إخوانهم الموحدين في النار، فيسألون الله إخراجهم منها.
روى «زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵌، في حديث طويل سبق ذكر المرور على الصراط، ثم قال: حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فو الذي نفسي بيده، ما من أحد منكم، بأشد مناشدة لله، في استيفاء الحق من المؤمنين يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا إنهم كانوا يصومون معنا ويصلون معنا ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقاً كثيراً، قد أخذت النار إلى أنصاف ساقية وإلى ركبتيه، فيقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول لهم: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحداً، فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه نصف مثقال دينار من خيره فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا بإخراجه أحداً، فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، فيقولون: ربنا لم نذر فيها خيراً.
وكان أبو سعيد يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث، فاقرؤوا إن شئتم:
﴿إن
стр. 244
الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً﴾ .
فيقول الله : شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج بها قوماً لم يعملوا خيراً قط، قد عادوا حمماً، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل» ، وذكر بقية الحديث.
خرجاه في الصحيحين، ولفظه لمسلم.
والمراد بقوله: «لم يعملوا خيراً قط» من أعمال الجوارح، وإن كان أصل التوحيد معهم، ولهذا جاء في حديث الذي أمر أهله أن يحرقوه بعد موته بالنار، إنه لم يعمل خيراً قط غير التوحيد.
خرجه الإمام أحمد، من حديث أبي هريرة مرفوعاً، ومن حديث ابن مسعود موقوفاً.
ويشهد لهذا، ما في «حديث أنس، عن النبي ﵌، في حديث الشفاعة، قال: فأقول: يا رب، ائذن لي فيمن يقول لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي، وكبريائي وعظمتي، لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله» .
خرجاه في الصحيحين.
وعند مسلم: «فيقول: ليس ذلك لك، أو ليس ذلك إليك» .
وهذا يدل على أن الذين يخرجهم الله برحمته، من غير شفاعة مخلوق، هم أهل كلمة التوحيد، الذين لم يعملوا معها خيراً قط بجوارحهم، والله أعلم.
стр. 245
وروى أبو الهيثم، «عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵌، قال: يوضع الصراط بين ظهراني جهنم، عليه حسك كحسك السعدان، ثم يستجيز الناس، فناج مسلم، ومجروح به ناج، ومحتبس منكوس فيها، فإذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وتفقد المؤمنون رجالاً في الدنيا، كانوا يصلون بصلاتهم، ويزكون زكاتهم، ويصومون صومهم، ويحجون حجهم، ويغزون غزوهم، فيقولون: أي ربنا، عباد من عبادك، كانوا معنا في الدنيا، يصلون بصلاتنا، ويزكون زكاتنا، ويصومون صومنا، ويحجون حجنا، ويغزون غزونا ولا نراهم؟ فيقول الله : اذهبوا إلى النار، فمن وجدتموه فيها، فأخرجوه، قال: فيخرجونهم، وقد أخذتهم النار على قدر أعمالهم، فمنهم من أخذته إلى قدميه، ومنه من أخذته إلى ركبتيه، ومنهم من أخذته إلى أزرته، ومنه من أخذته إلى ثديه، ومنهم من أخذته إلى عنقه، ولم تغش الوجوه، قال: فيستخرجونهم، ثم يطرحون في ماء الحياة.
قيل: يا نبي الله، وما ماء الحياة؟ قال: غسل أهل الجنة قال: فينبتون فيها، كما تنبت الزرعة في غثاء السيل، ثم تشفع الأنبياء، في كل من كان يشهد أن لا إله إلا الله مخلصاً، فيستخرجونهم منها، ثم يتحنن الله برحمته، على من فيها، فما يترك فيها عبداً، في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، إلا أخرجه منها» .
خرجه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
وخرجاه في الصحيحين، «من حديث مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵌، قال: يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله عز
стр. 246
وجل: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة ـ أو حبة من خردل ـ من إيمان، فيخرجون منها، قد اسودوا، فيلقون في نهر الحياة أو الحياء شك مالك فينبتون، كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية؟» .
ولفظه للبخاري.
وعند مسلم: «فيخرجون منها حمماً قد امتحشوا» .
وفي الصحيحين أيضاً، «عن الزهري، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: يجمع الله الناس يوم القيامة، فذكر الحديث بطوله، وفيه ذكر جواز الناس على الصراط، ثم قال: حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل الكبائر من النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً، ممن دخل النار، يعرفون بأثر السجود، تأكل النار ما من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون منه، كما تنبت البية في حميل السيل» .
وذكر بقية الحديث.
وخرج مسلم، «من حديث يزيد الفقير، عن جابر، قال: قال: رسول الله ﵌: إن قوماً يخرجون من النار، يحترقون فيها، إلا دارة وجوههم، حتى يدخلوا الجنة» .
وخرج أيضاً، «من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي
стр. 247
صلى الله عليه وآله وسلم، قال: أما أهل النار، الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم ـ أو قال بخطاياهم ـ فأماتهم الله إماتة، حتى إذا كانوا فحماً، أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبابير ضبابير، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل لأهل الجنة: أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل» .
وظاهر الحديث، يدل على أن هؤلاء يموتون حقيقة، وتفارق أرواحهم أجسادهم.
