← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 4067

طرق التخريج بحسب الراوي الأعلى

دخيل بن صالح اللحيدان

Полный текст (124 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

طرق التَّخْرِيج بِحَسب الرَّاوِي الْأَعْلَى إعداد: د. دخيل بن صَالح اللحيدان الْأُسْتَاذ المساعد فِي كُلية أصُول الدّين بالرياض الْ مُقدمَة إنَّ الحمدَ للهِ نحمده ونستعينه، من يهده الله فَلَا مضل لَهُ، وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، أما بعد١؛ فَأخْبرنَا عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الملا قِرَاءَة عَلَيْهِ، عَن خَليفَة بن حمد النبهاني، عَن عبد الْغَنِيّ بن أبي سعيد العُمَري الدِهلوي ثمَّ الْمدنِي، عَن أَبِيه، عَن عبد الْعَزِيز بن أَحْمد بن عبد الرَّحِيم الدِهلوي، عَن أَبِيه، عَن أبي طَاهِر: مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن حسن الكُوْراني الْمدنِي، عَن أَبِيه، عَن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْغَزِّي، عَن زَكَرِيَّا بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ، عَن: أَحْمد بن عَليّ بن حجر الْعَسْقَلَانِي عَن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد الْمِقْدَاد القَيسي، عَن أَحْمد بن أبي طَالب، عَن عبد اللَّطِيف بن مُحَمَّد بن عَليّ بن القبيطي، عَن أَحْمد بن عبد الْغَنِيّ، عَن أبي مَنْصُور: مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الرَّزَّاق الْخياط، عَن أبي طَاهِر: عبد الْغفار بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الْمُؤَدب، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَليّ: مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن الصَّواف، قَالَ: ثَنَا بشر ابْن مُوسَى بن صَالح الْأَسدي، قَالَ حَدثنَا أَبُو بكر: عبد الله بن الزبير بن عِيسَى الْحميدِي قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان، قَالَ حَدثنَا يحيى بن سعيد، قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ أَنه سمع عَلْقَمَة بن وَقاص اللَّيْثِيّ يَقُول: سَمِعت عمر بن الْخطاب على الْمِنْبَر يخبر بذلك عَن رَسُول الله قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: "إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نوى" ٢.

стр. 2

وَهَذَا الحَدِيث ابْتَدَأَ بِهِ الإِمَام البُخَارِيّ - ت ٢٥٦هـ - كِتَابه الْجَامِع الصَّحِيح١، وحث على ابْتِدَاء المصنفات بِهِ٢. وَمن الْمَعْلُوم أَن أفضل الْعُلُوم وأجلها مَا كَانَ مُتَعَلقا بِكَلَام الله وَكَلَام رَسُوله ﷺ ، حَيْثُ عَلَيْهِمَا مدَار أَحْكَام الشَّرِيعَة الإسلامية فِي العقيدة والعبادات والمعاملات وَسَائِر أَحْوَال النَّاس، وَقد عُني بهما السّلف وَالْخلف تَفْسِيرا وشرحاً ودراسة مستفيضة لموضوعاتهما، وَمن ذَلِك علم تَخْرِيج الْأَحَادِيث، لما لَهُ من فَوَائِد جمة تدل على أهميته، مِنْهَا: ١ - حفظ السّنة وتقريبها إِلَى عُمُوم الْمُسلمين. ٢ - تَمْكِين الباحث من الْوُقُوف على الحَدِيث فِي مصادره، وَمَعْرِفَة أسانيده وطرقه وَأَلْفَاظه، وشواهده، من حَيْثُ تقويتها لَهُ، أَو تضعيفها بِبَيَان علله وَاخْتِلَاف الروَاة فِيهِ، كَمَا تفِيد ذَلِك فِي فهم مَعْنَاهُ، وَتَخْصِيص عَامه، وَتَقْيِيد مطلقه، وَبَيَان ناسخه. ٣ - تقريب مناهج الْمُحدثين المتعددة فِي تَرْتِيب مؤلفاتهم، وَمَعْرِفَة الضوابط الدقيقة للتخريج العملي حَيْثُ يُحدد السَّبِيل الْمُنَاسبَة لتخريج الحَدِيث تبعا لحاله؛ لِأَنَّهُ قد يكون تَامّ اللَّفْظ أوناقصاً، وَيكون مُسْندًا أَو مُجَردا، ولِكُلٍ طَريقَة تخريجية تناسبه. ٤ - معرفَة طرق التَّخْرِيج للمشتغلين فِي إعداد برامج الحاسوب فِي علم الحَدِيث، بِحَيْثُ تُبنى هَذِه البرامج عَلَيْهَا.

стр. 3

وَلَقَد كتب غير وَاحِد من أساتذة١ عُلُوم الحَدِيث الأفاضل فِي علم التَّخْرِيج وطرقه، وبالرغم من حوزهم فضل السَّبق فِي هَذَا الْمِضْمَار، إِلَّا أَنه قد بقيت مبَاحث ومسائل تحْتَاج إِلَى تَعْزِير وتحرير وإكمال، عُرفت من خلال المثافنة والمُدارسة، وَلَا سِيمَا مَعَ توفر كثير من المصادر الحديثية فِي السنوات الْأَخِيرَة، لأجل مزِيد من الإحكام فِي ضوابط تَخْرِيج الحَدِيث. وَمن أَوَائِل من عُنوا بِعلم التَّخْرِيج فِي هَذَا الْعَصْر الْأُسْتَاذ الدكتور: مَحْمُود الطَّحَّان٢، وَقد حصر طرق التَّخْرِيج التفصيلية فِي خمسٍ، هِيَ: التَّخْرِيج عَن طَرِيق معرفَة رَاوِي الحَدِيث من الصَّحَابَة، والتخريج عَن طَرِيق معرفَة أول لفظ من متن الحَدِيث، والتخريج عَن طَرِيق معرفَة لفظ بارز من أَي جُزْء من متن الحَدِيث، والتخريج عَن طَرِيق معرفَة مَوْضُوع الحَدِيث، والتخريج عَن طَرِيق النّظر فِي صِفَات خَاصَّة فِي سَنَد الحَدِيث أَو مَتنه، وَكَذَا صنع الدكتور: عبد الْمهْدي بن عبد الْقَادِر٣، ويستدرك على الدكتور الطَّحَّان التَّخْرِيج عَن طَرِيق رَاوِي الحَدِيث من التَّابِعين كالمراسيل، حَيْثُ أُفرد هَذَا النَّوْع من الْأَحَادِيث بمؤلفات خَاصَّة بهَا، كَمَا أفرده مَن أَلَّف فِي كتب الْأَطْرَاف بقسم مُسْتَقل، وَلذَا فَإِن تَعْبِير الدكتور عبد الْمهْدي أدق هُنَا حَيْثُ عبر عَن الطَّرِيقَة

стр. 4

الأولى بقوله: "التَّخْرِيج بالراوي الْأَعْلَى" فَشَمَلَ بذلك الصَّحَابِيّ والتابعي، ويستدرك عَلَيْهِمَا مَعًا: التَّخْرِيج عَن طَرِيق الْعِلَل المرتَّبة بِحَسب الرَّاوِي الْأَعْلَى، والتخريج عَن طَرِيق غَرِيب أَلْفَاظ الحَدِيث المرتَّبة بِحَسب الرَّاوِي الْأَعْلَى، والتخريج عَن طَرِيق الفهارس الْمرتبَة كَذَلِك، ويستدرك عَلَيْهِمَا أَيْضا عدد من كتب الْأَطْرَاف المطبوعة فِي الفترة الْأَخِيرَة مثل: إتحاف المهرة لِلْحَافِظِ ابْن حجر، وإطراف المُسْنِد المعتلى لَهُ أَيْضا، وَهِي أَكثر فَائِدَة من كتاب ذخائر الْمَوَارِيث للنابلسي١، كَمَا أَنَّهَا أولى بِالذكر مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا امتداد لصنيع الْحَافِظ الْمزي فِي كِتَابه: تحفة الْأَشْرَاف، حَيْثُ تشْتَمل على أَطْرَاف أشهر أُمَّهَات المصادر الحديثية، فقد ذكر الْحَافِظ ابْن حجر فِي مُقَدّمَة كِتَابه إتحاف المهرة: المصنفات الَّتِي جمع أطرافها ثمَّ قَالَ: "هَذِه المصنفات قَلَّ أَن يشذ عَنْهَا شَيْء من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة لاسيما فِي الْأَحْكَام إِذْ ضُمَّ إِلَيْهَا كتاب أَطْرَاف الْمزي"٢، وَمن الجدير بِالذكر أَن تَرْتِيب المصادر الَّتِي بيَّنها مَن أَلَّف فِي علم التَّخْرِيج يُمكن أَن يعد غير كَاف، مَعَ عدم بَيَان مشتملات كثير من تِلْكَ المصادر مَعَ حَاجَة المُخَرِّج إِلَى مَعْرفَتهَا، وَلأَجل مزِيد الْعِنَايَة بِعلم التَّخْرِيج من طَرِيق الْإِسْنَاد، تمّ إعداد هَذَا

стр. 5

الْبَحْث فِي جَانب مُهِمّ مِنْهُ، أَلا وَهُوَ: التَّخْرِيج بِوَاسِطَة الرَّاوِي الْأَعْلَى، وَكَانَ من أَسبَاب اخْتِيَار هَذَا الْمَوْضُوع أَيْضا: ١ - منزلَة علم التَّخْرِيج الجليلة، ودوره فِي حفظ السّنة النَّبَوِيَّة. ٢ - حَاجَة الجهود السَّابِقَة فِيهِ إِلَى إِكْمَال، وتحرير وتأصيل فِي ضوء صَنِيع الْمُحدثين بعد توفر كتبهمْ. ٣ - أَن طرق التَّخْرِيج تعد من أهم مبَاحث التَّخْرِيج، حَيْثُ تمكن الباحث من تَخْرِيج الْأَحَادِيث على وَجه الْمَطْلُوب، وَهِي مَا زَالَت بحاجة إِلَى مزِيد من الإحكام فِي ضوابطها بِحَيْثُ تَقربهَا، وتيسر تطبيقها. ٤ - توفر كثير من المصادر الحديثية فِي السنوات الْأَخِيرَة، حَيْثُ يُسهم ذَلِك فِي استقصاء طرق التَّخْرِيج، وتوضيحها، وَبَيَان مناهج تَرْتِيب مَا يتَعَلَّق بهَا من مصَادر حَدِيثِيَّةٌ، كَمَا يُفِيد أَيْضا فِي تَفْصِيل مشتملاته الحديثية. وتشتمل خطة الْبَحْث بعد هَذِه الْمُقدمَة على: تمهيد، وَسِتَّة فُصُول وخاتمة وفهارس، على النَّحْو التَّالِي: - التَّمْهِيد: التَّعْرِيف بطرق التَّخْرِيج. - الْفَصْل الأول: التَّخْرِيج من طَرِيق المسانيد. - الْفَصْل الثَّانِي: التَّخْرِيج من طَرِيق معرفَة الصَّحَابَة. - الْفَصْل الثَّالِث: التَّخْرِيج من طَرِيق الْأَطْرَاف الْمرتبَة على الرَّاوِي الْأَعْلَى. - الْفَصْل الرَّابِع: التَّخْرِيج من طَرِيق الْعِلَل الْمرتبَة على الرَّاوِي الْأَعْلَى. - الْفَصْل الْخَامِس: التَّخْرِيج من طَرِيق غَرِيب أَلْفَاظ الحَدِيث الْمُرَتّب على الرَّاوِي الْأَعْلَى.

