← История

История · id 404

حوادث دمشق اليومية

البديري الحلاق

Полный текст (59 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم حمداً لمن تفرّد بالبقاء، وتوحّد بالربوبية والكبرياء، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأنبياء، وعلى آله الأصفياء وأصحابه الأتقياء. أما بعد، فإن حوادث دمشق الشام اليومية التي صدر غالبها في أيام الوزيرين العظيمين: سليمان باشا وأسعد باشا اللذين هما من أعيان وزراء بني العظم العظام، جمعها الفاضل شهاب الدين أحمد بن بدير البديري الشهير بالحلاق، من سنة ١١٥٤ إلى سنة ١١٧٦ قد اشتملت على غرائب وعجائب وأهوال، ولبساطة مؤلفها كتبها بلسان عامي، ثم أطنب بزيادات الحوادث وأدعية مسجعة يملُّ سامعها ويسأم قارؤها، فحذفت القشر من هذه الحوادث ووضعت اللباب، وهذبتها على حسب الاستطاعة بالصواب، وإليه تعالى المرجع والمآب، آمين. سنة ١١٥٤ قال البديري ﵀ ما معناه: وفي سنة ١١٥٤ كان والياً بالشام الحاج علي باشا من الأتراك وذلك بعد مضي إحدى عشرة سنة من جلوس مولانا السلطان محمود خان بن السلطان مصطفى خان، أيد الله عرش هذه الدولة إلى آخر الدوران. جرى على لسان العامة أنه سيحدث بدمشق الشام زلازل عظيمة تتهدم بسببها أماكن كثيرة، وأن الرجال ستقلب نساء، وأن أنهار الشام تجري طعاما. وتحدثوا في حوادث كثيرة من مثل هذه الخرافات، وصاروا يتداولونها فيما بينهم، ولم يحدث شيء فيما بعد من هذه السنة. وكانت هذه السنة سنة غلاء في الأقوات وغيرها، حتى بلغت أوقية السمن بخمس مصاري ونصف ورطل الأرز بستة عشر مصرية، ومد الشعير بثمان مصاري والخبز الأبيض باثني عشر مصرية ورطل الكعك بأربعة عشر مصرية والخبز الأسمر رطله بخمسة مصاري. وكان في العام الذي قبله الحاكم بدمشق الشام عثمان باشا المحصل، أخرج الأورطة التي للقبيقول من قلعة الشام. فمنهم من نفاه، ومنهم من قتله، والذي بقي كرّ له كور عمامته بعد شهادة جماعة من الناس بأنه غير زَرْبَه، ولا وقع منه فساد، وشتت شملهم في جميع البلاد، وكان ذلك إصلاحا. وقد قتل الشر من دمشق الشام واصطلحت أحوال الناس. وكان مجيء الجوخدار من الحج مبشراً في اليوم السابع والعشرين من شهر المحرم. ودخل الكَتّاب تلك السنة ليلة الأربعاء ثالث ليلة من شهر صفر. وكان الكَتّاب باكر بشة الحمامي ومعه جماعة. ودخول الحج إلى الشام كان نهار السبت ثاني يوم بعد مجيء الكَتّاب، ولم يزل ينجرّ وينسحب خمسة أيام حتى دخل المحمل. وذكر الحجاج أنهم داروا في هذه السنة دورتين بين الحرمين، وصار عليهم غلاء وبرد كثير، وقتل ابن مضيان شيخ العرب بين الحرمين بعد قتال وقع بينهم وبين والي الشام أمير الحج. ثم أقام مدة بعد مجيئه من الحج، والناس في أمن وأمان ثم عزل. ووجهت الدولة العلية على الشام سليمان باشا بن العظم، فأرسل سليمان باشا قبل دخوله للشام سلحداره زوج بنت الوفائي متسلماً وبقي نحو شهرين لم يدخل الشام، ثم أتى ونزل على البقاع، وأراد محاصرة جبل الدروز، فصالحوه بمال عظيم حتى أرضوه. ودخل الشام نهار الخميس ثاني عشر جمادى الثانية في هذه السنة المذكورة وهي سنة ١١٥٤. وبعد ثلاثة أيام من دخوله صلب ثلاثة أشقياء من العرب، وبعد ذلك أبقى كل شيء على حاله ولم يحرك ساكناً. وكانت السنة التي دخل فيها بمظهر اسمين من أسمائه تعالى: وهما قيوم حفيظ لسنة ١١٥٤، نظمها الشيخ عبد الرحمن البهلول أحد أدباء الشام ببيت، فقال: بهذا العام فيهم قد تجلى ... مع التاريخ قيوم حفيظ وفي هذه السنة كان صوم رمضان الجمعة، ثم ثبت في آخره أن الشهر كان أوله الخميس، وخرج المحمل الشريف مع الباشا في منتصف شوال نهار السبت، وثاني يوم جاء الحج الحلبي، ومعهم من العجم نحو الثلاث مئة. وبعد أربعة أيام خرج الحج، وبقيت شرذمة من الحاج لأجل دفتر دار السلطان محمود خان، فخرج ثاني يوم الخميس، وخروج الحاج كان في كانون الأول والبرد في غاية الشدة، وبقي الصقيع والجليد في الأرض نحواً من خمسة وعشرين يوماً، والشمس طالعة والجليد لا يذوب، حتى قيل إنه ما رؤي مثلها، فقد يبست الأشجار، وعدمت الثمار على الخصوص الليمون والكباد والنارنج، حتى بيع رطل الفحم بالشام بثلاثة مصاري. وأخبرت المزيرباتية بعد رجوعهم أنه بيع رطل الفحم كل ثلاثة أرطال بقرش.

стр. 2

وفي هذه السنة خرجت الجردة نهار السبت السابع والعشرين من ذي القعدة، وصار عليها سردار يعقوب باشا المتولي على مدينة حلب، وقد ذكر له سيرة مرضية وعدل بالرعية. قال الشيخ أحمد البديري: وقد قلت في هذا العام، وهو عام ١١٥٤ هذا المواليا في حق من أظهر الكذب والأراجيف التي قدمنا ذكرها، حيث قلت: من كثر كذب الروافض دبّ فينا الشيب ... ما يعلموا الكذب أنه من شروط العيب من جهة الزلزلة قالوا كلام الريب ... هم الملاعين صاروا يعلموا بالغيب غيره: في ليلة السبت خامس عشر في محرم ... مالو لقول الروافض زور ومحرّم من جهة الزلزلة النوم تحرم ... من نام تحت السقوفة يا أخي بالليل شم الهوى بين أطرافه بيتحرم غيره يا ناس كذب الروافض شاع في الأقطار ... وصيّرونا نسا نقعد بوسط الدار ينزل عليهم غضب واحد أحد قهار ... روّعوا الخلق في هل زلزلة يا ناس همو حمير اليهود جوا سقر في النار غيره بثبوت إن الرافض يوم الحشر يا أخيار ... حمير للركب للخاخان والجوقار راموا دسيسة بجلّق عمت الأقطار ... في ليلة السبت قالوا الزلزلة بتصير هل يعلم الغيب إلا الواحد القهار غيره في ليلة السبت قالوا الزلزلة بتصير ... والطفل من عجبها بين الورى بتحير أسألك يا رب بمن جا للأنام بشير ... تمسح روافض أهل الشام يا معبود واحرق آباهم وغوّر كورهم والبير قد قالت الناس كذبة ما سمعناها ... أنهار الشام يا أخي ينقع ماءها تجري طعام بدال الماء مجراها ... فاختية ورز أصفر ولحم سمين قوموا انظروا للكبب والسمن غطّاها غيره سمعت واحد يقول يا أخي قساطلكم ... هي عاطلة تاقوم معكم أعاونكم لأن أدهان ها الألوان تساعدكم ... وتخبوها لأيام الغلا والقحط لا يحبسوها الكبب في دربها عنكم غيره في سنة أربع مع الخمسين يا سادات ... سمعت أخبار ما سمعت بها عادات زادوا بإسرافهم ما سمعوا الكلمات ... الكل لله والأعمال بالنيات غيره استغفر الله ربي باعث الأرزاق ... واحد مهيمن تجد كلها إطلاق وامدح المصطفى هو صفوة الخلاق ... يغفر لكم ومعكم أحمد الحلاق سنة ١١٥٥ ثم دخلت سنة ١١٥٥ وأولها يوم الخميس وهو أول المحرم. وبعد خمسة أيام كان أول آذار. وفي تلك الأيام ظهر كوكب وصار يطلع كل ليلة من جهة الشرق من نصف الليل إلى طلوع الفجر، وله ذنب طويل، ومكث أياماً ثم غاب. وقد عمل بعضهم تاريخاً يتضمن تاريخاً لدخول هذه السنة وهي: نحمد الله الذي أوهبنا ... حسن عام وحبانا بالكرم هلّ هذا العام يا قوم انظروا ... لفظة التاريخ فألاّ يغتنم فاضرعوا لله في إتمامه ... بنجاح إنكم خير أمم وابشروا يا أمة الهادي الذي ... خصه الله بفضل وحكم فضل ربي عمّنا تكرمة ... ليس يحصى شكر هاتيك النعم وكذا كل الورى قد عمهم ... لطفه سبحانه باري النسم وخصوصا عصبة الشام التي ... هي للأبدال مأوى ملتزم كيف والسادات قد حلّوا بها ... سرّهم عمّ لسهل وأكم فاشكروا الله على عام أتى ... أظهر التاريخ حفظاً ونعم وكان دخول جوقدار سليمان باشا الوزير ابن العظم سنة ١١٥٥ في يوم السبت الواقع في رابع وعشرين من شهر محرم من السنة المذكورة. وفي يوم الثلاثاء السابع والعشرين من المحرم أقبل كتّاب الحج الشريف. وثارت في اليوم المذكور ريح شديد يومين وليلتين قلعت أشجاراً كثيرة وهدمت أماكن لا تحصى، ووقع فرع عظيم من شجرة الخرنوبة التي في الحضرة على رأس غلام مراهق فمات لوقته ورجلين آخرين فهشّمهم، وسكن الريح بوقته.

стр. 3

وفي يوم الاثنين ثالث صفر من السنة المذكورة دخل الحاج الشامي إلى دمشق، ودخل سليمان باشا العظم ثاني يوم. وكان صحبته يعقوب باشا سردار الجردة المنفصل عن حلب. وكان الحج في تلك السنة بأمن وأمان ورخاء ورخص، غير أن الباشا ذهب بين الحرمين من قبا وخرج من جبل عرفات من عند قبة النور، وآب راجعاً من الطريق الذي جاء منه علي باشا. قال البديري: وفي ذلك العام تأخر مجيء الفرمان المقرر على سليمان باشا عظم زاده فلغطت الأراذل والأسافل بالقول والفعل وأظهروا بدعاً كثيرة من محض الحرام، ولا زالوا على تلك الأحوال حتى جاء الفرمان، وكان دخوله صبيحة رابع جمادى الثانية من السنة المذكورة، وكان القاضي بالشام عبد الوهاب أفندي الملقب أبا زاده. وفي ذلك العام أمر فتحي أفندي ابن القلانسي الدفتري في تعمير طريق الصالحية، فقلب بلاطه وعمر صفته وأصلح حاله مع الناس. وفي غرة رجب المبارك من السنة وهي سنة ١١٥٥ جاءتنا جارية مباركة، وكنا قد اشترينا لنا منزلاً جديداً في محلة التعديل، وكنا في ضيق فقلنا: لعل بقدومها يحصل لنا الفتح والفاتحة، فسميناها صالحة، جعلها الله تعالى فالحة. وفي ٢٢ من جمادى الثانية عمل حضرة سليمان باشا العظم ديوانا، وجمع فيه الأفندية والأغاوات، وأخرج خطاً شريفاً بالعدل والتفتيش على المفسدين في دمشق من الإنكشارية، وطلب رؤساء الميدان وهم الأغاوات للحضور، فأبوا وأرسلوا له يسألونه ما يريد، فأرسل يطلب منهم سنة عشر رجلاً من الأشقياء الذين يسمونهم باصطلاحهم زرباوات، فأرسلوا له يقولون له: نحن لا نقدر على إلقاء القبض عليهم فدونك وإياهم. فبالحال أزال عنهم كدكاتهم، ووجّهها على غيرهم وأعطى أسماءهم للدلاّل، وأمره أن ينادي في شوارع الشام أن هؤلاء الستة عشر دمهم مهدور ولا جناح على من قتلهم وغيرهم في أمن وأمان من سليمان باشا. ففرحت الناس أجمعين، لأنهم كانوا من أعظم المفسدين. وثاني يوم قتلت الدالاتية رجلاً إنكشارياً، فهربت الناس وسكّرت دمشق الشام. فسأل الباشا عن ذلك، فقيل له إن بعض الموصلية والبغّادة الذين كانوا قبقول وطردوا في زمن عثمان باشا المحصل حين قتلوا بعض الإنكشارية مرادهم الآن يعملوا فتن. فأمر منادياً ينادي أن لا يبقى بعد ثلاثة أيام أحد من الموصلية والبغادة والقبقول، وكل من بقي منهم يصلب وماله ينهب. وفي ٢٤ من جمادى من هذه السنة دخل القاضي محمد أفندي الملقب بفندق زاده، ونزل في الصالحية، وكان الباقي من مدة القاضي القديم أربعة. وبعد إتمامهم باشر القاضي الجديد وظيفته في المحكمة. وفي عشية ليلة الثلاثاء ثالث رجب من هذه السنة ارتحل سليمان باشا طالباً قتال الظاهر عمر حاكم قلعة طبرية ومعه عسكر عظيم أكثره دالاتية، وأخذ معه القنابر واللغمجية والطوبجية الذين جاءوا من اصطنبول بطلب منه، ثم وصل إليها وحاصرها حصاراً شديداً، وأرسل حضرة سليمان باشا يطلب من أهل الشام سلالم. فأرسلوا له ما طلب، وبعد مدة أرسل يطلب فعّالة وبساتنية ويكون معهم مرور ومساحي ومجلاف، فأرسل جميع ما طلب إليه. ولم يزل محاصراً القلعة، وهو يضرب عليها بالمدافع والقنابر، ولم يؤثر فيها، وقد ساعدته الدروز وأهل نابلس ونائب القدس خليل آغا ابن أبو شنب وعرب بني صخر وعرب السقر مع قعدان بن ظاهر السلامة. وقد ضيقوا على أهل القلعة الحصار. لكن أخبر بعض أهل طبرية بأن المحصورين بالقلعة ما حصل لهم ضيق لأن مؤنهم كثيرة، وقيل إن باب القلعة يفتح في وقت مخصوص، وبعض الناس تغدو إليهم وتروح بما يطلبون. وقد قبض على ذخيرة مرسلة لهم، وذلك بأن أهل دير حنا وفيها أخو الظاهر عمر أرسل لأخيه كتاباً مع شخص، وأرسل ذخيرة بارود وخلافها مع أشخاص، فألقى رجل من عسكر سليمان باشا القبض على الشخص الذي معه المكتوب، وذلك بعد تفتيشه وجد الكتاب موضوعاً في نعله؛ فأخذ حضرة الباشا الكتاب وقرأه وقرّره فأقر بالنجدة والذخيرة المرسلة لأخي الظاهر عمر، فحالاً أمر سليمان باشا بقتله، وأرسل جماعة للقوم الذين معهم الذخيرة فأخذت منهم، وقتلوا غالبهم، وقطعت رؤوسهم، وأرسلها سليمان باشا إلى إسلامبول، وشدّد الحصار، وأرسل سليمان باشا لأخي الظاهر عمر الذي في دير حنا يقول له: إذا فرغنا من أخيك جئنا إن شاء الله إليك. وستأتي تتمة فتحها إن شاء الله تعالى.

стр. 4

وكان هلال رمضان في هذه السنة نهار الاثنين وأثبت بعد العشاء، وأشعلت القناديل في سائر مآذن الشام، وضربت مدافع الإثبات في منتصف الليل، وحصل للناس زحمة في حركة السحور، حتى فتحت دكاكين الطعام ليلاً كالخبازين والسمّانين. وفي تاسع رمضان المذكور هطلت أمطار غزيرة على عامة البلاد ولله الحمد. وغرق مركب بساحل صيدا بتلك المدة، وكان قادماً من مصر وفيه أرزاق كثيرة، عوّض الله أصحابها خيراً، قيل إنه غرق في نوء قاسم كوى. وجاءت الصرة من إسلامبول يوم الجمعة، وجاءت الخزنة السلطانية من مصر يوم السبت ثالث عشر من رمضان، وقد تأخرت عن وقتها، وكان صنجقها عمر بك. وجاءت البلطجية من إسلامبول نهار الاثنين في الشهر المذكور ومع ذلك حضرة سليمان باشا العظم في حصار طبرية، وقد شدّد على أهلها كما يأتي. وفي يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من هذا الشهر شهر رمضان توفي الرجل الصالح الحاج أحمد الحلاق بن حشيش، كان رجلاً صالحاً رأى العجائب لأنه كثير السايحة، وكان حسن المعاشرة والوداد، وكان حلاقاً لفرد زمانه وقطب أوانه الشيخ عبد الغني النابلسي قدّس سره، وكان يحلق أيضاً للشيخ مراد أفندي النقشبندي الكسيح، ولعمدة مذهب السادة الشافعية شيخنا محمد العجلوني ولأمثالهم، وكان يحلق مجاناً للفقراء من طلبة العلم وغيرهم. ومن صلاحه وتقواه أنه ما وضع يده على مريض إذا رمد وقرأ ما تيسر إلا شفاه الله وعافاه. قال مؤرخها الحلاق الشيخ أحمد البديري: وكان صاحب الترجمة أستاذي ومعلمي في صنعة الحلاقة، ومنه حصل لي الفتوح والبركة، رحمه الله تعالى. وثاني يوم الأربعاء توفي الشيخ مصطفى المغربل، وكان رجلاً ديناً أخذ الطريق من الأستاذ الشيخ يوسف الطباخ. وفي تلك الأوقات اشتد الغلاء في سائر الأشياء سيما المأكولات، مع وجود الأغلال وغيرها، فمن عدم تفتيش الحكام صار البياعون يبيعون بما أرادوا غير أن الغنم كان قليلاً جداً فصار الجزارون يذبحون الجاموس والجمل والمعز، فصار يباع رطل اللحم الشامي بثلاثين مصرية، ورطل إلية الغنم بقرش وربع، والبيض كل ثنتين بمصرية، والسمن رطل وأوقتين بقرش، والثوم رطله بثلاثين مصرية، ورطل الخبز بأربع مصاري وبخمسة مصاري وبأكثر. وقد كان بثلاث مصاري ونصف. فبقدوم شهر رمضان المبارك غلت الأسعار حتى الخضر، فقد كان قبل رمضان الكوسا كل مائة بمصرية، فلما هلّ رمضان صار خمسة وأربعة بمصرية، والباذنجان كل رطلين بمصرية، فصار كل رطل بمصريتين، واللحم عدم، وكل ذلك من عدم تفتيش الحكام. وكان نهار عيد الفطر يوم الأربعاء، وقد صمناه ثلاثين يوماً بإكمال العدة، فدخل العيد، ولم يأت حضرة والي الشام سليمان باشا من الدورة، بل هو للآن مقيم على حصار قلعة طبرية. وفي يوم السبت رابع شوال جاء تبشير رسمي من حضرة سليمان باشا بفتوح قلعة طبرية، فضربت المدافع وعملوا الزينة ودقت الطبول والزمور. وثاني يوم الأحد دخل حضرة سليمان باشا العظم إلى دمشق، فسبق كخيته والعسكر، وترك على قلعة طبرية على أغابن الترجمان، وعنده بعض العسكر والفعالة، وأمره أن لا يقدم دمشق حتى يخرّبها بعد إخراج أهلها منها.

стр. 5

قال المؤرخ: وبلغني أن سبب فتحها أنه لما اشتد الحصار على أهلها، وقد قلّ الزاد من عندهم ولم يتمكنوا من جلب قوت مما قد أحاط بهم من العساكر والعربان وأنه بعد ضرب المدافع والقنابر أمر حضرة سليمان باشا بحفر خنادق ولغم طوله مئتان وثمانون ذراعا، ولما بلغهم ذلك ضاقت عليهم الدنيا وازداد فزعهم، أرسل الظاهر عمر المحصور شيخ طبرية إلى عمر بك صنجق الخزنة المصرية التي تأتي للدولة العلية بهيئة وافرة ليتوسط بالصلح بينه وبين حضرة سليمان باشا، وكان ذلك قبل وصوله ووصول الخزنة لدمشق. فلما وصلت سار عمر بك، ودخل على حضرة سليمان باشا حاكماً بمصر. وكان عمر بك رجلاً وقوراً كبير السن، وقال له: يا حضرة الوزير، أنا رجل كبير السن بمنزلة والدك، وإن كنت من جملة خدمك، وداخل على جاهك في الصلح بينك وبين عبد نعمتك ودولتك الظاهر عمر شيخ طبرية والصفح من شيم الكرام، وأنتم الكرام لا سواكم. فأجابه حضرة الباشا بأنه يصير خير إن شاء الله تعالى. ولما كان ثاني أيام العيد، عيد الفطر اشتد على أهل طبرية الأمر، وزاد عليهم الحصر، خرجوا إلى أعلى الأسوار رافعين أصواتهم ينادون حضرة علي آغا الترجمان، ولما قرب منهم قالوا له: لك الأمان ادخل الباب فأخذ الإذن من الباشا ودخل الباب. وكان حضرة سليمان باشا قد أدركه السفر إلى الحاج، فدخل علي آغا إلى قلعة طبرية فتلقّوه كذا المشايخ ومعهم الظاهر عمر، فوقعوا على قدميه وصاروا يبكون حواليه، وعملوا له عشرة أكياس، ليدخل بينهم وبين حضرة سليمان باشا بالصلح، ثم خرجت النساء والأطفال والشيوخ يبكون وينتحبون فرقّ لهم، وسار طالباً حضرة الباشا، فلما وصل إليه وقع على قدميه، ووعظه بالحلم والإشفاق، وذكر له فضائل محاسن الأخلاق، فرقّ قلبه وأجاب سؤاله فلما علم المحصورون وتحققوا أن حضرة الباشا عفاعنهم وصفح خرجت النساء والرجال والأطفال، وفي رقابهم المحارم وعليهم الذل رافعين أكفّ الضراعة بالمسكنة، وضاجّين بالأدعية له وللسلطان الأعظم، ودفعوا لحضرته مئتا كذا كيس من المال بعدما أخذ ابن الظاهر عمر رهينة وأتى إليه إلى الشام، وأرسل جماعة لهدم القلعة وإبادتها. قال المؤرخ: هكذا حدّث بذلك علي آغا شاطر باشي، وقد نقلت لنا على غير هذا الوجه. والله أعلم بحقيقة الحال. وفي يوم الجمعة عاشر شوال من هذه السنة توفي الحسيب النسيب السيد عبد الله بن عجلان نقيب السادة الأشراف بالشام، ودفن بمدفنهم في سوق الغنم لضيق جامع المرادية، وكان يومئذ معزولاً عن النقابة وهي على ابن أخيه السيد علي أفندي. وفي ذلك اليوم عزل السيد علي أفندي عن النقابة، ووجهت على السيد محمد أفندي بن الشيخ عبد القادر الكيلاني، وفي ذلك اليوم أيضاً عزل حامد أفندي ابن العمادي عن وظيفة الإفتاء ووجهت إلى ابن عمه محمد أفندي ابن العمادي. قال المؤرخ ﵀: وفي ليلة السبت حادي عشر شوّال توفيت والدتي في الثلث الأول من الليل، رحمها الله وعفا عنها وبرّد مضجعها، وقد فارقت الدنيا وأنا بين رجليها نائم، وكانت من القانتات العابدات تصلّي نوافل الليل، ولها أوراد، إلى آخر ما قال. وفي ذلك الشهر من هذه السنة بعد صلاة الجمعة خرج المحمل الشريف مع الوزير الخطير سليمان باشا بن العظم. وثاني يوم السبت جاء الحج الحلبي ومعه ألف وسبع مئة عجمي. وفي عشرين شوال خرج الحج، من البلد شيئاً فشيئاً. وقبل سفر الوزير سليمان باشا عمل ديواناً وأحضر الأعيان، وأظهر الفرمان الذي فيه قتل الزرباوات أي المفسدين من الإنكشارية، وقال لمن حضر: هذا الفرمان الذي أمره مفوض لنا قد ألغيناه وعفونا عنهم، وعُدّ ذلك من حسناته. وكان أول يوم فصل الشتاء في هذه السنة من يوم الأربعاء تاسع وعشرين شوال وهو يوم دخول المزيرباتية، وأقام الباشا في المزيريب أربعة أيام ورحل في اليوم الخامس، وشال الحج عرب بني صخر وقد كان كل شيء رخيص من جميع البضائع ماعدا المعموك، والشعير المدّ بنصف وقرش، وقد رجع من الغلمان خلق كثير، وأمطرت السماء مطراً غزيراً يوم مجيء المزيرباتية بعد أن قنطوا، فاستبشرت عموم الخلق وحمدوا الباري على لطفه.

