← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 405

فضائل مصر المحروسة

ابن الكندي

Полный текст (70 стр.). Показаны 36–70 · переход к 41.

стр. 36

ومنهم أرسطاطاليس (١) صاحب النطق والآثار العلوية، والحس والمحسوس والكون والفساد، والسماء والعالم، وسمع الكيان (٢) والسماع الطبيعي، ورسالة نَبْت الذهب، ورسالة الغراء فيما بعد الطبيعة. حتى إن يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب له أكثر من ألف كتاب في كل معنى، كلها فصول من كتب أرسطاطاليس. ومنهم بَطْلَمْيُوس القلوذى صاحب الرصد والحساب، وهو صاحب كتاب المجسطى في تركيب الأفلاك وحركة الشمس والقمر والكواكب المتحركة والثابتة وصورة فلك البروج، وكتاب جغرافيا في مساحة الأرض وأقاليمها، والجبال والبحار وألوانها، والأنهار والعيون وابتدائها وانتهائها، وصفة الأمم الذين يعمرون الأرض، وكتاب الثمرة في أحكام النجوم، وكتاب تسطيح الكرة (٣). ومنهم أراطس صاحب البيضة ذات الثمانية والأربعين صورة في تشكيل صورة الفلك. والألف كوكب، واثنين وعشرين كوكبًا من الكواكب الثابتة، والزيج العلوي (٤). ومنهم إبرخس صاحب الرصد والالة المعروفة بذات الحلق (٥). ومنهم ثاون صاحب الزيج المنسوب إليه (٦).

стр. 37

ومنهم دامانيوس، وواليس، وأصطفن أصحاب كتب أحكام النجوم. ومنهم إيرن (١)، وله الهندسة والمقادير، وكتاب جر الأثقال، والحيل الروحانية وعمل البنكامات والآلات لقياس الساعات. ومنهم فيلون البُزَنْطِي، وله عمل الدواليب والأرحية والحركات بالحيل اللطيفة (٢). ومنهم أرشميدس (٣)، صاحب الحيل والهندسة، والمرايا، والمرايا المحرقة، وعمل المجانيق ورمي الحصون، والحيل على الجيوش والعساكر برًا وبحرًا. ومنهم مارية وقلبطرة، ولهم الطِّلَّسْمَات، والخواص للطبائع (٤). ومنهم أبلونيوس، وله كتاب المخروطات، وكتاب قطع الخطوط (٥). ومنهم تابوشيش، وله كتاب الأكر، ومنهم ذيوفنطس (٦)، وله كتاب الحساب. ومنهم أوطوقيوس (٧)، وله كتاب الكرة والأسطوانة. ودخلها جالينوس (٨)، وديسقوريدس (٩) صاحب الحشائش (١٠)، ودُيوجانس، وأركاغانس، وأوريباسيوس (١١)، وفريقونوس،

стр. 38

وروفس (١) ولهم الطب اليوناني. فكل هؤلاء سكنوا مصر في الدهور الخالية والأيام السالفة، فما غيرت ذهن واحد منهم ولا أضرت بعقله. [من كان بمصر من الأنبياء] وأما من كان بها من الأنبياء ﵈، فإبراهيم الخليل، وإسماعيل ويعقوب، ويوسف. واثنا عشر نبيًا من ولد يعقوب وهم الأسباط وموسى وهارون ويوشع بن نون، وعيسى بن مريم، ودانيال، عليهم الصلاة والسلام. فهذا ما ذكر: من كان بها قبل الإِسلام. [من كان بمصر في الإِسلام من الصحابة] وأما من كان بها في الإسلام من الصحابة والفقهاء والعلماء والأحبار والزهاد ومن دخلها من الملوك والخلفاء وأهل العلم والشعر والنحو والخطابة، وكل من برع على أهل زمانه، أو نجم على أهل عصره، فيتسع ذلك علينا، ولكن نختصر من ذلك على المشهورين. ذكر أهل العلم والمعرفة والرواية أنه دخل مصر في فتحها ممن صحب رسول الله ﷺ مائة رجل ونيف. وقال يزيد بن أبي حبيب (٢): وقف على إقامة قبلة المسجد الجامع ثمانون رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ . منهم الزبير بن العوام، والمِقْداد بن الأسود (٣)، وعُبادة بن

стр. 39

الصامت (١)، وأبو الدرداء (٢)، وفَضَالة بن عبيد (٣)، وعقبة بن عامر وأبو ذر (٤) (ومَحْمِيَّة بن جَزْء (٥)، ونُبيه بن صُؤاب (٦))، ورافع بن مالك، وربيعة بن شُرَحْبِيل بن حَسَنَة (٧)، وسعد بن أبي وقاص (٨) وعمرو ابن علقمة، (وعبد الله بن عمرو بن العاص (٩))، (وعبد الله بن عمر بن الخطاب (١٠)) وخارجة بن حُذَافَة (١١)، وعبد الله بن سعد بن

стр. 40

أَبِي سَرْح (١)، وأبو رافع مولى رسول الله ﷺ (٢)، (ومحمد بن مَسْلَمة (٣))، ومَسْلَمة بن مُخَلَّد (٤)، وأبو أيوب (٥) ورويفع بن ثابت (٦)، وهُبَيْب بن مُغْفِل (٧)، وكعب بن ضِنّة (٨)، ومعاوية بن حُدَيج (٩)، وعمار بن ياسر، وعمرو بن العاص، وأبو هريرة وغيرهم. [من كان بمصر من الفقهاء والعلماء] وأما من كان بها من الفقهاء والعلماء، فمنهم: يزيد بن أبي حبيب، والليث بن سعد، وله مذهب انفرد به. وهو الذي أخرج الرشيد من يمينه