стр. 6

- الْفَصْل السَّادِس: التَّخْرِيج من طَرِيق الفهارس والموسوعات الْمرتبَة على الرَّاوِي الْأَعْلَى. - الخاتمة: وتشتمل على أهم نتائج الْبَحْث. - الفهارس. هَذَا وسميته: "طرق التَّخْرِيج بِحَسب الرَّاوِي الْأَعْلَى"، وَالله تَعَالَى أسأَل أَن ينفع بِهِ، وَأَن يغْفر لي ولوالدي ولذوي أرحامي ولعموم الْمُسلمين، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين.

стр. 7

التَّمْهِيد: الْمطلب الأول: معنى الطّرق: … التَّمْهِيد: التَّعْرِيف بطرق التَّخْرِيج: الْمطلب الأول: معنى الطّرق: الطّرق، جمع طَرِيق، وَهِي السَّبِيل والسيرة وَالْمذهب، قَالَ إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد الْجَوْهَرِي - ت٣٩٣هـ -: "الطَّرِيق: السَّبِيل، يذكر وَيُؤَنث، تَقول: الطَّرِيق الْأَعْظَم، وَالطَّرِيق الْعُظْمَى، وَالْجمع: أَطْرِقَه، وطُرق"١، وَقَالَ أَيْضا: "وطَرِيقة الرجل: مذْهبه، يُقَال: مَا زَالَ فلَان على طَريقَة وَاحِدَة، أَي: على حَالَة وَاحِدَة"، وَقَالَ ابْن مَنْظُور: "الطَّرِيقَة: السِّيرَة … وَالْحَال"٢.

стр. 8

الْمطلب الثَّانِي: معنى التَّخْرِيج: لُغَة: الْخُرُوج مُقَابل الدُّخُول، وَهُوَ يتَضَمَّن معنى الظُّهُور وَالْبَيَان، والتخريج فِي أصل اللُّغَة من خَرَج، قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: أَحْمد بن فَارس بن زَكَرِيَّا - ت ٣٩٥هـ -: "الْخَاء وَالرَّاء وَالْجِيم أصلان، وَقد يُمكن الْجمع بَينهمَا، إِلَّا أنّا سلكنا الطَّرِيق الْوَاضِح، فَالْأول: النفاذُ عَن الشَّيْء، وَالثَّانِي: اخْتِلَاف لَونَين". ثمَّ يَقُول من الأول: "فُلانُ خِرِّيجُ فُلان: إِذا كَانَ يتَعَلَّم مِنْهُ، كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أخرجه من حدِّ الجهلِ". وَيَقُول من الثَّانِي: "أَرضُُ مخرَّجةٌ، إِذا كَانَ نبتُها فِي مَكَان دون مَكَان، وخَرَّجَتِ الراعية المرتَعَ، إِذا أَكَلَت بَعْضهَا وتَرَكت بَعْضًا"٣، وَقد جَاءَ المعنيان فِي معاجم اللُّغَة وقواميسها اللاحقة. اصْطِلَاحا: اسْتَعْملهُ أهل الحَدِيث فِي عدَّة معَان اصطلاحية، مِنْهَا الرِّوَايَة بِالْإِسْنَادِ، والعزو إِلَى المصادر، ويجمعها أَنه: بَيَان مصَادر الحَدِيث وَإِسْنَاده، وَمَتنه

стр. 9

ودرجته بِحَسب الْحَاجة١.

стр. 10

الْمطلب الثَّالِث: معنى طرق التَّخْرِيج: طرق التَّخْرِيج، هِيَ: سُبل الدّلَالَة على إِسْنَاد الحَدِيث، وَمَتنه، وموضعه فِي مصادره. ويرتبط معنى الطّرق بمعاني التَّخْرِيج، وَلِهَذَا جَاءَ مَعْنَاهَا شَامِلًا، فَيدْخل فِيهَا: مسالك الْمُحدثين فِي الدّلَالَة على أَسَانِيد الْأَحَادِيث ومتونها، ومسالك الْوُصُول إِلَيْهَا فِي مؤلفاتهم الحديثية، وَالدّلَالَة على موضعهَا فِيهَا، والأخير من بَاب التَّوَسُّع فِي التَّعْبِير، حَيْثُ يُسَمَّى الشَّيْء باسم مَا قرب مِنْهُ، وَهَذَا مَعْرُوف فِي أصل اللُّغَة، وَله نَظَائِر، مثل إِطْلَاق الراوية على المزادة، وعَلى الْبَعِير الَّذِي يحملهَا، قَالَ ابْن سَيّده: "الراوية: المزادة فِيهَا المَاء، ويُسمَّى الْبَعِير راوية على تَسْمِيَة الشَّيْء باسم غَيره لقُرْبه مِنْهُ"١.

стр. 11

الْمطلب الرَّابِع: طرق التَّخْرِيج إِجْمَالا: تستنبط طرق التَّخْرِيج من مناهج تَرْتِيب المصادر الحديثية، حَيْثُ تَنْحَصِر فِي مسلكين أساسين: أَحدهمَا: التَّخْرِيج من طَرِيق الْإِسْنَاد، وَهَذَا الْبَحْث يتَعَلَّق بِبَعْض فروعه. وَالْآخر: التَّخْرِيج من طَرِيق الْمَتْن. وتندرج تحتهما جَمِيع طرق التَّخْرِيج التفصيلية، وَقد جَاءَت الْإِشَارَة إِلَى أصُول مناهج تَرْتِيب المصادر الحديثية فِي كَلَام أهل الحَدِيث، حَيْثُ يَقُول الإِمَام أَبُو بكر: أَحْمد ابْن عَليّ بن ثَابت الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ - ت٤٦٣هـ -: "من الْعلمَاء من يخْتَار تصنيف السّنَن وتخريجها على الْأَحْكَام وَطَرِيقَة الْفِقْه، وَمِنْهُم من يخْتَار تخريجها على الْمسند، وَضم أَحَادِيث كل وَاحِد من الصَّحَابَة بَعْضهَا إِلَى بعض"٢، وَيَقُول الْحَافِظ: أَبُو عَمْرو: عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن الشَهْرَزوري الْمَشْهُور بِابْن الصّلاح - ت ٦٤٣هـ -: "وللعلماء بِالْحَدِيثِ فِي تصنيفه طريقتان: إِحْدَاهمَا: التصنيف على الْأَبْوَاب، وَهُوَ: تَخْرِيجه على أَحْكَام الْفِقْه وَغَيرهَا، وتنويعه أنواعاً، وَجمع مَا ورد فِي كل حكم وكل نوع فِي بَاب فباب، وَالثَّانيَِة: تصنيفه على المسانيد وَجمع حَدِيث كل صَحَابِيّ وَحده، وَإِن اخْتلفت أَنْوَاعه"٣.

стр. 12

وَأَشَارَ آخَرُونَ إِلَى بعض التفصيلات فِي ذَلِك، حَيْثُ يَقُول الْحَافِظ أَحْمد بن عَليّ بن حجر الْعَسْقَلَانِي - ت ٨٥٢هـ -: "وتصنيفه إِمَّا على المسانيد، أَو الْأَبْوَاب، أَو الْعِلَل، أَو الْأَطْرَاف"١، وَيَقُول السخاوي: "وَلَهُم طَريقَة أُخْرَى فِي جمع الحَدِيث وَهِي جمعه على حُرُوف المعجم فَيجْعَل حَدِيث: " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ … "، فِي الْهمزَة، كَأبي مَنْصُور الديلمي فِي مُسْند الفردوس وَكَذَا عمل ابْن طَاهِر فِي أَحَادِيث الْكَامِل لِابْنِ عدي"٢، ثمَّ قَالَ: "وَمِنْهُم من يرتب على الْكَلِمَات لَكِن غير متقيد بحروف مُقْتَصرا على أَلْفَاظ النُّبُوَّة فَقَط كالشهاب والمشارق للصنعاني وَهُوَ أحسنهما وأجمعهما لاقتصاره على الصَّحِيح خَاصَّة ثمَّ من هَؤُلَاءِ من يلم بغريب الحَدِيث وَإِعْرَابه أَو أَحْكَامه وآرائه فِيهِ"٣. وَمن الجدير بِالذكر أَن المُخَرِّج بحاجة أَيْضا إِلَى معرفَة مشتملات هَذِه المصادر الحديثية؛ لأثرها فِي تَحْدِيد الْفَائِدَة المرجوة من كل وَاحِد مِنْهَا، وَقد اُعتنى بِهَذَا الْجَانِب فِي مَوْضُوعَات هَذَا الْبَحْث. وَمن صور التَّخْرِيج من خلال إِسْنَاد الحَدِيث: التَّخْرِيج بِحَسب الرَّاوِي الْأَعْلَى - وَهُوَ أقرب الروَاة إِلَى الْمَتْن - سَوَاء أَكَانَ صحابياً أَو تابعياً أَو غَيرهمَا، وتندرج ضمنهَا عدَّة طرق تفصيلية، مِنْهَا: ١ - التَّخْرِيج من طَرِيق المسانيد. ٢ - التَّخْرِيج من طَرِيق معرفَة الصَّحَابَة. ٣ - التَّخْرِيج من طَرِيق أَطْرَاف الْأَحَادِيث الْمرتبَة على الرَّاوِي الْأَعْلَى. ٤ - التَّخْرِيج من طَرِيق الْعِلَل الْمرتبَة على الرَّاوِي الْأَعْلَى. ٥ - التَّخْرِيج من طَرِيق غَرِيب أَلْفَاظ الحَدِيث الْمرتبَة على الرَّاوِي الْأَعْلَى. ٦ - التَّخْرِيج من طَرِيق الفهارس والموسوعات الْمرتبَة على الرَّاوِي الْأَعْلَى. وَهِي الَّتِي سيتم - إِن شَاءَ الله - بَيَانهَا فِي الْفُصُول الْآتِيَة.

стр. 13

الْفَصْل الأول: التَّخْرِيج من طَرِيق المسانيد: المبحث الأول: التَّعْرِيف بالمسانيد إِجْمَالا: الْمطلب الأول: مَعْنَاهَا: … المبحث الأول: التَّعْرِيف بالمسانيد إِجْمَالا١: الْمطلب الأول: مَعْنَاهَا: لُغَة: المسانيد أَو المساند جمع مُسْند وَهُوَ مَأْخُوذ من السَّنَد، أَي المعتمد، قَالَ الْجَوْهَرِي: "السَّنَد مَا قابلك من الْجَبَل وَعلا عَن السَّطْح، وَفُلَان سَنَده أَي: معتمده"٢. اصْطِلَاحا: الْمسند هُوَ الْكتاب الَّذِي يروي مُؤَلفه أَحَادِيث كل صَحَابِيّ على حِدة، كَمَا قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ: "مِنْهُم من يخْتَار تخريجها على الْمسند، وَضم أَحَادِيث كل وَاحِد من الصَّحَابَة بَعْضهَا إِلَى بعض"٣.