стр. 6

وفي عاشر ذي القعدة دخل مصطفى باشا متولي طرابلس الشام نهار الاثنين إلى دمشق، عينته الدولة العلية سرداراً على الجردة. والمذكور كان سفاكاً للدماء ظلوماً غشوماً أهرق دماء كثيرة حينما كان في طرابلس، وكان غالب قتله بالكلاب والشنكل، يترك الرجل حتى يموت جوعاً وعطشاً، فهربت غالب أهالي طرابلس من ظلمه وتفرقوا في البلاد، وأرسل أعوانه في طلب الهاربين، فالذي قبضوا عليه كان من الهالكين. وبعد مجيئه لدمشق وقعت فتنة بين الدالاتية التي للمتسلم وبين لاوند الأكراد، وقتل من الفريقين جماعة، وكانت تلك الفتنة في يوم الجمعة، حتى بطلت صلاة الجمعة في كثير من الجوامع. وفي غرة ذي الحجة ختام السنة المذكورة توفي الشيخ محمد الكيال وكان من رؤساء المؤذنين في جامع الأموي، وكان رجلاً صالحاً، وكان ينسخ كتباً وغيرها بخط مقبول، وكان ينام والقلم بيده ويفيق ويكتب من غير نظر للكتابة، وقد عُدّت له كرامة. وفي ذلك اليوم جاء خبر قتل متسلم دمشق، قتله عرب الزبيد وقتلوا من جنده جماعة كثيرة، وذلك لما كانت هذه العرب عاصية على الدولة خرج المتسلم المذكور ومعه جماعة من العسكر، فساروا حتى وصلوا للعرب المذكورة، ففاجأهم المتسلم وجنوده على حين غفلة بالقتل وغيره، وأرادوا أخذ أموالهم ومواشيهم، فردوا عليهم رد غيور صبور فقتلوا المتسلم المذكور وجماعة من عسكره، فحين بلغ هذا الأمر أكابر دمشق عملوا ديواناً ثم أمروا منادياً ينادي: من أراد طاعة الله والسلطان ممن له قدرة وقوة على الركوب فلا يتخلف، فالغارة الغارة على عرب الزبيد الذين قتلوا المتسلم وعسكره، فخرجت الإنكشارية والسباهية والزعماء، عينوا نائباً بدمشق حسين آغا بن القطيفاني، المتولي على وقف المرحوم سنان باشا، ثم ساروا للعرب، ورجعوا ومعهم جسد المتسلم المقتول، وهو في حالة عبرة لمن اعتبر، ثم غسلوه في سراية الحكم ودفنوه في باب الصغير. وكان اسمه إبراهيم، وهو مملوك سليمان باشا بن العظم حاكم الشام، وكان مع عدل مولاه، له ظلم وعدوان وجرأة على الخاص والعام، وكان يأمر بالقبض على كل من رآه بعد العشاء، ويأمر بتقييده في الحال بالحديد، إلى أن يأخذ منه مال كثير، وإذا أذنب أحد ذنباً، ولم يقدر على قبضه يقبض من يقدر عليه من أهله وقرابته، ويلزمه بمال عظيم، وإذا نهاه أحد عن تلك الأحوال يحرد، ويطلب الارتحال، ولا زال بظلمه وعتوه، إلى أن أخذه الله. وقيل سبب تدميره أنه جاءه شيخ الجبلة، الفحيلي، وقال له سراً: قم حتى أكسبك كثيراً من الغنائم، ولم يعلم أحد من كبراء الشام، سوى قومه الطغاة، فذهب هو وقومه حتى وصل إلى اللجاة، فلما وصل إلى تلك القبيلة ساق أموالهم والحريم، فارتدت عليه العرب، وأخذ عليه واحد منهم نيشاناً فضربه ولم يخطئه، وتركه ملقى قتيلاً وقتلوا جماعة من قومه، ذلك بما قدمت يداه. وفي نهار السبت منتصف ذي الحجة، توفي أبونا ووالدنا وأستاذنا ومربينا سليمان بن الحشيش الحكواتي رحمه لله. كان فريد عصره ووحيداً في أوانه. وكان يحكي سيرة الظاهر وعنترة وسيف، ونوادر غريبة في التركي والعربي، ومع ذلك فهو أمي لا يقرأ ولا يكتب. وكان أشقر أبرص، شديد البياض إلاّ أنه بحر خضم لا يخاض ﵀. وفي يوم السبت خامس عشر ذي الحجة توفي المرحوم عبد العزيز أفندي السفرجلاني، وكان فقيهاً محباً للعلماء، مقبولاً عند الحكام مهاباً وقوراً، وأعطي جاهاً لن ينله أحد من بني السفرجلاني، محباً لفعل الخير، ولهذا حصل له القبول عند الخاص والعام. وفي أوائل الشتاء من آخر هذه السنة قلت الأمطار، ويئست الخلق ونهض الغلاء على قدم وساق، فأغاث الله عباده بالأمطار كالبحار، وذلك في ابتداء كانون الثاني، واستمر ليلاً مع نهار لا يفتر، وأثلجت الدنيا سبع مرات، واستمر ذلك خمسة وأربعين يوماً، وتهدمت أماكن كثيرة بحيث ما بقي محل ولا جهة في الشام إلا ووقع الهدم فيها، ثم بعد ذلك طلعت الشمس، وأحيا الله الأرض بعد موتها. سنة ١١٥٦ ثم دخلت سنة ١١٥٦، ألف ومئة وستة وخمسين نهار الاثنين غرة محرم، جعلها الله سنة خير ورحمة وبركة. وكان والياً بدمشق الشام سليمان باشا العظم، وهو في ركب الحج الشريف.

стр. 7

وقد هلَّ هذا العام الجديد، ورطل الخبز الشامي بأربع مصاري وبخمسة، ورطل الأرز بثمانية مصاري، ورطل الدبس بثمانية مصاري، وأوقية السمن بستة مصاري ولا توجد، مع أنه كان من نحو شهر كل رطل وثمانية أواق بقرش، ولكن الخزان ما أبقى للفقراء قمصان، وأوقية العسل بخمسة مصاري، ورطل اللحم الضأن بثلاثين مصرية ورطل الثوم باثني عشر مصرية، ورطل لحم الجاموس ولحم البقر بعشرين مصرية، وأوقية الزيت بمصريتين وقطعة، وهذا الغلاء ما سمعنا بمثله أبداً وقد طال المطال، والناس منتظرة للفرج من الملك المتعال. قال المؤرخ: وفي أوائل هذه السنة الجديدة توفي الحسيب والنسيب السيد أحمد البابا، رئيس حرفة الدباغين، كان ﵀ بهي المنظر ذا هيبة حسنة، ولنا معه صحبة. وفي رابع وعشرين محرم، كان دخول الجوخدار من الحاج الشريف، يبشر بالسلامة وحسن السيرة، ثم جاء الكتّاب ومعه المكاتيب، ثامن وعشرين محرم نهار الأحد من هذه السنة المذكورة. وفي سلخ محرم صار في دمشق سيل عرمرم، ما رؤي قط مثله من قديم الزمان، وعقبه نزل برد كبير استقام نزوله مقدار ساعتين، حتى علا على وجه الأرض مقدار ذراع ونصف. وفي أوائل شهر صفر الخير، جاء خبر عن الحج الشريف بأنه غرق في الحسا قريباً ممن القطرانة، وذهب على ما قيل مقدار نصف الحاج، من خيل وجمال وبغال، ونساء ورجال وأموال وأحمال وقد غرق لأحد التجار سبعة عشر حمل، كل حمل لا يقام بثمن، فاستغاثوا بحضرة سليمان باشا العظم والي الشام، وأمير الحاج، وقالوا: نحن نهب لك مالنا وخذه أنت ولا تتركه للعرب. فحالاً نهض وأخذ معه جماعة، وذهب نحو مرحلة، وقد خاطر هو وجماعته، ثم غاب يوماً وليلة بعدما جدّوا في طلبه، وإذا هو قادم ومعه الأحمال، لم تنقص ولا ذرة. ثم ناداهم وسلمهم إلى أصحابهم، ولم يدنس حجه بشيء. وقد عدوا هذه المنقبة لمثله، من الهمم العالية والمروءة السامية، وبوصولهم أيضاً للبلقة جاء أيضاً سيل عظيم، أخذ مقداراً عظيماً من الحج، وأراد أن يتمم على بقية الحج، لولا أن تداركه الله بلطفه. ولما حصل هذا الأمر، كتب حضرة أمير الحاج سليمان باشا توقيعاً، وأرسله إلى الشام وإلى من حواليه، بأن يأتوه بعلف وذخيرة، فنادى المنادي في شوارع دمشق: يا أمة محمد، من كان يحب الله ورسوله، وتمكن من الخروج فليخرج، ومعه ما يقدر عليه من مأكل ومشرب وملبس، فليخرج ليلاقي الحجاج فخرجت الخلق مثل الجراد. وفي يوم الأحد رابع صفر الخير دخل الحاج، وثاني يوم دخل المحمل الشريف مع حضرة سليمان باشا، وكانت سنة هائلة أخبر الحجاج أن مدّ العليق صار بقرشين، وفي بعض الأماكن بأربع قروش، وكل ثلاث تمرات بمصرية، وهذا شيء ما سمع من قديم الزمان، وبيع كعب البقسماط بثلث قرش. وكانت دمشق أشد غلاءً من غيرها، حتى مدّ الملح وصل ثمنه إلى ثلاثين مصرية، والدبس الأوقية بمصرية، واللبن في آذار رطله بسبعة مصاري، والخبز لا يوجد، والحكام يخزنون، وأهل البلد يفعلون كفعلهم، وإلى الله المصير. وفي يوم الاثنين ثالث عشر صفر الخير من هذا العام، توفي العالم العامل، الشيخ أمين أفندي ابن الخراط ﵀. وفي غرة ربيع الأول من هذه السنة شرع حضرة والي دمشق الشام، سليمان باشا ابن العظم في فرح، لأجل ختان ولده العزيز أحمد بك، وكان في الجنينة التي في محلة العمارة، وجمع فيه سائر الملاعب وأرباب الغناء واليهود والنصارى، واجتمع فيه الأعيان والأكابر من الأفندية والأغوات ما لا يحصى، وأطلق الحرية لأجل الملاعب يلعبون بما شاؤوا. من رقص وخلاعة وغير ذلك، ولا زالوا على هذا الحال سبعة أيام بلياليها. وبعد ذلك أمر بالزينة، فتزينت أسواق الشام كلها سبعة أيام، بإيقاد الشموع والقناديل، زينة ما سمع بمثلها، وعمل موكب ركب فيه الأغوات والشربجية، والأكابر والإنكشارية، وفيه الملاعب الغريبة من تمثيل شجعان العرب وغير ذلك. وثاني يوم طهّر ولده أحمد بك، وأمر من صدقاته أن يطهّر من أولاد الفقراء وغيرهم ممن أراد، فصارت تقبل الناس بأولادهم، وكلما طهّروا ولداً يعطوه بدلة وذهبين، وأنعم على الخاص والعام، والفقراء والمساكين بأطعمة وأكسية وغير ذلك، مما لم يفعل أحد بعض ما فعل، ولم نسمع أيضاً بمثل هذا الإكرام والإنعام، على الخاص والعام، فرحمه الله وجازاه أحسن الجزاء، آمين.

стр. 8

وبعد هذا الفرح العظيم عمل فتحي أفندي الدفتري فرحاً عظيماً بهذا الشهر، أعني به ربيع الأول، زوج ابنته لأخيه، وكان فرحاً عظيماً ما عمل بدمشق نظيره، ولا بلغ أحد أنه عمل مثله، وكان سبعة أيام كل يوم خصّه بجماعة: فاليوم الأول خصّه بحضرة والي الشام سليمان باشا بن العظم، واليوم الثاني إلى الموالي والأمراء، واليوم الثالث إلى المشايخ والعلماء، واليوم الرابع التجار والمتسببين، واليوم الخامس إلى النصارى واليهود، واليوم السادس إلى الفلاحين، واليوم السابع إلى المغاني والمومسات، وهم بنات الخطا والهوى، وقد تكرم عليهم كرماً زائداً، ويعطيهم الذهب والفضة بلا حساب. وكان قبل الفرح عمل تهليلة، جمع بها جميع مشايخ الطرق. وفي السادس والعشرين من ربيع الأول بهذا العام توفي نقيب النقباء في دمشق، على الحرف والصنايع والطرق، الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ محمد الحلاق القادري، صاحب الحلقة في الجامع الأموي. وفي يوم الخميس الثامن والعشرين من ربيع الثاني في هذه السنة المذكورة، توفي الشاب السعيد سلالة الطاهرين، وفخر الصديقين، أحمد أفندي البكري الصديقي، وكان من النجابة على جانب ودفن بتربة الشيخ رسلان ﵀. وفي يوم الأحد غرة جمادى الأولى من هذه السنة، شرع حضرة سليمان باشا ابن العظم، في تعمير وترميم نهر القنوات، وجعل جميع المصارف من ماله جزاه الله خيراً، واشتغل بها من الفعلة مائتا فاعل، فأمر بقطع بعض الصخر من طريقها، وبتشييد أركانها وإصلاح ما فسد منها، ورفع جدرانها، وبضبطها ضبطاً جيداً وبإصلاح فروض مستحقيها على الوجه الحق، وأن يأخذ كل ذي حق حقه. فكانت هذه العمارة والضبط ما سبقه إليه أحد من عهد إصلاحها من أيام التيمور لما أصلحت بعده، وقد تمت عمارته في برهة خمسة عشر يوماً في أول مربعانية الصيف. ولما تم أمر بإطلاق النهر، فكان إطلاقه على أهل دمشق فرجة من أبهج الفرج، ويوم مثل يوم الزحام. وقد أرّخ هذه العمارة شيخ الأدب في الشام الشيخ عبد الرحمن البهلول، مادحاً حضرة الوزير سليمان باشا ومشيراً لتاريخ تتميم البناء، فقال: جزى المولى أمير الشام خيرا ... سليمان الزمان ودام دهرا بما قد جدد القنوات صدقا ... بإخلاص زكا سرا وجهرا فيا طوبى له إذ نال أجرا ... على مرّ الليالي مستمرا له في كل مكرمة أياد ... بإحسان علت وهلم جرا فكم صنعت يداه وجوه بر ... بها أرخ سبيل الخير أجرا وفي نهار الثلاثاء سادس عشر جمادى الأولى توفي الشيخ الفقيه العالم الشيخ علي، مدرس جامع عز الدين في باب السريجة، وقد ناهز الثمانين، رحمه الله تعالى. وفي يوم السبت الثامن والعشرين من جمادى الأولى من هذه السنة، قامت العامة وهجمت على المحكمة، وطردوا القاضي ونهبوا الأفران. وسبب ذلك كثرة الغلاء والازدحام على الأفران، وقلة التفتيش على صاحب القمح والطحان والخزان، فتلافى حضرة الوالي سليمان باشا هذا الأمر، وأرسل يشدد على الطحانة والخبازة، ويهددهم ويخوفهم فحالاً وجد الخبز، وتحسن وكسد، بعدما كانت غالب الناس تبات بلا خبز، فابتهلت الناس بالدعاء لحضرته. وفي سادس جمادى الثانية من هذه السنة، توفي الشيخ مصطفى ابن شيخنا وأستاذنا شافعيّ زمانه، وفاضل أوانه الشيخ محمد العجلوني، من افتخرت به محلة القنوات، ﵀. وبالأمر المقدور، توفيت زوجته أول يوم، ولحقها ثاني يوم، رحمهما الله تعالى.

стр. 9

وفي سابع جمادى الثانية من هذه السنة، خرج سليمان باشا قاصداً قتال الظاهر عمر، حاكم قلعة طبرية، واستصحب معه من العسكر نحو خمس مئة رجل، ألبسهم قلابق. وكانوا يشبهون الأرنؤوط وسماهم الأرانطة. وجاءه فرمان من الباب العالي بأن يخرج معه والي صيدا ووالي طرابلس والقدس وغزة والرملة وإربد، وقيل ركب معه من جبل الدروز عشرون ألفاً ويوم العاشر أرسل إلى أغاوات الإنكشارية، وأن يرسلوا له ثلاث مئة إنكشاري، وما بقي من العساكر يرسلونهم لمحافظة قرى حوران. وأرسل أيضاً إلى عامة قرى الشام بأن يخرجوا من كل قرية عشرة أنفار، ليحافظوا مع الإنكشارية أيضاً. ثم سار بتلك الجموع، وحطّ على مرج القَدَس بفتح القاف والدال في بلاد المتاولة، وأرسل طلب الأمير ملحم، فجاءه ومعه مئتا خيال. وبعد مدة جاء خبر لدمشق، بأنه وقع قتال بين الدروز والمتاولة، فقتل من المتاولة أكثر من ألف وحرقت الدروز بلادهم ونهبت أموالهم. ثم صالت المتاولة على الدروز فقتلت من الدروز نحو خمس مئة رجل، وكان معهم الأمير حيدر صاحب قلعة دير القمر، فنهاهم الباشا، فاعتذروا له فتركهم وشأنهم. ثم رحل حضرة سليمان باشا، طالباً قلعة دير حنا وأخذ معه شيخ المتاولة نصار ومعه نحو من أربع مئة إنسان، ورجع الدروز، ولم يرض معاونتهم، وكان في قلعة دير حنا أبو سعد أخو الظاهر عمر. قال البديري: وفي تلك الأيام جاء الخبر إلى دمشق، بأن القافلة التي سارت إلى بغداد أخذتها العرب، وكان بها من الأموال ما لا يحصى بقلم، ومن جملتها هدية وافية من حضرة سليمان باشا والي الشام، إلى أحمد باشا بن حسن باشا والي بغداد. وقد نقلت الرواة بأن العرب الذين أخذوا القافلة من أعوان الخارجي، الذي خرج من بلاد العراق، ويسمى طهماسب الذي تغلب على ملك العجم وأخذ بلاده، وعلى ملك الهند وأخذ بلاده، وقصد مدينة بغداد وحاصرها أشد الحصار. وفي سابع يوم من رجب، جاء خبر لدمشق بأن سليمان باشا ابن العظم قد مات، ودخل في خبر كان، فحالاً قام فتحي أفندي بن الفلاقنسيّ، دفتردار الشام، وختم على دوره وخزائنه وأملاكه. وأقام على ذلك حرساً بالليل والنهار، وقرر علي آغا المتسلم على حاله، وكتب بذلك عرضاً، وأرسله للدولة العلية. وفي ليلة الخميس ثامن رجب من هذه السنة، في وقت الفجر أدخلوا سليمان باشا في تخت، وأدخلوه لسراية الحكم، وغسّلوه بها ودفنوه ضحوة النهار في مدفنهم في باب الصغير، بجوار سيدنا بلال الحبشي، في القبر الذي فيه ولده إبراهيم بيك، بوصية منه رحمه الله تعالى رحمة واسعة. فقد كان وزيراً عادلاً، حليماً صاحب خيرات ومبرات، محباً للعلماء وأهل الصلاح. وقد أبطل مظالم كثيرة كانت على أهل الشام، مثل الشاشية والمشيخة والعرض، وهي أموال تفرض على الحرف والصنائع والحارات في الشام مرة أو مرتين في السنة.

стр. 10

قال المؤرخ البديري: وقد أخبرني بعض من أثق به عن سبب موته، وهو أنه دخل إلى حمام عكة، وخرج منه محموماً، وأن الظاهر عمر حاكم طبرية أرسل له كتاباً، يطلب منه الصلح فأبى، وقال لا يمكن إلا برأسك. فأرسل الظاهر عمر يستغيث به، ويقول خذ من الأموال ما تشاء، ودع سفك الدماء والقتال، وارحم النساء والأطفال، فلم يقبل سليمان باشا إلى أن دخل الحمام وخرج محموماً، وعلم أنه ميت لا محالة، ثم إنه أوصى أن يرحل به إلى الشام ويدفن عند ولده، ثم قضى نحبه رحمه الله تعالى. فكتم الأمراء موته، ورحل ألاى بيك وأكابر الدولة كخية سليمان باشا من عكة، ومعهم العساكر والمدافع، وقربوا من طبرية، ثم ضربت المدافع، ونزلوا على طبرية، بعدما وضعوا الباشا في التخت وحوله الجوخدارية، والغلمان تروّح له بالمراوح يميناً وشمالاً، وأمروا الخدام أن تنادي بالعسكر وهم مارين: الله ينصرك يابو خرما يا سليمان باشا. ثم أمر أن تفرد البيارق وتصطف العساكر وتسير، ومرّوا على طبرية، ولم يدر أحد ما جرى. ولما وصلوا إلى جسر بنات يعقوب بلغهم أن خمسة آلاف من المتاولة كامنين لهم، فرحلوا أول الليل وجدّوا في السير، فلطف اللطيف، ووصلوا للشام طلوع الفجر. ويوم دخولهم قامت الإنكشارية وقتلوا جماعة من الدالاتية تعدياً بلا سبب. وأما فتحي جلبي الدفتردار فإنه أمر بسجن السلحدار والخزندار والسيد محمد بيك، ابن عم سليمان باشا ومحمد آغا الديري، وكيل الخرج والمتصرف بدمشق الشام. وكان سجنهم في باب الآغا، ورسم على من معهم من الجماعة، وأقام ينتظر الجواب. وفي نهار الأربعاء، رابع عشر شهر شعبان من هذه السنة، ورد خبر بأن أسعد باشا بن العظم، الحاكم في حماه، قد تقررت عليه ولاية دمشق الشام مع إمارة الحاج. فأبقوا متسلمها علي آغا المتقدم ذكره إلى حين حضور الباشا المذكور. وفي ذلك النهار جاء ثلاثة نجابة من المدينة المنورة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام، وأخبروا بأن المدينة محاصرة وأنها ثلاثة أحلاف: حلف مع غزة القلعة، وحلف مع الطواشي، وحلف مع أهل المدينة، وأنهم في قال عظيم، وأن شريف مكة أرسل إلى الطواشي خمسة عشر بيرقاً تساعده على ذلك، وأن النجابين المذكورين، قاصدين اصطنبول، ليخبروا حضرة السلطان بذلك الحال. وفي يوم السبت الخامس والعشرين من شعبان المبارك الواقع في سنة ١١٥٦، كان دخول أسعد باشا ابن العظم لدمشق الشام والياً. وكان دخوله من مسجد الأقصاب، وهي المحلة المشتهرة عند أهل الشام بمز القصب. ودخل بموكب عظيم من الإنكشارية وأكابر دمشق وأمرائها وأعيانها. وفي ليلة السبت، حكم قاضي دمشق بإثبات هلال رمضان، وضربت المدافع قبيل العشاء، وصليت التراويح في جامع الأموي وفي سائر الجوامع. وفي ليلة الخميس خامس رمضان المذكور، سافر أسعد باشا بعسكره على الدورة، وترك على البلد المتسلم علي آغا المتقدم ذكره. وكان خروجه بزمن معتدل، والبلد بأمن وخير كثير، فرطل الخبز بخمسة مصاري، وأوقية السمن بستة مصاري، ورطل الأرز بتسعة مصاري، ورطل اللحم بثمانية عشر مصرية، وغرارة القمح بخمسة وعشرين قرشاً. والغلاء بهذه الدرجة، ولم يكن محل ولا جراد، ولا قلة مطر، ولكن من قلة التفتيش، والالتفات. وقد سافر حضرة أسعد باشا، وأبقى المتسلم المذكور آنفاً، وقد ترك كل شيء على حاله. وقد توسط فتحي أفندي الدفتري في الصلح بين الظاهر عمر حاكم طبرية، وبين حضرة أسعد باشا. فأرسل له الظاهر عمر أربعين حملاً محملة أرزاً وسكراً وجوخاً، وهذا ما عدا لفتحي الدفتري مما اختص به، فإنه كان هو السلطان في الشام، وصاحب نفوذ الكلام، وكلامه يقتضي الأشغال، والأمر المفوض لذي الجلال. وفي تلك الأيام وصلت الأخبار بأن الخارجي المسمى بطهماسب، وصل إلى أرض العراق، وأخذ مدينة كركوت، ومحاصر الموصل وبغداد، وقد باع الحريم والأولاد، نسأله الله تعالى اللطف بالعباد.