ويدل على ذلك، ما خرجه البزار، من حديث عبد الله بن رجاء، «حدثنا سعيد بن مسلمة، أخبرني موسى بن جبير، عن أبي أمامة بن سهل، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: إن أدنى أهل الجنة حظاً ـ أو نصيباً ـ قوم يخرجهم الله من النار، فيرتاح لهم الرب تعالى، إنهم كانوا لا يشركون بالله شيئاً، فينبذون بالعراء، فينبتون كما تنبت البقلة، حتى إذا دخلت الأرواح أجسادهم، قالوا: ربنا، كما أخرجتنا من النار، وأرجعت الأرواح إلى أجسادها، فاصرف وجوهنا عن النار، فتصرف وجوههم عن النار» .
وروى مسكين أبو فاطمة، «حدثني اليمان بن يزيد، عن محمد بن حمير، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵌، إن أصحاب الكبائر، من موحدي الأمم كلها، إذا ماتوا على كبائرهم، غير نادمين ولا تائبين، من دخل النار منهم، في الباب الأول من جهنم، لا تزرق أعينهم، ولا تسود وجوههم، ولا يقرنون بالشياطين، ولا يغلون بالسلاسل، ولا يجرعون الحميم، ولا يلبسون القطران في النار، حرم الله أجسادهم على الخلود من أجل التوحيد، وحرم صورهم على النار من أجل السجود، منهم من تأخذه النار إلى قدميه، ومنهم من تأخذه النار إلى
стр. 248
حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه، على قدر ذنوبهم وأعمالهم، فمنهم من يمكث فيها شهراً، ثم يخرج: ومنهم من يمكث فيها سنة، ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مكثاً، بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى، فإذا أراد الله أن يخرجوا منها، قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله وكتبه ورسله، فنحن وأنتم اليوم في النار سواء، فيغضب الله لهم غضباً لم يغضبه لشيء مما مضى، فيخرجهم إلى عين في الجنة، وهو قوله تعالى:
﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ » .
خرجه ابن أبي حاتم وغيره.
وخرجه الإسماعيلي مطولاً.
وقال الدارقطني في كتاب المختلق: هو حديث منكر، واليمان مجهول، ومسكين ضعيف، ومحمد ابن خمير لا أعرفه في هذا الحديث.
انتهى.
وقد سبق حديث أنس، في الذي ينادي في النار ألف سنة: يا حنان يا منان ثم يخرج منها.
وروينا من طريق محمد بن معاوية، حدثنا حازم، عن الحسن، قال: أهل التوحيد في النار لا يقيدون، فتقول الخزنة بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء يقيدون وهؤلاء لا يقيدون؟ ! فناداهم مناد: إن هؤلاء كانوا يمشون في ظلام الليل إلى المساجد.
وقال مروان بن معاوية، عن مالك بن أبي الحسن، عن الحسن، قال: يخرج رجل من النار بعد ألف عام، قال الحسن: ليتني ذلك الرجل.
فصل ـ حسن الظن بالله
قال أحمد بن أبي الحواري: دخلت على أبي سليمان وهو يبكي،
стр. 249
فقلت: ما يبكيك؟ قال: لئن طالبني بذنوبي لأطالبنه بعفوه، ولئن طالبني ببخلي لأطالبنه بجوده، ولئن أدخلني النار لأخبرن أهل النار أني كنت أحبه.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن بالله تعالى بإسناده، عن علي ابن بكار، أنه سئل عن حسن الظن بالله، قال: أن لا يجمعك والفجار في دار واحدة.
وعن سلمان بن الحكم بن عوانة، أن رجلاً دعا بعرفات، فقال: لا تعذبنا بالنار بعد أن أسكنت توحيدك قلوبنا، قال: ثم بكى، وقال: ما إخالك تفعل بعفوك، ثم بكى، وقال: ولئن فعلت: فبذنوبنا.
لا تجمعن بيننا وبين قوم ظالمين، عاديناهم، فيك.
وعن حكيم بن جابر، قال: قال إبراهيم ﵇: اللهم لا تشرك من كان يشرك بك ومن كان لا يشرك بك.
قال ابن أبي الدنيا: وحدثني أبو حفص الصيرفي، أن عمر بن الخطاب، ﵁، كان إذا تلى:
﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت﴾ .
قال: ونحن نقسم بالله جهد أيماننا، ليبعثن الله من يموت، أتراك تجمع بين القسمين في دار واحدة؟ ! ثم بكى أبو حفص بكاء شديداً.
وروى أبو نعيم بإسناده، عن عون بن عبد الله، قال: ما كان الله لينقذنا من شر، ثم يعيدنا فيه:
﴿وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾ .
وما كان الله ليجمع بين أهل القسمين في النار:
﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت﴾ ، ونحن نقسم
стр. 250
بالله جهد أيماننا ليبعثن الله من يموت.
وقال محمد بن إسحاق السراج: حدثنا حماد بن المؤمل الكلبي، حدثني بعض أصحابنا، عن ابن السماك، قال: لما طلبني هارون الرشيد قال: تكلم وادع، فدعوت بدعاء أعجبه، وقلت في دعائي: اللهم إنك قلت: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت﴾ اللهم إنا نقسم بالله جهد أيماننا لتبعثن من يموت، أفتراك يا رب، تجمع بين أهل القسمين في مكان واحد؟ وهارون يبكي.
следующие страницы →