стр. 14

الْمطلب الثَّانِي: مرتبتها بَين المصادر الحديثية: تعْتَبر المؤلفات على المسانيد من جِهَة الثُّبُوت وَعَدَمه فِي الْمرتبَة التالية للمصنفات على الْأَبْوَاب هَذَا من حَيْثُ الأَصْل، يَقُول الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ: "وَمِمَّا يَتْلُو الصَّحِيحَيْنِ: سنَن أبي دَاوُد السجسْتانِي وَأبي عبد الرَّحْمَن النَّسَوي٤ وَأبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ، وَكتاب مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة النَّيْسَابُورِي، الَّذِي شَرط فِيهِ على نَفسه إِخْرَاج مَا اتَّصل سَنَده بِنَقْل الْعدْل عَن الْعدْل إِلَى النَّبِي ﷺ ، ثمَّ كتب المسانيد الْكِبَار"٥، وَذَلِكَ من أجل عناية أَصْحَابهَا - فِي الْغَالِب - بِجمع مرويات كل صَحَابِيّ دون النّظر إِلَى الصِّحَّة وَعدمهَا.

стр. 15

الْمطلب الثَّالِث: جهود الْمُحَقِّقين فِي تقريبها: يواجه الباحث مشقة فِي الْوُصُول إِلَى مظان الحَدِيث فِي المسانيد؛ بِسَبَب طَريقَة تأليفها، حَيْثُ يضيع على الباحث كثير من الْوَقْت وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ الصَّحَابِيّ من المكثرين فِي الرِّوَايَة.

стр. 16

المبحث الثَّانِي: التَّعْرِيف بأشهر المسانيد تَفْصِيلًا: الْمطلب الأول: مُسْند الإِمَام الْحميدِي: … المبحث الثَّانِي: التَّعْرِيف١ بأشهر المسانيد تَفْصِيلًا: الْمطلب الأول: مُسْند الإِمَام الحُميدي. التَّعْرِيف بِالْإِمَامِ الحُميدي: هُوَ: أَبُو بكر: عبد الله بن الزبير بن عِيسَى، واشتهر بالحميدي. روى عَن: سُفْيَان بن عُيينة - ت ١٩٨ هـ -، وَقد أَكثر عَنهُ الحُميدي حَتَّى ذكر الإِمَام مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي - ت ٢٠٤هـ - أَن الحُميدي يحفظ لِسُفْيَان: عشرَة آلَاف حَدِيث، وروى أَيْضا عَن الإِمَام الشَّافِعِي نَفسه وَعَن شَيْخه: وَكِيع بن الْجراح - ت ١٩٧هـ -، وَغَيرهم. وروى عَنهُ: الإِمَام أَبُو عبد الله: مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ - ت ٢٥٦هـ -، وَالْإِمَام أَبُو زرْعَة: عبيد الله بن عبد الْكَرِيم الرَّازِيّ - ت ٢٦٤هـ -، وَالْإِمَام أَبُو حَاتِم: مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرَّازِيّ - ت ٢٧٧هـ -، وَغَيرهم. وَهُوَ: إِمَام فَقِيه، وثقة حَافظ فِي الحَدِيث، قَالَ الإِمَام أَحْمد - ت ٢٤١هـ -: "الحُميدي عندنَا إِمَام"٢، وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: "أثبت النَّاس فِي ابْن عُيينة: الْحميدِي، وَهُوَ رَئِيس أَصْحَاب ابْن عُيينة، وَهُوَ ثِقَة إِمَام"٣، وَقد أخرج لَهُ البُخَارِيّ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وافتتح الإِمَام البُخَارِيّ بروايته أول حَدِيث فِي الْجَامِع الصَّحِيح، فروى عَنهُ حَدِيث: " الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ "، وَيَقُول مُحَمَّد بن أَحْمد بن عُثْمَان الذَّهَبِيّ - ت٧٤٨هـ -: "هَذَا أول شَيْء افْتتح بِهِ البُخَارِيّ صَحِيحه فصيره كالخطبة لَهُ، وَعدل عَن رِوَايَته افتتاحاً بِحَدِيث مَالك الإِمَام إِلَى هَذَا الْإِسْنَاد؛ لجلالة الحُميدي وتقدمه؛ وَلِأَن إِسْنَاده هَذَا عزيزُ الْمثل جدا لَيْسَ بِهِ عنعنة أبدا، بل كل وَاحِد مِنْهُم صرح بِالسَّمَاعِ لَهُ"٤، وَتُوفِّي الحُميدي سنة: ٢١٩هـ.

стр. 17

التَّعْرِيف بِمُسْنَدِهِ: أَولا: اسْم الْكتاب: الْمسند: ثَانِيًا: مَوْضُوعه: مرويات الإِمَام الْحميدِي عَن شَيْخه سُفْيَان ابْن عُيينة - فِي الْغَالِب - مرتبَة على مسانيد الصَّحَابَة، ومُعَلَّة. ثَالِثا: مرتبَة الْكتاب بَين المسانيد، وَبَيَان شَرط مُؤَلفه فِيهِ: الْكتاب من المسانيد المعلة، وَلِهَذَا يعْتَبر أعلا من مرتبَة المسانيد الَّتِي جمعت الثَّابِت وَغَيره، وَبِدُون تَمْيِيز للمعل، وَأما شَرط مُؤَلفه، فَالَّذِي يظْهر من خلال الْمسند المطبوع أَنه قصره فِي الْغَالِب على مرويات شَيْخه سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَبَيَان عللها. رَابِعا: بَيَان مشتملاته: روى الحُميدي بِإِسْنَادِهِ عَن: "١٨٠" صحابياً - بِحَسب المطبوع -، وَلم يخرج أَحَادِيث طَلْحَة بن عبيد الله ﵁، وَهُوَ أحد الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ. وَعدد الْأَحَادِيث على حسب ترقيم محققه (حبيب الرَّحْمَن الأعظمي) : "١٣٠٠"، واستدرك أَيْضا: حَدِيثا وَاحِدًا وجده فِي بعض النّسخ، وَنبهَ إِلَيْهِ، وَهَذَا الْعدَد بالمكرر، وَيدخل فِيهِ: الْمَرْفُوع، والمرسل، وَالْمَوْقُوف، والمقطوع، وَغَيرهَا، على حسب صَنِيع الْمُحَقق، وَالَّذِي يظْهر أَن الْمُحَقق حدثت لَهُ بعض الأوهام فِي ترقيمه، وَترك بعض الْأَسَانِيد بِدُونِ عد، مَعَ أَنه رقم أَمْثَالهَا، وَقد فَاتَهُ (٦٨) حَدِيثا وإسناداً لم يرقمها، فاستدرك بَعْضهَا على نَفسه بعد نِهَايَة الترقيم مثل صَنِيعه عِنْد حَدِيث ١٩٥، حَيْثُ وضع بعده (١٩٥/١، ١٩٥/٢) ، وَرُبمَا أَرَادَ بذلك المكرر، لكنه ترك أَشْيَاء من هَذَا الْقَبِيل١، وعَلى ذَلِك فعدد أَحَادِيثه - باطراح زِيَادَة أبي عَليّ ابْن الصَّواف -: "١٣٦٨" حَدِيثا. وتضمن مُسْند الحُميدي زِيَادَة لأبي عَليّ: مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن بن الصَّواف، -

стр. 18

ت ٣٥٩ هـ - وَهُوَ: الرَّاوِي عَن تلميذ الإِمَام الحُميدي، وَهَذِه الزِّيَادَة فِي أَحَادِيث عَليّ ابْن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ١ حَيْثُ يَقُول أَبُو عَليّ ابْن الصَّواف: "ثَنَا إِبْرَاهِيم بن عبد الله الْبَصْرِيّ، ثَنَا إِبْرَاهِيم بن بشار الرَّمَادِي، ثَنَا سُفْيَان بن عُيينة عَن ابْن أبي نجيح، عَن أَبِيه، قَالَ: أَخْبرنِي من سمع عَليّ بن أبي طَالب على مِنْبَر الْكُوفَة، فَذكر مَعْنَاهُ" يَعْنِي حَدِيث خِطبة عَليّ لفاطمة ﵄. وَفِي مَوضِع آخر٢ يَقُول أَبُو عَليّ الصَّواف: "حَدثنَا بشر بن مُوسَى - وَهُوَ رَاوِي الْمسند عَن الْحميدِي - قَالَ: ثَنَا سُفْيَان قَالَ: ثَنَا عَمْرو"، كَذَا جَاءَ، وَلَا ريب أَنه سقط اسْم الْحميدِي من هَذَا الْإِسْنَاد؛ لِأَن بَين بشر وسُفْيَان بن عُيينة مفازة، فبشر مَاتَ سنة: ٢٨٨هـ، وسُفْيَان مَاتَ سنة: ١٩٨هـ. واشتمل بِخَاصَّة على مرويات شَيْخه سُفْيَان بن عُيينة وعللها وَاخْتِلَاف الروَاة فِيهَا، وَلَيْسَ بِبَعِيد القَوْل بِأَن هَذَا الْكتاب أفرده الحُميدي لترتيب مرويات شَيْخه: الْمَذْكُور على مسانيد الصَّحَابَة، حَيْثُ إِن غَالب مروياته فِي هَذَا الْمسند عَن شَيْخه سُفْيَان، وَأما مروياته فِيهِ عَن غَيره، فعددها: " ٤٨ " حَدِيثا٣، وَهِي قَليلَة بِالنِّسْبَةِ لمجموع مرويات الْكتاب، وَهِي: "١٣٦٨" حَدِيثا على الصَّوَاب فِي عَددهَا، كَمَا سبق، فَتُصْبِح نسبتها أقل من: ٤ … . ويتنبه إِلَى أَنه قرن سُفْيَان بِغَيْرِهِ فِي أَرْبَعَة أَحَادِيث مِنْهَا، كَمَا أَن مَجْمُوعَة من هَذِه الْأَحَادِيث، سَاقهَا الحُميدي أثْنَاء بَيَانه لعلل أَحَادِيث شَيْخه سُفْيَان بن عُيينة، فَكَأَنَّهُ ذكرهَا تبعا، وَيحْتَمل أَيْضا أَن اسْم سُفْيَان سقط من الْإِسْنَاد فِي بَعْضهَا.

