← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 405

فضائل مصر المحروسة

ابن الكندي

Полный текст (70 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة موضوع الكتاب يتجلى في قول ابن الكندى: "هذا الكتاب أمر بجمعه وحض على تأليفه الأستاذ أبو المسك كافور، نذكر فيه أخبار مصر وما خصها الله تعالى به من الفضل والبركات والخيرات على أكثر البلدان … ". وقد استهل ابن الكندى عرضه لأخبار مصر وفضائلها بآيات من القرآن الكريم جاء فيها ذكر مصر من مثل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: ٨٧]. وقوله تعالى حكاية عن فرعون وافتخاره بمصر: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]. وهكذا ساق ابن الكندى عددا من الآيات الكريمة التي ذكر فيها اسم مصر، ليصل في النهاية إلى التنويه بمجد وطنه، ولذا نراه يتساءل بعدها: فهل يعلم أن بلدًا من البلدان في جميع أقطار الأرض أثنى عليه الكتاب بمثل هذا الثناء، أو وصفه بمثل هذا الوصف، أو شهد له بالكرم غير مصر؟. وسار ابن الكندى على النهج نفسه في روايته لأحاديث الرسول الكريم التي ورد فيها ذكر مصر، ونقتبس منها حديثا روى عن الرسول الكريم ﷺ يوصى فيه صحابته بأهل مصر، وهو مما رواه مسلم في صحيحه، وهو: "ستفتح عليكم بعدى مصر فاستوصوا بقبطها خيرا فإن لكم منهم صهرا وذمة". كما أشاد ابن الكندى بمصر وبأهلها في الجانب المرتبط بالرسل والأنبياء فيما ذكره عن الرسول الكريم حين كتب إلى جماعة من الملوك منهم هرقل الروم، فما أجابه أحد منهم، وكتب إلى المقوقس صاحب مصر، فأجابه عن كتابه جوابا جميلا، وأهدى إلى الرسول الكريم عددا من الهدايا فقبلها، ومن هذا المنظور

стр. 2

جميلا، وأهدى إلى الرسول الكريم عددا من الهدايا فقبلها، ومن هذا المنظور التاريخى عالج ابن الكندى أيضا موقف وزراء مصر في القديم؛ وبين أن الله سبحانه أثنى عليهم في كتابه الكريم لأنهم قدموا النصح لفرعون، قال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾ [الشعراء: ٣٤ - ٣٧]. وهنا يتساءل ابن الكندى أيضا: فهل في الدنيا جلساء ملك أرجح عقلا وأحسن محضرا منهم؟. وذلك على العكس من وزراء نمرود الذين حرضوه على البغى والقتل حين شاورهم في أمر إبراهيم ﵇. قال تعالى حكاية عنهم: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾ [الأنبياء: ٦٨]. وعالج ابن الكندى في ضوء هذا المنهج من أنجبته مصر من الحكماء، فذكر منهم: نيروز أبو بختنصر وكان رجلا من أهل العلم، والاسكندر ذو القرنين ونسب إليه بناء عدة مدن كسمرقند والإسكندرية ببلاد الخزر وغيرهما. ثم أعقب ذلك يذكر عدد من فلاسفة الإغريق وعلمائهم ممن كانوا بمصر ووضعوا مؤلفات في الفلك والهندسة والطبيعة والطب وغيرها. وأشاد ابن الكندى ببلده مصر حين ذكر أن هؤلاء الفلاسفة والعلماء سكنوا مصر في العصور السالفة فما غيرت أذهانهم ولا أضرت بعقولهم. ويمضى ابن الكندى في كتابه ليصل إلى العصر الإسلامي فيذكر عددا من الصحابة الذين وفدوا إلى مصر مع عمرو بن العاص أثناء الفتح كما يذكر عددا منهم بلغوا الثمانين رجلا ممن وقف على إقامة المسجد الجامع. كما أشاد بعد ذلك بمن أنجبته مصر من الفقهاء والعلماء، فجعل يزيد بن أبى حبيب في قمة فقهاء وعلماء مصر وقتئذ، كما جعل الليث بن سعد ثانى اثنين من فقهاء مصر وعلمائها في عصره، أما ابن لهيعة فقد وصفه بعلو منزلته في الفقه والحديث والأخبار. ثم ذكر بعدهم طائفة أخرى من علماء مصر من أمثال