стр. 41

التي عجز عنها فقهاء الدنيا، ومنهم (عبد الله بن وهب (١)) يفوق بتصنيفه جماعة من الفقهاء المصنفين، وله من تصنيفه نحو مائة جزء، ومنهم عبد الله بن لهيعة، له منزلة في الفقه والحديث والأخبار، ومنهم أشهب (٢)، وابن القاسم (٣) وعبد الله بن عبد الحكم (٤)، وأسد بن موسى (٥)، ومحمد بن عبد الحكم (٦)، والمُزَنِى (٧)، والربيع المُؤَذِّن (٨)، وأحمد بن سلامة

стр. 42

الطَّحَاوي (١)، وكل واحد منهم قد برع في مذهبه، ونجم على (٢) أهل عصره، ولكل واحد منهم من الكتب المصنفة ما يعجز عن نظيرها سائر أهل الدنيا. ومنهم سعيد بن عُفير، ويحيى بن عثمان، وابن قُدَيْد، ومحمد بن يوسف الكندي (٣)، والمَيْسَرىّ (٤)، وابن أبي خيثمة، وكل (٥) واحد منهم قد فاق أهل عصره وبرز عليهم في الفقه والعلم والأخبار وأيام الناس والافتنان في سائر العلوم. [من كان بمصر من الزهاد] وكان بها من الزهاد، حَيوة بن شُرَيح (٦)، وسُلَيم بنِ عِتْر (٧)، وسليمان بن القاسم (٨)، وأبو الربيع الزُّبْدِي (٩)، وسعيد الأدَم (١٠)، وإدريس

стр. 43

الخَوْلَانِيّ (١)، (وذو النون المصري (٢))، وغير من ذكرناهم. ونشأ بينهم هانئ ابن المنذر. وشاعرهم: حبيب بن أوس الطائي. وفارسهم: مالك بن ناعمة (٣)، فارس الشقر. ومتكلمهم: غيلان أبو مروان (٤)، رئيس الغيلانية. [من ولد بمصر من الخلفاء] وولد بها من الخلفاء، عمر بن عبد العزيز، وجعفر المتوكل على الله. [من دخل مصر من الفقهاء وغيرهم] وأما من دخلها من الفقهاء وغيرهم، فالشَّعْبِيّ (٥) (وأبو سلمة بن عبد الرحمن (٦)) وعِكْرمة ومحمد بن إسماعيل بن عُلَيَّة، والشافعي، وحفص الفرد (٧) وإبراهيم بن أدهم، ومنصور بن عمار المتكلم. [من دخل مصر من الخلفاء] ودخلها من الخلفاء معاوية (٨)، ومروان بن الحكم، وعبد الله بن الزبير، وعبد الملك بن مروان، ومروان بن محمد، والسفاح، والمنصور، والمأمون، والمعتصم، والواثق.

стр. 44

[من دخل مصر من الشعراء] ودخلها من الشعراء، نُصَيْب (١)، وجَمِيل بثينة (٢)، وكُثَيِّر عزة (٣)، وعبيد الله بن قيس الرقيات (٤)، والأحوص (٥) وعبد الله بن الزبير، وأبو ذُؤَيْب (٦)، ومُعَلَّى الطائي (٧)، وأبو نواس، ودِعْبل بن علي الخزاعي، والغيداق، وزبدة (٨)، وأبو صعصعة، وأبو حجلة (وأبو نجاد (٩))، وابن حذار (١٠)، والحسين الجمل (١١)، وغير من ذكرناهم.

стр. 45

[ذكر مصر وفضلها على غيرها من الأمصار] وأما ذكر مصر وفضلها على غيرها من الأمصار وما خصت به وأوثرت به على غيرها، فروى أبو بَصْرَة الغِفَاريّ (١) قال: مصر خزانة الأرض كلها، وسلطانها سلطان الأرض كلها، قال الله تعالى على لسان يوسف ﵇: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. ولم تكن تلك الخزائن بغير مصر، فأغاث (٢) الله بمصر وخزائنها كل حاضر وباد من جميع الأرض. وجعلها الله تعالى متوسطة الدنيا، وهي في الإِقليم الثالث والرابع (٣)، فسلمت من حر الإقليم الأول والثاني، ومن برد الإقليم الخامس والسادس والسابع، فطاب هواؤها، ونقي جوها وضعف حرها، وخف بردها، وسلم أهلها من مشاتي الجبال، ومصائف عمان، وصواعق تهامة، ودماميل (٤) الجزيرة، وجرب (٥) اليمن، وطواعين الشام، وغِيَلان (٦) العراق، وعقارب عسكر مُكْرَم (٧)، وطلب البحرين، وحمى خيبر، وأمنوا من غارات الترك، وجيوش الروم وطوائف العرب، ومكائد الديلم (٨)، وسرايا القرامطة،

стр. 46

وبُثُوق (١) الأنهار، وقحط الأمطار، وقد اكتنفها معادن رزقها؛ وقرب تصرفها، فكثر خصبها، ورغد عيشها، ورخص سعرها (٢). وقال سعيد بن أبي هلال (٣): مصر أم البلاد، وغوث العباد. وذكر أن مصر مصورة في كتب الأوائل، وسائر المدن مادة أيديها إليها تستطعمها (٤). وقال عمرو بن العاص: ولاية مصر جامعة، تعدل الخلافة (٥). وأجمع أهل المعرفة: أن أهل الدنيا مضطرون إلى مصر يسافرون إليها، ويطلبون الرزق بها، وأهلها لا يطلبون الرزق في غيرها، ولا يسافرون إلى بلد سواها، حتى لو ضرب بينها وبين [بلاد (٦)] الدنيا لغني أهلها بما فيها عن سائر [بلاد (٧)] الدنيا. ورى عن حَيْوة بن شُريح، عن عُقبة بن مُسلم (٨)، حديث، يرفعه إلى الله يقول يوم القيامة لساكني مصر فيما يعدد عليهم من نعمته "ألم أسكنكم مصر، فكنتم تشبعون من خبزها وتروَوْن من مائها، أمسكوا على أفواهكم" (٩). وقال يحيى بن سعيد: جلت البلاد فما رأيت الورع ببلد من البلدان أعرفه إلا بالمدينة وبمصر.