стр. 19

وَمن المرويات الَّتِي بَيَّن اخْتِلَاف الروَاة فِيهَا، مَا أخرج بِإِسْنَادِهِ من طَرِيق أبي عبيد: سعيد بن عُبيد الحَدِيث الطَّوِيل، وَفِيه يَقُول أَبُو عُبيد: "ثمَّ شهِدت الْعِيد مَعَ عَليّ بن أبي طَالب، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قبل الْخطْبَة، قَالَ: لَا يأكلن أحدكُم من لحم نُسُكه فَوق ثَلَاث"١، ثمَّ قَالَ الْحميدِي: "قلت لِسُفْيَان: إِنَّهُم يرفعون هَذِه الْكَلِمَة عَن عَليّ بن أبي طَالب، قَالَ سُفْيَان: لَا أحفظها مَرْفُوعَة، وَهِي مَنْسُوخَة"٢. واشتمل أَيْضا على الْمَرْفُوع وَهُوَ غَالب الْكتاب، وعَلى قَلِيل من الْمُرْسل٣، وَالْمَوْقُوف٤، والمقطوع٥. واشتمل الْمسند أَيْضا على بعض أَقْوَال الحُميدي نَفسه كبيانه لأحاديث لم يسْمعهَا من سُفْيَان بن عُيينة٦، وتسميته لرجل فِي الْإِسْنَاد٧، وَشَرحه لبَعض الْأَلْفَاظ الغريبة٨، وَبَعض اختياراته٩، وعَلى سؤالاته لشيخه سُفْيَان بن عُيينة،

стр. 20

وَذكر شَيْء من أَحْوَاله، وأقواله، وَهِي كَثِيرَة، وفيهَا مَا يتَعَلَّق بِالسَّمَاعِ والعلل، وَشرح الْغَرِيب، وَالْفِقْه، وَمن ذَلِك: حَدِيث عمر بن الْخطاب ﵁، وَفِيه: أَن رجلا أهلَّ بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة مَعًا، فَقَالَ لَهُ عمر ﵁: "هُديت لسنة نبيك … " فَقَالَ سُفْيَان - بعده -: "يَعْنِي أَنه قد جُمع بَين الْحَج وَالْعمْرَة مَعَ النَّبِي ﷺ ، وَأَجَازَهُ، وَلَيْسَ أَنه فعله هُوَ"، وَمِنْه أَيْضا: بَيَانه أَن سُفْيَان بن عُيينة يَقُول أَحْيَانًا عَن متن الحَدِيث: "لم أحفظه"، وَيُرِيد أَنه لم يحفظه مطولا، مثل مَا روى١ عَن سُفْيَان، عَن الزُّهْرِيّ بِإِسْنَادِهِ حَدِيث: التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير فِي أَفعَال يَوْم النَّحْر، ثمَّ قَالَ الحُميدي بعده: "فَقيل لِسُفْيَان: هَذَا مِمَّا حفظت من الزُّهْرِيّ؟، فَقَالَ: نعم، كَأَنَّهُ - كَذَا فِي المطبوع - يسمعهُ إِلَّا أَنه طَوِيل، فَحفِظت هَذَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ بلَيْل: فَإِن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي يحدث عَنْك أَنَّك قلت: لم أحفظه، فَقَالَ: صدق، لم أحفظ كُله، وَأما هَذَا فقد أتقنته"٢. خَامِسًا: طَريقَة ترتيبه: اقْتصر الإِمَام الحُميدي فِي غَالب مُسْنده على مروياته عَن شَيْخه سُفْيَان بن عُيينة، ورتبها على مسانيد الصَّحَابَة، ورتب مرويات المكثرين مِنْهُم على الْأَبْوَاب، أما على وَجه التَّفْصِيل، فترتيبه على النَّحْو التَّالِي: ١ - رتب المرويات بِحَسب مسانيد الصَّحَابَة، وَرُبمَا روى فِي مُسْند صَحَابِيّ حَدِيث صَحَابِيّ آخر؛ لتَعلق ذَلِك بِالْمَتْنِ، أَو بِقصَّة فِي الْإِسْنَاد، وَلم يذكر فِي مسانيد كثير من الصَّحَابَة الَّذين أخرج لَهُم، إِلَّا حَدِيثا أَو حديثين، وَكَذَا اقْتصر فِي المكثرين مِنْهُم على مَجْمُوعَة أَحَادِيث لَيست بالكثيرة بِالنِّسْبَةِ لعدد مروياتهم الْمَعْرُوفَة، وَالَّذِي يظْهر أَنه إِمَّا خص كِتَابه هَذَا بمرويات سُفْيَان بن عُيينة لَهُم، أَو أَنه انتقى مَا أوردهُ من مرويات ابْن عُيينة، بِدَلِيل مَا تقدم من أَن الإِمَام الشَّافِعِي ذكر أَن الحُميدي يحفظ لِسُفْيَان: عشرَة آلَاف حَدِيث.

стр. 21

٢ - رتب أَحَادِيث المكثرين من الصَّحَابَة على أَبْوَاب الْفِقْه فِي الْغَالِب، وَهَذَا يظْهر من سرده للأحاديث فِي مُسْند الصَّحَابِيّ، وَمن ذَلِك صَنِيعه فِي مُسْند عَائِشَة ﵂، حَيْثُ بَدَأَ بِأَحَادِيث الْوضُوء١، ثمَّ بوب بِأَحَادِيث الصَّلَاة، وَأَحَادِيث الصّيام، وَالْحج، والجنائز، والأقضية، وَكَذَا صنع فِي مُسْند عبد الله بن عَبَّاس ﵄، حَيْثُ بوب بِأَحَادِيث الْحَج، وَبَوَّبَ أَيْضا فِيهِ فَقَالَ: "أَحَادِيث ابْن عَبَّاس ﵄ الَّتِي قَالَ فِيهَا: سَمِعت رَسُول الله ﷺ ، وَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ "٢، ومسند أبي هُرَيْرَة ﵁ حَيْثُ بوب (بالجنائز، وَالْجهَاد، والأقضية، وجامع أبي هُرَيْرَة ﵁ وَغير ذَلِك. ٣ - بَدَأَ مسانيد الرِّجَال بِالْعشرَةِ المبشرين بِالْجنَّةِ، إِلَّا طَلْحَة بن عُبيد الله ﵁ فَلم يذكرهُ، وَلَعَلَّه لم يظفر بِرِوَايَة من طَرِيقه، أَو لم يظفر بذلك من مرويات شَيْخه سُفْيَان بن عُيينة لأحاديث طَلْحَة ﵁، ثمَّ سَاق بعد ذَلِك بَقِيَّة مسانيد الصَّحَابَة من غير اسْتِيعَاب، وَجمع مسانيد الصحابيات رضوَان الله عَلَيْهِنَّ فِي مَوضِع فِي أثْنَاء أَوَائِل مسانيد الرِّجَال، وابتدأها بِأَحَادِيث أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ رضوَان الله عَلَيْهِنَّ، وقدّم عَائِشَة ﵂، ثمَّ بَقِيَّة النِّسَاء من غير اسْتِيعَاب. سادساً: طَريقَة تَخْرِيجه للْحَدِيث: يروي الإِمَام الحُميدي عَن شَيْخه سُفْيَان بن عُيينة - فِي الْغَالِب - الْأَحَادِيث مرتبَة على مسانيد الصَّحَابَة، مُرَتبا أَحَادِيث المكثرين من الصَّحَابَة على الْأَبْوَاب. سابعاً: أهم مميزاته: يخْتَص مُسْند الإِمَام الحُميدي بميزات مهمة، أبرزها: أ - يعْتَبر من مصَادر السّنة المسندة الأصيلة؛ لِأَن الْحميدِي يروي فِيهِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ وَلذَلِك أَثَره فِي عُلُوم الحَدِيث إِسْنَادًا ومتناً. ب - يُعَد من مظان الْإِسْنَاد العالي، لتقدم وَفَاة الْحميدِي. ج - جمعه مرويات شَيْخه سُفْيَان بن عُيينة، مَعَ بَيَان عللها وَاخْتِلَاف الروَاة فِيهَا.

стр. 22

د - تضمنه سؤالاته لشيخه: سُفْيَان بن عُيينة، وَبَيَان أَقْوَاله وأحواله فِي الرِّوَايَة وَمَا يتَعَلَّق بهَا. هـ - تَرْتِيب أَحَادِيث المكثرين من الصَّحَابَة على الْأَبْوَاب. والْعِنَايَة الْبَالِغَة بِبَيَان زيادات الروَاة - فِي مرويات سُفْيَان ابْن عُيينة - وَفصل المدرج من الْمَرْفُوع، وَسِيَاق الْمُتُون المطولة، وقصص الْإِسْنَاد والمتن - وَهِي تَتَضَمَّن الْمَوْقُوف وَغَيره - والعناية بِسَمَاع المدلسين. ز - ترتيبه الْأَحَادِيث بعدة اعتبارات مجتمعة، فَهُوَ: مُفْرد بمرويات سُفْيَان بن عُيَيْنَة شيخ الحمُيدي، فَيدْخل ضمن المؤلفات المختصة بالترتيب على الرَّاوِي الْأَدْنَى، كَمَا أَنه رتب هَذِه المرويات على الصَّحَابَة، فَيلْحق بالمؤلفات الْمرتبَة على الرَّاوِي الْأَعْلَى، ورتب مرويات مكثري الصَّحَابَة، على الْأَبْوَاب، فيشار إِلَيْهِ فِيمَا رُتِّب على الْأَبْوَاب. ثامناً: رِوَايَة الْمسند: الْكتاب المطبوع من رِوَايَة أبي مَنْصُور بن أَحْمد الْخياط، عَن أبي طَاهِر: عبد الْغفار بن مُحَمَّد الْمُؤَدب، عَن أبي عَليّ بن الصَّواف، عَن بشر بن مُوسَى الْأَسدي، عَن الْحميدِي. تاسعاً: جهود الْمُحَقِّقين فِي الْعِنَايَة بِهِ: لقد طبع الْكتاب ونشره الْمجْلس العلمي بالباكستان عَام ١٣٨٢هـ، بتحقيق الْعَلامَة حبيب الرَّحْمَن الأعظمي، وَهُوَ فِي مجلدين، ورقّم أَحَادِيثه وَوضع لَهُ ثَلَاثَة فهارس: فهرس الموضوعات، وفهرس الْأَحَادِيث على الْأَبْوَاب، وفهرس أَعْلَام الْمُتُون، وَقد سبق بَيَان جهود أُخْرَى لأهل الْعلم فِي تقريبه١.

стр. 23

الْمطلب الثَّانِي: مُسْند الإِمَام أبي عبد الله: أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل الشَّيْبَانِيّ: التَّعْرِيف بِالْإِمَامِ أَحْمد: هُوَ: أَبُو عبد الله: أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل بن هِلَال الذُّهْلِي الشَّيْبَانِيّ الْمروزِي ثمَّ الْبَغْدَادِيّ، واشتهر بنسبته إِلَى جده: أَحْمد ابْن حَنْبَل، ولد سنة: ١٦٤هـ.