стр. 3

أشهب بن عبد العزيز، وأسد بن موسى، والمزنى صاحب الشافعي، ثم قال: وكل واحد قد برع في مذهبه، ونجم على أهل عصره، ولكل واحد منهم من الكتب المصنفة ما يعجز عن نظيرها سائر أهل الدنيا. أما سعيد بن عفير، ويحيى بن عثمان؛ وابن قديد، وأبو عمر الكندى فقد جعلهم ابن الكندى من أعلام المؤرخين البارزين في القرن الثالث الهجرى حيث أشاد بكل واحد منهم ووصفه بأنه قد فاق أهل عصره وبرز عليهم في المعرفة بالأخبار وأيام الناس، والاقتنان في سائر العلوم. وممن نبغ من المؤرخين المصريين في العصر الإخشيدى ابن يونس والكندى؛ ويضعهما ابن الكندى في قمة مؤرخى مصر الإسلامية وقتئذ. كذلك يذكر ابن الكندى مما أشاد به من فضائل مصر من كان بها من الزهاد من أمثال حيوة بن شريح، وسليم بن عِتْر، وغيرهما. كما أوضح اعتزازه واعتزاز مواطنيه ببلدهم مصر في التنويه بشأنها بذكر من وفد إليها من العلماء والخلفاء والشعراء. وكان مركز الحركة العلمية الدينية في مصر وقلبها الناهض في ذلك العهد، جامع عمرو بن العاص، فكان ملتقى العلماء وإليه يفد الطلاب لتلقى العلم، كما كثر الوافدون إلى مصر من شتى الأمصار الإسلامية بغية الرواية عن علماء مصر. وانتقل ابن الكندى من الإشادة بعلماء مصر إلى الإشاده بمصر وما تميزت به عن غيرها من الأمصار، فذكر ما قاله بعض الصحابة في شأنها من أنها خزانة الأرض كلهاء ثم أشار إلى ما تميزت به مصر من طيب هوائها ونقاء جوها وما يتمتع به أهلها من سلامة وأمن يكاد ينعدم في الأمصار الأخرى. كما أشاد بمصر حين نوه بما قاله أهل المعرفة بشأنها من أن أهل الدنيا مضطرون إلى مصر يسافرون إليها طلبا للرزق وغيره وأهلها ليسوا كذلك. وبلغت رؤية ابن الكندى لفضائل مصر وروعتها وهو يتحدث عن النظام الإدارى في مصر، حيث كان بها ثمانون كورة (مركز) فقد أشاد بما في كل

стр. 4

كورة من الطرائف والعجائب من أصناف الشراب والطعام والفاكهة وكذلك بما في كل مدينة من الآثار العجيبة والبرابى وغير ذلك. أما النيل فقد أظهر ابن الكندى اعتزازه واعتزاز مواطنيه به فيما قام به من جمع الروايات التي تشيد بهذا النهر وتوضح أهميته لحياة مصر وأهلها. وعن فضائل مصر الاقتصادية فقد أوضح ابن الكندى فضل مصر على غيرها في أثناء ذكره لمواردها. فأشاد بخيراتها الوفيرة الناتجة من الزراعة، حيث كان يزرع فيها الكتان والقمح والقرط وسائر أصناف الغلات. وحين أشاد بمنتجات مصر وصناعاتها ذكر ما اشتهرت به من صناعة القصب التنيسى والثوب الديبقى. مما ليس بغيرها، وكذلك ما اشتهرت به من صناعة المنسوجات الصوفية والأكسية المرعز التي لم يكن لها مثيل. وقد تجلى اعتزازه واعتزاز مواطنيه بصناعة مصر المتميزة في هذا الشأن بما حكاه أهل العلم والخبرة بمميزات هذه الصناعة من أن معاوية بن أبى سفيان لما كبرت سنه كان لا يدفأ، فاتفقوا أنه لا يدفئه إلا الأكسية التي تعمل بمصر من صوفها المرعز؛ فعمل له منها عدد، فما احتاج منها إلا إلى واحد فقط. كذلك أشاد ابن الكندى بفضل مصر على غيرها بما اشتهرت به من صناعة الورق وصناعة المعادن. واختتم ابن الكندى رؤيته لفضائل مصر بالإشادة بموقعها الممتاز الذي تتمتع به وبما كان له من أثر في نشاط مصر التجارى (١). *** _________ (١) ذكر المؤلف مصادره إلى اعتمد عليها في مقدمة كتابه هذا.

стр. 5

المؤلف ونسبة الكتاب إليه لم تذكر المصادر التي بين أيدينا شيئا عن حياة عمر بن أبى عمر الكندى؛ والتزمت جميعها الصمت نحو حياته، وكل ما يمكن معرفته عنه، أنه كان على قيد الحياة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجرى، وأنه ألف كتاب فضائل مصر المحروسة للأمير أبى المسك كافور بناء على رغبة هذا الأمير الذي استقل بملك مصر سنة ٣٥٥ هـ. يضاف إلى ذلك أنه أخذ عن أبيه أبى عمر (ت ٣٥٠ هـ) كما أخذ عنه المؤرخ المصرى ابن زولاق (ت ٣٨٧ هـ) (١). هذا وقد ظل كثير من المؤرخين حتى اليوم ينسبون كتاب فضائل مصر إلى أبى عمر الكندى مؤلف الولاة والقضاة، فالسيوطى يقول في مقدمة كتابه حسن المحاضرة: وقد طالعت على هذا الكتاب كتبا شتى منها فضائل مصر لأبى عمر الكندى (٢). وقد سار على نهج السيوطى أغلب المؤرخين المُحْدَثين فنسب البغدادى كتاب الفضائل إلى أبى عمر الكندى (٣)، كما نسبه كذلك الزركلى (٤)، وكذلك فعل رضا كحالة (٥). ويعتبر المقريزى المؤرخ الوحيد الذي يذكر صراحة نسبة كتاب الفضائل إلى عمر بن أبى عمر الكندى، وفقد نقل كثيرًا عن كتاب الفضائل وأودعها خططه ونسبها إلى عمر هذا (٦). _________ (١) ابن زولاق: مختصر تاريخ مصر، ورقة ٢٥. (٢) السيوطى: حسن المحاضرة ج ١ ص ٣. (٣) إيضاح المكنون ج ٧ ص ١٩٧، وهدية العارفين ج ٢ ص ٤٦. (٤) الأعلام ج ٨ ص ٢١. (٥) معجم المؤلفين ج ٣ ص ٧٩١. (٦) المقريزى: المواعظ والاعتبار ج ١ ص ١٢٤، ١٥٨، ١٧٦، ٢٠٤، ٢١١، ٢١٢، ٢٤٩.