стр. 11

وفي تلك الأيام، رجعت الإفتاء إلى حامد أفندي ابن العمادي. وفي ليلة السبت خسف القمر، بعد نصف الليل خسوفاً فاحشاً، وبقي إلى أن طلع النهار. وفي رابع عشر شهر رمضان من هذا العام، ألقى رجل نفسه من أعلى منارة جامع الدقاق إلى الأرض؛ فهلك سريعاً، بعد أن تكسر جسمه؛ واسمه الشيخ حسن بن الشيخ يوسف الرفاعي. فسألنا عن سبب ذلك، فقيل لنا إن أخا زوجته أتى بامرأة إلى بيته، وكانت من الخطيئات، فنهاه عن ذلك، فنهره وضربه، فذهب فأخبر أكابر الحارة، فلم يلتفتوا إليه لأنهم فوق ذلك بالانغماس، فذهب إلى جامع الدقاق، وصلى الصبح مع الإمام، وصلى على نفسه صلاة الموت، وصعد المنارة ونادى: يا أمة الإسلام، الموت أهون، ولا التعريص مع دولة هذه الأيام، ثم ألقى نفسه إلى الأرض، عفا الله عنه. وفي ثامن عشر من هذا الشهر رمضان، وضع رجل يقال له المجرى، طبنجة في بطنه وقتل نفسه، فسألنا عن سبب ذلك، فقيل لنا هذا رجل عليه دين، فقتل نفسه من شدة كربه وقهره، مع أنهم أخبرونا أنهم وجدوا عنده نحواً من خمسة أكياس قمح مخزونة، فما سمحت نفسه أن يبيع شيئاً منها ويوفي دينه، فخسر دينه ودنياه. وفي يوم الثلاثاء في الخامس والعشرين من رمضان، في هذه السنة، أغلقت أهل الشام دكاكينها، وقامت الأشراف على بيت فتحي أفندي الدفتردار. وسبب ذلك أن تابعاً من أتباع فتحي أفندي، يقال له العفصة، شتم السيد علي أفندي النقيب، وسحب عليه السلاح، وعلى السيد علي أفندي بن الشيخ مراد الكسيح في جامع الأموي. فاجتمعت الأعيان، وعملوا ديوان كذا، وأخرجوا فتوى في قتله وإباحة دمه. فوقع التفتيش عليه، فتخبأ في بيت مصطفى آغا بن خضري الشربجي في الميدان، وكان هذا لعفصة قوّس السيد علي أفندي المرادي، وهو داخل إلى داره فلم تصبه، فانزعجت البلدة، واجتمعت الأكابر والأغاوات والقبجية والبلطجية وأمن الصرة عند القاضي في المحكمة، وعملوا عرض كذا في فتحي أفندي الدفتردار، بأنه من أعظم المفسدين هو وأتباعه، وأرادوا أن يرسلوه إلى الدولة العلية، ولكن انتظروا مجيء حضرة أسعد باشا من الدورة ليختمه، وثاني يوم بطلت همتهم، وكان كلامهم كما قيل: كلام الليل يمحوه النهار. وفي ليلة الجمعة ثامن والعشرين من رمضان، وجد في جامع الأموي، عند باب الكلاسة، رجل شحاذ مذبوح، وعلى صدره فلوس مبدورة، وما ظهر غريمه، وقيل ظنوا أنهم ذهب، فذبحوه لذلك فلما وجدوهم فلوساً بدورهم عليه بعد قتله. وفي يوم الخميس رابع شوال، قدم أسعد باشا من الدورة، وفي تاسع شوال توفي علي آغا بن الترجمان، وكان رجلاً ثناؤه بين الناس جميلاً. وكان قبل يومين، عمل أسعد باشا ديوان كذا وجمع فيه الأكابر والأعيان، وسعّروا الحنطة والخبز، فجعلوا غرارة الحنطة بخمسة وعشرين غرشاً، ورطل الخبز بخمسة مصاري. وهذا أمر التسعير لا يستقيم على الخصوص في الشام. وفي يوم الاثنين، خامس عشر شوال، رحل أسعد باشا أميراً للحاج بالمحمل الشريف، متوجهاً إلى مكة المشرفة، ونهار السبت في عشرين شوال رحل الحاج الشريف وكان الفصل فصل الشتاء، والسماء صاحية، وكان غلاء وبعض الطاعون. وبعد سفر الباشا بقي رطل الخبز بخمسة مصاري، ولكن صارت غرارة القمح بثلاثين قرشا. ثم ضجت العامة، ورجموا القاضي، وما أفاد شيء. قال المؤرخ البديري: وفي ذلك اليوم أفادنا أستاذنا شيخ قرّاء الشام، الشيخ إبراهيم الحافظ، ومن قال في حقه أستاذ الشام الشيخ عبد الغني النابلسي: من أراد أن يسمع القرآن كما أنزل، فليسمعه من فم الشيخ إبراهيم النابلسي، أفادنا بقراءة هذا الدعاء المبارك، وخاصيته لهجوم المخاوف في السفر والحضر، وهو هذا الدعاء: بسم الله الرحمن الرحيم. لقد جاءكم رسول من أنفسكم. عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم. بسم الله الخالق، الطائل الأكبر، حرز لكل خائف، لا طاقة لمخلوق، مع الله ، اللهم إني في حماك وتحت لوائك، فارحم حماك وانشر علينا لواءك واكشف عنا بلاءك الخارج من أرضك، والنازل من سمائك مطشين، فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم.

стр. 12

وفي نهار الثلاثاء، الثالث والعشرين من شوال توفي الشيخ العالم الفقيه الواعظ الشيخ أحمد الخطيب. الواعظ والإمام في جامع الدقاق في محلة القبيبات قبلي دمشق الشام، وهي الميدان التحتاني عند باب الله. قال المؤرخ: وتلك المحلة بها مولدي، ومسقط رأسي وبها منزلنا، وبعد وفاة والدنا انتقلنا منها إلى محلة التعديل. وكان الشيخ أحمد المذكور رجلاً فاضلاً، فقد أحيا تلك المحلة بالعلوم والدين، وانتفع به كثير من المسلمين. وفي اليوم الثالث والعشرين من شوال من هذه السنة، قدم سلخور من جهة السلطان، بتحصيل مال سليمان باشا، وقدره اثنا عشر ألف كيس، ودخل الشام مثل شعلة النيران، وأخرج حرم سليمان باشا من ديارهم إخراجاً شنيعاً، وصاروا يفتشونهم كذا، واحدة واحدة، مع التفتيش في جيابهم وأعبابهم، وختم على جميع مخادع الدار، وأمر بالقبض على ابن عم المرحوم سليمان باشا، وهو السيد محمد، وعلى جماعة أخرى معه، وأمر بالترسيم الشديد عليهم، وسأل عن محمد آغا الديري، وكيل خرج سليمان باشا، فأخبروه أنه ذهب مع أسعد باشا إلى الحج، فأمر بجلبه، فجاؤوا به، وأمر بالترسيم عليه. قال المؤرخ البديري: ثم أحضر السلخور القاضي والأعيان، واستجلب حرم سليمان الباشا، وأحضر الجلاد وآلة العذاب، وشدّد على الحريم بالطلب، وأن يعلموه عن المال أين مخبأ، فلما رأوا التشديد خافوا من العذاب وأقروا له عن بعض مخابئ تحت الأرض، فأرسل خلف المعمارية الذين عمروا السرايا، وكانوا نصارى، وكان المعلم نصرانياً يقال له ابن سياج، فأمر القبجي بتعذيبهم، وقطع رؤوسهم وأيديهم، فلما تحققوا عذابهم قالوا: نحن ندلك على كل ما عمل ثم أنهم حفروا له تحت الدرج، فبان عن سرداب، فرفعوا عنه التراب، ونزلوا في درج، فظهر مكان واسع وفيه صندوق مقفول وعليه غالات وقفول، فأخرجوه وفتحوه، فرأوه ملآن من الدراهم والريالات. ثم أخرجهم النصراني إلى مخدع، فحفر في دوائره، فإذا فيه سبع براني مملوءة من الذهب المحبوب السلطاني، فلما رأى الحاضرون ذلك الحال زاغت منهم الأبصار، ثم عدوه وضبطوه، فوجدوه ثمان مئة كيس وخمسين كيساً. فلما بلغ الناس ما خرج عنده من هذا المال، وكان في أيام شدة الغلاء، مع سوء الحال، لهجوا بالذم والنكال، وقالوا قد جوّع النساء والرجال والبهائم والأطفال حتى جمع هذا المال من أصحاب العيال، ولم يراقب الله ذا الجلال. وقبلا جاء قبجي لضبط مال سليمان باشا، فضبط ألفين وخمسين كيساً، فلم يره بشيء كذا. وقد كان فتحي أفندي الدفتردار اشترى غالب متاعه والأغلال، فكان عنده من القمح ما بلغ ثمنه خمسة وعشرين كيساً، وبلغ الغرارة بخمسة وعشرين غرشا، والكيس بخمس مئة غرش، فانظر كم غرارة بخمسة وعشرين كيسا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وسيأتي الكلام على بطش الله، وغضبه بالدفتري المذكور، لأن الله تعالى يمهل ولا يهمل. ولا تحسبنّ الله غافلاً عما يعمل الظالمون. وفي اليوم الرابع والعشرين، وهو يوم السبت من شهر ذي القعدة، توفي الشيخ محمد المكتبي، هو وابنه، في الطاعون المشتد في هذه الأوقات. وكان إماماً في الجامع القلعي، وشيخ كتاب في محلة الخراطين، فتوفي هو في أول النهار، وابنه في آخره. وكان مبدأ هذا الطاعون أول الخريف، في أواخر الصيف، واستمر حتى دخل الشتاء وزاد كثيراً، وقد قيل بدخول السنة الجديدة يذهب. وفي أوائل ذي الحجة، طلع نجم له ذنب، من جهة الغرب، ويستمر إلى ما بعد الشتاء بقليل واستقام إلى أن دخلت السنة الجديدة. سنة ١١٥٧ وكان دخولها غرة محرم الحرام يوم السبت سنة سبع وخمسين ومئة وألف، ١١٥٧ فبقي النجم الذي له ذنب يطلع من جهة الغرب، ثم صار يطلع من جهة الشرق، وذنبه إلى الغرب.

стр. 13

وفي تلك الأيام قتل نفسه شيخ التكية. وفي تلك السنة كثرت بنات الخطا، ويتبهرجن بالليل والنهار، فخرج ليلة قاضي الشام بعد العصر إلى الصالحية، فصادف امرأة من بنات الخطا، تسمى سلمون، وهي تعربد في الطريق، وهي سكرى ومكشوفة الوجه، وبيدها سكين. فصاح جماعة القاضي عليها، أن ميلي عن الطريق، هذا القاضي مقبل، فضحكت وصاحت وهجمت على القاضي بالسكين، فأبعدوها كذا عنه أعوانه. ثم جمع القاضي الوالي والمتسلم، وذكر له ما وقع له مع هذه العاهرة، فقالوا له هذه من بنات الخطا واسمها سلمون، وافتتن بها غالب الناس، حتى صار ينسب إليها كل حاجة أو متاع، فيقولون هذا متاع سلموني، وهذا الثوب سلموني. فأخرج المفتي فتوى بقتلها، وإهدار دمها تسكيناً للفتنة، ففتشوا عليها وقتلوها. وأرسلوا منادياً ينادي في البلد، أن كل من رأى بنتاً من بنات الخطا والهوى، فليقتلها ودمها مهدور، فسافر عدد منهن وانزوى البقية. ومع ذلك فالطاعون مخيم في الشام وضواحيها، مع الغلاء ووقوف الأسعار. وفي نهار الأربعاء تاسع عشر محرم من هذه السنة، ورد من الدولة العلية خط شريف إلى القبجي، الذي جاء لضبط مال سليمان باشا، بأن يجمع أعيان البلد ويقرأ عليهم الفرمان، ومضمونه بأن يفتش ويفحص على خلفات الباشا المذكور، وأن يعذب الرجال والنساء بلا معارض حتى يقروا بالمال. فأجابوا بالسمع والطاعة، فأول من أتى به، ابن عم الباشا السيد محمد وهدده، فحلف بالطلاق، بأن ما عنده علم وقيل ضربه، فأقرّ على مكان، وقال احفروا هنا، فحفروا في دار الباشا حول الوجاق. فبان عن أربع زلع ذهب، فيهم ستة عشر ألف ذهب. ثم ضربوا الطواشي، فأقرّ بأنه مودع عند رجل يقال له حسن الطرابلسي، مخلاة ملآنة ريالات. فسارت إليه الأعيان، وأتوا به وبالمال، فأخرجوه فوجدوا داخل المخلاة بين المال جوهرة ليس لها قيمة، ورأوا المال ناقصاً عن ما قال الطواشي، فأمر القبجي بحبس الذي خرج من عنده المال، وحبس أولاده ومن يلوذ به. وأمر بحضور نساء الباشا وحريمه، وقد ذكرنا أولاً أنه أخرجهم كذا من الدار عنفاً وتركهم تحت الترسيم، والآن أمر بإحضارهم فأحضروهم وصار يقررهم فأنكروا وجحدوا، فأمر بحبسهم، فحبسوا في باب البريد وشدد عليهم. وكان لسليمان باشا سرية مقدمة على جميع محاظيه تسمى زهرا، كأنها البدر في أفق السماء، وكان قد تركها القبجي عند سليمان بيك وكيل سليمان باشا على أملاكه تحت الترسيم. فلما جاءه الفرمان بعقوبة الرجال والنساء أمر بإحضارها، وسألها عن المال، فأنكرت وادعت أنها ما رأت شيئاً ولم تعرف شيئاً، فأمر بضربها، فضربت على وجهها ويديها وأجنابها، حتى عدمت صوابها فلم تقرّ بشيء، وهي تحلف أن ليس لها علم ولا خير ولا أطلعها سيدها سليمان باشا على أمر، فتركها تحت الترسيم، لأنه جبار لئيم وشيطان رجيم ليس له شفقة على الحريم، عذّبه الله بنار الجحيم، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. ثم بعد ذلك جمع القبجي جميع حريم الباشا الجوار والأحرار جملة واحدة، وأخذ جميع ما معهم كذا وما عندهم من ذهب وفضة ومتاع وحلي وألبسة وجميع ما تقتنيه النساء، وذلك بعد العذاب والإهانة والضرب الشديد. قاتله الله بجلود لا دباغ لها وعذبه بنار الخلود. ثم إن سليمان باشا كانت له زوجة هي بنت الشيخ ياسين القادري، لما رأت ما حلّ بصحيباتها من الإهانة سألها القبجي عن مال زوجها الباشا، وهددها بالعذاب، فخافت وأعطت له شكلاً من الذهب يساوي عشرة أكياس، وأعطته تمسكات، وهي سندات كانت على بعض التجار بنحو مئة وخمسين كيساً. وكان جميع ذلك المال إرثاً عن أبيها الشيخ ياسين القادري، ﵀ وقدّس سرّه. وكل هذا الحال وأسعد باشا العظم في الحج. ولما جاء أسعد باشا من الحج عمل ديوانا، وحضر القبجي وأخرج خطاً شريفاً بأن أمره مفوض يفعل ما يشاء من تعذيب وقتل وحبس، ولا أحد يعترضه. وقد ظن الناس أن أسعد باشا يقوم ويقعد لذلك، فخرج الأمر بخلاف ذلك، وقام ولم يحرك ساكناً. وسيأتي قريباً أخذ ثأر سليمان من فتحي أفندي الدفتردار. ثم بعد مدة جاء فرمان بالعفو نامه، وجمعوا محمد آغا بن الديري والسيد محمد بن عم سليمان باشا والسيد سليمان، فباعوا القمح والأملاك وما بقي من الأمتعة والزردخانة إلى أسعد باشا بأربع مئة كيس.

стр. 14

وفي نهار الخميس خامس جمادى الأولى، سافر إلى اصطنبول القبجي المذكور. وقد ظنت الناس أن أسعد باشا ابن أخي سليمان باشا يفعل أمراً في القبجي وفي فتحي الدفتردار فلم يقع منه شيء وسيأتي تدبيره في تدمير الدفتردار قريباً. وفي آخر جمادى الثانية جاء خبر من الدولة العلية في طلب فتحي أفندي الدفتردار، فسار صحبة القبجي الذي جاء في طلبه. وفي خامس يوم رجب تعصبت أعيان الشام، وعملوا عرضاً في فتحي أفندي بأنه من المفسدين، وما تم الأمر معهم لاختلاف كلمتهم. وفي ليلة الثالثة والعشرين من رجب بعد العشاء انشقت السماء ونزل منه آفة عظيمة، واشتهر ذلك بين الناس. قال المؤرخ: ولم أرها بعيني. وفي ثامن يوم من شعبان دخل قاضي الشام محمد أفندي زاده، وكان رجلاً عاقلاً، إلا أنه ما عنده سياسة ولا تدبير. وفي اليوم الرابع عشر من شهر رمضان بهذه السنة جاء فتحي أفندي الدفتردار من اصطنبول ودخل الشام بفرح وسرور، ولم ينله أدنى ضيم، وسبب ذلك ما بذل في الاصطنبول من المال الذي تميل به قلوب الرجال. وكان محسوباً على القظلار وجماعة من رؤساء الدولة كبار. وقيل إنه دخل اصطنبول سراً وفرق المال سراً وجهراً، وكان قد طلبه السلطان فزيّوا رجلاً بزيه، وأدخلوه على الملك، فقرعه بالكلام وبما وقع منه، وما أرسلت أهل الشام من الشكايات عليه، فكان كلما قال له حضرة الملك محمود خان كلاماً يشير له برأسه أن نعم، وكان قد أمره بذلك من أدخله، فحالاً أمر بقتله فقتل، وهو يظن أنه فتحي أفندي الدفتردار، ثم أمروا فتحي أن يلحق بالشام ليلاً. وفي آخر ذي الحجة بطلت الفلوس الذي كذا كانت ضرب الشام. سنة ١١٥٨ ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومئة وألف نهار الثلاثاء. تفاقم الأمر من تعدي الزرباوات وهم الأشقياء، فاستطالوا في سب الدين وظلم الناس وغير ذلك. وحاكم الشام حضرة أسعد باشا لا يحرك ساكناً، ولم يفعل شيئاً، حتى صاروا يسمونه سعدية قاضين، نائمة مع النائمين، ونرى الأشقياء للعرض والمال مستحلين. لكن البلد من الحركات ساكنة ومن ظلم الحكام آمنة. وفي خمسة عشر من جمادى الثانية توفي الشيخ الفاضل معتقد أهل الشام على الإطلاق الشيخ يوسف الطباخ الخلوتي. قال المؤرخ: ومما منَّ الله عليّ أن حلقت رأسه واغتنمت دعاءه، ﵀ ورضي عنه. وفي نهار الاثنين الحادي والعشرين من جمادى الثانية من هذه السنة قامت العامة من قلة الخبز وغلو الأسعار وهجموا على السرايا، رافعين أعلى أصواتهم بالبكاء والتضرع، قائلين ما يحل من الله قلة الشفقة على العباد الذين تضرروا بالغلاء، وأنت حاكم الشام ومسؤول عند الله عنا وعن هذه الأحوال. فقال لهم أسعد باشا: اذهبوا إلى المحكمة، واشكو حالكم إلى القاضي. فأقبلوا نحو المحكمة، واصطرخوا فيها يشكون حالهم وما أصابهم وما هو واقع بهم. فخرجت جماعة القاضي بالعصي وطردوهم، وكان ذلك بأمر نائبه، فهجمت العامة ورجموهم بالحجارة، فأمر القاضي أعوانه أن يضربوا بالبارود فضربوهم، فقتلوا منهم رجلاً شريفاً وجرحوا منهم جماعة، فغارت العامة عليهم، وساعدهم بعض الإنكشارية، فهزموا القاضي وقتلوا باش جوقدار وبعض أعوانه، ونهبوا المحكمة وحرقوا بابها، وسكّرت الناس البلد، فركب بعض الأغاوات وردّ الناس. وأما القاضي فقد هرب من فوق الأسطحة هو ونائبه وجماعته، فأخذه بعض الأكابر وصار يأخذ بخاطره، فحلف القاضي لا يسكن هذا الشهر إلاّ بالقلعة. ثم جمعوا مال القاضي ومتاعه والذي نقص منه فرضوه على خزينة الوجاق وعلى بعض الأكابر والأعيان، وأرضوا القاضي وصالحوه وإلى المحكمة ردّوه. وفي نهار الثامن والعشرين من جمادى الثانية توفي الشيخ الزاهد صاحب الأحوال والكرامات الشيخ أحمد النحلاوي الأحمدي، ودفن بزاويته القاطن بها جوار ستي خاتون شاه أخت الملك العادل السلطان نور الدين الشهير بزقاق المحكمة.

стр. 15

ثم في هذه الأوقات زاد غلو الأسعار وقلت الأمطار وعظمت أمور السفهة والأشرار، حتى صار رطل الجبن بنصف قرش والبيضة بمصرية وأوقية السيرج بنصف الثلث، ومد الشعير بنصف قرش، ومد الحمّص بنصف قرش، ومد العدس بنصف قرش، وغرارة القمح بخمسة وأربعين قرشا، بعدما كانت بخمسة وعشرين غرشا، وأوقية الطحينة بأربعة مصاري، والدبس كل ثلاثة أرطال بقرش، ورطل العسل بقرش وربع، وكل شيء نهض ثمنه فوق العادة، حتى صار مدّ الملح بنصف قرش. وفي تلك الأيام هلك مصطفى آغا ابن القباني كيخية الإنكشارية بمرض أعيا الأطباء برؤه، وكان من الذين يدخرون القوت ويتمنون الغلاء لخلق الله، فجعل الله العذاب والعقاب، لقد بلغني عنه أنه لما أرادوا دفنه حفروا له قبراً فوجدوا فيه ثعباناً عظيماً، فحفروا غيره فوجدوا كذلك، حتى حفروا عدّة قبور وهم يجدون الثعبان، قلت: وقد سبق ذلك فيما سلف لبعض الظلمة. وقد وجدوا في تركته من السمسم مئة غرارة، على أن في البلد كلها لم يوجد مدّ سمسم، ووجدوا من القمح شيئاً كثيرا، وقد طلب منه أن يبيع غرارة القمح بخمسة وأربعين قرشاً فلم يقل، وحلف لا يبيعها إلاّ بخمسين، فهلك ولم يبع شيئاً، فبيعت في تركته، ورحم الله عباده بموته لأنه أرحم الراحمين. سنة ١١٥٩ ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومئة ألف، وكان أولها يوم الأحد. وقد دخل قاضيها مصطفى أفندي وقدامه أعوانه حاملين البندق والسلاح، حتى وصل إلى المحكمة، وهذا لم يقع لغيره، ثم جلس في المحكمة لا يحرك ساكناً، وفقه الله. وكان الحاكم في الشام والوالي بها حضرة الوزير الخطير أسعد باشا ابن العظم أيّده الله وأعزّ كلمته. وكان غائباً في الحاج، والمتسلم والكيخية موسى. ولكن الغلاء قائم على قدم وساق مع الكرب والخوف والشقاق. وفي ثالث صفر دخل الحاج دمشق نهار الخميس صحبه أميره المعظم والوزير المفخم حضرة الحاج أسعد باشا العظم، فهو والحجاج على غاية من الصحة والسلامة. ثم بعد ذلك أرسل يطلب الدالاتية طلباً حثيثاً، فلما رأت الإنكشارية ذلك ضاقت عليهم الأرض، وقالوا كأقوالهم السابقة في قلة أدبهم: الست سعدية تريد أن تغدر بنا، وهذا الأمر لا يخوفنا. ثم زادوا بحمل السلاح ونهب المال وسبي العرض وسب الدين، وغير ذلك من الفظائع. ولما زادوا عتوّاً وفتكاً، ولم يراقبوا حضرة الحق ﷻ ، أرسا الله تعالى من غضبه ريحاً شديدة على الشام ما رؤي مثلها في سالف الأيام، فقلعت الأشجار من أصولها وأرمت غالب الجدران، حتى ظنت الناس أن القيامة قد قامت.

