← История

История · id 408

نوادر الخلفاء = إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس

الإتليدي

Полный текст (300 стр.). Показаны 281–300 · переход к 286.

стр. 281

فطلبت منهم وتراً قدر شبر من جلد يحمور وشيئاً من دهن السذاب البري، فأتوا بهما فشددت إبهامي يدي الشابة شداً وثيقاً، فلما فعلت بها ذلك صاح قائلاً: وأنا علمتك على نفسي، ثم قطرت من الدهن في أنفها الأيمن أربعاً وفي الأيسر ثلاثاً فخر من قوته ميتاً، وشفى الله تلك الشابة ولم يعاودها بعدها شيطان. الحاكم بأمر الله وصاحب البستان وحكى القاضي شهاب الدين فضل الله في كتابه مسالك الأنصار في ممالك الأمصار، في ترجمة الحاكم بأمر الله أبي علي منصور، قال: بينما هو في موكبه قبلي بركة الحبش، إذ مر برجل على بستان له وحوله عبيده، فاستسقاه ماء فسقاه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، قد أطمعتني في السؤال، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكرمني بنزوله لأحظى بتمام السعد؟ فأجابه لذلك ونزل بجيشه، فأخرج الرجل مائة بساط ومائة نطع ومائة وسادة ومائة طبق فاكهة ومائة جام حلوى ومائة زبدية سكرية، فبهت الحاكم وقال: أيها الرجل، خبرك عجيب، هل علمت بنا فأعددت هذا؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، وإنما أنا تاجر من رعيتك لي مائة محظية، فلما أكرمتني بالنزول عندي أخذت من كل واحدة شيئاً من فرشها وزائد أكلها وشربها، فإن لكل واحدة في كل يوم طبق طعام وطبق فاكهة وجام حلوى وزبدية شراب. فسجد أمير المؤمنين شكراً لله تعالى وقال: الحمد لله الذي جعل في رعايانا من يسع حاله هذا، ثم أمر له بما، في بيت المال من الدراهم المضروبة في تلك السنة، فكانت ثلاثة آلاف ألف وسبعمائة ألف، ولم يركب حتى أحضرها وأعطاها للرجل وقال له: استعن بهذا على حالك ومروءتك، ثم ركب وانصرف.

стр. 282

سخاء البرامكة حكى أبو إسحاق إبراهيم الموصلي قال: دعاني يحيى ابن خالد، فدخلت عليه، فوجدت الفضل وجعفراً ولديه جالسين بين يديه فقال لي: يا أبا إسحاق أصبحت اليوم مهموماً فأردت الصبوح لأتسلى فغن لي صوتاً لعلي أرتاح له فغنيته: إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر فما خلقت إلا لجود أكفهم ... وما خلقوا إلا لأعواد منبر فسر وارتاح وأمر لي بمائة ألف، وأمر لي كل واحد من ولديه بمائة ألف فحمل المال جميعه بين يدي فأخذته وانصرفت. وحكي عن مخارق قال: أصبحت السماء مغيمة وأصبح الرشيد مع حريمه وأمرنا بالإنصراف، وأذن لنا أن نقيم في منازلنا ثلاثة أيام، فمضى الجلساء أجمعون إلى منازلهم فقلت: والله لأذهبن إلى أستاذي إبراهيم الموصلي، فأعرف خبره، ثم أعود وأمرت من عندي أن يهيئوا لي مجلساً إلى وقت رجوعي، فجئت إلى دار إبراهيم، وقلت للبواب: أخبر أستاذك فأخبره، فقال: ادخل، فدخلت فإذا هو جالس في رواق وبين يديه قدر تغرغر وأباريق تزهر وستارة منصوبة والجواري خلفها، فقلت: ما بال الستارة لا أسمع من ورائها صوتاً؟ فقال: اقعد ويحك أصبحت على ما ترى، فأتاني خبر ضيعة بيعت بجواري، وقد كنت طلبتها زماناً، وتمنيتها فلم أملكها، وقد أعطي فيها الآن مائة ألف. فقلت: وما يمنعك منها، وقد أعطاك الله أضعاف هذا المال؟ قال: صدقت، ولكن نفسي غير طيبة بإخراج هذا المال. وقال: خذ هذا القضيب، ونفر بقضيب في يده على المدورة وألقى علي: نام الخليون من وهمٍ ومن سقمٍ ... وبت من كثرة الأحزان لم أنم يا طالب الجود والمعروف مجتهداً ... أعمد ليحيى حليف الجود والكرم قال: فأخذته وأحكمته ثم قال: امض الساعة إلى باب الوزير يحيى بن خالد، وادخل عليه وحدثه بما رأيت، واذكر الضيعة وعرفه أني صنعت له هذا الصوت، فأعجبني، ولم أجد من يستحقه إلا جاريته دنانير، وإنني ألقيته عليك لتلقيه عليها، وائتني بما يكون من الخبر.

