← История

История · id 408

نوادر الخلفاء = إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس

الإتليدي

Полный текст (300 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

مدح البرامكة قال بعضهم في البرامكة: إن البرامكة الكرام تعلموا ... فعل الكرام فعلموه الناسا كانوا إذا غرسوا سقوا، وإذا بنوا ... لم يهدموا مما بنوه أساسا وإذا همو صنعوا الصنائع في الورى ... جعلوا لها طولَ البقاء لباسا فعلام تقصيني وأنت سقيتني ... من مر هجرك، من جنابك كاسا آنستني متفضلاً، أفلا ترى ... أن انقطاعك يُوحش الإيناسا ؟ رأي الموصلي بالبرامكة وسئل إسحاق الموصلي أن سخاء أولاد يحيى بن خالد، فقال: أما الفضل ففعله يُرضيك، وما جعفر فقوله يرضيك، وأما محمد فيفعل ما يجد، وفي يحيى يقول القائل: سألت الندى: هل أنت حر، فقال لا ... ولكنني عبد ليحيى بن خالد فقلت: شراءً قال: لا بل وراثةً ... توارثني من والد بعد والد وفي الفضل يقول القائل: إذا نزل الفضل بن يحيى ببلدةٍ ... رأيت بها عشب السماحة ينبت فليس بسعال إذا سيل حاجةً ... ولا بمكب في ثرى الأرض ينكت وفي محمد يقول القائل: سألت الندى والجود: مالي أراكما ... تبدلتما عزاً بذل مؤيد؟ وما بال ركن المجد أمسى مهدماً؟ ... فقالا: أَحبنا في ابن يحيى محمد فقلت: فهلا متما بعد موته ... وقد كنتما عبديه في كل مشهد؟ فقالا أقمنا كي نعزي بفقده ... مسافة يوم ثم نتلوه في غد

стр. 177

منتهى الكرم للبرامكة وذكر الحافظ السيوطي: نفعنا الله به في رسالته: مشتهر العقول في منتهى النقول، أن منتهى الكرم للوزراء البرامكة، كاد أن لا يوجد أحد من العلماء والحكماء والعظماء والندماء إلا وللبرامكة عليه كرم نما كماء السماء، وتكرم جعفر بخمسين ألف دينار من الذهب وتكرر منه كثيراً في ولايته كلها من غير من ولا أذى ولا لغرض ولا لمرض، حتى صار يضرب بهم المثل الأكبر بقولهم: تبرمك فلان. ومن كرم جعفر أنه تكرم في ويوم على ألف شاعر، أعطى كل شاعر ألف درهم، والدرهم ثلاثة أًصناف فضة. ومن كرمه أنه تكرم على من هجاه بخمسة آلاف دينار وعفا عن تأديبه وتعذيبه. فقر البرامكة وذلهم ولما أوقع بهم من الأمر ما أوقع الرشيد، صار أمرهم إلى ما سيوصف من الفقر والذل والإهانة، فمن ذلك ما قاله محمد بن غسان صاحب ولاية الكوفة وقاضيها. قال: دخلت على أمي في يوم عيد أضحى فرأيت عندها عجوزاً في أطمار رثةٍ، وإذا لها بيانٌ ولسانٌ، فقلت لأمي: من هذه؟ قالت: هذه خالتك عتابة أم جعفر البرمكي بن يحيى. فسلمت عليها، وقلت لها: أصار بك الدهر إلى ما أرى؟ قالت: نعم يا بني، إن الذي كنا فيه كان عارية ارتجعها الدهر منا. قال: فقلت حدثيني ببعض شأنك؟ قالت: خذه جملة! لقد مضى علي عيد أضحى مثل هذا منذ ثلاث سنين، وعلى رأسي أربعمائة وصيفة، وأنا أزعم أن ابني عاق لي، وقد جئتكم اليوم أطلب جلدي شاة أجعل أحدهما شعاراً والآخر دثاراً. قال: فغمني ذلك وأبكاني، فوهبت لها بعض دنانير كانت عندي والله أعلم.

стр. 178

من أقوال البرامكة من قول يحيى بن خالد لابنه جعفر: يا بني، ما دام قلمك يرعف فامطره معروفاً. ومن كلام جعفر: إذا أحببت إنساناً من غير سبب فارج خيره، وإذا أبغضت إنساناً من غير سبب فتوق شره. الرشيد يبكي على البرامكة قال يحيى بن سلام الأبرش، قال: حدثني أبي قال: خرج الرشيد للصيد يوماً بعدما أباد البرامكة فاجتاز بجدار خراب من جدران بني برمك فرأى لوحاً مكتوباً عليه هذه الأبيات: يا منزلاً لعب الزمان بأهله ... فأبادهم بتفرق لا يجمع إن الذين عهدتهم فيما مضى ... كان الزمان بهم يضر وينفع أصبحت تفزع من رآك، وطالما ... كنا إليك من المخاوف نضرع ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقي الذين حياتهم لا تنفع قال: فبكى الرشيد، وأقبل على الأصمعي وقال: أتعرف شيئاً من أخبار البرامكة تحدثني به؟ فقال الأصمعي: ولي الأمان. قال: ولك الأمان. فقال: أحدثك بشيء شاهدته بعيني من الفضل بن يحيى، وذلك أنه خرج يوماً للصيد والقنص، وهو في موكبه، إذ رأى أعرابياً على ناقة قد أقبل من صدر البرية يركض في سيره، قال: هذا يقصدني. فقلت: ومن أعلمك؟ قال: لا يكلمه أحدٌ غيري. فلما دنا الأعرابي ورأى المضارب تضرب والخيام تنصب والعسكر الكثير، والجم الغفير، وسمع الغوغاء والضجة، ظن أنه أمير المؤمنين، فنزل وعقل راحلته وتقدم وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. قال: الآن قاربت، اجلس. فجلس الأعرابي فقال له الفضل: من أين أقبلت يا أخا العرب؟ قال: من قضاعة.

стр. 179

قال: من أدناها أم من أقصاها؟ قال: من أقصاها. قال الأصمعي: فالتفت إلي الفضل وقال: كم من العراق إلى أرض قضاعة.؟ فقلت: ثمانمائة فرسخ. فقال: يا أخا العرب، مثلك لم يقصد من ثمانمائة فرسخ إلى العراق إلا لشيء. قال: قصدت هؤلاء الأماجد الأنجاد الذين قد اشتهر معروفهم في البلاد. قال: من هم؟ قال: البرامكة. قال الفضل: يا أخا العرب البرامكة خلق كثير، وفيهم جليل وخطير، ولكن منهم خاصة وعامة، فهلا أفردت لنفسك منهم من اخترت لنفسك وأتيته لحاجتك؟ قال: أجل! أطولهم باعاً وأسمحهم كفاً. قال: من هو؟ قال: الفضل بن يحيى بن خالد. فقال له الفضل: يا أخا العرب، إن الفضل جليل القدر عظيم الخطر، إذا جلس للناس مجلساً عاماً لم يحضر مجلسه إلا العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء والكتاب والمناظرون للعم، أعالم أنت؟ قال: لا. قال: أفأديب أنت؟ قال: لا. قال: أفعارفٌ أنت بأيام العرب وأشعارها؟ قال: لا. قال: هل وردت على الفضل بكتاب وسيلة؟ قال: لا. فقال: يا أخا العرب غرتك نفسك، مثلك يقصد الفضل بن يحيى، وهو كما عرفتك عنه من الجلالة، بأي ذريعة أو وسيلة تقدم عليه؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما قصدته إلا لإحسانه المعروف وكرمه الموصوف وبيتين من الشعر قلتهما فيه. فقال الفضل: يا أخا العرب أنشدني البيتين فإن كانا يصلحان أن تلقاه بهما أشرت عليك بلقائه، وإن كانا لا يصلحان أن تلقاه بهما بررتك بشيء من مالي ورجعت إلى باديتك وإن كنت لم تستحق بشعرك شيئاً. قال: أفتفعل أيها الأمير؟ قال: نعم. قال: فإني أقول: ألم تر أن الجود من عهد آدم ... تحدر حتى صار يملكه الفضل ولو أن أماً قضها جوع طفلها ... ونادت على الفضل بن يحيى اغتذى الطفل قال: أحسنت يا أخا العرب. فإن قال لك هذان البيتان قد مدحنا بهما شاعر، وأخذ الجائزة عليهما، فأنشدني غيرهما فما تقول؟ قال: أقول:

стр. 180

قد كان آدم حين حان وفاته ... أوصاك، وهو يجود بالحوباء ببنيه أن ترعاهمو، فرعيتهم ... وكفيت آدم عيلة الأبناء قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل ممتحناً: هذان البيتان أخذتهما من أفواه الناس، فأنشدني غيرهما ما تقول، وقد رمقتك الأدباء بالأبصار، وامتدت الأعناق إليك، وتحتاج أن تناضل عن نفسك؟ قال: إذن أقول: ملت جهابذ فضل وزن نائله ... ومل كاتبه إحصاء ما يهب والله لولاك لم يمدح بمكرمة ... خلق، ولم يرتفع مجد ولا حسب قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك هذان البيتان أيضاً أخذتهما من أفواه الناس ما كنت قائلاً؟ قال: أقول: وللفضل صولات على مال نفسه ... يرى المال منه بالمذلة والعنا ولو أن رب المال أبصر ماله ... لصلى على مال الأمير وأذنا قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: هذان البيتان مسروقان، أنشدني غيرهما ما تقول؟ قال: إذن أقول: ولو قيل للمعروف ناد أخا العلا ... لنادى بأعلي الصوت يا فضل يا فضل ولو أنفقت جدواك من رمل عالج ... لأصبح من جدواك قد نفد الرمل قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: هذان البيتان مسروقان أيضاً أنشدني غيرهما ما تقول؟ قال: أقول: وما الناس إلا اثنان: صب وباذلٌ ... وإني لذاك الصب والباذل الفضل على أن لي مثلاً كما ذكر الورى ... وليس لفضلٍ في سماحته مثل قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: أنشدني غيرهما ما تقول؟ قال: أقول أيها الأمير: حكى الفضل عن يحيى سماحة خالد ... فقامت به التقوى وقام به العدل وقام به المعروف شرقاً ومغرباً ... ولم يك للمعروف بعدٌ ولا قبل قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك: قد ضجرنا من الفاضل والمفضول أنشدني بيتين على الكنية لا على الاسم ما تقول؟ قال: إذن أقول: ألا يا أبا العباس يا واحد الورى ... ويا ملكاً خد الملوك له نعل

стр. 181

إليك تسير الناس شرقاً ومغرباً ... فرادى وأزواجاً كأنهم نحل قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: أنشدنا غير الاسم والكنية والقافية. قال: والله لئن زادني الفضل وامتحنني بعد هذا لأقولن أربعة أبيات ما سبقني إليها عربي ولا أعجمي، ولئن زادني بعدها لأجمعن قوائم ناقتي هذه وأجعلها في حر أم الفضل وأرجعن إلى قضاعة خاسراً، ولا أبالي. فنكس الفضل رأسه، وقال للأعرابي: يا أخا العرب أسمعني الأبيات الأربعة: قال: أقولك ولائمةٍ لامتك، يا فضل، في الندى ... فقلت لها: هل يقدح اللوم في البحر أتنهين فضلاً عن عطاياه للغنى ... فمن ذا الذي ينهى السحاب عن القطر كأن نوال الفضل في كل بلدةٍ ... تحدر هذا المزن في مهمة قفر كأن وفود الناس في كل وجهة ... إلى الفضل لاقوا عنده ليلة القدر قال: فأمسك الفضل عن فيه، وسقط على وجهه ضاحكاً، ثم رفع رأسه وقال: يا أخا العرب، أنا والله الفضل بن يحيى، سل ما شئت. فقال: سألتك بالله أيها الأمير إنك لهو؟ قال: نعم. قال له: فأقلني. قال: أقالك الله، اذكر حاجتك. قال: عشرة آلاف درهم. قال الفضل: ازدريت بنا وبنفسك، يا أخا العرب، تعطى عشرة آلاف درهم في عشرة آلاف. وأمر بدفع المال، فلما صار المال إليه حسده وزيره الفضل، وقال: يا مولاي هذا إسراف يأتيك جلف من أجلاف العرب بأبيات استرقها من أشعار العرب فتجزيه بهذا المال؟ فقال: استحقه بحضوره إلينا من أرض قضاعة. قال الوزير: أقسمت عليك يا مولاي إلا أخذت سهماً من كنانتك وركبته في كبد قوسك وأومأت به إلى الأعرابي فإن رد عن نفسه ببيت من الشعر، وإلا استعدت مالك، ويكون له في بعضه كفاية.