стр. 24

وَكَانَ الإِمَام أَحْمد لَا يروي إِلَّا عَن ثِقَة١، وَهَذَا فِي الْغَالِب، وَلَا سِيمَا: من حَدَّث عَنهُ الإِمَام أَحْمد وَهُوَ حَيّ، قَالَ ابْنه عبد الله: "كَانَ أبي إِذا رَضِي عَن إِنْسَان وَكَانَ عِنْده ثِقَة حَدَّث عَنهُ وَهُوَ حَيّ"٢، وَقد أَكثر الإِمَام أَحْمد من الرِّوَايَة عَن شُيُوخ فِي الْمسند وَغَيره، وَهُوَ دَلِيل على ثقتهم عِنْده، حَيْثُ إِن الْمَعْرُوف عَن الْمُحدثين أَن الْأَئِمَّة الْحفاظ إِذا أَكْثرُوا من الرِّوَايَة عَن راو، فَهُوَ دَلِيل على إتقانه عِنْدهم، وَمن هَؤُلَاءِ الَّذين أَكثر عَنْهُم الإِمَام أَحْمد: عَفَّان بن مُسلم - ت٢١٩هـ وَقد روى عَنهُ (١٩٨٢) حَدِيثا، ووكيع بن الْجراح - ت ١٩٧هـ - وروى عَنهُ (١٨٩٥) حَدِيثا، وغُنْدَر، وَهُوَ لقب: مُحَمَّد بن جَعْفَر - ١٩٢هـ - وروى عَنهُ (١٧٦٤) حَدِيثا، وَعبد الرَّزَّاق بن همام - الصَّنْعَانِيّ - ت ٢١١هـ - وروى عَنهُ (١٥٦١) حَدِيثا، وَيحيى بن سعيد القطّان - ت ١٩٨هـ - وروى عَنهُ (١٣٣١) حَدِيثا، وَيزِيد ابْن هَارُون - ت٢٠٦هـ - وروى عَنهُ (١٢٨٠) حَدِيثا، وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي - ت ١٩٨هـ - وروى عَنهُ (١٠٣٨) حَدِيثا، وسُفْيَان بن عُيينة - ت١٩٨هـ - وروى عَنهُ (٧٥٩) حَدِيثا، وَغَيرهم كثير من أجِلِّة الشُّيُوخ٣، وَقد بلغ عدد شُيُوخ الإِمَام أَحْمد الَّذين روى عَنْهُم فِي الْمسند: (٢٩٢) ١. وروى عَنهُ: ابْنه عبد الله - ت٢٩٠هـ - وَابْنه صَالح - ت ٢٦٦هـ - وَابْن عَمه حَنْبَل بن إِسْحَاق بن حَنْبَل - ٢٧٣هـ -، وَالْإِمَام مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ، - ت ٢٥٦هـ، وَالْإِمَام مُسلم بن الْحجَّاج القُشَيري، - ت ٢٦١ هـ -، وَالْإِمَام أَبُو دَاوُد: سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث السجسْتانِي (صَاحب السّنَن) ، - ت ٢٧٥هـ -، وَأَبُو الْقَاسِم: عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الْبَغَوِيّ - ت ٣١٧هـ -، وَهُوَ آخر من حدث عَنهُ، قَالَه المِزي٤. وَكَانَ: شيخ الْإِسْلَام وَإِمَام الْأمة فِي وقته وعالمها وفقيهها وحافظها وعابدها وزاهدها، نَاصِر السّنة وقامع الْبِدْعَة، قَالَ أبوحاتم: مُحَمَّد بن حبَان البُستي - ت ٣٥٤هـ، صَاحب الصَّحِيح -: "كَانَ أَحْمد بن حَنْبَل حَافِظًا متقناً، ورعاً، فَقِيها، لَازِما للورع الْخَفي، مواظباً على الْعِبَادَة الدائمة، بِهِ أغاث الله جلّ وَعلا

стр. 25

أمة مُحَمَّد ﷺ وَذَلِكَ أَنه ثَبت فِي المحنة، وبذل نَفسه لله … وَجعله علما يقْتَدى بِهِ"١، وَقَالَ أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ: "كَانَ أَحْمد بن حَنْبَل يحفظ ألف ألف - صَحَّ - حَدِيث فَقيل مَا يدْريك؟ قَالَ: ذاكرته فَأخذت عَلَيْهِ الْأَبْوَاب"٢، وعقب على ذَلِك الذَّهَبِيّ فَقَالَ: "هَذِه حِكَايَة صَحِيحَة فِي سَعَة علم أبي عبد الله، وَكَانُوا يَعُدُّون فِي ذَلِك المكرر، والأثر، وفتوى التَّابِعِيّ، وَمَا فُسِّرَ، وَنَحْو ذَلِك، وَإِلَّا فالمتون المرفوعة القوية لَا تبلغ عشر معشار ذَلِك"٣، وَقَالَ أَبُو زرْعَة أَيْضا: "كَانَ أَحْمد صَاحب حفظ، وَصَاحب فقه، وَصَاحب معرفَة، مَا رَأَتْ عَيْنَايَ مثل أَحْمد فِي الْعلم والزهد وَالْفِقْه والمعرفة وكل خير"٤، وَقَالَ الشَّافِعِي: "خرجت من بَغْدَاد، فَمَا خَلَّفْتُ بهَا رجلا أفضل وَلَا أعلم وَلَا أفقه وَلَا أتقى من أَحْمد بن حَنْبَل"٥، وَتُوفِّي سنة: ٢٤١هـ. التَّعْرِيف بِمُسْنَدِهِ: أَولا: اسْم الْكتاب: الْمسند. ثَانِيًا: مَوْضُوعه: مرويات الإِمَام أَحْمد مرتبَة على مسانيد الصَّحَابَة. ثَالِثا: مرتبته بَين المسانيد: يعد مُسْند الإِمَام أَحْمد من أَعلَى المسانيد المنتقاة، قَالَ الذَّهَبِيّ: "إِنَّه محتوٍ على أَكثر الحَدِيث النَّبَوِيّ، وقّلَّ أَن يثبت حَدِيث إِلَّا وَهُوَ فِيهِ … وقَلَّ أَن تَجِد فِيهِ خَبرا سَاقِطا"٦، وَلَا يلْزم من انتقائه صِحَة جَمِيع مروياته، بل فِيهِ الضَّعِيف وَقَلِيل من الْمَوْضُوع، يَقُول الْحَافِظ إِسْمَاعِيل بن عمر بن كثير الدِّمَشْقِي - ت

стр. 26

٧٧٤ - هـ - عَنهُ: "فِيهِ أَحَادِيث ضَعِيفَة بل مَوْضُوعَة"١، وَيَقُول شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن عبد الْحَلِيم بن تَيْمِية - ت ٧٢٨هـ -: "لَيْسَ كل حَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي الْفَضَائِل وَنَحْوه يَقُول: إِنَّه صَحِيح، بل وَلَا كل حَدِيث رَوَاهُ فِي مُسْنده، يَقُول: إِنَّه صَحِيح، بل أَحَادِيث مُسْنده … قد يكون فِي بَعْضهَا عِلة تدل على أَنه ضَعِيف - بل بَاطِل لَكِن غالبها وجمهورها أَحَادِيث جَيِّدَة يُحتج بهَا، وَهِي أَجود من أَحَادِيث سنَن أبي دَاوُد"٢، وَالْأَصْل فِي هَذِه المسانيد جمع مرويات كل صَحَابِيّ على حِدة بغض النّظر عَن الثُّبُوت وَعَدَمه. وَقد أفرد الْحَافِظ ابْن حجر جُزْءا سَمَّاهُ: "القَوْل المُسَدَّد فِي الذب عَن مُسْند الإِمَام أَحْمد"٣، وَذكر فِيهِ الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة والواهية الَّتِي اُنتقدت فِي مُسْند الإِمَام أَحْمد، وَأجَاب عَنْهَا، وَلَكِن لَا تَخْلُو إجَابَته فِي بعض الْمَوَاضِع من تَأمل، إِذْ حَسَّن أَحَادِيث كَانَ قد حكم عَلَيْهَا بِالْوَضْعِ فريق من الْأَئِمَّة كشيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية٤. رَابِعا: مشتملاته: ذكر الْعَلامَة مُحَمَّد بن جَابر الْوَادي آشي - ت٧٤٩هـ - أَن عدد مسانيد الإِمَام أَحْمد سِتَّة عشر مُسْندًا٥، وَيَقُول الْحَافِظ ابْن حجر: "مُسْند أَحْمد يشْتَمل على ثَمَانِيَة عشر مُسْندًا، وَرُبمَا أضيف بَعْضهَا إِلَى بعض"٦، وَفِي مَوضِع آخر ذكر أَنَّهَا: سَبْعَة عشر مُسْندًا٧، وبتوجيه ابْن حجر يجمع بَين هَذِه الْأَقْوَال. وَتلك الأرقام هِيَ لأعداد المسانيد الرئيسة الَّتِي جعلهَا الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده كالكتب وَترْجم بهَا كَقَوْلِه - مثلا -: "مُسْند بني هَاشم" والحقيقة أَنه يُدخل تحتهَا عدَّة مسانيد للصحابة، وَلكنه رُبمَا اقْتصر على مرويات صَحَابِيّ وَاحِد فِيهَا

стр. 27

إِذا كَانَ من المكثرين، ويترجم لَهُ بقوله: "حَدِيث ابْن عَبَّاس" - مثلا -، وَأما عدد مسانيده من حَيْثُ التَّفْصِيل، على حسب مَا أوردهُ الْحَافِظ عَليّ بن الْحُسَيْن ابْن عَسَاكِر، - ت٥٧١هـ - فَهِيَ: ١٠٥٦ مُسْندًا١. وَقد ذكر أهل الْعلم أَن الْمسند يشْتَمل على ثَلَاثِينَ ألف حَدِيث غير المكرر، وَأَرْبَعين ألفا مَعَ المكرر، وَمَا يزِيد على ثَلَاث مئة حَدِيث ثلاثية الْإِسْنَاد، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف عِنْدهم فِي وصف الْمسند٢، وَلَكِن عدد أَحَادِيث الْمسند المطبوع أقل من ذَلِك، وَيحْتَمل ذَلِك عدَّة أُمُور مِنْهَا: أ - كَون النُّسْخَة المخطوطة الْمُعْتَمد عَلَيْهَا فِي الطباعة نَاقِصَة. ب - رُبمَا تمّ اعْتِبَار مَجْمُوعَة من الْأَحَادِيث حَدِيثا وَاحِدًا، بَيْنَمَا هِيَ أَكثر من ذَلِك كمرويات النّسخ. ج - رُبمَا لم يتم اعْتِبَار المرويات الَّتِي يَسُوقهَا الإِمَام أَحْمد من أَقْوَال التَّابِعين وَنَحْوهم فِي شرح الْغَرِيب، وَنَحْو ذَلِك. وَقد اشْتَمَل الْمسند كَذَلِك على مرويات للْإِمَام أَحْمد من غير الْمسند، وَهِي الْأَحَادِيث الَّتِي قَامَ ابْنه عبد الله بنقلها إِلَى مرويات الْمسند، وَهَذَا النَّوْع من المرويات قَلِيل، وَمن أمثلته قَول عبد الله: "حَدثنِي أبي حَدثنَا عَليّ بن ثَابت الْجَزرِي، عَن نَاصح أبي عبد الله، عَن سماك بن حَرْب، عَن جَابر بن سَمُرَة أَن النبيصلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لِأَن يُؤَدب الرجل وَلَده … الحَدِيث، ثمَّ قَالَ عبد الله: وَهَذَا الحَدِيث لم يُخرجهُ أبي فِي مُسْنده من أجل نَاصح؛ لِأَنَّهُ ضَعِيف فِي الحَدِيث، وأملاه عليَّ فِي النَّوَادِر"٣، وَمِنْه أَيْضا قَول عبد الله: "حَدثنِي أبي أملاه علينا من النَّوَادِر، قَالَ: كتب إليَّ أَبُو تَوْبَة"٤.

