Полный текст (59 стр.). Показаны 36–59 · переход к 41.
стр. 36
وفي تلك الأيام بلغ حضرة الوزير أسعد باشا أن في دار ابن كيوان طاحونة قديمة، يقال لها طاحون الرهبان، قد تهدمت ولم يبق منها سوى رسوم أسفلها، وأنها مركبة على بانياس، فحالاً أمر حضرة الباشا بقطع نهر بانياس وأن يخرجوا جميع ما فيها من أعمدة وأحجار وينقلوهم إلى الدار. فاشتغلت الفعّالة والحجّارة والبساتنة، واستقاموا يقلعون الأحجار وينقلونها إلى دار الباشا اثنا عشر يوماً، والنهر مقطوع عن أصحابه.
وفي يوم الخميس سادس وعشرين ربيع الثاني من هذه السنة عمل حسن أفندي السفرجلاني وليمة لحضرة أسعد باشا والي الشام بالصالحية في قاعة ابن قرنق. وكانت ضيافة عظيمة، قيل تكلف عليه نحو إحدى عشر مئة غرش. فنظر حضرة الباشا إلى سروات شاهقات في داره، فطلب من صاحبهم علي آغا بن قرنق قطعهم لأجل عمارة داره، وعرض أسعد باشا صاحب العمارة عليه شيئاً من المال، فأبى أن يأخذ من ثمنهم شيئاً، وقطع له ثلاث سروات ليس لهم نظير في الشام ولا في غيرها. ونقل من قرية بصرى أحجاراً وأعمدة من الرخام شيئاً كثيراً، وأخذ من مدرسة الملك الناصر التي في الصالحية أعمدة غلاظاً جيء بهم محملين على عربات تجر بالبقر وهدم سوق الزنوظية الذي فوق حارة العمارة، وكان كله أقبية معقودة فأمر بفكه ونقله إلى داره المشار إليها. ونقل إليها أيضاً أعمدة من جامع يلبغا، وأنه مهما سمع ببلاط بديع أو أعمدة أو أحجاراً من أي محل كان يأتي بها شراءً وغير شراء.
قال المؤرخ أحمد البديري عفا الله عنه: وفي تلك الأيام قتل ابن خطاب الدالاتي في سوق البزورية وقت أذان العشاء، جاء ضرب سلاح على رأسه، أخذ نصف رقبته مع رأسه، فوقع قتيلاً كأنه ما كان. هذا ووزير الشام مشغول في عمارة داره، ولم يلتفت إلى رعاياه وأنصاره ويقول: ائتوني بحجارة المرمر والرخام والسرو، وتفننوا بالبناء والنقوش والتحلية بالذهب والفضة، وجلب عواميد الرخام على العجلات والبقر من بصرى، وخرب سوق مسجد الأقصاب، واستجلب جميع ما فيه من أحجار وأخشاب، وكل ما سمع بقطعة أو تحفة من رخام أو قيشاني أو غيرها يرسل فيأتي بها إن رضي صاحبها أو أبى. وإذا أراد الفقير أن يعمر أو يرمم لم يجد معمارياً ولا نجاراً ولا خشباً ولا مسماراً ولا تراباً ولا قصرمل ولا أحجار، وهذا مع غلاء الأسعار وحلول الأكدار. وقد أخذ حضرة الباشا قدراً وافياً من ماء قنوات، فما وصل إلى السرايا حتى تقطعت السبل ومياه غالب الجوامع والحمامات، وبقي مدة مقطوعاً حتى عن غالب البيوت.
وفي تلك الأيام عمل علي أفندي المرادي ضيافة لحضرة أسعد باشا في قرية ببيلة في طريق قبر الست، وكانت ضيافة حافلة في الغداء والعشاء.
وفي تلك الأيام أيضاً أمر حضرة الوزير أسعد باشا العظم متولي الجامع الأموي الشيخ إبراهيم الجباوي السعدي بأن يصلح أحوال الجامع المذكور ويتفقد مصالحه. فحالاً باشروا بترميم المئذنة الغربية، وأزالوا ما فيها من الأحجار العاطلة، وأزالوا ما به من الحصر والطنافس العتق، وفرشوه فرشاً جديداً بهمة حضرة الباشا.
وفي يوم الاثنين سادس جمادى الأولى خرج الحاج أسعد باشا وعمل سيراناً في أرض الغوطة، ومعه أكابر دمشق وأعيانها.
وفي يوم الجمعة عاشر يوم من جمادى الأولى والناس في صلاة الجمعة، ألقى رجل نفسه من قلعة دمشق إلى جهة قهوة المناخلية، فتكسرت يديه كذا ورجليه، وسبب حبسه أنه اتهم بافتضاض بنت.
стр. 37
وفي تلك الأيام بشهر آذار الرومي ثار ريح شديد عاصف ما سمع بمثله، تزلزلت فيه أقطار الشام، حتى ظن الناس أن القيامة قد قامت، وأعقبه برد ومطر شديد متراسل إلى آخر الليل. وفي تلك الأيام جاء رجل من الأتراك إلى دمشق، ومعه صحن من نحاس يضعه على عود ويفتله عليه، ويحذفه إلى أعلى قامتين، ويتلقاه على العود وهو يفتل، وينقله من إصبع وهو دائر يقتل، ويلمّ فلوساً من المتفرجين. ثم صارت أولاد الشام تفعل كفعله، فتعجب من ذلك وذكر أنه دار بلاداً كثيرة في الدنيا، وما قدر أحد أن يفعل كفعله، ثم سافر ولم ير بعد. وأغرب من ذلك أنه جاء رجل أيضاً من أبناء الترك قبل الذي ذكرناه يصفق بأصابعه، يضرب بالواحدة على الأخرى، ويدق برجله على الأرض دقاً محكماً، ويغني بالتركي والعربي، فتجمّع عليه الخلق ويعطونه فلوساً. فصارت أولاد الشام الصغار تفعل كفعله وأحسن. وذكر أنه دار في الدنيا مدناً كثيرة فلن يتعلم هذه الصنعة سوى أولاد دمشق، واندهش من ذكائهم.
وفي جمادى الآخرة قُتل رجل في محلة العقيبة، فسألت عن السبب، فقيل إنه رجل يشتغل بالفرن، فمضى إلى فرنه آخر الليل وسكّر باب داره وترك زوجته نائمة، فلما وصل إلى فرنه واستقر برهة، جاءه نذير، وأخبره أنه رأى رجالاً دخلوا داره، فجاء يعدو بالحال، فوجد السكرة، مفتوحة، فجسّ الباب فوجده مدربساً، فصاح على زوجته فأجابته، فقال لها من مَن عندك، فصاحت: واعرضاه من يكون عندي، فقال لها افتحي الباب، فتعللت بعدم قدرتها على فتح الباب، فصاح بشدة، وإذا قد فتح الباب وخرج منه رجال، فضربه أحدهم بطبنجة جاءت في صدره فقتلته حالاً، فلما طلع النهار أخبروا حضرة وزير الشام أسعد باشا، فأحضر المرأة بين يديه، وسألها فأنكرت فأمر بحبسها، فحبست وذهب دم زوجها هدرا.
وفي تلك الأيام أيضاً جيء لحضرة الوزير أسعد باشا بامرأة قتلت زوجها، فسألها عن السبب، فقالت له إنه تزوج عليّ، فلما كانت ليلتي نام وتركني، فقمت وقطعت ذكره، وقلت لا لي ولا لها، فمات من ذلك. فضحك حضرة الوزير، ولم يفعل بها شيئاً سوى أنه أمر بحبسها.
وفي اليوم الحادي والعشرين من جمادى الثانية من هذه السنة ذهب والي الشام إلى الدورة، ومتسلمه موسى آغا كيخية. فثاني يوم من ذهاب الباشا شنق متسلمه المذكور اثنين، قيل إنهم متاولة كانا يقطعان الطريق، ثم نادى أن لا أحد بعد صلاة العشاء يخرج لا بضوء ولا بلا ضوء. وهذا شيء ما سبق قط. ثم صار بنفسه يدور بالليل، وكان من الجبابرة. وبهذه السنة ثبت أول رجب السبت وليلة نصف شعبان كانت ليلة الاثنين، وأول رمضان كان الثلاثاء. وفي سادس عشر رمضان دخل ركب الصرّة أميني؛ ودخلت أيضاً خزنة مصر إلى الشام. وفي الحادي والعشرين منه دخلت البلطجية. وفي ليلة الرابعة والعشرين بعد صلاة التراويح قتل كردي يقال له كرا مصطفى في الحدرا، ولم يُعلم غريمه، فاتهموا فيه رجلاً بغدادياً، فتسلحت الأكراد، ونزلت حتى وصلت إلى الدرويشية وباب الجابية لعلهم يصادفون أحداً من البغّادة ليقتلوه فلم يجدوا، وكانت الخلائق في الدرويشية صفوفاً وألوفاً، فبهجوم الأكراد تفرقوا وهربوا، ودخل الخوف والرعب في قلوب الناس، وإلى الله المصير.
وبعد ثلاثة أيام حضر الباشا من الدورة، وكان دخوله مع أذان المغرب.
وفي سلخ رمضان يوم الوقفة قتل الأكراد اثنين من البغّادة لأخذ ثأر القتيل الكردي الذي قدمنا ذكره، فتسلحت البغادة والموصلية وساعدتهم التفكجية والقبقول، وطلبوا خان الأكراد، فرمى الأكراد عليهم طلقاً من الرصاص، فقتلوا جماعة وجرحوا، فرجعوا على الأكراد ونهبوا بعض قهواتهم، وأرادوا أن يعملوا جمهورية كذا ويقيموا فتنة في البلد. فنهاهم حضرة الوزير حفظه الله عن ذلك، بقيت الأمور مطوية. وكان عيد الفطر يوم الأربعاء، وقد صمنا رمضان تماماً، بعدما كنا صمناه أعواماً ناقصاً. وبعد أيام رحلت خزنة مصر إلى اصطنبول.
وفي سابع عشر شوال رحل أمير الحاج بالمحمل الشريف والموكب المنيف الحاج أسعد باشا العظم. وهذه السنة هي الثامنة من حجاته المتوالية. وثاني يوم جاء الحاج الحلبي. وفي الحادي والعشرين من شوال رحل الحاج الشامي والحلبي من الشام. وبعد خمسة أيام جاء حاج من العجم، وتبع الحاج إلى المزيريب من جهة اللجاة، ورحل الحاج من المزيريب يوم السابع والعشرين من شهر شوال.
стр. 38
وبعد رحيل الباشا نادى المتسلم على الفلوس الرملية كل إحدى وعشرين فلساً بمصرية، وأطلق البغدادي الذي اتهم بقتل القرا مصطفى الكردي، وكانوا قد رفعوه للقلعة، وبعد إطلاقه بأيام سكر وعربد وضرب حمّارين فقتلهما، فاختبطت البلدة، وأرسل المتسلم في طلبه، فهرب ولم يظهر له أثر، ولا وقفوا له على خبر، فقبضوا على مملوك له فخنقوه.
وقبل خروج حضرة أسعد باشا إلى الحاج الشريف بثلاثة أيام انتهت عمارة دار الباشا، التي هي للحريم، وفرشت بأحسن المفروشات، ونقل حرمه إليها.
وفي تلك الأيام حصلت وقعة عظيمة بين الدروز والمتاولة، ومع المتاولة أيضاً أولاد الظاهر عمر حاكم طبرية، وقُتل من الفريقين، وحصروا قتلى الدروز، فكانوا نحواً من تسع مئة قتيل، وهي فتنة كبيرة. وفي يوم السبت خامس ذي القعدة ضربت مدافع فسألنا عن الخبر، فقيل جاء من السلطنة مقرر إبقاء أسعد باشا العظم والي الشام.
قال المؤرخ البديري: وفي ليلة الأربعاء لعشرين مضت من شهر ذي القعدة من هذه السنة توفي الشيخ إسماعيل بن شيخنا وأستاذنا الشيخ عبد الغني النابلسي، مات عن ثلاثين ولداً من بنيه وأولاد بنيه، وعمر سبعة وسبعين سنة، لأن مولده سنة خمس وثمانين بعد الألف ووالده الأستاذ مولده سنة خمسين بعد الألف ووفاته سنة ثلاث وأربعين ومئة بعد الألف فيكون عمر الأستاذ والده ثلاثاً وتسعين سنة، وكانت وفاته بالصالحية ودفن في دارهم التي في العنبرانية قبلى الجامع الأموي، وحُمل نعشه للصالحية، ودفن في دار أبيه بجانب ولده الشيخ طاهر، رحمهم الله تعالى ونفعنا ببركاتهم أجمعين.
سنة ١١٦٤
ثم دخلت سنة أربعة وستين ومئة وألف، كانت هلّة المحرم نهار الثلاثاء، جعلها الله سنة خير وبركة علينا وعلى المسلمين. وفي ستة وعشرين من المحرم جاء جوقدار الحج الشريف، وبشّر عن الحج بكل خير من كثرة الرخص والمياه وغير ذلك ولله الحمد. غير أن الغلاء لم يفارق الشام، فقد دخلت هذه السنة ورطل الخبز بخمسة وبستة مصاري، ورطل الأرز بعشرة مصاري، ورطل اللحم بثمانية وعشرين مصرية، ورطل الدبس بتسع مصاري، وأوقية السمن بستة مصاري، والعملة مغشوشة، والفلوس غير منقوشة، والنساء باحت والرجال ساحت، والحدود طاحت، والأكابر مشغولة ومروءة الرجال مغلولة، إلى آخر ما قال المؤرخ.
وفي تلك الأيام جاؤوا بأربع رؤوس من العرب قطاع الطريق، أتى بهم عيسى بشه الحبش، أحد الزرباوات الهاربين، فعُفي عنه لأجل ذلك.
وفي تاسع وعشرين محرم جاء كَتّاب الحج، وذكر أن هذه السنة هي أريح وأجود السنين في أيام الحاج أسعد باشا والي الشام حفظه الله. غير أنهم جاءهم سيل عظيم في عسفان أوقعهم أياماً، ثم أمر الباشا بأن يجدوا في المسير حتى ترك من العشرة اثنين، هكذا ذكر لي بعض الحجاج. ودخل الحاج يوم الأربعاء ثاني صفر. وثاني يوم الخميس دخل المحمل الشريف، وأسعد باشا وأخوه سعد الدين باشا سردار الجردة بالموكب العظيم. وثامن صفر دخل قاضي الشام عبد الله أفندي سعيد زاده ليلاً وعليه جلالة وهيبة ولم يتكلم بقال وقيل. وبلغنا أن عثمان باشا المحصل حاكم جدة مات ودفن بها.
وفي تلك الأيام من هذه السنة جاء منصب حلب إلى سعد الدين باشا أخو أسعد باشا، فتحوّل من طرابلس بعياله وذهب من دمشق إلى حلب، وقد أشاعوا أن سلفه حاكم حلب كان ظالماً غاشماً، وقد خرب قرايا كثيرة، وعمر عماير كثيرة، أخذ غالب مصارفها من أهل حلب، وبنى بها جامعاً يدهش الأبصار.