стр. 182

فأخذ الفضل سهماً وركبه في كبد قوسه وأومأ به إلى الأعرابي وقال له: رد سهمي ببيت من الشعر؟ فأنشأ يقول: لقوسك قوس الجود والوتر والندى ... وسهمك سهم العز فارم به فقري قال: فضحك الفضل وأنشأ يقول: إذا ملكت كفي منالاً ولم أنل ... فلا انبسطت كفي ولا نهضت رجلي على الله إخلاف الذي قد بذلته ... فلا مسعدي بخلي ولا متلفي بذلي أروني بخيلاً نال مجداً ببخله ... وهاتوا كريماً مات من كثرة البذل ثم قال الفضل لوزيره: أعط الأعرابي مائة ألف درهم لقصده وشعره، ومائة ألف درهم ليكفينا شر قوائم ناقته. فأخذ الأعرابي المال وانصرف، وهو يبكي فقال له الفضل: مم بكاؤك يا أعرابي استقلالاً بالمال الذي أعطيناك؟ قال: لا، ولكني أبكي على مثلك يأكله التراب وتواريه الأرض، وتذكرت قول الشاعر: لعمرك ما الرزية فقد مال ... ولا فرس يموت ولا بعير ولكن الرزية فقد حر ... يموت لموته خلقٌ كثير وتوجه الأعرابي بالمال مسروراً رحمة الله عليهم أجمعين.

стр. 183

الرشيد وذقن أبي نواس ويحكى أن الرشيد قال لأبي نواس: بعني ذقنك؟ قال: بكم؟ قال: بألف دينار. قال: بعتك. فقال الرشيد لخازن داره: ادفع له ألف دينار، فدفعها له فأخذها وربطها وقال: يا أمير المؤمنين خذ ما اشتريت. قال: لا، ولكن جعلتها وديعة عندك. قال: فمضى أبو نواس واشتغل بأمره ولهوه، وهو خائف على ذقنه من أمير المؤمنين. قال: فبينما هو متفكر في شيء يفعله إذ جاء قاصد أمير المؤمنين، فلم يقدر أن يتكلم دون أن قام معه ودخل إلى دار الخلافة، فوجده في جمع كثير من خواص المملكة وأعوان الدولة، وكان من شأنه أن يجلس بالقرب من أمير المؤمنين، فتحادثوا وتماجنوا فضرط أبو نواس ضرطة مزعجة أزعجت الحاضرين، فضحكوا جميعاً، وضحك أمير المؤمنين وقال له: في ذقنك يا معرص. فقال له في الحال: الله أعلم هي ذقن من؟ فقال أمير المؤمنين: قد وهبتها لك يا معلون. فأخذها وانصرف وكسب الألف دينار بهذه الحيلة والله أعلم، انتهى. يضرب الشاة الحد وكان نصر بن مقبل عاملاً على الرقة، فتي برجل من الظرفاء وجده ينكح شاة فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: أيها الأمير، إنها والله ملك يميني، وقد قال الله تعالى: " أو ما ملكت أيمانكم ". فأطلقه وأمر بضرب الشاة الحد، فإن ماتت تصلب. قالوا: أيها الأمير إنها بهيمة. قال: وإن كانت بهيمة فإن الحدود لا تعطل وإن عطلتها فبئس الوالي أنا.

стр. 184

فانتهى إلى الرشيد خبرها ولم يكن رآه قبل فدعا به فلما حضر بين يديه، قال: من أنت؟ قال: مولى لكلب. فضحك منه ثم قال: كيف بصرك بالحكم؟ فقال: يا أمير المؤمنين، البهائم عندي والناس سواء، ولو وجب حد على بهيمة، وكانت أمي أو أختي لحديتها ولم تأخذني في الله لومة لائم. فأمر الرشيد أن لا يستعان به على عمل فلم يزل معطلاً إلى أن مات، والله أعلم. ؟ الرشيد يأمر بقتل أبي نواس ويحكى أن هارون الرشيد أمر بقتل أبي نواس فقال: أتقتلني شهوةً لقتلي؟ فقال: لا، بل أنت مستحق للقتل. قال: فيم استحقيت القتل؟ قال: بقولك: ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر فقال: يا أمير المؤمنين، أفتعلم أنه سقاني وشربت؟ فقال له أمير المؤمنين: أظن ذلك. فقال: يا أمير المؤمنين، أفتقتلني على الظن، وقد قال الله تعالى: " إن بعض الظن إثم ". فقال له الرشيد: قد قلت ما تستحق به القتل. فقال: ما هو؟ فقال له: قولك: ما جاءنا أحدٌ يخبر أنه ... في جنةٍ من ماتَ أو في نار فقال له: يا أمير المؤمنين! هل جاءنا أحدٌ؟ قال: لا. قال: أتقتلني على الصدق؟ فقال له الرشيد: أولست القائل: يا أحمدُ المرتجى في كل نائبة ... قم سيدي نعص جبار السموات فقال له: يا أمير المؤمنين! أوصار القول فعلاً؟ قال: لا أعلم. قال: أفتقتلني على ما لم تعلم.

стр. 185

فقال له أمير المؤمنين: دع هذا كله، فقد اعترفت في مواضع كثيرة من شعرك بالزنا. قال أبو نواس: قد علم الله هذا قبل علم أمير المؤمنين بقوله تعالى: " والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقلون ما لا يفعلون ". فقال الرشيد: خلوا عنه. ومن هذا أخذ الصفي الحلي فقال: نحن الألى جاء الكتاب مخبراً ... بعفاف أنفسنا وفسق الألسن تغفر ذنوبه بأبياتٍ وعن محمد بن نافع، قال: رأيت أبا نواس في النوم بعد موته، فقلت: يا أبا نواس!. فقال: لاحين كنيت. فقلت: الحسن بن هانئ. قال: نعم. قلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بأبياتٍ قلتها عي علتي قبل موتي هي تحت الوسادة. فسألت أهله فقلت: هل قال أخي شعراً؟ قالوا: لا نعلم! إلا أنه دعا بدواة وقرطاس وكتب شيئاً لا ندري ما هو. فدخلت ورفعت وسادته وإذا أنا برقة مكتوب فيها: يا رب! إن عظمت ذنوبي كثرةً ... فلقد علمت بان عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ ... فمن الذي يدعو ويرجو المجرم مالي إليك وسيلةٌ إلا الرجا ... وجميل عفوك ثم إني مسلم

стр. 186

هذه حكاية العجمي والكردي وما جرى بينهما على يد القاضي بسبب الجراب قيل إن الخليفة هارون الرشيد قلق ليلة، فاستدعى بوزيره جعفر البرمكي، فلما حضر عنده قال له: يا جعفر، غني قلقت وضاق صدري وأريد منك شيئاً يشرح خاطري. فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين، إن لي صديقاً اسمه علي العجمي، وعنده من جميع الحكايات والأخبار. فقال: علي به. فقال: سمعاً وطاعةً. ثم إن جعفراً خرج من عند الخليفة في طلب علي العجمي، فأرسل خلفه فلما حضر قال: أجب أمير المؤمنين. قال: سمعاً وطاعة. فأتى الخليفة فسلم وترحم، فقال له: اجلس فجلس، فقال له الخليفة: اسمع يا علي، إنني الليلة ضيق الصدر، وسمعت عنك أن في ذهنك حكاياتٍ وأخباراً وأريد منك أن تسمعني ما يزل همي وفكري. فقال: يا أمير المؤمنين، تريد أن أحكي لك شيئاً سمعته أو رأيته؟ فقال: إن كنت رأيت شيئاً فاحكه. فقال: سمعاً وطاعةً؟! اعلم يا أمير المؤمنين أني سافرت في بعض السنين من بلدي إلى هذه المدينة، وهي بغداد، وصحبني غلام ظريف ومعه جراب نظيف، فأودعني إياه. فبينا أنا أبيع وأشتري، وإذا أنا برجل كردي ظالم معتد هجم علي وأخذ الجراب مني وقال: هذا الجراب جرابي، وكل ما فيه قماشي وثيابي. فقلت: يا معشر الناس قد اعتراني الوسواس. فقال الناس جميعاً: امضوا إلى القاضي، وكل بحكمه راضي. فدخلنا عليه، وتمثلنا بين يديه، فقال القاضي: في أي شيء جئتما؟ فقال الكردي: نحن خصمان. قال: أيكما المدعي؟ فتقدم الكردي، وقال: أيد الله مولانا القاضي! هذا الجراب

стр. 187

جرابي، وكل ما فيه قماشي وثيابي، وقد ضاع ووجدته مع هذا الرجل. فقال القاضي: ومتى ضاع منك؟ فقال الكردي: ضاع مني بالأمس. فقال القاضي: إن كنت عرفته فصف لي ما فيه. فقال الكردي: إن في جرابي هذا مرودين من لجين، وأكحالاً لعينين، ومنديلاً لليدين، ومشربتين مذهبتين، وشمعدانين ومكبتين وطبقين، وإبريقين، وصينية وطشتين، وقدر ودستين، ومغرفة وملعقتين، ومسلة ومقلمةٌ وملبتين، وقعباً وقصعتين، ومخدة ونطعين، وجبة وفروتين، وبقرة وعجلتين، وعنزاً وشاتين، ونعجة وخروفين، وقطين أبلقين، وجملاً وناقتين، وبقرة وثورين، ولبوة وسبعين، ودبة وثعلبين، ومرتبة وسريرين، وطبقة وقاعتين، ورواقاً ومقعدين، ومطبخاً ببابين، وجماعة أكرادٍ يشهدون أن الجراب جرابي. فقال القاضي: فما تقول أنت يا علي؟ فتقدمت يا أمير المؤمنين، وقد بهتني كلامه فقلت: أعز الله مولانا القاضي، أنا ما في جرابي إلا دويرة حراب وأخرى بلا باب ومقصورة للكلاب وفيه للصبيان كتاب وشبان يلعبون بالكعاب، وفيه عساكر وأطناب ومدينة بصرى وبغداد، وقصر كنعان بن شداد، وكور وحداد، وشبكة وصياد وعصا وأوتاد، وبنات وأولاد وألف قواد يشهدون أن الجراب جرابي. فلما سمع الكردي هذا الكلام بكى وانتحب وقال: يا سيدي القاضي، جرابي هذا معروف، وكل ما فيه موصوف، في جرابي هذا حصون وقلاع وقرى وضياع وطابق للصِراع ووحوش وضباع ورجال يلعبون الطابة والرقاع، وإن في جرابي هذا حجرة ومهرين وفحلاً وحصانين ورمحين طويلين وسبعاً وأرنبين، وسكيناً وخنجرين، وبحراً وخليجين، وكمراً وجوختين، وعشاري وموكبين، وصاري وقريتين، وكوراً ودكانين، ومنقلة ونردين، وعجوزاً وقحبتين، وقواداً وشاطرين ومخنثاً وعلقين وأعمى وبصيرين وأعرج وكسيحين وعياراً وأزعرين وجامعاً ومدرستين وديراً وكنيستين وقسيساً وشماسين وبطركاً وراهبين وقاضياً وشاهدين يشهدون أن الجراب جرابي. فقال القاضي: ما تقول أنت يا علي. فبادرت يا أمير المؤمنين، وقد امتلأت غيظاً وزدت في الحمق وقلت: أيد الله مولانا القاضي! إن في جرابي هذا زردخانات صِفاح، وخزائن سلاح، وألف كبش نطاح في عشرين مراح، وأربعين كلباً نباح، وبساتين وكروم عنب وتين وتفاح، وصوراً وأشباحاً وقناني وأقداحاً وعرائس ملاحاً ومغاني وأفراحاً وهرجاً وصياحاً وعبداً وفلاحاً وأخاه

