Полный текст (300 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الرشيد وجارية جعفر
ويحكى أن جعفراً البرمكي نادم الرشيد ليلة، فقال: يا جعفر بلغني أنك اشتريت الجارية الفلانية، ولي مدة أطلبها، فإنها بديعة الجمال، ولي شوق زائد إليها فبعنيها.
قال: ليس علي فيها بيع.
قال: هبنيها.
قال: ولا أهبها.
فقال الرشيد: زبيدة طالق مني ثلاثاً إن لم تبعنيها أو تهبنيها.
وقال جعفر: زوجتي طالق مني ثلاثاً إن بعتها أو وهبتها.
ثم أفاقا من نشوتهما وعلما أنهما وقعا في أمر عظيم وعجزا عن تدبير الحيلة فقال الرشيد: هذه واقعة ليس لها غير أبي يوسف، فاطلبوه، فكان قد انتصف الليل. فلما طلب قام فزعاً وقال: ما طلبت في هذا الوقت إلا لأمر حدث في الإسلام.
ثم خرج مسرعاً وركب بغلته وقال لغلامه: اصحب معك المخلاة، واجعل فيها بعض شعير، فإذا دخلنا دار الخلافة ودخلت فضع بين يدي الدابة شيئاً منه تشتغل به إلى حين خروجي، فإنها لم تستوف علفها في هذه الليلة.
فقال: سمعاً وطاعةً.
فلما دخل على الرشيد قام له وأجلسه على سريره بجانبه وكان لا يجلس معه غيره، وقال له: ما طلبناك إلا لأمر مهم، وهو كذا وكذا، وقد عجزنا عن تدبير الحيلة.
فقال: يا أمير المؤمنين، هذا من أسهل ما يكون. يا جعفر! بع أمير المؤمنين نصفها وهبه نصفها تبرأ من يمينكما.
فسر بذلك أمير المؤمنين وفعلا، فقال الرشيد: أحضر الجارية في هذا الوقت فإني شديد الشوق إليها.
فأحضرت، فقال القاضي أبي يوسف: أريد وطأها في هذا الوقت، ولا أطيق الصبر إلى مضي مدة الاستبراء، انظر لي الحيلة في ذلك؟ فقال أبو يوسف: ائتوني بمملوك من مماليك أمير المؤمنين الذين لم يجر عليهم العتق.
فأحضر مملوك، فقال أبو يوسف: يا أمير المؤمنين، إئذن لي أن أزوجها منه، ثم يطلقها قبل الدخول فيحل وطؤها في الحال من غير استبراء.
стр. 142
فأعجب الرشيد ذلك أكثر من الأول، فقال: أذنت لك.
فأوجب القاضي النكاح، ثم قبله المملوك، فقال له القاضي طلقها.
فقال له: هذه صارت لي زوجة وأنا لا أطلقها.
فردد عليه القول فأبى وضاق صدر الخليفة لذلك، وقال: قد اشتد الأمر أعظم مما كان.
فقال القاضي أبو يوسف: يا أمير المؤمنين رغبه بالمال.
فقال: طلقها ولك مائة دينار.
قال: لا أفعل.
قال: مائتا دينار.
قال: لا أفعل.
إلى أن عرضوا عليه ألف دينار وهو يمتنع، وقال القاضي: الطلاق بيدي أم بيد أمير المؤمنين أم بيدك؟ قال: بل بيدك أنت.
قال: والله لا أفعل أبداً.
فاشتد غضب أمير المؤمنين، فقال القاضي: يا أمير المؤمنين لا تجزع فإن الأمر هين اعتق الجارية، ثم ملك هذا العبد للجارية؟ قال: أعتقتها وملكته لها.
فقال لها القاضي: قولي قبلت؟ فقالت: قبلت.
فقال القاضي: حكمت بالتفريق بينكما لأنه دخل في ملكها فانفسخ النكاح.
فقام أمير المؤمنين على قدميه، وقال: مثلك من يكون قاضياً في زماني. وستدعى بأطباق الذهب فأفرغت بين يديه، وقال للقاضي: هل معك شيء توعيه؟ فتذكر مخلاة البغلة. فاستدعى بها، فملئت له ذهباً، فأخذها وانصرف. فلما أصبح قال لخلانه: انظروا إلى من علم العلم فليتعلمه كذلك، فإني أعطيت هذا المال العظيم في مسألتين أو ثلاث.
فانظر أيها المتأدب إلى لطف هذه الواقعة فإنها اشتملت على محاسن منها إدلال الوزير على قلب أمير المؤمنين وحلم الخليفة، وزيادة علم القاضي فرحم الله أرواحهم أجمعين.
стр. 143
ولكن مسألة الاستبراء لم تتخرج إلا على مذهب أبي حنيفة فخرجها أبو يوسف على قواعد مذهبه لأنه حنفي المذهب. والله أعلم.
هجرتك وزرتك
من كلام إبراهيم الموصلي رحمه الله تعالى:
هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى ... وزرتك حتى قيل ليس له صبر
فيا هجر ليلى قد بلغت بي المدى ... وزدت على ما ليس يبلغه الهجر
ويا حبها زدني جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتقض العصفور بلله القطر
المجنون العاقل
من الحكايات اللطيفة، أن بعض الملوك قصد التفرج على المجانين، فلما دخل عليهم رأى فيهم شاباً حسن الهيئة نظيف الصورة يرى عليه آثار اللطف وتفوح منه شمائل الفطنة، فدنا منه وسأله مسائل، فأجابه عن جميعها بأحسن جواب. فتعجب منه عجباً شديداً.
ثم إن المجنون قال للملك: قد سألتني عن أشياء فأجبتك. وإن سائلك سؤالاً واحداً.
قال: وما هو؟ قال: متى يجد النائم لذة النوم؟ ففكر الملك ساعة، ثم قال: يجد لذة حال نومه.
فقال المجنون: حالة النوم ليس له إحساس.
فقال الملك: قبل الدخول في النوم.
فقال المجنون: كيف توجد لذته قبل وجوده.
стр. 144
فقال الملك: بعد النوم.
فقال المجنون: أتوجد لذته وقد انقضى؟ فتحير الملك وزاد إعجابه وقال: لعمري إن هذا لا يحصل من عقلاء كثيرة، فأولى أن يكون نديمي في مثل هذا اليوم، وأمر أن ينصب له تخت بإزاء شباك المجنون، ثم استدعى بالشراب، فحضر فتناول الكأس وشرب، ثم ناول المجنون، فقال: أيها الملك أنت شربت هذا لتصير مثلث فأنا أشربه لأصيل مثل من؟ فاتعظ الملك بكلامه ورمى القدح من يده وتاب من ساعته، والله أعلم.
الست بدور والأمير عمرو
يحكى أن الرشيد أرق ذات ليلة أرقاً شديداً، فاستدعى جعفراً وقال: أريد منك أن تزيل ما بقلبي من الضجر.
فقال الوزير: يا أمير المؤمنين، كيف يكون على قلبك ضجر، وقد خلق الله أشياء كثيرة، تزيل الهم عن المهموم، والغم عن المغموم، وأنت قادر عليها؟ فقال الرشيد: وما هي يا جعفر؟ فقال له: قم بنا الآن، حتى نطلع فوق سطح هذا القصر ونتفرج على النجوم واشتباكها وارتفاعها والقمر وحسن طلعته كأنه وجه من تحب كما قيل:
فكأنما حسن السماء ولونها ... قد رقمت فيها أفانين الصور
وكأن هذا البدر حين بدا لنا ... في بعض ليل من غلاف قد ظهر
فقال الرشيد: يا جعفر، ما تلفتت نفسي إلى شيء من ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، افتح شباك القصر الذي يطلع على البستان وتفرج على حسن تلك الأشجار واسمع صوت تغريد الأطيار وانظر إلى هدير الأنهار وشم روائح تلك الأزهار واسمع الناعورة التي كأنها أنين محب فارق محبوبه، وهي كما قال فيها بعض واصفيها:
وناعورة حنت وغنت وقد غدت ... تعبر عن حال المشوق وتعرب
وترقص عطف البان تيهاً لأنها ... تغني له طول الزمان ويشرب
وإما أن تنام يا أمير المؤمنين، إلى أن يدركنا الصباح.
فقال: يا جعفر، ما تلتفت نفسي إلى شيء من ذلك.
فقال: يا أمير المؤمنين، افتح الشباك الذي يطلع على الدجلة حتى تتفرج على تلك
стр. 145
المراكب والملاحين، فهذا يصفق، وهذا ينشد موالياً، وهذا يقول دوبيت، وهذا يقول كيت وكيت.
فقال الرشيد: ما تلتفت نفسي إلى شيء من ذلك.
فقال جعفر: قم يا أمير المؤمنين، حتى ننزل إلى الاصطبل الخاص وننظر إلى الخيل العربيات وتتفرج على حسن ألوانها، ما بين أدهم كالليل إذا أظلم، وأشقر، وأشهب، وكميت أحمر، وأبيض، وأخضر، وأبلق، وأصفر، وألوان تحير العقول.
فقال الرشيد: ما تلتفت نفسي إلى شي من ذلك.
فقال جعفر: يا أمير المؤمنين، عندك في قصرك ثلاثمائة جارية، ما بين جنكية، إلى عودية، إلى دفية، إلى قانونية، إلى زامرة، إلى مغنية، إلى راقصة، إلى سنطيرية، أحضر الجميع، وأحضر العقار المروق، فعل أن يزول ما بقلبك من الضجر.
فقال: ما تهم نفسي إلى شيء من ذلك.
فقال جعفر: يا أمير المؤمنين ما بقي إلا ضرب عنق مملوكك جعفر، فإني قد عجزت عن إزالة هم مولانا.
فقال: يا جعفر، أما سمعت قول ابن عمي رسول الله ﷺ ؟ فقال: من فم مولانا أسمع.
فقال الرشيد: قال رسول الله ﷺ : " فرح أمتي في ثلاث: أن يرى بعينه شيئاً ما رآه، أو يسمع شيئاً ما سمعه، أو يطأ مكاناً ما وطئه "، فيتفق يا جعفر أن يكون في بغداد مكان ما وطئناه، أو شيء ما سمعناه، أو موضع ما رأيناه.
فقال جعفر: أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أطلع إلى مجلس النوبة وأنظر أحداً من المسافرين أحضره بين يدي أمير المؤمنين، لعله أن يحدثك بحديث ما سمعته؟ فقال الرشيد: قم وافعل.
فقام جعفر وطلع وعاد بسرعة بالشيخ أبي الحسن الخليع الدمشقي المسامر. قال: فلما رأى أمير المؤمنين سلم فأحسن وترجم فأبلغ، ثم قال: يا أمير المؤمنين وحامي حوزة الدين وابن عم سيد المرسلين وخاتم النبي ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين، أطال الله بقاك وجعل الجنة مأواك والنار مثوى لأعداك لا خمدت لك نار ولا أغيظ لك جار، ثم أنشد يقول:
стр. 146
دام لك العز والبقاء ... ما اختلف الصبح والمساء
ودمت ما دامت الليالي ... بمدة ما لها انقضاء
الناس ناس بكل أرض ... وأنت من فوقهم سماء
قال: فرد الشيخ السلام وقال له: اجلس يا أبا الحسن، وحدثنا بحديث عجيب مليح لم نسمعه قط؟ فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، أحدثك بشيء سمعته بأذني أو بشيء رأيته بعيني؟ قال الرشيد: يا شيخ أبا الحسن الذي تراه العين أحسن من الذي تسمعه الأذن.
فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، أفرغ لي عن ثلاثة أشياء منك؟ فقال: ما الثلاثة؟ فقال: ذهنك وسمعك وقلبيك.
فقال الرشيد: هات يا أبا الحسن.