стр. 6

يضاف إلى ذلك أن كتاب فضائل مصر لم يذكر بين مؤلفات أبى عمر الكندى في ترجمته بكتاب المقفى للمقريزى، حيث ساق المقريزى مؤلفاته دون إشارة إلى كتاب الفضائل (١). ومهما يكن من أمر فإن عمر أشار في مقدمة كتابه الفضائل هذا إلى والده أبى عمر بين علماء مصر الذين جمع من كتبهم ما أمره به كافور الإخشيدى، كما ذكره مرة أخرى بين علماء مصر الذين فاقوا أهل عصرهم وبرزوا عليهم في العلم والأخبار وأيام الناس. كما تحدث عمر عن نفسه أثناء الكلام عن الأهرام والصابئة في كتابه هذا فقال: وأنا رأيت من الصابئة من حجهما. *** _________ (١) المقريزى: المقفى ج ٧ ص ٤٨٩.

стр. 7

مكانة ابن الكندى بين المؤرخين ظل ابن الكندى لفترات طويلة تجاوزت عصره - من أبرز وجوه مصر الفكرية لدى مؤرخى مصر. وقد تجلى ذلك حين اعتمدت المؤلفات المتأخرة على كتاب ابن الكندى إلى حد بعيد. فقد نقل عنه ابن سعيد الأندلسى (ت ٦٨٥ هـ) في كتاب المغرب في حلى المغرب نقلا حرفيا في عدة مواضع. وذلك بمناسبة ما رآه بمصر موسى الهاشمي والى مصر من قبل الرشيد من بعض المناظر التي شدت انتباهه وبين إعجابه بها من أمثال النخيل والبساتين والنيل ومراتع الخيل وصائدى الأسماك وملاحى السفن وغير ذلك (١). وكذلك نقل ابن سعيد نصا كاملا عن ابن الكندى في فضل مقبرة مصر (٢). كما نقل ابن سعيد أيضًا عن كتاب فضائل مصر بمناسبة الحديث عن الإسكندرية وما بها من عجائب (٣). ويلاحظ أن جميع النقول لدى ابن سعيد مأخوذة بالحرف عن ابن الكندى. أما النويرى (ت ٧٣٢ هـ) فقد انتفع كذلك بكتاب فضائل مصر في كتابه "نهاية الأرب" (٤) وذلك في الفصل الذي عقده بعنوان "مصر وما يختص _________ (١) انظر ابن سعيد الأندلسي: المغرب في حلى المغرب ص ٣. (٢) المصدر السابق ص ١١، ١٢. (٣) انظر المصدر السابق ص ١٦. (٤) انظر جـ ١ ص ٣٤٤.

стр. 8

بها من الفضائل" فقد نقل معظم مادته نقلًا حرفيا عما جاء بكتاب ابن الكندى. كما كان كتاب فضائل مصر لابن الكندى من المصادر الرئيسية لدى القلقشندى (١) (ت ٨٧١ هـ) في الفصل الذي خصصه للحديث عن مصر وفضائلها. أما المقريزى (ت ٨٤٥ هـ) فقد نقل في كتابه المواعظ والاعتبار معظم المادة الموجودة في كتاب الفضائل، واستعان بها في أماكن متعددة من كتابه، فاقتبس من الفضائل بمناسبة الحديث الذي دار بين عمرو بن العاص والمقوقس بشأن جبل المقطم (٢). كما اقتبس من الفضائل بمناسبة الحديث عن منارة الإسكندرية (٣). وكذلك في حديثه عن مدينة أتريب (٤). كما استعان المقريزى بابن الكندى في وصفه لمدينة الفرما وما كان بها من آثار (٥) وكذاك في وصفه لمدينة الفيوم (٦). كذلك اعتمد ابن تغرى بردى (٧) (ت ٨٧٤ هـ) على ابن الكندى وذلك بمناسبة الحديث عن فضائل مصر من جبلها المقدس ونيلها المبارك وما بها من آثار. وتعتبر معظم النقول الخاصة بفضائل مصر لدى السيوطى (ت ٩١٠ هـ) مأخوذة بالحرف عن كتاب فضائل مصر لابن الكندى، وذلك على الرغم من أنه نسب كتاب الفضائل خطأ لأبى عمر الكندى (٨). _________ (١) انظر صبح الأعشى ج ٣ ص ٢٨٧. (٢) انظر المقريزى: المواعظ والاعتبار ج ١ ص ١٢٤. (٣) انظر المصدر السابق ج ١ ص ١٥٨. (٤) انظر المصدر السابق ج ١ ص ١٧٦. (٥) انظر المصدر السابق ج ١ ص ٢١١. (٦) انظر المصدر السابق ج ١ ص ٢٤٩. (٧) انظر النجوم الزاهرة ج ١ ص ٣٧. (٨) انظر السيوطى: حسن المحاضرة ج ١ ص ٣، ٥٥٣.