стр. 16

وفي يوم الاثنين ثاني عشرين صفر من هذه السنة المذكورة بينما الناس قبل الظهر في أشغالهم، وإذا بضجة عظيمة وضرب بارود، فقيل ما الخبر، قيل ملكت الدالاتية القلعة، فسكّرت البلد وزاد الفزع في كل أحد، ولما بلغ الخبر للإنكشارية قاموا على قدم وساق. وقالوا أخذت منا القلعة يا شباب، واجتمعوا في باب الجابية بالسلاح الكامل ينتظرون القتال. ولما وصل الخبر لحضرة أسعد باشا فرح واستبشر ونادى: اطلبوا سوق ساروجا وجدّوا في الطلب. وأمرهم أن يتركوا جهة القبلة، وكان ذلك منه حيلة وخدعة. ثم نادى في عسكره نداء شاع في البلد بأن مراد أحمد بن القلطقجي وعبد الله بن حمزة ومن لهم من الأتباع، وكانا من رؤساء وأمراء سوق ساروجة. هذا والجنك يلعب بسوق ساروجة، وكأنه لم يكن حاكم بالشام إلا هم، فأراد الله تدميرهم. ثم أمر حضرة الباشا أن يوجهوا المدافع على سوق ساروجا، فوجهوا ما عليهم وأمر بضربها بالكلل فضربت، فما كان بأقل من حصة يسيرة حتى احترقت الدور وتهدمت البيوت، واحترق بيت القلطقجي وعدم عن آخره، ونهبت العساكر كل ما فيه، ثم سرى النهب في بقية الدور، فنهبوا وقتلوا ومثلوا وبدعوا وذهب الصالح والطالح، حتى صارت محلة سوق ساروجا قاعاً صفصفاً. وأما ابن القلطقجي فإنه فرّ هارباً بعد ما بذل من الشجاعة هو وجماعته الغاية القصوى. ثم أمر حضرة الباشا أن تدار المدافع على جهة الميدان فوجهوها، وكان رأس المفسدين بها مصطفى آغا بن خضري جربجي، حتى سمى نفسه سلطان الشام، وعنده زمرة من الأشقياء يتقوّى بهم، وبها أيضاً أولاد الدرزي أحمد آغا وخليل آغا ولهم بها دولة وصولة فحين بلغ هؤلاء المفسدين بأن حضرة أسعد باشا وجّه عليهم المدافع بالعساكر أوقع الله الرعب في قلوبهم، وركنوا للهرب والفرار، وطلبوا البراري والقفار. وبانهزامهم وهربهم تقطعت قلوب بقية من كان من الشجعان من أهل الميدان، فمنهم من هرب ولحق بساداتهم، ومنهم من قبر في المغاير والقبور، ومنهم من غطس في النهور. ولما وصلت للميدان المدافع لم يجدوا فيها من يدافع فأول ما اشتغلت العساكر بهدم دار ابن خضري، بعد ما نهبوا جميع ما فيها من المتاع وغيره، وكذلك فعلوا بدار ابن حمزة وبغيرها من الدور، حتى نهبوا نحواً من خمس مئة دار، وبعد ذلك اشتغلوا بهدم الدور التي نهبوها. وأرسل حضرة أسعد باشا، أسعده الله وقوّاه، خبراً إلى مشايخ الحارات بها وأئمتهم بأن يقبضوا على بقية الأشقياء الموجودين، وإن لم يفعلوا يلزمهم بغرامة أموال عظيمة. فصاروا يتتبعون الأشقياء واحداً بعد واحد، ويقولون لحضرة الباشا: هذا الشقي فلان الفلاني، وهذا الآغا الفلاني، وهذا الشربجي الفلاني. وحضرة الباشا يأمر بضرب أعناقهم أمام باب السرايا وترك جسومهم تأكل منها الكلاب مدة طويلة، حتى صاروا عبرة لمن اعتبر. فسكنت بعد ذلك الشام، وصارت كقدح لبن، وصارت الناس في أمن وأمان، وسترت الأعراض. فملك الباشا البلد بنحو أرع مئة من العسكر الدالاتية. وقد أمنت البرية، فكان ذلك بهمته القوية بعد ما كانت تقول كبراء الميدان وأعوانهم: لو جاءنا عشر باشاوات ومنهم السلطان ما حسبنا لهم حساب، ولشرطنا ذنبهم بالطبنجيات. فانظر الآن، فقد صاروا أذل من الذباب وطعماً لأخس الكلاب. وأما أولاد ابن الدرزي فإنهم هربوا والتجأوا إلى عرب ابن كليب هم وأتباعهم، وأما ابن حمزة وأتباعه فإنهم فروا نحو طبريا والتجأوا بالظاهر عمر، وأولاد القلطقجي وأتباعهم فهربوا إلى جبل الدروز، والذي منهم وقع جعلوا جلده رقع، وكان أعظم مصيبة وخذلان لبيت حسن تركمان، قتل منهم خمسة رجال: حمزة بيك ومحمد آغا وحسن آغا وخليل آغا وسايسهم. وكانوا من المفسدين الظالمين المؤذين، مهتكين للحريم، سبابين للدين، عدا حمزة بيك فإنه كان بخلاف ذلك، فقد ذهب غلطاً وهدراً. وقد زينت البلد، والمدافع تضرب صباحاً ومساءً مدة شهرين، والنوبة مع الألعاب النارية. وكفى الله المؤمنين القتال، وقطع دابر القوم الذين ظلموا. والحمد لله رب العالمين. قال المؤرخ البديري: وقلت في وصفهم من المواليا: أين الزلاقة التي كانت شبيه السيف ... جزمات لا يشلحوها بالشتا والصيف إن شاف واحد صديقه لا يقله كيف ... ديك الزلاقة مضت يا حيفها يا حيف

стр. 17

وفي آخر ربيع الثاني أرسل حضرة أسعد باشا العظم عسكراً عظيماً إلى مدينة بعلبك، لقتل واليها الأمير حسين، فلم يجدوا له أثراً، فدخلت الأعوان ونهبوا وسلبوا وفعلوا ما فعلوا، ثم أتوا بثمانية رجال من أعيان بعلبك، ومن جملتهم مفتيها لدمشق الشام، فشنق مفتيها المذكور وضربت أعناق الباقين. وفي تلك الأيام أرسل حضرة أسعد باشا جملة من العساكر إلى العرب، فجاؤوا برؤوس من العرب وجمال وأغنام وسلب وغير ذلك. وقد أرهب حضرة أسعد باشا المذكور الكبار والصغار، وعظم صيته حتى في البراري والقفار، وصاروا يضيفون لاسمه الحاج، ويقولون: الحاج أسعد باشا. وفي هذه الأيام جاء من الدولة العلية قبجي ومعه من حضرة السلطان هدية ملوكية لحضرة الحاج أسعد باشا وهي كرك عظيم مفتخر وسيف ملوكي وخلع وتشاريف. وذلك لم يسبق لغيره من الوزراء والحكام، إلا إلى الوزير الأعظم صاحب الختم، إذا كان في سفر حرب وصار على يده فتوح بلدان، فسبحان المعطي المانح. وكانت الدولة منذ أمد غير بعيد قد رفعت أرط القبوقول من الشام، ولم تر لفّات برمة. فأرسل حضرة أسعد باشا حفظه الله يطلب من الدولة أرطاً، فأرسلوا له أرطة أون طقوز، ودخلت بموكب عظيم، سرت أناساً وأكمدت أناسا. وأرادت بعض الأشقياء أن تقيم رؤسها، فأخبروا حضرة الباشا بذلك، فأرسل يقول للآغا: كل من أدخله من أولاد الشام من غير جنسك لا يرجع اللوم إلا على نفسك. فانتظم الحال، وقويت دولة القبو قول في دمشق الشام، وبرموا اللفّات، ورجعت دولتهم أحسن مما كانت. وفي جمادى الأولى من هذه السنة وصل الجراد للشام، وكان حولها سنين مخيم، فنزل على بساتينها، فأكل حتى لم يبق ولم يذر، فأرسل حضرة الباشا رجلين من أهل الخبرة يأتونه بماء السمرمر. ثم إن هذه السنة كانت كثيرة الأمطار والخيرات والفواكه والنبات. ومع ذلك فأهل الشام في شدة عظيمة من الغلاء، ونهض الأسعار في جميع البضائع. وكان حضرة أسعد باشا حفظه الله عمل ديواناً، وأرسل خلف بائعي القمح، وطلب منهم إحضار القمح وهددهم، فحلفوا له بأن ما عندهم شيء ولا يوجد. فقال لهم أنا عندي قمح كثير في حماة، فاطلبوه فأرسلوا يطلبون جميع ما يوجد من القمح خاصة حضرة الباشا وغيره، فجاءهم من حماه أحمال قمح بغير حساب، وباعوه في الشام على السعر الواقع. ومع ذلك فرطل الخبز بخمسة مصاري، وقد طالت هذه الشدّة. وفي نهار الأحد بعد العصر خامس عشر جمادى الثانية من هذه السنة ضربت مدافع، فسألت الناس عن الخبر، فقيل: إن سعد الدين باشا أخا أسعد باشا جاءته رتبة وزارة، وجاءه طوخ. فهرعت أكابر الشام لأجل تهنئة أخيه أسعد باشا. وكان أسبقهم لتهنئة الباشا فتحي أفندي دفتر دار الشام، فلما رآه الباشا قام ودخل لدهليز الخزنة، فتبعه وجلس عنده، فأخرج أسعد باشا صورة عرض وأراه إياه، فأخذه فتحي أفندي وقرأه، وإذا فيه الأمر بقتله. وقال له حضرة الباشا ما تقول في هذا. فقال سمعاً وطاعة. لكن أنا في جيرتك فخذ من المال ما أردت وأطلقني، فقال له الباشا: ويلك يا خائن، أنا لم أنس ما فعلت في نساء عمي. ثم أمر برفع شاشه وقطع رأسه، فوضع في رقبته حبل، وسحب إلى خارج السرايا وقطع رأسه، وأرسل للدولة. ثم أمر الباشا أن تطاف بجثته في سائر شوارع الشام وطرقها وأزقتها ثلاثة أيام، ففعل به ذلك، وطيف به عرياناً مكشوف البدن وتركوه للكلاب، ثم دفنت جثته في تربة الشيخ رسلان، وأمر الباشا بالإحاطة على داره وعلى ماله والقبض على أعوانه، فألقوا القبض على خزنداره عثمان وعلى ولده فأمر بحبسهما، ثم أتوا بأكبر أعوانه وكان يلقب بالعفصا فقطع رأسه حالاً. وزادوا على أعوانه بالتفتيش، فقتل بعض أعوانه وخدامه، ثم ضبط الوزير تركته وأموال أتباعه جميعاً للدولة العلية، فبلغت شيئاً كثيراً، وتفرق الباقون أيدي سبا، كأن لم يكونوا وانقضت دولة كأنها طيف خيال.

стр. 18

قال المؤرخ البديري: ذلك بما كسبت يداه، فقد كان ظلوماً غشوماً بغيضاً لأهل الشام، يريد لهم الجور والظلم، لا يراعي الكبار ولا الصغار، إلا ناس من الأشرار، وهم من حزب الشيطان، قد اتخذهم عدّة لكل عدوان. وتحقيق أمره وخبر قصة البطش به ألخصها، وأنا الفقير مهذب التاريخ ومحرر هذه الورقات، فأقول: ذكر المرادي في آخر ترجمة فتحي الدفتري المذكور ما ملخصه: كان المترجم يراجع في الأمور حتى من الوزراء والصدور، طالت دولته وعظمت عليه من الله نعمته، واشتهر صيته وعلا قدره ونشر ذكره، لكنه كان يتصدى للاستطالة في أقواله وأفعاله، وأتباعه متشاهرون بالفساد والفسوق وشرب الخمور وهتك الحرمات، وهو أيضاً متجاهر بالمظالم، لا يبالي من دعوة مظلوم، ولا يتجنب الأذى والتعدّي، ونسب إلى شرب الخمر أيضاً وغير ذلك. فلذلك كانت أقرانه وغيرهم يريدون وقوعه في المهالك، ولما توفي الوزير سليمان باشا العظم والي دمشق الشام وأمير الحاج، وجاء من قبل الدولة الأمر بضبط أمواله ومتروكاته، نسب المترجم إلى أمور. وفي خلال ذلك تولى دمشق حاكماً وأميراً للحاج ابن أخيه الوزير أسعد باشا العظم الذي كان حاكماً في حماة، فأكمد للمترجم فعله المنسوب إليه حين وفاة عمه، ولم يره إلاّ ما يسرّه. وكان المترجم منتمياً إلى أوجاق اليرلية. وكان الأوجاق في ذلك الحين قواه قائمة وجيوشه بالفساد متلاطمة، وهم عصبة وجموع يذل لهم أكبر قرم بالمذلة والخضوع، قد أبادوا أهل العرض وانتهكوا الحرمات وأباحوا المحرمات، ولم يزالوا في ازدياد حتى عمَّ فسادهم البلاد والعباد. وكانت رؤساؤهم زمرة ضالّة وفئة متمردة وصاحب الترجمة فتحي أفندي يوليهم مكرماته ويمنحهم إحسانه وإنعاماته، وهم لبابه وفود، قد اتخذوه ركناً وسنداً، وأرباب العقول في دمشق في همّ وكدر وخوف وحذر، كل منهم متحيّر في أمره ومتخوف من هذا الحال وعوقب شرّه. وأمير الحاج وقتئذ والي دمشق أسعد باشا المذكور ناظر لهذه الحال. متحيّر من تلك الأحوال؛ لأن الشقي منهم كان يجيء إلى حبس السرايا ويخرج من أراد من المحبوسين من غير إذن أحد علناً وقهراً. وإذا مرّ الوزير المذكور بهم وهم جالسون لا يلتفتون إليه ولا يقومون له من مجالسهم عند مروره بهم، بل يتكلمون في حقه بما لا يليق بمسمع منه، فيتحمل مكارههم ولا يسعه إلا السكوت. واستمرّ أمرهم على ذلك، إلى أن كتب في حقهم للدولة العلية، فورد الأمر بقتلهم وإبادتهم، فأخفاه الوزير مدّة، ثم بعد ذلك أظهره، وشرع في قتلهم وإبادتهم، وأعطاه الله تعالى النصر، وفرجت عن دمشق الشدائد. ثم بعد أشهر قليلة كتب الوزير المذكور إلى الدولة العلية بخصوص صاحب الترجمة وما هو عليه، وأرسل الأوراق التي في حقه مع علي بيك كول أحمد باشا، وكان ذلك بتدبير خليل أفندي الصديقي وأعيان دمشق. ثم صادف أن صاحب الدولة كان حسن باشا، وكان يبغض المترجم فتحي لكونه لما جاء قريب حسن باشا المذكور وهو أحمد آغا آغات أوجاق الينكجرية طرده، وصار أخيراً وزيراً، فأدخل للسلطان أحواله، وعرفه طبق مكاتبة أسعد باشا. وكان أسعد باشا ضمن للدولة تركته بألف كيس، فجاء الخبر بقتله. وكان قبل ذلك صار من أهل دمشق عرَض في خصوصه، فلم يفد وكان هو بإسلامبول، فأعطى العرض له، ولما جاء لدمشق صار يخرجه، وينتقم ممن اسمه مكتوب فيه. وكان السبب في ذلك وجود آغت دار السعادة بشير آغا، وكان المترجم منتمياً إليه، وكان للآغا المذكور نظر على المترجم وحماية، فصادف الأمر بالمقدور أن بشير آغا توفي وحان القضاء وآن وقته، فجاء الأمر بقتله، فقتل شر قتلة على الوجه الذي قدمناه، وبالتاريخ الذي ذكرناه. وقد عمل البديري صاحب الأصل في واقعة فتحي الدفتري المذكور هذه المواليا، فقال: يا ما فعل فتحي لما صار دفتردار ... غرّه زمانه وسعده حول داره دار دولاب عزه رقص يا ناس لما دار ... لم يعتبر أن هذا الدهر بو غدار

стр. 19

ومع ماله من سيئات كان له حسنات ونفع في بعض الأوقات للأنام. فمن آثاره المدرسة التي في القيمرية، وأوقف جرايات وشوربة لطلبة العلم، وعمّر رصيف درب الصالحية، وعمّر الحمام في ميدان الحصا المسمى باسمه، والقهوة أيضاً. ومن أعظم آثاره تجديده لمنارتي تكية السليمانية التي في المرجة، وذلك بعد سقوطهما أيام الزلزلة، فأعيدتا أحسن مما كانتا، وله غير ذلك. غير أن سيئاته أكثر من حسناته. نسأله تعالى أن يتغمدنا بلطفه وعفوه، ويجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، فإنه قريب مجيب آمين. وفي تلك الأيام جاؤوا بشيخ جيرود، وأخبر أسعد باشا بأنه قتل شخصاً، فسأله الباشا فأجابه، وقال إنه قد قتل أبي فقتلته، فأمر بقتله، فقتل حالاً. وفي يوم الأحد ثالث عشر رجب من السنة المذكورة توفي محمد آغا ابن الديري في داء الدوسنطارية، وقد كان مدركاً لأعمال أسعد باشا وأعمال أبيه إسماعيل باشا وعمه سليمان باشا، وكان وكيلاً للخرج، لكن عليه مدار كل الأعمال، وصاحب الكلمة النافذة عندهم، حتى قيل إنه صاحب كل حركة وقعت بالشام، وإنه مرتكب للفواحش من شرب خمر وغيره مع إيذائه للرعايا. وكان أيام الفتن يمشي قدام الدالاتية يسلب وينهب ويخرب بيوت الإنكشارية، وقد أتى بأحجار بيوتهم وأخشابهم وعمّر بها دارا، فما تمت العمارة حتى هلك مع الهالكين وضبط الباشا ماله ونواله، وذهب مع الذاهبين. وثاني يوم موته قتل الباشا عثمان آغا خزندار فتحي أفندي الدفتردار كما قدّمنا، وقتل معه أحمد آغا الشربجي خزندار فتحي الثاني، وضبط مالهما. وبهذا اليوم، وهو يوم الاثنين رابع عشر رجب، جاؤوا بماء السمرمر، وطلعت لملاقاته المشايخ وأهل الطرق بالأعلام والمزاهر وطبول الباز، ودخلوا بموكب عظيم بكت فيه خلق كثير، وعلقوه بمنارة الشيخ الأكبر في الصالحية، وفي منارة تكية المرجة، وفي منارات الجامع الأموي، وأبقوا في السرايا قِرَب من ماء السمرمر، وذكروا أن مرادهم أن يعلِّقوهم في أراضي حوران. هذا والغلاء قائم على قدم وساق، لم يقع مثله في قديم الزمان، فرطل الخبز وصل إلى سبع مصاري، والوسط بستة، والرديء الدون بخمسة مصاري، ورطل الكعك بخمسة عشر مصرية، ورطل الرز بعشرة مصاري، وأوقية السمن بخمسة مصاري في وقت جلبه وأوقية الطحينة بخمسة مصاري، وأوقية السيرج بخمسة مصاري، وأوقية القريشة بثلاث مصاري، وكذلك الجبن والدبس الرطل بثمانية عشر مصرية، ورطل العسل بقرش ونصف، ومدّ الملح وصل ثمنه للعشرين مصرية، ومد الحمص بثلاث أرباع المصرية، وكذلك العدس. وأغرب من ذلك مع كثرة الفاكهة رطل التين الطري بأربعة مصاري، والكوسا كل ثلاثة بمصرية، والباذنجان الرطل بثمانية مصاري، وكل يقطينة بأربعة مصاري، ورطل اللحم بنصف قرش والبطيخة بنصف ربع ريال، إن كانت صفراء أو خضراء، والخيار الرطل بمصريتين. وقد دام هذا الأمر سبع أو ثمان سنين، لكن في هذا العام قد زاد الحد، والحكام لم يفتشوا على الرعية، وهذا مع قلة البيع والشراء والكساد وكثرة الديون على العباد، وظلم بعضهم البعض، وقد ضاقت على العباد فسيح الأرض والحكم لله. وفي يوم الأحد الحادي والعشرين من شهر رجب في هذه السنة تسع وخمسين ومئة وألف جمع حضرة أسعد باشا العظم أكابر الشام وأعيانها في المحكمة، ووقف جميع أملاكه على أولاده، ثم على أولاد أولاده على حسب ما اشترط في الوقفية، وفرّق على أولاد عمه ما كان لهم، وقد كان ضبط مال محمد آغا ابن الديري وعمل حسابه على عقله، فظهر لحضرة أسعد الباشا أنه قد تبقى له مع ابن الديري المذكور اثنا عشر كيساً. ثم جاءت الأصناف وأخبرت حضرة الباشا بأن لهم متبقى في ذمة ابن الديري من أيام أبيك إسماعيل باشا وعمك سليمان باشا. وفي أيام دولتك اثنا عشر ألف قرش ولجوا في طلبها. فقال: الحقوه وخذوهم منه، فأنا باقي لي معه اثنا عشر كيس ذهب، فليس لكم فائدة في هذا الطلب، فكل منهم ترك ماله عند الله وذهب. وفي ليلة الجمعة لخمسة وعشرين من شهر رجب خرج أسعد باشا إلى الدورة من هذه السنة. وفي ليلة الثلاثاء التاسعة والعشرين من شهر رجب من هذه السنة توفي مصطفى أفندي زاده قاضي الشام، وصار ولده نائباً عنه بمكانه.

стр. 20

وفي نهار الجمعة في الثاني والعشرين من شهر شعبان من هذه السنة قدم محمد آغا بن فروخ بمنصب دفترية الشام، مكان فتحي أفندي الفلاقنسي، وأقام في داره المشهورة بهم. وفي خلال هذه الأيام زاد الهم على الناس واشتد بهم وقوف الحال مع شدة الغلاء، والخبز بستة مصاري كما قدّمنا، حتى صار رأس الكرنب الذي قدر النارنجة بمصريتين، والباقي على هذا المنوال فالأمر لله الملك المتعال. وفي خلال هذه الأيام من هذه السنة جاء مقرر طرابلس الشام إلى حضرة سعد الدين باشا، وكان مع أخيه في الدورة، فرجع مع أخيه إلى دمشق، وأقام قليلاً، وسار طالباً منصبه، وفقه الله. وفي هذه السنة كان ثبوت رمضان ليلة الاثنين، والعيد الأربعاء والصوم تمام. وفي نهار الجمعة بعد الصلاة في سبعة شوال من هذه السنة خرج حضرة والي الشام وأمير الحاج أسعد باشا العظم قاصداً الحج الشريف، والحاج خرج يوم عشرين. ولما سافر حضرة الباشا ترك المتسلم بها وهو موسى كخية مكانه في الشام. فجاءه الخبر بأن الزرباوات وهم الأشقياء المطرودون مرادهم بأن يأتوا إلى الشام على حين غفلة من أهله، ويقتلوا جماعة من الذين تسببوا في طردهم، فاضطرب المتسلّم المذكور، وأرسل استجلب عبد الله الترك آغة الدالاتية المطرود وقوى شوكته وكثر جماعته. وصار محمود آغا آغة الدالاتية التفكجية يدور ويطوف ليلاً خارج دمشق، والدالاتية تحوم حول البلد، وقد أقلقوا الخلق وزاد النكد، ولا زال هذا الحال مدة غيبة الباشا والحاج. سنة ١١٦٠ ثم دخلت سنة ستين ومئة وألف، وكان غرة محرمها نهار الخميس، وفي نهار الاثنين خامس محرم الحرام من هذه السنة الموافق لأول كانون الثاني زادت المياه بسبب سيل عظيم، ودخوله للشام كان نصف الليل، فحصل طوفان لم يسمع له نظير من قديم الزمان، هجم الماء من نصف الليل إلى الشام، وأغرق جميع ما كان في طريقه من الدكاكين، وأتلف أموالاً كثيرة لا تعد ولا تحصى، حتى صار المرجة كالبحر، ومع ذلك الماء يخطف الطير، وله خرير ودويّ وهدير. وقد غطت هذه الزيادة حجر تاريخ القلعة، ومرت في الأسواق والدور وأخرجت شيئاً غير محصور، وقد صارت تحت القلعة وفي المناخ بالارتفاع طول قامة الإنسان. قال المؤرخ البديري: وقد دخلت إلى قهوة المناخلية بعد انصراف الماء فوجدت الماء في أعلى مساطبها أعلى من ذراع، وقد شاب من هولها الكبير والصغير. وقد غرق بها أناس غير محصورين، مع ما أتلف من البهائم والأموال وقد أضرت بجميع ما مرت عليه وانهدمت أماكن كثيرة لا تحصى وتركتها بلاقع. نسأله تعالى اللطف في المقدور آمين. وفي خامس صفر كان قدوم الحاج الشريف، وقد أخبرت الحجاج بأن هذه السنة من أجمل السنين وأحسنها، وجميعهم شاكرون وداعون لحضرة أسعد باشا بالدوام، من كثرة ما حصل لهم في الطريق من الراحة والخير والإنعام من حضرة الباشا لعموم الحجاج، فجزاه الله أحسن الجزاء آمين. وقدم مع أسعد باشا من الحجاز في هذه السنة باكير شاه والي جدة، وأقام في دار فتحي أفندي المتقدم نحو شهرين في الشام، ثم سار قاصداً حماه، ولم يعلم ما سبب مجيئه. وعاد أيضاً مع الركب الشامي شيخ الإسلام وأقام مدة في الشام، وسار طالباً إسلامبول. وكان رجلاً كبير السن وقوراً، ما حرّك ساكناً في الشام مدة إقامته. وبعد قدوم الحج خزنة مصر إلى الشام، وقد تأخرت عن ميعادها. وقد شدد الطلب حضرة أسعد باشا بعد مجيئه من الحج على الزرب الأشقياء، فقبضوا على أمين ابن الحديد وعلى عبده بن حمزة عنبر، فأمر بقتلهما فقتلا شر قتلة. وقد زادت الدالاتية الاعتداء والجور، وخربوا البلاد والقرى، فكثرت الشكاية منهم إلى والي الشام أسعد باشا، فكتب للدولة عليهم في شأنهم، فجاءه مرسوم بإبادتهم، فأمر منادياً أن ينادي كل من أقام من الدالاتية في الشام أكثر من ثلاثة أيام من أهل الفساد والعناد فدمه مهدور، ثم بعد أيام ظهرت الدالاتية ولم تتم القضية والحكم لله عالم الخفيّة.