فقال: يا أمير المؤمنين لي عادة أني أسافر في كل سنة إلى البصرة للأمير محمد بن سليمان الزينبي، وأقعد عنده أحدثه الأسمار، وأورد له الأخبار، وأنشد له الأشعار، ولي عليه رسم ألف دينار آخذها وأعود إلى بغداد. فاتفق لي من سنة من السنين أني سافرت إلى البصرة على عادتي ودخلت على الأمير محمد بن سليمان وجلست عنده اليوم الأول والثاني والثالث، فركب إلى الصيد وتركني في منزله وأوصى أرباب دولته بخدمتي وإكرامي إلى أن يعود، وأوصى الطباخ الذي له أن لا يطعمني إلا شيئاً تشتهيه نفسي، فاشتهيت السمك فقلت للطباخ: فعمل لي من السمك عدة ألوان فأكلت وطاب لي الأكل حتى ثقل على فؤادي، فقلت: ما يصرف عني هذا إلا المشي، ولي عدة أسفار إلى البصرة ما أعرف فيها مكاناً، وأريد اليوم أن أجعلها حجة وفرجة. ثم إني نزلت أتمشى في شوارع البصرة فعطشت عطشاً شديداً وناهيك بعطش السمك، فقلت في نفسي: إن تناولت شربة من السقاء لا تطيب نفسي لأنه يشرب منه أصحاب الأمراض، وكبر على نفسي أن أحملها إلى شاطئ الدجلة، وقلت: ما لي إلا أن أقصد بعض دور المحتشمين وأطلب منها شربة من ماء، فأتيت إلى درب وفي ذلك الدرب خمسة دور داران مقابلتان لدارين ودار صدرانية قد قامت من التراب وتعلقت بأذيال السحاب، ولها باب مقنطر مزخرف بمصاطب طولانية، مفروش عليها حصر عبدانية، والباب ساج مصفح بصفائح الذب الوهاج ومسامير الفضة وستر من الحرير الأصفر المدثر مكتوب عليه هذه الأبيات:
ألا يا دارُ لا يدخلك حزنٌ ... ولا يغدر بصاحبك الزمان
стр. 147
فنعم الدار أنت لكل ضيفٍ ... إذا ما ضاق بالضيف المكانُ
قال: فقلت في نفسي، من هذه الدار أشرب الماء، فأتيت إلى الباب فسمعت صوتاً ضعيفاً من فؤاد نحيف، وقائلاً يقول:
بالله ربكما عوجا على سكني ... وعاتباه لعل العتب يعطفه
وعرضاً بي وقولاً في حديثكما ... ما بال عبدك بالهجران تتلفه
فإن تبسم قولا في ملاطفةٍ ... ما ضر لو بوصالٍ منك تسعفه
وإن بدا لكما في وجهه غضبٌ ... فغالطاه وقولا ليس نعرفه
قال: فقلت، يا حبذا إن كان قائل هذا الصوت شخصاً صورته على قدر صوته واحتشمت، ثم إني قويت قلبي ورفعت الستر ودخلت الدهليز إلى أن انتهيت إلى آخره ومديت طرفي، وإذا أنا بدار قد أقبلت عليها السعادة، وزالت عنها الشقاوة، ورأيت في صدر ذلك المكان إيواناً وبركة وشاذرواناً، وفي ذلك الإيوان تخت من السياج، وقوائمه من العاج، ومصفح بالذهب الوهاج، وفوق التخت فراش من الحرير الأطلس، ومسند مزركش، وعليه جارية نائمة خماسية القد، قائمة النهد لا بالطويلة الشاهقة ولا بالقصيرة اللاصقة، أشهر من علم، تربية العجم على أكتاف الخدم، بخد أسيل، وطرف كحيل، وخصر نحيل، وردف ثقيل، إن أقبلت فتنت، وإن ولت قتلت، كما قال فيها بعض واصفيها:
كما اشتهت خلقت حتى إذا اعتدلت ... في قالب الحسن لا طول ولا قصر
جرى بها الشحم حتى دار أعكنها ... طي القباطي فلا سمن ولا غور
كأنها أفرغت من ماء لؤلؤةٍ ... في كل جارحة من حسنها قمر
إلا أن الجارية، يا أمير المؤمنين، قد حكمت عليها يد الأيام ونزلت بها جميع الأسقام وعند رأسها طبيب، وهو يجس يدها ويقول: يا ست بدور، الضارب ضارب والساكن ساكن ولا برد ولا حمى ولا شيء تشتكينه أكثر من سهر الليل وجريان الدمع لعل الست في قلبها هوى من أحد، فلما سمعت كلام الطبيب أنشدت تقول:
إذا هممت بكتمان الهوى نطقت ... مدامعي بالذي أخفي من الألم
فإن أبح افتضح من غير منفعة ... وإن كتمت فدمعي غير منكتم
لكن إلى الله أشكو ما أكابده ... من طول وجد ودمع غير منصرم
قال: فنهض الطبيب قائماً على قدميه فناولته صرة فيها عشرون ديناراً، ثم التفتت
стр. 148
إلي وقالت: من أين يا شيخ؟ فقلت لها: من بغداد، حملني العطش إلى أن أتيت إلى هنا.
فقالت: لعل أن يكون على يدك فرجي، فأنا أكتب لك ورقة فتسال عن بيت الأمير عمرو وتعطيه إياها، فإن رددت علي الجواب فأنا أعطيك خمسمائة دينار.
ثم استدعت بدواة وورق وكتبت، وهي تقول: أما بعد، يعجز لساني ويكل جناني عن بث الأشواق، ولكن أسأل الكريم الخلاق أن يمن علينا بالتلاق بالسعد الرائق والأمر الموافق، وأنا القائلة حيث أقول:
سروري من الدنيا لقاكم وقربكم ... وحبكم فرض وما منكم بد
ولي شاهد دمعي إذا ما ذكرتكم ... جرى فوق خدي لا يطاق له رد
إذا الريح من نحون الحبيب تنسمت ... وجدت لمسراها على كبدي برد
فوالله ما أحببت ما عشت غيركم ... ولا كنت إلا ما حييت لكم عبد
سلام عليك ما أمر فراقكم ... فلا كان منكم ما جرى آخراً عهد
أما بعد، فهذا كتاب ممن ليلها في نحيب، ونهارها في تعذيب، لا أتركن إلى عاذلٍ ولا تصغي إلى قائل، قد غلبتها أيدي الفراق، ولو شرحت بعض ما عندها للفسيح ضاق وما وسعته الأوراق، ولكن أسأل الكريم الخلاق، رافع السبع الطباق، أن يمن علينا بالتلاق، وأنشدت تقول:
أحبة قلبي وإن جرتم ... علي فكل المنى أنتم
رحلتم وفي القلب خلفتم ... لهيباً فهلا ترفقتم
وأودعتم يوم ودعتم ... بأحشاي ناراً وأضرمتم
وما كنتم تعرفون الجفا ... على شؤم بختي تعلمتم
فألف ألف لا أوحش الله منكم والسلام مني عليكم عدد شوقي إليكم ما حن الغريب إلى الأوطان، وغرد حمام الأيك على البان، فرحم الله من قرأ كتابي وتعطف برد جوابي، وأنشدت تقول:
أحبابنا ما رقا دمعي لفرقتكم ... يوم الفراق ولا كفت غواديه
بنتم فلم يبق لي من بعدكم جلد ... ولا فؤاد ولا صبر أرجيه
فكم أمني فؤادي بالهوى كذباً ... ولست أول من بانت غواشيه
قال: ثم إنها طوت الكتاب وختمته بعد أ، نثرت فيه فتات المسك والعنبر، وناولتني إياه
стр. 149
فأخذته، وأتيت إلى دار الأمير عمرو فوجدته في الصيد والقنص، فجلست على بابه ساعة أنتظره وإذا به قد أقبل، وهو راكب على حصان أشقر، من الخيل الضمر يساوي ملك كسرى وقيصر، من أولاد الأبجر، الذي كان لعنتر، إن طلب لحق، وإن طلب لم يلحق، والأمير في ظهره كأنه البدر في منزلته، والمماليك قد أحدقوا به كما تحدق النجوم بالقمر، وهو بخد أسيل وطرف كحيل وخصر نحيل وردف ثقيل وله عذار أخضر فوق خد أحمر وثغر جوهر وعنق مرمر كما قال فيه ابن معشر:
قمر تكامل في نهاية حسنه ... مثل القضيب على رشاقة قده
فالبدر يطلع من ضياء جبينه ... والشمس تغرب في شقائق خده
ملك الجمال بأسره فكأنما ... حسن البرية كلها من عنده
قال أبو الحسن: فما أمهلته دون أن قبلت ركابه، فلما نظر إلي ترجل واعتنقني وخذ بيدي وأدخلني الدار وأنشد يقول:
ما أظن الزمان يأتي بهذا ... غير أني رأيته في منامي
قال: فلما جلس على حافة البركة أقبل علي يحدثني ساعة، وإذا بالمائدة قد وضعت بين أيدينا، وإذا عليها من ألوان الطعام ما درج وتطاير في الأسحار، وتناكح في الأوكار من قطاً وسماني وأفراخ حمام وبط مسمن ودجاج محمر وأفراخ رضع وبعلبكات السكر فقال لي: بسم الله يا شيخ يا أبا الحسن، فقلت: لا والله يا مولاي، ما أكلت لك طعاماً ولا شربت لك مداماً، إلا أن قضيت لي حاجتي.
فقال: يا أبا الحسن كان هذا من الأول. أين الكتاب الذي للست بدور؟ فقلت: يا سيدي وما هي الست بدور.
فقال: التي جئت من عندها تطلب شربة من الماء منها، ووجدت عندها الطبيب وجرى لك معها ما هو كيت وكيت.
فقلت: يا مولاي أكنت حاضراً؟ فقال: لو كنت حاضراً فلأي شيء كتبت الكتاب؟ فقلت: هل جاء أحدُ من عندها وأعلمك؟ فقال: إنه لا يجسر أحدٌ من غلمانها أن يقابلني.
فقلت: ولا راح أحد من عندك إليها.
فقال: هي أخس وأحقر منم أن يمضي إليها أحد من عندي.
стр. 150
فقلت: يا سيدي! الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى والوحي ما نزل إلا على رسول الله ﷺ .
فقال: يا عاقل أما سمعت قول القائل:
قلوب العاشقين لها عيونٌ ... ترى ما لا يراه الناظرونا
وأجنحة تطير بغير ريشٍ ... إلى ملكوت رب العالمينا
فقلت: صدقت يا مولاي، ثم ناولته الكتاب ففضه وقرأه ثم بصق فيه وداسه برجله ورماه في البركة فصعب علي، فلما علم مني ذلك قال: مم غيظك؟ أقعد الليلة عندي كل واشرب وخذ مني الخمسمائة دينار التي وعدتك بها الست بدور، وأنا أحب إليك منها وأنشد يقول:
رأيت شاة وذئباً وهي ماسكة ... بأذنه وهو منقاد لها ساري
فقلت: أعجوبة ثم التفت رأى ... ما بين نابيه ملقى نصف دينار
فقلت للشاة: ماذا الإلف بينكما ... والذئب يسطو بأنياب وأظفار
تبسمت ثم قالت وهي ضاحكة ... بالتبر يكسر ذاك الضيغم الضاري
قال: فلما سمعت كلامه، يا أمير المؤمنين تقدمت وأكلت بحسب الكفاية والنهاية. ثم انتقلنا إلى مجلس الشراب وقدمت بين أيدينا البوطي والسلاحيات، فتناول الأمير عمرو وشرب وسقاني، وأنا أحدثه وأنادمه إلى أن قرب الغروب فقال: يا أبا الحسن، ما لذة الأمير إذا شرب إلى المساء من غير غناء؟ فقلت: يقال: الشراب بلا طرب ولا سماع، الدن أولى به.
فقال لي: قم بسم الله.
فقمت معه إلى مجلس وحضيرة تنقط بالذهب واللازورد العجيب، وهي مزخرفة قد عبقت أزهارها وضحكت سلاحيتها وصفت بواطيها ورفعت أقداحها فجلس الأمير عمرو وأجلسني بجانبه وقدمت بين أيدينا الشموع وأسرجت القناديل فنظرت إلى مجلس عجيب وحضيرة مليحة ثم قلت: يا مولاي، قد تقدم القول إن الشراب بلا سماع، الدن أولى به، فصفق بكف وإذا بثلاث جوار قد أقبلن كأنهن الأقمار. الواحدة تحمل عوداً، والثانية تحمل دفاً، والثالثة تحمل مزماراً ثم نقرت الدفية على دفها، وأًلحت العودية عودها وزمرت الزامرة بمزمارها فخيل إلي أن المجلس الذي نحن فيه يرقص بنا ثم إن الدفية غنت تقول:
стр. 151
أحبابنا إنني من يوم فرقتكم ... على فراش الضنا ما زلت مضطجعا
داويت قلبي بحسن الصبر بعدكم ... عسى يفيق من الأسقام ما نفعا
فوالله يا أمير المؤمنين لقد طربت غاية الطرب من حسن صوتها. فلما فرغت الدفية ضربت العودية على عودها طرقاً عديدة، ثم رجعت إلى الطريقة الأولى وأنشدت تقول:
أمؤنس طرفي لا خلا منك ناظري ... وجامع شملي لا خلا منك مجلسي
ويا ساكناً قلبي وما فيه غيره ... يحل فما استوحشت فيه لمؤنسي
وبالله يا أغنى الورى من ملاحةٍ ... تصدق على صب من الصبر مفلس
أنلني الرضا حتى أغيظ به العدا ... ويا موحشي من بعد ما كان مؤنسي
رضاك الذي إن نلته نلت رفعةً ... وألبسني في الناس أشرف ملبس
قال: والله يا أمير المؤمنين لم نتمالك عقولنا من الطرب، ثم التفتت العودية نحو الدفية وقالت لها: يا فلانة أتحسني أن تقولي مثل هذا؟ فقالت الدفية: أنا أحفظ أبياتاً ما أظن أنك تحفظين لهن وزناً ولا قافية ولا عَروضاً.