стр. 9

فقد أشار السيوطى إلى كتاب الفضائل بمناسبة ذكر من دخل مصر من الأنبياء (١). وكذلك بمناسبة السحرة الذين آمنوا بموسى ﵇ (٢) وما ذكره أيضا من كان بمصر من الحكماء في الدهر الأول (٣). وفى الفصل الذي عقده السيوطى عن المقطم اعتمد فيه كذلك إلى حد بعيد على كتاب الفضائل، فنقل معظم أقواله منه بنصها (٤). وكذلك الفصل الذي عقده السيوطى بعنوان لطائف مصر، فقد نقل معظم مادته أيضا من كتاب الفضائل بنصها (٥). ويعد كتاب الفضائل أيضا مصدرا رئيسيا لدى ابن ظهيرة في كتابه الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة، حيث نقل هذا المؤرخ معظم ما كتبه ابن الكندى عن فضائل مصر في كثير من فصول كتابه (٦). وهكذا ظلت مدرسة مصر تعتمد على كتاب ابن الكندى في كل مراحلها حين يزمع مؤرخوها الحديث عن فضائل مصر. *** _________ (١) انظر السيوطى: حسن المحاضرة ج ١ ص ٥٢. (٢) انظر المصدر السابق ج ١ ص ٥٩. (٣) انظر المصدر السابق ج ١ ص ٦٠. (٤) انظر المصدر السابق ج ١ ص ١٣٧ - ١٣٩. (٥) انظر المصدر السابق ج ١ ص ٣٢٤. (٦) انظر ابن ظهيرة: الفضائل الباهرة ص ٦٢، ١١٠، ١٥٠، ١٥٨، ١٥٩، ١٦٢، ١٨٦.

стр. 10

النسخ الخطية للكتاب هذا وقد استندت في تحقيق نص ابن الكندى إلى المخطوطات الآتى ذكرها، مع مقارنتها بأهم المصادر المتعلقة بموضوع النص. ١ - نسخة كتبت بخط نسخى، بدون تاريخ، وعليها هذه العبارة منقولة عن نسخة الأصل المكتبة لكافور الإخشيدى برسم قاسم أفندى الشعرانى قاضى العسكر بمصر، وتقع في ٢١ ورقة. ومسطرتها ١٥ سطرًا، وهى محفوظة بدار الكتب المصرية، برقم ٤٢٢ تاريخ، وقد رمزنا لهذه النسخة بالحرف أ. ١ - نسخة كتبت بخط نسخى، بدون تاريخ، وناقصة من آخرها ورقة، وتقع في ١٩ ورقة، ومسطرتها ١٩ سطرًا، وهى محفوظة بدار الكتب المصرية، برقم ٧٥٣ تاريخ، وقد رمزنا لهذه النسخة بالحرف ب. ٣ - قطعة من نسخة ميكروفيلم محفوظة بمعهد المخطوطات، وتقع في ٨ ورقات، ومسطرتها ٢٥ سطرًا، تحت رقم ٨٧٤ تاريخ. عن أصلها المحفوظ بمتحف الآثار الفلسطينى بالقدس، مصورة عن نسخة بجامع أحمد باشا الجزار بعكا، وهى بقلم معتاد قديم من خطوط القرن الخامس الهجرى، كما ذكر في فهرس معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية، وقد رمزنا لهذه النسخة بالحرف ج. وقد اخترت الاعتماد على نسخة (ج) إلى أن ينتهى ما فيها عند كلمة (القناطر) ص ٤١ س ٦؛ لأنها أقدم النسخ. حيث نسخت في القرن الخامس الهجرى. وخاصة حين تتفق معها نسخة أخرى. ولم أكن أفارق قراءة (ج) إلا إذا اتفقت فيها النسخ الأخرى دونها.

стр. 11

كما وضعت عناوين داخلية في متن الكتاب بين حاصرتين للتوضيح.

стр. 12

صفحة العنوان من النسخة "أ" المحفوظة بدار الكتب رقم ٤٢٢ تاريخ.

стр. 13

الصفحة الأولى من النسخة "أ" المحفوظة بدار الكتب برقم ٤٢٢ تاريخ

стр. 14

الصفحة الأخيرة من النسخة "أ" المحفوظة بدار الكتب برقم ٤٢٢ تاريخ

стр. 15

الصفحة الأولى من النسخة "ب" المحفوظة بدار الكتب برقم ٧٥٣ تاريخ

стр. 16

آخر الموجود من النسخة "ب" المحفوظة بدار الكتب برقم ٧٥٣ تاريخ

стр. 17

اللوحة الأولى من النسخة "ج" المحفوظة بمعهد المخطوطات برقم ٨٧٤ تاريخ

стр. 18

آخر الموجود من النسخة "ج" المحفوظة بمعهد المخطوطات برقم ٨٧٤ تاريخ

стр. 19

فضائل مصر المحروسة لابن الكندي، عمر بن محمد بن يوسف من علماء النصف الثاني من القرن الرابع الهجري

стр. 20

كتاب فضائل مصر المحروسة نقل من نسخة الأصل المكتتبة لكافور الإخشيدي ﵀، برسم سيدنا ومولانا فخر قضاة الإسلام كمال ولاة الأنام معدن الفضل والفضائل والإكرام. مولانا قاسم أفندي الشعراني القاضي العسكري بمصر حالا، دامت سعادته بمحمد وآله.

