Полный текст (83 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم المراح فِي المزاح الْحَمد لله على جميل أفضاله، وجزيل بره ونواله، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على أشرف الْخلق سيدنَا مُحَمَّد وَصَحبه وَآله. وَبعد فقد سُئِلت قَدِيما عَن المزاح، وَمَا يكره مِنْهُ وَمَا يُبَاح، فأجبت بِأَنَّهُ مَنْدُوب إِلَيْهِ بَين الإخوان، والأصدقاء والخلان. لما فِيهِ من ترويح الْقُلُوب، والاستئناس الْمَطْلُوب، بِشَرْط أَن لَا يكون فِيهِ قذف وَلَا غيبَة، وَلَا يُحَرك الحقود الكمينة ثمَّ طلب مني بعد مُدَّة السَّائِل، بسط الْكَلَام فِي ذَلِك وإيضاح الدَّلَائِل، فَقلت مستعينا بِاللَّه ومتوكلا عَلَيْهِ، ومفوضا جَمِيع أموري إِلَيْهِ:
стр. 2
قد ورد فِي ذمّ المزاح ومدحه أَخْبَار، فحملنا مَا ورد فِي ذمه على مَا إِذا وصل إِلَى حد المثابرة والاكثار. فَإِنَّهُ إزاحة عَن الْحُقُوق، ومخرج إِلَى القطيعة والعقوق. يصم المازح، ويضيم الممازح. فوصمة المازح أَن يذهب عَنهُ الهيبة والبهاء، ويجريء عَلَيْهِ الغوغاء والسفهاء، وَيُورث الغل فِي قُلُوب الأكابر والبنهاء. وَأما إضامة الممازح فَلِأَنَّهُ إِذا قوبل بِفعل ممض وَقَول مستكره وَسكت عَلَيْهِ أَحْزَن قلبه وأشغل فكره، أَو قَابل عَلَيْهِ جَانب مَعَ صَاحبه حشمة وأدبا، وَرُبمَا كَانَ للعداوة والتباغض سَببا، فَإِن الشَّرّ، إِذا فتح لَا يستد، وَسَهْم الْأَذَى إِذا أرسل لَا يرْتَد. وَقد يعرض الْعرض للهتك، والدماء للسفك. فَحق الْعَاقِل يتقيه، وينزه نَفسه عَن وصمة مساويه. وعَلى ذَلِك يحمل مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: المزَاحُ استِدرَاجٌ مِنَ الشَّيطَانِ وَاختِدَاعٌ مِنَ الهوَى وَقَوله ﷺ : لاَ تُمَارِ أَخَاكَ وَلاَ تُمَازِحهُ
стр. 3
وَلاَ تَعِدهُ مَوعِداً فَتُخِلفُهُ. وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز: اتَّقوا المزاح فَإِنَّهَا حمقة تورث ضغينة. وَقَالَ: إِنَّمَا المزاح سباب إِلَّا أَن صَاحبه يضْحك وَقيل: إِنَّمَا سمي مزاحا لِأَنَّهُ مزيح عَن الْحق. وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: المزاح من سخف أَو بطر. وَقيل فِي منثور الحكم: المزاح يَأْكُل الهيبة كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطب. وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء: من كثر مزاحه زَالَت هيبته، وَمن كثر خِلَافه طابت غيبته.
стр. 4
وَقَالَ بعض البلغاء: من قل عقله. كثر هزله. وَذكر خَالِد بن صَفْوَان المزاح فَقَالَ: يصك أحدكُم صَاحبه بأشد من الجندل، وينشقه أحرق من الْخَرْدَل، ويفرغ عَلَيْهِ أحر من الْمرجل، ثمَّ يَقُول: إِنَّمَا كنت أمازحك. وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء: خير المزاح لَا ينَال، وشره لَا يُقَال، فنظمه السابوري فِي قصيدته الجامعة للآداب فَقَالَ وَزَاد: شرُّ مُزاح المرءِ لَا يقاُل ... وخيرُه يَا صاحِ لَا ينُاُل وَقد يُقال كَثْرَة المزاحِ ... من الْفَتى تَدْعُو إِلى التَّلاحي إِن المزاحَ بدؤه حلاوه ... لكنّما آخرُه عَداوَه يَحقِد مِنْهُ الرجلُ الشريفُ ... ويجتري بسُخفه السَّخيفُ وَفِي معنى هَذِه الْجُمْلَة الْأَخِيرَة قَول شيخ
стр. 5
الْإِسْلَام الْوَالِد فِي منظومته فِي التصوف: وَلَا تمازحِ الشريفَ يحقِد ... وَلَا الدنّي يجتري وَيفْسد وَمَا أحسن مَا قَالَ أَبُو نواس: مُت بدآء الصمت خيرٌ ... لَك من دآءِ الْكَلَام إِنما السَّالم من أَل ... جم فَاه بلجام رُبمَا يستفتح المز ... حُ مغاليق الْحمام والمنايا آكلاتٌ ... شارباتٌ للأَنام وحملنا مَا ورد فِي مدح المزح على مَا سلم مِمَّا ذكر، فَإِنَّهُ قل مَا يعرى من المزاح من كَانَ سهلا، فالعاقل يتوخى بمزحه إِحْدَى حالتين: إِمَّا إيناس المصاحبين، والتودد إِلَى المخاطبين، وَهَذَا يكون بِمَا أنس من جميل القَوْل، وَبسط من مستحسن الْفِعْل كَمَا قَالَ سعيد بن الْعَاصِ لِابْنِهِ: اقتصد فِي مزحك فَإِن الإفراط فِيهِ يذهب الْبَهَاء، ويجرئ السُّفَهَاء، وَإِن التَّقْصِير فِيهِ يغض عَنْك المؤانسين، ويوحش مِنْك المصاحبين.