وبعد مجيء الحاج أسعد باشا من الحج الشريف وجدنا داره قد تمّت عمارتها، فلما دخلها زاد فرحاً وابتهاجاً وسروراً، فذبح الذبائح وأعطى المنائح، وأقام بها بلذة عيش، وبلغه مجيء تقريره في الشام، فازداد شكراً لمولى الأنام. غير أن أهل الشام في أكدار من غلاء الأسعار، وبخل التجار وانفساد الأحرار وضعف الصغار، وعدم زحمة الكبار، والحكم لله الواحد القهار. فلقد صار رطل اللحم الشامي بقرش، ورطل السمن بقرش ونصف، ورطل لحم الجاموس بأربعة وعشرين مصرية، والسمك مثل ذلك، ورطل لحم الجمل بثمانية عشر مصرية، وأوقية الرز بمصرية، والعسل الأوقية بشاهية. ورطل الخبز بستة مصاري، والناس في أسوأ الأحوال.
стр. 39
وفي تلك الأيام وقع بيت بباب السريجة على امرأة وصبي صغير. في تلك الأيام أيضاً قتل كردي وزوجته في محلة سوق ساروجا. وسبب ذلك أنه كان حاجاً، ولما جاء وجدها متغيرة في أحوالها، ثم تبين أنها عابت في غيبته، وكان ذو كذا حسن وجمال فذبحها ولم يبال بأحد. وفي تلك الأيام أيضاً قتل رجل ابنته في محلة سوق ساروجا، وهي ابنة أربع سنين، فبلغ حضرة أسعد باشا أمرها وأن تلك البنت أمها مطلقة وخالتها امرأة أبيها غير محبة لها، فدست لأبيها عليها بعض الكلام، وكان أبوها من الحمق والجنون على جانب عظيم، فضربها بالعصا ضرباً مؤلماً، ثم ربطها بشجرة داره وبقيت طول الليل مربوطة إلى الصباح، فجاء ليحلّها فوجدها قد ماتت، وكانت ليلة ذات برد شديد، فأحضره أسعد باشا وأمر أن يضرب ضرباً شديداً، فضرب ثم وضع بالحديد بعدما أخذ منه أموالاً كثيرة. وفي يوم الأربعاء ثامن صفر الخير من هذه السنة توفي الشيخ محمد أبو قميص الكردي شيخ مدرسة المرادية. وسمي بأبي قميص لكونه إذا لبس قميصاً لا ينزعه حتى يتقطع، وهذا غاية في الزهد، وقد كان صائماً متهجداً، خرجت في جنازته الأكابر والأعيان لاعتقادهم في صلاحه، ودفن في تربة مرج الدحداح، ولما فُتحت حجرته وجدوا عنده عشرين ثوباً من الكتان جدداً وخمسة عشر نصف مقطع وسبعة قناطير حطب وعشرة أرطال أرز وقدرة سمن وقدرة عسل، وغير ذلك من المؤن. ووجدوا قدرة بها أرباع ريال ومثلها مصاري، وفيها ذهب وأمتعة وحوائج وبدراويتين ملآنتين قمصان، ووجدوا مقدار مئة كتاب قدّورهم بثمن عظيم. فانظر إلى زهد مثل هذا، فقد ذهب الصالح بالطالح.
وفي يوم الجمعة عاشر صفر توفي الشيخ إبراهيم إمام القشماسية، وكان فقيهاً صالحاً، ودفن بتربة باب الصغير ﵀. وفي يوم الجمعة اثنين وعشرين من ربيع الأول توفي العالم النحرير الشيخ أحمد الحرستي أمين الفتوى في بيت العمادي ﵀.
وفي تلك الأيام باع رجل جرة زيت إلى رجل آخر، فقبض ثمنها بعدما وزنها؛ ثم حملها إلى دار الرجل، وقال: أبقِ عندك هذه الجرة، فبعد ساعة آتيك وأفرغها لك، قال: لا بأس بل أنا أفرغها وأي وقت جئت تجد الجرة، ثم ذهب صاحب الزيت، وبعد ساعة فرغها المشتري، فوجد بها أربع أواقٍ من الزيت والباقي ماء صافياً، فطلب الرجل فلم يجده.
وفي يوم السبت سلخ ربيع الأول قتل قبقولي رجلاً من الأشراف في مأذنة الشحم، ضربه بخنجر في صدره أخرجه من ظهره، وترك الخنجر مغروزاً فيه، حتى أخرجه قاضي كشف عليه ثم ألقوا القبض على القاتل، وقامت الأشراف، وثبت عليه القتل فحبسوه في القلعة، وفي تلك الليلة خنقوه.
وفي يوم الأربعاء غرة جمادى الأولى توفي الشيخ محمد بن الشيخ شعيب الشهير بالشيخ جينة القاطن بحارة باب السريجة. كان ﵀ ضحوك السن لطيفاً على غاية من الصلاح، ودفن بباب الصغير رحمه الله تعالى. وفي ثامن جمادى الأولى اغتيل رجل شقي من الصالحية يعرف بالفستقي، كان كما قيل داهية دهماء ومصيبة عظماء، شجاع يرد مئة شجاع بعصا، سارق ما سمع بمثله بين اللصوص المشتهرين بالحيل، فمن حيله وشطارته التي ما سمع بنظيرها أنه متى وضع يده على أعلى حائط فمتى علق ظفره به صار أعلاه، والمدهش أن يكون ظهره للحائط، وإذا وضع في أي مكان وأغلق عليه الباب وقفل، خرج منه مهما كان، وهذا كله ولم يجاوز العشرين سنة من عمره، ثم إنه بغى على أهل الصالحية خصوصاً وعلى غيرهم فأعياهم أمره، فجعلوا لشخص جُعلا على قتله، فاغتاله بعد ما عمل معه صحبة، وقتله وراح وكأنه ما كان.
وفي يوم الثلاثاء جاء خبرٌ إلى دمشق بأن ليلة الاثنين قُتل حاكم بعلبك الأمير حسن، وقد كان خارجاً من الجامع، فاغتاله ثلاثة أشخاص، ورموه بثلاث بنادق وفروا هاربين وحمل إلى داره. وفي اليوم الثاني توفي، وقد قيل بأن القاتلين له إخوته، حيث أن له من الإخوة سبعة، والله أعلم.
وفي تلك الأيام فرض والي الشام أسعد باشا على الزعماء والأكابر والتجار بأن يأتوا له من مدينة حماة بقمح، ويكون أجرته منهم، فذهب بعضهم وأتى بقمح كثير، فبيعت الغرارة بإحدى وثلاثين غرشا، ولم نستفد غير وجوده، وأما الغلاء فإنه باق بجميع الأصناف كما قدّمنا تسعيره.
стр. 40
وفي ليلة السبت توفي موسى كيخية أسعد باشا والي الشام ودفن بباب الصغير قريباً من تلة الشاغور، وصار له مشهد عظيم. كان ﵀ هضيم النفس، طلب علما في أول أمره، عنده شفقة ورأفة ويحب المسألة ومصالحة الخصوم، حتى صارت الشام وما حولها حتى من العربان طوع يده، وخلف ثلاثة من الولد أحدهم صار حاكم القدس، والثاني حاكم غزة، والثالث صغير من امرأته الشامية، واستقام في الكخوتية من حكم سليمان باشا إلى سابع سنة من حكم ابن أخيه أسعد باشا.
وفي يوم الاثنين ثاني وعشرين من جمادى الثانية قُتل اثنان من رعيان التركمان في أرض الغوطة في المحفرة، أحدهما عاش، فسئل عمن فعل بهما ذلك، فأخبر أن بعض المغاربة ظن أن معهما مال. فبعدما أوقعوا بهما ذلك الحال، وجدوا مع أحدهما ربع ريال، والثاني قليلاً من الفلوس، فرجعوا خاسرين الدنيا والآخرة.
وفي تلك الأيام كبَّر أسعد باشا داره الجديدة الذي ما صار نظيرها ولا عمل مثلها ولا وجد في الكون لها مثيل. وبينما النجارين كذا يرفعون السقائل لأجل رفع الطوان وقع ثمانية أنفار من النجارين فتهشموا، ولم يقتل ولله الحمد منهم أحد، فأمر حضرة الباشا بأن يرسلوا إلى بيوتهم، وأعطى كل واحد منهم نصف ذهب. وفي ذلك العام اشترى أسعد باشا والي الشام من الصالحية ومن أرض العنابة ومن غيرها أراضي وبساتين.
واشترى كذلك سوق الدق وما حوله من الدكاكين، ومراده أن يعملهم قيسارية ليس لها نظير في قيسارية الشام.
وفي يوم الجمعة توفي بقية السلف الصالح معتقد أهل الشام على الإطلاق الشيخ عبد اللطيف بن عبد الهادي، وقرئ نسبه عند إقامة الصلاة عليه في مقصورة الجامع الأموي، فوجد بينه وبين سيدنا عمر بن الخطاب ثلاثون جدّاً. وصار له مشهد عظيم ودفن بمقبرة مرج الدحداح، رحمه الله تعالى.
وفي يوم الاثنين سلخ جمادى الثانية دخلت أرطة القبقول يتمش إيكي، فخرجت لملتقاها كل من لف برمه مع مئتين تفكجي وجماعة من الدالاتية، كل ذلك بأمر الباشا، ودخلت بعراضة أي موكب ولا موكب الحج الشريف، وخرجت الناس للفرجة رجالاً ونساءاً كباراً وصغارا، وزينوا لهم حارة العمارة بالقناديل والمشاعل ودخلوا بكبر وجبر وعتوّ، نسأله تعالى العافية.
وفي تلك الأيام أرسلت الدولة العلية تطلب من حضرة أسعد باشا منافح النوق وشرش جنزبيل، فحالاً حضرة الباشا استجلب من عرب الجبلة ثلاثة نوق لم يأكلوا إلا حليب أمهم، فذبحوا كذا واستخرجت منافحهم، وأرسلهم حضرة أسعد باشا مع شرش الجنزبيل مع ثلاث نياق حبالى حاملات يصحبهم ثلاثة طواشية.
وفي تلك الأيام وصل خبر إلى دمشق الشام بأن سعد الدين باشا الذي هو أخو أسعد باشا جار على أهل حلب، فغلّى الأسعار، وطلب منهم مئتي كيس غرش، لكونه توجهت عليه سردارية جردة الحاج، فأبوا أن يعطوه، ووقع جدال عظيم، وبطلت صلاة الجمعة وقتل منهم جماعة. وثاني يوم كان رطل الخبز بعشرة مصاري، فنادى عليه بأربع مصاري، واللحم كان بثلاثين الرطل، نادى عليه باثني عشر مصرية، فأرسلت أعيان حلب عرض إلى الدولة العلية بما جرى. ولم ندر ماذا يكون بعده.
وفي أوائل شعبان من هذه السنة وصل خبر إلى دمشق بأن ابن الحرفوش حاكم بعلبك المتوالي الرافضي المشهور قبض على المفتي وعلى أخيه وأحرقهم بالنار، وهدم دارهم وقطع كرومهم. وقد كانت هذه العائلة الخبيثة الحرفشية لعنها الله قبل أعوام قتلت أيضاً الشيخ يحيى مفتي بعلبك المشهور بالعلم والكرم.
وفي تلك الأيام شنق رجل نفسه في جامع يلبغا بشجرة فيه ليلا، فأصبح الناس فوجدوه مشنوقا، ولم يعلم السبب. وفي تلك الأيام وقع باب بستان على رجل في الصالحية يقال له السيد إبراهيم الحلواني من حارة السويقة، فحملوه إلى داره، ومات في اليوم الثاني.
وكان أول رمضان من هذه السنة نهار السبت، أثبت في الساعة السادسة ليلا. ونهار الاثنين ثالث رمضان قُتل آغة القبقول في القلعة بعد العصر، والذي قتله أحد جماعته بتدبير من أحد الآغتين المعزولتين، لأن بدمشق ثلاثة أغاوات للقبقول، أحدهما كذا الموظف المقتول والاثنان المعزولين تبرحا عليه حسدا، فاغتالاه وذهب دمه هدرا. وقتل أيضاً محمد بشه بن شمس في وادي القرن ولم يعلم قاتله. وسادس رمضان دخل الصرة أميني إلى الشام. وكان العيد الاثنين والصوم تماماً.
стр. 41
وفي هذه السنة جاءت حجاج كثيرون من العجم، وهم على ما نقلوا ألف وست مئة عجمي، ما عدا البغّادة والعرب، وصار جبر خاطر لعموم الناس في البيع والشراء. وجاء مع العجم ربيّات ذهب كل واحدة بثلاثة عشر غرشاً ولؤلؤ كبير وصغير وأحجار ومعادن وشال وغير ذلك. وخرج المحمل يوم الخميس ثامن عشر شوال، وخرج الحاج يوم الجمعة بعد المناداة مرارا بأن لا يبات أحد من الحجاج إلا خارج باب الله. وخرج المتسلم والبلطجية بعد العصر وأناس بالليل والباقي ضحوة السبت. وهذا شيء ما سبق على ما نعلم.
وفي شوال بهذه الأيام صار حرٌّ شديد لا يطاق، حتى نشفت الأعين والآبار، فقد غارت قناة بيت راس التي هي قرية من ببيلة في طريق قبر الست ونشفت واندرست، حتى كأنها لم تكن. وعلى أثر جفاف الأعين وقلة المياه جاء زيادة ماء، حتى صارت الماء مثل الطحينة. ونهار الأربعاء ثامن ذي القعدة جرس رجل، قيل إنه يدق الزغل من المعاملة. وركب حمارا بالمقلوب وسخم وجهه بالسواد، وآلة العمل على صدره، وداروا به البدل كلها. ومع هذا فالغلاء واصل لحدّه: فرطل اللحم بستة وعشرين مصرية، والأرز بعشرة مصاري، والخبز بخمسة مصاري، إلى آخر ما قدمنا.
وفي منتصف ذي القعدة ورد حاكم حلب سعد الدين باشا أخو أسعد باشا ابن العظم إلى دمشق، سردار إلى جردة الحج، ورحل بها نهار الخميس غرة ذو الحجة.
سنة ١١٦٥
ثم دخلت سنة خمس وستين ومئة ألف نهار السبت فاستبشرت الناس بقدومها، حيث ليلة الهلّة هطل مطر غزير وفرحوا وزرعوا وفلحوا، وبدت ترخص الأسعار، غير أن ما فيه أن يفتش على الخلق بالرحمة والرأفة من الحكام والوجوه، والخزّانة كثيرون والأكابر ساكتون والحكام يأكلون، فإنا لله وإنّا إليه راجعون، وانظر غلاء الأسعار: فقد أقبلت هذه السنة بخيراتها وبركاتها، ورطل الخبز بأربع مصاري، والدبس أربع أرطال إلاّ ثلث بقرش، ورطل السمن بقرش ونصف، ورطل البصل بأربع مصاري، ورطل الثوم بسبعة مصاري، ورطل الفحم بأربع مصاري، وعلى هذا فقس. فالأغنياء منعّمون والفقراء صابرون.
قال المؤرخ عفا الله عنه: وفي يوم الاثنين عاشر المحرم من هذه السنة ورد فرمان من الدولة العلية بأن حضرة خليل أفندي البكري صار قاضياً في دمشق الشام، وسجلوا الفرمان، وجلس مكانه ولده أسعد أفندي البكري إلى مجيء أبيه كما يأتي.