стр. 21

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبالله التوفيق والإعانة أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن محمد المعدل المعروف بابن النحاس (١) أخبرنا عمر بن أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي المصري ﵀، قال: هذا كتاب أمر بجمعه وحضَّ على تأليفه أبو المسك كافور (٢)، يذكر فيه مصر وما خصها الله به من الفضل والبركات والخيرات، على سائر البلدان، فزاد الله الأستاذ رغبة في العلم، ولأهله محبة، وعليه مثابرة وشهوة، فمثله رغب في مثله، وحث على جمعه. إذ كان أردشير زمانه في السياسة والعمارة، وواحد دهره في عدله ورأفته، ورفقه برعيته، فلا أزال الله عنا ظله، وأمتعنا ببقائه، ودوام أيامه، وجعل ما خصه به من الفضل في دنياه، موصولا بأخراه. فجمعت ما أمر به من كتب شيوخ المصريين وغيرهم من أهل العلم والخبرة، والبحث والذكاء والفطنة، والتفتيش والرحلة والطلب.

стр. 22

فمن مشهوريهم: يَزيد بن أبي حَبِيب (١)، وعبيد الله بن أبي جعفر (٢). وبعدهما: الليث بن سعد (٣)، وعبد الله بن لَهِيعة (٤). وبعدهما: سعيد بن كثير بن عفير (٥)، وعثمان بن صالح السهمي (٦).

стр. 23

وبعدهما: خلف بن ربيعة (١)، وعبد الرحمن بن مَيْسَرة (٢)، وأحمد بن يحيى بن الوزير (٣)، وأبو خيثمة علي بن عمرو بن خالد (٤). وبعد هذه الطبقة: يحيى بن عثمان بن صالح (٥)، وعبيد الله بن سعيد بن كثير بن عفير (٦). وبعدهما: علي بن الحسن بن خلف بن قديد (٧)، ومحمد بن الربيع

стр. 24

ابن سليمان الجيزي (١). وبعدهما: أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي (٢)، وأبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى (٣) فأعلمت نفسي فيما تأدى إلى من الأخبار لمن ذكرتهم ورواياتهم، وألفته واختصرت المتون، وأسقطت الأسانيد؛ لتتسق أخباره، ويسهل استماعه، وتقرب فائدته، على اسم الله وعونه والصلاة على نبينا محمد وعلى آله. [فضل مصر على غيرها] فأقول: فضل الله مصر على سائر البلدان، كما فضل بعض الناس على بعض والأيام والليالي بعضها على بعض. والفضل على ضربين: في دين أو دنيا، أو فيهما جميعا، وقد فضل الله مصر وشهد لها في كتابه بالكرم وعظم المنزلة وذكرها باسمها وخصها دون غيرها، وكرر ذكرها، وأبان فضلها في آيات من القرآن العظيم، تنبئ عن مصر وأحوالها، وأحوال الأنبياء بها، والأمم الخالية والملوك الماضية، والآيات البينات، يشهد لها بذلك القرآن، وكفى به شهيدًا، ومع ذلك روى عن النبي ﷺ في مصر وفي عجمها (٤) خاصة وذكره لقرابته (ورحمهم) (٥) ومباركته عليهم وعلى بلدهم (٦) وحثه على برهم

стр. 25

ما لم يرو عنه في قوم من العجم غيرهم، وسنذكر ذلك إن شاء الله في موضعه مع ما خصها الله به من الخصب والفضل وما أنزل فيها من البركات وأخرج منها من الأنبياء والعلماء والحكماء والخواص والملوك والعجائب بما لم يخصص الله به بلدًا غيرها، ولا أرضا سواها، فإن ثرب (١) علينا مثرب بذكر الحرمين، أو شنع مشنع، فللحرمين فضلهما الذي لا يدفع، وما خصهما الله به مما لا ينكر من موضع بيته الحرام، وقبر نبيه ﵊، وليس ما فضلهما الله به بباخس فضل مصر ولا بناقص منزلتها، وإن منافعها في الحرمين لبينة لأنها تميرهما (٢) بطعامها وخصبها وكسوتها وسائر مرافقها، فلها بذلك فضل كبير، ومع ذلك فإنها تطعم أهل الدنيا ممن يرد إليها من الحاج طول مقامهم يأكلون ويتزودون من طعامها من أقصى جنوب الأرض وشمالها ممن كان من (المسلمين) (٣) في بلاد الهند والأندلس وما بينهما، لا ينكر هذا منكر، ولا يدفعه دافع، وكفى بذلك فضلا وبركة في دين ودنيا. [ذكر ما ورد في فضل مصر] فأما ما ذكره الله في كتابه مما اختصرناه (٤) من ذكر مصر. فقول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: ٨٧] وما ذكره الله حكاية عن قول يوسف: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] وقال : ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١]

стр. 26

وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (١) [المؤمنون: ٥٠] قال بعض المفسرين: هي مصر. وقال بعض علماء مصر: هي البهنسا. وقبط مصر مجمعون على أن المسيح عيسى بن مريم وأمه ﵉ كانا بالبهنسا وانتقلا عنها إلى القدس. وقال بعض المفسرين: الربوة دمشق، والله أعلم. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يوسف: ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٣٠] والمدينة: منف، والعزيز ملك مصر حينئذ. وقال تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص: ١٥] هي منف، مدينة فرعون. وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص: ٢٠] هي منف أيضًا. وقال تعالى حكاية عن إخوة يوسف: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ [يوسف: ٧٨] وقال تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ [يوسف: ١٠٠] فجعل الشام بدوا، وقال تعالى حكاية عن فرعون وافتخاره بمصر: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]