стр. 6
وَإِمَّا أَن يَنْفِي بالمزاح مَا طَرَأَ عَلَيْهِ من سأم، أَو حدث من سأم، أَو حدث بِهِ من هم وغم. فقد قيل: لابد للمصدور أَن ينفث وَأنْشد أَبُو نواس: أُروّح الْقلب بِبَعْض الهزلِ ... تجاهلاً منّي بِغَيْر جهلِ أَمزح فِيهِ مزحَ أَهل الفَضل ... والمزحُ أَحياناً جِلاء العقلِ وَأنْشد أَبُو الْفَتْح البستي أفِد طبعَك المكدودَ بالجِدّ رَاحَة ... يَجِمَّ وَعلله بِشَيْء من المزحِ وَلَكِن إِذا أَعطيتَه المزح فَلْيَكُن ... بِمِقْدَار مَا تُعْطِي الطَّعامَ من الملحِ قَالَ الابيرد: إِذا جدّ عِنْد الجِد أَرضاك جدُّه ... وَذُو باطلٍ إِن شِئْت أَلهاك باطله
стр. 7
وَقَالَ أَبُو تَمام: الجِدُّ شيمتُه وَفِيه فكاهةٌ ... طوراً وَلَا جِدُّ لمن لم يلْعَب وعَلى هَاتين الْحَالَتَيْنِ كَانَ مزح رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه وتابعيه وَالْعُلَمَاء وَالْأَئِمَّة. روى بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ أَنه ﷺ قَالَ: إِنّي لأَمزَحُ وَلاَ أَقُولُ إِلاَّ الحَقّ. وَفِي روايةٍ إِلاَّ حَقًّا. وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُول الله إِنَّك تداعبنا قَالَ: إِنّي لاَ أَقُولُ إِلاَّ حَقًّا. وَقد سُئِلَ سُفْيَان: المزاحُ هُجنَة؟ فَقَالَ: بل سنة لقَوْله ﵇ إِنِّي لأمزح وَلَا أَقُول إِلَّا الْحق
стр. 8
وَقَالَ أنس بن مَالك: كَانَ رَسُول الله ﷺ من أفكه النَّاس. وَقَالَ ﷺ : رَوّحِوُا القُلُوبَ ساعَةً بَعدَ ساعَةٍ. وَمن مزاحه ﷺ مَا رَوَاهُ أنس قَالَ: إِن كَانَ رَسُول الله ﷺ ليخالطنا حَتَّى يَقُول لأخ لي صَغِير: يَا أَبَا عُمَيْر مَا فعل النغير؟ كَانَ لَهُ نغير يلْعَب بِهِ فَمَاتَ. وَمَا رَوَاهُ الْحسن قَالَ: أَتَت عَجُوز من
стр. 9
الْأَنْصَار إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُول الله ادْع لي بالمغفرة فَقَالَ لَهَا: أَمَا عَلِمتِ أَنَّ الجَنَّةَ لاَ يَدخلُهُاَ العَجَاَئِزُ وَفِي روايةٍ العجوزَ وَفِي رِوَايَة لاَ تَدخُلُ الجَنَّةَ عَجُوزٌ فَبَكَتْ وَفِي رِوَايَة فصرخت فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ وَقَالَ لَهَا: لَستِ يَومَئذٍ يِعَجُوزٍ أَمَا قَرَأتِ قَولَهُ تَعَالَى: (إِنَّا أَنشَأنَاهُنَّ إِنشَاءَ فَجَعَلنَاهُنَّ أَبكاَراً عُرُباً أَتَراباً) . وروى زيد بن أسلم أَن امْرَأَة يُقَال لَهَا أم أَيمن جَاءَت النَّبِي ﷺ فِي حَاجَة لزَوجهَا فَقَالَ لَهَا: مَن زَوجُكِ؟ فَقَالَت فلَان فَقَالَ: الذِي فِي عَينِهِ بَيَاضٌ؟ فَقَالَت أَي رسولَ اُلله مَا بِعَيْنِه بَيَاض قَالَ: بلَى إِنَّ بِعَينِه بَيَاضاً فَقَالَت: لَا واللهِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : وَمَا مِن أَحَدٍ إِلاَّ بِعَينِهِ بَياَضٌ وَفِي رِوَايَة فَانْصَرَفت عَجلى إِلى زَوجهَا وَجعلت تتأَمّل عَيْنَيْهِ فَقَالَ لَهَا: مَا شأنكِ؟ فَقَالَت: أَخبرني
стр. 10