стр. 283

قال: فجئت إلى الباب واستأذنت وأعلمته، فأمر بنصب الستارة، وألقيت الصوت على الجارية مراراً حتى أحكمته، فقال لي: تقيم عندنا أو تنصرف؟ قلت: أنصرف أطال الله بقاء مولانا الوزير. فقال: يا غلام، احمل معه عشرة آلاف، واحمل إلى إبراهيم مائة ألف. فحملت مالي وأتيت إلى منزلي فنثرت على من عندي من الجواري دراهم من تلك البدر، وأكلت وشربت بقية يومي، فلما أصبحت قلت: والله لأذهبن إلى أستاذي وأعرفن خبره، فأتيت ودخلت فوجدته على مثل ما كان عليه بالأمس. فقلت له: ما الخبر، ألم يأتك المال؟ قال: نعم، غير أنه لما دخل منزلي بخلت نفسي بإخراجه، وألقى عليه صوتاً آخر أتيت به الفضل بن يحيى وحدثته بما كان من أبيه بالأمس، فأمر أن يحمل معي عشرون ألفاً، ولإبراهيم مائتا ألف، وفعلت مثل ما فعلت بالأمس، وغدوت إليه لما أصبحت، فوجدته على مثل حاله بمثل عذره، وألقى علي صوتاً غيره، وأتيت به جعفر بن يحيى، وأخبرته بما كان من أبيه وأخيه، فأمر أن يحمل معي ثلاثون ألفاً وإلى إبراهيم ثلاثمائة ألف. فحملته معي إليه، فبكى إبراهيم وقال: وصلت إلي ستمائة ألف وأنا جالس في مجلسي لم أبرح منه، فعلى مثل هؤلاء يبكى، فرحم الله أرواحهم أجمعين. ؟ إسحاق الموصلي يتطفل قال إسحاق: غدوت يوماً وأنا منحصر من ملازمة أمير المؤمنين، فعرضت نفسي على أن أطوف في الصحراء وأتفرج، وقلت لغلماني: إذا جاء رسول الخليفة أو غيره فلا تعرفوه مكاني، فطفت وعدت وقد حمى النهار، فوقفت في فضاء أستريح، فلم ألبث أن جاء خادم يقود حماراً فارهاً، وعليه جارية راكبة عليها فاخر الثياب، ورأيت لها قواماً حسناً وظرفاً فائقاً، فحدثت نفسي أنها مغنية، ثم أدخلت الدار التي أنا واقف عليها ثم لم ألبث أن جاء شابان جميلان واستأذنا فأذن لهما فدخلا، ودخلت معهما فظنا أن صاحب الدار دعاني، وظن صاحب البيت أنني معهما. وجلسنا، فأتي بالطعام، فأكلنا وبالشراب فوضع، ودخلت الجارية في يدها عود فغنت وشربنا، فسألهما صاحب المنزل عني فأخبراه أنهما لا يعرفاني فقالوا: هذا طفيلي لكنه ظريف، فأجملوا عشرتي فشربنا ودار الكأس، فغنت الجارية تقول:

стр. 284

ذكرتك إذ مرت بنا أم شادن ... أمام المطايا تشرئب وتسنح من المؤلفات الرمل أدماء حرةٌ ... شعاع الضحى من وجهها يتوضح فأدته أداء حسناً. ثم غنت صوتاً من القديم والحديث تقول: قل لمن صد عاتباً ... ونأى عني جانبا قد بلغت الذي أرد ... ت، وإن كنت لاعبا فاستعدته منها لأصححه عليها فأقبل علي أحد الرجلين يعنفني ويقول: ما رأينا طفيلياً أصفق وجهاً منك لم ترض بالتطفل حتى اقترحت، وهذا غاية المثل: طفيلي ويقترح. فأطرقت وجعل صاحبه يكفه وهو لا يلتفت، ثم قاموا إلى الصلاة وتأخرت بعدهم قليلاً، وأخذت عود الجارية وشددت طبقته وأصلحته إصلاحاً محكماً، وعدت إلى موضعي وعادوا، وأخذ ذلك الرجل في عربدته علي وأنا صامت، وأخذت الجارية العود وجسته، فأنكرت حاله، وقالت: من جس عودي؟ قالوا: ما جسه أحد. قالت: بلى والله لقد جسه حاذق متقدم وشد طبقته، وأصلحه إصلاح متمكن من الصناعة. قلت لها: أنا. فقالت: بالله خذ واضرب. فأخذته وضربت ضرباً عجيباً فيه نقرات محركة، فما بقي منهم أحد إلا وثب وجلس بين يدي، وقال صاحب المجلس: أقسم بالله أن لك في هذه الصناعة أصواتاً غريبة، فبالله عليك إلا عرفت بنفسك؟ فقلت: أنا إسحاق الموصلي، ووالله إني لأتيه على الخليفة إذا طلبت وأنتم ترون صاحبكم هذا يسمعني ما أكرهه لكوني تأدبت معكم، ودخلت عندكم، والله لا نطقت بحرف، ولا جلست حتى تخرجوا هذا الممقوت. فقال له صاحبه: من مثل هذا خفت عليك. وأخذوا بيده وسحبوه وأخرجوه وعادوا فبادرت وغنيت الأصوات التي غنتها الجارية من صنعتي، فقال لي الرجل: هل لك في خصلة؟ قلت: ما هي؟ قال: تقيم عندنا أسبوعاً والمكافأة الجارية والجهاز لك. قلت: نعم أفعل. وأقمت عنده أسبوعاً لا يعرف أحد أين أنا، والمأمون يطلبني في كل حين وكل موضع، ولم يقع أحد على خبري، فلما انقضت الأيام تسلمت الجارية والجهاز والخادم،