стр. 27

وقال تعالى حين وصف مصر وما كان فيه آل فرعون من النعمة والملك بما لم يصف به مشرقا ولا مغربا، ولا سهلا ولا جبلا، (ولا برا ولا بحرا (١)): ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧)﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٧] فهل يعلم أن بلداً من البلدان في جميع أقطار الأرض أثنى عليه الكتاب بمثل هذا الثناء، أو وصفه بمثل هذا الوصف، أو شهد له بالكرم غير مصر؟ وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "ستفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيرًا، فإن لكم منهم صهرًا وذمة" (٢). وروى أبو ذر عن النبي ﷺ أنه قال: "ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما" (٣). فأما الرحم، فإن هاجر أم إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉ من القبط من قرية نحو الفَرَما يقال لها: أم العرب (٤).

стр. 28

وأما الذمة: فإن النبي ﷺ ، تسرى من القبط مارية أم إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وهي من قرية نحو الصعيد، يقال لها "حَفْن" (١) من كورة (٢) "أنصنا" (٣). فالعرب والمسلمون كافة لهم نسب بمصر من جهة أمهم مارية أم إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ؛ لأن أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين، والقبط أخوالهم. وصارت العرب كافة من مصر، بأمهم هاجر؛ لأنها أم إسماعيل ﷺ ، وهو أبو العرب. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "ستكونون أجنادًا، وخير أجنادكم الجند الغربي، فاتقوا الله في القبط: لا تأكلوهم أكل الخُضَر" (٤).

стр. 29

وروى عن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندا كثيفًا؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض". قال أبو بكر ﵁: ولم ذلك يا رسول؟ قال: " لأنهم في رباط إلى يوم القيامة " (١). [دعاء الأنبياء لمصر وأهلها] وكتب رسول الله ﷺ إلى جماعة من الملوك (منهم (٢)) هرقل، فما أجابه أحد منهم، وكتب إلى المقوقس صاحب مصر فأجابه عن كتابه جوابًا جميلًا، وأهدى إليه ثيابًا وكراعًا (٣) وجارتين من القبط؛ مارية وأختها (وأهدى إليه عسلا فقبل هديته، وتسرى مارية، فأولدها ابنة إبراهيم، وأهدى أختها لحسان ابن ثابت فأولدها عبد الرحمن بن حسان) (٤). وسأل ﵊ عن العسل (الذي) (٥) أهدى إليه، فقال من أين هذا (٦)؟ فقيل (له) (٧) من قرية بمصر يقال لها "بنها"، فقال: "اللهم بارك في بنها وفي عسلها" (٨) فعسلها إلى يومنا هذا خير عسل مصر.

стр. 30

وروى عن عبد الله بن عباس أنه قال: دعا نوح ﵇ ربه، لولده وولد ولده: مصر بن بيصر بن حام بن نوح، وبه سميت مصر، وهو أبو القيط فقال: اللهم بارك فيه وفي ذريته وأسكنه الأرض المباركة التي هي أُمُّ البلاد وغوث العباد، ونهرها أفضل أنهار الدنيا واجعل فيها أفضل البركات، وسخر له ولولده الروض، وذللها لهم، وقوهم عليها (١). والكعبة: البيت الحرام، وهو بيت هاجر وابنها إسماعيل ﵉ اللذين كانا يسكنانه، وروى أن البيت هدم في الجاهلية فولت قريش بناءه رجلا من القبط يقال له: بقوم، فأدركه الإسلام وهو على ذلك البناء. [من صاهر القبط من الأنبياء] وصاهر القبط من الأنبياء إبراهيم الخليل ﵇، بتسريه هاجر أم إسماعيل ﵉. ويوسف بتزوجه بنت صاحب عين شمس التي ذكرها الله في كتابه، فقال تعالى: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] ومحمد ﷺ بتسريه مارية. [من ذكرهم الله تعالى في كتابه من أهل مصر] وممن ذكرهم الله تعالى في كتابه من أهل مصر، رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه. قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]. ومنهم قارون، وكان ابن عم موسى: قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦]. وقال : ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: ٧٩].

стр. 31

وكان قارون أيسر أهل الدنيا. ومنهم: هامان، قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ [القصص: ٣٨]. ومنهم فيما يقال: الخضر ﵇، وروى بعض أهل العلم أنه ابن فرعون موسى لصلبه، وكان آمن بموسى، وجاز البحر معه، وكان مقدما عنده، وكان نبيًا. ومنهم: وزراء فرعون وجلساؤه، ذكر الله تعالى عنهم في كتابه حسن المحضر ورجاحة العقل، قال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٣٤ - ٣٧]. فهل في الدنيا (جلساء) (١) ملك أرجح عقلا واحسن (محضرا) (٢) منهم؟ حيث أنصفوا، وأمروا أن يمتحن بمثل ما وقع لهم أنه يشبه ما جاء به، ولم يكونوا في المنزلة وقبح المحضر كوزراء نمرود، حين شاورهم في إبراهيم ﵇. قال تعالى حكاية عنهم: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨]. ذكر الله ذلك عنهم في كتابه العزيز. ومنهم: السحرة الذين تجمعوا لموسى حين رأوا آيات موسى لم يصروا على الكفر، ولم يلبثوا أن آمنوا وسجدوا لله .