стр. 28

كَمَا تضمن مُسْند الإِمَام أَحْمد زيادات لِابْنِهِ عبد الله - رَاوِي الْمسند عَن أَبِيه - لم يروها وَالِده قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ: "لَهُ زيادات كَثِيرَة فِي مُسْند وَالِده"١، هَذَا بِالنّظرِ إِلَى عَددهَا ذَاتهَا، وَلكنهَا قَليلَة بِالنِّسْبَةِ لعدد مرويات الْمسند. وزيادات عبد الله على أَنْوَاع مِنْهَا: أَحَادِيث تَامَّة إِسْنَادًا ومتناً، وَأَحَادِيث شَارك وَالِده فِيهَا، وَزَاد عَلَيْهِ بعض الْأَلْفَاظ، والصحابي فِيهَا وَاحِد، وَأَحَادِيث أُخْرَى من رِوَايَة غير الصَّحَابِيّ الَّذِي روى حَدِيثه وَالِده، والمتن وَاحِد٢، وطرق أُخْرَى لأحاديث رَوَاهَا وَالِده، مثل قَول الإِمَام أَحْمد: "حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب وَعَفَّان، قَالَا: حَدثنَا حَمَّاد بن زيد … "٣ ثمَّ قَالَ عبد الله بعده: "حَدثنَا عبيد الله بن عمر القواريري حَدثنَا حَمَّاد بن زيد" وسَاق بَاقِي الْإِسْنَاد بِمثل رِوَايَة وَالِده٤، وَهَذَا أشبه بالمستخرج على مُسْند وَالِده. وَفِي الْمسند كَذَلِك زيادات قَليلَة لأبي بكر: أَحْمد بن جَعْفَر بن حمدَان بن مَالك القَطِيعي - ت ٣٦٨هـ - رَاوِي الْمسند عَن عبد الله بن أَحْمد عَن أَبِيه، يَقُول الْحَافِظ ابْن حجر: "فِيهِ من زيادات وَلَده عبد الله، وَشَيْء يسير من زيادات أبي بكر القَطِيعي الرَّازِيّ، عَن عبد الله"٥، وَقد توهم قوم كثرتها فأغربوا، وعدَّها آخَرُونَ فألحقوا بهَا زيادات لعبد الله بن أَحْمد٦، وَكَانَ للسقط دوره فِي ذَلِك، وَفِي المطبوع من الْمسند مَوضِع وَاحِد على الصَّوَاب وَهُوَ قَول أبي بكر القَطِيعي: "حَدثنَا الْفضل بن الْحباب، حَدثنَا القعْنبِي، حَدثنَا شُعْبَة، حَدثنَا مَنْصُور، عَن ربعي، عَن أبي مَسْعُود، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: مِمَّا أدْرك النَّاس من كَلَام النُّبُوَّة"٧، ويتنبه إِلَى أَن رَاوِي الْمسند

стр. 29

عَنهُ ينْسبهُ بقوله: "قَالَ: ابْن مَالك"، وَابْن مَالك هُوَ القَطِيعي، ويضاف إِلَى مَا سبق أَرْبَعَة أَحَادِيث من زيادات أبي بكر بن مَالك القَطِيعي أَيْضا، أوردهَا الْحَافِظ ابْن حجر فِي كِتَابه: إِطْراف المُسْنِد المُعْتَلِي بأطراف المُسْنَد الْحَنْبَلِيّ١، وَنبهَ الْمُحَقق إِلَى أَنه لم يجدهَا فِي الْمسند المطبوع. وَمِمَّا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْمسند الْمَرْفُوع، وَهُوَ الْغَالِب، وعَلى قَلِيل من الْمُرْسل مثل: مُرْسل إِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ أَن النَّبِي ﷺ : "كَانَ إِذا سجد رُؤي بَيَاض إبطَيْهِ٢"٣، وَقَلِيل من الْمَوْقُوف، مثل: فعل أنس بن مَالك ﵁ فِي الاستشراف فِي الصَّلَاة٤، وعَلى الْمَقْطُوع، مثل: أَقْوَال عَطاء٥، وَعِكْرِمَة٦، وَالقَاسِم بن أبي بَزَّة٧ وَغَيرهم، وَقد بوب الْحَافِظ ابْن حجر فِي كِتَابه: إِطْراف المُسْنِد المُعْتَلِي بأَطراف المُسْنَد الْحَنْبَلِيّ فَقَالَ: "فصل فِي الْمَوْقُوفَات غير مَا تقدم"٨ يَعْنِي غير مَا تقدم من المرويات الْمَوْقُوفَة الَّتِي ذكرهَا فِي كِتَابه هَذَا، وَبَوَّبَ أَيْضا فِي مَوضِع آخر فَقَالَ: "ذكر مَا وَقع فِيهِ من الْمَرَاسِيل والموقوفات بِغَيْر اسْتِيعَاب"٩، وَأَرَادَ الْحَافِظ ابْن حجر بالموقوف عُمُوم الْأَقْوَال الَّتِي رَوَاهَا الإِمَام أَحْمد مَا عدا الْمَرْفُوع والمرسل. وَمِمَّا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْمسند: أَقْوَال لبَعض الْأَئِمَّة، مثل قَول للْإِمَام مَالك فِي

стр. 30

تَفْسِير آيَة١ وأقوال للْإِمَام أَحْمد نَفسه، مثل: بَيَانه مَا يعجب عبد الرَّزَّاق من الحَدِيث٢، وتواريخ موت بعض الْحفاظ٣، وَذكر هُنَا بداية طلبه للْحَدِيث، وَبَيَانه لما كَانَ يلقى من الْمَشَقَّة فِي بعض رحلاته العلمية٤، وَكَلَامه عَن بعض الروَاة٥، واستحسانه فعل مَن جعل سنة الْمغرب من صلوَات الْبيُوت٦، وقصة لبَعض أَصْحَاب الحَدِيث مَعَ أبي الْأَشْهب٧، وَبَيَان لصدق مُحَمَّد بن إِسْحَاق٨. خَامِسًا: طَريقَة ترتيبه: رتب الإِمَام أَحْمد أَحَادِيث كِتَابه على مسانيد الصَّحَابَة، وَقسمهَا بضع عشرَة مُسْندًا، من المسانيد أَو مجاميع المسانيد الرئيسة، وَقد عدّها الْعَلامَة مُحَمَّد ابْن جَابر الْوَادي آشي فَقَالَ: "مُسْند الإِمَام أبي عبد الله: أَحْمد بن حَنْبَل الْمُشْتَمل على سِتَّة عشر مُسْندًا: الأول: مُسْند الْعَبَّاس وبنيه، الثَّانِي: مُسْند أهل الْبَيْت، وهم الْعشْرَة، الثَّالِث: مُسْند ابْن عَبَّاس وَحده، الرَّابِع: مُسْند أبي هُرَيْرَة، الْخَامِس: مُسْند ابْن مَسْعُود، السَّادِس: مُسْند ابْن عمر، السَّابِع: لجَابِر بن عبد الله، الثَّامِن: لأنس بن مَالك، التَّاسِع: لعَمْرو بن الْعَاصِ وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ مَعًا، الْعَاشِر: لعَائِشَة، الْحَادِي عشر: للمدنيين والمكيين، الثَّانِي عشر: للشاميين، الثَّالِث عشر: للبصريين، الرَّابِع عشر: للكوفيين، الْخَامِس عشر: للْأَنْصَار، السَّادِس عشر: مُسْند النِّسَاء"٩ اهـ.

стр. 31

وعَدَّها الْحَافِظ ابْن حجر، فَقَالَ: "هَذِه أَسمَاء المسانيد الَّتِي اشْتَمَل عَلَيْهَا أصل الْمسند: مُسْند: الْعشْرَة وَمَا مَعَه، ومسند: أهل الْبَيْت، وَفِيه: الْعَبَّاس وبنيه، ومسند: عبد الله ابْن عَبَّاس، ومسند: ابْن مَسْعُود، ومسند: أبي هُرَيْرَة، ومسند: عبد الله بن عمر، ومسند: جَابر، ومسند: الْأَنْصَار، ومسند: المكيين والمدنيين، ومسند: الْكُوفِيّين ومسند: الْبَصرِيين، ومسند: الشاميين، ومسند: عَائِشَة، ومسند: النِّسَاء"١، وَعدد مَا ذكر ابْن حجر هُنَا (١٧) مُسْندًا، وَذكر الْحَافِظ فِي مَوضِع آخرأنه اشْتَمَل على ثَمَانِيَة عشر مُسْندًا، وَقَالَ "رُبمَا أُضيف بَعْضهَا إِلَى بعض"٢، وَبِهَذَا يُوَجه الِاخْتِلَاف فِي عدد المسانيد الرئيسة فِي الْكتاب، لَكِن يظْهر فِيهِ الِاخْتِلَاف فِي تَرْتِيب هَذِه المسانيد، فالوادي آشي بَدَأَ بِمُسْنَد الْعَبَّاس وبنيه، وَابْن حجر بَدَأَ بِالْعشرَةِ وَهُوَ يُوَافق المطبوع، بَيْنَمَا لم يرد ذكر الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ فِي وصف الْوَادي آشي إِلَّا قَوْله فِي الثَّانِي: "مُسْند أهل الْبَيْت، وهم الْعشْرَة"، وَالْعشرَة غير أهل الْبَيْت، فَلَعَلَّهُ أضافهم هُنَا كَمَا أَشَارَ ابْن حجر، وَمن الْمَعْلُوم أَن الإِمَام أَحْمد توفّي قبل تهذيبه وترتيبه، وَإِنَّمَا قَرَأَهُ لأهل بَيته قبل ذَلِك خوفًا من الْعَوَائِق الْعَارِضَة، وَقد أجَاب الإِمَام ابْن عَسَاكِر بِهَذَا٣ وَمن خلال مَا سبق يتَبَيَّن: ١ - أَن الْمسند مقسم إِلَى عدَّة مساند رئيسة، وَهِي الَّتِي ترْجم لَهَا غَالِبا بقوله مثلا: "مُسْند الْعشْرَة وَمَا مَعَه، ومسند أهل الْبَيْت" وَهِي تشْتَمل على مَجْمُوعَة من مرويات عدد من الصَّحَابَة، وَقد بوب أَيْضا على مرويات صَحَابِيّ وَاحِد بقوله: "مُسْند"، مثل: "مُسْند عبد الله بن عَبَّاس، ومسند ابْن مَسْعُود، ومسند أبي هُرَيْرَة"، ويلحظ أَن هَؤُلَاءِ الَّذين أفردهم بِهَذَا التَّبْوِيب من المكثرين فِي الْغَالِب، وَفِي المسانيد الَّتِي يترجم بهَا ويبوب وَهِي جَامِعَة كَقَوْلِه: "مُسْند الْعشْرَة"، يفصل مرويات كل صَحَابِيّ على حِدة، ويبوب عَلَيْهَا بقوله: "حَدِيث أبي بكر، وَحَدِيث عمر بن الْخطاب". ٢ - بُدء الرِّجَال بِالْعشرَةِ المبشرين بِالْجنَّةِ، وَقدم حَدِيث الْأَرْبَعَة الْخُلَفَاء، ثمَّ رُتبت