стр. 285

وجئت بذلك إلى منزلي، وركبت من وقتي إلى المأمون فلما رآني قال: يا أبا إسحاق ويحك، أين كنت؟ فأخبرته الخبر فقال: علي بالرجل الساعة. فدللتهم على موضعه، فأحضره وسأله المأمون فأخبره بالقصة، فقال: أنت ذو مروءة، وسبيلك أن تعان عليها وأمر له بمائة ألف، وقال له: لا تعاشر ذلك النذل المعربد. يزيد والأحوص بن جعفر ومن كلام الأحوص في حضرة يزيد، غنته جارية بين يديه: إذا رمت عنها سلوة قال شافعٌ ... من الحب ميعاد السلو المقابر ستبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ود، يوم تبلى السرائر فطرب يزيد وقال: لمن الشعر؟ قالت: لا أدري. قال: ابعثوا إلى الزهري، وكان قد ذهب من الليل شطره فأتي به فلما صعد إليه قال: لا بأس عليك، لن ندعوك إلا لخير، فجلس وسأله عن قائل هذا الشعر؟ فقال الأحوص. قال: ما فعل به؟ قال: قد طال حبسه، فأمر بتخلية سبيله، وأن يدفع له أربعمائة دينار، ثم قدم عليه بعد ذلك فأجازه وأحسن إليه إحساناً جزيلاً، وكانت المغنية جارية يزيد بن عبد الملك. الرشيد في منزل إبراهيم الموصلي وحكى مسرور الخادم أن الرشيد قصد الركوب في غير عادته، فقلت له: أين تريد يا أمير المؤمنين في هذا الوقت؟ قال: إلى منزل إبراهيم الموصلي. قال: فمضى حتى انتهى إلى منزل إبراهيم الموصلي، فخرج وتلقاه وقبل حافر حماره، وقال: يا أمير المؤمنين في مثل هذه الساعة تظهر؟ قال: نعم، شوق طرق بي إليك. ثم نزل وجلس في طرف الإيوان وأجلس إبراهيم، فقال له إبراهيم: يا سيدي استنبطنا شيئاً نأكله قبل الشراب.

стр. 286

قال: نعم. فجاء بمطعوم كأنما كان معداً له، فأصاب منه يسيراً، ثم دعا بشراب حمل معه، فقال له الموصلي: يا سيدي أغنيك أم تغنيك إماؤك؟ قال: بل الجواري. فخرجت جواري إبراهيم فأخذن صدر الإيوان وجانبيه، فقال إبراهيم: أيضربن كلهن أم واحدة واحدة؟ فقال: بل يضربن اثنتان اثنتان، وواحدة واحدة تغني. قال: فضربن اثنتان وغنت واحدة منهن، فقالت: إذا دعا باسمها داعٍ يحدثني ... كادت لها مهجتي من حرها تقع لو أن لي صبرها أو عندها جزعي ... لكنت أعقل ما آتي وما أدع لا أحمل اللوم فيها، والغرام بها ... ما كلف الله نفساً غير ما تسع ثم غنت أخرى، فقالت: طرقتك زائرةٌ فحي خيالها ... بيضاء تخلط بالجمال دلالها هل يطمسون من السماء نجومها ... بأكفهم أو يطمسون هلالها شهدت من الأنفال آخر آيةٍ ... فأردتموا بمحالكم إبطالها ثم غنت أخرى، فقالت: شطت سعاد وأضحى البين قد أبدا ... وأورثتك سقاماً يصدع الكبدا فما احتيالك في جد الرحيل بهم ... وخلفوك غداة البين، منفردا لا أستطيع لهم صبراًُ ولا جلداً ... ولا تزال أحاديثي بهم جددا قال: فقام حتى وصل إلى صدر الإيوان، وأخذ بجانبيه والرشيد يسمع ولا ينصت لشيء من غنائهن، إلى أن غنته صبية من صدر الإيوان من حاشية الصفة هذين البيتين لأبي نواس: يا موري الزند قد أعيت قوادحه ... أقبس بما شئت من قلبي بمقباس ما أقبح الناس في عيني وأسمجهم ... إذا نظرت فلم أنظرك في الناس فطرب الرشيد لغنائهما واستعاد الصوت مراراً وشرب أرطالاً، وسأل الجارية عن صانعه، فأمسكت فاستدناها، فتقاعست، فأمر بها، فأقبلت بين يديه، فأخبرته بشيء أسرته إليه، فدعا بحماره فركبه، ثم التفت إلى إبراهيم الموصلي، فقال له: ما ضرك أن تكون خليفة.