ونهار الأحد ثاني وعشرين محرم ورد جوقدار الحج الشريف يبشر عن الحجاج بكل خير، وأن الحاج وقف بعرفات يوم الجمعة. وهذه السنة التاسعة من حجج حضرة أسعد باشا المتواليات. وهذا ما سبق لغيره، والحمد لله الذي أعطاه. وفي ثاني يوم دخلت خزنة مصر إلى دمشق. قال المؤرخ: ومعها نسيبنا شيخ السعدية في الديار المصرية الشيخ يحيى أفندي الجباوي، أخو الشيخ إبراهيم الجباوي الشاغوري من أبيه. وفي يوم الثلاثاء غرة صفر الخير كان دخول ركب الحج الشامي إلى دمشق، ولم يروا أدنى مكدر كما أخبروا، غير أنهم جاءهم في هدية برد كبير كل بردة وزنها ستون درهماً، ولم يحصل منه أذية.
وفي تلك الأيام بلغنا أن أهل مصر طردوا كل غريب، والذي يجدونه بعد نهبوا ماله وعذبوه أشد التعذيب. وفي أوائل ربيع الأول دخل خليل أفندي البكري قاضياً لدمشق الشام، ففرحت ناس وغمت ناس، وظنوا أن معه أمور من تغيير وتبديل وتفتيش، فلم يقع شيء من ذلك. وفي ليلة الأربعاء سادس عشر ربيع الأول توفي العالم الجليل شيخ الشافعية في دمشق الشام، بل شيخ شيوخ الفضلاء من علمائها الأعلام، شيخنا وأستاذنا الشيخ على كزبر، وصلينا عليه صلاة الظهر في جامع الأموي، ودفن بتربة باب الصغير من قبلي أوس بن أوس الثقفي. وقبل وفاته عمل وصية. ومن جملة ما أوصى بخمسين قرشاً لتعمير القبور الذي حول قبره، فكانت منه كرامة، لأن ساعة دفنه تهدمت قبور كثيرة من تزاحم الخلق المحتاطين بجنازته. رحمه الله تعالى، وأعاد علينا من بركاته. وفي ليلة الثلاثاء سلخ ربيع الأول وجد السيد محمد بن السيد أحمد خادم سيدي أبي الدرداء مذبوحاً بداره التي بداخل القلعة، وكان له عبد ومملوك فلم ير لهما أثر، قيل قتلاه، والله أعلم، وذهب كأنه ما كان.
стр. 42
وفي تلك الأيام توفي حسن أفندي بن حمزة نقيب الأشراف سابقاً، وحضر الصلاة عليه حضرة والينا حاكم الشام أسعد باشا العظم وقاضيها خليل أفندي البكري الصديقي ومفتيها حامد أفندي العمادي ونقيبها الحالي محمد أفندي العجلاني وعلي أفندي المرادي وأكابر الشام وخلق كثير، ودفن بمقبرة مرج الدحداح، رحمه الله تعالى.
وفي اليوم الثاني توفي العالم الجليل إمام المحرابين اللذين للشافعية الشيخ المصري وهو الذي جاب ماء السمرمر، وكان يحب قضاء الحوائج لعباد الله، ودفن بمقبرة الدحداح، رحمه الله تعالى.
وفي غرّة جمادى الثانية توفي حسن جلبي بن السفرجلاني، وكان من الصدور في الشام. وبهذا النهار مات ثلاث مشايخ حرف في الشام: الشيخ عبد القادر شيخ الحلوانية، وشيخ الحلاقين الأسطه محمد البوشي، وشيخ القواقجية الأسطه محمد. وفي يوم الخميس ثالث جمادى الثانية نزل برد بدمشق، وزنت واحدة جاءت سبعون درهماً.
وهذه السنة كثيرة الأمطار والخيرات والبركات، وقد نبتت حبة الحنطة اثنين وعشرين قصلة سنبلة، حتى نقل لي بعضهم أن حبة قمح نبتت فوق سطح بيته، فوجدها بعد شتلها اثنين وعشرين قصلة أي سنبلة، مع ذلك فكل شيء غالي: فرطل السمن بأيام كثرته عشرة أواق بقرش، والدبس ثلاث أرطال بقرش، والبصل خمسة أرطال بقرش. وكل شيء على أسعار ما قدمناه، والحكم لله.
وفي هذه المدّة عمّر حضرة الحاج أسعد باشا بن العظم والي الشام طريق الميدان من باب المصلّى إلى باب الله، ولم يظلم أحداً بذلك ولا أخذ من أحد شيئاً.
وفي أوائل شهر رجب قدم الأمير ابن الظاهر عمر حاكم طبريا وعكا، فتلقّاه حضرة أسعد باشا بواسطة موسى كيخية وخلع عليه وأكرمه وطيّب خاطره من جهة أبيه، لأنه كان بينه وبين أبيه الظاهر عمر أمور، فأصلح الباشا بينهما.
وفي تلك الأيام عمّر خليل أفندي البكري القاضي المتقدم ذكره المأذنة التي فوق المارستان. وفي هذه الأيام جاء قبجي من الدولة العلية بطلب السيد محمد أفندي المرادي ليتمثل بين حضرة السلطان الأعظم، وأن يجلب مكرماً، وأن يعطيه أربعين كيساً، فأعطي المبلغ المذكور وحمل بتخت روام، وقدمت له أعيان الشام وأكابرها الهدايا العظام من الدواب والأموال والملابس الفاخرة، وخرجت إلى وداعه الأعيان مع حضرة والي الشام الحاج أسعد باشا العظم، وكان خروجه من دمشق نهار الاثنين تاسع رجب الفرد من هذه السنة.
وبهذه الأيام توفي أحمد أفندي ديوان أفندي الباشا وهو الذي عمّر القصر في حائط الأحمدية في سوق الأروام، فمات عن غير ولد ولا وارث. قيل بلغت تركته سبع مئة كيس أكثرها من النقود الذهب، فأخذهم حضرة الباشا، والله يفعل ما يشاء. وفي تلك الأيام تعطلت مياه حارة الشاغور، ففرض على أصحابها أموال كثيرة، فاشتكوا لحضرة أسعد باشا والي الشام حفظه الله، فأمر أن لا يأخذوا من أحد شيئاً، بل أمر أن يدفع من خزنته خمسة عشر مئة غرش لعمل الماء وإجراء السيل.
قال المؤرخ البديري عفا الله تعالى عنه: خرجت لزيارة السيدة زينب ومعي ولدي مصطفى، نتلو كلام الله في طريقنا، إلى أن وصلنا إلى الست ودخلنا مزارها، وتفرجنا على العمارة التي عمّرها الحاج أسعد باشا العظم به في هذه السنة، فعمل بها داخل الحريم قصرين وإيوان ومشارق ومنافع، وغير ذلك مما خلد له الذكر بها، ووجدنا حضرة ابن عم الباشا مصطفى بيك حفظه الله قد زخرف حيطانها وسقوفها وحسّن بنيانها، وشرع في عمارة الحمام في هذا العام ونحن هناك. فجزاهما الله تعالى على هذا العمل الخيري أحسن الجزاء آمين.
وفي أول ليلة شهر شعبان سافر حضرة الحاج أسعد باشا إلى الدورة. وثاني ليلة من سفره قُتِلَت امرأة في أوّل الليل بين حارة السويقة وحارة قبر عاتكة ولم يتحقق قاتلها. وقد ثبت رمضان الخميس، ونائب السياسة موسى كيخية، وقاضي البلد خليل أفندي البكري، وأسعار الخبز وغيره كما ترى: فرطل الخبز بثلاث مصاري وبأربعة وبخمسة، وغرارة القمح باثني عشر قرش، ورطل اللحم بعشرين مصرية، ورطل الرز بعشرة مصاري في أيام موسمه، والدبس ثلاث أرطال وثلث بقرش، والوقية بمصرية وقطعة، ورطل البصل بثمانية مصاري، والحطب الرطل بمصرية، والسنديان قنطاره بمئة مصرية وعشرة مصاري. ولا أحد يسأل ولا كبير يتكلم، والفساد كثير والمولى خبير.
стр. 43
وبهذا الشهر في جامع الأموي جلس رجل يعدّ ذهباً معه، جاء رجل وخطفهم أمام مئات من الناس، وأسرع في الجري فصاح صاحبهم، فأدركه بعض أعوان السياسة، فأعطاه شيئاً من الذهب فتركه. وبهذا الشهر أيضاً رجل حمل ولده وعلى رأسه شيء من الدنانير، فتبعه لص حتى دخل حامل الولد زقاقاً، فخطف الدنانير والطاقية وذهب. وفي ليلة السبت عاشر رمضان بعد ما سكّر بوّاب حرم الأموي الأبواب نام، فجاء المؤذنون وطرقوا باب الجامع، فقام ليفتح لهم فوجد ثيابه مفقودة، فأعلمهم بذلك، فدخلوا وسكّروا وفتّشوا الحرم جميعهم، فلم يجدوا أحداً والأغرب أن جميع الأبواب مسكّرة، ثم ذهبوا لجهة الضريح، فوجدوا ثمانية قناديل من فضة مفقودة وقنديل واحد من ذهب، ولم يعلم لهم غريم.
وفي سابع رمضان المبارك جاء ركب الصرة أميني من إصطنبول. وفي يوم الخميس في نصف رمضان دخل حضرة الوزير أسعد باشا إلى الشام حين كان غائباً في الدورة، وهو والحمد لله في غاية الصحة والسلامة. وفي يوم السبت سابع عشر رمضان جاءت البلطجية من إسلامبول ومعها اثنان وعشرون تخت أروام ومعها أيضاً ابن الوزير الأعظم المنفصل عن الوزارة في هذه السنة ومعه الملكة وطواشي كبير، وأخبروا أن الدولة العلية متضعضعة.
وفي يوم الجمعة كان يوم عيد الفطر، وصار في ذلك اليوم هزّة عظيمة، وهي فتنة صارت بين المغاربة وأولاد الشاغور، وسكنت ولله الحمد من غير قتل أحد. ونهار الاثنين رابع عيد الفطر غرق شاب في نقب الربوة وما ظهر له أثر. وفي ليلة الخميس خامس شوّال قُتِل إبراهيم آغا ابن قوسر، قوس في داره التي في قبر عاتكة، ولم يُعلَم قاتله.
ونهار الأحد سابع عشر شوّال رحل أسعد باشا العظم حفظه الله بموكب المحمل الشريف. وكانت السنة العاشرة من حجاته المتواليات بالركب الشامي أميراً ولدمشق الشام وزيراً. وبذلك اليوم جاء الركب الحلبي، وقبله بيومين جاءت قافلة العجم، وهي قليلة بالنسبة للعام الذي قبله، وقد نزلوا في الخراب والسويقة. وفي تاسع عشر شوال سار ركب الحج الشامي من دمشق بالسلامة قاصداً بيت الله الحرام. وبعد أيام نادى حضرة محمد آغا المتسلم على اللحم الرطل بثمانية عشر مصرية، وسمر جماعة من اللحامة، ولم يقبل رشوة ولا برطيلاً، وعدل في حكمه وفّقه الله تعالى حتى صارت الفقراء تدعو له جهاراً. وبعد مدة سعّر جميع البضائع وشدّد، وصار يأخذ بيد كل من يشتكي له، جزاه الله خيراً. وفي ذلك العام خزن الفحم، ففتش المتسلم وسعّر، فلم يفد ذلك شيئاً، ولم يصل أحد للفحم إلاّ من كان قويّاً مثل القبقولي والدالاتي.، ولم يجد المتسلم له بهذا الخصوص مساعد.
سنة ١١٦٦
ثم دخلت سنة ستة وستين ومئة وألف بنهار الثلاثاء أو الأربعاء جعلها الله سنة خير وبركة ورحمة علينا وعلى خلق الله أجمعين.
وفي غرتها أي غرة محرم دخل قاضياً للشام من أبناء الترك واسمه صالح ملاّ، فنزل من دار علي آغا بن الترجمان قريباً من باب القلعة وبطل الحكم من المحكمة القديمة المسماة بالكبرى.
وفي تلك الأيام وقع برج القلعة وأخذ البدن كله من بابها، وهكذا إلى آخر البرج من جهة القبلة، ولم يُقتل سوى رجل من القلعة. وفي تلك الأيام نزلت مطر كأفواه القرب ثلاثة أيام متوالية، أذهبت غالب مساطيح الزبيب وأتلفت البيادر. وبهذه الأيام في العشر الأول من المحرم شنق متسلم الشام ثلاثة أشخاص من اللصوص في شجرة الدالية التي في المرجة أمام باب التكية.
في منتصف محرم جاءت بشارة لدمشق: وهي مقرر لحضرة الحاج أسعد باشا والي الشام. وفي ليلة الاثنين ليلة عشرين من المحرم شنق المتسلم لصّاً في السويقة وقطع يد رجل نشّال. وفي سلخ محرم جاء كتّاب الجوقدار، وأخبر أن الحج في هذه السنة ذهب وآب من طريق الفرعي، وخرجت عليهم عرب وقضوا مشقة عظيمة، وصارت مقتلة جسيمة، ووقع نقص بالحاج وبالعسكر خصوصاً في المغاربة.
стр. 44
ومات في تلك السنة قبوجى لر أغاصي وشيخ الزبداني، وشنق الباشا السيد حسن شيخ شباب باب المصلى، وقتل أيضاً جماعة من الأشقياء، ودخل الحاج الشريف يوم الثلاثاء خامس صفر. ودخل أمير الحاج أسعد باشا بموكب المحمل يوم الأربعاء، وفي منتصف ربيع الأول نبّه الحاكم على أن لا يروج الفلوس المكسور منهم والرصاص. وثاني يوم نادى المنادي على الفلوس الصحيحة كل اثني عشر بمصرية بعد ما كانت كل أربعة وعشرين بمصرية، وأن لا يروّج منها إلاّ القسطنطيني، فحصل للناس ضيق عظيم، وسكّرت غالب البلد، ثم نادى منادي الحاكم كل أربعة وعشرين بمصرية. وأرجعهم على حالتهم الأولى. ولكن لله الحمد والمنّة، الناس في أمن وأمان ورخص ورخاء في جميع البضائع ما عدا اللحم، فإن رطله بثمانية وعشرين مصرية، وأما غيره فرطل الخبز بثلاثة مصاري وبمصريتين ونصف، وغرارة القمح بخمسة عشر قرشاً أو أقلّ. وعلى هذا فالحمد لله فليقس.
وفي ثالث ربيع الثاني توفي العبد الصالح الشيخ مصطفى الكردي من أبناء الترك والأغوان، فيتكلم بالتركي والكردي والأغواني، وكان على صلاح عجيب، وكان دائماً متسلّحاً بالسلاح الكامل متقلِّداً به ليلاً ونهاراً، ولا ينام إلاّ متقلِّداً به، وإذا دخل الحمّام دخل بالعدّة الكاملة، وكان قليل الكلام لا يتكلم مع أحد، وفي بعض الأوقات يتكلم ويسبّ بالتركي، ويوم وفاته صار له مشهد عظيم، ودفن بمرج الدحداح، رحمه الله تعالى.