стр. 47

وقال خالد بن يزيد (١): كان كعب الأحبار يقول: لولا رغبتي في الشام لسكنت مصر؛ فقيل: ولم ذلك يا أبا إسحاق؟ قال: إني لأحب مصر وأهلها؛ لأنها بلدة معافاة من الفتن، وأهلها أهل عافية، فهم بذلك يعافون، ومن أرادها بسوء كبه الله على وجهه، وهو بلد مبارك لأهله فيه (٢). وروى عن شُفَيّ (٣) بن عُبيد الأصبحي، أنه قال: مصر بلدة معافاة من الفتن لا يريدهم أحد بسوء إلا صرعه الله، ولا يريد أحد هُلْكهم إلا أهلكه الله. وذكر أهل العلم أنه مكتوب في التوراة: بلد مصر خزانة الله، فمن أرادها بسوء قصمه الله. وقال أبو الربيع السائح: نعم البلد مصر، يحج منها بدينارين، ويغزى منها بدرهمين. يريد الحج في بحر القُلْزُم (٤)، والغزو إلى الإسكندرية وسائر سواحل مصر (٥). وذكر يحيى بن عثمان، عن أحمد بن عبد الكريم، قال: جلت الدنيا، ورأيت أهلها، ورأيت آثار الأنبياء والملوك والحكماء، ورأيت بناء كسرى وقيصر وغيرهما من ملوك الأرض، ورأيت آثار سليمان بن داود ﵉ ببيت المقدس وتدمر، والأردن، وما بنته الشياطين بتدبير النبوة، فلم أر مثل برابي مصر على حكمتها، ولا مثل الآثار التي بها، والأبنية التي لملوكها وحكمائها. [كور مصر] وبمصر ثمانون كورة، ليس منها كورة إلا وفيها طرائف وعجائب

стр. 48

من أصناف البر والأبنية والنتاج والشراب والطعام والفاكهة وجميع ما ينتفع به الناس، ويدخره الملوك، يعرف كل صنف من كورته، وينسب كل لون إلى كورته، وصعيدها أرض حجازية، حرها كحر الحجاز، تنبت النخل والأراك (١) والقرط (٢) والدَّوْم (٣) والعشر (٤)، وأسفل أرضها شامي تمطر مطر الشام، وتنبت نبات الشام من الكرم والتين والموز والجوز وسائر الفاكهة، والبقول والرياحين، ويقع به الثلج (٥). ومنها كورة لوبية ومراقية (٦) برابى وجبال وغياض، وزيتون وكروم برية بحرية جبلية، بلاد إبل وماشية، ونتاج وعسل ولبن وفي كل كورة من مصر مدينة، قال تعالى: ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٦]. وفي كل مدينة منها آثار عجيبة من الأبنية والصخور والرخام والبرابي، وتلك المدن كلها تأتي من السفن (تحمل الطعام والمتاع والآلات إلى الفسطاط (٧)) تحمل السفينة الواحدة ما يحمله خمسمائة بعير.

стр. 49

ومنها: الإِسكندرية في أبنيتها وعجائبها وآثارها، وأجمع الناس أنه ليس في الدنيا مدينة على ثلاث طبقات غيرها، ولما دخلها عبد العزيز بن مروان وهو إذ ذاك أمير مصر، قال لعاملها (١) حين رأى آثارها وعجائبها: أخبرني كم كان عدد أهلها في أيام الروم؟ قال: والله أيها الأمير ما أدرك علم هذا أحد من الملوك قط، ولكن أخبرك كم كان فيها من اليهود، فإن ملك الروم أمر بإحصائهم فكانوا ستمائة ألف. قال: فما هذا الخراب الذي في أطرافها؟ قال: بلغني عن بعض ملوك فارس حين ملكوا مصر، أنه أمر بفرض دينار على كل محتلم لعمران الإسكندرية، فأتاه كبراء أهلها وعلماؤهم، وقالوا: أيها الملك لا تتعب، فإن ذا القرنين الإسكندر أقام على بنائها ثلاثمائة سنة. ولقد أقام أهلها سبعين سنة لا يمشون فيها نهارًا إلا بخرق سود في أيديهم، خوفًا على أبصارهم من شدة بياضها (٢). ومن فضائلها ما قاله المفسرون من أهل العلم: إنها المدينة التي وصفها الله تعالى في كتابه الكريم، فقال: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٧، ٨]. وقال أحمد بن صالح (٣): قال لي سفيان بن عُيَيْنَة: يا مصري، أين تسكن؟ قلت: أسكن الفسطاط، قال: أتأتي الإِسكندرية؟ قلت: نعم، قال لي: تلك كنانة الله يحمل فيها خير سهامه (٤).

стр. 50

وقال عبد الله بن مرزوق (١) الصدفي: لما نعى إلي ابن عمي خالد بن يزيد (٢) وكان توفي بالإسكندرية لقيني موسى بن عُلَيّ (٣) بن رباح، وعبد الله بن لَهِيعة والليث بن سعد متفرقين، كلهم يقولون: أليس مات بالإِسكندرية! فأقول: بلى فيقولون: هو حي عند الله يرزق، ويجري عليه أجر رباطه ما قامت الدنيا، وله أجر شهيد حتى يحشر على ذلك (٤). ومن عجائبها المنارة، وطولها مائتان وثمانون ذراعًا، وكان لها مرآة ترى فيها من يمر بالقسطنطينية. وفيها الملعب الذي كانوا يجتمعون فيه، لا يرى أحدهم شيئًا دون صاحبه ولا يتظالمون (٥)، ينظر وجه كل واحد منهم تلقاء وجه صاحبه، إن عمل أحدهم شيئًا أو تكلم أو قرأ كتابًا أو لعب لونًا من الألوان سمعه الباقون، ونظر إليه القريب والبعيد سواء. وفيه كانوا يترامون بالكرة، فمن دخلت كمه ولي مصر، وكان عمرو بن العاص قد دخل تاجرًا في الجاهلية بالأدم والقطن (٦)، فشهد هذا الملعب فيمن ينظر، فدخلت الكرة كمه، فأنكروا ذلك، وقالوا: ما كذبتنا هذه الكرة قط! أنى لهذا الأعرابي بولاية مصر! فأعادوها، فعادت الكرة إلى كمه مرات فتعجبوا من ذلك، إلى أن جاء الله بالإِسلام، وكان من أمره ما كان (٧).