стр. 287

فكادت روحه تخرج حتى دعاه بعد ذلك وأدناه. قال: وكان الذي أخبرته به سراً أن الصنعة في الصوت لأخته علية بنت المهدي، وكانت الجارية لها، فوجهتها إلى إبراهيم الموصلي يطارحها، ومن قول أبي نواس: دع عنك لومي فإن اللومَ إغراءُ ... وداوني بالتي كانت هي الداء صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء من كف ذات حر في زي ذي ذكر ... لها محبان لواطٌ وزناءُ قامت بإبريقها، والليل معتكرٌ ... فلاح من وجهها في البيت لألاء أرسلت من فم الإبريقِ صافيةً ... كأنما أخذُها بالعين إغفاءُ رقت عن الماء حتى ما يلائمها ... لطافةً وجفا عن شكلها الماء فلو مزجت بها نوراً لمازجها ... حتى تَولد أنوارٌ وأضواءُ دارت على فتية دان الزمان لهم ... فما يُصيبهمو إلا بما شاؤوا فقل لمن يدعي في العلم فلسفةً ... حفظت شيئاً وغاب عنك أشياء وقال الشاعر: كعصفورةٍ في كف طفلٍ يهينها ... تذوق مرار الموت، والطفل يلعب فلا الطفل ذو عقل يرق لحالها ... ولا الطيرُ مطلوق الجناحين يهرب

стр. 288

الفخ والعصفور وروى البيهقي في الشعب عن مالك بن دينار. قال: مثل قراء هذا الزمان مثل رجل نصب فخاً، فجاء عصفورٌ، فدنا إلى الفخ وقال: ما لك متغيباً في التراب؟ فقال: للتواضع، فقال: فمم انحنيت؟ قال: من طول العبادة. قال: فما هذه الحبة التي في فيك؟ قال: أعددتها للصائمين. فلما تناول الحبة أمسك الفخ عنقه، فقال العصفور: إن كان العباد يخنقون خنقك فلا خير في هذه العبادة اليوم، انتهى. إحدى النصائح قال الشافعي ﵁ أربعة أشياء تزيد في الجماع: أكل العصافير، وأكل الإطريفل، وأكل الفستق، وأكل الجرجير، وأربعة أشياء تزيد في العقل: ترك الفضول من الكلام، والسواك، ومجالسة الصالحين، والعمل بالعلم. وأربعة تقوي البدن: أكل اللحم، وشم الطيب، وكثرة الغسل من غير جماع، ولبس الكتان. وأربعة توهن البدن: كثرة الجماع، وكثرة الهم، وكثرة شرب الماء على الريق، وكثرة أكل الحموضة، انتهى من حرف العين.

стр. 289

ابن الخياط والمهدي ودخل ابن الخياط المكي على المهدي ومدحه فأمر له بخمسين ألف درهم، فسأله أن يأذن له في تقبيل يده، فأذن له فقبلها وخرج، فلما انتهى إلى الباب حتى فرقها جميعاً فعوتب في ذلك، فأنشد يقول: لمست بكفي كفه أبتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي فلا أنا منه ما أفاد ذوي الغنى ... أفدتُ وأعداني فأتلفت ما عندي فغني بهما المهدي، فأمر له بخمسين ألف دينار، انتهى. ولبعضهم تغزلاً في مليح: أقولُ لمقلتيه حين ناما ... وسحر النوم في الأجفانِ سار تبارك من توفاكم بليلٍ ... ويعلم ما جرحتم بالنهار

стр. 290

الإمام أحمد بن حنبل ومناقبه رضي الله تعالى عنه مات سنة مائتين وإحدى وأربعين، وحرر من حضر في جنازته: فكانوا ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألفاً، وأسلم يوم موته ﵁: عشرون ألفاً من اليهود والنصارى والمجوس، انتهى. وقال الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات: إن المتوكل أمر أن يقاس الموضع الذي وقف الناس فيه للصلاة على الإمام أحمد، فبلغ مقام ألفي ألف وخمسمائة، وقد حزن عليه رضي الله تعالى عنه المسلمون واليهود والنصارى والمجوس، وقال محمد بن خزيمة: لما بلغني موت الإمام أحمد بن حنبل ﵁، اغتممت غماً شديداً، فرأيته في المنام وهو يتبختر في مشيته، فقلت: يا أبا عبد الله ما هذه المشية؟ فقال: مشية الخدام في دار السلام. فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وتوجني وألبسني نعلين من ذهب. وقال: يا أحمد هذا بقولك: القرآن كلامي غير مخلوق. ثم قال الله تعالى: يا أحمد ادعني بتلك الدعوات التي بلغتك عن سفيان التي كانت تدعو بهن في دار الدنيا. فقلت: ريا رب أسألك بقدرتك على كل شيء أن لا تسألني عن شيء واغفر لي كل شيء. فقال جل وعلا: يا أحمد هذه الجنة، فادخل فيها. وأنشد بعضهم في تاريخ موت الأئمة الأربعة ومولدهم: الإمام أبي حنيفة والإمام مالك، والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل ﵃ أجمعين: تاريخ نعمان يكن سيف سطا ... ومالك في قطع جوف ضبطا والشافعيُّ صينَ ببرندِ ... وأحمد يسبق أمر جعد فخذ على ترتيب نظم الشعر ... ميلادهم فموتهم فالعمر وكذا في تاريخ الأئمة الخمسة المحدثين، الإمام الترمذي وأبو داود والإمام مسلم والنسائي والإمام البخاري، وقد جمع ذلك بعضهم في بيت واحد فقال: إذا رمت الحديث فلذ بخمس ... تكن مثل المشافه في الحياة تعطر درعه ما رص نسجٌ ... بنور للمحدث للوفاة