стр. 21

وفي يوم الأربعاء جاء خبر بأن عرب عنزة نهبت عرب الرشا، وأن الأكراد الذين كانوا مع عرب عنزة أخذوا جميع ما نهبوه وسلبوه من مال وجمال وغنم ونساء. وكانت الغنم كثيرة لا يحصي عددها إلا الله، وأن الواقعة كانت مهولة، وأنه قتل من الفريقين خلق كثير. والمساعد للعرب حضرة أسعد باشا على ما قيل. فجاؤوا بالأغنام إلى الشام. وقد كان أهل الشام في غلاء اللحم وأكل الذرة والشعير لهم سنين، فبيع رطل اللحم في هذه السنة بسبعة مصاري وثمانية إلى العشرة، مع علم الناس أنه سلب حرام، فمنهم من ترك أكله وهم أقل من القليل، والباقي وهم عموم الناس لم يبالوا. فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال المؤرخ البديري ﵀: وكان الجراد مفرزا من العام الماضي في الشام وأراضيها، فلما جاء الربيع صار يظهر شيئاً فشيئاً إلى أن ظهر مظهراً شنيعاً، وبدأ يزحف مثل النمل والذر، فبدأ يأكل الزرع ويتلف النبات، فوقعت الناس في كرب عظيم. فنبه حضرة أسعد باشا حفظه الله على الفلاحين عموماً بأن تجمعه وتأتي به. وقد فرض على الأراضي الخُمس كل أرض قنطارين، وكذلك القرى والضياع، كل ضيعة شيئاً معلوماً يجمعونه. فجيء به أحمالاً وأمر به أن يدفن، فدفن منه بعض في مغارة عند مقبرة البرامكة وردم عليه، ثم صاروا يحفرون حفاير في قبور النصارى واليهود ويضعونه فيها. ثم لم يزل يكثر وينتشر، فأمر حضرة أسعد باشا أثابه الله بأن تعاد الفريضة على كل قرية من قرى دمشق، مئتا قنطار، وأن من لم يأت بالمطلوب فعليه جزاء كذا، وأمر أيضاً حفظه الله بعض المأمورين أن تضبط عليهم، وأن يضعوه في جبل الصالحية في آبار ومغاير. قال المؤرخ البديري: وبلغني أنه في ثلاثة أيام وضعوا في الصالحية ألف وسبع مئة قنطار من الجراد، عدا ما وضع في المغاير والآبار في غير الصالحية. وفي يوم الاثنين سلخ ربيع الثاني من هذه السنة جاء خبر إلى دمشق بأن الطير المسمى بالسمرمر قد جاء ومرّ على قرية عدرا وضمير، وأتلف من الجراد شيئاً كثيراً، ففرحت أهل البلاد سيما أهل الشام. فخرجت أهل الصالحية ومعهم المشايخ والتغالبة والنساء والرجال والأطفال بالبكاء والعويل والتضرع إلى الله تعالى بدفع هذا البلاء ورفع الغلاء، ثم زينت أهل دمشق فرحاً بوصول السمرمر أحسن زينة. وفي هذه الأيام شاع خبر بدمشق بأن في الشام امرأة يقال لها السماوية تمسك الأولاد بالاحتيال والرجال أيضاً، لأجل أن تخرج السمّ منهم، فخافت الناس وكثر الفزع، وصارت الناس توصي بهم بعضاً منها. وبعد مدة أيام وقعت ضجة بين الناس، فقيل ما الخبر، قالوا: قبضوا على السماوية، وإذا هي امرأة عجوز قبضت عليها العامة، وخلفها الأولاد والرجال كالجراد، وهم يضربونها ضرباً وجيعاً، وذهبوا بها لعند القاضي، فسألها عن حالها ومن أين أتت. فقالت: والله يا سيدي أنا امرأة فقيرة الحال ولي أولاد وعيال، وهذا القول عني زور وبهتان. قال: فأمر القاضي بتفتيشها وتفتيش بيتها، ففتشوها فإذا معها لعب يلعب بها الأولاد والأطفال، وفي جيبتها طواقي كبار وصغار، ثم ذهبوا وفتشوا بيتها، فلم يجدوا فيه غير متاع عتيق وقطعة من الحصير، ثم شهد جيرانها بأنها امرأة فقيرة الحال، ولها زمان قاطنة في هذا المكان، ولم نعلم لها سوء حال، ثم أطلقوها فذهبت لحال سبيلها.

стр. 22

ثم في تلك الأيام كثر الجراد وأضرّ بالعباد، وكأن الناس لم يجمعوا منه شيء كذا، وهذا كله مع ازدياد الفجور والفسق والغرور والغلاء والشرور. فخرج الشيخ إبراهيم الجباوي ومعه التغالبة بالأعلام والطبول، وقصدوا زيارة السيدة زينب، واستغاثوا عندها بكشف البلاء عن العباد، ورجعوا آخر النهار، ثم داروا حول مدينة دمشق، ومروا أمام باب السرايا وعملوا دوسة، وصار حال عظيم وبكاء شديد، وشعلت قناديل الرجال أصحاب كذا، وهم يدعون بهلاك الجراد ورفع البلاء. وبعد يومين جاءت أهل الميدان بطبول وأعلام وحال وصريخ، وقصدوا جامع المصلى بالدعاء برفع الجراد وهلاكه. ويقولون: يا من له المراد في كل ما أراد، بالمصطفى الحبيب فرّج عن البلاد فلم يفد ذلك. فكيف يفيد ذلك وأكثر النساء قد باحت، وبنات الهوى وهم كذا الخاطئات دائرات ليلاً ونهاراً بالأزقة والأسواق، ومعهم الدالاتية والفسّاق، ولا أحد يتكلم بقيل وقال، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن المنكر، والصالح في همّ وكرب، والفاجر والطالح متقلب في لذيذ نعيم، اللهم فرّج آمين. وفي يوم الخميس ثامن جمادى الأولى من هذه السنة أمر حضرة الباشا على الإنكشارية في الشام والزعماء والسباهية وكل قرية عشرة أنفار بالمسير إلى جبل الدروز، وأمر أن تعمّر في البقاع أفران لأجل خبيز الخبز. وبلغنا أنه جاءه فرمان بأن يكون معه باشا صيدا وباشا طرابلس لمساعدته، وأمر المتاولة بأن تساعده على حربهم. وكان الزمن في شهر أيار، والزروع في الأرض باقية، ما حصد منها شيء، فخافت الخلق من تلك الأحوال، والغلاء واقع بالشام، ورطل الخبز من سبعة إلى ثمان مصاري. وفي ليلة الخميس خامس عشر جمادى الأولى من هذه السنة قتل أسعد باشا العظم السيد صالح بن إبراهيم بيك السوقية. فسألنا عن السبب، فقيل إن أباه اشتكى للباشا أن ولده صالح تكلم مع أبيه بكلام فاحش، وأراد أن يقوّسه، فأرسل حضرة الباشا وأمر أن يؤتى بولده مهانا، وعند المساء أمر بخنقه فخنق ورمي، والأمر لله. وفي يوم الجمعة بعد الصلاة برز حضرة أسعد باشا إلى المرجة وأمر بأن تعرض عليه عسكر الشام من الإنكشارية والزعماء، ثم رحل، وبعد ثلاث أيام من رحيله تبعته أوجاقات الشام. ولما وصل إلى البقاع خرّب بعض قرى للدروز وحرق ونهب وقتل، ثم أغار هناك على عرب يقال لهم الفريخات، وهاوشوه مدة أيام، ثم نجوا بطرشهم والعيال، وتركوا الخيام والمال، وذلك بعدما قتلوا جماعة من عسكر الباشا وجرحوا. وبلغنا أنهم كانوا طائعين. وأرسل يطرح بقرهم على الضيع والأصناف، وعمل عملاً يؤدي إلى الخلاف، ثم نزل في البقاع وأمر بحصد زرع الدروز، فحصدوا مغل البقاع. والغلاء متزايد، والجراد في أرض الشام زايد، لكن الله ملجمه رحمة بخلقه. وفي يوم الخميس ثامن جمادى الثانية قبل قدوم مربعانية الصيف بخمسة أيام صار رعد وبرق مخوف، وأرمت السماء بمطر كأفواه القرب، وقبل ذلك بأيام صار رعد كثير من غير مطر. فهذه الأحوال عبرة لمن اعتبر. وقد بلغني عن حضرة أسعد باشا حينما كان بجبل الدروز أنه جاءته شكاية من أهل قتيل سني على رجل درزي، أنه كان مشاركاً لرجل تركماني على نحو خمس مئة رأس غنم، وأن الدرزي اغتال شريكه التركماني فقتله، فأمر حضرة الباشا أن يفتش على الدرزي، فقبض عليه وأمر بقتله، فقتل، واستلب الغنم التي عنده وأرسلها إلى الشام، وبيعت طرحاً على لحامة الشام، كل رأس بثمانية غروش، والذين اشتكوا ما أعطاهم درهماً ولا ديناراً، ولله الأمر. وفي هذه الأيام ورد إلى دمشق الشام ثلاثة يهود من مدينة حلب، ولهم مهارة في ضرب الآلات بأحسن النغمات، فصاروا يشتغلون في قهاوي الشام، ويسمعهم الخاص والعام.

стр. 23

وفي منتصف جمادى الثانية بلغني أن بعض عسكر أسعد باشا قيل هم المغاربة تحرش بالدروز، وذلك حينما كان الباشا وعساكره مخيمين ببلادهم، وأطلقوا عليهم الرصاص، ووقعت المناوشة بالقتال، نهض حضرة الباشا على قدميه، وكان جالساً على الغداء، وأخذ بيده رمح كذا وقيل تدرّع، وطلب أمام عسكره القتال، وأخذ بين يديه إنكشارية الشام، وكان عليهم محمد آغا بن عبد الله آغا كمش أغلى. فصاح الآغا على جماعته وطلب الغارة وحده وتبعه الباشا وبقية العسكر، وجرّوا المدافع وجدّوا الغارة طالبين فم الجبل، والرصاص منهم وعليهم مثل المطر، فكان أول من انهزم عسكر الدالاتية أهل الكبر والجبروتية. ولم يصب أحد ولله الحمد من عسكر أوجاق الشام سوى رجل من إنكشارية بعلبك. ثم إن حضرة أسعد باشا عنّف عسكر الدالاتية بعد غضب منه شديد، وقال لهم: تباً لكم من أعوان، ولمن اتخذكم من أنصار، تأخذون العلايف والمال وتهربون من الحرب والقتال، والمتطوعون يقاتلون لله ورسوله، ويتسابقون للحرب، مع ما قد فعلت معهم من الفعال من قتل وسلب وخراب ديار، ولكن سوف أعرف لهم هذا الأمر وأزيل عنهم الشر والقهر. ثم إنه دعا أوجاق الشام وأوعدهم بالإحسان والإكرام. ثم بقي كذا الحرب في اشتعال بقية ذلك النهار، ثم أخذ حضرة الباشا المدافع إلى الجبل، وحلف الأيمان المعظمة أنه لا يرجع عن الجبل، حتى يرمي كل من فيه بالهلاك والتلف، ويجعلهم أحاديث. ثم كتب إلى حمص وحماه والمعرّة والشام بأن يجردوا له الرجال الأجلاد، وطلب من كل قرية خمسة عشر نفرا، وعمل على أهلها كل واحد أجرته نصف غرش، وأرسل فرض عليهم بعض أنفار، وأكثر عليهم من فرائض الأموال. وشدد الأمر على الناس حتى ضيّق منهم الأنفاس، وزاد عن القياس. وكان قد قتل من أهل الجبل أربعة أنفار من كبارهم مع من قتل ذلك النهار، ومع ذلك فقد طلبوا الصلح ووزنوا له المال، فأبى إلا القتل والسلب. وكان قبل الواقعة بأيام أمر حضرة الباشا بأن تحصد الغلال التي للدروز وغيرهم وأمر بضبطه، وكلما جمعوا شيئاً نهبوه، وقد كانت بركات كثيرة، لأن إقبال هذا العام شيء كثير ما سمع بمثله، وغالبه اندرس تحت الأقدام. وكان رطل الخبز بدمشق بستة مصاري. فلما جاء القمح الجديد باعوه بخمسة مصاري، وبعد يومين نادوا على الرطل بثلاثة مصاري. وقالوا: يا رعية قد أنعم عليكم رب البرية، رطل الخبز بثلاثة مصاري. وثاني يوم اشتغل البرطيل والرشوة للمتسلم موسى كخية وغيره من لأهل الظلم، فحالاً سمعوا منادياً ينادي لا أحد يبيع رطل الخبز بأقل من أربعة مصاري. وقيل كان ذلك من شيخ الطحّانة، وكان يُلقب بالتخان، عامله الله بما يستحقه آمين. وكانت الحركة المتقدمة التي أزعجت الباشا سببها من الله، والجزاء من جنس العمل، لأنه حضرة الباشا قد أخذ بيد التخان المذكور، وهو شيخ الطحانة، وقد أمره الباشا أن يبيع قمحه على سعر الغرارة بخمسة وثلاثين قرشاً. ثم بعد مسير الباشا وهو يوم الحركة كان قد نزل سعر القمح، فصار ثمن الغرارة خمسة وعشرين غرشاً، فلم يقدر أحد أن يبيع بهذا السعر إلا خفية. وقد ضاق الأمر على الفقراء والمساكين. وكان كل من تحرك من العامة ربطوه بحبل طويل، وجرّوه إما إلى العذاب وإما إلى القتل وسلب المال والعرض. والأمر لله العلي الكبير.

стр. 24

قال المؤرخ البديري: وقد بلغني عن أسعد باشا وهو نازل إلى جبل الدروز بلغه بأن ضيعة من ضيع البقاع إلى الدروز، فأمر بعسكره بنهبها وسلبها، فلما وصلوا إليهم تلقتهم أهلها بالبشر والفرح والسكون، وهم عمّا يراد بهم غافلون، ثم أنزلوهم وذبحوا لهم وضيفوهم، فنزلوا وأكلوا واكتفوا، ثم قاموا وجردوا عليهم السيوف، فصاحوا عليهم لا تفعلوا أنتم أصدقاؤنا ونعم الضيوف. فلم يسمعوا بل قتلوا منهم جماعة وجرحوا، فطلبوا الهزيمة حالاً وفروا من وجوههم، فنهبوا متاعهم ومصاغهم وأموالهم. ثم طلبوا النساء فانهزمن من بين أيديهم، ودخلوا بعض البساتين هناك، وكانوا يزيدون على ثلاث مئة امرأة وبنات أبكار، فهجم عليهم كذا ذلك العسكر، ومسك كل واحد منهم واحدة، وهم يصطرخون بالبكاء والعويل، فلم يجدن مساعداً حتى فعلوا بهن المنكر. وهذا نقله لي من اطلع على حقيقة هذا الخبر. وحرقوا القرية بعدما نهبوا جميع ما فيها وترك أهلها بالويل والتنكيل. وحسبنا الله ونعم الوكيل. وكان ذلك قبل الوقعة، وقيل هي سبب الفتنة. ولما جمع حضرة أسعد باشا الجموع وملأت البراري والربوع، فكان من جملة من قدم لعند الباشا محمد باشا صيدا، وكان رجلاً كبير السن، قد جرّب الدهر وأهله. فتلقاه أسعد باشا بالعز والإكرام وشكى إليه ما فعلته الفرقة الدرزية من الغدر والقتال، وسأله المعونة على هذا الحال. فلامه محمد باشا على ذلك، وأمره بالكف عن قتالهم، وقال له: هذا أمر يعود علينا وعليك بالتلف، ولا ترضى الدولة به لأنهم أي رجال الدولة يريدون العمار للبلاد ويكرهون الجور والفساد، قادرون على إرسال عشر وزراء بيوم واحد، ولا يقدرون أن يعمروا في عشر سنين قرية إذا خربت من هذه القرايا، ولأجل خاطري أيضاً صالحهم، وخذ مالك عليهم من المال المعلوم واترك أولادهم. وكان أولاد أمرائهم قد حبسهم أسعد باشا في القلعة، ولهم أكثر من سنتين، وهم صغار غير بالغين. ثم شدّد عليه بذلك. فأجابه لذلك حضرة أسعد باشا، لكن ظاهراً لا باطناً، لأن مقصود الباشا المذكور تدميرهم عن بكرة أبيهم، وهذا من قبيل المستحيل. فقال له حضرة أسعد باشا: أنت إذن دبّر هذا الأمر برأيك. فقال: دعنا نشترط عليهم ما تريد من الشروط. فحلف له أنه لا يشرط عليهم شرطاً ولا يأخذ مالاً ولا يفعل معهم شيئاً. ثم ودع محمد باشا باشة صيدا بعدما عظمه واحترمه، وأضمر خلاف ما أظهره. وبلغني أنه بالوقت أرسل خبراً إلى الدولة العلية يطلب لأخيه مصطفى بيك الوزارة بصيدا، حتى يفعل بالجبل ما أراد، ويشفي منهم الفؤاد. وقيل إن باشة صيدا أرسل يطلب من أهل الجبل إلى أسعد باشا جملة من المال، فحلفوا له أن لا يعطوه ولا عقال، ولكن إذا أرسل أولادنا أرسلنا له أربعين كيساً، الذي كذا هي علينا معتادة، وإلا دعه يفعل ما أراد، فوالله إن حرّك ساكناً لنهدمنّ عليه البلاد، فنحن ما الذي فعلناه حتى يقابلنا بهذه الأمور، أما كفاه أنه أهرق دماءنا وأباح مالنا ونساءنا، وقد أعدم لنا أكثر من مئتي كيساً من الحنطة والحبوب. هذا وأسعد باشا قد فرّق ما جمع، وعيونه من غيظه تدمع، وبقيت الأمور تحت الأوهام. وقد عادت الأوجاقات السباهية والإنكشارية إلى الشام، ولم تنتظم الأمور والأحوال، والحكم لله الملك المتعال. وفي شهر رجب من هذه السنة، وهي سنة ستين ومئة وألف وقع حرب بين بني صخر وعرب عنزة في بلاد حوران بسبب استيلاء أغنام بعض القبائل. وفي هذا الشهر أيضاً وصل خبر إلى دمشق بأن الدروز نزلوا من الجبل ونهبوا وسلبوا، وحرقوا ثمانية عشر قرية من بلاد البقاع، وحاصروا بعلبك وضيقوا عليها الحصار. وفي يوم الأربعاء ثامن رجب ورد من صيدا عبد الله باشا ابن الكبرلي، وكان مجيئه من جهة إسلامبول، وشاع عنه أنه يريد الحج ونزل بدار أبو شنب. وفي يوم الاثنين من هذا الشهر توفي الشيخ عبد الرحيم بن الإسطنبولية ﵀. وبهذا النهار ضربت مدافع، فسألت عن السبب، فقيل: إن صيدا جاءت إلى موسى كيخية متسلم دمشق من قبل أسعد باشا. وكان هذا الرجل أولاً كيخية عند إسماعيل باشا ابن العظم. وجاء مع القبجي فرمان بأن نشدّ الرحال لقتال الدروز، وأن يضيقوا عليهم وأن يدمروهم عن بكرة أبيهم.

стр. 25

وفي يوم الاثنين سابع شعبان من هذه السنة أمر حضرة أسعد باشا الدالاتية والأطلية بأن تركب وتغير على أرض البقاع ومن فيها من الدروز، فيقتلوا ويأسروا وينهبوا ويفعلوا ما أرادوا. ثم بلغني أنهم أغاروا على جماعة من الدروز وهم على حين غفلة، فقتلوا منهم ومن مشايخهم، وقبضوا على الباقين منهم، ونهبوا الأموال والدواب والغنم والنساء والأولاد، وجاءوا برؤوسهم إلى دمشق. فكان يوم مجيئهم يوماً تقشعر منه الجلود مع الجلال. فنسأله تعالى أن يصلح الأحوال، ويرحم أهل الشام ويرخص لهم الأسعار. وفي يوم الخميس عاشر شعبان عمل الشيخ إبراهيم الجباوي متولي جامع الأموي فرح عرس إلى ابن ابنه، وأمر أن تزين الأسواق بالقناديل والشمع، وأمر أن تشعل منائر الجامع الأموي فشعلت وهذا شيء ما سمعناه أنه سبق لغيره. وفي ليلة السبت مات الشيخ الولي معتقد أهل الشام الشيخ عمران بن الشيخ إبراهيم إمام داء السعادة. كان ﵀ من أرباب الأحوال، وكان له سنة أصابع في يده اليمنى، وكان يكتب خطاً حسناً بيده اليسرى ويقلد كل خط، وكان حسن الصوت بقراءة القرآن. ودفن بباب الصغير بجوار سيدنا بلال ﵁. وفي هذا العام جاءنا الخبر بوفاة أحمد باشا بن حسن باشا والي بغداد وقيل إن سبب موته أن الدولة أرسلت له فروة مسمومة فلبسها فدب السم في بدنه، فمات ﵀. كان ﵀ شجاعاً مقداماً مدبراً للأمور أطاعته العباد ودانت له البلاد، وقد دفع عن بغداد كل جبار، ولقد قصده طهماسب الخارجي ومعه عسكر جرار، وحاصر بغداد أشهراً فلم يقدر على فتحها فرجع ذليلاً صاغراً، وطلب بلاد الهند والتتر، فسلط عليه ولده فقتله ودمره، وتولى ولده مكانه، ولم يخرج على الدولة وكان اسمه دبوس. ولما توفي أحمد باشا والي بغداد أرسلت الدولة إلى بغداد والياً كور محمد باشا، وكان صدراً أسبق، فلما استقر ببغداد، طلبت منه الإنكشارية العلايف أي المعاشات. فقال لهم: علايفكم عندي. قالوا: لا، فقد كان أحمد باشا الذي كان قبلك يعطينا إياها من ماله، ولما تأتي له من الدولة يأخذها. قال لهم: أنا لا أفعل. قالوا: لا بد من ذلك وشددوا عليه بالكلام، وكانوا مثل البحر الزخار. فقال: إن كان ولا بد من ذلك فأرسلوا إليّ من أكابركم من كل بلد ثلاثة رجال، حتى يستلموا المال ففعلوا، ولما حصلوا عنده أمر بقتلهم ورمي جثثهم. فلما رأوا إلى ذلك أسرعوا إلى القلعة ورموا عليها بالمدافع والبارود، حتى هدموا سرايته، وقتلوا آغة جماعته. فخرج الباشا من سرداب تحت الأرض ينفذ من خارج البلد وفرّ هارباً إلى بلاد العجم. ثم كاتبت أهل بغداد إلى الدولة العلية بأن يرسلوا والياً لبغداد عليهم سمّوه لها، كان عند مخدومه أحمد باشا المتقدم، وكان فيه استعداد تام، فأرسلوه لهم وقد رضوا به. وفي سابع وعشرين من شعبان قدم أسعد باشا من الدورة، وكان دخوله قبيل المغرب، وجاءت معه مغاربة كثيرة. وفي هذه السنة صار ثبوت رمضان الأربعاء، وضربت المدافع ليلتها في الساعة الخامسة، وبعض الأئمة صلى التراويح تلك الليلة. وقد صارت غرارة القمح بعشرين قرشاً، والله يعيننا على هذا الغلاء، الذي هو رطل الخبز بخمسة مصاري، والأرز بإحدى عشرة مصرية، والباذنجان بأربع مصاري. وفي ثامن رمضان جاء من اصطنبول شيخ الإسلام يقصد الحج إلى بيت الله الحرام، وخرجت لملاقاته أعيان الشام، ومكث اثنا عشر يوماً، وتوفي لرحمة الله تعالى وصار قبره بالشام، ودفن بباب الصغير قبلي سيدنا بلال ﵁. وفي يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شهر رمضان نبّه أسعد باشا بأن يكون الريال بقرشين إلا ثلث، وكان أولاً بقرش ونصف وأربع مصاري، وكان عيد الفطر في هذه السنة نهار الجمعة. وفي يوم السبت سادس عشر شوال خرج المحمل الشريف صحبة أمير الحاج أسعد باشا العظم حفظه الله، وأقام نائباً عنه بدمشق متسلماً موسى كيخية المتقدم ذكره. وقد جاء خط شريف بعد خروج الباشا إلى الحج بإخراج أولاد الدروز من القلعة، فأخرجهم المتسلم، وصار في الجبل فرح عظيم. ولو كان أسعد باشا في الشام لما أخرجهم، لأنه طالما جاءته أوامر بإخراجهم فلم يخرجهم. وفي هذه السنة المطر قليل والغلاء كثير، وكان غالب قوت أهل الشام خبز الذرة والشعير، والفقراء مالهم من دون الله معين ولا نصير. سنة ١١٦١