стр. 32

قال تعالى في كتابه: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٦ - ٤٨] وفي آيات كثيرة كرر ذكرهم وأثنى عليهم. ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢]. وروى ابن لهيعة عن عبد الله بن هُبيرة السَّبَئِي، وبكر بن عمر والخولاني، ويزيد بن أبي حبيب، قالوا: كان عدد السحرة اثنى عشر ساحرًا تحت يدي كل ساحر منهم عشرون عريفًا. تحت يدي كل عريف منهم ألف من السحرة فكان جميع السحرة مائتي ألف وأربعين ألفا ومائتين واثنين وخمسين إنسانا بالرؤساء والعرفاء (١). وأجمعت الرواة على أنه لا يعلم جماعة أسلمت في ساعة واحدة أكثر من جماعة القبط، وروى أنه لم يفتتن رجل واحد منهم كما افتتن بنو إسرائيل بعبادة العجل. وروى أن عبد الله بن عمر وقال: القبط أكرم الأعاجم محتدًا، وأسمحهم يدًا، وأفضلهم عنصرًا، وأقربهم رحمًا بالعرب كافة، وبقريش خاصة. وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "مصر أطيب الأرضين ترابًا، وعجمها أكرم العجم أنسابًا" (٢). وقال (بعض) (٣) أهل العلم: لم يبق من العجم أمة إلا وقد اختلطت بغيرها إلا قبط مصر. وروى عن النبي ﷺ أنه قال حين مات ابنه إبراهيم: " لو عاش كان صديقا نبيًا، وإن له لمرضعتين في الجنة، ولو عاش لعتقت القبط وما استرق أحد منهم أبدا " (٤).

стр. 33

[ذكر من أظهرته مصر من الحكماء] منهم: (نيروز) (١) أبو بختنصر من أهل قرية يقال لها: سيسرو من كورة "أرمنت" (٢) وكان رجلا من أهل العلم فنظر في علمه فإذا به يخرج من صلبه رجل يخرب مصر فأعطى الله موثقا (٣) أنه لا ينكح امرأة أبدًا. وخرج إلى الشام ثم إلى العراق، فأقام بفارس بقرية يقال لها نفر (٤) وكان لملك تلك القرية (٥) ابنة بها لمم (٦)، فوصف المصري لها دواء لعلاجها. (فلما رآها شاهد حسنا بارعا وخطبها من أبيها) (٧) فدخل عليها فجرت بينهما أسباب حتى حملت منه، فوضعت بختنصر فجرى خراب الدنيا على يديه. ومنهم: الإِسكندر ذو القرنين (٨)، من أهل قرية نحو الإِسكندرية

стр. 34

يقال لها لوبية، ملك الأرض بأسرها، وذكره الله في كتابه العزيز باسمه، فقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٤ - ٨٦]. وبنى سد يأجوج ومأجوج، قال الله ﵎: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٤ - ٩٦] وبنى الإسكندرية ويروى أنها: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٧، ٨]. وبنى الإسكندرية ببلاد الخزر (١) وبنى مدينة سمرقند (٢) وبنى الأبراج والمناظر ببلد البسكس (٣) على بحيرة طابس (٤) في آخر العمارة التي بالشمال، وفعل بالعراق الأفاعيل العجيبة، غضبًا لما فعل بختنصر بمصر، فقتل دارا بن دارا، وخرب العراق. وكتب إلى معلمه بمصر أرسطاطاليس يشاوره في قتل من بقي منهم. فكتب إليه: لا تفعل، ولكن ول كل رئيس منهم ناحية من بلده، فإنهم يتنافسون في الرياسة، ولا يجمعهم ملك أبدًا، ففعل فلبثوا على ذلك زمانًا

стр. 35

طويلًا، فلما قام أردشير واجتمعوا عليه، بعد تعب عظيم وحروب ومشقة قال: إن كلمة فرقتنا أربعمائة سنة لكلمة مشئومة (١). ومنهم: هرمس، المثلث بالنعمة: نبي، وملك، وحكيم، وهو الذي صير الرصاص ذهبًا بصاصا (٢). ومنهم أغاثيمون (٣)، وفيثاغورس (٤)، تلميذا هرمس من أصحاب الصابئة، ولهما من العلوم صنعة الكيمياء والنجوم والسحر وعلم الروحانيات والطلسمات والبرابي وأسرار الطبيعة (وقد أودعت البرابي ذلك) (٥). ومنهم أوسيلا وسيزوارس وبندقليس (٦) أصحاب الكهانة والزجر. ومنهم سقراط (٧) صاحب الكلام على البارئ ، والحكمة والبلاغة. ومنهم أفلاطون صاحب السياسة والنواميس والكلام على المدن والملوك (٨).