стр. 291

بيان ذلك، التاء إشارة للترمذي، والدال إشارة لأبي داود، والميم إشارة للإمام مسلم، والنون للنسائي، والباء للبخاري والله أعلم. السكران والجلاد ويحكى أنه أتي برجل مدني سكران إلى بعض الولاة فأمر بإقامة الحد عليه، وكان الرجل طويلاً والجلاد قصيراً، فلم يتمكن من ضربه. فقال الجلاد للمدني: تقاصر لينالك الضرب. فقال: ويلك إلى أكل الفالوذج تدعوني، والله لوددت أن أكون أطول من عوج بن عنق، وأنت أقصر من يأجوج ومأجوج، فاستظرفه الأمير وخلى سبيله، انتهى من حلية الكميت. ومن قول ابن المعتز: وجاءني في قميص الليل مستتراً ... يستعجل الخطو من خوف ومن حذر ولاح ضوء صباح كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدت من الظفر وكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر ولبعضهم عفا الله عنه: جرى دمعي من الحال الذي بي ... كجري الماء في أول أبيب ومع هذا فلم قطع رجائي ... لأن الله ألطف من أبي بي من كلام الشافعي ﵁ لم يدر طعم الفقر من هو في غنى ... ومصحح الأعضاء ليس كمبتلي كم فاقةٍ مستورة بمروءةٍ ... وضرورةٍ قد غطيت بتجمل وتبسمٍ من تحته قلبٌ شجٍ ... قد صادفته غمةٌ لا تنجلي والناس جمعاً عند كل كفؤه ... والهم مفترق وما أحدٌ خلي لو سود الهم الملابس لم تجد ... بيض الثياب على أمرئ في محفل وإذا أراد المرء جلو همه ... عن نفسه من نفسه لا ينجلي

стр. 292

رياض نجد من كلام العارف بالله تعالى الشيخ عبد الرحيم البرعي رحمه الله تعالى في أرض اليمن: رياض نجد بكم جنانُ ... فضّية نورها حسان وترب واديكمو بنجدٍ ... مسك، وحصباؤها جمان والروض من شعبكم عبيرٌ ... والزهر وردٌ وزعفران والجار في ربعكم عزيز ... والحر في أرضيكم يصان فكم سفكتمُ دمي ودمعي ... أما على القاتل الضمان ورمت أخفي الهوى ودمعي ... من شدة الوجد ترجمانُ يا لائمون اقصروا ملامي ... رفقاً بمن قلبه ملان لا تذكروا الظاعنين عندي ... فلي وللظاعنين شان قالوا: هواهم عليك حتمٌ ... فقلت: عهدي الهوى يصان قالوا: فكم تكتم التصابي ... قلت: المعنى بهم معان قالوا: فقد فارقوك ربعاً ... قلت: هم الناس حيث كانوا قالوا: فدعهم فقلت: كلا ... لعل دهراً قسا يلان ليت الصبا الحاجري ينبي ... عن جيرة البان يوم بانوا هل عهدهم عهدهم بنجدٍ ... باقٍ أم استؤمنوا فخانوا يا محسناً بالزمان ظناً ... هل تدري ما يفعل الزمان لا تتبع النفس في هواها ... إن اتباع الهوى هوان وا خجلتي من عتاب ربي ... إن قيل أسرفت يا فلان إلى متى أنت في الملاهي ... تصير مرخى لك العنان لو خوفتك الجحيم بطشي ... وشوقت قلبك الجنان عندي لك الصفح وهو بري ... وعندك السيف والسنان ما تستحي كاتباً كريماً ... يحصى به الفعل واللسان وتستحي شيبةً تراها ... في النار مسحوبةً تهان أنت شجاع على المعاصي ... وأنت عن طاعتي جبان لم ينهك الشيب عن حدودي ... ولا رسولي ولا القرآن