стр. 26

ثم دخلت سنة إحدى وستين بعد المئة والألف، وكان أولها محرم الثلاثاء، وقد خربت القرى من جور الدالاتية، ومن أعمالهم التي هي غير مرضية. قال المؤرخ البديري: وفي محرم توفي شيخنا ومحبنا الشيخ محمد المصري الأزهري الملقب بأبي السرور، ودفن بمرج الدحداح قريباً من النهر بقبر مبلط بشاهدتين. كان رحمه الله تعالى عالماً فاضلاً ديناً. ومن مناقبه أنه ما اجتمع به أحد إلا وحصل له سرور وفرح، ولو لم يتكلم، وهذا أكبر دليل على صلاح طويته. وفي نهار السبت سادس وعشرين محرم جاء جوقدار الحج، وبشّر بأن هذه السنة لا نظير لها في الرخص والرخاء. وفي خامس صفر جاء كتّاب الحج وأخبر أن الحج متأخر من كثرة الثلج والمطر. وفي ليلة الثلاثاء من صفر الخير دخل الحاج ليلاً، وثاني يوم الأحد دخل أمير الحج أسعد باشا وأخوه سعد الدين باشا أمير طرابلس الشام. وقد حصل للحجاج في هذه السنة كل خير، ولم يروا مكدراً سوى سيل جاءهم وهم في بدر، فأتلف وأغرق، وفي محلة العلا نزل ثلج ومطر وبدر، وصار للحج مشقة. لكن بها لطف عظيم. وفي غيبة الحاج جاء تقرير إبقاء لأسعد باشا في الشام. وفي يوم الخميس سابع عشر صفر أجازنا الشيخ أحمد بأن نقرأ كل يوم عقب صلاة الصبح بعد الصلاة على النبي ﷺ يا عزيز سبعة وثمانين مرة، وأخبر أن خواصها عظيم، وأن يدعو المرء بعدها بما أحب، فإنها تجاب دعوته. وفي اثنين وعشرين صفر الخير وردت خزنة مصر إلى دمشق والغلاء مشتد في دمشق، حتى صار رطل اللحم بثلاثين مصرية، ورطل الأرز باثني عشر مصرية، والخبز رطله بخمسة مصاري وبستة وبسبعة وكل من يبيع برأيه. وفي آخر ربيع الأول من هذه السنة نادى حاكم الشام أسعد باشا على الفلوس كل تسعة بمصرية، والمصاري الفضة كل ستة وثلاثين بقرش. وفي يوم الأحد ثاني ربيع الثاني قتل محمد آغا ابن الزرخلي، وهو كاتب العربي في طرابلس، وكان مع سعد الدين باشا حاكم طرابلس في الجردة، فلما رجع ووصل إلى الشام أمر أسعد باشا أن يرفع للقلعة، وبعد أيام أمر بقتله، فقتل، ولم يعلم ذنبه. وفي نهار الثلاثاء آخر جمادى الثانية من هذه السنة وقعت الفتنة بين الأشراف والقبقول. وسبب ذلك أن رجلاً شريفاً اشترى من رجل شريف طبنجة وأراد أن يجربها، فأتى إلى الخندق ليجربها، فلما ضربها سمع صوتها آغة القبقول، وكان نائماً، فاستيقظ مرعوباً، وقال: ائتوني بمن يضرب بهذه البارودة، فجاءت أعوانه وقبضت عليه وعلى جماعة كانوا معه، وأخذوهم إلى أغاتهم، فأمر أن يضرب كل واحد منهم ثلاث مئة سوط، فضربوا ضرباً وجيعاً وتركوا كالأموات، ثم وضعوا شاشاتهم في لباسهم فبلغ نقيب الأشراف ما فعل بهم؛ فأرسل وأتى بهم إلى داره، وفي اليوم الثاني قامت الأشراف على قدم وساق، وهجمت على القبقول وتقاتلوا، فقتل من الأشراف ثلاثة، وجرح كثيرون وسكّرت البلد كلها. وفي اليوم الثالث صار ديوان عند أسعد باشا حاكم الشام، واجتمعت فيه الأعيان كالمفتي والنقيب والعلماء، ثم انقضى الديوان، وحكموا على القبقول بأن يعطوا دية الشهداء الأشراف لورثتهم. ثم أمر الباشا بأن تفتح الأسواق ويقصد الرزاق. وكان يوم الوقعة اثنان من الأشراف الأول يقال له السيد حسن شيخ شباب باب المصلى، والثاني السيد محمد بن الدهان من السنانية كان قد كرا بعصاهما وهجما على القبقول، وردوهم إلى القلعة خاسئين، وبعد يومين وهو نهار السبت بعد العصر بينما كان السيد محمد بن الدهان ماراً في القنوات، وإذا بشخص من جماعة القبقول ضربه طبنجة، فجاءت في بطنه. فقامت الأشراف وأهل البلد، وهجمت على أسعد باشا وأخبرته بالخبر، فقال لهم: إن مات قتلت غريمه، وإلا فأنا أدبره. فمات المضروب بعد الظهر، فذهبت الأشراف إلى الباشا، فأمر بإحضار الشهود لأجل الحكم على القاتل، فذهبوا للشهود، فلم يرض أن يشهد أحد على القاتل، وقالوا: من يشهد ليقتل، ويكون خصمه نحواً من خمسة آلاف بطل شقي. وحاصله ما أثبتوا الدعوى، وتركوا دم الأشراف يروح هدراً. والأمر لله العلي الكبير.

стр. 27

وهؤلاء القبقول قد جاء فيهم أمر سلطاني وخط شريف بإبطالهم من الشام، وأن من استخدمهم أو ردّهم ملعون بن ملعون. فالحاكم وقتئذ تيقّن أن البلد لا تصلح إلا بهم، فأقرهم وأبقاهم. وبعدها صارت تقول القبقول: إن قتلة الشريف قيمتها أخشاية فضة. والحكم لله والغيرة لله ولرسوله. وفي ثاني يوم الجمعة عمل أسعد باشا ديواناً، وجمع فيه علماء الشام وأعيانها، وقال لهم: أنا الليلة مسافر على الدورة، فتسلموا البلد ولا تتركوا أحداً يتعدى على أحد. فقالوا: يا أفندينا نحن أناس منا علماء ومنا فقراء ومنا مدرسون، وصنعتنا مطالعة الكتب وقراءتها. فقال لهم: هذا إقراركم، وكيف وأنتم الأعيان، فقالوا: حاشا لله إنما أعيان الشام القبقول. فقال لهم: هذا إقراركم، وقد تحققتم بأن أعيانها والمحافظون لها القبقول. فعند ذلك أرسل خلف رؤساء القبقول وسلّم البلد لهم. وكان ذلك منه دهاء. ثم سافر وترك الناس تتقلب في فرش القهر والكدر. وقد كان رجل من الأشراف من جملة من كان أيام فتنتهم قد فتح دكانه بعد أن هدأت الأمور، فبينما هو يفتح دكانه إذ قبضت عليه جماعة من القبقول ورفعوه إلى القلعة، بعد أن شدوا وثاقه وثقلوه بالقيود، حتى كأنه من اليهود أو من قوم عاد وثمود، ثم فتشوا على غيره ليقرنوه، فهربت غالب الأشراف. فانظروا يا مسلمين إلى هذا الإنصاف، وقولوا: يا خفيّ الألطاف نجنا مما نخاف. وفي تلك الأيام ازداد الفساد وظلمت العباد وكثرت بنات الهوى في الأسواق في الليل والنهار. ومما اتفق في حكم أسعد باشا في هذه الأيام أن واحدة من بنات الهوى عشقت غلاماً من الأتراك. فمرض، فنذرت على نفسها إن عوفي من مرضه لتقرأن له مولداً عند الشيخ أرسلان. وبعد أيام عوفي من مرضه، فجمعت شلكات البلد وهن المومسات، ومشين في أسواق الشام، وهن حاملات الشموع والقناديل والمباخر، وهن يغنين ويصفقن بالكفوف ويدققن بالدفوف، والناس وقوف صفوف تتفرج عليهن، وهن مكشوفات الوجوه سادلات الشعور، وما ثم ناكر لهذا المنكر، والصالحون يرفعون أصواتهم ويقولون: الله أكبر. ومما وقع في شهر رجب المبارك من هذه السنة أن رجلاً زوّج ابنه وعمل وليمة عرس، وعند المساء أخذ العريس بعراضة وشمع وطبول. فخرجت عليهم أعوان المتسلم موسى كيخية، وكان رأس أعوان الحاكم محمود بشة البغدادي، وكان مدعوّاً في الوليمة، فلما توسّطوا السوق بالعراضة كان أول من بطش بهم، فتهاربت الخلق كلهم فهذا طار قاووقه، وهذا ترك بابوجه، والآخر أخذت جبته. وفي ثاني يوم أمر الحاكم بالقبض على أبي الغلام ورفعه للقلعة، وقد طلب منه مالاً عظيماً، والأمر لله العلي الكبير. وفي هذه الأيام ذبح رجل في فراشه بقرية زبدين. وفي يوم السبت سابع عشر رجب ذُبح رجل شريف في حارة باب السلام في داره وما وجد عنده أحد. وكان قبل ذلك بأيام ضرب عمَّ هذا القتيل رجل في الدرويشية بطبنجة في رقبته، فذبحته ومات لوقته. قال المؤرخ وقد رأيته بعيني وهو مرمي في الطريق، ولم يثبتوا على القاتل شيئاً. وفي نهار الثلاثاء تاسع رجب دخل مغربي إلى بعض البساتين يريد فساداً، فكلّمه صاحب البستان في الحسنى، فسبّه المغربي وشتمه شتماً بليغاً، وكان صاحب البستان شجاعاً، فقام إلى المغربي وخلّصه عدّته وكتّفه، ثم خاف من غائلة هذا الأمر، فحلّ كابه، وأعطاه عدّته واعتذر إليه، فما كان من المغربي إلاّ أن غلب عليه لؤمه، فأخذ بارودته وضربه رصاصاً، فقتله حالاً، فجاء أخو صاحب البستان فضرب المغربي بطبنجة جاءت في يده، فأراد المغربي الهرب، فوقع الصياح من الرجال والنساء، فجاء غلام فضرب المغربي بنبّوت فرماه إلى الأرض، فكتّفوه وإلى الحاكم أخذوه، فأقرّ لدى الحاكم بالقتل، وفي ثاني يوم خنقوه.

стр. 28

وفي يوم الخميس الحادي والعشرين ممن رجب ضرب مغربي حماته فقتلها. وبعد ثلاثة أيام قتل نصرانيّاً في الشاغور. وهذا المغربي بوّاب مصطفى بيك بن العظم، أخو أسعد باشا باشا الشام. وفي التاسع والعشرين من رجب هذه السنة كسفت الشمس حتى أظلمت الشام. ورأت الناس النجوم كما تراها في الليل، ومكثت مكسوفة إحدى وعشرين درجة، وصلّت الناس صلاة الكسوف في الجامع الأموي. وكان الإمام بالناس الشيخ أحمد المنيني أحد خطباء الجامع الأموي. وبلغني أنه في وقت الكسوف شعل قنديل جارنا الولي صاحب الكرامات الشيخ عز الدين أبو حمرة، ومقامه بجامعه المعروف به في باب السريجة. وفي تلك الأيام غارت العرب على جمال كثيرة في قرية القدم، وأخذت ولم يرجع منها شيء، كما وأنه في هذه الأيام غارت الدروز على قرية الزبداني وغيرها، وأخذوا منها كثيراً من المواشي والأمتعة وغير ذلك. وفي ليلة الجمعة رابع عشر من شعبان من هذه السنة خسف القمر خسوفاً بليغاً، حتى لم يظهر منه شيء، وكان ذلك في الساعة السابعة من الليل. وفي يوم الثلاثاء خامس والعشرين من شهر شعبان قدم إلى دمشق السيد أبو بكر منلا خنكار قاصداً الحج إلى بيت الله الحرام، وهو أوّل من قدم من الحجاج البعيدين. وفي ليلة الاثنين عشرة شهر رمضان المبارك قدم حضرة والي الشام وحاكمها الوزير الخطير أسعد باشا لعظم من الدورة، وهو في غاية الصحة، ولم يحصل منه ولا أدنى مكدر. وفي يوم الحادي والعشرين من شهر رمضان قتل رجل في سوق ساروجا وقبضوا على قاتله. وفي يوم الاثنين ثالث والعشرين من شهر رمضان وجد رجل مشنوق في قصر السرايا في حارة السياس الذي فيها إقميم حمام الملكة، وبقي معلّقاً قبيل العصر، ولم يعلم قاتله، فأمر الباشا بدفنه، وذهب هدراً. وفي الخامس والعشرين وجد قتيل في تربة باب الصغير عند قبر يزيد، ولم يعلم قاتله. وفي هذه السنة صمنا رمضان ثلاثين يوماً، وكان عيد الفطر الثلاثاء. وفي يوم الأربعاء سادس عشر شوال جاء الحج الحلبي، وثاني يوم سابع عشر خرج موكب المحمل الشريف صحبة أميره وأمير الشام الحاج أسعد باشا، وفي تاسع عشر تبعه الركب الشامي. وفي ليلة الاثنين قبل نصف الليل أقبل أحمد بشه بن القلطقجي وحاشيته وعبد الله بن حمزة وجماعته وكمال خليل وعنبر بشه وأحمد بشه دقماق ومعهم جماعة من الدروز الذين كانوا هاربين، ومعهم ستين رجلاً من الدروز من جماعة ابن تلحوق ونزلوا في حارة الميدان، وحرقوا بوّابة بيت القباني، ودخلوا داره بالتراويد والشوباش، ونهبوا كل ما فيه من أمتعة وغيرها، ولم يروا أحداً من الرجال، ولم يقربوا الحريم، ونهبوا حاصلين حنطة وشعير، ونهبوا دار الحاج إسماعيل بن زعيتر، وكان شيخ الجمّالة، ولم يقربوا الحريم، وكان صاحب الدار في الحج. ونهبوا دار عبد الفتاح آغا باش شاويش، لأنه كان عليهم أكبر عواني، وبعد هروبهم كان يؤذي أهلهم، ثم قبضوا على ولده، وقالوا: إن لم تعلمنا بأبيك قتلناك، وإن دللتنا عليه فعليك الأمان، فمن خوفه أخرجه لهم وهو مخبأ في قليط، فقتلوه وقتلوا معه رجلاً من حاشية السرايا كان مارّاً عليهم وهم يقتلوه. ولما بلغ موسى كيخية متسلم الشام فعلهم أرسل خلف الوالي والمفتي والقاضي، وأمرهم أن يأخذوا معهم الصنجق، ونادوا عليهم خوارج، ومن كان يحب الله ورسوله والسلطان يخرج لمقاتلتهم. فخرج المتسلم موسى كيخية ومعه القبقول والدالاتية والتفكجية، ولما قربوا من سوق السويقة نادوا عليهم وطلبوهم، وكانوا نازلين في قهوة الميدان، ثم لما وصلوا إلى باب المصلّى هجموا عليهم من كافة أقطار الميدان، وقتلوا منهم جماعة وجرحوا كثيرين، وقوّسوا فرس المتسلم وفرس المفتي ورجعوا خائبين. وثاني يوم سار إليهم الشيخ إبراهيم الجباوي نفعنا الله به، فتلقوه وقبلوا يديه، وقال لهم: يا أولادي ما مرادكم؟ قالوا: يخرج لنا محابيس الدروز ومجيئنا لأجلهم. فقال لهم: غداً أردّ لكم الجواب. فأقاموا ذلك النهار بلا قتال. وثاني يوم جاء إليهم الشيخ إبراهيم، وقال لهم: يا أولادي، اصبروا حتى يأتي الباشا أو نرسل له حتى يأتي جوابه.

стр. 29

قال البديري: وقد جاء صبيحة ذلك اليوم رجل من الأتراك ومعه نفر من الدالاتية، وقد كانوا في صيدا، فأرسل حضرة أسعد باشا يطلبهم ليخدموا عند متسلمه في الشام. وهؤلاء كانوا أول من ضرب بالسيف ونهب وسلب في حركة الزرب في الشام، وكان قائدهم يسمى عبد الله الترك. ويوم الأربعاء صارت مقتلة عظيمة، ذهب فيها نحو من خمسين قتيلاً، كانوا من جماعة المتسلم والقبقول، وواحد من الدروز خرج وقتل غلامين. وصارت أهل الشام تبيت وتصبح في أشأم حال. ثم أرسل المتسلم وأتى بخمسين خيّالاً من بني صخر، وأرسل للقرى والفلاحين، حتى صار عنده عسكر عظيم. وبتلك الأيام لم تبطل طول الليل والنهار ضرب البندق والمدافع، وفتحوا عسكر الباشا دكاكين باب الجابية ونهبوا وأكلوا وشربوا وهدموا المصاطب وعملوها متاريس. وفي يوم الخميس بكّروا للقتال، وزحفوا إلى جهة السويقة، ومعهم الفعلة والمعامرية وحرقوا الدور والقصور، وبعد الظهر ضيّقوا على الزرب وهم الأشقياء، وحاصروهم وضربوا عليهم المدافع فولّوا الأدبار، فتبعوهم وقطعوا أربع رؤوس منهم، ومن جملتهم رأس موسى جربجي، وكان محسوباً من الزرب. وهو من جملة من هرب، وما قتل حتى حمل على عسكر المتسلم أربع مرات، والرصاص نازل عليه مثل المطر فأصابته رصاصة، فوقع فقطعوا رأسه وجاؤوا به إلى السرايا، وأما كور عثمان فإنه كان يقاتل خلف المتاريس، بلا سلاح بل بالأحجار، حتى أصابته رصاصة دخلت من يمين رأسه وخرجت من الشمال. فوقع وحملوه أصحابه ورجعوا مكسورين خائبين. فهجمت العساكر على الميدان، ولم يبق فيها مكان إلاّ ودخلوه، وأذن لهم المتسلم بالنهب والسلب من السويقة إلى آخر الميدان، فنهبوا وقتلوا فلم يبق دار ولا دكان إلاّ نهبوها وهدموها فسلبوا الأموال وقتلوا الرجال وسبوا الحريم وفضحوا نساءهم، ودام ذلك إلى وقت العصر. ثم جاءت جماعة من الزرب، ومعهم فرقة من الدروز وجماعة من أهل الميدان، فردّوهم عن بقية الميدان، ثم لما علمت هذه الجماعة الذين ردّوهم أنهم لا طاقة لهم بتلك الجموع فرّوا هاربين بالليل، ومعهم جماعة من أهل الميدان. ولما طلع النهار نادى الحاكم بالأمان، وأن تفتح الأسواق ولا أحد ينهب، وكل من ينهب أو يأخذ شيئاً فروحه وماله يسلب. ثم طلع آغة القبقول على الميدان، وخرجت الناس لتنظر ما جرى بها. قال المؤرخ أحمد البديري: وأنا سرت مع من سار، فوجدناها قاعاً صفصفاً، والقتلى بها مطروحة والأبواب مكسرة والدكاكين مخربة وجدرانها متهدمة. والحاصل حالها حال تقشعر منه الأبدان وتشيب منه الأطفال. قال تعالى: " وما أصابكم من مصيبة فبِما كسَبَتْ أيديكم، ويَعْفُو عن كثير " الشورى ٣٠. وأصبح نهار الجمعة وأهل القبيبات وما بقي من دور الميدان وباب المصلى والسويقة ينقلون أمتعتهم وما بقي منها إلى داخل المدينة والقنوات وباب السريجة، ووقع الإرجاف والخوف والهمّ والغمّ في دمشق الشام. وقد خافت الأكابر والعوام، حتى أصحاب الدكاكين صاروا ينقلون ما عندهم ويضعونها داخل البيوت. وكانت الدور التي انتهبت في تلك الواقعة ألفاً وتسع مئة دار. وأما الدكاكين فلا تحصى بالعدد ولا بالحساب. وصارت القبقول يأخذون الناس ويأتون بهم إلى الحاكم ويقولون له: هذا كان يقاتل مع الزرب، وهذا مع الدروز، وهذا وهذا، فيقتلهم المتسلم من غير شرع ولا إثبات. وصار كل منهم يقصد من أعدائه أخذ الثارات. وأما بيت القباني فإنه وقع التنبيه من المتسلم أن من أخذ منه شيئاً من العامة يأتي به، فصارت العوام تأتي بكل ما أخذته من قمح ومتاع ودراهم، حتى إنهم جاؤوا بأكياس المال مختومة. قال المؤرخ: هكذا تكون الحظوظ وقد تشددت الأمور على أهل الشام وصاروا يسهرون بالليل والنهار، والناس في هم وغم وغلاء. وفي كل وقت يصير فزعة وتسكير دكاكين، حتى انتقلت غالب الدور التي كانت خارج المدينة إلى داخلها وإلى القلعة. وفي يوم الخميس دخل سعد الدين باشا أخو أسعد باشا العظم، ومعه عسكر كالبحر الزخار، وبلغه جميع ما صار، فغضب على المتسلم، وأضمر له التكدير.

стр. 30

وفي هذه الوقعة توفي الولي المجذوب الشيخ إبراهيم الملقب بالكيكي وكان رجلاً مباركاً، وأبوه رجل من الصلحاء من محلة القبيبات. وكان في غالب أوقاته يدق على يديه ويميل إلى ورائه وإلى قدامه، وينادي بأعلى صوته: ولك كيكي يا غوّاص، وتارة يبكي ويقول: بدّي امرأة حتى..، ويقول له الناس: أي شيء لك في المرأة؟ فقال: المرأة خبزة، وله وقائع وكرامات. ومن كراماته التي نقلوها عنه واشتهرت أنه رأى يوماً من الأيام رجلاً يبيع علب لبن، فصاح على صاحب اللبن وقال بدّي علبة، وصار يبكي ويدق بيديه، فاجتمعت الناس وأخرجوا له علبة، فقال الشيخ وهو يبكي لا أريد إلا هذه، وأشار إلى واحدة من علب اللبن، فأخرجوها له، فأخذها بيده وأفرغها على الأرض، وإذا قد نزل منها حية، فتركها وذهب، وله كرامات غيرها كثيرة. وسبب موته أنه أصابه قوّاس في رجله، فصار يبكي وينادي يا أبي يا غوّاص، قرصتني زلقطة، ومات بعد أيام، رحمه الله تعالى. وفي يوم الثلاثاء سادس ذي الحجة أرسل موسى كيخية متسلم دمشق الشام بيرقين دالاتية ومعهم بعض من جماعتهم، فجاؤوا له بإسماعيل آغا ابن الشاويش بالجنزير، وكان مقيماً في بعض القرى صوباصياً، ورفعه إلى القلعة، وكذلك جاؤوا له بأخيه سليمان آغا ابن الحملي وبأحمد آغا ابن عساكر فأوقفوهم، وذكر للمتسلم أنهم كانوا مساعدين للدروز والزرب. وفي يوم السبت كانت وقفة عيد الأضحى في دمشق الشام، ذلك العام. وقد كانت سنة كثيرة الأهوال والآلام. فقد صار فيها جدري كثير حتى أفنى وأمات أولاداً كثيرة فسبحان الباقي بعد فناء. سنة ١١٦٢ ثم دخلت سنة اثنين وستين ومئة بعد الألف، وكانت غرة محرمها يوم السبت. والمرجو من الله ﵎ أن تكون سنة مباركة علينا وعلى جميع إخواننا المسلمين. والآن الناس في شدة وحصر زائد من كثرة الغلاء والشدائد. ولكن استبشرت الناس بالخير بكثرة الأمطار التي هطلت بأول هذا العام. وقد عمل لهذه السنة تاريخاً حسناً وفألاً مستحسناً أديب الشام الشيخ عبد الرحمن، وأدرجه ضمن هذين البيتين. فقال: عام جديد نرتجي من ربنا ... فيه مزيد الخير والنعماء فعساه يغنينا بواسع فضله ... إذ عمنا أرّخت عام غناء وفي يوم الاثنين ثاني محرم هذه السنة توفي شيخنا محدث الديار الشامية، بل خاتمة المحدثين، من افتخرت به دمشق على سائر الدنيا الشيخ إسماعيل العجلوني المدرّس تحت قبة النسر بجامع بني أمية، ولم يبق أحد من أهل الشام من كبير وصغير إلا حضر جنازته. ودفن بتربة الشيخ أرسلان، ﵁. وعوّض الإسلام خيراً. وفي تلك الأيام توفي إبراهيم آغا آغة القبقول المنفصل عن منصبه أشهراً، وكان ديِّناً متواضعا ملازماً لصلاة الجماعة في الجامع الأموي رحمه الله تعالى. وفي السابع والعشرين من المحرم أقبل جوقدار الحج، وبعد ثلاثة أيام جاء كتّاب الحج. وفي ليلة الخميس دخل الحج الشريف خامس يوم من صفر الخير. وفي ليلة الجمعة توفي الشاب اللطيف ذو القدر المنيف والأصل الشريف سلاسة السادة السعدية والبضعة الصديقية الشيخ بكري بن الشيخ مصطفى بن سعد الدين، لأن أباه من بيت سعد الدين، وأمه من بيت البكري، ﵀ وعوّضه الجنة آمين.