стр. 51

وبها السواري والمسلتان، وعجائبهما وآثارهما أكثر من أن تحصى، حتى إن خليجها مبلط بالرخام من أوله إلى آخره يوجد كذلك إلى اليوم. وقال الذين ينظرون في الأعمار والأهوية والبلدان بمريوط من كورة الإسكندرية، ووادي فرغانة (١). وذكر أهل العلم (٢) أن المنارة كانت في وسط الإسكندرية حتى غلب عليه البحر، فصارت في جوفه، ترى الأبنية والأساسات في البحر عيانًا إلى يوم القيامة (٣). ومنها كورة الفيوم (٤): وهي ثلاثمائة وستون قرية، دبرت على عدد أيام السنة لا تقصر عن الري، فإن قصر النيل سنة من السنين مارت كل قرية منها مصر يومًا واحدًا. وليس في الدنيا بلد بني بالوحى (٥) غير هذه الكورة، ولا بالدنيا بلد أنفس منه ولا أخصب ولا أكثر خيرًا ولا أغزر أنهارًا. ولو قايسنا بأنهار الفيوم أنهار البصرة ودمشق، لكان لنا بذلك الفضل. ولقد عد جماعة من أهل العقل والمعرفة مرافقها وخيرها فإذا هي لا تحصى،

стр. 52

فتركوا ذلك وعدوا ما فيها من المباح مما ليس عليه ملك لأحد من مسلم ولا معاهد يستعين به القوي والضعيف فإذا هو فوق السبعين صنفًا. ومنها مدينة منف (١)، وأبنيتها وعجائبها وأصنامها ودفائنها وكنوزها أكثر من أن تحصى، لا يدفع ذلك دافع، ولا ينكره منكر، من آثار الملوك والحكماء والأنبياء. قال إبراهيم بن منقذ الخولاني: خرجنا إلى منف، فإذا بعثمان (٢) بن صالح جالس على باب الكنيسة فسلمنا عليه، فقال أتدرون ما مكتوب على باب الكنيسة؟ قلنا: ما هو؟ قال: مكتوب عليه، أنا فلان بن فلان، لا تلموني على صغر هذه الكنيسة، فإني اشتريت كل ذراع منها بمائة دينار، فقلنا: إن لهذه قصة، فقال: ها هنا وكز (٣) موسى ﵇ الرجل فقتله. ومنها مدينة عين شمس، وهي هيكل الشمس، وبها العمودان اللذان لم ير أعجب منهما ولا من شأنهما، فإنهما محمولان على وجه الأرض ليس لهما أساس، وطولهما في السماء نحو خمسين ذراعًا، فيهما صورة إنسان على دابة، وعلى رأسهما شبه الصومعتين، من نحاس، فإذا جرى النيل قطر من رأسهما ماء، وتستبينه وتراه منهما واضحًا ينبع. ومنها. الفرما (٤)، وهي أكثر عجائب وأقدم آثارًا، ويذكر أهل مصر أنه كان منها طريق إلى جزيرة قبرس في البر، فغلب عليها البحر.

стр. 53

ويقولون: غلب البحر على مقطع الرخام الأبلق، [وأن مقطع (١)] الأبيض بلوبية. قال يحيى (٢) بن عثمان: كنت أرابط بالفرما، وكان بينها وبين البحر قريب من يوم، يخرج الناس والمرابطون في أخصاص على الساحل، ثم علا البحر على ذلك كله. وقال ابن قديد: توجه ابن المدبر (٣) (وكان بِتِنِّيس (٤)) إلى الفرما في هدم أبواب من حجارة شرقي الحصن احتاج أن يعمل منها جيرا. فلما قلع منها حجرًا أو حجرين خرج إليه أهل الفرما بالسلاح فمنعوه من قلعها، وقالوا هذه الأبواب التي قال الله فيها على لسان يعقوب: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: ٦٧]. وبالفرما نخلها العجيب الذي يثمر حين ينقطع البسر (٥) والرطب من ثائر الدنيا، فيبتدئ هذا الرطب من حين يلد النخل في الكوانين، فلا ينقطع أربعة أشهر حتى يجيء البلح في الربيع. ولا يوجد ذلك في بلد من البلدان، لا بالبصرة

стр. 54

ولا بالحجاز ولا باليمن، ولا بغيرها من البلدان. ويكون هذا في البسر ما وزن البسرة منه عشرون درهمًا وأكثر. وفيه ما يكون طول البسرة منه قريبًا من فتر (١). وقال ابن التختكان (٢): أربع كور بمصر ليس على وجه الأرض أفضل منها ولا تحت السماء لها نظير، كورة الفيوم، وكورة أتريب (٣)، وكورة سمنود، وكورة صا (٤). [خراج مصر] وأما خراجها فجباها عمرو بن العاص أول سنة فتحها عشرة آلاف ألف دينار، وكتب إليه عمر بن الخطاب يعجز رأيه ويقول: جبيت للروم عشرين ألف ألف دينار، فلما كان في العام المقبل جباها اثني عشر ألف ألف دينار، فلما عزل عثمان عمرًا منها، وولي عبد الله (٥) بن أبي سرح، زاد على القبط في الخراج والمؤن، فبلغت أربعة عشر ألف ألف دينار، فقال عثمان لعمرو. درت اللقحة (٦)، فقال عمرو: وأضررتم بالفصيل، فأدبرت منه يومئذ، ولم تزل تنقص إلى اليوم. فما جبيت في أيام بني أمية وبني العباس إلا دون الثلاثة الآلاف