فقالت العودية: هات ما عندك.
فنقرت الدفية على دفها بأناملها ورفعت صوتها وهي تقول:
كرر وردد ذكرهم في مسمعي ... فهم الشفا لتألمي وتوجعي
أقصر بعذلك يا عذول فإن لي ... قلباً لعذلك لا يفيق ولا يعي
فقالت لها العودية: أنا أحفظ الوزن والقافية والعروض.
فقالت الدفية: هات.
فضربت العودية طريقة من اثنين واثنين وأربعة وأربعة وثمانية وثمانية وستة عشرة وستة عشر ثم عادت إلى الطريقة الأولى وجعلت تقول:
إن لم أٍل وادي إلا سيل بأدمعي ... أعلم بأني في الصبابة مدعي
يا سعد إن جئت الغوير وعاينت ... عيناك بأن المنحني فلترجع
وخذ الحذار من الغزال المختفي ... واحذر يصيدك لحظ ذات البرقع
قال: والله يا أمير المؤمنين فلقد طربنا حتى قام كل منا ورقص. فلما فرغت الجارية قال لها سيدها: عن لي على الذي بقلبي وحدي، فعندها ساوت عودها وقالت:
ما كنت أول رامق صبا صبا ... نحو التصابي، وهو في عمر الصبا
فعلام يعذلني العذول على البكا ... لولا الغرام لما غدوت معذبا
стр. 152
حم الغرامُ بحكمه في مهجتي ... ولقد غدا قلبي به متقلبا
يا للرجال خبا الهوى بحشاشتي ... ناراً، فما تخبو على ذاك الخبا
ولقد سبى قلبي غزال لو رأت ... بلقيس طلعته لما سكنت سبا
ولقد هربت من الغرام فقال لي: ... مهلاً! فلن تجدن مني مهربا
فلما سمع الأمير عمرو ذلك صرخ ووقع على الأرض مغشياً عليه. فقالت الجارية: يا مولاي، إنه قد نام سيدي، فإن اخترت أن تنام فقم نم في مرقدك، وإن اخترت الشراب فدونك، ونحن بين يديك إلى الصباح.
فقمت ونمت فلما أصبحت قمت وسألت عن الأمير عمرو فقال بعض الجواري: إنه قد سرح إلى الصيد والقنص فأخذت شاشاً لألبسه فرأيت تحته كيساً فيه ألف دينار، فأخذته وأتيت إلى الست بدور، وإذا بها واقفة خلف الباب تنظر وهي تقول:
يا رسولي إلى الحبيب اعتذر لي ... فلعل الحبيب بقبل عذري
ثم قل للحبيب عني بلطف: ... أي ذنب جرى فأوجب هجري
فلما رأتني قالت: يا شيخ أقمح أم شعير؟ فقلت: لا والله ما هو إلا زوان، والله ما رضي يقرأ مكتوبك ولا يرد جوابك.
فرمت إلي الصرة وفيها مائة دينار، وقالت: اذهب يا أبا الحسن، ما مضى الليل وأتى النهار على شيء إلا وأزاله وغيره ويغير الله ما في القلوب.
ثم إنها أغلقت الباب في وجهي ومضت وعدت إلى دار الأمير محمد بن سليمان الزينبي فلقيته قد جاء من الصيد فقعدت عنده أياماً وأخذت رسمي وعدت إلى بغداد. ثم إني في السنة الثانية سافرت إلى البصرة على ما جرت العادة به ومضيت إلى الأمير عمرو بن جبير الشيباني لأتمنع بذلك الوجه المليح والقد الرجيح، فوجدت الدار متغيرة الآثار والعبيد لابسين السواد فلما رأيت ذلك بكيت وأنشدت أقول:
يا دار أين ترحل السكان ... وسرت بهم من بعدها الأظعان
بالأمس كان بك الضياء مع الهنا ... واليوم عرصاتك الغربان
فسمعني بعض الغلمان، فظهر لي وقال: من ذا الذي يبكي على ديارنا ويندب منازلنا؟ كفى بنا ما عندنا.
стр. 153
فقلت له: يا عبد الخير، إن صاحب هذه الدار كان من أصدق الناس إلي فما فعل به الزمان؟ فقال لي الغلام: يا مولاي هو في قيد الحياة. وهو يطلب الموت فلا يجده.
فقلت له: بالله عليك خذ لي الطريق.
فقال لي الغلام: يا مولاي من أقول.
فقلت: قل الشيخ أبو الحسن الخليع الدمشقي المسامر.
قال: فعبر الغلام وغاب ساعة وعاد وقال لي: بسم الله أدخل. ويقول له: يا مولاي الضارب ضارب والساكن ساكن لا برد ولا حمى ولا تشتكي غير سهر الليل وجريان الدمع، لا يكون المولى إلا مسحوراً.
فلما سمع الأمير عمرو كلام الطبيب بكى وأنشد يقول:
قال الطبيب لقومي، حين جس يدي: ... هذا فتاكم ورب البيت مسحور
فقلت: ويحك قد قاربت في صفتي ... عين الصواب فهلا قلت مهجور
ثم إنه ناوله كاغداً فيه بعض دنانير، فأخذها الطبيب وانصرف ثم التفت الأمير عمرو إلي وقال: يا شيخ أبي الحسن أما تنظر إلى هذا الحال الذي وقعت فيه؟
فقلت له: حاشاك من الأسوأ ما سبب ذلك؟ قال: ما أعرف له سبباً إلا أن هجر الست بدور قد قتلني وحبها أضنى فؤادي.
فقلت: يا مولاي، بالعام الماضي تركتك أميراً، واليوم أتيت لقيتك أسيراً فما السبب؟ فقال الأمير عمرو: يا شيخ إني في ليلة من الليالي ركبت في الشط، وقد شحنت مركبي من سائر الأزهار والفواكه والرياحين والطعام والمدام، وأوقدت الشموع حتى صارت مثل ضوء النهار، وقد غرقنا في البسط، وبقينا في لعب وضحك إلى ثلث الليل الأول، وإذ قد أقبل من صدر الشط مركب وهو يعزف بالطارات والدفوف ويضيء كضوء الشمس وفيه وهج عظيم، فقلت للملاح: قدم بنا حتى نتفرج وننظر أينا أحسن تعبية مركبنا أو هذا المركب؟ فمددت عيني فرأيت صاحبتي الست بدور، وهي بين جواريها وغلمانها تلعب وتضحك، وهي مثل اسمها، اسم على مسمى، فلما وقعت عيني عليها، كأنما رمت في قلبي جمرة نار فقلت في نفسي: ما فارقت هذا الوجه المليح بذنب. ثم إني تذكرت العهد القديم الذي كان بيننا فلم أقدر أن اصبر، فمدت يدي وأخذت تفاحة
стр. 154
ورميتها إلى الست بدور فالتفتت فرأتني. فقالت للملاح: ارجع بنا إلى البر، نحن خرجنا هذه الليلة ننشرح، فأرسل الله لنا هذا الفتى ينغص علينا عيشنا. فلما سمعتها تشتمني أضرمت النار في قلبي ثم قلت لنفسي: أنت كنت المطلوب فصرت الطالب، فلم يهن لي عيش في هذه الليلة فقلت للملاح: ارجع إلى الشط. ثم إني نزلت ومضيت إلى منزلي وما ذقت طعم المنام. فلما أصبحت لم يقر لي قرار وصرت أترقب أن يأتي أحد من عندها، ثلاثة أيام، فلم يأت أحد فبعثت من يعرض بذكري لها، فدعت عليهم وشتمتهم. فكتبت لها بعد ذلك ألف كتاب، فلم ترد لي جواباً، وقد رميت روحي على كل كبير في البصرة، فيدخلون عليها فلم تقبل ولم تزدد إلا جفاء، ولي مدة أنتظرك يا شيخ أبا الحسن حتى أبعث معك كتاباً وأنا أحلف لك إن هي ردت لك جوابه أعطيتك ألف دينار، وإن لم ترد جوابه أعطيتك مائة دينار.
فقلت له: اكتب!.
فدعا بدواة وقرطاس وكتب في أول الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من متيم يشكو إليك الصبابة ويسألك بالله أن تردي جوابه. أما بعد، فإنه يعجز لساني ويكل جناني مما أنا فيه من طول السهر ودوام الفكر، وبكى لبكائي أصم الحجر فألف ألفٍ لا أوحش الله منك والسلام عليك.
ثم ختم الكتاب وناولني إياه فأخذته وأتيت به إلى دار الست بدور، فلقيت الباب على غير تلك الحالة الأولى عليه ستر مرخي وبواب وخادم. فقلت: لا إله إلا الله، كان هذا الباب بالأمس خالياً من الأصحاب، واليوم عليه خادم وبواب، ثم إني تقدمت إلى الخادم، وقلت له: قم يا ولدي ادخل واستأذن على مولاتك الست بدور وقل لها: الشيخ أبو الحسن الخليع الدمشقي قد أتى ويطلب المثول بين يديك.
فغاب الخادم ثم عاد مسرعاً وقال: بسم الله ادخل.
فدخلت الدهليز فسمعت الست بدور وهي تقول:
ولأصبرن على الزمان وجوره ... حتى يعود كما أريد وأشتهي
قال: فلما دخلت رأيتها قاعدة على حافة البركة، وبين يديها جارية تروح لها، فتقدمت وقبلت يدها وجلست فنظرت، وإذا عليها غلالة لازوردية، وجميع جسدها بائن من تحت الغلالة كأنه عمود مرمر، وعلى الغلالة مكتوب هذا البيات:
стр. 155
أقبلت في غلالة زرقاء ... لازوردية كلون سماء
فتأملت في الغلالة ألقى ... قمر الصيف في ليالي الشتاء
ليتني كنت للمليحة عقداً ... أو لثاماً للوجه مثل الرداء
أو قميصاً من الحرير خفيفاً ... لاصقاً بالفؤادِ والأحشاء
ضربتني بخنجر العشق حتى ... صرت ملقى مخضباً بدمائي
تركتني على الطريق ونادت ... من يصلي على قتيل هوائي
ثم إني لما فرغت من قراءة الأشعار قالت لجاريتها: هات لي بذلة قماش، ثم غيرت ما كان عليها، وجلست ثم أمرت بإحضار المائدة وقالت: بسم الله، كل يا أبا الحسن.
فقلت: لا والله لا أكلت لك طعاماً ولا شربت عندك مداماً حتى تقضي حاجتي.
فقال: كان هذا من الأول لكن والله قد وقعت من عيننا برواحك إلى الأمير عمرو قبل مجيئك إلينا.
فقلت لها: أنا ما رحتُ.
فقالت: تكون شيخاً وتكذب، أنت ما عبرت عليه ولقيت الطبيب، وهو يقول له: كيت وكيت، وجرى لك معه كذا وكذا، وهذا الكتاب في طي عمامتك وبالأمارة قال لك: إن ردت الجواب أعطيتك ألف دينار وإن لم ترد لي الجواب أعطيتك مائة دينار؟ فقلت: يا ستي من أعلمك بهذا؟ فقالت: أليس القائل يقول:
قلوب العاشقين لها عيون ... ترى ما لا يراه الناظرونا
وأنا يا شيخ أبا الحسن أعشق منه وأرى أكثر مما يراه.
فقلت: صدقت يا مولاتي، كان ذلك.
ثم ناولتها الكتاب ففضته وقرأته ثم إنها مزقته وبصقت عليه، وداسته ورمته في البركة. فلما رأيت ذلك قلت في نفسي: هذا بذاك وفرض الدين لا بد له من وفاء إلا أني حصل لي بعض غيظ على الألف دينار التي تفوتني، فنظرت غلي وعرفت مني ذلك فقالت: يا شيخ أبا الحسن مم غيظك؟ إن كان وعدك بألف دينار، فبت الليلة عندي وكل واشرب والتذ واطرب، وخذ لك غداً مني ألف دينار وامض في حفظ الله.
فقلت: يا سيدتي يكاد الأمير عمرو أن يموت.
فقالت: دعنا من هذا الكلام.
стр. 156
ثم إن المائدة حضرت فأكلنا بحسب الكفاية، فلما فرغنا قالت: يا شيخ أتعرف لعب الشطرنج.