стр. 188

نجاحاً ورفيقه صباحاً، ومعهم سيوف ورماح، وقسي ونشاب وأصدقاء وأحباب وخلان وأصحاب ومجلس للعتاب وندمان للشراب، وطنبور مع رباب، ونايات وقنان مصفوفات، وصبيان ودايات، وأخوات معلمات، وبنات متجليات وجوار مغنيات وجوار حبشيات وثلاث هنديات وأربع بدويات وخمس روميات وست تركيات وسبع عجميات وثماني قفجيات وتسع كرجيات وعشر كلبات، والدجلة الفرات وشبكة وصياد وقداحة وزناد، وإرم ذات العماد، وألف جواد، وقصر شداد بن عاد، وخانات مع حمامات، وقدوم ونجار وخشبة مع مسمار وتاجر مع عطار، وبزار مع بيطار، وعبد أسود بمزمار ومقدم وركبدار ومدن وأمصار ومائة ألف دينار، وبواب وكشدار ورأس نوبة، وعلم دار، والكوفة مع الأنبار وعشرين صندوقاً ملأى قماشاً ودكان نحاس، وحاصل معاش، وبرجان للحمام وغزة وعسقلان، ومن دمياط إلى أسوان وإيوان كسرى وملك سليمان، ومن كوش نعمان إلى أرض خراسان وبلخ وأصبهان ومن الهند إلى بلاد السودان، وفيه أطال الله عمر مولانا القاضي، قماش وغلائل وعراض وموسى بحد ماض، يحلق ذقن مولانا القاضي، إن حكم أن الجراب ما هو جرابي. فعند ذلك يا أمير المؤمنين حار القاضي مما سمع ثم قال: ما أراكما إلا شخصين نحسين تلعبان بالقضاة والحكام لأنه ما وصف الواصفون ولا سمع السامعون ما وصفتم في هذا الجراب، ما هذا إلا بحر ليس له قرار. ثم أمر القاضي بفتح الجراب ففتحه الكردي، فإذا فيه خبز وليمون، وجبن وزيتون، ثم إني رميت الجراب قدام القاضي والكردي، ومضيت إلى حال سبيلي. فلما سمع أمير المؤمنين ذلك ضحك حتى استلقى على قفاه وقد زال همه وغمه، وأحسن جائزة علي العجمي، وانصرف والله أعلم.

стр. 189

معن بن زائدة الشيباني كان من الكرماء، يقال فيه: حدث عن البحر ولا حرج، وكان عاملاً بالبصرة، فحضر على بابه شاعر وأقام مدة يريد الدخول فلم يتهيأ له، فقال يوماً لبعض الخدام: إذا دخل الأمير البستان فعرفني، فلما دخل أعلمه بذلك، فكتب الشاعر بيتاً ونقشه على خشبة وألقاها في الماء الذي يدخل البستان، وكان معن جالساً على القناة، فلما رأى الخشبة أخذها وقرأها فإذا فيها هذا البيت: أيا جود معن ناج معناً بحاجتي ... فليس إلى معن سواك رسول فقال: من الرجل صاحب هذه؟ فأتي به إليه. فقال: كيف قلت؟ فأنشده البيت فأمر له بعشر بدر، فأخذها وانصرف، فوضع معن الخشبة تحت بساط. فلما كان في اليوم الثاني أخرجها من تحت بساط ينظر فيها، ودعا بالرجل فأمر له بمائة ألف درهم، فلما كان في اليوم الثالث فعل مثل ذلك، فتفكر الرجل وخاف أن يأخذ منه ما أعطاه فخرج من البلد بما كان معه. فلما كان في اليوم الرابع طلب الرجل فلم يوجد، فقال معن: والله هممت أن أعطيه حتى لا يبقى في بيت مالي درهم ولا دينار إلا أعطيته له، وفيه يقول القائل: يقولون معن لا زكاة لماله ... وكيف يزكي المال من هو باذله إذا حال جولٌ لم يكن في دياره ... من المال إلا ذكره وجمائله تراه، إذا ما جئته، متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت آمله هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والبر ساحله تعود بسط الكف حتى لو نه ... أراد انقباضاً لم تطعه أنامله فلو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله ومن قول معن: دعيني أنهب الأموال حتى ... أعف الأكرمين عن اللئام ويروى أن معن بن زائدة خرج في جماعة يتصيدون، فاعترضهم قطيع ظباء، فتفرقوا في طلبه، وانفرد معن خلف ظبي، فلما ظفر به نزل فذبحه، فرأى شخصاً مقبلاً من البرية على حمار، فركب فرسه واستقبله، فسلم عليه وقال له: من أين أتيت؟

стр. 190

قال: أتيت من أرض قضاعة وإن لي بها أرضاً، لها عدة سنين، مجدبة، وقد أخصبت في هذه السنة فزرعتها قثاء فطرحت في غير وقتها، فجمعت منها ما استحسنته وقصدت الأمير معن بن زائدة لكرمه المشهور ومعروفه المأثور، وإحاسنه المذكور. فقال له: كم أملت منه؟ قال: ألف دينار. فقال: فإن قال لك: كثير. قال: خمسمائة دينار. قال: إن قال لك: كثير. قال: ثلاثمائة دينار. قال: إن قال لك: كثير. قال: مائتي دينار. قال: إن قال لك: كثير. قال: مائة دينار. قال: إن قال لك: كثير. قال: خمسين ديناراً. قال: إن قال لك: كثير. قال: أفلا أقل من ثلاثين. قال: إن قال لك: كثير. قال: أدخل قوائم حماري في حر أمه، وأرجع إلى أهلي خائباً. فضحك معن منه وساق جواده حتى لحق بعسكره ونزل منزله، وقال لحاجبه: إذا أتاك شيخ على حمار بقثاء فادخل به علي. فأتى بعد ساعة فلما دخل على الأمير معن لم يعرفه لهيبته وجلالته، وكثرة خدمه وحشمه وهو متصدر في دست مملكته، والحفدة قيامٌ عن يمينه وشماله وبين يديه. فلما سلم عليه قال له الأمير معن: ما الذي أتى بك يا أخا العرب؟ قال: أملت الأمير وأتيته بقثاء في غير أوانها. قال: فكم أملت فينا؟ قال: ألف دينار.

стр. 191

قال كثير. قال: خمسمائة دينار. قال: كثير. قال: ثلاثمائة دينار. قال: كثير. قال: مائتي دينار. قال: كثير. قال: مائة دينار. قال: كثير. قال: والله لقد كان ذلك الرجل الذي قابلني علي مشؤوماً ثم قال: خمسين ديناراً. قال: كثير. قال: أفلا أقل من ثلاثين؟ قال: فضحك معن وسكت فعلم الأعرابي أنه صاحبه فقال: يا سيدي إن لم تعطني الثلاثين فالحمار مربوط بالباب، وها أنا مع معن جالس. فضحك معن حتى استلقى على قفاه ثم استدعى بوكيله وقال: أعطه ألف دينار وخمسمائة دينار وثلاثمائة دينار ومائتي دينار ومائة دينار وخمسين ديناراً وثلاثين ديناراً ودع الحمار مربوطاً مكانه. فبهت الأعرابي وتسلم ألفي دينار ومائةً وثمانين ديناراً، فرحمة الله عليهم أجمعين. وقيل: كان معن بن زائدة في بعض صيوده فعطش فلم يجد مع غلمانه ماء، فبينما هو كذلك، وإذا بثلاث جوار قد أقبلن حاملات ثلاث قرب فسقينه، فطلب شيئاً من المال مع غلمانه، فلم يجده، فدفع لكل واحدةٍ منهن عشرة أسهم، من كنانته، نصولها من ذهب. فقالت إحداهن: ويلكن لم تكن هذه الشمائل إلا لمعن بن زائدة، فلتقل كل واحدة منكن شيئاً من الأبيات فقالت الأولى: يركب في السهام نصول تبر ... ويرمي للعدا كرماً وجوداً فللمرضى علاجٌ من جراحٍ ... وأكفانُ لمن سكن اللحودا وقالت الثانية:

стр. 192

ومحارب من فرط جود بنانه ... عمت مكارمه الأقارب والعدا صيغت نصول سهامه من عسجدٍ ... كي لا يقصر في العوارف والندى وقالت الثالثة: ومن جوده يرمي العداة بأسهمٍ ... من الذهب الإبريز صيغت نصولها لينفقها المجروح عند انقطاعه ... ويشتري الأكفان منها قتيلها وكان مع كرمه صاحب شهامة، فمن ذلك، أنه سعى رجل في إفساد دولة المهدي، وكان من الكوفة فعلم به المهدي فأهدر دمه، وجعل لمن دل عليه مائة ألف درهم، فأقام الرجل حيناً مختفياً ثم ظهر في بغداد فبينما هو في بعض الشوارع إذ رآه رجل من الكوفة فعرفه فاخذ بمجامع طوقه ونادى: هذا طلبة أمير المؤمنين فبينما الرجل على تلك الحالة وقد اجتمع حوله خلق كثير إذ سمع وقع حوافر الخيل من ورائه فالتفت فإذا هو بمعن بن زائدة، فقال: يا أبا الوليد؟ أجرني أجارك الله. فوقف فقال للرجل الذي تعلق به: ما تريد منه؟ قال: هذا طلبة أمير المؤمنين أهدر دمه، وجعل لمن دل عليه مائة ألف درهم. فقال له معن: دعه! ثم قال: يا غلام أردفه، فأردفه وكر راجعاً إلى داره، فصاح الرجل: معن حال بيني وبين من طلبه أمير المؤمنين ولم يزل صارخاً إلى أن أتى قصر المهدي، فأمر المهدي بإحضار معن، فأتته الرسلُ، فدعا معن أولاده ومماليكه وقال: لا تسلموا الرجل، وواحد منكم يعيش. ثم سار إلى المهدي فدخل وسلم فلم يرد عليه، ثم قال: يا معن! أتجير علينا عدونا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال المهدي: ونعم أيضاً. واشتد غضبه. فقال معن: يا أمير المؤمنين، بالأمس بعثتني إلى اليمن مقدم الجيش، فقتلت في طاعتك في يوم واحدٍ عشرة آلاف رجل، ولي مثل هذا أيام كثيرة فما رأيتموني أهلاً أن أجير رجلاً واحداً استجار بي، ودخل منزلي. فسكن غضب المهدي، وقال: قد أجرنا من أجرت يا أبا الوليد. قال معن: فإن رأى أمير المؤمنين أن يصله بصلةٍ يعلم منها موقع الرضا، فإن قلب الرجل قد انخلع من صدره خوفاً. قال: قد أمرنا له بخمسين ألف درهم. قال: يا أمير المؤمنين، إن صلات الخلفاء على قدر جنايات الرعية. قال: قد أمرنا له بمائة ألف درهم.