وفي تلك الأيام من هذه السنة شرع حضرة أسعد باشا في عمارة القيسارية التي في البزورية التي عزَّ نظيرها في الدنيا، وذلك بعد ما هدم قيساريتين ودور ودكاكين وجعلها قيسارية واحدة بهذه الصفة التي لا نظير لها، وفي يوم الأربعاء تاسع ربيع الثاني وقع حائط جامع الشيخ عارودك غربي الصالحية على إمام الجامع المذكور وعلى ثلاثة أشخاص معه، فماتوا جميعاً عفى الله عنهم. والعجب أن هؤلاء الأربعة كل واحد منهم اسمه محمد، وهو اتفاق عجيب، ودفنوا بيوم واحد. وفي سلخ ربيع الثاني ربط غلام مراهق رسن فرس في زنّاره، وجلس يتوضّأ على نهر قرية القدم عند قبة العسالي، فجفلت الفرس وصارت تعدو والغلام مربوط برسنها، وتكرّ وترفس الصبي حتى وصلت إلى باب الله، فمسكوا الفرس فوجدوا الغلام قد تهشّم وتطع ومات، والغلام ابن أحمد بشه السحار القبيباتي، والفرس لأبيه. فأعلموا حضرة أسعد باشا حفظه الله فأمر بدفنه، ولم يلحق بأحد ضرراً.
وفي تلك الأيام جاءت خزنة مصر وبقيت أياماً ثم سافرت، وفي تلك الأيام نهبت اللصوص ضرايح الصحابة والأولياء، ففي غرة رجب قلعوا شباك سيدي بلال الحبشي، وأخذوا حديده وثوباً مقصباً كان على تابوته وشدقتين من حرير وسجادتين وغير ذلك. وأخذوا شباك الشيخ عبد الجبار ابن سيدي عبد القادر الجيلاني، مزاره غربي باب الصغير، وأخذ ثوب تابوت سيدي أبي بقبلي مقبرة الشيخ رسلان.
وثاني رجب من هذه السنة توجّه حضرة الوزير الحاج أسعد باشا والي الشام يريد الغزو على عرب البلقاء، فأخذ معه من رجال القرى وهم الفلاحون ألف ومئة فلاح، واستجلب عساكر من حمص وحماة والمعرّة وجبل الدروز والمتاولة ومن نابلس والقدس وصفد ما عدا عرب السردية وغيرها. وخرج بمال عظيم. وسكّرت تلك الأيام الأسواق ومنعت النساء من الخروج وعظمت الأمور. ثم في أثناء هذا الشهر وردت الأخبار بأن حضرة الباشا سار بالعسكر إلى فوق البلقاء، ودخل بمكان يقال له الوكر، وهزم ابن عدوان هو وعربه ونهبوهم العسكر عن بكرة أبيهم. وذهب الباشا إلى الدورة من هناك. وبهذه السنة ثبت رمضان بالرؤيا، فصمنا الاثنين. وفي ليلة العاشر من رمضان جاء الباشا من الدورة، وجاء العسكر مع الكيخية بعد يومين. وفي هذا الشهر فُقد حاجي غريب في خان الحرمين بباب البريد، فاتهموا به رجل من أبناء الترك غلينجي، فقبضوه وعذّبوه وأخذوا ماله وأطلقوه. وبهذا الشهر ظهر قتلى كثيرة من رجال ونساء ولم يُسأل عنهم. وكل شيء موجود والغلاء يلعب في جميع البضائع، وقد شحنت الشام من سائر أصناف الخلق، وامتلأت غالب المواضع، وكان عيد الفطر يوم الأربعاء.
стр. 45
وفي يوم الثلاثاء رابع عشر شوال خرج المحمل الشريف بالموكب المنيف وبالأمير الخطير الحاج أسعد باشا. وكانت الحجة الحادية عشر من حجاته المتواليات. وفي تلك الأيام جاء طوخان إلى مصطفى بيك بن إسماعيل باشا العظم أخي أسعد باشا، وأن يكون محافظاً للجردة مع أخيه سعد الدين باشا أميرين في سفر الجردة. وقبل خروجهم بيوم قامت قبقول دمشق قاطبةً بالأسلحة، وعملوا جمهوراً، وقامت اليمق على الأرطلية. وهذه الفتنة بسبب رجل صار قبقولي فما قبلوه ولا ارتضوه، وسكّرت الأسواق واشتغل ضرب الرصاص وجرحوا بعضهم بعضاً، وما صلح الأمر إلاّ بتبطيل الرجل من الوجاق، وعزل الأضباشي والأصطا. وكان عيد الأضحى هذه السنة يوم الأحد. وطلعت أخبار في تلك الأيام بتغيير السلطان ومجيء أحمد باشا ابن القلطقجي، فارتبكت وانخبطت القبقول، ثم بان بأن الأمر كذب لا أصل له، وحرقوا الخشبة وداروا في الأسواق. وفي يوم الجمعة والناس في صلاتها سلخ ذي الحجة كسفت الشمس.
وفي تلك الأيام جاء خبر بأن محمد باشا حاكم صيدا مات وكان على ما نقلوا أنه ظالم غاشم مصادر الناس بأموالها، حتى هرب أهل صيدا إلى جميع البلاد.
سنة ١١٦٧
ثم دخلت سنة سبع وستين ومئة وألف يوم السبت وبهذا اليوم سافر قاضي الشام صالح منلا طالباً إسلامبول. وفي سابع المحرم قدم القاضي الجديد، ونزل في محكمة النورية المسماة بمحكمة الباب. وفي ثامن عشر قتل أحمد آغا بن سنان في باب المصلى، وهو من قرية قريبة من قطنا.
وفي ليلة الجمعة عشرين من المحرم توفي بقية العلماء الأعلام مفتي السادة الشافعية وأفصح من نطق بالعربية الشيخ محمد أفندي الغزي، ودفن بمرج الدحداح، رحمة الله عليه وعلى أموات المسلمين.
ونهار الثلاثاء رابع وعشرين المحرم قدم جوقدار الحج الشريف مبشِّراً بكل خير عميم. وفي أثناء هذه الأيام جاء مقرَّر الشام لحضرة الحاج أسعد باشا والي الشام.
وفي يوم الجمعة خامس صفر الخير دخل ركب الحاج الشامي بالصحة والسلامة أحسن من كل عام، وأخبرت الحجاج أنهم لم يحجّوا نظيرها من الرخاء الكثير والماء الغزير والأمن والأمان، ولم ينقص من الحجاج إلا الأفراد النادرة، وأن أمير الحاج خوزق أربع لصوص من أولاد الشام، وتوفي معهم تُرْبَدار، ومتولي جامع السلطان إبراهيم بن أدهم. وثاني يوم السبت دخل المحمل الشريف والموكب المنيف بالكواخي والبشاوات، فكان أولهم مصطفى باشا بن إسماعيل باشا العظم أخو الحاج أسعد باشا، وبعده أخوه سعد الدين باشا العظم، وبعده أخوهما الوزير الكبير الحاج أسعد باشا في ألاى حافل وعسكر وجحافل. وثالث يوم دخلت خزنة مصر، وكانت بثمانية أحمال، فتفرجت الناس ثلاث فرج بثلاثة أيام متتابعات: يوم دخول الحج ويوم دخول المحمل ويوم دخول خزنة مصر.
وفي ذلك العام من شهر محرم الحرام تمت قيسارية أسعد باشا والي الشام الذي لم يعمل مثلها في سائر بلاد الإسلام، وقد تم بناؤها بعد سنة وشهرين. قال المؤرخ: وقد بلغني أنه صرف عليها في كل يوم من الآلات والأجر ألف ومئة غرش، ولكن كما قال القائل: جزى الله الوسعة كل خير.
стр. 46
وفي ليلة الخميس تاسع عشر صفر الخير لثلاث أيام مضت من كانون الأول ثالث ساعة من الليل صارت زلزلة خفيفة في دمشق وقع بسببها بعض أماكن في سراية الحكم على جماعة، فقتل رجل مسلم ورجل نصراني. وكان ذلك الشهر مطره غزير جداً يعقبه إن شاء الله تَعالى خير كثير. وتوفي بهذا الشهر الشيخ محمد بن أحمد بن سوار شيخ المحيّا والشيخ خليل بن البكري في داره بباب توما وأعملوا له في الأموي. وفي ثامن عشر شهر صفر يوم الجمعة بعد العصر توفي لرحمة الله تَعالى الشيخ أحمد الجلبي إمام جامع السنانية للسادة الشافعية. قال المؤرخ: كان هذا الإمام إماماً في كل فن، ضحوك السن فاضلاً مباركاً قاطناً في جامع العداس عند الملاّ إلياس قُدّس سره، لا يفارق الملا لا ليلاً ولا نهارا، ودفن بباب الصغير قريباً من الملا إلياس، رحمهما الله تَعالى. وفي تلك الأيام أيضاً توفي الشيخ يحيى بن محاسن ﵀. وفي نهار الاثنين الثاني والعشرين من شهر صفر تشاجر سعد الدين المغربي خدام في بيت الخانم بنت سليمان باشا مع رجل من نفر الأرطة، فضرب الأرطلي فقتله، وجرح طواشي الخانم بعدما جرحه المغربي جرحين. فحين بلغ حضرة الوزير أسعد باشا أمر بقتله حالاً، فخنقوه في تلك الأيام من غير إثبات ولا دعوى.
وفي منتصف مربعانية الشتاء وقعت صخرة بنهر القنوات، ووقوعها كان تجاه وادي كيوان، سدّت النهر وانقطع ثلاثة أيام بلياليها، فأخرجوا الصخرة قطعاً قطعاً، فوجدوها قبراً قديماً من قبور الحكماء.
وفي شهر ربيع كذا أعاد الباشا السردرة على البلاد، فصاروا يمسكون من عرب الجبل ويقتلون ويأتون برؤوسهم إلى الشام. وفي شهر جمادى كذا جدَّد حضرة أسعد باشا الجامع الذي هو قدام قهوة الخريزاتية وحسّنه هيئة وفرشاً وعمّر بعض دكاكينه قنايا ماء قريباً من بيت السفرجلاني.
وفي أواخر رجب جاء مقرَّر لسنة ثمانية وستين، وهو عن ثلاثة عشر سنة من حكمه، حفظه الله أمير الشام وأمير حاج الإسلام وقد عدل في الخاص والعام، وأحسن للعلماء والفقراء والأيتام بلا ظلم ولا عدوان، وعمَّر أماكن كثيرة داخل المدينة وخارجها ومدارس وجوامع وغير ذلك من وجوه الخير والصدقات، جزاه الله خيرا.
وفي يوم الاثنين خامس رجب خرج حضرة أسعد باشا إلى الدورة، وترك موسى كيخية متسلماً بها. وكان نصف شعبان المبارك يوم الخميس، وثبت أول رمضان نهار السبت. والأسعار ناهضة جداً: فرطل اللحم بأربعة وعشرين مصرية، ورطل الخبز بأربعة وبخمسة مصاري، ورطل الأرز بعشرة مصاري، ورطل الكعك باثني عشر مصرية، ورطل الدبس بخمسة عشر مصرية، وأوقية السمن بستة مصاري في أيام الموسم، وأوقية الزيت بثلاث مصاري ونصف، وكذلك الصابون، وأوقية الجبن الأخضر بمصريتين، وأوقية القريشة بثلاثة مصاري، ورطل المشمش الحموي بستة مصاري مع أنه مقبل كثير، والمشمش البلدي بثلاثة مصاري ونصف مع إقباله. وحاصله كل شيء غالي حتى العلق التي تستعمله الناس لإخراج الدم، والقصرمل الذي يخرج من وقيد الحمام، والأمر لله.
وفي ثاني عشر شوال سار حضرة الوزير الحاج أسعد باشا مع المحمل في الموكب العظيم للحج الشريف. وكانت هذه السنة هي الثالثة عشر من حججه المتوالية وإمارته التي لم تسبق لغيره.
وبهذه السنة مروا على وادي الليمون في الطلعة، وكانت وقفتهم الجمعة، ورجعوا من الطريق السلطاني. وفي خامس وعشرين من المحرم دخل جوقدار الحج وبشَّر بالخير. وفي خامس صفر دخل الحج الشريف وهو على أحسن حال.
وفي هذه الأيام توفي رجل من البله المجاذيب، وكان بطلاً من الأبطال تعتقده أهل الشام ويكاشف بكلامه، ويقع كما يقول واسمه الشيخ خليل البياض. وخرج بجنازته أكابر الشام حتى حاكمها المتسلم موسى كيخية ومشى وراءها، ﵀.
سنة ١١٦٨
ثم دخلت سنة ثمانية وستين ومئة وألف. وكان غرة محرمها نهار الاثنين المبارك، جعلها الله سنة خير وبركة علينا وعلى سائر المسلمين.
стр. 47
ونهار الجمعة، سلخ صفر قدم قبجي من إسلامبول، وأخبر بوفاة حضرة السلطان محمود خان بيوم الجمعة، والناس في الصلاة وجلس أخوه مكانه، وهو السلطان عثمان خان، والخطبة باسمه. فانهزّت الشام البلدة من هذا الخبر، وبقيت الناس مترددة في الاستقرار، إلى أن كان نهار الخميس عاشر ربيع الثاني جاء قبجي كبير من دار السلطنة ومعه منشور عظيم بأن صاحب الخطبة في سائر بلاد الإسلام السلطان عثمان خان، وأمر أن تزين دمشق ثلاثة أيام، فزينت زينة ما سمع بمثلها، أبقى الله تَعالى هذه الدولة العثمانية إلى آخر الدوران. آمين.
وبهذه السنة انتشر مرض الجدري في عموم الناس، حتى في الشيوخ والعجائز، ومات فيه كثير من الأولاد. وفي أوائل جمادى الأولى ذبح بيرقدار التفكجية في الخان الصغير الذي هو قبالة حمام الملكة، ولم يُعلم ذابحه، ولم يؤخذ من ماله شيء. ووجد بهذه الأيام قتيل في النهر، وقتيل في التربة وفي غير ذلك أيضاً. نسأله تعالى حسن العاقبة.
وفي منتصف جمادى الأولى جاء تقرير إلى مصطفى باشا أخي سعد الدين باشا بن العظم إلى صيدا، ولم يأت إلى أخيه أسعد باشا خبر شافي من جهة حكم الشام، وقد طال عليه المطال. والغلاء في كل شيء حتى التراب والقصرمل والأحجار والحديد والخشب، وغير ذلك من أدوات العمارة، وبالجهد الكلي حتى يحصل الإنسان على معلم أو نجار، وأجر الواحد بدينار ولا يوجد، والكلس واللبن لا يوجدان وهلم جرا. فقد ضاقت الأنفاس والأشياء زادت عن حد القياس، والباشا ومن حوله يجمعون المال في الأكياس، فنادى على اللحم فلم يوجد ونادى على الصابون فتبدّد، ونادى على الزيت، وكان له أغراض وأمور وأحكام تفتت الكبد، والمستعان بالله الفرد الصمد.
وفي تاسع عشر جمادى الأولى ظهر خبر بأن امرأة قتلت زوجها مع جماعة من الأشقياء، بدعوى أنه ينام مع مملوكه ولا ينام معها، وبعد قتله دفنوه في دهليز البيت، والقتيل ينتسب إلى الأكراد، وله قهوة بسوق الخيل، واسمه درويش آغا، فقامت الأكراد على ساقها في سوق الخيل، فجاء ولد صغير كان حاضراً ومطلعاً على قتله ودفنه، فدلّهم على مقتله وداره، فذهبوا وألقوا القبض على الجميع، فوجدوا طبجي الباشا خليل آغا وأخو الزوجة ورجل آخر، فجاؤوا إلى الطبجي وقطعوه قطعاً، وقتلوا الرجل وأخا الزوجة، أما المرأة فإنهم أخذوها وغرقوها في مغرق البحصة في نهر بردى، ولم يسألوا عن الحكام، والحاكم لم يتعرض لهم فنسأله تعالى الفرج القريب.