قلت: ما ألعب إلا على الحكم والرضا.
فقالت: نعم. ثم دعت بالشطرنج فوضع بين أيدينا ولعبت معها الدست الأول، غلبتني فأمرت الجواري أن يرموني في البركة، فمسكوني ورموني في البركة، فضحكت علي ساعة. ثم أخرجوني وقد ابتلت جميع حوائجي. فلما رأتني على تلك الحالة أمرت ببذلة من القماش من أفخر الملبوس فلبست فقالت: أتلعب أيضاً على الحكم والرضا؟ قلت: نعم، فلعبنا فاحتلت عليها، وأتيت لها بحكاية لطيفة مضحكة وشغلتها وسرقت القطع إلى أن غلبتها وتحكمت فيها وقلت: أريد الألف دينار وجواب الكتاب فأعطتني الألف دينار، وطلبت دواة والقرطاس، ثم إنها أطرقت ساعة ورفعت رأسها وكتبت تقول:
ألا يا عمرو كم هذا العناء ... وكم هذا التجلد والجفاء
كتبت إلي تشكو ما تلاقي ... من الأسقام إذ نزل القضاء
فسقم لا يزال بطول دهر ... وداء ما له أبداً دواء
ولو ساعدتنا يا عمرو يوماً ... لساعدناك إذ نزل البلاء
فعش ضباً ومت كمداً حزيناً ... فواجدةٌ بواحدةٍ جزاء
فلا فرغت ناولتني الورقة فقرأتها فقلت: يا ستي، بالله عليك لا تفعلي وارحمي الأمير عمراً واكتبي له غير هذا.
فقالت: يا شيخ أبا الحس، أنت رسول أو فضولي؟ فقلت لها: رسول وفضولي وطفيلي، ويعظ القطط ويحلف أنه ما يبيت إلا في الوسط ويغني بليت بكم.
قال: فضحكت من كلامي، وقالت: حكمتك في نفسي.
فقلت: ست بدور أين تلك المحبة التي كنت تحبينها للأمير عمرو؟ فلو أبصرته ما عرفته من شدة ما يقاسي من الأسقام والآلام والأمراض.
فلما سمعت ذلك قالت: أخبرني عن أقوى شيء به من المرض؟ فقلت: يا سيدتي، ما أقدر أصف لك بعض ما فيه من ألم المرض. فترغرغت عيناها بالدموع ثم قالت: يعز علي ما وصفت لي عنه وروحي لروحه الفداء فالحمد لله الذي جعل اجتماعنا على يديك. ثم دعت بدرجٍ غير تلك الورقة وكتبت في أول الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم،
стр. 157
ثم إنها ابتدأت تنشد وتقول:
وصل الكتاب فلا عدمت أناملاً ... عنيت به حتى تضوع طيبا
ففضضته وقرأته، فوجدته ... لخفي أوجاع القلوب طبيبا
فكأن موسى قد أعيد لأمة ... أو ثوب يوسف قد أتى يعقوبا
المملوكة تقبل الأرض وتنهي أن شوقها شديد، وغرامها ما عليه من مزيد، ومأمولها من الحميد المجيد أن يجمع شملها بك قبل أن تريد، وأقول:
أشتاقكم حتى إذا نهض الهوى ... لمقامكم قعدت بي الأيام
والله إني لو وصفت صبابتي ... فني المداد وقلت الأقلام
ثم إنها نثرت فتات المسك والطيب في رسالتها وطوتها وحققتها وناولتني إياها فأخذتها وقمت مسرعاً وأنا فرحان إلى أن أتيت دار الأمير عمرو ودخلت الدهليز فسمعته يقول:
ترى حرمت كتب المحبة بيننا! ... أسحر أم القرطاس أصبح غاليا
فاستأذنت عليه ودخلت فلما رآني قال لي: أقمح أم شعير؟ فقلت له: قمح مغر بل ليس فيله كدر. ثم ناولته الكتاب ففضه وقرأه فلما فهم معناه تهلل وجهه بالفرح فبكى وقال:
هجم السرور علي حتى إنه ... من فرط ما قد سرني أبكاني
يا عين! قد صار البكا لك عادةُ ... تبكين في فرح وفي أحزانِ
فلما فرغ من البكاء قال لي: يا شيخ ما أظن الحديد يلين ولا الصخر يذوبُ نعل أن تكون صنت هذا الكتاب من عندك؟ فقلت: يا مولاي والله ما صنعته ولا كتبته بل هو خطها بيدها.
فبينما هو يخاطبني، إذ هي عبرت علينا وهي تخطر لفي قوامها وهي تنشد وتقول:
نزوركم لا نجازيكم بجفوتكم ... إن الكريم إذا لم ستزر زارا
فلما رآها الأمير عمرو نهض قائماً على قدميه ورمى بروحه عليها واعتنقها واعتنقته ساعة زمانية، فقمت لأخلي لهما المكان، فقالت الست بدور: إلى أين تروح يا شيخ؟ قلت أخلي لكما المكان لأنكما ما اجتمعتما من مدة سنة كاملة.
فقالت: لا تفارقني من الساعة إلى الصباح.
стр. 158
فقام الأمير عمرو وأخذنا ومضى بنا إلى مجلس مليح وقدم لنا الطعام المفتخر وأمر بإزالة كل شيء كان عليه من آلة الحزن وجيء له بالماء فغسل يديه وغسلنا أيدينا، وانتقلنا إلى مجلس الشراب، وبتنا في لذة ورأيت الماوية تدب في وجه الأمير عمرو. فلما أَصبحت قالت: يا شيخ أبا الحسن، امض وائتنا بالقاضي والشهود.
فلم يكن بأسرع مما أ؛ ضرتهم. فقالت الست بدور للقاضي: اكتب كتابي على الأمير عمرو، وقد وليت الشيخ أبا الحسن عقد النكاح.
فخطب القاضي خطبة النكاح وعقد العقد بينهما، فرسم الأمير عمرو للقاضي بألف دينار وللشهود بمائتي دينار، وعمل الوليمة وطبخ الطعام وعمل الحلاوات وجمع الناس ووضع بين أيديهم الموائد وأطعم الشارد والوارد، وزفت الست بدور تلك الليلة إلى الأمير عمرو، فلما وقفوا على المنصة قلت: ما تصلح إلا له ولا يصلح إلا لها، ولو رآها غيره لزلزلت الأرض زلزالها، ثم تقدمت إلى الأمير عمرو وقلت له: يا مولاي، المثل يقول: العصفور يتفلى والصياد يتقلى، وأنتم تقولون: وا طرباه وأنا أقول وا حزناه.
فقالت الست بدور: ما معنى كلامك هذا؟ قلت: يا سيدتي الأمير عمرو وعدني بوعد والوعد على الكرماء دين.
فقالت الست بدور: صدق الشيخ أعطه الذي وعدته به. فقال الأمير عمرو لبعض غلمانه: أعط الشيخ أبا الحسن ألفاً وخمسمائة دينار، يستحق أكثر من ذلك.
فمضى الغلام وعاد بسرعة ومعه كيس وناولني إياه وأعطتني الست بدور مثله. ثم إني ودعتهم وخرجت إلى أن أتيت إلى الأمير محمد بن سليمان الزينبي، وقعدت عنده على عادتي، وأخذت رسمي الذي عليه في كل سنة وعدت إلى بغداد فما رأيت سنة أبرك علي منها، حصل لي فيها أربعة آلاف دينار.
وهذا جملة الحديث فتعجب الخليفة وقال: ما قصرت يا شيخ أبا الحسن خذ من جعفر ألف دينار لأنك أنت الذي أزلت عني ما بقلبي.
فقال جعفر: ومن عند أمير المؤمنين ألف دينار لأنه هو الذي زال عنه ما كان يجده.
فقال أبو الحسن: صدق الوزير أبقاه الله تعالى، ثم إنه قبض الألفين ديناراً ومضى إلى منزله والله أعلم.
стр. 159
من هم البرامكة
قال أبو القاسم بعد الملك بن بدرون في شرحه لقصيدة عبد المجيد بن عبدون: جعفر البرمكي، هو جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك، والبرمك هو الذي يعمر بيت النور، وهو بيت النار، وكان برمك من مجوس بلخ وكان عظيم القدر فيهم، وولده خالد، فلما كبر صار وزيراً لأبي السفاح بعد أبي سلمة الحلال، وقتل هارون الرشيد جعفراً سنة سبع وثمانين ومائة، وكان قد بلغ من الرشيد ما لا يبلغه وزير من خليفة قبله، حتى كان يجلس معه في حلة واحدة قد اتخذ لها جيبان على ما ذكره بعض المخبرين حتى بلغ عنده أن يحكم عليه فيما شاء من أمر ماله وولده.
منزلة جعفر عند الرشيد
فمن ذلك ما حكاه ابن المهدي عم الرشيد، وهو إبراهيم المعروف بابن شكلة، وكانت شكلة أمة سوداء، وقد ذكر أن إبراهيم كان أسود شديد السواد، وكان من الطبقة العليا في صنعة العود قال: قال لي جعفر يوماً: يا إبراهيم: إذا كان غد فأبكر إلي.
فلمام كان الغد مشيت إليه بكرة، فجلسنا نتحدث. فلما ارتفع النهار أحضر حجاماً فحجمنا، ثم قدم لنا الطعام فطعمنا ثم خلع علينا ثياب المنادمة، وقال جعفر لخادمه: لا يدخل علينا أحد إلا عبد الملك القهرماني.
فنسي الحاجب ما قال فجاء عبد الملك بن صالح الهاشمي، وكان رجلاً من بني هاشم ذا ملاحة وعلم وحلم وجلالة قدر وفخامة ذكر وصيانة وديانة، فظن الحاجب أنه الذي أمره بإدخاله عليهما، فلما رآه جعفر تغير لونه ورآهم عبد الملك بن صالح على تلك الحالة، وظهر له أنهم احتشموه فأراد أن يرفع خجله وخجلهم بمشاركته لهم في فعلهم فقال: اصنعوا بنا ما صنعتم بأنفسكم.
فجاءه الخادم فطرح عليه ثياب المنادمة ثم جلس للشراب، فلما بلغ ثلاثاً قال للساقي: لتخفف عني فإني ما شربته قط.
فتهلل وجه جعفر فقال له: هل من حاجة تبلغها مقدرتي وتحيط بها نعمتي فأقضيها لك مكافأة لما صنعت.؟ قال: بلى، إن أمير المؤمنين علي غاضب، فسله الرضا عني.
قال: قد رضي عنك أمير المؤمنين.
стр. 160
قال: علي أربعة آلاف دينار.
قال: هي لك حاضرة من مال أمير المؤمنين.
قال: وابني إبراهيم أريد أن أشد ظهره بصهر من أمير المؤمنين.
قال: قد زوجه أمير المؤمنين بابنته عائشة.
قال: وأحب أن تخفق الألوية على رأسه.
قال: نعم، قد ولاه أمير المؤمنين مصر.
قال إبراهيم بن المهدي، فانصرف عبد الملك بن صالح وأنا أتعجب من إقدام جعفر على قضاء الحوائج من غير استئذان. فلما كان من الغد وقفنا على باب الرشيد ودخل جعفر فلم نلبث أن دعا بأبي يوسف القاضي ومحمد بن واسع وإبراهيم بن عبد الملك فعقد له النكاح وحملت البدر إلى منزل عبد الملك وكتب سجل إبراهيم على مصر وخرج جعفر فأشار إلي فلما سار إلى منزله ونزلت بنزوله التفت إلي وقال: لعل قلبك معلق بأمر عبد الملك بن صالح فأحببت معرفة خبره.
قلت: نعم.
قال لي: لما دخلت على أمير المؤمنين وتمثلت بين يديه وابتدأت القصة من أولها إلى آخرها، كما كانت، قال الرشيد: أحسن والله أحسن والله. ثم قال: ما صنعت؟ فأخبرته عما سأل وبما أجبته في ذلك فقال: أحسنت. وخرج إبراهيم والياً على مصر من يومه والله تعالى أعلم.
стр. 161
الفتى العاشق وجعفر
قال إبراهيم بن إسحاق: كنت منقطعاً إلى البرامكة، فبينما أنا ذات يوم بمنزلي وإذا ببابي يدق فخرج غلامي وعاد وقال لي: على الباب فتى جميل يستأذن، فأذنت له، فدخل شاب عليه أثر السقم، فقال: لي مدة أحاول لقاءك ولي إليك حاجة.
فقلت: وما هي؟ فأخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يدي. وقال: أسألك أن تقبلها مني وتصنع لي لحناً في بيتين قلتهما.