стр. 32

الْبَقِيَّة بعد ذَلِك بِحَسب الْبلدَانِ، مثل قَوْله: مُسْند الْبَصرِيين١، ومسند المكيين٢، ومسند الْمَدَنِيين٣، ومسند الْكُوفِيّين٤، أَو بِحَسب الْقَبَائِل، وَأهل بَيت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم٥، وَالْأَنْصَار٦ وَغير ذَلِك، وَرُبمَا كُررت مرويات الصَّحَابِيّ فِي أَكثر من مَوضِع تَارَة بِاعْتِبَار بَلَده، وَتارَة بِاعْتِبَار قبيلته، أَو أسبقيته فِي الْإِسْلَام، وَمن ذَلِك أَنه أخرج مرويات حَارِث بن أُقَيْش فِي مُسْند الْأَنْصَار٧، ثمَّ أخرجهَا فِي مُسْند الشاميين٨، وَكَذَا حَارِث بن زِيَاد الْأنْصَارِيّ، أخرج لَهُ فِي موضِعين: مُسْند المكيين٩، ومسند الشاميين١٠، وَقد رتب ابْنه عبد الله مسانيد المقلين، قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر: "لم يرتب - يَعْنِي الإِمَام أَحْمد - مسانيد المقلين، فرتبها وَلَده عبد الله، فَوَقع مِنْهُ إغفال كَبِير من جعل الْمدنِي فِي الشَّامي، وَنَحْو ذَلِك"١١. وَأما مرويات النِّسَاء فقد فُرقت فِي المطبوع من الْمسند فِي عدَّة مَوَاضِع١٢، وجُمعت مرويات أكثرهن فِي أَوَاخِر الْمسند١٣ متتابعة، وقُدِّم: حَدِيث عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله عَنْهَا١٤، ثمَّ: حَدِيث فَاطِمَة ﵂ بنت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم١٥، إِلَى بَقِيَّة أَحَادِيث أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ، وَبَقِيَّة النِّسَاء رضوَان الله عَلَيْهِنَّ، وتُرجم

стр. 33

لأحاديث المبهمات من أَزوَاج النَّبِي ﷺ فِي مَوَاضِع أُخْرَى، مثل قَوْله١: "حَدِيث بعض أَزوَاج النَّبِي ﷺ ". ٣ - ترْجم أَيْضا لمسانيد المبهمين والمبهمات من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم، بِحَسب مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة، كَقَوْلِه: "حَدِيث رجل من أَصْحَاب النَّبِي"٢. ٤ - فِي آخر الْمسند٣ بعد مرويات النِّسَاء، أخرج مرويات أَرْبَعَة من الصَّحَابَة، حَيْثُ ترْجم لأولهم فَقَالَ: "حَدِيث صَفْوَان بن أُميَّة ﵁"٤، ثمَّ: "حَدِيث أبي بكر بن أبي زُهير الثَّقَفِيّ ﵁"٥، ثمَّ: "حَدِيث وَالِد: بعجة بن عبد الله ﵁"٦، ثمَّ: "حَدِيث شَدَّاد ابْن الْهَاد ﵁"٧، وَبِه ختم الْمسند المطبوع، وَأَحَادِيث صَفْوَان جَاءَت فِي مَوضِع آخر٨، وَكَذَا أَبُو بكر بن أبي زُهير٩، وَشَدَّاد بن الْهَاد١٠. سادساً: طَريقَة تَخْرِيجه للْحَدِيث: يروي بِإِسْنَادِهِ الْأَحَادِيث مرتبَة على مسانيد الصَّحَابَة - كَمَا تقدم -. سابعاً: أهم مميزاته: ١ - يعْتَبر مُسْند الإِمَام أَحْمد من المصادر الحديثية المسندة، وَلذَلِك أَثَره فِي عُلُوم الحَدِيث إِسْنَادًا ومتناً. ٢ - يُعَدُّ من أنقى المسانيد، حَيْثُ إِن الإِمَام أَحْمد انتخبه من أَكثر من سَبْعمِائة وَخمسين ألف حَدِيث، كَمَا ذكر الإِمَام أَحْمد نَفسه١١، وَيَقُول الْحَافِظ ابْن حجر: "لَا يشك منصف أَن مُسْنده أنقى أَحَادِيث وأتقن رجَالًا من غَيره وَهَذَا يدل

стр. 34

على أَنه انتخبه"١. ٣ - يعْتَبر من الموسوعات الحديثية الجامعة المسندة؛ لِأَنَّهُ احتوى غَالب المرويات وأصولها الثَّابِتَة، فَلَا يكَاد يُوجد حَدِيث صَحِيح إِلَّا وَهُوَ فِيهِ بنصه، أَو أَصله، أَو نَظِيره، أَو شَاهده٢، وَيَقُول ابْن الْجَزرِي: "مَا من حَدِيث غَالِبا إِلَّا وَله أصل فِي هَذَا الْمسند"٣، وَيَقُول الْحَافِظ ابْن كثير: "يُوجد فِي مُسْند الإِمَام أَحْمد من الْأَسَانِيد والمتون شَيْء كثير مِمَّا يوازي كثيرا من أَحَادِيث مُسلم بل وَالْبُخَارِيّ أَيْضا، وَلَيْسَت عِنْدهمَا، وَلَا عِنْد أَحدهمَا، بل لم يُخرجهُ أحد من أَصْحَاب الْكتب الْأَرْبَعَة"٤. ثامناً: رِوَايَة الْمسند: الْمسند من رِوَايَة أبي بكر: أَحْمد بن جَعْفَر بن حمدَان بن مَالك بن شبيب الْبَغْدَادِيّ القَطِيعي - ت ٣٦٨هـ -، عَن عبد الله بن الإِمَام أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل الشَّيْبَانِيّ - ت٢٩٠هـ - عَن أَبِيه. تاسعاً: جهود الْمُحَقِّقين فِي الْعِنَايَة بِهِ: تمّ نشر الْكتاب فِي عدَّة طبعات سَابِقَة مِنْهَا: أ - الطبعة الأولى بِمصْر فِي المطبعة الميمنية سنة ١٣١٣هـ، وَهِي الَّتِي صورتهَا بعد ذَلِك دَار الْفِكر والمكتب الإسلامي وَكِلَاهُمَا فِي بيروت، وَهِي فِي سِتَّة مجلدات، وطبع مَعَه فِي حَاشِيَته كتاب "كنز الْعمَّال" لعَلي بن حسام الدّين الْهِنْدِيّ - ت ٩٧٥هـ -، وَهِي أشهر طبعاته الَّتِي عَلَيْهَا الْمعول وَالَّتِي يُعزى إِلَيْهَا فِي أَكثر كتب المعاجم والفهارس وَنَحْوهَا، وفيهَا سقط يظْهر فِي عدَّة مَوَاضِع بمقارنتها بِمَا فِي المصادر الفرعية، وَيبين ذَلِك بوضوح كتاب: (إِطْراف المُسْنِد المُعْتَلِي بأطراف المُسْنَد الْحَنْبَلِيّ) لِلْحَافِظِ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي بتحقيق الدكتور زُهير بن نَاصِر النَّاصِر، حَيْثُ يُوجد فِيهِ مَجْمُوعَة من الْأَحَادِيث الَّتِي سَقَطت من الْمسند المطبوع، كَمَا نبه إِلَى ذَلِك الْمُحَقق، وَلأبي عبد الله: مَحْمُود بن مُحَمَّد الْحداد سلسلة من الاستدراكات على الطبعة السَّابِقَة، مِنْهَا كِتَابه: "صلَة الْمسند

стр. 35

السَّاقِط من نشرة مُسْند الإِمَام أَحْمد" واستدرك فِيهِ الْجُزْء الْخَامِس عشر من مُسْند الْأَنْصَار وَغَيره، حَيْثُ سقط من المطبوع، كَمَا استدرك أَيْضا قِطْعَة من مُسْند أبي سعيد الْخُدْرِيّ، سَقَطت من مُسْند الإِمَام أَحْمد المطبوع. كَمَا لَا تسلم هَذِه الطبعة من التَّصْحِيف والتداخل، فَرُبمَا تصحفت لَفْظَة: "ابْن" إِلَى "عَن" وَالْعَكْس، وتداخلت الصفحات فِي مَوَاضِع، مِمَّا يرهق الباحث ويوقعه فِي الْإِشْكَال عِنْد دراسة الْإِسْنَاد والتخريج. ب - الطبعة المحققة لأبي الأشبال: أَحْمد مُحَمَّد شَاكر - ت ١٣٧٧هـ - فحقق النَّص، وقابله على نسخ خطية، ورقم الْأَحَادِيث، وخَرَّج بَعْضهَا، وَتكلم على أَحْوَال رواتها، وَوضع فهارس علمية دقيقة فِي آخر كل مُجَلد، وَمَات - يرحمه الله - قبل أَن يتمه، والمطبوع مِنْهُ إِلَى مُسْند أبي هُرَيْرَة ﵁ فِي سَبْعَة عشر مجلداً وَهُوَ يوازي من الطبعة السَّابِقَة (٢/٣٩٧) . ج - طبعة بعناية مُحَمَّد سليم إِبْرَاهِيم سمارة، وَآخَرين، بإشراف الدكتور سمير طه المجذوب، وَهِي الطبعة الأولى - لَهُم - فِي عَام ١٤١٣هـ، بالمكتب الإسلامي فِي بيروت، وَالَّذِي يظْهر أَنهم اعتمدوا الطبعة الميمنية الْقَدِيمَة، وَزَادُوا فِيهَا ترقيم الْأَحَادِيث، وَوضع فهارس للمتون على حسب أوائلها. د - طبعة مؤسسة الرسَالَة فِي بيروت وَهِي أفضل الطبعات إِلَى الْآن، وَقد أشرف على إصدارها معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، وأشرف على تحقيقها وَتَخْرِيج نصوصها وَالتَّعْلِيق عَلَيْهَا الْعَلامَة شُعَيْب الأرنؤوط، مَعَ مَجْمُوعَة من الْعلمَاء. وتميزت هَذِه الطبعة بالعناية الفائقة فِي تَحْقِيق النَّص على عدَّة نسخ خطية، وتجنبت كثيرا من التصحيفات الَّتِي وَقعت فِي الطبعات السَّابِقَة، كَمَا تُمم كثير من الْمَوَاضِع الساقطة من المسانيد فِي الْكتاب، مَعَ تَخْرِيج الْأَحَادِيث تخريجاً شَامِلًا، وإعداد فهارس متنوعة، وَقد ظَهرت فِي المكتبات غَالب أَجزَاء هَذِه الطبعة١.