стр. 293

ترضى بأن تنقضي الليالي ... وما انقضى حربك العوان أي أوان تتوب فيه ... هل بعد قطع الرجا أوان آثرت غيري علي لكن ... كما يدين الفتى يدان يا سيدي: هذه عيوبي ... وأنت في الخطب مستعان يا من له في العصاة شان ... البر والعطف والحنان يا من ملا بره النواحي ... لم يخل من بره مكان عفواً فإني رهين ذنبٍ ... حاشاك أن يغلق الرهان فاغفر لعبد الرحيم والطف ... بخائف ما له أمان وسامح الكل من ذنوبٍ ... غدا بها يشهد البنان وصل يا ذا العلا وسلم ... على من أخلاقه حسان دار الحبيب هذه قصيدة الإمام الولي العارف بالله تعالى أبي محمد بن أبي عمران اليشكري نفعنا الله به. قال العلامة بدر الدين بن فرحون أحد أصحاب ناظمها أن بعض الصالحين رأى النبي ﷺ في المنام، قال البدر: وأشك هل كان هو الشيخ أو غيره، وأنشد هذه القصيدة فلما بلغ آخرها قال النبي ﷺ : رضيناها رضيناها وهي هذه: دار الحبيب أحق أن تهواها ... وتحن من طرب إلى ذكراها وعلى الجفون إذا هممت بزورةٍ ... يا ابن الكرام عليك أن تغشاها فلأنت أنت إذا حللت بطيبةٍ ... وظللت ترتع في ظلال رباها مغنى الجمالِ من الخواطر والتي ... سلبت قلوب العاشقين حلاها لا تحسب المسك الذكي كتربها ... هيهات أين المسك من رياها طابت فإن تبغي لطيبٍ يا فتى ... فأدم على الساعات لثم ثراها وابشر ففي الخبر الصحيح تقرراً ... إن الإله بطيبةٍ سماها

стр. 294

واختصها بالطيبين لطيبها ... واختارها ودعا إلى سكناها لا كالمدينة منزلٌ وكفى بها ... شرفاً حلول محمد بفناها خصت بهجرة خير من وطئ الثرى ... وأجلهم قدراً وأعظم جاها كل البلاد إذا ذكرن كأحرفٍ ... في اسم المدينة لا خلا معناها حاشا مسمّى القدس فهي قريبةً ... منها ومكة إنها إياها لا فرق إلا أن ثم لطيفةً ... مهما بدت يجلو الظلام سناها جزم الجميع بأن خير الأرض ما ... قد حاز ذات المصطفى وحواها ونعم لقد صدقوا بساكنها علت ... كالنفس حين زكت زكا مأواها وبهذه ظهرت مزية طيبة ... فغدت وكل الفضل في معناها حتى لقد خصت بهجرة حبه ... الله شرفها به وحباها ما بين قبر للنبي ومنبر ... حيا الإله رسوله وسقاها هذي محاسنها فهل من عاشق ... كلف شجيٍّ ناحل بنواها إني لأرهب من توقع بينها ... فيظل قلبي موجعاً أواها ولقلما أبصرت حال مودِّعٍ ... إلا رثت نفسي له وشجاها فلكم أراكم قافلين جماعةً ... في إثر أخرى طالبين سواها قسماً لقد أكسى فؤادي بينكم ... جزعاً وفجر مقلتي مياها إن كان يزعجكم طلاب فضيلةٍ ... فالخير أجمعه لدى مثواها أو خفتمو ضرابها فتأملوا ... بركاتٍ بقعتها فما أزكاها أف لمن يبغي الكثير لشهوةٍ ... ورفاهة لم يدر ما عقباها فالعيش ما يكفي وليس هو الذي ... يطغي النفوس إلى خسيس مناها يا رب أسأل منك فضل قناعة ... بيسيرها وتحصناً بحماها ورضاك عني دائماً ولزومها ... حتى توافي مهجتي أخراها فأنا الذي أعطيت نفسي سؤلها ... فقبلت دعواها فيا بشراها بجوار أو في العالمين بذمة ... وأعز من بالقرب منه يباهى من جاء بالآيات والنور الذي ... داوى القلوبَ من العمى فشفاها أولى الأنام بخطة الشرف التي ... تدعى الوسيلة خير من يعطاها إنسان عين الكون شرف جوده ... يس وأكسير المحامد طاها

стр. 295

حسبي فلست أفي ببعض صفاته ... لو أن لي عدد الورى أفواها كثرت محاسنه فأعجز حصرها ... فغدت وما تلفي لها أشباها إني اهتديت من الكتاب بآيةٍ ... فعلمت أن علاه ليس يضاهى ورأيت فضل العالمين محدداً ... وفضائل المختار لا تتناهى كيف السبيل إلى تقضي مدح من ... قال الإله له وحسبك جاها إن الذين يبايعونك إنما ... هم من يقال يبايعون الله هذا الفخار فهل سمعت بمثله ... واها لنشأتها الكريمة واها صلوا عليه وسلموا فبذلكم ... تهدى النفوس لرشدها وغناها صلى عليه الله غير مقيدٍ ... وعليه من بركاته أنماها وعلى الأكابر آله سرج الهدى ... أكرم بعثرته ومن والاها وكذا السلام عليه ثم عليهم ... وعلى صحابته التي زكاها أعني الكرام أولي النهى أصحابه ... فئة التقى ومن اهتدى بهداها والحمد لله الكريم وهذه ... نجزت وظني أنه يرضاها وهذا آخرها والحمد لله وحده. ولبعضهم: لله في ملكه خاتمٌ ... تجري المقادير على نقشه لا تنبشن الشر تبلى به ... واحذر على نفسك من نبشه مصارع الدهر لها سطوةٌ ... تنزل السلطان عن عرشه إذا طغى الكبش بلحم الكلا ... أدرج رأس الكبش في كرشه إذا بغى المرء على جنسه ... لا بد أن ينكب في فرشه