فقلت: أنشدنيهما فقال:
بالله يا طرفي الجاني على كبدي ... لتطفئن بدمعي لوعة الحزن
لا لا أبوحن حتى تنزلي سكني ... فلا أراه ولو أدرجت في كفني
قال: فصنعت لهما لحناً يشبه النوح ثم غنيته فأغمي عليه حتى أني ظننت أنه مات ثم أفاق، وقال: أعده فناشدته الله وقلت: أخشى أن تموت فقال: ليت ذلك، وما زال يخضع ويتضرع حتى رحمته وأعدته فصعق صعقةً أشد من الأولى، فلم أشك في موته وما زلت أنضح عليه من ماء الورد حتى أفاق ثم جلس، فحمدت الله على السلامة ووضعت دنانيره بني يديه وقلت: خذ مالك وانصرف عني.
فقال: لا حاجة لي بها ولك مثلها إن أعدته.
فشرهت نفسي فقلت: أعيده ولكن بثلاث شروط، أولها تقيم عندي تأكل من طعامي حتى تتقوى نفسك؛ الثاني أن تشرب من الشراب ما يمسك قلبك؛ الثالث أن تحدثني بحديثك.
ففعل ذلك ثم قال: إني رجل من أهل المدينة خرجت متنزهاً، وقد سال المطر في العقيق، مع إخواني فرأيت فتاة مع فتيات كأنها غصن جلله الندى، تنظر بعيني ما ارتد طرفهما إلا بنفس ملاحظهما، فظللن حتى فرغ النهار، فانصرفن وقد رمت بقلبي جراحاً بطيئة الاندمال، فعدت أتنسم أخبارها فلم أجد أحداً يرشدني إليها فجعلت أتتبعها في الأسواق فلم أقع لها على خبر، ومرضت أسىً، وحكيت قصتي لذات قرابة لي فقالت: لا بأس عليك، هذه أيام الربيع ما انقضت وستمطر السماء فتخرج حينئذ، وأنا أخرج معك فافعل مرادك.
стр. 162
قال: فاطمأنت نفسي بذلك إلى أن سال العقيق وخرج الناس ينظرون فخرجت مع إخوتي وقرابتي، فجلسنا في مجلسنا بعينه فما لبثنا إلا والنسوة كفرسي رهان فقلت لذات قرابتي: قولي لهذه الجارية يقول لك هذا الرجل: لقد أحسن من قال:
رمتني بسهم أقصد القلب وانثنت ... وقد عاودت جرحاً به وندوبا
قال: فمضت إليها وقالت لها ذلك، فقالت لها: قولي له، وقد حسن من أجابه:
بنا مثل ما تشكو فصبراً لعلنا ... نرى فرجاً يشفي القلوب قريبا
قال: فأمسكت عن الكلام خوف الفضيحة، وقمت منصرفاً، فقامت لقيامي فتبعتها قرابتي حتى عرفت منزلها، ورجعت فأخذتني، وسرنا إليها حتى اجتمعنا. واتصل ذلك حتى شاع وطهر وحجبها أبوها. فلم أزل مجتهداً في لقائها فلم أقدر، وشكوت ذلك إلى أبي فجمع أهلنا ومضى إلى أبيها راغباً في خطبتها فقال: لو بدا له ذلك قبل أن يفضحها لفعلت ولكنه شهرها، فما كنت لأحقق قول الناس. قال إبراهيم فأعدت عليه الصوت وعرفني منزله ثم انصرف. وكانت بيننا عشرة، ثم جلس جعفر بن يحيى وحضرت على عادتي فغنيته شعر الفتى، فطرب وشرب أقداحاً وقال: ويلك! لمن هذا الصوت؟ فحدثته حديث الفتى فأمرني بالركوب إليه وأن أجعله على ثقة من بلوغ أربه، فمضيت إليه وأحضرته فاستعاد الحديث فحدثه فقال: هي في ذمتي حتى أزوجك إياها فطابت نفسه، وأقام معنا، فلما أصبح ركب جعفر إلى الرشيد وحدثه بذلك فاستظرفه، وأمر أن يحضرا جميعاً واستعاد الصوت وشرب عليه، فأمر بكتب كتاب إلى عامل الحجاز بإحضار المرأة وأهلها ووالدها مبجلين إلى حضرته، والإنفاق عليهم نفقة واسعة، فلم يمض إلا يسير حتى حضروا، فأشار الرشيد بإيصال الرجل إليه، فحضر وأمر بتزويج ابنته من الفتى، وأعطاه ألف دينار، ونقلت إلى أهله، ولم يزل الشاب من ندماء جعفر حتى حدث ما حدث فاد الفتى بأهله إلى المدينة، فرحم الله تعالى أرواحهم أجمعين.
стр. 163
الوزير أبو عامر والملك الناصر والغلام
حكاية أجنبية
مما اتفق أن الوزير أبا عامر أحمد بن مروان كان قد أهدي له غلام من النصارى لا تقع العيون على أحسن منه. فلمحه الملك الناصر، فقال له: أنى لك هذا؟ قال: هو من عند الله.
فقال: تتحفونا بالنجوم، وتستأثرون بالأقمار.
فاعتذر إليه ثم احتفل في هدية بعثها إليه مع الغلام، وقال له: كن داخلاً في جملة الهدية ولولا الضرورة ما سمحت بك نفسي، وكتب معه هذه الأبيات:
أمولاي هذا البدر سار لأفقكم ... وللأفق أولى بالبدور من الأرض
أرضيكم بالنفس، وهي نفيسة ... ولم أر قبلي من بمهجته يرضي
قال: فحسن ذلك عند الناصر، وأتحفه بمال جزيل، وتمكن عنده، ثم بعد ذلك أهديت للوزير جارية من أجمل نساء الدنيا، فخاف أن ينهى ذلك إلى الناصر فيطلبها، فتكون كقصة الغلام، فاحتفل في هدية أعظم من الأولى وأرسلها مع الجارية، وكتب معها هذه الأبيات:
أمولاي هذي الشمس والبدر أولاً ... تقدم كيما يلتقي القمران
قران لعمري بالسعادة ناطق ... فدم معها في كوثر وجنان
فما لهما والله في الحسن ثالث ... وما لك في ملك البرية ثان
قال: فتضاعفت مكانته عنده، ثم وشى به بعض أعدائه عند الناصر أن عنده بقية من حب الغلام، وأنه لا يزال يلهج بذكره حين تحركه الشمول، فيقرع السن على تعذر الوصول إليه. فقال الناصر للواشي: لا تحرك به لسانك، وإلا طار رأسك، وكتب على لسان الغلام ورقة فيها: يا مولاي تعلم أنك كنت لي على الانفراد، ولم أزل معك في نعيم وأنا وإن كنت عند السلطان مشاركاً في منزله محاذراً ما يبدو من سطوة الملك، فتحيل في استدعائي منه.
ثم بعثها مع غلام صغير وأوصاه أن يقول هي من عند فلان، وإن الملك لم يكلمه قط، فلما وفق عليها أبو عامر واستخبر الخادم أحس بالمكيدة، فكتب على ظهر الورقة يقول:
стр. 164
أمن بعد أحكام التجارب ينبغي ... لدي سقوط العير في غابة الأسد
ولا أنا ممن يغلب الحب عقله ... ولا جاهل ما يدعيه أولو الحسد
فإن كنت روحي قد وهبتك طائعاً ... وكيف يرد الروح إن فارق الجسد
فلما وقف الناصر على الجواب تعجب من فطنته، ولم يعد إلى سماع واشٍ فيه بعد ذلك، ثم قال له: كيف خلصت من الشرك؟ قال: لأن عقلي بالهوى غير مشترك.
سبب قتل البرامكة وما وقع لهم مع الرشيد
والقصة في ذلك على ما رواه إبراهيم بن إسحاق عن أبي ثور زاهر بن صقلاب قال: بلغني أنه كان لهارون الرشيد مجلس بالليل مع جعفر البرمكي. فقال له يوماً: لا يطيب لي ذلك إلا بمحضر أختي ميمونة. ولكن لا يجوز إلا إن كتبت لك عليها لإباحة النظر من غير أن تقربها.
فاتفقا على ذلك وعقد له عليها ثم أحضرها فكانت تحضر لذلك المجلس إلا أنه زاد غرامها وعشقها فيه، وكان لجعفر البرمكي امرأة تزين له الجواري كل ليلة، فجاءت ميمونة إليها ورشتها بمال فزينتها له، وأدخلتها عليه، فظن أنها جارية فواقعها. فلما أصبحوا قالت له: أنا ميمونة، وقد كنت أسألك أن تساعدني على مودتك فتأبى. فلما أيست منك احتلت عليك بما رأيت في هذه الليلة، وإن لم تواظب لأكونن سبباً في سلب نعمتك، وهل أنت إلا زوجي؟ فقال لها جعفر: ويحك أهلكتني وأهلكت نفسك.
وكان كما قال، ولم يزرها حتى ظهر أمرها للرشيد، فهذا كان سبب قتل البرامكة وهذا ابتداء الحديث.
قال المبرد: قال أبو عبد الله المارستاني عن يحيى بن أكثم القاضي، قال: سألت إسماعيل بن يحيى الهاشمي عن سبب زوال نعمة البرامكة.
قال: نعم أعرف صحة الخبر وباطن القصة: كان سبب ذلك أني كنت مع الرشيد يوماً من الأيام راكباً إلى الصيد، فبينما نحن نسير إذ نظر إلى موكب بالعبد اعترضنا، فقال لي: يا إسماعيل لمن هذا؟ فقلت: هو لأخيك جعفر بن يحيى.
فالتفت يميناً وشمالاً إلى من معه في موكبه، فإذا هو شرذمة يسيرة، ثم نظر إلى الموكب الذي فيه جعفر فلم يره. فقال: يا إسماعيل ما فعل جعفر وموكبه؟ فقلت: يا سيدي قد
стр. 165
مضى أخوك في طريق ولم يعلم بموضعك.
فقال: ما رآنا أهلاً أن يزيننا بمركبه ويجملنا بجيشه.
فقلت: العفو يا أمير المؤمنين، لو علم بمكانك ما تعداك وما سار إلا بين يديك، واعتذرت بما حضر لي من الكلام.
ثم سرنا حتى انتهينا إلى ضيعة عامرة ومواشٍ كثيرة وعمارة حسنة، وكان الطريق يدور عليها، فدرنا حتى وردنا باب القرية، فنظر الرشيد إلى البيدر وإلى كثرة الغلال فيه والمواشي ويسار أهلها، فالتفت إلي وقال: يا إسماعيل لمن هذه الضيعة؟ قلت: لأخيك جعفر بن يحيى.
فسكت ثم تنفس الصعداء ثم سرنا ولم يزل يمر بكل ضيعة أعمر من الأخرى، وكلما مر وسألني عن ضيعة قلت: لجعفر بن يحيى، حتى سرنا ووصلنا إلى المدينة، فلما أردت وداعه والانصراف إلى منزلي نظر إلي من كان حواليه نظرة، فعلموا ما أراد فتفرقوا وبقيت أنا وهو، فقال: يا إسماعيل.
قلت: لبيك يا أمير المؤمنين.
فقال: انظر إلى البرامكة أغنيناهم وأفقرنا أولادنا وأغفلنا أمرهم.
فقلت في نفسي: بلية والله، ثم قلت: لماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: نظرت لهؤلاء وغفلت عن هؤلاء لأني لا أعرف لأحد من أولادي ضيعة من ضياع البرامكة على طريق واحد، على قرب هذا المدينة، فكيف بما هو لهم غير ذلك على غير هذا الطريق في سائر البلدان.
فقلت: يا أمير المؤمنين إنما البرامكة عبيدك وخدمك، والضيعات وأموالهم وكل ما يملكون لك.
فنظر إلي نظرة جبار عنيد.
ثم قال: ما عد البرامكة بني هاشم إلا عبيدهم، وأنهم هم الدولة وأن لا نعمة لبني العباس إلا والبرامكة أنعموا عليهم بها.
فقلت: أمير المؤمنين أبصر من غيره بخدمه ومواليه.
فقال: والله يا إسماعيل! إنك لتعلم أني قلت هذا وكأني أراك أن تعلمهم بكلامي فتتخذ لك عندهم يداً، وإني آمرك أن تكتم هذا الأمر فإنه ما علم به أحد غيرك، ومتى بلغهم شيء مما جرى؟ علمت أنه ما أفشاه إلا أنت.
стр. 166
فقلت: يا أمير المؤمنين، أعوذ بالله أن يكون مثلي يفشي سرك.