стр. 31

وفي أوائل شهر صفر وقع بيت في حارة العقيبة على جماعة قتل منهم سبعة، ونجا رجل وزوجته، واسمه سعيد بن الشاكوش، وفي عاشر ربيع الأول صار برد شديد مؤلم، وصار يباع الفحم على الفروش، يحملونه على رؤوسهم، كل رطل بخمسة مصاري، ويدوروا به في الأسواق والحارات، وكان ذلك قبل دخول الحسوم بأيام، واستمر إلى أن دخلت الحسوم. وفي سابع عشر ربيع الأول قدم جوقدارية من إصطنبول ودخلوا على أمير الحاج ووالي الشام الحاج أسعد باشا العظم، وأظهر أنه جاءته بشارة من الجناب العالي، فأمر بعمل أعمال نارية التي تسمى شنك. فتراكضت القبقول والعسكر لنحو السرايا، فظنت أهل دمشق أن حادثة وقعت، فسكّرت البلد، فأخبروا الباشا بذلك، فقال: اضربوا مدافعاً واعملوا شنكاً آخر. ففعلوا، فهدأت الناس، وفتحت دكاكينهم. وفي تلك الأيام سكر بعض الأتراك من القبقول وجرح ثلاثة أشخاص من أهل البلد، وبعد أيام ماتوا من أثر جراحاتهم، ولم تقام لهم دعوة. وقد كثر الغلاء وزاد البلاء، فالخبز رطله بست مصاري وهو الدون، والوسط بثمانية مصاري، والمليح باثنا عشر مصرية. وأوقية السمن بسبع مصاري، وأوقية الزيت بمصريتين، واللحم رطله بست وثلاثين مصرية. وبنات الهوى دائرات بالليل والنهار. والناس في كرب عظيم. وفي شهر ربيع الأول وصل خبر لدمشق بأنه صار في طرابلس الشام غرقة أعظم من التي صارت بدمشق المتقدم ذكرها. وذلك بأن نهر طرابلس زاد كثيراً وطاف على أهلها حتى أغرق أكثر من خمس مئة إنسان، ماعدا الدّواب والأنعام والأموال. نعوذ بالله من غضب الجبّار. وفي تلك الأيام أغارت أعوان الظاهر عمر شيخ طبرية على جمال سائرة من الشام، ونهبوا أهلها وأخذوا مالها. وسبب ذلك أن في بلاده وأرضه عرب وتركمان، وكان قد أمر أسعد باشا أن يغيروا عليهم، فغاروا عليهم ونهبوهم، وأخذوا مالهم وأغنامهم، وقتلوا منهم جماعة، فأتوا بأغنامهم، ففرّقها الباشا على القرى ولحّامة الشام، والذي كان يساوي قرش طرحه غصباً بخمسة قروش وهكذا. وفي هذا الشهر صار رطل الخبز من ثمانية مصاري إلى اثني عشر مصرية، والمعروك بسبعة عشر مصرية، ورطل الثوم بأربعة وعشرين مصرية، وغرارة القمح باثنين وخمسين غرشاً، وغرارة الذرة بثمانية وأربعين، والبيض كل اثنتين بمصرية، ورطل الأرز بخمسة عشر مصرية، ورطل الفحم بستة مصاري. وكل شيء زاد عن حدّه، والحكم لله في عبده. وفي شهر ربيع الثاني قتل أسعد باشا ثلاثة أنفار من المتاولة وقتل البطحيش من جماعة الزرب الأشقياء الفارّين أيام الوقعة. وفي يوم الاثنين رابع جمادى الثانية من هذه السنة دخل قاضي الشام السيد محمد أفندي بشمقجي زاده. قال المؤرخ البديري: وبلغني أن حامد أفندي بن العمادي مفتي الشام كان قد خزّن القمح مثل الأكابر والأعيان الذين لا يخافون الرحيم الرحمن، وأن الكيّالة جاؤوا إليه وقالوا: نبيع الحنطة كل غرارة بخمسين قرشاً، فقال لهم: مهلاً فلعل الثمن يزيد. فإذا كان مفتي المسلمين ما عنده شفقة على خلق الله فلا تعتب على غيره. وفي هذه الأيام عملوا ديوان، وأخبروا أسعد باشا بكثرة المنكرات واجتماع النساء بنات الهوى في الأزقة والأسواق، وأنهم ينامون على الدكاكين وفي الأفران والقهاوي. وقال: دعنا نعمل لهم طريقاً إما بترحيلهم أو بوضعهم بمكان لا يتجاوزونه، أو نتبصر في أمرهم. فقال: إني لا أفعل شيئا من هذه الأحوال، ولا أدعهم يدعون عليّ في الليل والنهار، ثم انفضّ المجلس، ولم يحصل من اجتماعهم فائدة. وفي تلك الأيام زاد الغلاء في بلاد الشام، فبلغنا أن رطل الخبز في طرابلس بعشرة مصاري، وفي غزة والرملة بخمسة وعشرين مصرية، وفي الشام ليس واقف على سعر، وقد زاد الغلاء والبلاء والقهر. قال المؤرخ البديري: وفي هذه الأيام اشترى أسعد باشا والي دمشق الشام أملاكاً كثيرة من دور وبساتين وطواحين وغير ذلك، وهذا قبل بنائه لداره وقيساريته. وفي ثامن جمادى الثانية من هذه السنة نزل الشعير الجديد، فباعوا خبز شعير رطله بأربع مصاري، والأبيض بستة. ثم ثاني يوم خرج المنادي بأن يباع الخبز الحنطة بأربع مصاري والأبيض بستة مصاري. ولم تحصل للفقراء نتيجة، فكل يوم بسعر جديد، والله يفعل ما يريد. وفي يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى توفي العالم الفاضل الشيخ عبد الوهاب الدالاتي ﵀.

стр. 32

وفي يوم الأربعاء حادي عشر جمادى الثانية نزل القمح الجديد، وبيعت غرارة القمح بخمسة وأربعين قرشاً، وكانت قبل نزوله باثنين وخمسين، فصاحت العامة واستغاثت، ونهبوا بعض الأفران، ثم صاروا ينادوا في الأسواق رطل الخبز بثلاثة مصاري وبأربعة مصاري، فباعت أهل دمشق جميعاً بذلك الثمن، وفرحت أهل البلد كثيراً، فزيّنت البلد. وكان حضرة الوالي أسعد باشا في جنينة أبيه في مسجد الأقصاب قد عمل سيراناً ومعه أكابر الشام، فلما بلغه هذا الخبر غضب غضباً شديداً، وأمر الحاج محمود تفكجي باشا أن يأخذ أعوانه الفسّاق ويدور في البلد والأسواق، وأن ينبه على الخبازين أن لا يبيعوا رطل الخبز إلاّ بستة مصاري والأسود بأربعة، وكل من خالف يأكل علقة، والحذر ثم الحذر. فرجعوا للمنهج الأول، واسودّ الخبز وتغيّر، والله أكبر وأغير، وفي سادس عشر من جمادى الأولى صارت غرارة القمح بستة وعشرين غرشاً، فبيع رطل الخبز بثلاثة مصاري، وبدت تزول الشدة بإذن الله تعالى. وفي تلك الأيام وصل خبر إلى دمشق بأن عبد الله آغا بن حمزة وكمال خليل، وهما من رؤوس الزرباوات المنهزمين من دمشق قبض عليهم الظاهر عمر حاكم قلعة طبرية، وقطع رؤوسهم وأرسلهم إلى صيدا، وحاكم صيدا أرسلهم إلى الدولة، وأرسل يطلب فرمان شريف بأن أسعد باشا حاكم الشام لا يمرُّ في سفره بالدورة على أرض طبرية. وفي يوم الاثنين غرة رجب الفرد من هذه السنة نادى أسعد باشا حاكم الشام وأن كل من شرب بها شنق وصلب، ثم أمر برفعها، فرفعت من سائر قهاوي الشام وأسواقها. قال المؤرخ البديري: وقد صار شربها في الشام من أعظم المصائب، فصار يشربها الرجال والنساء حتى البنات، جزاه الله خيراً. وفي ثالث رجب نادت الخبازة والسوقية بأن رطل الخبز بأربع مصاري والخاص بخمسة مصاري، والذي خلط ذرة أو شعير بمصريتين، فمن كثرة فرح أهل الشام سيما الفقراء صاروا يبكون وينتحبون سروراً، حيث فرّج الله عنهم. وقد زينت غالب أسواق الشام. وفي ذلك اليوم بيعت غرارة القمح الجيد والشعير بثمانية قروش، وفرّج الله عن عباده بمنِّه وكرمه. وفي يوم الجمعة ثاني شعبان المبارك دخل خليل آغا وأحمد آغا أولاد ابن الدرزي، وواجهوا متسلم دمشق، فتلقاهم أحسن ملتقى وكان معهم بيردي من أسعد باشا، حيث واجهوه بواسطة الشيخ إبراهيم السعدي الجباوي، نفعنا الله به وبأجداده، وكانوا هاربين عند العرب، فأعطاهم الأمان، لما طلع أن ليس لهم ذنب بتلك الأعمال.

стр. 33

وكانت هلة رمضان هذه السنة، وقبل رمضان بيومين خرج قاضي الشام السيد محمد أفندي بشمقجي زاده، خرج إلى الصالحية مع حريمه، ثم رجع في وقت العصر من الصالحية وحريمه معه، وهو شاهر السلاح بيده طبنجة، وفي رجله الواحد بابوجة والثانية حافية بلا بابوج، وقد جرح من جماعته شخصاً. ولم يزل على هذه الحالة حتى وصل إلى المحكمة، ثم تبيّن أنّه كان سكراناً ... قال المؤرخ: قد فحصت عن سبب نزول القاضي بهذه الكيفية، فتبيّن الأمر بخلاف ما ذكرنا من كونه كان سكراناً، وإنَّما هو من حدّة مزاج وقع منه. والسبب في ذلك أنه كانت له سرية، وكان مغرماً بها، حتى طلق زوجته لأجلها، فأرادت زوجته أن تنكد عيشته، فيوماً من الأيام جاء بعض ضيوف لجاريته التي يحبها، فأرادت أن تضع أمام الضيوف طعام ودجاج وغيره من الذي هيّأه القاضي للغذاء في الصالحية، فمنعتها زوجة القاضي وكانت غير سخية، فلما جاء القاضي عرفته جاريته بذلك، وأنها لم تضع أمام ضيوفي طعاماً ولا غيره، ثم صارت تبكي، وكان القاضي يحبها فوق العادة، فقام على زوجته فطلَّقها، لما قيل إن ذلك كان سبب طلاقها، وقام على خدامه فجرد عليهم السلاح، وأمر الحريم بالنزول، وطلب هو المركوب، فأبطؤوا، ثم وجد فردة فنزل بها إلى الجسر، ثم ركب ونزل للمحكمة على تلك الحالة، فأظهرت أعداؤه أنه سكر والأمر بخلافه. ثم ما كفى زوجته التي طلَّقها هذا الفعل، حتى اشتكت عليه إلى الدولة العلية، فجاء الأمر بفرمان عزله وبنفيه إلى جزيرة قبرص وبضبط ماله جميعه لزوجته، فباعوا جميع متروكاته، واخذوا جميع ما عنده من المال، فبلغ ثمانية أكياس، فأعطوهم إلى زوجته المطلقة. وكان ذلك بأمر من الدولة، ثم تأسفت عليه غالب الناس، غير الذين لهم أغراض، لما كان عليه القاضي المذكور من الاستقامة والقناعة والتواضع والسخاء الكثير، حتى إنه في شهر رمضان كان يأكل قنطار من السمن ومن الأرز مثل ذلك، ومن اللحم كذلك، حتى إنه على الأقل يوجد عنده في رمضان نحو ثلاثين ماعدا الفقراء. ولما كان لا يأكل الرشوة ولا يميل في دعوى مالت أهل الشام عليه مع زوجته، حتى سمعوا بعزله كما هي عادتهم قديماً. وفي يوم الأحد منتصف شوال جاءت خزنة مصر إلى الشام. ويوم الاثنين سادس عشر شوال خرج المحمل الشريف بأميره الحاج أسعد باشا بن إسماعيل باشا العظم، وقد كانت هذه هي الحجة السابعة لحضرة أسعد باشا المذكور. وقد كان أبوه إسماعيل باشا حجَّ ستَّة. وهذه الحجّة بهذه السنة هي السابعة لأسعد باشا. وثاني يوم خروج المحمل شنق المتسلم اثنان من الأشقياء اللصوص، لهم وقوعات كثيرة، ثبت أخيراً أنهما نزلا داراً ليلاً، فسرقا جميع ما فيها من غالي الثمن، واسم أحدهما شيخ التكية. وبعد خروج الحاج الشامي بأربع أيام خرج السيد يونس شريك أسعد باشا بقافلة عظيمة ومعه جماعة كثيرة، ولحقوا الباشا والحاج إلى المزيريب. وفي هذه السنة جدَّد أسعد باشا في مدرسة أبيه إسماعيل باشا التي في سوق الخياطين الحجرات الفوقانية، وجعل في قبليها جامعاً وخطبة، ورتَّب أجزاء من القرآن وشوربة وزيتاً وغير ذلك. جزاه الله خيراً. وفي تاسع ذي القعدة سافر القاضي المتقدم ذكره لصيدا، يريد قبرص بنية النفي لها، وخرجت بعض الأكابر لتوديعه. وفي خامس عشر ذي القعدة جرَّصوا ثلاثة أشخاص ودوّرهم في كل البلد مسخمين الوجوه راكبين على حمير بالمقلوب. فسألنا عن السبب، فقيل إنهم يُسكوّن الفلوس الرملية، وهي غش فكان أحدهم كردي والثاني داغستاني. وفي ذلك اليوم أمر الحاكم بأن يخرجوا بنات الهوى، وهم الشلكات، من البلد إلى خارج البلد، وأظهر أنه يريد أن ينفيهن إلى بلاد أخرى، ونبّه على مشايخ الحارات أن من وجد في حارته ذو شبهة لا يلومن إلا نفسه، ثم نادى منادي إن النساء لا يسبلن على وجوهن مناديل، إلا حرم الباشا ونساء موسى كيخية. ثم شرع أعوان الحاكم بالتفتيش وشددوا، فانفرجت بعض الكربة، ثم ما بقي هذا التشديد غير جملة أيام، إلا وقد رأينا البنات المذكورات يمشين كعادتهن في الأزقة والأسواق وأزيد، ورجعن إلى البلد، ورتب الحاكم عليهن في كل شهر على كل واحدة عشرة غروش وجعل عليهم شوباصياً، بل قطع من الناس وسلب والله المستعان.

стр. 34

وفي يوم الثلاثاء دخل سعد الدين باشا أخو أسعد باشا بن العظم إلى الشام بموكب عظيم، لأنه سردار الجردة وأميرها وقد سار بها في السنة الماضية. سنة ١١٦٣ ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومئة وألف، وكان غرّة محرمها يوم الخميس. والبرد كثير والغلاء باقي لم يزل. وظل الخبز بخمسة مصاري، ورطل الأرز باثنتي عشر مصرية، ورطل اللحم بأربعة وعشرين مصرية، ورطل الفحم بثلاثة مصاري، ورطل الدبس بثمان مصاري، وأوقية السمن بخمسة مصاري. والجليد الذي صار في هذه السنة ما سمعنا بمثله. نسأله تعالى اللطف. وفي منتصف محرم من هذه السنة توفي العالم العامل الشيخ محمد الديري، وكان يدرس بالجامع الأموي رحمه الله تعالى. وبعده بيومين توفي الشيخ العالم الزاهد منلا عباس الكردي خليفة شيخه منلا إلياس الكردي، وفي مكانه بجامع العداس ﵀ ودفن بسفح جبل قاسيون. وفي ثامن وعشرين من المحرم توفي الشيخ عيسى إمام صلاة الأولى بجامع بني أمية في محراب السادة الشافعية. كان ﵀ رجلاً صالحاً حسن القراءة حسن الصوت، يلبس دائماً ثياباً بيضاء، وعمامته من صوف أبيض. وكانت جنازته حافلة لم يتخلف عنها إلا القليل، ودفن بتربة البرامكة قبلي المرجة، ﵀. وفي ذلك اليوم كسفت الشمس، وبقيت مكسوفة نحو ثلاث ساعات، وصلى الناس صلاة الكسوف بجامع الأموي. وكان دخول الحاج الشريف تلك السنة نهار الأربعاء خامس صفر. وثاني يوم الخميس دخل أمير الحاج أسعد باشا بموكب المحمل الشريف. وهذه السنة السابعة من حجاته المتواليات. وقد ذكرت الحجاج أن هذه السنة أيمن السنين وأحسنها وأرخصها ذهاباً وإيابا. ودخل حضرة سعد الدين باشا مع أخيه أسعد باشا وهما في غاية الصحة. وفي خمسة وعشرين محرم شنق متسلم الشام موسى كيخية خمسة أنفار من الدروز الأشقياء. وفي تلك الأيام مات قاضي مكة ودفن بباب الصغير. ويوم الأحد ثالث وعشرين صفر توفي الولي الزاهد الشيخ محمد بن عبد الهادي العمري، وصلوا عليه في الأموي، ودفن في مرج الدحداح، وكانت جنازته غاصة بالرجال والنساء، ﵀. وفي الخامس والعشرين من صفر شنق الباشا ثلاثة رجال، جاؤوا بهم أهل دوما إلى الوالي أسعد باشا، وأخبروه أنهم وجدوا معهم خرج كذا فيه متاع لقفطجي السلطان، فأمر بصلبهم. وفي يوم السبت سلخ صفر سافر سعد الدين باشا لمحل مأموريته التي هي في طرابلس. وفي تلك الأيام توفي الشيخ مصطفى الكردي الذي كان قاطناً بمدرسة سليمان باشا بن العظم، وكان فقيهاً ديّناً. ودفن في سفح قاسيون ﵀. وبهذه الأيام أيضاً توفي نجيب أفندي السفرجلاني، وكان من صدور أكابر دمشق، وصار له مشهد عظيم ودفن بمقبرة باب الصغير. وتوفي أيضاً بتلك الأيام في أوائل ربيع الأول من هذه السنة توفي الشيخ الصالح العالم الشيخ مصطفى بن الشيخ شعيب من محلة باب السريجة، وصار له مشهد عظيم بالأعلام، وخرجت بجنازته جميع مشايخ الطرق، ودفن بباب الصغير، ﵀. وفي تلك الأيام توفي أيضاً الولي الزاهد، من غلبت عليه الجذبة الإلهية، السيد مصطفى بن الشيخ مراد، وكانت الدولة والقبول في الشام وإسلامبول إلى ابن أخيه السيد علي أفندي، وخرجت جميع الأعيان بجنازته ودفن بباب الصغير ﵀. وفي ليلة الاثنين توفي الولي الكامل ذو الكرامات الظاهرة والأحوال الباهرة، من قد خلع العذار وتساوى عنده الليل والنهار، وشرب من خمر شراب الجبار، وأعطى درجة القبول عند الكبار والصغار الشيخ محمد جبري، وقد كان أحياناً يغيب وأحياناً يحضر، وأحياناً يسكر، وقد كان له جماعة وتلامذة، وكان في درجة الشيخ أحمد النحلاوي، وقد كان يتردد عليه أيام حياته، ولما توفي النحلاوي لازمه جماعة من فقراء الشيخ صاروا يدوروا معه ويباتوا معه أين ما بات. وكانت وفاته بباب السريجة، وصار له مشهد عظيم. وفي منتصف سعد الذابح جاء الثلج يومان وليلتان بلا انقطاع ولم يعقبه مطر، وبقي على الأساطيح وفي الأزقة أكثر من عشرين يوماً، حتى صار رطل الفحم بنصف قرش وبثلث، ورطل الخبز من أربعة مصاري إلى ثمانية، وأوقية السمن بخمسة مصاري، ورطل اللحم بثلاثين مصرية. والحاصل كل شيء غال، والخلق في تعب بال.

стр. 35

وفي تلك الأيام قتل قبقولي رجلاً شريفاً بعد العشاء، فاشتكت والدة القتيل للوزير أسعد باشا ولازمته، فأمر بإحضاره فقبضوا عليه بعد ما هرب، فأمر الوزير بخنقه، فخنق بالقلعة. وفي تلك الأيام توفي الشاعر الأديب والفاضل اللبيب من لم ينسج في زمنه شاعر على منواله الشيخ عبد الرحمن البهلول رحمه الله تعالى، ودفن بباب الصغير قبالة بيوت النحّانة من جهة الشاغور. وهذا البهلول صاحب القبول هو صاحب القصيدة التي مدح بها الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي المحتوية على أكثر من مئة تاريخ في كل شطر منها تاريخ. ولما قدم القصيدة لأستاذه الممدوح ورأى حضرة الشيخ أنها فريدة في بابها بهذا النسق المدهش العجيب قال له: لقد استخرنا الله تعالى يا شيخ عبد الرحمن وعملناك شيخ الأدب في الشام. ونهار الاثنين خامس عشر ربيع الأول وقع سقف السوق الضيق خلف الجامع الأموي الذي فيه القهوة. وكان وقوعه بعد صلاة الحنفي. وكان تحته جماعة مات منهم أربعة أشخاص وهشّم جماعة. قال المؤرخ البديري: وفي يوم الخميس ثامن عشر ربيع الأول خرجنا إلى سيران بناحية الشرف المطل على المرجة مع بعض أحبابنا. وكان الوقت في مبادئ خروج الزهر، وجلسنا مطلين على المرجة والتكية السليمية، وإذا بالنساء أكثر من الرجال جالسين على شفير النهر، وهم على أكل وشرب وقهوة وتتن. كما تفعل الرجال، وهذا شيء ما سمعنا بأنه وقع نظيره حتى شاهدناه ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال المؤرخ: ثم لم نزل في سرور وانبساط، حتى أنشدت هذا المواليا فقلت: مضى لنا يوم مثله ما سبق يا خال ... في مرجة الشام ما تشوفون موضع خال ملا خميس مضى ما صادفه أرزال ... في ثامن عشر ربيع الآخر راح البرد يا هل الأدب أرّخوه الضيق عنكم زال وفي ذلك اليوم وقع رجل معماري من سطح سوق الخياطين ومات لوقته. وثاني يوم الجمعة تاسع عشر ربيع الآخر مر الشيخ محمد بن جقيجقه في العمارة وحامل بيده قرنبيط إذ سقط على الأرض بلا روح، وحمل لداره ميتاً، ﵀. وفي تلك الأيام أخذ أسعد باشا دار معاوية ﵁ وأخذ ما حولها من الخانات والدور والدكاكين وهدمهم كذا وشرع في عمارة داره السرايا المشهورة التي هي قبلى الجامع الأموي، وجدّ واجتهد في عمارتها ليلاً ونهارا، وقطع لها من جملة الخشب ألف خشب، وذلك ما عدا الذي أرسلوه له أكابر البلد والأعيان من الأخشاب وغيرها، ورسم على حمامات البلد أن لا يباع قصرمل لأحد، بل يرسل لعمارة السرايا، واشتغلت بها غالب معلمي البلد ونجاريها، وكذلك الدهانين، بل قل أن يوجد معلم متقن أو نجار أو دهان كذلك إلا والجميع مشتغلون بها، وجلب لها البلاط من غالب بيوت المدينة، أينما وجد بلاط أو رخام وغير ذلك، مثل عواميد وفساقي يرسل فيقلعهم القليل من ثمنهم. وكان في قرب تربة البرامكة قصر يقال له الزهرابية، قيل هو من عمارة الملك الظاهر وهو على ظهر بانياس مطل على المرجة، وكان مكان منتزه عظيم تهدم غالبه. وفي قربه مدفن وعليه قبة من حجر ورأس القبة مقلوع، وفيه وهدة قيل إنه كان في رأسها خبية قديمة فأخذت. قال المؤرخ: وقد بلغني عن سبب أخذها أنه كان مكتوباً على باب جدار القبة هذا المواليا: داري زمانك وصحبك ثم داريها ... وتجنب الناس عاليها وواطيها وإن سألوك عن عيوب الناس غطّيها ... العقل في الراس قاضيها وواليها وكان كل من يقرؤه يتخيل شيئاً، إلى أن جاء صاحب النصيب ليلاً وصعد إلى أعلى القبة وحفرها وأخذ ما فيها، ولم تزل بلا رأس إلى زماننا هذا، إلى أن أخبروا حضرة الوزير أسعد باشا العظم صاحب العمارة عن هذه القبة وعن المدفن الذي بجانبها، وأن الأراذل والأشقياء يجتمعون عندها هناك ليلاً ونهاراً على فسق وفساد وغير ذلك، فأمر بهدمها حالاً ونقل حجارتها إلى داره.