стр. 55

ألف دينار غير ولاية أمير المؤمنين هشام، فإنها جباها ابن الحبحاب أربعة آلاف ألف، وولاية بني طولون بالغوا في عمارتها فجباها أبو الجيش (١) أربعة آلاف ألف دينار. وولي خراجها ابن الحَبْحَاب (٢) لأمير المؤمنين هشام، فخرج بنفسه فمسح أرض مصر كلها عامرها وغامرها مما يركبه النيل فوجد فيها ثلاثين ألف ألف فدان (٣). وقال الليث بن سعد: ولي الخراج الوليد بن رفاعة لأمير المؤمنين هشام، فخرج لإحصاء الجماجم والقرى، فأقام ستة أشهر بالصعيد، وبأسفل الأرض ثلاثة أشهر، فأحصى فوق عشرة آلاف قرية، أصغر قرية فيها خمسمائة جمجمة من القبط، تكون جملة ذلك خمسة آلاف ألف (٤). وولي الخراج أسامة بن يزيد لأمير المؤمنين سليمان، فكتب إليه أن احلب الدر حتى ينقطع، واحلب الدم حتى ينصرم. فذلك أول شدة أصابت أهل مصر، فقال سليمان يومًا وقد أعجبه ما فعل أسامة: [أسامة (٥)] ([لا يرتشي دينارًا ولا درهمًا، فقال له عمر بن عبد العزيز: أنا أدلك على من هو شر من أسامة]) (٦) ولا يرتشي دينارًا ولا درهمًا؛ قال: من هو؟ قال: عدو الله إبليس، فغضب

стр. 56

سليمان وقام من مجلسه، فلما توفي أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك وولي عمر بن عبد العزيز وجه في عزل أسامة قبل دفن سليمان وولي حيان بن شريح، وأمره أن يحبس أسامة في كل جند ستّة أشهر، وأسامة بنى المقياس القديم (١). وكتب المنصور إلى محمد بن سعيد: وكان يلي خراج مصر يستحثه بالخراج، فكتب إليه يشكو اختلالها، وأنها تحتاج إلى إنفاق فإنها ترد أضعاف ما ينفق فوافق ذلك خروج بن الحسن (٢) (فكتب إليه) (٣): لا تَكْسَع الشَّوْلَ بأَغْبَارِهَا … إِنك لا تدري من النَّاتِجُ (٤) فزاد ذلك في انكسارها واختلالها. وذكر أن عمرو بن العاص ﵁ قال للمقوقس: ويحك إنك قد وليت هذا المصر ثلاثين سنة، فبم تكون عمارتها؟ قال: بخصال؛ منها أن تحفر خلجها وتسد جسورها وترعها، ولا يؤخذ خراجها إلا من غلتها، ولا يقبل مطل أهلها، ويوفى لهم بالشروط، وتدر الأرزاق على العمال، لئلا يكون (تأخيرها (٥)) سببًا للارتشاء، ويرفع عن أهلها المعاون والهدايا، ليكون [ذلك لهم (٦)] قوة، فبذلك تعمر ويرجى خراجها.

стр. 57

[مناظر مصر وجمالها] وأما ما يعجب من رونق منظرها، فذكر عن كعب الأحبار أنه قال: من أراد أن ينظر إلى شبه الجنة، فلينظر إلى مصر إذا أخرفت وغذا أزهرت، وإذا اطردت أنهارها، وتدلت ثمارها، وفاض خيرها، وغنت طيرها. وعن عبد الله بن عمرو قال: من أراد أن ينظر إلى الفردوس فلينظر إلى أرض مصر حين تخضر زروعها، ويزهر ربيعها، وتكسى بالنوار أشجارها (وتغنى أطيارها (١)). وقال المأمون لإبراهيم بن تميم: صف لي مصر حين تخضر زروعها، ويزهر ربيعها، وتكسى بالنوار أشجارها، وأوجز. قال جحفلة (٢): الفرس في الربيع، وعجزه في الرمل. يريد أنها برية بحرية يرتع الفرس في الربيع، ويبرد في بروده. وذكر أهل مصر أن موسى بن عيسى الهاشمي (٣) وكان أمير مصر، قال (٤) لهم يومًا وهو بالميدان الذي في طرف المقابر: أتتأملون ما أرى؟ قالوا: وما يرى الأمير؟ قال: أرى ميدان رهان، وجنان نخل، وبستان شجر ومنازل سكنى، وذروة جبل، وجبان أموات، ونهرًا عجاجًا، وأرض زرع، ومرعى ماشية،

стр. 58

ومرتع خيل، وصائد بحر، وقانص وحش وملاح سفينة، وحادي إبل، ومفازة رمل وسهلا وجبلا في أقل من ميل في ميل (١). وذكر أنه صورت للرشيد صورة الدنيا فما استحسن منها غير بلد أسيوط، وذلك أن مساحته ثلاثون ألف فدان في دست واحد، لو قطرت قطرة فاضت على جميع جوانبه، ويزرع فيه الكتان والقمح والقرط (٢) وسائر أصناف الغلات فلا يكون على وجه الأرض بساط أعجب منه، ويسايره من جانبه الغربي جبل أبيض على صورة الطيلسان (٣)، كأنه قرنان، ويحف به من جانبه الشرقي النيل، كأنه جدول فضة، لا يسمع فيه الكلام من شدة أصوات الطير. وأجمع الناس أنه ليس على وجه الدنيا بساط قرط فيه خيل موقوفة وخيام مضروبة، ونتاج، ومهارى، وسائمة، وقهارمة، إلا بمصر. [ذكر ما ورد في نيل مصر] وأما نيلها، فروى ابن لَهِيعة: أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب: أسألك بالله العظيم يا كعب، هل تجد لنيل مصر في كتاب الله خيرًا؟ قال: إي والذي فلق البحر لموسى ﵇! إني لأجد في كتاب الله أن الله يوحى إليه عند جريه: إن الله يأمرك أن تجري كذا وكذا، فاجر على اسم الله، ثم يوحى إليه عند انتهائه: إن الله يأمرك أن ترجع، فارجع راشدًا (٤). وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "أربعة أنهار من الجنة سيحان وجيحان والنيل والفرات" (٥).