قال: وكان هذا القول أول ما ظهر من أمر البرامكة، ثم ودعته وانصرفت متفكراً في إيقاع الحيلة عليهم. فلما كان من الغد بكرت إليه، وجلست بين يديه وكان في محل يشرف على الدجلة من شرقي مدينة باب السلام، وبإزائه منزل جعفر من الجانب الغربي، وكانت المواكب من جميع الأَصناف: من قائد وأمير وعامل يردون في كل يوم إلى قصر جعفر، فالتفت إلي وقال: يا إسماعيل، هذا ما كنا فيه بالأمس. انظر كم على باب جعفر من الجيوش والغلمان والمواكب، وأنا ما على باب داري أحد؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ناشدتك الله أن لا تعلق نفسك بشيء من هذا. وإن جعفراً إنما هو عبدك وخادمك ووزيرك وصاحب جيوشك، إذا لم يكن الجيش على بابه فعلى باب من يكون؟ إنما بابه باب من أبوابك.
فقال: يا إسماعيل، أنظر إلى دوابهم ألست ترى أعجازهم إلى قصري وتروث بإزائنا، ونحن ننظر إليها، والله هذا هو الاستخفاف بعينه، والله لا أصبر على ذلك.
ثم غضب غضباً شديداً وامتلأ غيظاً، فأمسكت عن الكلام وقلت: والله هذا قضاء من الله سابق وحكم لا محالة واقع، ثم استأذنته في الانصراف ورجعت إلى منزلي، فلقيني جعفر في الطريق يريد الرشيد، فتواريت عنه حتى مضى، فدخل إليه وسلم عليه فأجلسه عن يمينه وأكرمه غاية الإكرام وبش في وجهه وحادثه ساعة ووهب له خادماً من خاصة خدمه وأنبلهم وأوضحهم وجهاً وأكملهم ظرفاً، كاتباً حاسباً لبيباً، فسر جعفر سروراً كاملاً، ووقع في قلبه أجل موقع، وكان دسيساً عليه وبلية لديه يرفع أخباره إلى الرشيد ويحصي عليه أنفاسه ساعة بساعة ووقتاً بوقت، فخلا به جعفر يومه ذلك وليلته واحتجب من أجله عن الناس، فلما كان بعد ثلاثة أيام سرت إلى جعفر فسلمت عليه، فلما خلا مجلسه ولم يبق عنده غيري وذلك الخادم واقفٌ، وعلمت أن الخادم يحصي علينا أخبارنا فقلت: أيها الوزير، نصيحة أفتأذن لي في الكلام؟ قال: تكلم.
وكان الرشيد ولاه كورة خراسان كلها وما يضاف إليها وينسب لها قبل هذا الكلام بأيام، وخلع عليه وعقد له لواء وعسكراً بالنهروان، وضرب الناس مضاربهم بها، وهم متأهبون للسفر، فقلت: يا سيدي! أنت عازم على الخروج إلى بلدة كثيرة الخير واسعة الأقطار عظيمة المملكة، فلو صيرت بعض ضياعك لولد أمير المؤمنين لكان أحظى لمنزلتك عنده؟ فلما قلت ذلك نظر إلي مغضباً وقال: والله يا إسماعيل، ما أكل الخبز
стр. 167
ابن عمك أو قال صاحبك إلا بفضلي، ولا قامت هذا الدولة إلا بنا، أما كفى أني تركته لا يهتم بشيء من أمر نفسه وولده وحاشيته ورعيته، وقد ملأت بيوت أمواله أموالاً، ولا زلت للأمور الجليلة أدبرها حتى يمد عينيه إلى ما ادخرته واخترته لولدي وعقبي من بعدي، وداخله حسد بني هاشم وبغيهم ودب فيه الطمع والله لئن سألني شيئاً من ذلك ليكونن وبالاً عليه سريعاً.
فقلت: والله يا سيدي، ما كان مما ظننت شيء ولا تكلم أمير المؤمنين بحرف.
قال: فما هذا الفضول منك، فقعدت بعدها هنيهة ثم قمت إلى منزلي ولم أركب إليه ولا إلى الرشيد لأني صرت بينهما في حال تهمة، وقلت في نفسي: هذا الخليفة وهذا وزيره، وأي شيء لي بالدخول بينهما؟ ولا شك في زوال نعمة البرامكة، وأن أمورهم قد انثلمت.
قال: وحدثني خادم أم جعفر: أن الخادم الذي وهبه الرشيد لجعفر كتب إلى الرشيد بما كان بيني وبينه، وما تكلم به من الكلام الغليظ.
قال: فلما قرأ الكتاب وفهم الخبر احتجب ثلاثة أيام متفكراً في إيقاع الحيلة على البرامكة فدخل في اليوم الرابع على زبيدة فخلا بها وشكا لها ما في قلبه، وأطلعها على الكتاب الذي رفعه إليه الخادم، وكان بين جعفر وزبيدة شر وعداوة قديمة فلما تملكت الحجة عليه بالغت في المكر بهم واجتهدت في هلاكهم، وكان الرشيد يتبرك بمشورتها، فقال: أشيري علي برأيك الموافق الرشيد، إني خائف أن يخرج الأمر من يدي إن تمكنوا من خراسان وتغلبوا عليها؟ فقالت: يا أمير المؤمنين! مثلك مع البرامكة كمثل رجل سكران غريق في بحر عميق، فإن كنت قد أفقت من سكرتك وتخلصت من غرفتك أخبرتك بما هو أصعب عليك وأعظم من هذا بكثير؛ وإن كنت على الحالة الأولى تركتك.
فقال لها: قد كان ما كان، فقولي أسمع منك.
فقالت: إن هذا الأمر أخفاه عنك وزيرك وهو أصعب مما أنت فيه وأقبح وأشنع.
فقال لها: ويحك، وما هو؟ فقالت: أنا أجل من أن أخاطبك به ولكن تحضر أرجوان الخادم وتشدد عليه وتوهنه ضرباً فإنه يعرفك الخبر.
وكان الرشيد قد أحل جعفراً محلاً لم يحله أخوه ولا أبوه، وأمره أن يدخل على الحريم في السفر والحضر وأبرز إليه جواريه وأخواته وبناته لأنه كان بينهما رضاع سوى امرأته
стр. 168
زبيدة، فإنه لم يكن رآها ولا دخل عليها ولا قضى لها حاجة، ولا هي أيضاً تستقضيه حاجة، فلما فسد قلب الرشيد وعزم على هلاك البرامكة وجدت سبيلاً على البرامكة فحطت على جعفر، وكان جعفر يدخل على الحريم في غياب الرشيد ويقضي حوائجهن لأنهن لا يستترن منه، وكان ذلك بأمر الرشيد، ولم يعلم الرشيد ما حدث من جعفر.
قال: فخرج الرشيد واستدعى أرجوان الخادم وأحضر السيف. والنطع، وقال: برئت من المنصور إن لم تصدقني في حديث جعفر لأقتلنك.
فقال: الأمان يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم لك الأمان.
فقال: اعلم أن جعفراً قد خانك في أختك ميمونة، وقد دخل بها منذ سبع سنين وولدت منه ثلاث بنين: أحدهم له ست سنين، والآخر له خمس سنين والثالث عاش سنتين ومات قريباً، والاثنان قد أنفذهما إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه، وهي حامل بالرابع، وأنت أذنت له بالدخول على أهل بيتك، وأمرتني أن لا أمنعه في أي وقت شاء ليلاً أو نهاراً.
قال: أمرتك أن لا تحجبه، فحين حدثت هذه الحادثة لم لا أخبرتني أول مرة؟ ثم أمر بضرب عنقه، وقام من وقته على الفور، ودخل على زبيدة، وقال لها: أرأيت ما عاملني به جعفر وما ارتكب من هتك ستري ونكس رأسي وفضحني بين العرب والعجم؟ فقالت: هذه شهوتك وإرادتك، عمدت إلى شاب جميل الوجه حسن الثياب طيب الرائحة جبار في نفسه، أدخلته على ابنة خليفة من خلفاء الله، وهي أحسن منه وجهاً، وأنظف منه ثوباً، وأطيب منه رائحة، لكنها لم تر رجلاً قط غيره، فهذا جزاء من جمع بين النار والحطب.
فخرج من عندها مكروباً فدعا بخادمه مسروراً، وكان قاسي القلب فظاً غليظاً قد نزع الله الرحمة من قلبه، فقال: يا مسرور، إذا كان الليلة بعد العتمة فأتني بعشرة من الفعلة أجلاداً ومعهم خادمان.
قال: نعم.
فلما كان بعد العتمة جاء مسرور ومعه الفعلة والخادمان، فقام الرشيد وهم بين يديه حتى أتى المقصورة التي فيها أخته فنظر إليها وهي حامل فلم يكلمها بشيء ولم يعاتبها على ما فعلت، وأمر الخادمين بإدخالها في صندوق كبير في مقصورتها بعد قتلها ووضعها بحليها وثيابها كما هي وأقفل عليها، وقد علمت أنها بعد قتل أرجوان لاحقة به، فلما
стр. 169
علم أنه استوثق بها دعا بالفعلة ومعهم المعاول والزنابيل فحفروا وسط تلك المقصورة حتى بلغوا الماء وهو قاعد على كرسي، ثم قال: حسبكم! هاتوا الصندوق، فدلوه في تلك الحفرة، ثم قال: ردوا التراب عليه، ففعلوا وسووا الموضع كما كان، ثم أخرجهم وأقفل الباب وأخذ المفتاح معه وجلس في موضعه والفعلة والخادمان بين يديه، ثم قال: يا مسرور! خذ هؤلاء القوم وأعطهم أجرتهم، فأخذهم مسرور وجعلهم في جواليق وخيط عليهم بعد أن ثقلهم بالصخر والحصى ورماهم في وسط الدجلة ورجع من وقته فوقف بين يديه، فقال: يا مسرور! فعلت ما أمرتك به؟ قال: وفيت القوم أجورهم.
فدفع ليه مفتاح البيت، وقال: احفظه حتى أسألك عنه، وامض الآن فانصب في وسط المحل القبة التركية.
ففعل ذلك ووافاه قبل الصبح ولم يعلم أحد ما يريد. فلما جلس في مجلسه وكان يوم الخميس يوم موكب جعفر. قال: يا مسرور لا تتباعد عني.
ودخل الناس فسلموا عليه ووقفوا على مراتبهم ودخل جعفر بن يحيى البرمكي فسلم عليه فرد ﵇ أحسن رد ورحب به وضحك في وجهه، فجلس في مرتبته، وكانت مرتبته أقرب المراتب إلى أمير المؤمنين، ثم حدثه ساعة وضاحكه، فأخرج جعفر الكتب الواردة عليه من النواحي؛ فقرأها عليه، وأمر، ونهى، ومنع، ونفذ الأمور، وقضى حوائج الناس، ثم استأذنه جعفر في الخروج إلى خراسان في يومه ذلك، فدعا الرشيد بالمنجم، وهو جالس بحضرته فقال الرشيد: كم مضى من النهار.
قال: ثلاث ساعات ونصف.
وأخذ له الارتفاع وحسب له الرشيد بنفسه ونظر في نجمه، فقال: يا أخي، هذا يوم نحوسك، وهذه ساعة نحس، ولا أرى إلا أنه يحدث فيها حدث، ولكن تصلي الجمعة وترحل في سعودك وتبيت في النهروان وتبكر يوم السبت وتستقبل الطريق بالنهار، فإنه أصلح من اليوم.
فما رضي جعفر بما قاله الرشيد حتى أخذ الاصطرلاب من يد المنجم وقام وأخذ الطالع وحسب الطالع لنفسه، وقال: والله صدقت يا أمير المؤمنين؛ إن هذه الساعة ساعة نحسن وما رأيت نجماً أشد احتراقاً ولا أضيق مجرى من البروج في مثل هذا اليوم.
ثم قام وانصرف إلى منزله، والناس والقواد والخاص والعام من كل جانب يعظمونه ويبجلونه إلى أن وصل إلى قصره في جيش عظيم، وأمر ونهى وانصرف الناس فلم يستقر
стр. 170
به المجلس حتى بعث إليه الرشيد مسروراً، وقال له: امض إلى جعفر وأتني به الساعة، وقل له: وردت كتب من خراسان، فإذا دخل الباب الأول أوقف الجند، وإذا دخل الباب الثاني أوقف الغلمان، وإذا دخل الباب الثالث فلا تدع أحداً يدخل معه من غلمانه، بل يدخله وحده، فإذا دخل صحن الدار فمل به إلى القبة التركية التي أمرتك بنصبها فاضرب عنقه، وائتني برأسه، ولا توقف أحداً من خلق الله على ما أمرتك به، ولا تراجعني في أمره، وإن لم تفعل أمرت من يضرب عنقك ويأتيني برأسك ورأسه جملة، وفي هذا كفاية، وأنت أعلم، وتبادر قبل أن يبلغه الخبر من غيرك.