стр. 36

وفي تلك الأيام بلغ حضرة الوزير أسعد باشا أن في دار ابن كيوان طاحونة قديمة، يقال لها طاحون الرهبان، قد تهدمت ولم يبق منها سوى رسوم أسفلها، وأنها مركبة على بانياس، فحالاً أمر حضرة الباشا بقطع نهر بانياس وأن يخرجوا جميع ما فيها من أعمدة وأحجار وينقلوهم إلى الدار. فاشتغلت الفعّالة والحجّارة والبساتنة، واستقاموا يقلعون الأحجار وينقلونها إلى دار الباشا اثنا عشر يوماً، والنهر مقطوع عن أصحابه. وفي يوم الخميس سادس وعشرين ربيع الثاني من هذه السنة عمل حسن أفندي السفرجلاني وليمة لحضرة أسعد باشا والي الشام بالصالحية في قاعة ابن قرنق. وكانت ضيافة عظيمة، قيل تكلف عليه نحو إحدى عشر مئة غرش. فنظر حضرة الباشا إلى سروات شاهقات في داره، فطلب من صاحبهم علي آغا بن قرنق قطعهم لأجل عمارة داره، وعرض أسعد باشا صاحب العمارة عليه شيئاً من المال، فأبى أن يأخذ من ثمنهم شيئاً، وقطع له ثلاث سروات ليس لهم نظير في الشام ولا في غيرها. ونقل من قرية بصرى أحجاراً وأعمدة من الرخام شيئاً كثيراً، وأخذ من مدرسة الملك الناصر التي في الصالحية أعمدة غلاظاً جيء بهم محملين على عربات تجر بالبقر وهدم سوق الزنوظية الذي فوق حارة العمارة، وكان كله أقبية معقودة فأمر بفكه ونقله إلى داره المشار إليها. ونقل إليها أيضاً أعمدة من جامع يلبغا، وأنه مهما سمع ببلاط بديع أو أعمدة أو أحجاراً من أي محل كان يأتي بها شراءً وغير شراء. قال المؤرخ أحمد البديري عفا الله عنه: وفي تلك الأيام قتل ابن خطاب الدالاتي في سوق البزورية وقت أذان العشاء، جاء ضرب سلاح على رأسه، أخذ نصف رقبته مع رأسه، فوقع قتيلاً كأنه ما كان. هذا ووزير الشام مشغول في عمارة داره، ولم يلتفت إلى رعاياه وأنصاره ويقول: ائتوني بحجارة المرمر والرخام والسرو، وتفننوا بالبناء والنقوش والتحلية بالذهب والفضة، وجلب عواميد الرخام على العجلات والبقر من بصرى، وخرب سوق مسجد الأقصاب، واستجلب جميع ما فيه من أحجار وأخشاب، وكل ما سمع بقطعة أو تحفة من رخام أو قيشاني أو غيرها يرسل فيأتي بها إن رضي صاحبها أو أبى. وإذا أراد الفقير أن يعمر أو يرمم لم يجد معمارياً ولا نجاراً ولا خشباً ولا مسماراً ولا تراباً ولا قصرمل ولا أحجار، وهذا مع غلاء الأسعار وحلول الأكدار. وقد أخذ حضرة الباشا قدراً وافياً من ماء قنوات، فما وصل إلى السرايا حتى تقطعت السبل ومياه غالب الجوامع والحمامات، وبقي مدة مقطوعاً حتى عن غالب البيوت. وفي تلك الأيام عمل علي أفندي المرادي ضيافة لحضرة أسعد باشا في قرية ببيلة في طريق قبر الست، وكانت ضيافة حافلة في الغداء والعشاء. وفي تلك الأيام أيضاً أمر حضرة الوزير أسعد باشا العظم متولي الجامع الأموي الشيخ إبراهيم الجباوي السعدي بأن يصلح أحوال الجامع المذكور ويتفقد مصالحه. فحالاً باشروا بترميم المئذنة الغربية، وأزالوا ما فيها من الأحجار العاطلة، وأزالوا ما به من الحصر والطنافس العتق، وفرشوه فرشاً جديداً بهمة حضرة الباشا. وفي يوم الاثنين سادس جمادى الأولى خرج الحاج أسعد باشا وعمل سيراناً في أرض الغوطة، ومعه أكابر دمشق وأعيانها. وفي يوم الجمعة عاشر يوم من جمادى الأولى والناس في صلاة الجمعة، ألقى رجل نفسه من قلعة دمشق إلى جهة قهوة المناخلية، فتكسرت يديه كذا ورجليه، وسبب حبسه أنه اتهم بافتضاض بنت.

стр. 37

وفي تلك الأيام بشهر آذار الرومي ثار ريح شديد عاصف ما سمع بمثله، تزلزلت فيه أقطار الشام، حتى ظن الناس أن القيامة قد قامت، وأعقبه برد ومطر شديد متراسل إلى آخر الليل. وفي تلك الأيام جاء رجل من الأتراك إلى دمشق، ومعه صحن من نحاس يضعه على عود ويفتله عليه، ويحذفه إلى أعلى قامتين، ويتلقاه على العود وهو يفتل، وينقله من إصبع وهو دائر يقتل، ويلمّ فلوساً من المتفرجين. ثم صارت أولاد الشام تفعل كفعله، فتعجب من ذلك وذكر أنه دار بلاداً كثيرة في الدنيا، وما قدر أحد أن يفعل كفعله، ثم سافر ولم ير بعد. وأغرب من ذلك أنه جاء رجل أيضاً من أبناء الترك قبل الذي ذكرناه يصفق بأصابعه، يضرب بالواحدة على الأخرى، ويدق برجله على الأرض دقاً محكماً، ويغني بالتركي والعربي، فتجمّع عليه الخلق ويعطونه فلوساً. فصارت أولاد الشام الصغار تفعل كفعله وأحسن. وذكر أنه دار في الدنيا مدناً كثيرة فلن يتعلم هذه الصنعة سوى أولاد دمشق، واندهش من ذكائهم. وفي جمادى الآخرة قُتل رجل في محلة العقيبة، فسألت عن السبب، فقيل إنه رجل يشتغل بالفرن، فمضى إلى فرنه آخر الليل وسكّر باب داره وترك زوجته نائمة، فلما وصل إلى فرنه واستقر برهة، جاءه نذير، وأخبره أنه رأى رجالاً دخلوا داره، فجاء يعدو بالحال، فوجد السكرة، مفتوحة، فجسّ الباب فوجده مدربساً، فصاح على زوجته فأجابته، فقال لها من مَن عندك، فصاحت: واعرضاه من يكون عندي، فقال لها افتحي الباب، فتعللت بعدم قدرتها على فتح الباب، فصاح بشدة، وإذا قد فتح الباب وخرج منه رجال، فضربه أحدهم بطبنجة جاءت في صدره فقتلته حالاً، فلما طلع النهار أخبروا حضرة وزير الشام أسعد باشا، فأحضر المرأة بين يديه، وسألها فأنكرت فأمر بحبسها، فحبست وذهب دم زوجها هدرا. وفي تلك الأيام أيضاً جيء لحضرة الوزير أسعد باشا بامرأة قتلت زوجها، فسألها عن السبب، فقالت له إنه تزوج عليّ، فلما كانت ليلتي نام وتركني، فقمت وقطعت ذكره، وقلت لا لي ولا لها، فمات من ذلك. فضحك حضرة الوزير، ولم يفعل بها شيئاً سوى أنه أمر بحبسها. وفي اليوم الحادي والعشرين من جمادى الثانية من هذه السنة ذهب والي الشام إلى الدورة، ومتسلمه موسى آغا كيخية. فثاني يوم من ذهاب الباشا شنق متسلمه المذكور اثنين، قيل إنهم متاولة كانا يقطعان الطريق، ثم نادى أن لا أحد بعد صلاة العشاء يخرج لا بضوء ولا بلا ضوء. وهذا شيء ما سبق قط. ثم صار بنفسه يدور بالليل، وكان من الجبابرة. وبهذه السنة ثبت أول رجب السبت وليلة نصف شعبان كانت ليلة الاثنين، وأول رمضان كان الثلاثاء. وفي سادس عشر رمضان دخل ركب الصرّة أميني؛ ودخلت أيضاً خزنة مصر إلى الشام. وفي الحادي والعشرين منه دخلت البلطجية. وفي ليلة الرابعة والعشرين بعد صلاة التراويح قتل كردي يقال له كرا مصطفى في الحدرا، ولم يُعلم غريمه، فاتهموا فيه رجلاً بغدادياً، فتسلحت الأكراد، ونزلت حتى وصلت إلى الدرويشية وباب الجابية لعلهم يصادفون أحداً من البغّادة ليقتلوه فلم يجدوا، وكانت الخلائق في الدرويشية صفوفاً وألوفاً، فبهجوم الأكراد تفرقوا وهربوا، ودخل الخوف والرعب في قلوب الناس، وإلى الله المصير. وبعد ثلاثة أيام حضر الباشا من الدورة، وكان دخوله مع أذان المغرب. وفي سلخ رمضان يوم الوقفة قتل الأكراد اثنين من البغّادة لأخذ ثأر القتيل الكردي الذي قدمنا ذكره، فتسلحت البغادة والموصلية وساعدتهم التفكجية والقبقول، وطلبوا خان الأكراد، فرمى الأكراد عليهم طلقاً من الرصاص، فقتلوا جماعة وجرحوا، فرجعوا على الأكراد ونهبوا بعض قهواتهم، وأرادوا أن يعملوا جمهورية كذا ويقيموا فتنة في البلد. فنهاهم حضرة الوزير حفظه الله عن ذلك، بقيت الأمور مطوية. وكان عيد الفطر يوم الأربعاء، وقد صمنا رمضان تماماً، بعدما كنا صمناه أعواماً ناقصاً. وبعد أيام رحلت خزنة مصر إلى اصطنبول. وفي سابع عشر شوال رحل أمير الحاج بالمحمل الشريف والموكب المنيف الحاج أسعد باشا العظم. وهذه السنة هي الثامنة من حجاته المتوالية. وثاني يوم جاء الحاج الحلبي. وفي الحادي والعشرين من شوال رحل الحاج الشامي والحلبي من الشام. وبعد خمسة أيام جاء حاج من العجم، وتبع الحاج إلى المزيريب من جهة اللجاة، ورحل الحاج من المزيريب يوم السابع والعشرين من شهر شوال.

стр. 38

وبعد رحيل الباشا نادى المتسلم على الفلوس الرملية كل إحدى وعشرين فلساً بمصرية، وأطلق البغدادي الذي اتهم بقتل القرا مصطفى الكردي، وكانوا قد رفعوه للقلعة، وبعد إطلاقه بأيام سكر وعربد وضرب حمّارين فقتلهما، فاختبطت البلدة، وأرسل المتسلم في طلبه، فهرب ولم يظهر له أثر، ولا وقفوا له على خبر، فقبضوا على مملوك له فخنقوه. وقبل خروج حضرة أسعد باشا إلى الحاج الشريف بثلاثة أيام انتهت عمارة دار الباشا، التي هي للحريم، وفرشت بأحسن المفروشات، ونقل حرمه إليها. وفي تلك الأيام حصلت وقعة عظيمة بين الدروز والمتاولة، ومع المتاولة أيضاً أولاد الظاهر عمر حاكم طبرية، وقُتل من الفريقين، وحصروا قتلى الدروز، فكانوا نحواً من تسع مئة قتيل، وهي فتنة كبيرة. وفي يوم السبت خامس ذي القعدة ضربت مدافع فسألنا عن الخبر، فقيل جاء من السلطنة مقرر إبقاء أسعد باشا العظم والي الشام. قال المؤرخ البديري: وفي ليلة الأربعاء لعشرين مضت من شهر ذي القعدة من هذه السنة توفي الشيخ إسماعيل بن شيخنا وأستاذنا الشيخ عبد الغني النابلسي، مات عن ثلاثين ولداً من بنيه وأولاد بنيه، وعمر سبعة وسبعين سنة، لأن مولده سنة خمس وثمانين بعد الألف ووالده الأستاذ مولده سنة خمسين بعد الألف ووفاته سنة ثلاث وأربعين ومئة بعد الألف فيكون عمر الأستاذ والده ثلاثاً وتسعين سنة، وكانت وفاته بالصالحية ودفن في دارهم التي في العنبرانية قبلى الجامع الأموي، وحُمل نعشه للصالحية، ودفن في دار أبيه بجانب ولده الشيخ طاهر، رحمهم الله تعالى ونفعنا ببركاتهم أجمعين. سنة ١١٦٤ ثم دخلت سنة أربعة وستين ومئة وألف، كانت هلّة المحرم نهار الثلاثاء، جعلها الله سنة خير وبركة علينا وعلى المسلمين. وفي ستة وعشرين من المحرم جاء جوقدار الحج الشريف، وبشّر عن الحج بكل خير من كثرة الرخص والمياه وغير ذلك ولله الحمد. غير أن الغلاء لم يفارق الشام، فقد دخلت هذه السنة ورطل الخبز بخمسة وبستة مصاري، ورطل الأرز بعشرة مصاري، ورطل اللحم بثمانية وعشرين مصرية، ورطل الدبس بتسع مصاري، وأوقية السمن بستة مصاري، والعملة مغشوشة، والفلوس غير منقوشة، والنساء باحت والرجال ساحت، والحدود طاحت، والأكابر مشغولة ومروءة الرجال مغلولة، إلى آخر ما قال المؤرخ. وفي تلك الأيام جاؤوا بأربع رؤوس من العرب قطاع الطريق، أتى بهم عيسى بشه الحبش، أحد الزرباوات الهاربين، فعُفي عنه لأجل ذلك. وفي تاسع وعشرين محرم جاء كَتّاب الحج، وذكر أن هذه السنة هي أريح وأجود السنين في أيام الحاج أسعد باشا والي الشام حفظه الله. غير أنهم جاءهم سيل عظيم في عسفان أوقعهم أياماً، ثم أمر الباشا بأن يجدوا في المسير حتى ترك من العشرة اثنين، هكذا ذكر لي بعض الحجاج. ودخل الحاج يوم الأربعاء ثاني صفر. وثاني يوم الخميس دخل المحمل الشريف، وأسعد باشا وأخوه سعد الدين باشا سردار الجردة بالموكب العظيم. وثامن صفر دخل قاضي الشام عبد الله أفندي سعيد زاده ليلاً وعليه جلالة وهيبة ولم يتكلم بقال وقيل. وبلغنا أن عثمان باشا المحصل حاكم جدة مات ودفن بها. وفي تلك الأيام من هذه السنة جاء منصب حلب إلى سعد الدين باشا أخو أسعد باشا، فتحوّل من طرابلس بعياله وذهب من دمشق إلى حلب، وقد أشاعوا أن سلفه حاكم حلب كان ظالماً غاشماً، وقد خرب قرايا كثيرة، وعمر عماير كثيرة، أخذ غالب مصارفها من أهل حلب، وبنى بها جامعاً يدهش الأبصار. وبعد مجيء الحاج أسعد باشا من الحج الشريف وجدنا داره قد تمّت عمارتها، فلما دخلها زاد فرحاً وابتهاجاً وسروراً، فذبح الذبائح وأعطى المنائح، وأقام بها بلذة عيش، وبلغه مجيء تقريره في الشام، فازداد شكراً لمولى الأنام. غير أن أهل الشام في أكدار من غلاء الأسعار، وبخل التجار وانفساد الأحرار وضعف الصغار، وعدم زحمة الكبار، والحكم لله الواحد القهار. فلقد صار رطل اللحم الشامي بقرش، ورطل السمن بقرش ونصف، ورطل لحم الجاموس بأربعة وعشرين مصرية، والسمك مثل ذلك، ورطل لحم الجمل بثمانية عشر مصرية، وأوقية الرز بمصرية، والعسل الأوقية بشاهية. ورطل الخبز بستة مصاري، والناس في أسوأ الأحوال.

стр. 39

وفي تلك الأيام وقع بيت بباب السريجة على امرأة وصبي صغير. في تلك الأيام أيضاً قتل كردي وزوجته في محلة سوق ساروجا. وسبب ذلك أنه كان حاجاً، ولما جاء وجدها متغيرة في أحوالها، ثم تبين أنها عابت في غيبته، وكان ذو كذا حسن وجمال فذبحها ولم يبال بأحد. وفي تلك الأيام أيضاً قتل رجل ابنته في محلة سوق ساروجا، وهي ابنة أربع سنين، فبلغ حضرة أسعد باشا أمرها وأن تلك البنت أمها مطلقة وخالتها امرأة أبيها غير محبة لها، فدست لأبيها عليها بعض الكلام، وكان أبوها من الحمق والجنون على جانب عظيم، فضربها بالعصا ضرباً مؤلماً، ثم ربطها بشجرة داره وبقيت طول الليل مربوطة إلى الصباح، فجاء ليحلّها فوجدها قد ماتت، وكانت ليلة ذات برد شديد، فأحضره أسعد باشا وأمر أن يضرب ضرباً شديداً، فضرب ثم وضع بالحديد بعدما أخذ منه أموالاً كثيرة. وفي يوم الأربعاء ثامن صفر الخير من هذه السنة توفي الشيخ محمد أبو قميص الكردي شيخ مدرسة المرادية. وسمي بأبي قميص لكونه إذا لبس قميصاً لا ينزعه حتى يتقطع، وهذا غاية في الزهد، وقد كان صائماً متهجداً، خرجت في جنازته الأكابر والأعيان لاعتقادهم في صلاحه، ودفن في تربة مرج الدحداح، ولما فُتحت حجرته وجدوا عنده عشرين ثوباً من الكتان جدداً وخمسة عشر نصف مقطع وسبعة قناطير حطب وعشرة أرطال أرز وقدرة سمن وقدرة عسل، وغير ذلك من المؤن. ووجدوا قدرة بها أرباع ريال ومثلها مصاري، وفيها ذهب وأمتعة وحوائج وبدراويتين ملآنتين قمصان، ووجدوا مقدار مئة كتاب قدّورهم بثمن عظيم. فانظر إلى زهد مثل هذا، فقد ذهب الصالح بالطالح. وفي يوم الجمعة عاشر صفر توفي الشيخ إبراهيم إمام القشماسية، وكان فقيهاً صالحاً، ودفن بتربة باب الصغير ﵀. وفي يوم الجمعة اثنين وعشرين من ربيع الأول توفي العالم النحرير الشيخ أحمد الحرستي أمين الفتوى في بيت العمادي ﵀. وفي تلك الأيام باع رجل جرة زيت إلى رجل آخر، فقبض ثمنها بعدما وزنها؛ ثم حملها إلى دار الرجل، وقال: أبقِ عندك هذه الجرة، فبعد ساعة آتيك وأفرغها لك، قال: لا بأس بل أنا أفرغها وأي وقت جئت تجد الجرة، ثم ذهب صاحب الزيت، وبعد ساعة فرغها المشتري، فوجد بها أربع أواقٍ من الزيت والباقي ماء صافياً، فطلب الرجل فلم يجده. وفي يوم السبت سلخ ربيع الأول قتل قبقولي رجلاً من الأشراف في مأذنة الشحم، ضربه بخنجر في صدره أخرجه من ظهره، وترك الخنجر مغروزاً فيه، حتى أخرجه قاضي كشف عليه ثم ألقوا القبض على القاتل، وقامت الأشراف، وثبت عليه القتل فحبسوه في القلعة، وفي تلك الليلة خنقوه. وفي يوم الأربعاء غرة جمادى الأولى توفي الشيخ محمد بن الشيخ شعيب الشهير بالشيخ جينة القاطن بحارة باب السريجة. كان ﵀ ضحوك السن لطيفاً على غاية من الصلاح، ودفن بباب الصغير رحمه الله تعالى. وفي ثامن جمادى الأولى اغتيل رجل شقي من الصالحية يعرف بالفستقي، كان كما قيل داهية دهماء ومصيبة عظماء، شجاع يرد مئة شجاع بعصا، سارق ما سمع بمثله بين اللصوص المشتهرين بالحيل، فمن حيله وشطارته التي ما سمع بنظيرها أنه متى وضع يده على أعلى حائط فمتى علق ظفره به صار أعلاه، والمدهش أن يكون ظهره للحائط، وإذا وضع في أي مكان وأغلق عليه الباب وقفل، خرج منه مهما كان، وهذا كله ولم يجاوز العشرين سنة من عمره، ثم إنه بغى على أهل الصالحية خصوصاً وعلى غيرهم فأعياهم أمره، فجعلوا لشخص جُعلا على قتله، فاغتاله بعد ما عمل معه صحبة، وقتله وراح وكأنه ما كان. وفي يوم الثلاثاء جاء خبرٌ إلى دمشق بأن ليلة الاثنين قُتل حاكم بعلبك الأمير حسن، وقد كان خارجاً من الجامع، فاغتاله ثلاثة أشخاص، ورموه بثلاث بنادق وفروا هاربين وحمل إلى داره. وفي اليوم الثاني توفي، وقد قيل بأن القاتلين له إخوته، حيث أن له من الإخوة سبعة، والله أعلم. وفي تلك الأيام فرض والي الشام أسعد باشا على الزعماء والأكابر والتجار بأن يأتوا له من مدينة حماة بقمح، ويكون أجرته منهم، فذهب بعضهم وأتى بقمح كثير، فبيعت الغرارة بإحدى وثلاثين غرشا، ولم نستفد غير وجوده، وأما الغلاء فإنه باق بجميع الأصناف كما قدّمنا تسعيره.

стр. 40

وفي ليلة السبت توفي موسى كيخية أسعد باشا والي الشام ودفن بباب الصغير قريباً من تلة الشاغور، وصار له مشهد عظيم. كان ﵀ هضيم النفس، طلب علما في أول أمره، عنده شفقة ورأفة ويحب المسألة ومصالحة الخصوم، حتى صارت الشام وما حولها حتى من العربان طوع يده، وخلف ثلاثة من الولد أحدهم صار حاكم القدس، والثاني حاكم غزة، والثالث صغير من امرأته الشامية، واستقام في الكخوتية من حكم سليمان باشا إلى سابع سنة من حكم ابن أخيه أسعد باشا. وفي يوم الاثنين ثاني وعشرين من جمادى الثانية قُتل اثنان من رعيان التركمان في أرض الغوطة في المحفرة، أحدهما عاش، فسئل عمن فعل بهما ذلك، فأخبر أن بعض المغاربة ظن أن معهما مال. فبعدما أوقعوا بهما ذلك الحال، وجدوا مع أحدهما ربع ريال، والثاني قليلاً من الفلوس، فرجعوا خاسرين الدنيا والآخرة. وفي تلك الأيام كبَّر أسعد باشا داره الجديدة الذي ما صار نظيرها ولا عمل مثلها ولا وجد في الكون لها مثيل. وبينما النجارين كذا يرفعون السقائل لأجل رفع الطوان وقع ثمانية أنفار من النجارين فتهشموا، ولم يقتل ولله الحمد منهم أحد، فأمر حضرة الباشا بأن يرسلوا إلى بيوتهم، وأعطى كل واحد منهم نصف ذهب. وفي ذلك العام اشترى أسعد باشا والي الشام من الصالحية ومن أرض العنابة ومن غيرها أراضي وبساتين. واشترى كذلك سوق الدق وما حوله من الدكاكين، ومراده أن يعملهم قيسارية ليس لها نظير في قيسارية الشام. وفي يوم الجمعة توفي بقية السلف الصالح معتقد أهل الشام على الإطلاق الشيخ عبد اللطيف بن عبد الهادي، وقرئ نسبه عند إقامة الصلاة عليه في مقصورة الجامع الأموي، فوجد بينه وبين سيدنا عمر بن الخطاب ثلاثون جدّاً. وصار له مشهد عظيم ودفن بمقبرة مرج الدحداح، رحمه الله تعالى. وفي يوم الاثنين سلخ جمادى الثانية دخلت أرطة القبقول يتمش إيكي، فخرجت لملتقاها كل من لف برمه مع مئتين تفكجي وجماعة من الدالاتية، كل ذلك بأمر الباشا، ودخلت بعراضة أي موكب ولا موكب الحج الشريف، وخرجت الناس للفرجة رجالاً ونساءاً كباراً وصغارا، وزينوا لهم حارة العمارة بالقناديل والمشاعل ودخلوا بكبر وجبر وعتوّ، نسأله تعالى العافية. وفي تلك الأيام أرسلت الدولة العلية تطلب من حضرة أسعد باشا منافح النوق وشرش جنزبيل، فحالاً حضرة الباشا استجلب من عرب الجبلة ثلاثة نوق لم يأكلوا إلا حليب أمهم، فذبحوا كذا واستخرجت منافحهم، وأرسلهم حضرة أسعد باشا مع شرش الجنزبيل مع ثلاث نياق حبالى حاملات يصحبهم ثلاثة طواشية. وفي تلك الأيام وصل خبر إلى دمشق الشام بأن سعد الدين باشا الذي هو أخو أسعد باشا جار على أهل حلب، فغلّى الأسعار، وطلب منهم مئتي كيس غرش، لكونه توجهت عليه سردارية جردة الحاج، فأبوا أن يعطوه، ووقع جدال عظيم، وبطلت صلاة الجمعة وقتل منهم جماعة. وثاني يوم كان رطل الخبز بعشرة مصاري، فنادى عليه بأربع مصاري، واللحم كان بثلاثين الرطل، نادى عليه باثني عشر مصرية، فأرسلت أعيان حلب عرض إلى الدولة العلية بما جرى. ولم ندر ماذا يكون بعده. وفي أوائل شعبان من هذه السنة وصل خبر إلى دمشق بأن ابن الحرفوش حاكم بعلبك المتوالي الرافضي المشهور قبض على المفتي وعلى أخيه وأحرقهم بالنار، وهدم دارهم وقطع كرومهم. وقد كانت هذه العائلة الخبيثة الحرفشية لعنها الله قبل أعوام قتلت أيضاً الشيخ يحيى مفتي بعلبك المشهور بالعلم والكرم. وفي تلك الأيام شنق رجل نفسه في جامع يلبغا بشجرة فيه ليلا، فأصبح الناس فوجدوه مشنوقا، ولم يعلم السبب. وفي تلك الأيام وقع باب بستان على رجل في الصالحية يقال له السيد إبراهيم الحلواني من حارة السويقة، فحملوه إلى داره، ومات في اليوم الثاني. وكان أول رمضان من هذه السنة نهار السبت، أثبت في الساعة السادسة ليلا. ونهار الاثنين ثالث رمضان قُتل آغة القبقول في القلعة بعد العصر، والذي قتله أحد جماعته بتدبير من أحد الآغتين المعزولتين، لأن بدمشق ثلاثة أغاوات للقبقول، أحدهما كذا الموظف المقتول والاثنان المعزولين تبرحا عليه حسدا، فاغتالاه وذهب دمه هدرا. وقتل أيضاً محمد بشه بن شمس في وادي القرن ولم يعلم قاتله. وسادس رمضان دخل الصرة أميني إلى الشام. وكان العيد الاثنين والصوم تماماً.
следующие страницы →