стр. 193

قال: عجلها يا أمير المؤمنين، فإن خير البر عاجله. فأحضر معن الرجل وقال له: خذ صلة أمير المؤمنين، وقبل يده، وإياك ومخالفة خلفاء الله في أرضه، " فما كل مرة تسلم الجرة "، فأرسلها الناس مثلاً، وأخذ الرجل المال واستغفر الله، انتهى. وكان معن لا يغيظ أحداً، ولا أحد يغيظه، فقال بعض الشعراء: أنا أغيظه لكم، ولو كان قلبه من حجر، فراهنوه على مائة بعير إن أغاظه أخذها، وإن لم يغظه دفع مثلها. فعمد الرجل إلى جمل فذبحه وسلخه ولبس الجلد مثل الثوب وجعل اللحم من خارجٍ والشعر من داخل، والذباب يقع عليه، ويقوم، ولبس برجليه نعلين من جلد الجمل، وجعل اللحم من خارج والشعر من ناحية رجليه، وجلس بين يدي معن على هذه الصورة المشروحة ومد رجليه في وجهه وقال: أنا والله لا أبدي سلاماً ... على معن المسمى بالأمير فقال له معن: السلام لله إن سلمت رددنا عليك، وإن لم تسلم ما عتبنا عليك. فقال الشاعر: ولا آتي بلاداً أنت فيها ... ولو حزت الشآم مع الثغور فقال له: البلاد بلاد الله إن نزلت فمرحباً بك، وإن رحلت كان الله في عونك. فقال الشاعر: وأرحل من بلادك ألف شهر ... أجدُّ السير في أعلى القفورِ فقال له: مصحوباً بالسلامة. فقال الشاعر: أتذكر إذ قميصك جلد شاةٍ ... وإذ نعلاك من جلد البعير فقال له: أعرف ذلك ولا أنكره. فقال الشاعر: وتهوى كل مضطبةٍ وسوق ... بلا عبدٍ لديك ولا وزير فقال له: ما نسيت ذلك يا أخا العرب. فقال الشاعر: ونومك في الشتاء بلا رداء ... وأكلك دائماً خبز الشعير فقال: الحمد لله على كل حال.

стр. 194

فقال الشاعر: وفي يمناك عكاز قويٌ ... تذود به الكلابَ عن الهريرِ فقال له: ما خفي عليك خبرها اذهبي كعصا موسى. فقال الشاعر: فسبحان الذي أعطاك مُلكاً ... وعلمك القعود على السرير فقال له: بفضل الله لا بفضلك. فقال الشاعر: فعجل يا بن ناقصة بمالٍ ... فإني قد عزمت على المسير فأمر له بألف دينار. فقال الشاعر: قليلٌ ما أمرت به فإني ... لأطمع منك بالشيء الكثير فأمر له بألف دينار أخرى. فقال الشاعر: فثلث، إذ ملكت الملك رزقاً ... بلا عقلٍ ولا جاهٍ خطير فأمر له بثلاثمائة دينار. فقال الشاعر: ولا أدبٍ كسبت به المعالي ... ولا خلقٍ ولا رأي منير فأمر له بأربعمائة دينار. فقال الشاعر: فمنك الجود والإفضالُ حقاً ... وفيضُ يديك كالبحر الغزير فأمر له بخمسمائة دينار، وما زال يطلب منه الزيادة حتى استكمل ألف دينار، فأخذها وانصرف متعجباً من حلم معن وعدم انتقامه منه ثم قال في نفسه: مثل هذا لا ينبغي أن يهجى بل يمدح، واغتسل ولبس ثيابه ورجع إليه فسلم عليه ومدحه واعتذر له بأن الحامل له على هجوه المائة بعير التي صار الرهن عليها في نظير إغاظته له، فأمر له بمائة بعير يدفعها في نظير الرهن وبمائة بعير أخرى لنفسه، فأخذها وانصرف، والله أعلم.

стр. 195

خلافة المأمون بن هارون الرشيد واسمه عبد الله ومما وضع في بطون الدفاتر، واستحسنته عيون البصائر، ونقلته الأصاغر عن الأكابر، ما رواه خادم أمير المؤمنين المأمون قال: طلبني أمير المؤمنين المأمون ليلةً، وقد مضى من الليل ثلثه، فقال لي: خذ معك فلاناً وفلاناً، وسماهما لي: أحدهما، علي بن محمد، والآخر، دينار الخادم، واذهب مسرعاً لما أقول لك، فإنه بلغني أن شيخاً يحضر ليلاً إلى آثار دور البرامكة، وينشد شعراً ويذكرهم ذكراً كثيراً ويندبهم ويبكي عليهم، ثم ينصرف فامض أنت وعلي ودينار حتى تردوا تلك الخرائب فاستتروا خلف بعض الجدران، فإذا الشيخ قد جاء وبكى وندب وأنشد أبياتاً فآتوني به. قال: فأخذتهما ومضينا حتى أتينا الخرائب، فإذا نحن بغلام قد أتى ومعه بساطٌ وكرسي حديد، وإذا شيخ قد جاء وله جمال وعليه مهابة ولطف، فجلس على الكرسي وجعل يبكي وينتحب ويقول هذه الأبيات: ولما رأيت السيف جندل جعفراً ... ونادى منادٍ للخليفة: يا يحيى بكيت على الدنيا وزاد تأسفي ... عليهم وقلت: الآن لا تنفع الدنيا مع أبيات أطالها. فلما فرغ قبضنا عليه، وقلنا له: أجب أمير المؤمنين، ففزع فزعاً شديداً وقال: دعوني حتى أوصي بوصية فإني لا أوقن بعدها بحياة. ثم تقدم إلى بعض الدكاكين واستفتح وأخذ ورقة وكتب فيها وصية وسلمها إلى غلامه ثم سرنا به، فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين قال: حين رآه: من أنت، وبم استوجبت منك البرامكة ما تفعله في خرائب دورهم؟ قال الخادم: ونحن نستمع. فقال: يا أمير المؤمنين، إن للبرامكة أيادي خضرة عندي، أفتأذن لي أن أحدثك بحالي معهم؟ قال: قل. فقال: يا أمير المؤمنين؟؟! أنا المنذر بن المغيرة، من أولاد الملوك، وقد زالت عني نعمتي، كما تزول عن الرجال، فلما ركبني الدين، واحتجت إلى بيع ما على رأسي ورؤوس أهلي وبيتي الذي ولدت فيه، أشاروا علي بالخروج إلى البرامكة، فخرجت من دمشق ومعي نيف وثلاثون امرأة وصبياً وصبية، وليس معنا ما يباع ولا ما يوهب، حتى دخلنا بغداد ونزلنا في بعض المساجد، فدعوت ببعض ثياب كنت أعددتها لأستتر بها،

стр. 196

فلبستها وخرجت وتركتهم جياعاً لا شيء عندهم، ودخلت شوارع بغداد سائلاً عن البرامكة، فإذا أنا بمسجد مزخرف وفي جانبه شيخ بأحسن زي وزينة، وعلى الباب خادمان، وفي الجامع جماعة جلوس، فطمعت في القوم ودخلت المسجد وجلست بين أيديهم، وأنا أقدم رجلاً وأوخر أخرى، والعرق يسيل مني لأنها لم تكن صناعتي، وإذا الخادم قد أقبل ودعا القوم فقاموا وأنا معهم، فدخلوا دار يحيى بن خالد، فدخلت معهم، وإذا بيحيى جالس على دكة له وسط بستان، فسلمنا، وهو يعدنا مائة وواحداً، وبين يديه عشرة من ولده، وإذا بأمرد نبت العذار في خديه قد أقبل من بعض المقاصير، وبين يديه مائة خادم متمنطقون، في وسط كل خادم منطقة من ذهب يقرب وزنها من ألف مثقال، مع كل خادم مجمرة من ذهب، في كل مجمرة قطعة من عود كهيئة الفهر، وقد قرن به مثله من العنبر السلطاني فوضعوه بين يدي الغلام، وجلس إلى جنب يحيى، ثم قال للقاضي: تكلم وزوج ابنتي عائشة من ابن أخي هذا. فخطب القاضي خطبة النكاح وزوجه وشهد أولئك الجماعة وأقبلوا علينا بالنثار ببنادق المسك والعنبر، فالتقطت، والله يا أمير المؤمنين ملء كمي ونظرت، وإذا نحن في المكان ما بين يحيى والمشايخ وولده والغلام مائة واثنا عشر، وإذا بمائة واثني عشر خادماً قد أقبلوا ومع كل خادم صينية من فضة، على كل صينية ألف دينار، فوضعوا بين يدي كل رجل منا صينية، فرأيت القاضي والمشايخ يضعون الدنانير في أكمامهم ويجعلون الصواني تحت آباطهم، ويقوم الأول فالأول حتى بقيت وحدي لا أجسر على أخذ الصينية، فغمزني الخادم فجسرت وأخذتها وجعلت الذهب في كمي والصينية في يدي وقمت وجعلت أتلفت إلى ورائي مخافة أن أمنع من الذهاب، فبينما أنا كذلك إلى أن وصلت إلى صحن الدار، ويحيى يلاحظني، فقال للخادم: ائتني بهذا الرجل، فأتيته، فقال: ما لي أراك تلتفت يميناً وشمالاً؟ فقصصت عليه قصتي فقال للخادم: ائتني بولدي موسى، فأتاه به. فقال له: يا بني! هذا رجل غريب، فخذه إليك واحفظه بنفسك وبنعمتك. فقبض موسى ولده على يدي وأدخلني إلى دار من دوره فأكرمني غاية الإكرام، وأقمت عنده يومي وليلتي في ألذ عيش وأتم سرور، فلما أصبح دعا بأخيه العباس، وقال له: الوزير أمرني بالعطف على هذا الفتى، وقد علمت اشتغالي في بيت أمير المؤمنين، فاقبضه إليك، وأكرمه. ففعل ذلك وأكرمني غاية الإكرام ثم لما كان من الغد تسلمني أخوه أحمد، ثم لم أزل في أيدي القوم يتداولوني مدة عشرة أيام لا أعرف خبر عيالي وصبياني أفي الأموات هم أم

стр. 197

في الأحياء، فلما كان اليوم الحادي عشر جاءني خادم ومعه جماعة من الخدم فقالوا: قم فاخرج إلى عيالك بسلام. فقلت: وا ويلاه، أسلب الدنانير والصينية، وأخرج على هذه الحالة؟ إنا لله وإنا إليه راجعون. فرفع الستر الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع، فلما رفع الخادم الستر الأخير قال لي: مهما كان لك من الحوائج فارفعها إلي فإني مأمور بقضاء جميع ما تأمرني به. فلما رفع الستر الأخير رأيت حجرة كالشمس حسناً ونوراً واستقبلني منها رائحة الند والعود ونفحات المسك، وإذا بصبياني وعيالي يتقلبون في الحرير والديباج، وحمل إلي مائة ألف درهم، وعشرة آلاف دينار، ومنشور بضيعتين، وتلك الصينية التي كنت أخذتها بما فيها من الدنانير والبنادق، وأقمت يا أمير المؤمنين، مع البرامكة في دورهم ثلاث عشرة سنة لا يعلم الناس أمن البرامكة أنا أم رجل غريب، فلما جاءتهم البلية ونزل بهم يا أمير المؤمنين، من الرشيد ما نزل أجحف بي عمرو بن مسعدة وألزمني في هاتين الضيعتين من الخراج ما لا يفي دخلهما به، فلما تحامل علي الدهر كنت في آخر الليل أقصد خرائب دورهم، فأندبهم وأذكر حسن صنيعهم إلي وأبكي على إحسانهم. فقال المأمون: علي بعمرو بن مسعدة. فلما أتي به قال له: تعرف هذا الرجل؟ قال: يا أمير المؤمنين، هو بعض صنائع البرامكة. قال: كم ألزمته في ضيعتيه؟ قال: كذا وكذا. فقال له: رد إليه كل ما أخذته منه في مدته، وأفرغهما له ليكونا له ولعقبه من بعده. قال: فعلا نحيب الرجل، فلما رأى المأمون كثرة بكائه قال له: يا هذا! قد أحسنا إليك، فما يبكيك؟ قال: يا أمير المؤمنين، وهذا أيضاً من صنيع البرامكة، لو لم آت خرائبهم فأبكيهم وأندبهم حتى اتصل خبري إلى أمير المؤمنين، ففعل بي ما فعل من أين كنت أصل إلى أمير المؤمنين؟ قال إبراهيم بن ميمون: فرأيت المأمون، وقد دمعت عيناه وظهر عليه حزنه وقال: لعمري هذا من صنائع البرامكة، فعليهم فابك، وإياهم فاشكر، ولهم فأوف ولإحسانهم فاذكر، انتهى.