стр. 59

ورى أن الله تعالى خلق نيل مصر معادلا لأنهار الدنيا ومياهها، فحين يبتدئ في الزيادة تنقص كلها لمادته، وحين ينقصى تمتلئ كلها. وذكر أبو قبيل (١)، أن نيل مصر في زيادته يفور كله من أوله إلى آخره. وقال ابن لهيعة: كان لنيل مصر قطيعة (٢) على كور مصر، مائة ألف وعشرين ألف رجل، معهم المساحى (٣)، والآلات سبعون ألفًا للصعيد، وخمسون ألفًا لأسفل الأرض لحفر الخلج وإقامة الجسور والقناطر (٤) وسد الترع، وقطع القضب (٥) والحلفاء، وكل نبت مضر بالأرض. وقال محفوظ (٦) بن سليمان: إذا تم الماء ست عشرة (٧) ذراعًا فقد وفى خراج مصر، فإذا زاد بعد ذلك ذراعًا واحدة زاد في الخراج مائة ألف دينار لما يروى من الأعالي (٨)، فإن زاد بعد ذلك ذراعًا أخرى نقص مائة ألف من

стр. 60

الخراج، لما يستجر (١) من البطون (٢). وذكر ابن عُفَير، أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص. سلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإني فكرت في بلدك فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيعة، قد أعطى الله أهلها عددًا وجلدًا وقوة في بر وبحر، قد عالجتها الفراعنة، وعملوا فيها عملا محكمًا، مع شدة عتوهم، فعجبت من ذلك، فأحب أن تكتب إلى بصفة مصر كأني أنظر إليها (٣). فكتب إليه عمرو بن العاص: بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فقد بلغني كتابك وقرأته وفهمته، وأما ما ذكرت فيه من صفة مصر، فإن كتابي سيكشف عنك عمى (٤) الخبر، ويرمى على بالك بنافذ البصر، إن مصر وما أحببت أن تعلمه من صفتها، تربة سوداء، وشجرة خضراء بين جبل أغبر ورمل أعفر، قد اكتنفها معدن (٥) رفقها، ومحط رزقها، ما بين أسوان، إلى منشأ البحر، في سح (٦) النهر، مسيرة الراكب شهرًا، كأن ما بين جبلها ورملها بطن أقب (٧)، وظهر أجب، يخط فيه نهر مبارك الغدوات، ميمون البركات، يسيل بالذهب، ويجري بالزيادة والنقصان كمجاري الشمس والقمر، له أيام تسيل إليه عيون الأرض وينابيعها مأمورة بذلك، حتى إذا ربا وطما (٨)،

стр. 61

واصلخم (١) لججه، واغلولب (٢) عبابه، كانت القرى بما أحاط بها كالربا لا يوصل (٣) من بعضها إلى بعض إلا في السفائن والمراكب، ولا يلبث إلا قليلا حتى يكون كأول ما بدأ من جريه وأول ما طما من شربه، وحتى تستبين فنونها ومتونها (٤)، ثم تنتشر فيه أمة محقورة (٥)، قد رزقوا على أرضهم جلدًا وقوة، لغيرهم ما سعوا (٦) به من كدهم بلا حمد ينالهم من ذلك، يسقون سهل الأرض وخرابها وروابيها، ثم يلقون فيها من صنوف الحب ما يرجون به التمام من الرب، وما يلبث إلا قليلا حتى يشتد، ثم تسيل قنواته وتصفر، يسقيه من تحته الثرى ومن فوقه الندى، أو سحاب منهمر بالأرائك مستدر، ثم في هذا الزمان من زمانها يغنى ذبابها (٧)، ويبدأ في صرامها، فبينما هي مدرة سوداء إذا هي لجة زرقاء، ثم غوطة خضراء، ثم ديباجة رقشاء (٨)، ثم فضة بيضاء، فتبارك الله أحسن الخالقين، الفعال لما يشاء. وإن خير ما اعتمدت عليه في ذلك شكر الله يا أمير المؤمنين، على (٩) ما أنعم عليك منها، فأدام الله لك النعمة والكرامة في أمورك كلها والسلام. وأجمع أهل العلم أنه ليس في الدنيا نهر أطول مدى من النيل، يسير

стр. 62

مسيرة شهر في بلاد الإِسلام وشهرين في بلاد النوبة وأربعة أشهر في الخراب حيث لا عمارة، إلى أن يخرج من جبل القمر خلف خط الاستواء (١). وليس في الدنيا نهر يصب من الجنوب إلى الشمال إلا هو وليس نهر يصيب في بحر الروم والصين غير نيل مصر. وليس في الدنيا نهر يزيد ويمد في أشد ما يكون من الحر حين تنقص أنهار الدنيا وعيونها غير نيل مصر، وكلما زاد الحر كان أقوى لزيادته، وليس في الدنيا نهر يزيد بترتيب غير نيل مصر (٢). وليس في الدنيا نهر يزرع عليه ما يزرع على نيل مصر، ولا يجبي من خراج نهر من أنهار الدنيا ما يجبي من خراج النيل (٣). [فضل مقبرة مصر] وأما فضل (٤) مقبرتها فذكر أهل العلم أن الطور من المقطم وأنه داخل فيما وقع عليه القدس في قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]. وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (٥) [طه: ١٢]. قال كعب: كلم الله تعالى موسى من الطور إلى أطراف المقطم من القدس، وقال تبيع (٦): منازل الفسطاس في القدس. وروى أن موسى ﵇ سجد، فسجدت معه كل شجرة من المقطم إلى طوى. ويروى أنه مكتوب في التوراة: وادي (٧) فتح مقدس جديد - يعني - وادي