وفي تلك الأيام شرع حضرة أسعد باشا والي الشام بترميم الجامع الأموي، حتى بلغني أنه اشترى طنافساً أي فرشاً بأربعة أكياس. جزاه الله خيراً.
وفي تاسع جمادى الأولى من نهار الثلاثاء نزل مطر عظيم وثلج جسيم، فزادت المياه حتى طاف نهر بردى، ووصلت الزيادة إلى تحت القلعة، ومشت إلى حارة العمارة، لكن ولله الحمد لم تضر بأحد ولا بالبنيان.
وبتلك الأيام صارت فتن بين عرب الشام وعرب عنزة كذا. وفي شهر رجب أرسل أسعد باشا والي الشام عسكراً لعرب الفضل، فنهبوا مالهم وطرشهم وبعض عيالهم. وفي تلك الأيام شنق الباشا رجلاً حمّالاً من حارة البحصة، قيل إنه خنق رجلاً من جيرانه.
وفي منتصف شهر رجب جاء مقرَّر حضرة أسعد باشا والي الشام، وكانت السنة الثالثة عشرة من حكمه وإمارته للحج. وبهذا الشهر خرج حضرة والي الشام المذكور إلى الدورة، وجعل مكانه متسلماً موسى كيخية لدمشق الشام. وثبت هلال رمضان هذه السنة ليلة الثلاثاء، وشعلت القناديل في المآذن، وصلوا التراويح قبل أن يضربوا المدافع، وما ضربت إلا بعد ساعتين.
وفي هذه الأيام عزلت الحكومة الأمير حيدر بن حرفوش عن بلد بعلبك، فأبى الخروج منها وأمر جميع من فيها بالرحيل وكل من أقام بعد ثلاثة أيام ينهب ماله وعياله. فرحلوا بعدما حرق بيوتهم وكرومهم وطفشوا إلى البلاد والقرايا، وأقام بها هو عاصياً، ثم ضمن الأمير حسين بن حرفوش بعلبك، ورجعت غالب أهل بعلبك بلا أدنى حادث.
سنة ١١٦٩
стр. 48
ثم دخلت سنة تسع وستين ومئة وألف نهار الأحد والغلاء قائم في الشام كما قدمنا. وجاء الجوقدار سابع وعشرين من المحرم، والكَتّاب جاء ثاني يوم من صفر، وسادس يوم منه دخل الحج الشريف. وأخبرت الحجاج أن هذه السنة كانت مخصبة ودار بهم أمير الحج من غير الطريق السلطاني، فحصل على الحج عطش شديد، حتى هلك في يوم واحد ألف وخمس مئة إنسان.
وفي سلخ ربيع الثاني جاء مقرَّر إلى الحاج أسعد باشا في الشام وهي السنة الرابعة عشر من حكمه الشام وإمارة الحج الشريف المتوالية التي لم تسبق لغيره. وتلك الليلة نزل ثلج عظيم في الشام ما رؤي مثله من سنين.
وبتلك الأيام جاء قبجي إلى حسين بيك بن مكي حاكم غزة ومعه فرمان بأن يكون باشا بالقدس ويعمِّر ماء القدس، وأن يلم مال الدورة بأمر الدولة.
وكان صوم رمضان هذه السنة نهار الأحد. وفي جمادى الأولى نزل ثلج عظيم بدمشق وأقام أياما وهدم أماكن كثيرة. وفي تلك الأيام جاء قبجي برجوع القدس إلى أسعد باشا والي الشام. وفي ذلك الشهر جاء خبر بأن عرب الحجاز محاصرين مدينة الرسول ﷺ ، ولها نحو شهرين في المحاصرة، حتى هدموا ما حولها وقطعوا نخلها وضيّقوا على أهلها، وهم الآن في كرب وضيق ما سبق ولا سمع من عهد الجاهلية. فبلغ هذا الحال الدولة العلية أيّدها الله تَعالى، فأرسلت إلى حاكم الشام أسعد باشا العظم بأن يتأهب لقتالهم بالرجال والعسكر الجرّار، وإلى أخيه مصطفى باشا كذلك، وإلى أخيه سعد الدين باشا كذلك، وأن يكون حاكماً بجدة، وأن يأخذ معه عساكر وأن يساعد أخويه.
وفي تلك السنة أمر حضرة الحاج أسعد باشا العظم بترميم وإصلاح جامع يلبغا، فعمل له وقفاً وجرايات بعد ما جدد فيه أخلية وغير ذلك، وأمر أيضاً بإصلاح جامع الياغوشية الذي تحت القلعة. وكان قد وقع منه جدار على امرأة ورجال، وألزم بعض أخصائه بتعميره من ماله لأنه ذو مال. وفي أول رجب تمت عمارة قهوة الشاغور التي هي مقابلة للشيخ السروجي ﵁. وبتلك الأيام عُمِّرت أيضاً قهوتين كذا بباب السريجة وقهوة أمام باب المصلى.
وفي نهار الجمعة من شعبان توفي مصطفى بيك بن مردم بيك، وهو من أعيان الشام وذوي البيوت التي شهدت أهل الشام بصلاحه، لأنه كان يحب الخير ويعمله، ولا يقارب الحكام وليس له أذية لأحد، ودفن بمدفنهم عند جده لالا مصطفى باشا، في أسفل سوق السنانية.
ثم جاء رمضان المبارك وأثبتوه الأحد وصمناه تماماً. وسار الحج قاصداً الحجاز ثامن عشر من شهر شوال. وفي ذلك اليوم توفي عبد الله أفندي زاده قاضي الشام، ودُفن بجوار سيدي بلال الحبشي ﵁. وبهذا النهار وجدوا صبياً مخنوقاً في نهر بردى، وبعده ظهر أبوه أنه خواجا في سوق السلاح. وفي يوم الأحد ثالث ذي الحجة دخل سعد الدين باشا والي طرابلس إلى سردارية الجردة بعد ورود عزله من طرابلس. ونهار السبت كان نهار وقفة عيد الأضحى بالشام. وفي سلخ ذي الحجة نهار الجمعة توفي خطيب الأموي محمد سعيد أفندي بن محاسن ودفن بباب الصغير.
سنة ١١٧٠
ثم دخلت سنة سبعين ومئة وألف نهار السبت في طالع يمن وفرح وسرور إن شاء الله. ولكن الغلاء واقع في البضائع وغيرها كما أسلفنا، فلا عود ولا إعادة.
وبهذه الأيام انفصل مصطفى باشا أخو أسعد باشا العظم من صيدا ووُجهت عليه ولاية أدَنة. وبتلك الأيام صار انقطاع نهر القنوات بعد عيد الزبيب. وبنصف محرم جاء من إسلامبول قاضي الشام محمد أفندي. وبهذه الأيام سمّروا خبازاً بباب الجابية.
وفي سابع وعشرين محرم دخل جوقدار الحج الدالي علي باش ومعه جماعة، وبشَّر بالخبر وأن حضرة الباشا والحجاج سالمين. وفي يوم الثلاثاء جاء كتّاب حماة وحلب، ويوم الأربعاء جاء نصراني في بعض مكاتيب، وأخبر أن كتّاب الشام جرحوه العرب. وبتلك الأيام أتت السماء بمطر كأفواه القرب، حتى ظنت الناس أن الحج قد غرق، وكان بمنزلة الصنمين. وقد تأخر دخول الحج عن ميعاده نحو جمعة. ونهار الثلاثاء ثاني عشر صفر دخل الحج الشريف، وثاني يوم دخل أمير الحاج وحاكم الشام الحاج أسعد باشا العظم في موكب الحج والمحمل الشريف. وهذه السنة الرابعة عشر كما قدمنا من سنين حججه المتواليات التي ما عُهدت لغيره. أدام الله أيام وجوده آمين.
стр. 49
وبهذه السنة أصلح حضرة أسعد باشا بين أهل المدينة الشريفة وبين العرب الذين حاصروها، وذلك بعدما أعطاهم نحو مئة كيس من المال، فشكرته جميع الحجاج على هذا الصنيع، جزاه الله تَعالى كل خير آمين. وبهذه السنة صار أيضاً نقص في الجمال والناس. فقد نقلوا أنه مات في محطة آبار الغنم أكثر من ألف وسبع مئة نفس في يوم واحد من اشتداد الشوب وهو الحر الشديد. وفي قناق آخر سبع مئة نفس، ما عدا الذين ماتوا شيئاً فشيئاً. وبهذه الأيام حصلت حميرة في الأولاد في دمشق الشام، فمات منهم كثير.
وفي يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأول أهدى حضرة السلطان إلى حضرة الأمير الحاج أسعد باشا مع قبجي باشي قفطان وسيف عظيم مع فرمان عظيم فيه تفخيم كثير لحضرة الوزير المشار إليه.
وفي ليلة الجمعة توفي شيخنا الشيخ إبراهيم الجباوي السعدي الشاغوري شيخ سجادة الطريقة السعدية ومتولي الجامع الأموي وقد سار للإسلامبول، واجتمع بثلاثة سلاطين: السلطان أحمد والسلطان محمود والسلطان عثمان. وصار له خير وإنعام، بعدما ظهر له سر وبرهان. وخلف كثيراً من الخلفاء في الروم ومصر وحلب والشام، وبلغ جاهاً عظيماً مع تواضع كلي بحيث يجلس بالقهاوي ويسلِّم على الكبير والصغير، وكان يوم موته يوماً مشهوداً، ودُفن عند جده الشيخ حسن الجباوي ﵀.
وفي سلخ ربيع الأول من هذه السنة وهي سنة سبعين ومائة وألف مات قاضي الشام ودفن بباب الصغير، وصار له مشهد عظيم.
وفي سابع يوم مضى من تشرين الثاني هطلت أمطار كثيرة وأعقبها برد شديد وهواء يابس، حتى يبست المياه في البرك والبحرات ويبست الشجر وتشقق الصخر، واستمرت نحو بضع وعشرين يوماً، ويبس الليمون والكباد والنارنج وغيرهم من الأشجار واستمرت بضعاً وعشرين يوما، حتى تجدها في الطرقات كالصخور، ومات كثير من الوحوش والكلاب والطيور. وبلغني أن شخصاً كان له دجاج، فبيوم واحد مات له اثنين وعشرين دجاجة مع المحافظة عليهم. وأما في البراري فلا تسل عما صنع الجليد والبرد فيهم، فقد مات كثير من الطرش والغنم. ومات من أولاد العرب ونسائهم خلق كثير. وبلغني أن نواعير حماة وقفت والطواحين أيضاً والأسواق سكَّرت. فالحاصل سقعة مهولة وزميتة مزعجة وجليد مهول، ما سُمع ربما من مدة سنين.
قال المؤرخ البديري عفا الله عنه: وفي يوم الخميس منتصف ربيع الثاني من هذه السنة وجهت دمشق الشام على راغب باشا المنفصل عن مدينة حلب. وفي ليلة الأربعاء سلخ ربيع الثاني جاء خبر مع نجّاب إلى حضرة الحاج أسعد باشا والي الشام بأنه عُزل وولي حلب. وثاني يوم من عزله أرسل خلف متسلمه موسى آغا ولبّسه فروةً ثمينة وأقامه متسلم دمشق الشام، وأظهر أنه جاء الخبر من الدولة بأن يكون كيخية راغب باشا، ليتعاطى أمور الحاج والدورة، وبأنه جاء بشارة أنه بعد فراغ السنة من الحاج أنه والي جدة وباشا بطوخين. فتسلم حكم الشام موسى كيخية. وأخرج حضرة أسعد باشا جميع من في الحبوس، وكان في الحبوس شيء كثير من أربع سنين وخمس سنين وعشر سنين. وأقام أسعد باشا في دمشق يتردد على سراية الحكم إلى يوم الجمعة خامس عشر جمادى الأولى، جاءه قبجي بفرمان الحكم في مدينة حلب وبشارة بطوخين إلى موسى كيخية، وأن راغب باشا المنفصل عن حلب قد نال الوزارة العظمى، وقد توجه للإسلامبول، وأن دمشق والشام توجهت على حسين باشا بن مكي القاطن في مدينة غزة.
وأقام الحاج أسعد باشا إلى نهار الاثنين، ورحل بالسلامة متوجهاً إلى مدينة حلب، بعدما أمر بإصلاح الوجاقين وأن يجعلوا في كل مصلبة جماعة من الإنكشارية وجماعة من القبقول، وأن يجعلوا عليهم في كل قلق واحداً أنباشي.
وقد شاع الخبر بأن الوالي المقبل على الشام سيئ الخلق ظالم غاشم. وقد خافت القبقول من الإنكشارية وجميع حواشي أسعد باشا، وصاروا يأخذون في القيل والقال، وقامت بعض السفهاء من أهل الحقلة والميدان فردّتهم أكابرهم، وصار في البلد خوف عظيم وأراجيف، حتى عزلت القبقول بيوتها، وعزّلت أصحاب الدكاكين دكاكينهم من سائر الأسواق.
وكان أول حكم موسى كيخية المتسلم أن أمر جميع المنازيل التي في الحارات من عشرين ثلاثين سنة تعمرها أهل محلتها، فانخبطت البلد خبطة مزعجة. وفي ذلك اليوم شنق الباشا شاباً من أولاد السويقة يقال له ابن سمرتين، فقلّت الرواجف وأمنت الناس.
стр. 50
وفي يوم الثلاثاء وليلة الأربعاء بعد المغرب شاع خبر حتى وصل إلى السرايا بأن أحمد القلطقجي الذي كان من رأس الزرباوات الذي هرب وعصى في جبل الدروز كما أسلفنا ذكره هاجم ليلة الأربعاء على الشام. فما أشأمها من ليلة على أهل الشام من كثرة ما دهمهم من الخوف والرعب والسهر وإخلاء البيوت والدكاكين وقد صفت المتاريس في جميع البوابات. وكانت ليلة من هولها كليلة القيامة، لم تذق أهل الشام بها نوماً قط، وهم ينتظرون طلوع الفجر، فلما لاح لهم لم يجدوا شيئاً مما توهموه، وكان الخبر كاذبا.
وفي يوم الخميس خامس جمادى الثانية مع أذان الظهر كان دخول حسين باشا بن مكي إلى دمشق الشام، والمنفصل عن مدينة غزة التي هي وطنه. ودخل بموكب عظيم حافل بالأفندية وأعيان الشام وبالإنكشارية كلها خيالة، والقبقول كلها مشاة في العدد الكاملة والأسلحة المزخرفة والزينة الشاملة، ووقف العامة والخلق تدعو له، وتصيح وتستغيث من جور أعيان الشام والغلاء. وثاني يوم جاءت الأفندية والأعيان للسرايا لأجل السلام على الباشا، فوقفت الناس والعامة في طريقهم، فلما مروا عليهم ليدخلوا السرايا قامت العامة بالصراخ والضجيج، وصاحوا عليهم وقالوا: ارجعوا لا بارك الله فيكم، أنتم منافقون وتعينوا الحكام على ظلم الفقراء والمساكين، وأكثروا من سبّهم وشتمهم، ورجموهم بالأحجار وصارت حالة مزعجة. ففتح الباشا باب العدل والتفتيش على الرعية، حتى صار رطل الخبز بثلاث مصاري. ثم اشتغل بالظلم كأسلافه، فرجعت الأسعار إلى حالها الأول: كرطل الخبز بخمسة وبستة مصاري، حتى جاءت سقعة وهي شدة برد مؤلمة، فلم تبق ثمرة في شهر آذار إلا أحرقتها. وفي عاشر رجب حصلت سقعة ما سمع بنظيرها، فأتلفت ما بقي إن كان بقي شيء من الثمار.