стр. 198

المأمون والورد وقال إسحاق: دخلت يوماً على المأمون في زمن الورد، فقال لي: يا إسحاق! هل قلت شيئاً في الورد؟ قلت: أقول بسعادة أمير المؤمنين. وفكرت ساعة فلم تسمح قريحتي في ذلك الوقت بشيء، فخرجت من عنده وبقيت ليلتي ساهراً متفكراً، فلم يفتح علي بشيء، فلما أصبحت غدوت إلى دار الخلافة، وإذا غلام الفضل بن مروان على باب المأمون، ومعه سبع وردات على صينية فضة، ينتظر الإذن في الدخول بها عليه، فسألته المهلة بها قليلاً، فامتنع، سألته ثانياً، وقلت: أمهل قليلاً، ولك بكل وردة دينار. فأجابني إلى ذلك فدفعت له سبعة دنانير، وأحببت أن لا يصل إليه الورد قبل وصول الشعر، وخرجت أقصد الأزقة لعلي أسمع شيئاً من أحد أو ينبعث خاطري ولو ببيت واحد، فبينما أنا كذلك وإذا أنا برجل يغربل التراب وهو ينشد ويقول: اشرب على ورد الخدود فإنه ... أزهى وأبهى، فالصبوح يطيب ما الورد أحسن من تورد وجنة ... جمراء جاد بها عليك حبيب صبغ المدام بياضها فكأنه ... ذهبٌ بقالب فضة مضروب فلما سمعته نزلت عن دابتي، ودخلت مسجداً بالقرب منه وطلبته، فلما أقبل سألته أن يمليها علي فاعتل، وقال: إن أردت فاعطني بكل بيت عشرة دنانير، فدفعتها له واستمليتها منه ثم عدت أنا وغلام الفضل بن مروان، وإذا بالمأمون يشرب من وراء الستارة، فلما جسيت العود قال لجواريه: اسكتن، فقد جاء إسحاق، فقدمت ذلك الورد بين يديه وأنشدت الأبيات فسمعت الشهيق والزفير من وراء الستارة ثم أخرج إلي بدرةٌ فيها عشرة آلاف درهم، فأعدت الأبيات، فأخرج إلي بدرة أخرى، فأعدت الثالثة فأخرج إلي بدرة ثالثة، فأخذت في غير الشعر، فخرج إلي خادم وقال: يقول لك أمير المؤمنين لو دمت على إنشادك لدمنا على البدرة ولو إلى الليل، انتهى من حلية الكميت.

стр. 199

؟ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ويحكى عن العباس صاحب شرطة المأمون، قال: دخلت إلى مجلس أمير المؤمنين ببغداد يوماً، وبين يديه رجل مكبل بالحديد، فقال لي: يا عباس؟ قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: خذ هذا إليك فاستوثق به واحتفظ عليه وبكر به إلي في غد واحترز عليه كل الاحتراز. قال العباس: فدعوت جماعة حملوه ولم يقدر أن يتحرك فقلت في نفسي: مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من الاحتفاظ به ما يجب إلا أن يكون معي في بيتي، فلما تركوه في داري أخذت أساله عن قضيته وحاله ومن هو؟ فقال: أنا من دمشق. فقلت: جزى الله دمشق خيراً، فمن أنت من أهلها؟. قال: وعمن تسأل؟ قلت: أوتعرف فلاناً؟ قال: ومن أين تعرف ذلك الرجل؟ فقلت: وقعت لي معه قضية. فقال: ما كنت بالذي أعرفك خبره حتى تعرفني قضيتك معه؟ فقلت: ويحك! كنت مع بعض الولاة بدمشق فسمعت أهلها، وقد خرجوا علينا حتى أن الوالي خرج في زنبيل من قصر الحجاج، وهرب هو وأصحابه، وهربت في جملة القوم، فبينما أنا هارب في بعض الدور، وإذا بجماعة يعدون، فما زلت أعدو أمامهم حتى تجاوزتهم، ومررت بهذا الرجل الذي ذكرته لك، وهو جالس على باب داره، فقلت: يا هذا أغثني أغاثك الله؟ قال: لا بأس عليك ادخل الدار. فدخلت، فقالت لي زوجته: ادخل تلك المقصورة. فدخلتها ووقف الرجل على باب الدار، فما شعرت إلا وقد دخل، والرجال معه يقولون هو والله عندك. فقال: دونكم الدار فتشوها. ففتشوها حتى لم يبق سوى تلك المقصورة وامرأته فيها، فقالوا: ها هو هنا. فصاحت بهم المرأة ونهرتهم، فانصرفوا، وخرج الرجل وجلس على باب داره ساعة، وأنا قائم أرجف ما تحملني رجلاي من شدة الخوف، فقالت المرأة: اجلس لا بأس عليك.

стр. 200

فجلست، فلم ألبث حتى دخل الرجل، فقال: لا تخف فقد صرف الله عنك شرهم وصرت إلى الأمن والدعة إن شاء الله. فقلت: جزاك الله خيراً. فما زال يعاشرني أحسن معاشرة وأجملها وأفرد لي مكاناً من داره ولم يحوجني إلى شيء ولم يفتر عن تفقد أحوالي، فأقمت عنده أربعة أشهر في أتم عيشٍ وأرغده إلى أن سكنت الفتنة وهدأت وزال أثرها، فقلت له: أتأذن لي في الخروج حتى أتفقد حال غلماني، فلعلي أقف منهم على خبر. فأخذ علي المواثيق بالرجوع إليه، فخرجت وطلبت غلماني فلم أر لهم أثراً فرجعت إليه وأعلمته بالخبر، وهو مع هذا كله لا يعرفني بنفسه ولا يعرف من أنا، فقال لي: علام تعزم؟ فقلت: عزمت على التوجه إلى بغداد. قال: إن القافلة بعد ثلاثة أيام تخرج. فقلت له: إنك قد تفضلت علي هذه المدة، لك علي عهد الله إنني لا أنسى لك هذا الفضل ولأوفينك مهما استطعت. قال: فدعا بغلام أسود وقال له: أنعل الفرس الفلاني، ثم جهز آلة السفر فقلت في نفسي: ما أشك أنه يريد أن يخرج إلى ضيعة له أو ناحية من النواحي. فأقاموا يومهم ذلك في كد وتعب، فلما كان يوم خروج القافلة جاء في السحر، فقال: يا فلان! قم، فإن القافلة تخرج الساعة، وأكره أن تنفرد عنها. فقلت في نفسي: كيف اصنع وليس معي ما أتزود به ولا ما أكتري به مركباً، ثم قمت، فإذا هو وامرأته يحملان بقجة من أفخر اللباس وخفين جديدين وآلة السفر، ثم جاءني بسيف ومنطقة فشدهما في وسطي، ثم قدم لي غلاماً وعلى كتفه صرتان وفوقهما مرتبة السفر وسجادة من أفخر ما يكون، وأعلمني بما في الصرتين أنه خمسة آلاف درهم، وشد لي الفرس الذي أنعله بسرجه ولجامه، وقال لي: اركب، وهذا الغلام الأسود يخدمك ويسوس مركوبك، وأقبل هو وامرأته يعتذران إلي من التقصير في أمري وركب معي من يشيعني، وانصرفت إلى بغداد، وأنا أتوقع خبره لأفي بعهدي له في مجازاته ومكافاته، واشتغلت مع أمير المؤمنين فلم أقدر أن أتفرغ إلى أن أرسل إليه من يكشف خبره، فلهذا أسأل عنه.

стр. 201

فلما سمع الرجل الحديث قال: قد أمكنك الله من الوفاء له ومكافأته على فعله ومجازاته على صنعه بلا كلفة عليك ولا مؤنة تلزمك. فقلت: وكيف ذلك؟ قال: أنا ذلك الرجل، وإنما الضر الذي أنا فيه قد غير عليك حالي وما كنت تعرفه مني، ثم لم يزل يذكر لي تفاصيل الأسباب حتى أثبت معرفته، فما تمالكت أن قمت وقبلت رأسه، ثم قلت له: فما الذي صيرك إلى ما أرى؟ قال: هاجت بدمشق فتنة مثل الفتنة التي كانت في أيامك فنسبت إلي، وبعث أمير المؤمنين بجيوش فضبطوا البلد فأخذت أنا وضربت إلى أن أشرفت على الموت، وقيدت وبعث بي إلى أمير المؤمنين وأمري عنده عظيم، وهو قاتلي لا محالة، وقد أخرجت من عند أهلي بلا وصية، وقد تبعني من ينصرف إليهم بخبري، وهو نازل عند فلان، فإن رأيت أن تجعل من مكافأتك لي أن ترسل من يحضره لي حتى أوصيه بما أريد، فإن أنت فعلت ذلك فقد جاوزت حد المكافأة وقمت بوفاء عهدك. قال العباس: فقلت يصنع الله خيراً. ثم أحضر حداداً في الليل وفك قيوده، وزال ما كان عليه من الإنكال، وأدخله حمام داره، وألبسه من الثياب ما احتاج إليه، ثم سير من أحضر إليه غلامه، فلما رآه جعل يبكي ويوصيه، فاستدعى العباس نائبه وقال: علي بفرسي الفلاني والبغل الفلاني والبغلة الفلانية حتى عد عشرة، ثم عشرة من الصناديق، ومن الكسوة كذا وكذا. قال ذلك الرجل: وأحضر لي بدرة فيها عشرة آلاف درهم وكيساً فيه خمسة آلاف دينار، وقال لعامله في الشرطة: خذ هذا الرجل وشيعه إلى حد الأنبار. فقال له: إن ذنبي عظيم عند أمير المؤمنين وخطبي جسيم، وإن أنت احتجيت بأني هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي كل من على بابه فأرادوا قتلي. فقال: انج بنفسك ودعني أدبر أمري. فقال: والله لا أبرح من بغداد حتى أعلم ما يكون من خبرك، فإن احتجت إلى حضوري حضرت. فقال لصاحب الشرطة: إن كان الأمر على ما يكون، فليكن في موضع كذا وكذا، فإن أنا سلمت في غداة غدٍ أعلمته، وإن أنا قتلت وقيته بنفسي كما وقاني بنفسه، وأنشدك الله أن لا يذهب من ماله درهم، وتجتهد في إخراجه من بغداد.