стр. 296

أنت ومالك لأبيك قوله ﷺ : أنت ومالك لأبيك " ذكر العلامة الشمس العلقمي في حاشيته على الجامع الصغير عن جابر قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي أخذ مالي؟ فقال النبي ﷺ للرجل: اذهب فأتني بأبيك. فنزل جبريل على النبي ﷺ فقال: إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: إذا جاء الشيخ فاسأله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه. فلما جاء الشيخ قال له النبي ﷺ : ما بال ابنك يشكوك، أتريد أن تأخذ ماله؟ فقال: يا رسول الله هل أنفقه إلا على إحدى عماته أو خالاته أو على نفسي؟ فقال ﵊: أيها الشيخ دعنا من هذا. أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك. فقال الشيخ: والله يا رسول الله ما يزال الله يزيدنا بك يقيناً، لقد قلت في نفسي شيئاً ما سمعته أذناي فقال له: قل فأنا أسمع. فقال: غذيتك مولوداً وعلتك يافعاً ... تعل بما أسدي إليك وتنهل إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت ... لسقمك إلا ساهراً أنململ كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني وعيناي تهمل تخاف الردى نفسي عليك وإنها ... لتعلم أن الموت شيء مسجل فلما بلغت السن والغاية التي ... لها مدةٌ قد كنت فيك أؤمل جعلت جزائي غلظةً وفظاظةً ... كأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إذ لم ترع حق أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل قال: فحينئذ أخذ رسول الله ﷺ بجلباب ابنه وقال له: " أنت ومالك لأبيك ". انتهى.

стр. 297

الأصمعي في بلدة خراب حكى الأصمعي قال: خرجت في طلب الأعاجيب من الأحاديث، فلاحت لي بلدة بيضاء كأنها الغمامة، فدخلتها فإذا هي خراب وليس فيها ديار ولا أنيس، فبينما أنا أدور في نواحيها إذ سمعت كلاماً فطار قلبي، فأنصتًّ، فإذا به كلام موحشٌ، فسللت سيفي ودخلت ذلك المكان، فإذا أنا برجل جالس، وبين يديه صنم وفي يده قضيب، وهو يبكي وينكت به الأرض ويقول: أما ومسيح الله لو كنت عاشقاً ... لمت كما ماتت، وقد ضمني لحدي وكم أتسلى بالحديث وبالمنى ... وبالعبرات السائلات على خدي وإني وإن لم يأتني الموت سرعةً ... لأمسي على جهد وأضحي على جهد قال: فلما سمعت ذلك منه هجمت عليه، فلم يشعر بي إلا أن قلت له: السلام عليك، فرفع رأسه وقال: وعليك السلام، من أين أنت ومن جاء بك إلى هذا المكان؟ فقلت: الله جاء بي. قال: صدقت وهو الذي أفردني في هذا المكان. فقلت له: ما بالك تشير إلى هذا الصنم الذي بين يديك. فقال لي: إن حديثي عجيب وأمري غريب. فقلت له: حدثني به ولا تخف منه شيئاً. فقال لي: اعلم أننا كنا قوماً من بني تميم وكنا على دين المسيح وكان دعاؤنا مستجاباً، وكانت هذه الصنمة ابنة عمي وكنت أنا وإياها. فلما كبرت حجبها عمي عني، فكنت أحبها سراً. فبينما أنا ذات ليلة وأنا عندها إذ سمعت عمي يدق الباب، فأدخلتني سرداباً وقامت هي ففتحت الباب ودخل عمي فقال لها: أين عبد المسيح؟ فقالت: إني لم أره. فقال لها: إني سمعت كلامه عندك. فقالت: لم تسمع شيئاً وإنما خيل لك. فقال لها: والله إن لم تصدقيني، وإلا دعوت عليك إن كنت كاذبة فيمسخك الله حجراً. فقالت له: إذا كنت كاذبةً.