وفي سابع عشر رجب نهار الأربعاء توفي الشيخ الجليل العالم الفرضي الشيخ عبد الله البصروي الشافعي، علاّمة زمانه في كل فن خصوصاً في علم الفرايض، ودفن بتربة الشيخ أرسلان ﵀. وبهذا الشهر الشريف أيضاً قتل رجل في الميدان، ووجدوا ثلاثة أشخاص مذبوحين في تربة البرامكة. وبعشرين من رجب هاجمت المغاربة على الباشا، ثم قوّسوا على العوام، فقتلوا مقدار عشرة رجال وحرقوا أيضاً محلات. وبهذه الأيام وجدوا امرأتان مذبوحتان كذا في تلة باب الصغير. وبهذا الشهر أيضاً وقعت فتنة بين المغاربة واللواند الأكراد، وقتل من الفريقين مقدار خمسة عشر رجلاً وسكّرت الشام، ثم انقضت على الصلح. وفي السابع والعشرين من رجب شنق حسين باشا والي الشام رجلاً من الميدان اتُّهم بالحرام، وكان سابقاً قد قتل أمه ذبحاً.
قال المؤرخ البديري رحمه الله تَعالى: وبهذه الأيام جاء خبر بأن الحاج أسعد باشا بن العظم والي حلب قد جاءه فرمان بأن يسير إلى مصر واليا، فعصت به أهل حلب، وقالوا لا نريد غيره، وكاتبوا الدولة العلية بذلك. ثم بعد أيام جاء مقرَّر حلب لأسعد باشا بن العظم، ولأخيه سعد الدين باشا منصب مرعش، ولأخيه مصطفى باشا منصب الموصل، فذهب كل واحد لمنصبه، وأرسل مصطفى باشا حريمه وأولاده إلى الشام.
وفي أول شعبان خرج حضرة حسين باشا والي الشام إلى الدورة، وأقام متسلماً مكانه حسين آغا ألاي بيك السباهية، فعدل ولم يظلم ولم يتعدَّ على أحد. وقبل خروج الباشا أمر الوجاقين بالصلح وترك الفساد والعناد، وسلمهم البلاد والعباد، وأوقف مصطفى آغا الزعفرنجي اختيار وكبير القبقول تفكجي باشي بباب السرايا، بعد ما ضمن على نفسه إصلاح البلد.
وقد دخل رمضان نهار الخميس، ودخل معه الغلاء الأكبر في الشام في جميع الأصناف، فوصلت غرارة القمح إلى الخمسين غرش، ورطل الخبز من سبع مصاري إلى اثني عشر مصرية، بعدما كان بثلاثة مصاري رطل أعلى خبز، ورطل الأرز بأربعة عشر مصرية، والدبس كذلك والبصل أيضاً، ومد العدس وكذلك الحمص والماش كذا واللوبيا والبرغل بثلاثين مصرية، ومد الشعير باثني عشر مصرية، وأوقية الثوم بمصريتين. والحاصل كل شيء غالي مع قلة الأسباب وقلة الحركة.
стр. 51
وفي ليلة الاثنين ثاني عشر رمضان صارت فتنة عظيمة بين أوجاق الإنكشارية ووجاق القبقول، لم تعهد منذ زمان، وساعدت القبقول الدالاتية والأكراد والمواصلة. وحاصرت كل حارة جماعة وكانت النصرة للإنكشارية، بعدما ضربوا عليهم المدافع من القلعة يومين وليلة، وقتل جماعة من العامة وقليل من الإنكشارية. لكن قتل من القبقول وأتباعهم خلق كثير، بعدما حاصروا حارة باب السريجة، وملكوها وخربوا بها بعض بيوت ودكاكين، وحاصروا أيضاً حارة الشاغور، حتى أنهم أشرفوا على أخذها، جاء النقيب حمزة أفندي وبعض مشايخ أصلحوا بينهم. ثم بعد اليوم الثالث اختلفوا. وفي عشرين من رمضان جاء حسين باشا والي الشام من الدورة فلم يحرك ساكنا. وكان عيد الفطر نهار الأربعاء. وفي العشر الأول من شوال قدم مصطفى آغا بن علي أفندي الدفتري من إسلامبول برتبة آغا على الإنكشارية، ودخل في عراضة أي موكب لم تُعهد في الدولة الشامية.
وفي تاسع عشر شوال توجه حسين باشا بن مكي والي الإنكشارية أميراً على الحاج الشريف، وذلك بعد ما مشت معه جميع الإنكشارية والقبقول. وكان قبل خروجه للحج جمع أغوات الفريقين، وأصلح بينهما، وكتب حجة عليهم بحضور القاضي والمفتي وأعيان البلدة، مضمونها أن كل من تعدّى يكون عنده مئة كيس لمطبخ السلطان ودمه مهدور. فسكنت البلدة وصارت كقدح اللبن، ولم يحصل أدنى مكدر. وبقيت الراحة إلى يوم الأحد ثالث عشر ذي الحجة، جاء كردي اسمه ولي، وكان من جماعة أسعد باشا بن العظم والي مدينة حلب حالاً. وكان هذا الرجل الكردي له في الشام أسبقية ظلم وعدوان على أهل الشام، فقامت عليه الإنكشارية والعوام وقالوا اقتلوه، فهرب إلى القلعة واحتمى بالقبقول فحموه. وقبل خروج الباشا قامت أهل الشام بصوت واحد إننا لا نريد غريباً في بلدتنا، فأخرج لهم الباشا بيردى بذلك بأن لا يبقى في الشام غريب كيت. فخرج بعد خروج الباشا أناس وبقيت أناس. فلما قدم هذا الرجل تضررت منه العامة والأعيان، وأرسلوا له خبراً أن يرحل بنفسه ويحقن دمه. فأبى الخروج من الشام، وقد طمع بكونه احتمى بالقلعة عند القبقول. فحالاً سكّرت البلد وتجمعت أغوات الإنكشارية وتبعتهم العامة، وقاموا على قدم وساق، فاجتمعت العناتبية والأكراد والدالاتية، فنهضت القبقول وقام معها أهل العمارة، وأغاروا على الدرويشية، وتقاوسوا مع الإنكشارية إلى أن أقبل الليل، فهجموا على حواصل الإنكشارية الملآنة أخشاب وأحرقوها، وكانت تساوي عدة أكياس مال، فقامت الإنكشارية على أهل العمارة وشرّدت أهلها ونساءها وأولادها إلى جامع الأموي، ثم وضعت بها وبأسواقها النار، حتى صارت ساحة سماوية. واشتد الأمر على أهل العمارة من ظلم وعدوان الإنكشارية، وقد أعانهم بالحمية الجاهلية أولاد الحقلة من الميدان ومعهم بعض رجال من الدروز، وفتحوا أبواب المدينة، ولم يُعهد ذلك قبل الآن، وحضروا القبقول ورجعوا كارّين على الموصلية والبغادة والدالاتية وحصروهم، ووقع القتل بين الطائفتين.
وفي ليلة رابع عشر من ذي الحجة خسف القمر خسفاً مهولاً. وفي اثنين وعشرين من ذي الحجة حصلت زلزلة في دمشق لم تُعهد من مدة أعوام، واستمرت عدة أيام بالليل والنهار، وذلك بعدما كُسفت الشمس، حتى رؤيت النجوم نهارا، ولا كانت هذه الأمة تعتبر اعتبارا.
стр. 52
ودامت هذه الفتنة أياماً بين صلح وقيل وقال، حتى صار الديوان عند الأغوات وأكابر الشام، وبُت القرار على إخراج غريب كيت من الشام، وأن يخرج ولي الذي كان سبب الفتنة. فأخرجوهم كذا الأغوات، ومعهم علي أفندي المرادي تطييباً لخاطر أهل البلد، ولم يزالوا خارجين بهم إلى خارج البلد، فرجعت الأغوات والأفندي المرادي وبقي الوجل على حاله، ثم صارت أهل كل حارة تسهر كل ليلة. وبقي الأمر على ذلك إلى أن وصل الخبر إلى الشام بأن الذين خرجوا نهبوا القرايا وقتلوا النفوس، وهتكوا الحريم. فأرسلت الحكومة أوراقاً إلى أهل البر والقرايا أن يقتلوهم أو يطردوهم، فتعصّبوا عليهم وطردوهم، ولكن بعدما قتلوا ونهبوا. ثم رأوا القبجي في طريقهم فشلحوه، وقتلوا بعض جماعته. وبقيت أهل الشام بين خوف وأهوال، إلى أن كان يوم الاثنين سابع والعشرين من ذي الحجة وصل خبر إلى الشام بأن موسى باشا باشة الجردة لما وصل إلى القطرانة خرجت عليه العرب شلحوه ونهبوا الجردة وكل ما فيها، حتى شلحوه لباسه وخاتمه من إصبعه، وأنزلوه من تخته، وركبوا مكانه في التخت، وأخذوا طبوله وأطواخه ومدافعه. وكان كبيرهم يقال له قعدان الفايز. ثم تفرقت الجماعة الذين كانوا في الجردة، فرجعت منهم أناس إلى الشام، ومنهم ناس انقطعوا في حوران، ومنهم ناس هربوا إلى غزة، وناس إلى القدس، وناس إلى معان مع ابن موسى باشا، لأنها قريبة من الموضع الذي نهبت فيه الجردة. وأما الباشا فإنه رجع إلى قرية داعل وأقام بها مدة أيام. فأرسلوا له تختاً ليحملوه به، فوجدوه قد مات، فحملوه وجاؤوا به إلى الشام. وكان دخلوه على البلد في أول الليل، وثاني يوم دفنوه في تربة سيدي خمار ﵁.
سنة ١١٧١
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومئة وألف، ونحن على هذا الحال، نسأله تعالى أن يحوِّل حالنا إلى أحسن حال.
وفي هذا الشهر المحرم الحرام توفي العالم العلامة خاتمة المحدثين وبقية السلف الصالحين الشيخ صالح الجنيني المحدث الكبير تحت قبة النسر في الجامع الأموي، وصار له مشهد عظيم، ودفن بباب الصغير، رحمه الله تَعالى.
وفي تلك الأيام خرجت جردة ثانية دون الجردة الأولى. وفي سابع وعشرين محرم دخل جوقدار حسين باشا والي الشام وأمير الحاج، ومعه ثلاث هجانة مردفين، ومعهم أخو ابن مظيان شيخ عرب الحجاز، فتباشرت أهل الشام وزينوا الأسواق بالقناديل. فقامت القبقول وخرجوا وقوّسوا على الرعية، وصارت هزة قوية، وبقيت الفتنة في البلد بين الإنكشارية والقبقول والأشراف، فقتل القبقول من الأشراف نحو ثلاثين رجلاً وقوسوا على جامع الأموي، وقتلوا الشيخ عمر كبب مؤذن الجامع، وكان نازلاً من أذان الظهر، وقتل فيه بعض أولاد، وصار الهرج في أسواق المدينة مدة أيام، ثم دخلت الأغوات والأفندية بينهم بالصلح، فأبوا، فقالوا لهم: ارفعوا القتال واصبروا حتى يأتي حسين باشا من الحاج، ويفصل في هذه الأحكام، فرفعوا القتال.
وبقيت القبقول في القلعة لا تحول ولا تزول، إلى أن كان يوم الاثنين سابع عشر صفر الخير، والناس مزعوجة من تأخير مجيء الحج ولم تدر ما السبب، جاء خبر إلى الشام بأن الحج قد شلحه العرب ونهبوه، والعرب سلبت النساء والرجال أموالهم وحوائجهم. فضجت العالم وتباكت الخلق وأظلمت الشام. وبلغ الناس بأنه جاء إلى المتسلم ست مكاتيب أن يخرج إلى الحاج نجدة فلم يظهرها، فقامت العامة وهجموا على المتسلم بالسرايا ورجموه بالأحجار، فاجتمعت الموالي والأغوات، ونادوا بإخراج دواب من البلد وأن يخرجوا حوائج وثياب مفصلة ومخيطة ونعال وزرابيل، وأن تخرج رجال لملاقاة الحاج. فخرج خلق كثير، وكان خروجهم يوم الجمعة في الحادي والعشرين من صفر الخير، وذلك بعدما كتبوا عرضاً للدولة يعلموهم بهذا الحال، وأرسلوا إلى حمص يطلبون حسن باشا بن الكبرلي لأجل أن يحافظ على الشام.
стр. 53
وفي يوم الخميس خامس وعشرين من صفر الخير أقبلت بعض إنكشارية الشام من جهة الحج، ومعهم حجاج مركّيين كل اثنين ثلاثة على دابة، وهم في آخر درجة العدم، والمنادي معهم معه راية بيضاء ينادي هذه راية الإنكشارية، فضجت الناس بالبكاء والعويل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وأخبروا أن خلفهم خلق كثير من الحجاج، ومعهم النساء والبنات مع الملكة حفايا عرايا. وبعد يومين أقبلت شرابجة الإنكشارية من المزيريب ومعهم المشطجي والقفطجي الجميع مشلحين. وفي ذلك اليوم رجعت الإنكشارية ومن بقي من الملاقية ومعهم الأغوات ومتسلم حسين آغا ألاي بيك، وأخبروا عن أحوال وأهوال التي حصلت للحجاج من النساء والرجال من شر كفار العرب ولا شك، حيث أن هذه الأفعال التي فعلت في الحجاج لا يفعلها عباد النيران: لأنهم أخبروا أنهم يشلحوا الرجل ويفتشوا تحت إبطيه ودبره وفمه وتحت خصيتيه، وإن وجدوا الرجل كبيراُ بطنه أو له قرّ أي قيلة شقوا بطنه وبقروا قرّه أي قيلته، ويدخلون أيديهم في دبر الرجال وفي فروج النساء، وقد كانت المرأة تضع الطين على قبلها ودبرها ستراً لعورتها فيكشفونه. وحاصله صدرت من العرب أمور ما سمعت من قديم الزمان ولا من عبّاد الأوثان والصلبان. ثم ما سلم من التشليح إلا الذين هربوا أمام الحج، وأن الباشا أمر من حوله بنهب خزنته فنهبوها، فناس سلموا وناس قتلوا، ومنهم من تشلح مرارا.
ثم أقام الحجاج أربعة عشر أيام جوعا وعطشا لا ماء ولا زاداً، ومنهم من مات جوعاً وعطشاً وبرداً وحراً، وذلك بعد ما شرب بعضهم بول بعض. وما كفى جور العربان، بل زاد عليهم جور أهل معان، غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم عذاب النيران.
وفي تاسع ربيع الأول جاء الخبر بأن حسين باشا والي الشام وأمير الحاج هو في مدينة غزة، ويريد من الشام بغال وتفكجية ورجالا، فأبوا أن يرسلوا له شيئاً من ذلك، بل أرسلوا له بأن يأتي إلى منصبه لأن قبجي التقرير عندنا، وافعل ما ترى فيه المصلحة.
وقبل ذلك بأيام كان قد قدِم أحمد بشه بن القلطقجي كبير زرباوات الشام، وكان هارباً له أربعة عشر عاما، فجاء مرة في غيبة أسعد باشا في الحج وفعل ما فعل كما قدمنا، وجاء مرة ثانية في أول حكم حسين باشا المذكور، فأكرمه وأعطاه، وخرج معه إلى المزيريب، ومن هناك غاب، ورجع هذه المرة الثالثة لما وقعت الفتنة في الشام، وعن تلك الأعمال نهاهم فلم تفد شيئاً كما تقدم.