стр. 202

قال الرجل: فأخذني صاحب الشرطة وصيرني في مكان يثق به، وتفرغ العباس لنفسه وتحنط وجهز له كفناً. قال العباس: فلم أفرغ من صلاة الصبح إلا وأرسل المأمون في طلبي يقولون: يقول لك أمير المؤمنين: هات الرجل معك وقم. قال: فتوجهت إلى دار أمير المؤمنين وإذا هو جالس وعليه كآبة، فقال: أين الرجل؟ فسكت، فقال: ويحك أين الرجل؟ فسكت، فقال ويحك أين الرجل؟ فقلت: يا أمير المؤمنين اسمع مني ما أقول. فقال: لله علي عهد، لئن ذكرت أنه هرب لأضربن عنقك. فقلت لا والله، يا أمير المؤمنين إنه ما هرب، ولكن اسمع حديثي معه كيت وكيت، وقصصت عليه القصة جميعها وعرفته أني أريد أن أفي له وأكافئه على ما فعله معي، وقلت: أنا وسيدي ومولاي أمير المؤمنين بين أمرين: إما أن يصفح عني، وقد وفيت وكافأت، وإما أن يقتلني فأقيه بنفسي وقد تحنطت، وها كفني يا أمير المؤمنين. فلما سمع المأمون الحديث قال: ويحك، لا جزاك الله خيراً عن نفسك، إنه فعل بك ما فعل من غير معرفة، وتكافئه بعد المعرفة والعهد بهذا لا غير؟ هلا عرفتني خبره، فكنت أكافئه عنك ولا أقصر بوفائي له؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إنه ههنا، وقد حلف أنه لا يبرح حتى يعرف سلامتي، فإن احتجت إلى حضوره حضر. فقال المأمون: وهذه منة أعظم من الأولى، اذهب الآن فطيب نفسه وسكن روعه وائتني به حتى أتولى مكافأته عنك. قال: فأتيت إليه وقلت: ليزل عنك حزنك، إن أمير المؤمنين قال كيت وكيت. فقال: الحمد لله الذي لا يحمد على السراء والضراء أحد سواه. ثم قام فصلى ركعتين، ثم أتيت به إلى أمير المؤمنين، فلما مثل بين يديه أقبل عليه وأدنى مجلسه وحدثه حتى حضر الغداء وأكل معه وخلع عليه وعرض عليه أعمال دمشق فاستعفى عنها، فأمر له المأمون بعشرة أفراس بسروجها ولجمها، وعشرة بغال بآلاتها، وعشر بدر، وعشرة آلاف دينار، وعشرة مماليك بدوابهم، وكتب إلى عامله بدمشق بالوصية به، وأطلق خراجه، وأمر بمكاتبته بأحوال دمشق، فصارت كتبه تصل إلى المأمون وكلما وصلت خريطة البريد وفيها كتابه يقول لي: يا عباس هذا كتاب صديقك، والله أعلم.

стр. 203

المأمون وزنبيل بوران ويحكى عن إسحاق الموصلي أنه قال: خرجت ليلة من عند المأمون متوجهاً إلى بيتي، فأحسست بالبول، فعمدت لزقاق، وقمت لأتمسح بالحيطان، وإذا بزنبيل كبير بأربعة آذان ملبس ديباجاً، فقلت: إن لهذا سبباً وبقيت متحيراً في أمره، فحملني السكر وقال لي: اجلس فيه، فجلست، فلما أحس بي الذين كانوا يرقبونه جذبوه إلى رأس الحائط، فإذا أنا بأربع جوار يقلن لي: انزل بالرحب والسعة ومشت بين يدي جارية بشمعة حتى نزلت إلى دار ومجالس مفروشة لم أر مثلها إلا في دار الخلافة فجلست، فما شعرت بعد ساعة إلا بستور قد رفعت في ناحية من الجدران، وإذا بوصائف يتمشين وفي أيديهن الشمع وبعض مجامر يحرق فيهن العود وبينهن جارية كأنها البدر الطالع، فنهضت وقالت: مرحباً بك من زائر وجلست، ثم سألتني عن خبري فقلت: انصرفت من عند بعض إخواني وغرني الوقت وحرقني البول، فعمدت إلى هذا الزقاق، فوجدت زنبيلاً معلقاً، فحملني السكر على أن جلست فيه، فإن كان خطأ فالنبيذ أكسبنيه. قالت: لا ضير، وأرجو أن تحمد عاقبة أمرك، ثم قالت: فما صناعتك؟ قال: بزاراً ببغداد. فقالت: هل رويت من الأشعار شيئاً؟ قلت: شيئاً ضعيفاً. قالت: فذاكرنا شيئاً. قلت: إن للداخل حشمةً، ولكن تبدئين أنت. قالت: صدقت، فأنشدتني شعراً لجماعة من القدماء والمحدثين من أجود أقاويلهم، وأنا مستمع لا أدري مم أعجب من حسنها أم حسن روايتها؟ ثم قالت: أذهب ما كان فيك من الحصر؟ قلت: إي والله. قالت: فإن رأيت أن تنشدنا. فأنشدتها شيئاً لجماعة من القدماء ما فيه مقنع، فاستحسنت ذلك، ثم قالت: والله ما ظننت أنه يوجد في أبناء السوقة هذا، ثم أمرت بالطعام فأحضر، فجعلت تقطع وتضع قدامي، وفي المجلس من صنوف الرياحين وغريب الفواكه ما لا يكون إلا عند السلطان، ودعت بالشراب، فشربت قدحاً، ثم ناولتني قدحاً، ثم قالت هذا أوان المذاكرة والأخبار، فاندفعت أذاكرها وقلت: بلغني أن كذا وكذا، وكان رجل يقال له كذا، حتى أتيت على

стр. 204

عدة أخبار حسان، فسرت بذلك وقالت: كثر تعجبي أن يكون أحد من التجار يحفظ مثل هذا، وإنما هذه أحاديث ملوك. فقلت: كان لي جار يحادث الملوك وينادمهم، وإذا تعطل حضرت معه فربما حدثت بما سمعت. فقالت: لعمري، لقد أحسنت الحفظ وما هذه إلا قريحة جيدة. وأخذنا في المذاكرة، إذا سكت ابتدأت هي، وإذا سكتت ابتدأت أنا حتى قطعنا أكثر الليل وبخور العود يعبق، وأنا في حالة لو توهمها المأمون لطار شوقاً إليها، فقالت: إنك من أرف الرجال، وضيء الوجه بارعٌ في الأدب وما بقي إلا شيء واحد؟ قلت: وما هو؟ قالت: لو كنت تترنم ببعض الأشعار؟ قلت: والله لقديماً كنت ألفته ولم أرزقه وأعرضت عنه، وفي قلبي من حرارة، ولو كنت أحب في مثل هذا المجلس شيئاً منه لتكمل ليلتي. قالت: كأنك عرضت. فقلت: والله ما هو تعريض قد بدأت بالفضل، وأنت جديرة بذلك. فأمرت بعود فحضر، وغنت بصوت ما سمعت بحسنه مع حسن أدبها وجودة الضرب بالكمال الراجح، ثم قالت: هل تعرف هذا الصوت ومن غنى به؟ قلت: لا. قالت: الشعر لفلان والغناء لإسحاق. قلت: وإسحاق هذا جعلت فداك بهذه الصفة؟ قالت: بخ بخ! إسحاق بارع في هذا الشأن. فقلت: سبحان الله أعطي هذا الرجل ما لم يعطه أحد؟ قالت: فكيف لو سمعت هذا الصوت منه. ثم لم تزل على ذلك حتى إذا كان الفجر أقبلت عجوزٌ كأنها داية لها، وقالت: إن الوقت قد حضر، فنهضت عند قولها، فقالت: لتستر ما كنا فيه فإن المجالس بالأمانات. قلت: جعلت فداك لم أكن أحتاج إلى وصية في ذلك. فودعتها، وجارية بني يدي إلى باب الدار ففتح لي فخرجت ورحت إلى داري، فصليت الصبح ونمت، فانتهى رسول المأمون غلي فسرت إليه وأقمت عنده نهاري، فلما كان العشاء تفكرت في ما كنت فهي البارحة، وهذا شيء لا يصبر عليه إلا جاهل،

стр. 205

فخرجت وجئت إلى الزنبيل، فوجدته على عادته، فجلست فيه ورفعت إلى موضع البارحة، وإذا هي قد طلعت، فقالت: لقد عاودت. فقل: ولا أظن إلا أنني قد ثقلت. وأخذنا في المحادثة مثل تلك الليلة السالفة في المذاكرة والمناشدة وغريب الغناء منها إلى الفجر. فانصرفت إلى منزلي، فصليت الصبح، ونمت. فانتهى رسول أمير المؤمنين غلي فمضيت إليه وأقمت نهاري عنده، فلما كانت العشية توجه إلي مخاطباً، وقال: أقسمت عليك لتجلسن حتى أجيء وأحضر، فما كان حتى أن غاب وجالت وساوسي، فلما تذكرت ما كنت فيه هان علي ما يخصني من أمير المؤمنين، فوثبت مبادراً وخرجت جارياً حتى أتيت الزنبيل، فجلست فهي فرفعت إلى مجلسي، فقالت: صديقنا. قلت: إي والله. قالت: أجعلتها دار إقامة؟ قلت: جعلت فداك حق الضيافة ثلاثة أيام، فإن رجعت بعد ذلك، فأنتم في حل من دمي. ثم جلسنا على ذلك الحال فلما قرب الوقت علمت بأن المأمون لا بد أن يسألني، فلا يقنع إلا بشرح القصة فقلت: أنا أراك ممن يعجب بالغناء ولي ابن عم أحسن مني وجهاً، وأظرف قداً وأكثر أدباً وأطيب أرجاً، وهو أعرف خلق الله بغناء إسحاق. فقالت: طفيلي وتقترح. قلت: لها: أنت المحكمة. قم قالت: إن كان ابن عمك على ما تصف فما نكره معرفته. ثم جاء الوقت فنهضت وقمت وذهبت، فلم أصل إلى داري إلا ورسل أمير المأمون قد هجموا علي وحملوني حملاً عنيفاً فوجدته قاعداً على كرسي وهو مغتاظ فقال: يا إسحاق، أخروجاً عن الطاعة؟ قلت: لا والله. قال: فما قصتك أصدقني؟ قلت: نعم في خلوة. فأومأ إلى من بين يديه فتنحوا، فحدثته الحديث وقلت له: وعدتها بك. قال: أحسنت فأخذنا في لذتنا ذلك اليوم، والمأمون معلق القلب بها، فما صدقنا أن جاء الوقت وسرنا، وأنا أوصيه وأقول له: تجنب واحذر أن تناديني باسمي بحضرتها، وغن وأنا لك تبع وهو يقول: نعم، ثم سرنا إلى الزنبيل فوجدناهما اثنين، فقعدنا فيهما

стр. 206

ورفعنا إلى الموضع المعهود، فحضرت وأقبلت وسلمت، فلما رآها المأمون بهت في حسنها وجمالها وأخذت تذاكره وتناشده الأشعار، ثم أحضرت النبيذ فشربنا، وهي مقبلة عليه مسرورة به، وهو أكثر، فأخذت العود وغنت صوتاً، ثم قالت: وابن عمك هذا من التجار، وأشارت إلي. قلت: نعم. قال: والله إنكما لقريبان. فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال داخله الفرح والطرب، فصاح وقال: يا إسحاق! قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: عن هذا الصوت؟ فلما علمت أنه الخليفة نهضت إلى مكان فدخلته، فلما فرغت من الصوت قال: انظر من رب هذه الدار؟ فبادرت العجوز وقالت: للحسن بن سهل. فقال: علي به. فغابت العجوز ساعة، وإذا الحسن قد حضر. فقال له المأمون: ألك ابنة؟ قال: نعم. قال: ما اسمها؟ قال: بوران. قال: أمتزوجة؟ قال: لا والله. قال: فإني أخطبها منك. قال: هي جاريتك وأمرها إليك. قال: قد تزوجتها على نقد ثلاثين ألفاً، تحمل إليك صبيحة يومنا هذا، فإذا قبضت المال فاحملها إلينا من ليلتنا. قال: نعم. ثم خرجنا فقال: يا إسحاق لا توفق على هذا الحديث أحداً. فسترته إلى أن مات المأمون فما اجتمع لأحد مثل ما اجتمع لي في تلك الأربعة أيام مجالسة المأمون بالنهار وبوران بالليل، ووالله ما رأيت أحداً من الرجال مثل المأمون ولا شاهدت امرأة تقارب بوران فهماً وعقلاً والله تعالى أعلم، انتهى من حلية الكميت.