стр. 36

الْمطلب الثَّالِث: مُسْند الإِمَام أبي يعلى الْموصِلِي: التَّعْرِيف بِالْإِمَامِ أبي يعلى: هُوَ: أَحْمد بن عَليّ بن الْمثنى بن يحيى التَّمِيمِي الْموصِلِي، واشتهر بِأبي يعلى الْموصِلِي، ولد سنة ٢١٠هـ. روى عَن الإِمَام أبي بكر: أَحْمد بن عَمْرو بن أبي عَاصِم النَّبِيل - ت ٢٨٧هـ -، وَالْإِمَام يحيى بن معِين - ت ٢٣٣هـ -، وَالْإِمَام: عَليّ بن عبد الله بن جَعْفَر بن الْمَدِينِيّ - ت ٢٣٤هـ -، وَالْإِمَام أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل الشَّيْبَانِيّ - ت ٢٤١هـ -، وَالْإِمَام أَحْمد بن منيع الْبَغَوِيّ الْأَصَم، صَاحب الْمسند - ت ٢٤٤هـ -، وَغَيرهم. وروى عَنهُ الإِمَام أَبُو حَاتِم: مُحَمَّد بن حبَان بن أَحْمد التَّمِيمِي البُستي - ت ٣٥٤هـ -، وَالْإِمَام أَبُو الْقَاسِم: سُلَيْمَان بن أَحْمد الطَّبَرَانِيّ - ت٣٦٠هـ -، وَالْإِمَام أَبُو أَحْمد: عبد الله بن عدي الْجِرْجَانِيّ - ت٣٦٥هـ -، وَالْإِمَام أَبُو بكر: أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْإِسْمَاعِيلِيّ - ت٣٧١هـ، وَالْإِمَام أَبُو عَمْرو: مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَمْدان الحِيْري - ت ٣٧٦هـ، وَالْإِمَام أَبُو بكر: مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن عَاصِم الْأَصْبَهَانِيّ ابْن الْمُقْرِئ - ت ٣٨١هـ، وَغَيرهم. وَهُوَ: الإِمَام الْحَافِظ الثِّقَة الْمَأْمُون، قَالَ: عَليّ بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ - ت ٣٨٥هـ -: "ثِقَة مَأْمُون موثوق بِهِ"١، وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات وَقَالَ: "من المتقنين فِي الرِّوَايَات المواظبين على رِعَايَة الدّين، وَأَسْبَاب الطَّاعَات"٢، وَقَالَ أَبُو عبد الله: مُحَمَّد بن عبد الله الْحَاكِم - ت٤٠٥ هـ -: "ثِقَة مَأْمُون"٣، وَتُوفِّي فِي سنة: ٣٠٧هـ. التَّعْرِيف بِمُسْنَدِهِ٤:

стр. 37

أَولا: اسْم الْكتاب: الْمسند، وَله رِوَايَتَانِ: مختصرة ومطولة١. ثَانِيًا: مَوْضُوعه: مرويات الإِمَام أبي يعلى مرتبَة على مسانيد الصَّحَابَة. ثَالِثا: مرتبته بَين المسانيد: يعْتَبر مُسْند أبي يعلى من المسانيد الجامعة، وَقد نبه الْعَلامَة حُسَيْن سليم أَسد - مُحَقّق الرِّوَايَة المختصرة لمُسْند أبي يعلى - على قلَّة الْأَحَادِيث الضعيفة فِيهِ٢، وَيَقُول إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد التَّمِيمِي الْحَافِظ: "قَرَأت المسانيد كمسند الْعَدنِي، ومسند أَحْمد بن مَنيع، وَهِي كالأنهار، ومسند أبي يعلى كالبحر يكون مُجْتَمع الْأَنْهَار"، وَقد علق الذَّهَبِيّ فَقَالَ: "صدق، وَلَا سِيمَا مُسْنده الَّذِي عِنْد أهل أَصْبَهَان من طَرِيق ابْن الْمُقْرِئ عَنهُ، فَإِنَّهُ كَبِير جدا، بِخِلَاف الْمسند الَّذِي روينَاهُ من طَرِيق أبي عَمْرو بن حَمْدان عَنهُ، فَإِنَّهُ مُخْتَصر"٣. رَابِعا: مشتملاته: عدد الصَّحَابَة الَّذين أخرج لَهُم: (٢١٠) صحابياً، وَعدد أَحَادِيثه: (٧٥٥٥) حَدِيثا أغلبها من الْمَرْفُوع. خَامِسًا: طَريقَة ترتيبه: رتب الإِمَام أَبُو يعلى المرويات على مسانيد الصَّحَابَة، ورتب مرويات المكثرين مِنْهُم على التراجم٤ فِي الْغَالِب، حَيْثُ: ١ - بَدَأَ الرِّجَال بمرويات الْعشْرَة - إِلَّا عُثْمَان ﵁، ثمَّ بمرويات مَجْمُوعَة من الصَّحَابَة المقلين٥، ثمَّ المكثرين من الصَّحَابَة، وهم: جَابر بن عبد الله، ثمَّ عبد الله بن عَبَّاس، ثمَّ أنس بن مَالك، ثمَّ عَائِشَة، ثمَّ عبد الله بن مَسْعُود، ثمَّ ابْن عمر،

стр. 38

ثمَّ أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنْهُم١، ثمَّ بمجموعة من قرَابَة النَّبِي ﷺ وَآل بَيته٢، وهم: الْفضل بن عَبَّاس، وَفَاطِمَة، وَالْحسن وَالْحُسَيْن، وَعبد الله بن جَعْفَر، وَعبد الله بن الزبير ﵃، ثمَّ بمجموعة من الصَّحَابَة المقلين أَيْضا وَالَّذِي يظْهر أَنه اعْتبر أهل الْقَبَائِل مِنْهُم، وَذكر مَعَهم بعض المبهمين٣، ثمَّ عَاد إِلَى النِّسَاء وبدأهن بأمهات الْمُؤمنِينَ - فِي الْغَالِب - إِلَّا عَائِشَة حَيْثُ تقدّمت مَعَ المكثرين -، ثمَّ بِبَقِيَّة النِّسَاء، والمبهمات٤، ثمَّ عَاد إِلَى الرِّجَال٥. ٢ - رتب مرويات المكثرين بِحَسب الروَاة عَنْهُم، وَهَذَا يظْهر فِي مُسْند جَابر بن عبد الله٦، وَأنس بن مَالك٧ – مثلا -، وَقد ترْجم بالرواة عَن أنس فِي مُسْنده بعنوان ظَاهر. ٣ - بَدْء مسانيد الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ، بِتَقْدِيم الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة، إِلَّا أَنه لم تُذكر مرويات: عُثْمَان ﵁، وَقد جَاءَ فِي حَاشِيَة المخطوط، بعد نِهَايَة مُسْند عمر بن الْخطاب: "مُسْند عُثْمَان ﵁ لم يكن من سَماع أبي سعد الجَنْزَروذي - مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد -، عَن أبي عَمْرو بن حَمْدان"، ثمَّ أورد مرويات بَقِيَّة الرِّجَال من الصَّحَابَة، وَالَّذِي يظْهر أَنه اعْتبر فيهم بعض الْأَوْصَاف فِي الْغَالِب، مثل: كَثْرَة المرويات، والقبائل، وَأهل الْقَرَابَة وَآل الْبَيْت. ٤ - وضع مُسْند عَائِشَة ﵂ فِي مسانيد المكثرين، وَأما بَقِيَّة النِّسَاء، فَذَكرهنَّ مجتمعات فِي أَوَاخِر الْكتاب تَقْرِيبًا، وبدأهن بأمهات الْمُؤمنِينَ فِي الْغَالِب.

стр. 39

٥ - ترْجم لمسانيد المبهمين والمبهمات، وَمن ذَلِك قَوْله: "رجل غير مُسمَّى عَن النَّبِي ﷺ "١، وَختم الْكتاب بمرويات مَجْمُوعَة من رجال الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم، بعد نِهَايَة مرويات النِّسَاء٢. سادساً: طَريقَة تَخْرِيجه للْحَدِيث: يروي الحَدِيث بِإِسْنَادِهِ إِلَى منتهاه. سابعاً: أهم مميزاته: يُعتبر من المصادر الحديثية الأصيلة المسندة الَّتِي لَهَا أثر فِي عُلُوم الحَدِيث إِسْنَادًا ومتناً. ب - إِثْبَات صُحْبَة عدد من الصَّحَابَة، إِذا ثَبت الْإِسْنَاد إِلَيْهِ. ج - احتواؤه على مَجْمُوعَة من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة والزائدة على مرويات الْكتب السِّتَّة. ثامناً: رِوَايَات الْمسند: لمُسْند أبي يعلى رِوَايَتَانِ على الْمَشْهُور: الأولى: الرِّوَايَة المختصرة، وَهِي رِوَايَة أبي عَمْرو: مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَمْدان الحِيري - ت ٣٧٦هـ - عَن أبي يعلى الْموصِلِي٣، وَهِي الَّتِي اعْتمد عَلَيْهَا - الْحَافِظ عَليّ ابْن أبي بكر الهيثمي - ت ٨٠٧هـ - فِي كِتَابه: مجمع الزَّوَائِد ومنبع الْفَوَائِد٤، ذكر ذَلِك ابْن حجر٥. الثَّانِيَة: الرِّوَايَة المطولة وتُسمى "الْمسند الْكَبِير"، وَهِي رِوَايَة أبي بكر: مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن عَاصِم بن الْمُقْرِئ الْأَصْبَهَانِيّ - ت ٣٨١هـ - عَن أبي يعلى الْموصِلِي، وَاعْتمد عَلَيْهَا الهيثمي فِي كِتَابه: الْمَقْصد الْعلي فِي زَوَائِد أبي يعلى الْموصِلِي، والعلامة أَبُو الْعَبَّاس: أَحْمد بن أبي بكر البُوصيري - ت ٨٤٠هـ -، فِي كِتَابه: إتحاف السَّادة المهرة بزوائد المسانيد الْعشْرَة، ومختصره، وَذكر

стр. 40

ذَلِك فِي آخرهما١، وَاعْتمد عَلَيْهَا أَيْضا الْحَافِظ ابْن حجر فِي تتبعه لما فَاتَ الهيثمي، وَقد أودعها ابْن حجر كِتَابه: المطالب الْعَالِيَة بزوائد المسانيد الثَّمَانِية. تاسعاً: جهود الْمُحَقِّقين فِي الْعِنَايَة بِهِ. إِضَافَة إِلَى جهود أهل الْعلم السَّابِقين٢ فِي تقريب مُسْند أبي يعلي فقد قَامَ الْعَلامَة حُسَيْن سليم أَسد بتحقيقه على حسب الرِّوَايَة المختصرة - وَهِي رِوَايَة أبي عَمْرو بن حَمْدان عَن أبي يعلى -، وطُبع الْكتاب فِي دَار الْمَأْمُون للتراث، الطبعة الأولى لعام ١٤٠٤هـ، وَقد اعتنى الْمُحَقق بتحقيق النَّص، وَتَخْرِيج الْأَحَادِيث، وترقيمها، وَأعد فهارس متنوعة، مِنْهَا: فهرس للأحاديث، وفهرس للصحابة الَّذين روى لَهُم أَبُو يعلى فِي مُسْنده.
следующие страницы →