وفي يوم الجمعة ثالث عشر ربيع الأول وصل خبر إلى دمشق الشام أن عمر المحاميد شيخ حوران وجد المحمل والصنجق عند العرب، وقد أرضاهم حتى فكّهما منهم، ووجد المحملجي وابن القبق دار وأربع خمس رجال عليهم المذلة والانكسار.
وفي يوم الثلاثاء سادس عشرين ربيع الأول وصل المحمل ودخل إلى الشام، وهو محمول على جمل، وقد ستروه بثوبه الأخضر التحتاني، ومعه محمد بشه السقباوي وبعض فرسان دروز وبعض عربان، وذكروا أنهم فكوه من العرب بمئة وسبعين قرشاً.
وقد جاء في منتصف ربيع تتر أخبر بوفاة السلطان عثمان، ولم يأت بالخطبة لمن هي، حتى خطبت الشام بلا اسم سلطان جمعتين، إلى أن كان يوم الاثنين غرة ربيع الثاني جاء قبجي بخطبة اسم السلطان مصطفى خان. أيّده الله وأيد دولة بني عثمان مدى الدوران.
ثم صارت الحجاج تأتي زمراً زمراً، ثم جاءت البلطجية ومعهم قاضي المدينة وبعض نساء، وقد عُدت النساء الذين كانوا كذا في تلك السنة فبلغن خمس مئة امرأة، ما بان لهم أثر مع الملكة أخت السلطان.
стр. 54
وفي خامس ربيع الثاني خرجت القبقول من القلعة وقوّسوا على الإنكشارية، وحصلت فتنة قوية، ثم أصلح بينهم القبجي والموالي والأغوات، وبطل الحرب. وفي خامس وعشرين من ربيع الثاني توفي قاضي المدينة الذي جاء مع الحجاج، وصارت تموت الحجاج ناساً بعد ناس، حتى مات كثير ممن كان مع الجردة، لأن الذي جرى على الحاج وعلى الجردة في هذا العام شيء ما سمع، مما تقشعر منه الأبدان. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وبقيت دمشق بلا حاكم إلى آخر ربيع الثاني إلى أن تحقق الخبر بعد تردد الناس في أمر حكام الشام بتوجيه ولاية الشام لحضرة الوزير الكبير الحاج عبد الله باشا الشتجي. وكان دخوله مدينة دمشق الشام ضحوة نهار الأحد ثامن وعشرين ربيع الثاني، فخرجت لملاقاته وجوه الشام وأعيانها، ودخل في موكب لم يعهد لغيره، ودخل معه عسكر جرّار، فكان معه أربعين كذا بيرقاً من الدالاتية وخمسين بيرقاً من اللوند وعشرين بيرقاً من الأرنؤوط. ثم إنه ثاني يوم عمل ديواناً ولبّس المفتي والقاضي ونقيب الأشراف والسيد علي أفندي المرادي وأرسل الباشا يطلب جماعة من الإنكشارية فلم يجيبوا، فأرسل ينادي بأن أهل العرض ترحل من بين الإنكشارية، فلم تر إلا نقل أمتعة وإخلاء دور ودكاكين وأول دخول الباشا إلى الشام اجتمعت الإنكشارية فبلغوا نحو عشرين ألفاً وأكثر، وأظهروا الشجاعة وقلة الخوف منه، وقالوا: نحن لا نحسب حسابه، ولو كان عسكره أضعافنا.
ولما كانت ليلة الأربعاء اجتمعت من الإنكشارية جماعة في حارة السويقة، وصاروا يقوّسوا كذا ويفزعوا الناس، إلى أن سكّرت أهل الشام البوابات، ولما ظهر النهار هجموا إلى باب الجابية وقوسوا إلى ناحية باب السرايا. فبلغ أمرهم حضرة الباشا والي الشام، فاغتاظ غيظاً شديداً. وجاءت الموالي وعمل ديواناً، ثم أرسل الباشا يطلب منهم الأشقياء الخارجين عن الطاعة، وصاحب العرض يبقى بحاله. فتغلظت أكباد الإنكشارية وتقوّوا، وظنوا أنهم هم المنصورون. ثم صاح الباشا في جنده وركب في نفسه، وطلب جهة الميدان فلم يقف بين يديه أحد، وهجم هو وعسكره عليهم، فلم يثبت منهم أحد. فلم يزل يضرب هو وعسكره بالسيف إلى أن وصلوا إلى خارج باب الله، فقتلوا منهم خلقاً كثيراً، والذي ما أرادوا قتله أخذوه ووضعوه في الجنزير. ونهبت العساكر الميدان، ولم يتركوا كبيراً أو صغيراً إلا قتيلاً أو أسيراً. ولم يتركوا بيتاً ولا دكاناً ولا امرأة ولا طفلاً إلا استعملوا النهب والسبي وهتك الأعراض من سلب النساء الحليّ وسلب البنات الأبكار، وغير ذلك مما يعمي الأبصار، وتمنوا الموت الدرّار، ولم يروا هذه الفظائع المهولة الكبار، وانتكبت أهل الشام نكبة في ذلك العام ما عهدت من أيام التيمور، ولله عاقبة الأمور.
وثاني يوم الخميس قامت جماعة الباشا إلى النهب، فمنعهم وأمر بجمع المسلوبات من العساكر وغيرهم، وأن يوضعوا في بعض الجوامع. وأمر منادياً ينادي كل من له مالٌ منهوب فليأت وليعلمه ويأخذه، فأخذوا البعض وذهب الأكثر. وأما أتباع الباشا فإنهم صاروا كل من رأوه يقتلوه ويقطعوا رأسه، ويتركوه في الأسواق والأزقة والبيوت وقد ضبطوا الدور التي نهبت، فخرجت نحو أربعة وعشرين ألف دار، ومن الدكاكين أكثر من هذا المقدار، وأعظم من ذلك أن زاوية بيت الشيخ سعد الدين الجباوي التي في الميدان وضعوا بها الأمتعة الثمينة، ثم تفقدوها بعد ذلك فما وجدوا بها شيئاً أبداً، وصارت العساكر تلحق الإنكشارية للقرايا والضيع والبراري، فتقتل وتأسر حتى الأولاد والنساء، وكثر الجور في البلاد، وخافت العباد وكثر الفساد، وجمعوا رؤساء كثيرة من أشراف وعامة، وأرسلوها إلى الدولة.
стр. 55
وأمر الباشا بإحضار أئمة الحارات، وأمرهم أن يكتبوا أن جميع الذي نهب وسلب ردّه الباشا في الحال، ولم يهذب لأحد عقال وختّمهم بهذا العرض على هذا الشرط. وكانت هذه مكيدة منه ولم يقدروا أن يخالفوا أمره. وبقيت جماعة الباشا تنهب وتظلم، وتبغي وتتجبّر، ولا توقر كبيراً ولا صغيراً، ويقولون عن أهل الشام كلكم كفار ونصارى وأشرار. وكان لا يطعم جماعته إلا اللحم والأرز والخبز الطيب، حتى قلّ اللحم ولم يوجد خبز يؤكل، وعلى كل فرن مئات من الناس الجائعين، حتى افتقرت غالب أهل البلد، وصاروا يسألون الناس، وزاد النكد ونهضت الأسعار نهوض الماكر الجبار: فصار رطل الأرز بأربعة وعشرين مصرية، والخبز مثله، والدبس مثل ذلك، وأوقية السمن بثمانية مصاري، وأوقية الزيت بأربعة مصاري، وغرارة القمح بثلاثة وسبعين غرشاً، وغرارة الذرة بثمانية وأربعين، وغرارة الحمص بستين غرشاً، وغرارة العدس بخمسة وثلاثين، والشعير بخمسين، وأوقية السماق بأربعة مصاري، ورطل البصل بأربعة مصاري وعلى هذا فقس ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وبعد مدة أيام قطع الباشا خرج بعض العساكر والبيارق، فصاروا يغيرون على القرايا، وينهبون الأموال والأعراض والأولاد. ولا تسأل كذلك عن عسكر الباشا، فإنهم نهبوا البساتين وكسروا الشجر وشلحوا البشر. ومع ذلك فإن الباشا لم يرض بذلك، وطالما عاملهم بالتأديب والضرب الأليم، فلم يرجعوا حتى صار يقتل منهم. وأرادت أهل الشام أن تقاتلهم، لكن لم يجدوا أحداً يأخذ بيدهم، وأكابر الشام لم تتكلم بخير، والأمر لله.
وبهذه الأيام نفى الباشا نقيب الأشراف حمزة أفندي إلى القدس. وبعد مدة جاء فرمان مع قبجي بأن عبد الله باشا الشنّجي والي الشام له الأمر المفوَّض يفعل ما يريد بلا مشاورة. ثم إنه تحرك لسفر الدورة، فأمر بإخراج المدفعين اللذين في باب القلعة، وكان لهم سنين وأعواماً لم يخرجوا، فعمل لهم عربات ومن الحديد حلقات، بلغ وزنهم مع الخشب ثلاثة وثلاثين قنطاراً، وخرج بهم طالباً سفر الدورة، وعمل شواهي مثل المدافع الصغار وركّبها على ظهور الجمال تدور يميناً وشمالاً ثم أمر العامة أن يجروا المدافع الكبار، فقتل منهم رجلان وتحطم منهم جماعة. وقد فرضت جماعته على الحارات والأسواق مال، فلمّوه باستعجال.
ولما خرج الباشا إلى الدورة شنق متسلمه رجلاً، وجاء بعض أعوانه برجل شريف، وقالوا: هذا قوّس مع الإنكشارية، فحالاً أمر بخنقه ولم يشاور أحدا. وصار الآخر يظلم وهذا يجور، وزاد البلاء والغلاء، وجلس على كل حانوت من حوانيت الخبّازة واحد من أعوان الحاكم وذلك من كثرة ازدحام الخلائق وكثرة النساء والأولاد فتسمع لهم بكاء ونحيبا يقطع القلوب والأكباد. والأمر لله لأنه مراده.
وفي تلك الأيام جاء الخبر بقتل أسعد باشا بن العظم والي الشام سابقاً. وبعد أيام جاء قبجي من جهة الدولة بختم سرايته وضبط ماله وختم بيوت جميع أتباعه وأعوانه وضبط مالهم ورفعهم إلى القلعة، وازدادت الشدة، وصارت أمور وأهوال في دمشق الشام ما وقعت في سالف الأزمان. ثم جاءت أتباع ابن العظم أسعد باشا، ودخل القبجي إلى السرايا، فأخرج الدفائن العظيمة من سرايته فإذا هي كالكنوز المودوعة فيها، فأخرجوا من الأرض ومن الحيطان والسقوف والأحواض حتى من الأدبات دراهم ودنانير وأمتعة نفيسة لا تقام بقيمة، ومجوهرات وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تَعالى والحكم لله العلي الكبير.
وفي يوم الخميس رابع رمضان جاء الباشا من الدورة ودخل دمشق. وفي سابع عشر شوال خرج عبد الله باشا الشتجي للحج الشريف بموكب عظيم وعسكر جرّار.
وبتلك السنة توفي الشيخ أحمد المنيني الحنفي خطيب الجامع الأموي رحمه الله تَعالى. وجاء سيل عظيم في مربعانية الصيف نزل في قرية جبة من قرب يبرود، وكان نزوله في أول الليل، فما كان إلا ساعة حتى أخذ قرية جبة عن بكرة أبيها، ثم مرّ على يبرود، فغطى جميع الكروم وهدم وقتل، ثم وصل إلى قرية النبك يهدر في جريه مثل الرعد، فأتلف بها كثيراً. نسأله تعالى اللطف بالمقدور.
سنة ١١٧٢
стр. 56
ثم دخلت سنة اثنين وسبعين ومئة وألف، وكان أول محرمها نهار الثلاثاء وكان المتسلم في الشام من قِبل عبد الله باشا سليمان آغا، وكان ظالماً غاشماً على ما نقلوا. وكان مجيء جوقدار الحج سلخ محرم الحرام. وكان سردار الجردة عبد الرحمن باشا باشة طرابلس وفي خامس صفر الخير كان دخول الحج الشريف إلى الشام. وكانت سنة راحة لكافة الحجاج، وذلك بسبب أن الباشا قد قتل من العرب بين الحرمين ما لا يحصى، حتى قُتل شيخ العرب وجاء تقرير الشام للباشا قبل وصوله إلى الشام.
وكانت هلّة رمضان ليلة السبت، وضُربت المدافع في الثلث الأخير من الليل. والفلوس كل أربعة وعشرين بمصرية. وثبت عيد الفطر قبل ظهر يوم الأحد، وصلوا العيد قبل الظهر، وفطر الناس بعد أن كانوا صائمين.
وفي سادس عشر شوال توجه الحاج عبد الله باشا الشتجي أميراً على الحاج، ورافقه في الركب الشامي سعد الدين باشا العظم والياً لجدة، وأخذوا معهما عساكر كثيرة، خيفة من العرب من قتل عبد الله باشا لشيخهم وجنوده. وفي سابع والعشرين من المحرم قدم جوقدار الحج الشريف وبشَّر بكل خير، وعزل عبد الله باشا الشتجي مساعد شريف مكة، وأقام أخاه جعفر مقامه. وكانت وقفة الحاج الجمعة، ونهار السبت سابع صفر دخل الحاج الشريف لدمشق الشام، وهو بغاية الصحة.
ثم بعد دخول الحج أمر عبد الله باشا منادياً ينادي في الشام برفع الظلم والعدوان والعدل من الحكام والرعايا، وصار يتبدل ويختفي ويدور في شوارع الشام وأزقتها. فحصلت الراحة عموماً بإبطال الشرور وانعدام أهل الفجور. وكان الباشا قد قطع خرج غالب عسكره وأمر برحيلهم من الشام، وأن لا يبقى بها من لا شغل له ولا صنعة، فرحل خلق كثير، وأرسل جميع جماله إلى حماة. وكان ذلك من لطف الله بالشام وأهلها، والغلاء مطنب كما تقدم. وكان قاضي الشام رجلاً صالحاً، فعمل محتسباً وصار يدور بنفسه على السوقة ويعير الموازين والأرطال والأواق، فالذي يجد أواقه ناقصاً يضربه علقة على رجليه، والذي يجد أواقه تامة يعطيه مصرية من فضة.
ودخل ربيع الثاني الموافق تشرين الثاني ولم ينزل من السماء قطرة ماء. وفي ليلة الثلاثاء ثامن ربيع الثاني من تشرين الثاني من هذه السنة في الثلث الأخير من الليل والمؤذنون في المآذن يشتغلون المراسلة كذا صارت زلزلة خفيفة، وتبعتها ثانية ثم ثالثة زُلزلت منها دمشق زلزالاً شديداً، حسبت أهل دمشق أن القيامة قد قامت، فتهدّمت رؤوس غالب مآذن الشام ودور كثيرة وجوامع وأماكن لا تحصى، حتى قبة النصر التي بأعلى جبل قاسيون زلزلتها وأرمت نصفها، وأما قرى الشام فكان فيها الهدم الكثير، والقتلى التي وجدت تحت الهدم لا تحصى عددا. وفي الليلة الثانية زلزلت أيضاً في الوقت الذي زلزلت فيه الأولى، ثم حصلت في وقت صلاة الصبح وبالنهار أيضاً، ولا زالت تتكرر مرارا لكنها أخف من الأولين. وقد زاد الخوف والبلاء، وهجرت الناس بيوتهم، ونامت في الأزقة والبساتين وفي المقابر والمرجة، وفي صحن الجامع الأموي. وفي هذه الزلزلة وقع خان القنيطرة على كل من كان فيه، فلم يسلم من الدواب والناس إلا القليل، وكذلك خان سعسع. وقد وردت الأخبار إلى دمشق الشام أن بعض البلاد والقرايا انهدمت على أهلها، فلم يسلم منها ولا من دوابها أحد.