стр. 207

المأمون وجارية أبيه وقيل: كان المأمون يوماً يأكل مع أبيه الرشيد، فلما فرغا جعلت جارية تصب الماء على يد الرشيد، فنظر إليها المأمون، وأشار إليها كأنه يقبلها، فأنكرت ذلك منه بعينها، وأبطأت في الصب بقدر النظر إلى المأمون، فقال لها الرشيد: لأي شيء صغى الإبريق في يدك، فوالله لئن لم تصدقيني الحق لأضربن عنقك؟ فقالت: يا سيدي نظر إلي عبد الله المأمون، وأشار إلي كأنه يقبلني، فأنكرت ذلك بعيني. فنظر الرشيد إلى المأمون فسقط مغشياً عليه كأنه ميت مما داخله من الخوف والفزع، فأخذه وضمه إلى صدره، وقال: يا عبد الله؛ أتحبها؟ قال: إي والله يا أمير المؤمنين. فقال: هي لك، خذ بيدها وادخل بها في هذا القبة. ففعل، فلما خرج إلى الرشيد قال له: هل قلت في هذا شيئاً؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، ثم أنشد يقول: ظبي كنيت بطرفيعن الضمير إليهقبلته من بعيدٍ فاعتل من شفتيهورد أخبث ردٍّبالكسر من حاجبيه فما برحتمكاني حتىقدرت عليه المأمون والفتاة العربية عن أبي عبد الله النميري أنه قال: كنت يوماً مع المأمون، وكان بالكوفة، فركبت للصيد ومعه سرية من العسكر، فبينما هو سائر إذ لاحت له طريدة فأطلق عنان فرسه وكان على سابق من الخيل، فأشرف على نهر من ماء بحر الفرات، فإذا هو بجارية عربية خماسية القد، قائمة النهد، كأنها القمر ليلة تمامه، وبيدها قربة قد ملأتها من النهر، ورفعتها على كتفها، وصعدت من حافة النهر، فانحل وكاؤها، فصاحت برفيع صوتها: يا أبت! أدرك فاها، قد غلبني فوها، لا طاقة لي بفيها. قال: فعجب المأمون من فصاحتها ورمت القربة من يدها، فقال لها المأمون: يا جارية من أي العرب أنت؟ فقالت: أنا من بني كلاب. قال: وما حملك أن تكوني من الكلاب؟ قالت: والله لست من الكلاب وإنما أنا من قوم كرام غير لئام، يقرون الضيف، ويضربون بالسيف، ثم قالت: يا فتى من أي الناس أنت؟ قال: أوعندك علم بالأنساب؟ قالت: نعم. قال: أنا من مضر الحمراء. قالت: من أي مضر؟ قال: من أكرمها نسباً وأعظمها حسباً وخيرها أماً وأباً، مما تهابه مضر وتخشاه.

стр. 208

قالت: أظنك من كنانة؟ قال: أنا من كنانة. قالت: من أي كنانة؟ قال: من أكرمها مولداً وأشرفها محتداً وأطولها في المكرمات يداً، ممن تهابه كنانة وتخشاه. قالت: والله أنت من بني هاشم؟ قال: أنا من بني هاشم. قالت: من أي هاشم؟ قال: من أعلاها منزلةً وأشرفها قبيلةً ممن تهابه هاشم وتخشاه. قال: فعند ذلك قبلت الأرض وقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين. قال: فتعجب المأمون منها وطرب طرباً شديداً، ثم قال: لأتزوجن بها لأنها من أكبر الغنائم، ووقف حتى التحق به العسكر، فنزل وأرسل خلف أبيها وخطبها منه، فزوجه بها، وهي والدة العباس، والله أعلم. أخلاق المأمون من محاسن الأخلاق، ما حكي عن القاضي يحيى بن أكثم قال: كنت نائماً ذات ليلة عند المأمون، فعطش، فامتنع أن يصيح لغلام يسقيه، وأنا نائم فينغص علي نومي، فرأيته وقد قام يتمشى على أطراف أَصابعه حتى أتى موضع الماء، وكان بينه وبين الماء نحو ثلاثمائة خطوة، ثم رجع يتمشى على أطراف أصابعه حتى وصل إلى الفراش الذي أنا عليه، وخطا خطوات لطيفة لئلا ينبهني حتى وصل إلى فراشه، ثم رأيته آخر الليل، وقد قام يبول، فقعد طويلاً يحاول أن أتحرك فيصيح للغلام، فلما تحركت وثب قائماً وصاح بالغلام وتأهب للصلاة ثم جاءني وقال: كيف أصبحت يا أبا محمد، وكيف مبيتك؟ قلت: بخير مبيت جعلني الله فداك. قال: لقد استيقظت للصلاة، فكرهت أن أصيح للغلام فأزعجك. فقلت: يا أمير المؤمنين، لقد خصك الله بأخلاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ووهب لك سيرتهم، فهناك الله بهذه النعمة، وأتمها عليك. فأمر لي بألف دينار وانصرفت.

стр. 209

حلم المأمون وحدث سليمان الوراق قال: ما رأيت أعظم حلماً من المأمون، دخلت عليه يوماً وفي يده فص مستطيل من ياقوت أحمر له شعاع قد أضاء له المجلس، وهو يقلبه بيده ويستحسنه، ثم دعا برجل صائغ وقال له: اصنع بهذا الفص كذا وكذا ونزل فيه كذا وكذا، وعرفه كيف يعمل به، فأخذه الصائغ وانصرف ثم عدت إلى المأمون بعد ثلاث فتذكره فاستدعى الصائغ، فأتي به، وهو يرعد وقد امتقع لونه. فقال المأمون: ما فعلت بالفص؟ فتلجلج الرجل ولم ينطق بكلام، ففهم المأمون بالفراسة أنه حصل فيه خلل، فولى وجهه عنه، حتى سكن جأشه، ثم التفت إليه وأعاد القول. فقال: الأمان يا أمير المؤمنين. قال: لك الأمان. فأخرج الفص أربع قطع وقال: يا أمير المؤمنين، سقط من يدي على السندال فصار كما ترى. فقال المأمون: لا بأس عليك، صنع به أربع خواتم، وألطف له في الكلام حتى ظننت أنه كان يشتهي الفص على أربع قطع. فلما خرج الرجل من عنده، قال: أتدرون كم قيمة هذا الفص؟ قلنا: لا، قل: اشتراه الرشيد بمائة ألف وعشرين ألفاً، انتهى. ومن حلمه أيضاً. قال يحيى: كنت أنا والمأمون يوماً في بستان ندور فيه فمشينا في البستان من أوله إلى آخره، وكنت مما يلي الشمس والمأمون مما يلي الظل، فكان يجذبني أن أكون في الظل وهو في الشمس، فأمتنع من ذلك، فإذا رجعنا قال لي: والله يا يحيى لتكونن في مكاني ولأكونن في مكانك، حتى آخذ نصيبي من الشمس كما أخذت نصيبك منها. فقلت: والله يا أمير المؤمنين لو قدرت أن أقيك من هول المطلع لفعلت. ولم يزل بي حتى تحولت إلى الظل وتحول هو إلى الشمس، ووضع يده على عاتقي وقال: بحياتي عليك إلا ما وضعت يدك على عاتقي مثل ما فعلت، فإنه لا خير في صحبة من لا ينصف. ومن حلمه أيضاً، أنه كان له خادم يسرق طاساته التي يتوضأ فيها فقال له المأمون: إذا سرقت شيئاً فائتني بما تسرقه، فأشتريه منك. فقال له الخادم: اشتر مني هذه، وأشار إلى التي بين يديه.

стр. 210

فقال: بكم. قال: بدينارين. قال: على شرط أنك لا تسرقها. قال: نعم. فأعطاه دينارين، فلم يعد الخادم يسرق بعدها شيئاً لما رأى من حلمه، والله أعلم. الطفيلي الأديب والمأمون وروى بعض أهل الأدب أن فتى من أهل الكوفة قد فاق أهل زمانه في الأدب والبيان والفصاحة باللسان ناقداً في صناعته، حافظاً للأقدار، راوياً للأشعار، خبيراً بسير الملوك في الأيام السالفة، بصيراً بالبحث عن أمورهم في الأيام الآنفة، حاذقاً في التصنيف، فائقاً في التأليف، صبيح الوجه، مقبول المشاهد، حلو الشمائل، وكان مع ذلك لا يتوجه له وجه من العمل إلا عارضه فيه عائق، وحال دونه حائل وقدر سابق، فبقي حيناً من الدهر، وقد برز في القدر والمال والجاه من كان عنده في الصناعة متأخراً، فضاق صدره وعيل صبره وضلت وّمقاليده، فخرج إلى بغداد واكترى في بعض خاناتها منزلاً وأجمع رأيه على أن يحمل نفسه على خطب هائل ليكون فيه هلكه أو ملكه، وتربص لذلك أن يرى وجهاً إلى أن عزم أمير المؤمنين أن يشرب يوماً هو وصنوه المعتصم، فأمر المأمون بالاستعداد ليوم سماه ليخلو فيه مع الجواري، منفردين عن سائر الندماء، فظهر خبرهما بذلك. وعرف الناس ذلك اليوم الذي عزم عليه، فعزم هذا الأديب المذكور على أن يتطفل في ذلك على المأمون وأخيه المعتصم، فمضى إلى إخوانه وأًصدقائه فاستعار من هذا قباء وجبة وردية، ومن آخر منطقة وخفاً وسيفاً، ومن آخر برذوناً، ومن آخر ما يحتاج إليه من الطيب واستعد لذلك اليوم، ودخل الحمام سحراً، وتطيب، ولبس وركب عند طلوع الشمس إلى دار المعتصم وقال للحاجب: عرف الأمير أني رسول أمير المؤمنين واستأذن لي عليه. فسعى الحاجب عدواً حتى أخبر المعتصم، فأذن له. فلما دخل عليه، وتمثل بين يديه، قال له: سيدي إن أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك: أنسيت الوعد، ألم يقدم إليك بالركوب لنخلو ونستريح يومنا هذا؟ قال المعتصم: لا والله ما نسيت ذلك، ولكن