стр. 63

[مسجد] (١) موسى ﵇ بالمقطم عند مقطع الحجارة، وأن موسى ﵇ كان يناجي ربه بذاك الوادي. وروى أسد بن موسى قال: شهدت جنازة مع ابن لَهِيعة، فجلسنا حوله، فرفع رأسه، فنظر إلى الجبل، فقال: إن عيسى بن مريم ﵇ مر بسفح هذا الجبل، وعليه جبة صوف، وقد شد وسطه بشريط، وأمه إلى جانبه، فالتفت إليها وقال: يا أماه هذه مقبرة أمة محمد ﷺ . وبينما عمرو بن العاص يسير في سفح المقطم ومعه المقوقس، فقال له عمرو: ما بال (٢) جبلكم هذا أقرع ليس عليه نبات كجبال الشام، فلو شققنا في أسفله نهرًا من النيل وغرسناه نخلا؟ فقال المقوقس: وجدنا في الكتب أنه كان أكثر الجبال أشجارًا ونباتًا وفاكهة، وكان ينزله المقطم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇، فلما كانت الليلة التي كلم الله تعالى فيها موسى ﵇، أوحى إلى الجبال؛ إني مكلم نبيًا من أنبيائي على جبل منكم، فسمعت الجبال كلها وتشامخت، إلا جبل بيت المقدس، فإنه هبط وتصاغر، فأوحى الله تعالى إليه لم فعلت ذلك؟ وهو به أخبر، فقال: إعظامًا وإجلال لك يا رب! قال: فأمر الله الجبال أن يحيوه، كل جبل مما عليه من النبت، وجاد (٣) له المقطم بكل ما عليه من النبت حتى بقى (٤) كما ترى، فأوحى الله تعالى إليه إني معوضك على فعلك بشجر الجنة أو غراسها، فكتب بذلك عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ﵄ (فكتب إليه (٥)): إني لا أعلم شجر (٦) الجنة أو غراسها

стр. 64

لغير المسلمين، فاجعله لهم مقبرة، ففعل، فغضب المقوقس من ذلك، وقال لعمرو: ما على هذا صالحتني! فقطع له عمر قطيعًا نحو بركة الحبش يدفن فيه النصارى (١). وروى عبد الله بن لهيعة عن عَيَّاش (٢) بن عباس أن كعب الأحبار سأل رجلا يريد [السفر (٣)] إلى مصر، فقال له: أهد لي تربة من سفح مقطمها، فأتاه منه بجراب، فلما حضرت كعبًا الوفاة أمر به ففرش في لحده تحت جنبه (٤). والإجماع [على (٥)] أنه ليس في الدنيا مقبرة أعجب منها ولا أبهى ولا أعظم ولا أنظف (٦) من أبنيتها وقبابها وحجرها، ولا أعجب تربة منها، كأنها الكافور (والزعفران (٧)) مقدسة في جميع الكتب، وحين تشرف عليها تراها كأنها مدينة بيضاء، والمقطم عال عليها كأنه حائط من ورائها (٨). [الخواص والعجائب التي بمصر] وأما الخواص التي بها والعجائب والبركات والحكم، فجبلها المقدس، ونيلها المبارك، وبها الطور حيث كلم الله تعالى موسى، وبها الوادي المقدس، وبها ألقى موسى عصاه (٩)، وبها فلق البحر لموسى، وبها ولد موسى وهارون

стр. 65

وعيسى (١) ﵈. وبها كان ملك يوسف وبها النخلة التي ولدت مريم عيسى تحتها (بسِدْمَنْت (٢)) من كورة أَهْنَاس (٣)، وبها اللبخة التي أرضعت عندها مريم عيسى بأشمون، فخرج من هذه اللبخة الزيت، وبها مسجد إبراهيم، ومسجد مارية أم إبراهيم (سرية (٤)) رسول الله ﷺ بحفن (٥)، أوصت أن يبني بها مسجد فبنى. وبها من الأبنية وآثار الحكمة: البرابي والهرمان (٦)، وليس على وجه الأرض بناء باليد حجرًا فوق حجر أطول منهما وجاءت الأخبار أنهما قبرا هرمس وأغاثيمون، والصابئة (٧) تحجهما من حران (٨).

стр. 66

قال عمر بن أبي عمر: أنا لقيت من الصابئة من حجمها (١). وبها منارة الإِسكندرية، وبها عمود عين شمس. [وبها (٢)] صدع أبي قير الذي تفر إليه طير [البواقيرات في يوم من السنة كان معروفًا فكلما أدخل بوقير منها منقاره في الصدع مضى لسبيله فلا يزال يفعل ذلك حتى يلتقي الصدع على بوقير منها فيجسه (٣)] ولا يزال معلقًا حتى تذروه الرياح. وبها حائط العجوز من العريش إلى أسوان؛ يحيط بأرض مصر كلها. وبالنيل السمكة التي تسمى الرَّعادة، إذا وضع الرجل الجلد يده عليها لم يتمالك أن يضطرب جسمه كله اضطرابًا شديدًا. وبها مجمع البحرين، وهو البرزخ الذي ذكره الله تعالى فقال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل: ٦١]، وهما بحر الصين وبحر الروم، والحاجز بينهما مسيرة ليلة ما بين القلزم والفرما. وليس يتقاربان في بلد من البلدان تقاربهما بهذا الموضع، وبينهما في السفر مسيرة شهور. وليس بالدنيا بلد من البلدان يأكل أهله صيد البحر طريًا غير أهل مصر. وبها من الطرز والقصب التنيسي والثوب الدَّبِيقِيَ (٣) ما ليس بغيرها، وليس في الدنيا طراز يبلغ الثوب الساذج منه الذي ليس فيه ذهب مائة دينار غير ثوب تنيس ودمياط. ويقال: إنه ليس في الدنيا منزل إلا وفيه من ثوب تنيس ولو خرقة. وبها الثياب الصوف والأكسية المرعز (٤)، وليس هي في الدنيا إلا بمصر.