ثم في ليلة الثلاثاء الساعة العاشرة من الليل خامس ربيع الأول انشقت السماء وسُمع منها صريخ ودمدمة ودويٌّ وهول عظيم، حتى إن بعض أهل الكشف رأى أن السقوف ارتفعت، وظهرت النجوم وعادت السقوف كما كانت. ووردت أخبار أن في بعض البلاد انطبق جبلان على بعض القرى، فذهبت القرى ولم يظهر لها أثر. وفي ليلة الجمعة الثامن عشر من ربيع الأول في محل أذان العشاء خرَّ نجمٌ من السماء من جهة الغرب إلى جهة الشرق، فأضاءت منه الجبال والدور. ثم سقط فسُمع له صوت عظيم أعلى من صوت المدافع والصواعق.
وفي الزلزلة الأولى وقعت صخرة عظيمة في نهر القنوات فسدّت النهر، وانقطع الماء عن البلد أحد عشر يوماً، وبقيت قُطّاع الأحجار يقطعون فيها أحد عشر يوماً، فصارت الناس في غمَّين: غمّ الزلزلة وغمّ قلة الماء.
стр. 57
وفي ليلة الاثنين سادس ربيع الثاني في الساعة الخامسة صارت زلزلة عظيمة أعظم من الأولى بدرجات. وقد صارت معها رجّة مهولة أسقطت غالب بقية المآذن، وأرمت قبة الجامع الأموي الكبيرة والرواق الشمالي جميعه مع مدرسة الكلاسة وباب البريد وأبراج القلعة وغالب دور دمشق، والذي سلم من الوقوع تناثر من بعضه البعض وقُتل خلق كثير خصوصاً في القرايا، ورحلت الخلائق للبساتين وللجبال والتُّرب وإلى المرجة، ونصبوا بها وبالبراري الخيام وناموا بعيالهم وأولادهم، ومع ذلك فلم تبطل الزلزلة والرجفان لا ليلا ولا نهارا. ثم أمر عبد الله باشا الشتجي والي الشام وفقه الله تَعالى منادياً ينادي بالناس أن يصوموا ثلاثة أيام وأن يخرجوا في اليوم الرابع إلى جامع المصلّى، فإنه مشهور بإجابة الدعاء فيه. فخرجت الناس من كل فج عميق إلى المصلى، وخرج حضرة الوزير معهم وجميع الأعيان والمفتي والقاضي، وخرجت العلماء وأهل الطرق والصوفية والنساء والأولاد، ولازموا الدعاء في المصلّى ثلاثة أيام بضجيج وبكاء وخشوع كيوم عرفات، بل كموقف القيامة، فرحمهم أرحم الراحمين، وعاملهم باللطف والتخفيف، فصارت الأرض تختلج اختلاجاً خفيفاً، ولم تزل الناس في البساتين والبراري خائفة حتى نزل عليهم الثلج المطر وصار الجليد إلى أن خفّت الزلزلة ورجعت الناس خائفين.
وفي أواسط جمادى الأولى قدم القاضي إلى دمشق الشام، واسمه رضا أفندي، ولم يحرّك ساكنا.
وفي ثامن جمادى الثانية ظهر خبر بدمشق أن عبد الله باشا الشتجي والي الشام معزول. وفي ثالث عشر جمادى الثانية. وفي يوم الخميس ثاني وعشرين جمادى الثانية رحل الحاج عبد الله باشا الشتجي إلى منصب ديار بكر على ما قيل.
وفي ليلة الاثنين الخامسة والعشرين من جمادى الثانية قُبيل السحر صارت في الشام أيضاً زلزلة خفيفة أخف من الزلازل المتقدمة. ثم شاع الخبر بين الناس أنه سيحدث زلزلة عظيمة، ففزعت الناس فزعاً شديداً، ورجعوا إلى ما كانوا عليه من الخوف والفزع والخروج للبساتين والمقابر، نسأله تعالى اللطف.
وفي نهار الاثنين غرة رجب المبارك من هذه السنة دخل والي الشام محمد باشا الشالك بن بولاد باشا لدمشق بموكب عظيم ضحوة النهار، وخرجت لملاقاته الأكابر والأعيان والأفندية والأغاوات، وخرجت الإنكشارية بالخيل والعُدد المطلية والدروع الداوودية، وخرجت القبقول بالعدد الكاملة.
وفي يوم السبت سابع رجب دخل نعمان باشا حاكم صيدا، فدخل في موكب عظيم، وخرج لملاقاته والي الشام محمد باشا الشالك ومعه الأفندية والأكابر والأغوات، وأنزله والي الشام عنده، وأنزل كل آغا من أغواته عند آغا من أغوات الباشا، ثم أقام في ضيافة والي الشام محمد باشا ثلاثة أيام وأربعة ليال، ورحل لمحل وظيفته ومنصبه بصيدا.
وفي نصف شهر رجب جاء ريح عظيم استمر أربعة أيام ولياليها حتى هدم أماكن كثيرة، ولم يبق من الأشجار إلا القليل، وارتجاج من الزلازل لم تبطل لا ليلاً ولا نهاراً، مع وقوع الغلاء حتى في الخضراوات، فرطل الخبز بخمسة مصاري، ورطل الباذنجان بخمسة وعشرين مصرية، ورطل البصل بتسعة مصاري، ورطل اللحم بقرش وربع لم يوجد، ورطل السمن بقرش ونصف وربع. والبقية على نحو ما قدّمنا.
قال المؤرخ البديري: والفقير لم يوجد معه ولا منقير، والهدم واقع من الزلازل في كل وقت وحين، والناس رحلت إلى أرض الفلاحين، والله تعالى هو المعين.
وفي نهار السبت الثاني والعشرين من رجب جاء قبجي من طرف الدولة العلية واسمه سبانخ زادة لأجل الكشف على الجامع الأموي وعمارة قبّته وجهته الشمالية ومآذنه المهدومة في الزلازل، ومعه باش معماري وفعلة ورجال لأجل مباشرة تعمير الجامع المذكور.
وفي عاشر شعبان سار والي الشام محمد باشا الشالك إلى الدورة وأخذ معه أحمد بشه بن القلطقجي ومعه محمد آغا بن دالي وابن بكماز اللذين كانا هاربين مع ابن القلطقجي. فلما وصل محمد باشا ومن معه إلى نابلس توفي أحمد بشه بن القلطقجي. ودُفن بها، وكان موته بالطاعون، لأن مبادي الطاعون وقع خفيفاً من شهر جمادى الثانية، ولم يزل يكثر في رجب وشعبان، كما وجود الغلاء كما يأتي.
стр. 58
ثم دخل شهر رمضان المبارك نهار الخميس، وصار العيد يوم الجمعة، فصار عيداً للأموات والأحياء، لكنه للأموات أكثر. فقبل عيد الفطر بيومين وبعده بيومين يخرج من كل باب من أبواب دمشق ممن مات مطعونا في كل يوم نحواً من ألف جنازة والعياذ بالله.
وهذا شيء ما سمع من عهد الطاعون عمواس، نسأله تعالى اللطف فيما جرت به المقادير. وصار النقص أيضاً في الفاكهة، حتى صارت أوقية الجانرك بمصريتين، والمشمش رطله بأربعة وعشرين مصرية، ورطل التوت بثمانية مصاري، ورطل التفاح بأربعة وعشرين مصرية، ورطل الأنجاص بثلاثين مصرية، ورطل الثوم بثلاثين مصرية، ورطل البصل بسبعة مصاري، واللحم والأرز وغيره على نحو ما قدمنا، وقد طال الأمر وكثر القهر وزال السرور، وزادت البغضاء والشرور، ولم يدر الإنسان أين يدور، من شدة البكاء والنفور، ولله عاقبة الأمور.
وفي يوم الجمعة الخامس عشر من شوال سار محمد باشا الشالك بالركب الشامي إلى الحرمين الشريفين. وبعد يومين سار الحاج بمهماته وبعد أيام جاء عثمان باشا والي مدينة طرابلس سردار الجردة، وكان نزوله مدة إقامته في قرية من القرايا من غير أسف ولا ندم، وسار مسافراً في ذي الحجة مع كواخي صيدا ونابلس.
وفي نصف ذي الحجة توفي الشيخ أحمد بن سوار شيخ المحيا، وكان علاّمة زمانه ووقته، وله شجاعة زائدة وبراعة في العلوم متزايدة، وصار له مشهد عظيم، ودفن في تربة قبر السيدة عاتكة. وبعده توفي ابن عمه الحسيب النسيب الشيخ سليمان، وكان يعمل المحيا في جامع الأموي وفي جامع البزوري الذي في محلتهم. وبهذا الشهر أيضاً توفي العالم العلامة مفتي السادة المالكية الشيخ يوسف أفندي، وصار له مشهد عظيم، ودفن بمرج الدحداح، رحمه الله تَعالى.
سنة ١١٧٣
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومئة وألف، وكان غرة محرمها الثلاثاء، وكان دخولها في اشتداد الحر. وفي السابع والعشرين من المحرم قدم جوقدار الحج الشريف، وبعده دخل الكَتّاب، وأخبر أن هذه الحجة بغاية الراحة، وأن عثمان باشا سردار الجردة صنع من الخيرات في هديه أشياء ما صنعها غيره. وذلك أنهم لما التقوا بالجردة وجدوا عثمان باشا سردار الجردة قد سبقهم، وفي انتظارهم له إحدى عشر يوماً مقيم في هدية، وهذا ما سبق لأحد قبله. وقد أغاث الحجاج بالإكرام، فقد أطعم الجائع وسقى العطشان، وركب العيّان وكسا العريان. ثم لما وصلت أفعاله الحسنى إلى الدولة العلية صانها المولى من كل بلاء وبلية وجّهوا عليه إمارة الشام، ووجهوا لولده محمد باشا مدينة طرابلس.
وفي نهار الأربعاء السابع والعشرين من ربيع الأول جاء قبجي بعزل محمد باشا الشالك من الشام وبتوجيهها لعثمان باشا سردار الجردة.
وفي هذه الأيام بوشر بعمارة جامع الأموي، فدخلته المعمارية والنجارون والدهانون والحجّارة، وبذلوا الهمة بتعمير القبة والجهة الشرقية وما سقط من المآذن وبتحسين جميعه، ولا يُفتح إلا في وقت الصلاة فقط. والعمارة أيضاً مشتغلة في القلعة وترميمها، وقد تمت عمارة القلعة في شهر رجب سنة تاريخه، وتم تعمير الجامع الأموي والجهة الشمالية والقبة وترميم المنائر وتحسينه في شهر رمضان من هذه السنة.
وقبيل شهر رجب سار عثمان باشا إلى الدورة، وفتح فيها قلعة طرطورة، وكانت تلك القلعة في يد الظاهر عمر، وقتل كذا، ولما رجع عنها عثمان باشا أخذها الظاهر عمر بقوة جيشه بلا محاصرة.
وفي هذه السنة المطر غزير والطاعون المفرط والوباء زائد الحدّ والفاكهة قليلة جداً، والغلاء مطنب كما أسلفنا: فالرمانة الواحدة بثمان مصاري وأوقية التفاح بسبع مصاري، ورطل الفحم بخمسة عشر مصرية، وأوقية السمن بسبع مصاري، وأوقية الزيت بثلاث مصاري، وبقية المقتاتات على هذا النمط كما أسلفنا، وأما القيمق فقد صار رطله بريال، وما بقي للفقراء حال. وفي اثنين وعشرين شعبان من هذه السنة جاء عثمان باشا من الدورة وأحواله مسرورة. ونهار الاثنين ثبت رمضان المبارك، وثالث ليلة منه والناس في صلاة التراويح صارت زلزلة مزعجة، فقطعت الناس صلاة التراويح، وتهاربت الناس، وداست بعضها بعضا، وانذهلت عقولهم وفُقدت نراجيلهم وبعض ثيابهم، وثاني ليلة حصلت أيضاً مع رجّات لا تُدرك.
سنة ١١٧٤
стр. 59
ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومئة وألف. وكان عثمان باشا والي الشام في الحج أميراً له. ولما جاء الحج أخبر أن هذه الحجة من أبرك الحجج برخاء ورخص وأمان.
وفي تلك السنة جاء قبجي يأمر بالزينة العظمى، ونادى عثمان باشا أن من عنده لعبة ولو كانت من الطين والخشب أو عنده معرفة بأبواب السيما التي تسمى بالملاعيب فله عندي الإكرام الزايد، فبذل جانباً من المال وأعطى ومنح، ودارت العرايض بأنواع الملاعب وعملت جميع الصنائع والحرف، ومشت بمواكب عديدة مدهشة، منهم بالأسلحة والعدد والدروع الفاخرة، ومنهم الثياب المثمنة المنوعة. والحاصل حصلت زينة ما سمعنا ولا رأينا أنه صار نظيرها.
وبتلك السنة ركب عثمان باشا والي الشام على قلعة صهيون وفتحها، فأمن الخايف وقلت الرواجف. وفي تلك السنة أيضاً جاء خبر إلى الشام بقتل عبد الله الشتجي، وضبطت الدولة ماله ونواله، وراح كأنه ما كان.
سنة ١١٧٥
ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومئة وألف. وكان والي الشام عثمان باشا أميراً بالركب الشامي، وكانت حجة مريحة لم يحصل أدنى كدر للحجاج. وكانت وقفة عرفات يوم الجمعة. ومن الاتفاق العجيب أن عثمان باشا خرج بالركب يوم الجمعة، ووقف على عرفات مع الحج يوم الجمعة، ودخل الشام يوم الجمعة.
وفي مدته لم يحصل في الشام أدنى مكدّر، فعدل في الرعية، وعاشت أهل الشام بمدته عيشة هنية. وكان كيخيته سليمان بك مملوك سليمان باشا بن العظم. وكان في موت بيت العظم قد قاسى أهوالاً، فنال بصبره آمالا.
وفي تلك الأيام ورد الخبر إلى دمشق الشام بأن سعد الدين باشا بن العظم مات في ديار بكر، وجاء الأمر بضبط ماله، فضبطت الدولة على ماله واستولت على نواله، فقد نقل الثقات أنه خرج عنده مال عظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
انتهى ما ذكره البديري من هذا التاريخ، واختصر حوادث السنين الأخيرة جداً وزاد سنة سهواً. والصحيح ما نقلناه. فسبحان من ليس بغافل ولا ساه. انتهى ما حررناه بقلم محمد سعيد أبي جمال، أحسن الله له الحال والمآل. وذلك قبيل ظهر يوم الخميس الرابع والعشرين من رمضان سنة ١٣١٧. تمّ الكتاب على يد الفقير خادم العلم الشريف محمد بن المرحوم الشيخ عبد القادر المجذوب في ميدان الحصا في رجب الحرام سنة ١٣٢٣.