стр. 211

تربصت ساعة. ونمت نوماً لأتقوى بذلك على انتصاب سائر النهار. فقال الفتى: فعجل الآن أيها الأمير، فإنه أمرني أن لا أفارقك حتى آتيه بك. فأمر المعتصم بإسراج مركوبه وأسرع في التأهب، ولبس ثيابه وتطيب وركب الفتى معه، والمعتصم لا ينكر شيئاً من كلام الفتى ويتأمل لطافته وهيئته، ولم يتوهم إلا نه من بعض خواص المأمون، وأخذ الفتى يحدث المعتصم وأقبل عليه بكليته، ولم يتمكن من سؤاله شهوة لاستماع حديثه، حتى بلغ باب الخليفة فألقى الفتى نفسه عن دابته، وأخذ يمشي بين يديه، والحجاب لا ينكرون منه شيئاً ويظنون نه من خدم المعتصم، حتى نزل المعتصم، وأخذ الفتى بركابه، ودخل المجلس، فلما استقر المعتصم في مجلسه جلس الفتى بين يديه، وهو منهمك في نوادره وأخباره والمعتصم مصغ إليه تعجباً مما يسمع من حسن كلامه، وأخبر المأمون أن المعتصم قد وصل ومعه رقيق لا يعرف من هو. فقال المأمون: أخي قد عرف أن هذا المجلس اتفقنا عليه لا ينبغي أن يحضره أحد من الناس إلا من هو عديل النفس. وقد أحسن أخي إذ جعل لنا ثالثاً، فإن المجلس إذا لم يحضره أكثر من اثنين تعطل لقيام أحدهما إلى الصلاة وإلى ما لا بد منه، ثم خرج من ساعته فرحاً وليس له همة إلا تصفح وجه الغلام واستنطاقه واعتبار قده وعقله، فلما استقر على سرير ملكه والفتى عالم بما وقع في نفس المأمون نهض قائماً فقبل يد المأمون، وعاد إلى مجلسه وأخذ في نوادره وحديثه ومضحكاته وحسن أخباره وغرائب أشعاره كأنه يغرف من بحر، وهو مع ذلك يوهم المأمون أنه من خواص المعتصم. فساعة يكنيه وساعة يسميه حتى غلب على قلب المأمون، وأظهر الحسد لأخيه في صحبة مثل هذا الغلام وكلامه، وأمر المأمون بإحضار المائدة، فنصبت بأنواع الطعام، فأكلوا وغسلوا أيديهم، ولمجلس الشراب انتقلوا، وأمر المأمون بإحضار الجواري من غير ستارة، فحضرن وأخذن في الغناء، فما من صوت يمر إلا والفتى عارف به، وبالغناء، ومتى قيل وفيمن قيل، فعز في عين المأمون حتى ملأ عينه، وتزايد حسده لأخيه في صحبة مثله فمس الفتى بولٌ، ولم يجد للمدافعة سبيلاً، فقام وهو متيقن أنهما سيذكرانه، ويتواصفان أمره وحاله، إذا خلا المجلس، فما هو إلا أن غاب من بين أيديهما حتى قال المأمون لأخيه المعتصم يا أبا إسحاق من صاحبك هذا؟ فوالله ما رأيت رجلاً قط أكثر منه أدباً ولا أنظف هيئة ولا اشرف من شمائله. فقال المعتصم: والله ما أعلم من هو، وإنما جاءني مبكراً برسالة أمير المؤمنين.

стр. 212

فقال المأمون: سألتك بالله يا أخي أهو كذلك؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو. فقال المأمون: طفيلي، ورب الكعبة، وغضب وأمر الجواري بالنهوض، فنهض وأقبل الفتى راجعاً فلما نظر إلى خلو المجلس من الجواري وإلى تغير وجه المأمون، وقف على رأس المجلس وأقبل بوجهه على المعتصم وقال: يا أبا إسحاق! كأني بك قد أخذت في نوع الزور والبهتان، وهذا المجلس من المجالس التي لا تحمل المزاح، وما هكذا وعدتني. ثم قل: والله يا أمير المؤمنين، ما بليت من أحد من الناس مثل ما بليت من هذا لأنه دائماً أبداً يعرضني لمثل هذا وأشباهه، ويغري بي ويوقعني في كل ورطة. ثم أقبل على المعتصم وقال: يا أبا إسحاق، سألتك بالله وبحق أمير المؤمنين إلا ما أعفيتني من ملاعبتك التي لا تحتمل وتؤدي إلى مؤاخذة أمير المؤمنين. ولم يزل يأتي بهذا وأمثاله حتى شك المأمون في أمره والتفت إلى أخيه المعتصم وقال: سألتك بالله يا أخي، بحياتي عليك إلا ما علمتني بحقيقة أمره؟ فقال المعتصم: يا أمير المؤمنين برئت من ذمة الله ورسوله ومن حياتك وولايتك إن كنت عرفه أو رأيته قط إلا في يومي هذا. فقال الفتى: كذب والله يا أمير المؤمنين لقد كنت معه دهري الطويل وفي موضع كذا وكذا، وإن هذا فعله معي أبداً. فضحك المأمون تعجباً، وقال: ادخل فدخل، وأمره بالجلوس فجلس، ثم قال لك الأمان إن صدقتني. فصدقه الحديث على وجهه فأعجب من حسن منطقه ولطف مدخله ودقيق تصرفه وأمر بإعادة الجواري إلى مجلسهن، فطربوا سائر يومهم. فقال له المأمون: أخبرني بأعجب ما لحقك في قدومك من الكوفة إلى بغداد واجعله نظماً ولا تكتم عني شيئاً. فقال: نعم، ثم أنشأ يقول: بينا أنا راقد في البيت مكتئب ... مفكر في حصول الكد والقوت وليس في البيت لي شيء ألم به ... وبي من الجوع ما يدني إلى الموت إذا بصوت بباب الدار أسمعه ... والأذن مصغية مني إلى الصوت ناديت من ذا الذي أرجوه لي فرجاً؟ ... نادى: أنا فرجٌ زن لي كرا البيت

стр. 213

فضحك المأمون حتى استلقى على فراشه، ثم ضرب برجله الأرض من شدة إعجابه وقال: ثم ماذا؟ قال: يا أمير المؤمنين فخرجت فإذا هو صاحب الخان يطالبني بالكراء، فوعدته بأن يرجع إلي مرة أخرى، فمضى ومضيت على وجهي لا أعلم أين أتوجه، فسألت كل من لقيته من صديق لي كنت أستأنس به فخطر على بالي بيتان من الشعر في ذلك وهما. غريب الدار ليس له صديقٌ ... جميع سؤاله: أين الطريق؟ تعلق بالسؤال لكل شخصٍ ... كما يتعلق الرجل الغريق فأشرفت يا أمير المؤمنين علي جارية كأنها البدر ليلة كماله، وهي تقول: ترفق يا غريب فكل حر ... يمر بحاله سعةٌ وضيق وكل ملمةٍ إن أنت فيها ... صبرت لها أتيح لها طريق ثم قالت: خذ هذه فادفع بها فاقتك، فوالله ما هي إلا مؤاساة من قوت، ورمت إلى صدري بقرطاس، وإذا فيه عشرة دراهم، فرجعت من فوري، فوجدت صاحب الكراء قائماً على الباب، فدفعت إليه خمسة دراهم، واستعنت بالباقي إلى أن وقعت هذه القصة، وهذا الأمر الذي كلفني وحملني على ما فعلت وأنشأ يقول: لم آتِ فعلاً غير مستحسن ... جهلاً بفعل الأحسن الأملح لكنني في حالة أوجبت ... ضرورة إتيان مستقبح فأعجب المأمون أمره واستحسنه وأمر له بمائة ألف درهم يصلح بها شأنه وألحقه بمراتب الخاصة، ورفعت منزلته، وصار أقرب الناس إليه، وآخر خارج من عنده وأول داخل إليه، وسمي طفيلي المعتصم، وأنشد للمأمون يوماً يقول: كانت لقلبي أهواء مفرقة ... فاستجمعت مذ رأتك العين أهوالي تركت للناس دنياهم ودينهم ... شغلاً بذكرك عن ديني ودنيائي وصار يحسدني من كنت أحسده ... وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي فاستحسن المأمون الأبيات، وأمر بكتبها على الستارة، وصار الفتى إذا حضر يوم سرور المأمون لم يكن للمأمون هم إلا اقتراح هذه الأبيات إلى أن ينقضي المجلس، ثم إن الفتى بعد أن حسنت حالته، أرسل إلى الدار التي أشرفت عليه منها الجارية، فإذا هي

стр. 214

لرجل من أهل بغداد من مباشريها، وقد مات ولم يخلف ولداً سوى تلك الجارية، وما مات حتى تضعضع حاله، فأعلم المأمون بذلك، فمر بخطبتها للفتى ودفع المهر من عنده وصار الفتى والجارية في نعمة عظيمة بقية عمرهما والله أعلم. رقة قلب المأمون وسرق شاب سرقة، فتي به إلى المأمون فأمر بقطع يده فتقدم لتقطع يديه فأنشد الشاب يقول: يدي، يا أمير المؤمنين، أعيذها ... بعفوك أن تلقى نكالاً يشينها فلا خير في الدنيا ولا راحةً بها ... إذا ما شمالٌ فارقتها يمينها وكانت أم الشاب واقفةً على رأسه، فبكت وقالت: يا أمير المؤمنين إنه ولدي وواحدي، ناشدتك الله إلا رحمتني وهدأت لوعتي وجدت بالعفو عمن استحق العقوبة. فقال المأمون: هذا حد من حدود الله تعالى. فقالت: يا أمير المؤمنين! اجعل عفوك عن هذا الحد ذنباً من الذنوب التي تستغفر منها. فرق لها المأمون وعفا عنه. المأمون ونذير الشؤم قال: رأيت في بعض المجاميع بخط بعض العلماء الأكابر أن المأمون أشرف يوماً من قصره فرأى رجلاً قائماً وبيده فحمة، وهو يكتب بها على حائط قصره، فقال المأمون لبعض خدمه: اذهب إلى ذلك الرجل، فانظر ما كتب وائتني به. فبادر الخادم إلى الرجل مسرعاً وقبض عليه، وقال: ما كتبت؟ فإذا هو قد كتب هذين البيتين: يا قصر جمع فيك الشوم واللوم ... متى يعشش في أركانك البوم يوم يعشش فيك البوم من فرحي ... أكون أول من ينعاك مرغوم

стр. 215

ثم إن الخادم قال له: أجب أمير المؤمنين. فقال الرجل: سألتك بالله لا تذهب بي إليه. فقال الخادم: لا بد من ذلك. ثم ذهب به فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين وأعلم بما كتب قال له المأمون: ويلك، ما حملك على هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إنه لا يخفى عليك ما حواه قصرك هذا من خزائن الأموال والحلي والحلل والطعام والشراب والفرش والأواني والأمتعة والجواري والخدم وغير ذلك مما يقصر عنه وصفي ويعجز عنه فهمي. وإني يا أمير المؤمنين قد مررت عليه الآن، وأنا في غاية من الجوع والفاقة، فوقفت مفكراً في أمري وقلت في نفسي: هذا القصر عامر عال، وأنا جائع ولا فائدة لنا فيه، فلو كان خراباً ومررت به لم أعدم رخامة أو خشبة أو مسماراً أبيعه وأتقوت بثمنه أوما علم أمير المؤمنين رعاه الله قول الشاعر: إذا لم يكن للمرء في دولة امرئٍ ... نصيب ولا حظ تمنى زوالها وما ذاك من بغض له، غير أنه ... يزجي سواها، فهو يهوى انتقالها فقال المأمون: يا غلام، أعطه ألف درهم، ثم قال: هي لك في كل سنة ما دام قصرنا عامراً بأهله مسروراً في دولته. وأنشدوا في معنى ذلك: إذا كنت في أمر، فكن فيه محسناً ... فعما قليل أنت ماض وتاركه فكم دحت الأيام أرباب دولةٍ ... وقد ملكوا أَضعاف ما أنت مالكه
следующие страницы →