стр. 67

وذكر بعض أهل مصر (١) أن معاوية لما كبر كان لا يدفأ، فأجمعوا أنه لا يدفئه إلا أكسية تعمل في مصر، من صوفها المرعز العسلي غير مصبوغ، فعمل له منها عدد، فما احتاج منها إلا إلى واحد. ولهم طراز (البهنسا (٢)) من الستور والمضارب ما يفرقون به طراز أهل الدنيا (٣). ولهم النتاح العجيب من الخيل والبغال والحمير ما يفوق نتاج أهل الدنيا، وليس في الدنيا فرس في نهاية الصورة (٤) في العنق غير الفرس المصري، وليس (٥) في الدنيا فرس لا يردف غير المصري، وسبب ذلك قصر ساقية وبلاغة صدره وقصر ظهره، وذكر أن الوليد عزم على أن يجري الخيل ويمتحن خيل البلدان، فكتب إلى سائر الأمصار أن يتخير له خيل كل بلد، ويتوجه به إليه، فلما اجتمعت عرضت عليه، فمرت به المصرية، فلما رآها دقيقة العصب، لينة المفاصل والأعطاف، قال: هذه خيل ما عندها طائل (٦)، فقال له عمر بن عبد العزيز وهو جالس معه: وأين الخير كله إلا لهذه وعندها! فقال له: ما تترك تعصبك يا أبا حفص لمصر على كل حال، فلما أجريت الخيل جاءت المصرية كلها سابقة ما خالطها غيرها. ولهم معدن الذهب، يفوق (معدنهم (٧)) كل معدن. ولهم معدن الزمرد، وليس في الدنيا زمرد إلا معدن بمصر، ومنها يحمل إلى سائر الدنيا. ولهم القراطيس، وليس هي في الدنيا إلا بمصر (ولهم القمح اليوسفي، وليس هو في الدنيا إلا بمصر (٨)). ولهم زيت الفجل ودهن البلسان

стр. 68

والأفيون والأبرميس (١) وشراب العسل والبسر البرني (٢) الأحمر واللبخ والخس والكبريت، والريش والشمع والعسل وخل الخمر والترمس والجُلْبَان (٣) والذرة والنيدة (٤) والأُتْرُجّ (٥) الأبلق والفراريج السرمكية (٦)، وذكر أن مريم ﵇ شكت إلى ربها قلة لبنها فألهمها أن عملت النيدة فأطعمتها عيسى ﵇. وذكر أهل العلم أنه لا يكاد يرى مترهبو الشام إلا عمشًا من أكلهم العدس ورهبان مصر سالمون من ذلك لأكلهم الجلبان، ولهم البقر الخَيْسِيَّة (٧) المؤبدة للحلب فقط، وهي أحسن البقر صورة، وبقر مصر ليس في الدنيا بقر أعظم منها، حتى أن العفو (٨) منها يساوي أكثر من عفو ثور من غيرها. ولهم حطب السنط والأبنوس والقرط الذي تعلفه الدواب. وذكر بعض أهل العلم أنه يوقد بحطب السنط (٩) عشرين سنة في الكانون أو التنور فلا يوجد له رماد طول هذه المدة. وقال بعض أهل العلم: ليس في الدنيا شجرة إلا وهي بمصر، عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها.

стр. 69

وبوجد بمصر في كل وقت من الزمان من المأكور والمأدوم والمشروب والمشموم وسائر البقول والخضر، جميع ذلك في الصيف والشتاء، لا ينقطع منه شيء لبرد ولا لحر، يوجد ذلك كله في الصيف ويوجد بعينه في الشتاء غير مفقود منه شيء واحد. وذكر أن بختنصر قال لابنه بلسطان: ما أردت سكنى مصر إلا لهذه الخصال وبلسطان هو الذي بنى قصر الشمع (١). وقال بعض من سكن مصر: لولا ماء طوبة، وخروف أمشير، ولبن برمهات، وورد برمودة، ونبق بشنس، وتين بئونة، وعسل أبيب، وعنب مسرى، ورطب توت، وسمك كيهك، ما سكنت مصر. ومصر مع ذلك فرضة (٢) مكة والمدينة وساحلهما، وفرضة صنعاء وعدن وعُمَانُ (٣) والشِّحر (٤) والسند والهند والصين وجزائر الصين وسَرَنْدِيب (٥) وغيرها، يجلب العطر والجواهر والطرائف والآلات في البحر حتى توافى المراكب بالقلزم. وهي فرضة بحر الروم من الشام كلها، وبلد الروم من أَنْطَاكِيَة إلى ما وراءها من قُسْطَنْطِينَة ورومية وبلد الإِفرنجة وأنطابلس (٦) وطرابلس والقيروان

стр. 70

وتاهرت (١). وسِجِلْمَاسَة (٢) والسوس (٣) وطنجة (٤) والأندلس وجزائر البحر صِقِلِّيَّة (٥) وأَقْرِيطِش (٦)، وقبرس، ورودس. يحمل إليها رقيق هذه البلدان كلها من الجواري والغلمان والديباج والحرير والمصطكي والمَيْعَة (٧) والمرجان والعنبر والزعفران وسائر أصناف التجارات، ويحمل من مصر إليها مثل ذلك، ولا يقصدون بلداً سواها، ولا يؤمون غيرها، فلأهلها خيار ذلك كله، ولسائر الناس حثالته، فبارك الله، لأبي المسك فيما ولاه وهناه بما أعطاه، وأوزعه على ذلك شكره، وألهمه خشيته، وأصلح له جنده ورعيته. تم الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.