فمضى مسرور واستأذن على جعفر فدخل عليه، وقد نزع ثيابه وطرح نفسه ليستريح، فقال: سيدي! أجب أمير المؤمنين.
قال: فانزعج وارتاع منه، وقال: ويلك يا مسرور! أنا في هذه الساعة خرجت من عنده؛ فما الخبر؟ قال: وردت كتب من خراسان يحتاج أن تقرأها.
فطابت نفسه ودعا بثيابه فلبسها وتقلد سيفه وذهب معه، فلما دخل من الباب الأول أوقف الجند وفي الثاني أوقف الغلمان، فلما دخل من الباب الثالث التفت فلم ير أحداً من غلمانه ولا الخادم الفرد، فندم على ركوبه تلك الساعة ولم يمكنه الرجوع، فلما صار بإزاء تلك القبة المضروبة في صحن الدار مال به إليها وأنزله عن دابته وأدخله القبة فلم ير فيها أحداً.
وفي رواية: رأى فيها سيفاً ونطعاً فحس بالبلاء، وقال لمسرور: يا أخي ما الخبر؟ فقال له مسرور: أنا الساعة أخوك، وفي منزلك تقول لي: ويلك! أنت تدري ما القضية؟ وما كان الله ليهملك ولا ليغفلك، فقد أمرني أمير المؤمنين بضرب عنقك وحمل رأسك إليه الساعة.
فبكى جعفر وجعل يقبل يدي مسرور ورجليه، ويقول: يا أخي! يا مسرور، قد علمت كرامتي لك دون جميع الغلمان والحاشية، وأن حوائجك عندي مقضية في سائر الأوقات، وأنت تعرف موضعي ومحلي من أمير المؤمنين، وما يوحيه إلي من الأسرار، ولعل أن يكونوا بلغوه عني باطلاً، وهذه مائة ألف دينار أحضرها لك الساعة قبل أن أقوم من موضعي هذا، وخلني أهيم على وجهي.
فقال لا سبيل إلى ذلك أبداً.
قال: فاحملني إليه وأوقفني بين يديه، فلعله إذا وقع نظره علي تدركه الرحمة فيصفح
стр. 171
عني؟ قال: ما لي سبيل إلى ذلك أبداً، ولا يمكنني مراجعته، وقد علمت أنه لا سبيل إلى الحياة أبداً.
قال: فتوقف عني ساعة وارجع إليه، وقل له: قد فرغت مما أمرتني به، واسمع ما يقول، وعد فافعل ما تريد، فإن فعلت ذلك وحصلت لي السلامة، فإني أشهد الله وملائكته أني أشاطرك في نعمتي مما ملكته يدي وأجعلك أمير الجيش وأملكك أمر الدنيا.
ولم يزل به وهو يبكي حتى طمع في الحياة، فقال له مسرور: ربما يكون ذلك.
وحل سيفه ومنطقته وأخذهما ووكل به أربعين غلاماً من السودان يحفظونه ومضى مسرور ووقف بين يدي الرشيد وهو جالس يقطر غضباً، وفي يده قضيب ينكث به الأرض. فلما رآه قال له: ثكلتك أمك ما فعلت في أمر جعفر؟ فقال: يا أمير المؤمنين قد أنفذت أمرك فيه.
فقال: فأين رأسه؟ فقال: في القبة.
قال: فأتني برأسه الساعة.
فرجع مسرور وجعفر يصلي، وقد ركع ركعة فلم يمهله أن يصلي الثانية حتى سل سيفه الذي أخذه منه وضرب عنقه وأخذ رأسه بلحيته فطرحه بين يدي أمير المؤمنين، وهو يشخب دماً فتنفس الصعداء وبكى بكاء شديداً وجعل ينكت الأرض أثر كل كلمة ويقرع أسنانه بالقضيب، ويخاطبه، ويقول: يا جعفر ألم أحلك محل نفسي؟ يا جعفر! ما كافأتني ولا عرفت حقي ولا حفظت عهدي ولا ذكرت نعمتي ولا نظرت في عواقب الأمور، ولا تفكرت في صروف الدهر، ولا حسبت تقلب الأيام واختلاف أحوالها، يا جعفر خنتني في أهلي وفضحتني بين العرب والعجم، يا جعفر، أسأت إلي وإلى نفسك ولا تفكرت في عاقبة أمرك.
قال مسرور: وأنا واقف بين يديه، وهو ينكت الأرض في كل كلمة، وملم يزل كذلك إلى أن أذن لصلاة الظهر، فدعا بماء فتوضأ للصلاة وخرج للجامع فصلى بالناس جماعة، ثم التفت بوجهه لقصور جعفر ودوره وقبض على أبيه وأخيه وجميع أولاد البرامكة ومواليهم وغلمانهم واستباح ما فيها، ووجه مسروراً إلى العسكر فأخذوا جميع ما فيه من مضارب وخيام وسلاح وغير ذلك. فلما أصبح يوم السبت، فإذا هو قد قتل من البرامكة وحاشيتهم نحو ألف إنسان، وترك من بقي منهم لا يرجع إلى وطنه وشتت
стр. 172
شملهم في البلاد، ولم يقدر أحد منهم على كسرة خبز، وحبس أباه يحيى وأخاه الفضل في مطمورة، وأمر بجثة جعفر فصلبت على الجسر ببغداد، ثم بعث إلى خراسان أن يوطن بلادها، وأمر الناس فردوا مضاربهم ودخل العسكر، ثم وجه إلى مدينة رسول الله ﷺ فأتى بالصبيين ولدي جعفر من أخته ميمونة فأدخلا عليه في بيته، فلما رآهما أعجب بهما وكانا في نهاية من الحسن والجمال، فاستنطقهما فوجد لغتهما مدنية وفصاحتها هاشمية، وفي ألفاظهما عذوبة وبلاغة، فقال لكبيرهما: ما اسمك يا قرة عيني؟ قال: الحسن.
قال للصغير: ما اسمك يا حبيبي؟ قال: الحسين.
فنظر إليهما وبكى بكاء شديداً، ثم قال: يعز علي حسنكما وجمالكما لا رحم الله من ظلمكما ولم يدريا ما يراد بهما، ثم قال: ما فعلت بالمفتاح الذي دفعته لك وأمرتك بحفظه؟ قال: هو حاضر يا أمير المؤمنين.
قال: فائتني به.
ثم دعا بجماعة من الغلمان والخدم وأمرهم أن يحفروا في البيت حفرة عميقة ودعا مسروراً وأمره بقتلهما ودفنهما مع أمهما في تلك الحفرة، رحمهم الله تعالى جميعاً، وهو مع ذلك يبكي بكاء شديداً حتى ظننت أنه رحمهما، ثم مسح عينيه من الدموع وأمر أن لا تذكر البرامكة في مجلس، ولا يستعان بمن بقي منهم في المدينة أبداً، فخرجوا على وجوههم في البلاد شاردين متنكرين وقطع الله دابرهم.
قال: فلما كان بعد مدة من هلاك البرامكة وجد الرشيد رقعة تحت مصلاه فيها خطاب وأبيات من الشعر فبحث عنها، فقيل: إن صاحب السر عملها، فبعث إليه فسأله عنها، فقال: يا أمير المؤمنين وجدتها في صحن الدار، ولا أعلم من طرحها فأخذتها وطرحتها تحت مصلاك، فقيل: إن ذلك من زبيدة لتهلك من بقي من البرامكة فعملت الرقعة للرشيد وحركته وزادت في غيظه، فاستدعى في الوقت بالفضل بن يحيى وضربه سياطاً حتى كاد يهلكه وزاد في حديده وأغلاله، ثم استدعى يحيى وكان شيخاً كبيراً، وزاد في حديده وأغلاله أيضاً، وكان قد أنشأ في النعيم، فتذكر فقد جعفر وتشتت الأهل، فكتب كتاباً إلى الرشيد يستعطفه ويسأله أن يخفف عنه من القيد والغل، وهو: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى أمير المؤمنين ونسل المهديين وإمام المسلمين وخليفة رسول الله رب العالمين، من عبد أسلمته ذنوبه وأوثقته عيوبه وخذله شقيقه ورفضه صديقه وخانه
стр. 173
الزمان وأناخ عليه الخذلان ونزل به الحدثان فصار إلى الضيق بعد السعة، وعالج الموت بعد الدعة، وشرب كأس الموت مترعة، وافترش السخط بعد الرضا، واكتحل بالسهر بعد الكرى، فنهاره فكر ونومه سهر، وساعته شهر وليله دهر قد عاين الموت مراراً وشارف الهلاك جهاراً، يا أمير المؤمنين، قد أصابتني مصيبتان: الحال والمال، أما المال، فإن ذلك منك ولك، وكان في يدي عارية منك، ولا بأس برد العواري إلى أهلها، وما المصيبة بجفعر فبجرمه وجراءته وعاقبته بما استخف من أمرك وكان جزاؤه فوق ما استحق، وأما الفقير، فاذكر يا أمير المؤمنين خدمتي وارحم ضعفي ووهن قوتي وهب لي رضاك فمن مثلي الزلل ومن مثلك الإقالة، ولست أعتذر ولكن أقر وقد رجوت أن أفوز برضاك فتقبل عذري وصدق نيتي وظاهر طاعتي وتلويح حجتي ففي ذلك ما يكتفي به أمير المؤمنين ويرى الحقيقة فيه ويبلغ المراد منه، ثم أنشأ يقول:
قل للخيلفة ذي الصنا ... ئع والعطايا الفاشيه
وابن الخلائف من قري؟ ... شٍ والملوك العاليه
رأس الأمور وخير من ... ساس الأمور الماضيه
إن البرامكة الذي؟ ... ن رموا لديك بداهيه
عمتهمو لك سخطة ... لم تبق منهم باقية
؟ فكأنهم مما بهم أعجاز نخل خاويه
صفر الوجوه عليهم ... خلع المذلة باديه
مستضعفون ومطردو ... ن بكل أرضٍ قاصيه
بعد الإمارة والوزا ... رة والأمور الساميه
ومنازل كانوا بها ... فوق المنازل عاليه
أضحوا، وجل منا همو ... منك الرضا والعافيه
يا من يريد لي الردى ... يكفيك ويحك ما بيه
يكفيك أني مستبا ... ح عترتي ونسائيه
يكفيك ما أبصرته ... ذلي وذل مكانيه
فلقد رأيت الموت من قبل الممات علانيه
وبكاء فاطمة الكبي؟ ... رة والدموع الجاريه
ومقالها بتفجع: ... يا سوأتي وشقائيه
стр. 174
من لي، وقد غلب الزما ... ن على جميع رجاليه
يا لهفَ نفسي، لهفاً ... ما للزمان وما ليه
أوما سمعت مقالتي ... يا ذا الفروع الزاكيه
يا عطفة الملك الرضا ... عودي علينا ثانيه
فلما وقف الرشيد على الرقعة، كتب على ظهرها هذه الأبيات:
يا آل برمك! إنكم ... كنتم ملوكاً عاتيه
فعصيتمو وطغيتمو ... وكفرتمو نعمائيه
هذي عقوبة من عصى ... من فوقه وعصانيه
أجري القضاء عليكمو ... ما خنتموه علانيه
من ترك نصح إمامكم ... عند الأمور الباديه
ثم أردفه بقوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم " وضرب الله مثلاً، قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون " فلما قرأها يحيى، وهو بالسجن، أخذته الحمى لوقته وساعته، وكان ينام على التراب وأيس من الحياة، وعلم أنه ليس له مخلص مما هو فيه من السجن، انتهى.
أحسن ما رأى جعفر
وقيل ليحيى بن خالد برمك: أيها الوزير، أخبرنا بأحسن ما رأيت في أيام سعادتك؟ قال: ركبت يوماً في بعض الأيام في سفينة أريد التنزه، فلما خرجت برجلي لأصعد، فاتكأت على لوح من ألواحها وكان بأصبعي خاتم فطار فصه من يدي، وكان ياقوتاً أحمر قيمته ألف مثقال من الذهب، فتطيرت من ذلك. ثم عدت إلى منزلي، وإذا بالطباخ قد أتى بذلك الفص بعينه، وقال: أيها الوزير لقيت هذا الفص في بطن حوت، وذلك لأني اشتريت حيتاناً للمطبخ، فشققت بطنها فرأيت هذا الفص، فقلت: لا يصلح هذا إلا للوزير أعزه الله تعالى. فقلت الحمد لله هذا بلوغ الغاية.