стр. 36

ومنهم أرسطاطاليس (١) صاحب النطق والآثار العلوية، والحس والمحسوس والكون والفساد، والسماء والعالم، وسمع الكيان (٢) والسماع الطبيعي، ورسالة نَبْت الذهب، ورسالة الغراء فيما بعد الطبيعة. حتى إن يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب له أكثر من ألف كتاب في كل معنى، كلها فصول من كتب أرسطاطاليس. ومنهم بَطْلَمْيُوس القلوذى صاحب الرصد والحساب، وهو صاحب كتاب المجسطى في تركيب الأفلاك وحركة الشمس والقمر والكواكب المتحركة والثابتة وصورة فلك البروج، وكتاب جغرافيا في مساحة الأرض وأقاليمها، والجبال والبحار وألوانها، والأنهار والعيون وابتدائها وانتهائها، وصفة الأمم الذين يعمرون الأرض، وكتاب الثمرة في أحكام النجوم، وكتاب تسطيح الكرة (٣). ومنهم أراطس صاحب البيضة ذات الثمانية والأربعين صورة في تشكيل صورة الفلك. والألف كوكب، واثنين وعشرين كوكبًا من الكواكب الثابتة، والزيج العلوي (٤). ومنهم إبرخس صاحب الرصد والالة المعروفة بذات الحلق (٥). ومنهم ثاون صاحب الزيج المنسوب إليه (٦).

стр. 37

ومنهم دامانيوس، وواليس، وأصطفن أصحاب كتب أحكام النجوم. ومنهم إيرن (١)، وله الهندسة والمقادير، وكتاب جر الأثقال، والحيل الروحانية وعمل البنكامات والآلات لقياس الساعات. ومنهم فيلون البُزَنْطِي، وله عمل الدواليب والأرحية والحركات بالحيل اللطيفة (٢). ومنهم أرشميدس (٣)، صاحب الحيل والهندسة، والمرايا، والمرايا المحرقة، وعمل المجانيق ورمي الحصون، والحيل على الجيوش والعساكر برًا وبحرًا. ومنهم مارية وقلبطرة، ولهم الطِّلَّسْمَات، والخواص للطبائع (٤). ومنهم أبلونيوس، وله كتاب المخروطات، وكتاب قطع الخطوط (٥). ومنهم تابوشيش، وله كتاب الأكر، ومنهم ذيوفنطس (٦)، وله كتاب الحساب. ومنهم أوطوقيوس (٧)، وله كتاب الكرة والأسطوانة. ودخلها جالينوس (٨)، وديسقوريدس (٩) صاحب الحشائش (١٠)، ودُيوجانس، وأركاغانس، وأوريباسيوس (١١)، وفريقونوس،

стр. 38

وروفس (١) ولهم الطب اليوناني. فكل هؤلاء سكنوا مصر في الدهور الخالية والأيام السالفة، فما غيرت ذهن واحد منهم ولا أضرت بعقله. [من كان بمصر من الأنبياء] وأما من كان بها من الأنبياء ﵈، فإبراهيم الخليل، وإسماعيل ويعقوب، ويوسف. واثنا عشر نبيًا من ولد يعقوب وهم الأسباط وموسى وهارون ويوشع بن نون، وعيسى بن مريم، ودانيال، عليهم الصلاة والسلام. فهذا ما ذكر: من كان بها قبل الإِسلام. [من كان بمصر في الإِسلام من الصحابة] وأما من كان بها في الإسلام من الصحابة والفقهاء والعلماء والأحبار والزهاد ومن دخلها من الملوك والخلفاء وأهل العلم والشعر والنحو والخطابة، وكل من برع على أهل زمانه، أو نجم على أهل عصره، فيتسع ذلك علينا، ولكن نختصر من ذلك على المشهورين. ذكر أهل العلم والمعرفة والرواية أنه دخل مصر في فتحها ممن صحب رسول الله ﷺ مائة رجل ونيف. وقال يزيد بن أبي حبيب (٢): وقف على إقامة قبلة المسجد الجامع ثمانون رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ . منهم الزبير بن العوام، والمِقْداد بن الأسود (٣)، وعُبادة بن

стр. 39

الصامت (١)، وأبو الدرداء (٢)، وفَضَالة بن عبيد (٣)، وعقبة بن عامر وأبو ذر (٤) (ومَحْمِيَّة بن جَزْء (٥)، ونُبيه بن صُؤاب (٦))، ورافع بن مالك، وربيعة بن شُرَحْبِيل بن حَسَنَة (٧)، وسعد بن أبي وقاص (٨) وعمرو ابن علقمة، (وعبد الله بن عمرو بن العاص (٩))، (وعبد الله بن عمر بن الخطاب (١٠)) وخارجة بن حُذَافَة (١١)، وعبد الله بن سعد بن

стр. 40

أَبِي سَرْح (١)، وأبو رافع مولى رسول الله ﷺ (٢)، (ومحمد بن مَسْلَمة (٣))، ومَسْلَمة بن مُخَلَّد (٤)، وأبو أيوب (٥) ورويفع بن ثابت (٦)، وهُبَيْب بن مُغْفِل (٧)، وكعب بن ضِنّة (٨)، ومعاوية بن حُدَيج (٩)، وعمار بن ياسر، وعمرو بن العاص، وأبو هريرة وغيرهم. [من كان بمصر من الفقهاء والعلماء] وأما من كان بها من الفقهاء والعلماء، فمنهم: يزيد بن أبي حبيب، والليث بن سعد، وله مذهب انفرد به. وهو الذي أخرج الرشيد من يمينه
следующие страницы →