стр. 298

فرفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم يا رب الأولين والآخرين إن كنت تعلم أن ابنتي هذه كاذبةٌ في قولها فامسخها حجراً، فمسخها الله حجراً، ولي أربعون سنة في هذا المكان، وأنا أتقوت من نبت الأرض وأشرب من هذه الأنهار وأتسلى بالنظر إلى هذه الصنمة إلى أن يحكم الله بالموت ثم بكى وأنشد يقول: وحق الذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي خلق الخلقا لئن قلت إن الحب قد يقتل الفتى ... وإن الفتى بعد التفرق لا يبقى لقد قلت حقاً واسأل العبرة التي ... تسيل وسيل الدمع مني لا يرقا قال الأصمعي: ثم قام ذلك الشاب وتوارى عني بجدار من تلك الجدر، ونزع المسوح التي كانت عليه ولم يبق عليه إلا ما يواري سوأته فتأملته، فإذا عيناه تدور في أم رأسه فقلت في نفسي: هذا أراد أن يطلعني على نحول جسده ثم أقبل علي، وهو عريان وقال لي: يا فتى إنني قائل ثلاث أبيات، وكان مني ما كان، فإذا أنا مت فكفني أنا وإياها في هذه الجبة وادفنا في هذا الجون وضمنا بالتراب واكتب على قبرنا هذه الأبيات: من لم يكن يحسب أن الهوى ... يقتل، فلينظر إلى مضجعي لم يبق لي حولٌ ولا قوةٌ ... إلا خيال الشمس في موضعي أشكو إلى الرحمن جهد البلا ... إشارة بالطرف والإصبع قال الأصمعي: هذا وأنا أنظر إليه وأسمع شعره وأتعجب منه ومن أمر الصنمة. وإذا به وقع على الأرض مستلقياً على قفاه وشهق شهقةً فارقت روحه جسده. قال الأصمعي: فكفنتهما ودفنتهما في ذلك الجون، وكتبت على قبرهما تلك الأبيات وتركتهما وانصرفت وأنا متعجب غاية العجب، انتهى.

стр. 299

عدل ابن طولون لما عزم أحمد بن طولون على بناء الجامع المعروف به في مصر القاهرة أنفق عليه مائة ألف دينار، ورتب فيه للعلماء والقراء وأرباب الشعائر والبيوت في كل شهر عشرة آلاف دينار، وللصدقة في كل يوم مائة دينار، وكان مشتملاً على خصال حميدة منها: أن فقيراً كان بجواره وله امرأة وبنت، وكان يغزلان الصوف لتجهيز البنت، وإن البنت لم تفارق البيت وما نظرت إلى السوق قط ولا خرجت، فسألت أمها وأباها أن تخرج معهما إلى السوق، فواعدها بذلك. فلما قصدا بيع الغزل خرجت معهما إلى السوق فمروا بباب الأمير المسمى بالفيل، وتمادى الأب والأم، وتركاها ولم يشعرا بوقوفها فبقيت البنت حائرةً لا تدري أين تذهب، وكانت ذات جمال عظيم، فخرج الأمير المسمى بالفيل، فلما رآها افتتن بها، فأمسكها ودخل بها ثم أمر الجواري أن يغسلنها، وينظفنها ويلبسنها أحسن الملبوس، ويطيبنها بأنواع الطيب، ويحلينها له، ففعل ذلك فدخل عليها وأزال بكارتها. هذا وأبواها قد حزنا عليها ولم يزالا يطوفان عليها جميع الأماكن، فلم يقعا لها على خبر، فلم يزالا يبكيان. فلما جن الليل، وإذا بشخص يطرق الباب، فخرج أبوها وفتح الباب فقال الرجل لأبيها أن الأمير المسمى بالفيل أخذ ابنتك وأزال بكارتها، فلما سمع ذلك كاد يجن. وكان لأحمد بن طولون مؤذن وكان قد عاهده على أنه إذا حدثت فاحشة من الفواحش يؤذن في غير الوقت ليحضره ويستفهم منه الواقعة، وكان المؤذن بينه وبين أبي البنت صداقة. فجاء إليه وأخبره بخبره، فصعد وأذن فسمعه أحمد بن طولون، فأرسل خلفه، فأخبره بالقضية فاستدعى بأبوي البنت وخبأهما في خزانة وكان وقت مجيء الفيل للخدمة، فلما دخل على عادته، قال له: نهنيك بالعروس الجديدة. فقال: ومن أين لي عروس جديدة؟ قال: أتنكر وهذا أبو الجارية وأمها؟ فلما رآهما نكس رأسه خجلاً من الأمراء الحاضرين، فقال له أحمد ابن طولون: ارفع رأسك ثم قال لأبيها: تزوج ابنتك مملوكي هذا على صداق قدره ألف دينار مقدمةٌ وخمسمائة دينار مؤجلة. فقال: نعم. فأمر بإحضار الشهود وعقد العقد بينهما ووضعوا خطوطهم ثم بعد انصراف الشهود أمر السياف بضرب عنق الفيل، فرماه بين يديه، وقطع رأسه. وقال أحمد بن طولون لأبي الجارية: ابنتك ورثت زوجها وقد مكنتها مما بقي من تركته، فامضوا مع السلامة.

стр. 300

فانصرفوا شاكرين لإنعامه داعين له على أفعاله. فانظر إلى هذا العدل العظيم، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم. ومما نقل عن بعضهم: توق رعاك الله تسعاً من البشر ... فصحبتهم تفضي إلى البؤس والضرر وهم أحولٌ مع أعرجٍ ثم أحدبٍ ... كذا كوسج يتلو نشاطاً مع الكدر وإياك والأنف الطويل وأصفراً ... فإنهما بيت الخيانة والخطر كذا غائر الصدغين خارج جبهة ... كذا أزرق العينين فالحذر الحذر توقاهمو تحيا سليماً من الردى ... وباعدهمو، يا ذا الفراسة والنظر تم الكتاب.