стр. 175
أعظم ما مر به
وقيل له: أخبرنا ببعض ما لقيت من المحن؟ قال: اشتهيت لحماً في قدر طباخ، وأنا في السجن فغرمت ألف دينار في شهوتي حتى أتيت بقدر ولحم مقطع في قصبة فارسية، والخل وسائر حوائجها في قصبة أخرى وتركوا عندي ما أحتاج إليه، وأتيت بنار فأوقدت تحت القدر ونفخت، ولحيتي في الأَرض حتى كادت روحي تخرج. فلما أنضجت تركتها تفور وتغلي وفتت الخبز وعمدت لأنزلها فانفلتت وانكسرت القدر على الأرض، فبقيت ألتقط اللحم وأمسح منه التراب وآكله. وذهب المرق الذي كنت أشتهيه، وهذا عظم ما مر بي، انتهى.
؟
موت يحيى البرمكي
ثم إن الرشيد نذر الحج، فخرج وخرج معه العسكر وكان خروجه في رمضان، فكانت تضرب له السرادقات المكللة بالديباج مفروشة بالحرير، يخرج من سرادق إلى سرادق، والناس محدقون به، حتى وصل إلى الحرم وحج. فاتفق أن الوفاة دنت من يحيى، وهو في السجن، فكتب رقعة وأوصى ولده الفضل أن يوصلها إلى الرشيد وكتب فيها هذه الأبيات:
ستعلم في الحساب إذا التقينا ... غداً، يومَ القيامة، من الظلومُ
؟ وينقطع التلذذ عن أناس ... من الدنيا، وتنقطع الهموم
تنام ولم تنم عنك المنايا ... تنبه للمنية يا نؤوم
تروم الخلد في دار المنايا ... وكم قد رام غيرك ما تروم
؟ إلى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم قال: فلما قدم الرشيد أنفذها إليه الفضل. فلما قرأها علم بموته فقال: مات والله يحيى، ومات الجود والكرم والسخاء، والله لو كان حياً لفرجت عنه، ثم أمر بإطلاق الفضل ابنه واستوزره مكان أخيه جعفر، رحمة الله عليهم أجمعين.
؟
стр. 176
مدح البرامكة قال بعضهم في البرامكة:
إن البرامكة الكرام تعلموا ... فعل الكرام فعلموه الناسا
كانوا إذا غرسوا سقوا، وإذا بنوا ... لم يهدموا مما بنوه أساسا
وإذا همو صنعوا الصنائع في الورى ... جعلوا لها طولَ البقاء لباسا
فعلام تقصيني وأنت سقيتني ... من مر هجرك، من جنابك كاسا
آنستني متفضلاً، أفلا ترى ... أن انقطاعك يُوحش الإيناسا
؟
رأي الموصلي بالبرامكة
وسئل إسحاق الموصلي أن سخاء أولاد يحيى بن خالد، فقال: أما الفضل ففعله يُرضيك، وما جعفر فقوله يرضيك، وأما محمد فيفعل ما يجد، وفي يحيى يقول القائل:
سألت الندى: هل أنت حر، فقال لا ... ولكنني عبد ليحيى بن خالد
فقلت: شراءً قال: لا بل وراثةً ... توارثني من والد بعد والد
وفي الفضل يقول القائل:
إذا نزل الفضل بن يحيى ببلدةٍ ... رأيت بها عشب السماحة ينبت
فليس بسعال إذا سيل حاجةً ... ولا بمكب في ثرى الأرض ينكت
وفي محمد يقول القائل:
سألت الندى والجود: مالي أراكما ... تبدلتما عزاً بذل مؤيد؟
وما بال ركن المجد أمسى مهدماً؟ ... فقالا: أَحبنا في ابن يحيى محمد
فقلت: فهلا متما بعد موته ... وقد كنتما عبديه في كل مشهد؟
فقالا أقمنا كي نعزي بفقده ... مسافة يوم ثم نتلوه في غد
стр. 177
منتهى الكرم للبرامكة
وذكر الحافظ السيوطي: نفعنا الله به في رسالته: مشتهر العقول في منتهى النقول، أن منتهى الكرم للوزراء البرامكة، كاد أن لا يوجد أحد من العلماء والحكماء والعظماء والندماء إلا وللبرامكة عليه كرم نما كماء السماء، وتكرم جعفر بخمسين ألف دينار من الذهب وتكرر منه كثيراً في ولايته كلها من غير من ولا أذى ولا لغرض ولا لمرض، حتى صار يضرب بهم المثل الأكبر بقولهم: تبرمك فلان.
ومن كرم جعفر أنه تكرم في ويوم على ألف شاعر، أعطى كل شاعر ألف درهم، والدرهم ثلاثة أًصناف فضة. ومن كرمه أنه تكرم على من هجاه بخمسة آلاف دينار وعفا عن تأديبه وتعذيبه.
فقر البرامكة وذلهم
ولما أوقع بهم من الأمر ما أوقع الرشيد، صار أمرهم إلى ما سيوصف من الفقر والذل والإهانة، فمن ذلك ما قاله محمد بن غسان صاحب ولاية الكوفة وقاضيها. قال: دخلت على أمي في يوم عيد أضحى فرأيت عندها عجوزاً في أطمار رثةٍ، وإذا لها بيانٌ ولسانٌ، فقلت لأمي: من هذه؟ قالت: هذه خالتك عتابة أم جعفر البرمكي بن يحيى.
فسلمت عليها، وقلت لها: أصار بك الدهر إلى ما أرى؟ قالت: نعم يا بني، إن الذي كنا فيه كان عارية ارتجعها الدهر منا.
قال: فقلت حدثيني ببعض شأنك؟ قالت: خذه جملة! لقد مضى علي عيد أضحى مثل هذا منذ ثلاث سنين، وعلى رأسي أربعمائة وصيفة، وأنا أزعم أن ابني عاق لي، وقد جئتكم اليوم أطلب جلدي شاة أجعل أحدهما شعاراً والآخر دثاراً.
قال: فغمني ذلك وأبكاني، فوهبت لها بعض دنانير كانت عندي والله أعلم.
стр. 178
من أقوال البرامكة
من قول يحيى بن خالد لابنه جعفر: يا بني، ما دام قلمك يرعف فامطره معروفاً.
ومن كلام جعفر: إذا أحببت إنساناً من غير سبب فارج خيره، وإذا أبغضت إنساناً من غير سبب فتوق شره.
الرشيد يبكي على البرامكة
قال يحيى بن سلام الأبرش، قال: حدثني أبي قال: خرج الرشيد للصيد يوماً بعدما أباد البرامكة فاجتاز بجدار خراب من جدران بني برمك فرأى لوحاً مكتوباً عليه هذه الأبيات:
يا منزلاً لعب الزمان بأهله ... فأبادهم بتفرق لا يجمع
إن الذين عهدتهم فيما مضى ... كان الزمان بهم يضر وينفع
أصبحت تفزع من رآك، وطالما ... كنا إليك من المخاوف نضرع
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقي الذين حياتهم لا تنفع
قال: فبكى الرشيد، وأقبل على الأصمعي وقال: أتعرف شيئاً من أخبار البرامكة تحدثني به؟ فقال الأصمعي: ولي الأمان.
قال: ولك الأمان.
فقال: أحدثك بشيء شاهدته بعيني من الفضل بن يحيى، وذلك أنه خرج يوماً للصيد والقنص، وهو في موكبه، إذ رأى أعرابياً على ناقة قد أقبل من صدر البرية يركض في سيره، قال: هذا يقصدني.
فقلت: ومن أعلمك؟ قال: لا يكلمه أحدٌ غيري.
فلما دنا الأعرابي ورأى المضارب تضرب والخيام تنصب والعسكر الكثير، والجم الغفير، وسمع الغوغاء والضجة، ظن أنه أمير المؤمنين، فنزل وعقل راحلته وتقدم وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
قال: الآن قاربت، اجلس.
فجلس الأعرابي فقال له الفضل: من أين أقبلت يا أخا العرب؟ قال: من قضاعة.
стр. 179
قال: من أدناها أم من أقصاها؟ قال: من أقصاها.
قال الأصمعي: فالتفت إلي الفضل وقال: كم من العراق إلى أرض قضاعة.؟ فقلت: ثمانمائة فرسخ.
فقال: يا أخا العرب، مثلك لم يقصد من ثمانمائة فرسخ إلى العراق إلا لشيء.
قال: قصدت هؤلاء الأماجد الأنجاد الذين قد اشتهر معروفهم في البلاد.
قال: من هم؟ قال: البرامكة.
قال الفضل: يا أخا العرب البرامكة خلق كثير، وفيهم جليل وخطير، ولكن منهم خاصة وعامة، فهلا أفردت لنفسك منهم من اخترت لنفسك وأتيته لحاجتك؟ قال: أجل! أطولهم باعاً وأسمحهم كفاً.
قال: من هو؟ قال: الفضل بن يحيى بن خالد.
فقال له الفضل: يا أخا العرب، إن الفضل جليل القدر عظيم الخطر، إذا جلس للناس مجلساً عاماً لم يحضر مجلسه إلا العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء والكتاب والمناظرون للعم، أعالم أنت؟ قال: لا.
قال: أفأديب أنت؟ قال: لا.
قال: أفعارفٌ أنت بأيام العرب وأشعارها؟ قال: لا.
قال: هل وردت على الفضل بكتاب وسيلة؟ قال: لا.
فقال: يا أخا العرب غرتك نفسك، مثلك يقصد الفضل بن يحيى، وهو كما عرفتك عنه من الجلالة، بأي ذريعة أو وسيلة تقدم عليه؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما قصدته إلا لإحسانه المعروف وكرمه الموصوف وبيتين من الشعر قلتهما فيه.
فقال الفضل: يا أخا العرب أنشدني البيتين فإن كانا يصلحان أن تلقاه بهما أشرت عليك بلقائه، وإن كانا لا يصلحان أن تلقاه بهما بررتك بشيء من مالي ورجعت إلى باديتك وإن كنت لم تستحق بشعرك شيئاً. قال: أفتفعل أيها الأمير؟ قال: نعم.
قال: فإني أقول:
ألم تر أن الجود من عهد آدم ... تحدر حتى صار يملكه الفضل
ولو أن أماً قضها جوع طفلها ... ونادت على الفضل بن يحيى اغتذى الطفل
قال: أحسنت يا أخا العرب. فإن قال لك هذان البيتان قد مدحنا بهما شاعر، وأخذ الجائزة عليهما، فأنشدني غيرهما فما تقول؟ قال: أقول:
стр. 180
قد كان آدم حين حان وفاته ... أوصاك، وهو يجود بالحوباء
ببنيه أن ترعاهمو، فرعيتهم ... وكفيت آدم عيلة الأبناء
قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل ممتحناً: هذان البيتان أخذتهما من أفواه الناس، فأنشدني غيرهما ما تقول، وقد رمقتك الأدباء بالأبصار، وامتدت الأعناق إليك، وتحتاج أن تناضل عن نفسك؟ قال: إذن أقول:
ملت جهابذ فضل وزن نائله ... ومل كاتبه إحصاء ما يهب
والله لولاك لم يمدح بمكرمة ... خلق، ولم يرتفع مجد ولا حسب
قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك هذان البيتان أيضاً أخذتهما من أفواه الناس ما كنت قائلاً؟ قال: أقول:
وللفضل صولات على مال نفسه ... يرى المال منه بالمذلة والعنا
ولو أن رب المال أبصر ماله ... لصلى على مال الأمير وأذنا
قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: هذان البيتان مسروقان، أنشدني غيرهما ما تقول؟ قال: إذن أقول:
ولو قيل للمعروف ناد أخا العلا ... لنادى بأعلي الصوت يا فضل يا فضل
ولو أنفقت جدواك من رمل عالج ... لأصبح من جدواك قد نفد الرمل
قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: هذان البيتان مسروقان أيضاً أنشدني غيرهما ما تقول؟ قال: أقول:
وما الناس إلا اثنان: صب وباذلٌ ... وإني لذاك الصب والباذل الفضل
على أن لي مثلاً كما ذكر الورى ... وليس لفضلٍ في سماحته مثل
قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: أنشدني غيرهما ما تقول؟ قال: أقول أيها الأمير:
حكى الفضل عن يحيى سماحة خالد ... فقامت به التقوى وقام به العدل
وقام به المعروف شرقاً ومغرباً ... ولم يك للمعروف بعدٌ ولا قبل
قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك: قد ضجرنا من الفاضل والمفضول أنشدني بيتين على الكنية لا على الاسم ما تقول؟ قال: إذن أقول:
ألا يا أبا العباس يا واحد الورى ... ويا ملكاً خد الملوك له نعل
следующие страницы →