رسولُ الله ﷺ أَن فِي عَيْنَيْك بَيَاضًا فَقَالَ لَهَا: أَما تَرين بياضَ عَيْني أَكثَر من سوادها؟ . وجآءته امْرَأَة أُخْرَى فَقَالَت: يَا رَسُول الله احملني على بعير فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : احمِلُوهَا عَلَى ابنِ البَعِير فَقَالَت: مَا أَصنع بِهِ؟ مَا يحملني فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : وهَلِ مِن بِعَيرٍ إِلاَّ اُبنُ بَعِيرٍ؟ فَكَانَ يمزح مَعهَا. وَعَن أنس أَن رجلا استحمل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِنّي حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ فَقَالَ: مَا أَصنع بِولد الناقةِ؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : وهَل تَلِدُ الأبِلَ إِلاَّ النُّوقُ؟ . وَعَن جَابر قَالَ: دخلت على النَّبِي صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم
стр. 11
وَالْحسن وَالْحُسَيْن على ظَهره وَهُوَ يمشي بهما على أَربع وَيَقُول: نِعمَ الجمَلُ جَملُكُمَا وَنِعمَ العِدلاَنِ أَنتُمَا. وَعَن زَيْنَب بنت أبي سَلمَة قَالَت: دخلت على النَّبِي ﷺ وَهُوَ يغْتَسل، فَأخذ حفْنَة من مَاء فَضرب بهَا وَجههَا وَقَالَ يالَكَاِع. وَعَن أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ: يَاذَا الاُذُنينِ. وَعَن بِلَال أَن النَّبِي ﷺ رَآهُ وَقد خرج بَطْنه فَقَالَ: أمّ حُبَينِ تَشْبِيها لَهُ بهَا وأُمّ حُبَين دُوَيبةَ عَلَى خلقِة الحربآء عَظِيمَة الْبَطن وَيُقَال: هِيَ أُنْثَى الحرابي وَقد تكلم الفقهآءُ فِي حِلّها.
стр. 12
وَعَن عَائِشَة رضى الله عَنْهَا قَالَت: سابقني رَسُول الله ﷺ فسبقته، فَلَمَّا حملت اللَّحْم سابقني فَسَبَقَنِي فَقَالَ: هذِهِ بِتِلْكَ. وَقَالَ ﷺ للشفآء بنت عبد الله: عَلّمِيِ حَفصَةَ رُقيَةَ النَّملِة كَمَا عَلَّمتها الكِتَابَة والنملةُ قروحٌ تَخرج فِي الْجنب ورُقيَتُها شيءٌ كَانَت تستعمله النِّسَاء يعلم كلُّ من يسمعهُ أَنهُ كلامٌ لَا يضّر وَلَا ينفع وَهُوَ أَن يُقَال: العرسُ تحتفل، وتختضب وتكتحل، وكلَّ شَيْء تفتعل، غير أَن لَا تَعْصِي الرّجُل، أَرَادَ ﵇ بِهَذَا الْمقَال تأنيبَ حَفْصَة لِأَنَّهُ ألْقى إِليها سِرًّا فأفشته فَكَانَ هَذَا من المُزاح ولغز الْكَلَام. وَعَن النُّعْمَان بن بشير قَالَ اسْتَأْذن أَبُو
стр. 13
بكر ﵁ على النَّبِي ﷺ فَسمع صَوت عَائِشَة عَالِيا، فَلَمَّا دخل تنَاولهَا ليلطمها وَقَالَ: لَا أَراكِ ترفعين صوتَك عَلَى رَسُول الله ﷺ ، فَجعل رَسُول الله ﷺ يَحجُزُهُ وَخرج أَبو بكر مغضبا فَقَالَ النَّبِي ﷺ حِين خرج أَبُو بكر: كَيف رَأيتِني أَنقَذتُكِ مِنَ الرَّجُلِ؟ قَالَ: فَمَكثَ أَبُو بكر اياماً ثمَّ اسْتَأْذن فوجدهما قد اصطلحا فَقَالَ لَهما: أدخلاني فِي سِلمِكما كَمَا أدخلتماني فِي حربكما فَقَالَ النَّبِي ﷺ : قَد فَعَلنا. وَعَن أنس أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ فِي بَيت عَائِشَة فَبعث إِلَيْهِ بعض نسآئه بقصعة فدفعتها عَائِشَة فألقتها وكسرتها، فَجعل النَّبِي ﵇ يضم الطَّعَام وَيَقُول: غَارَت أُمُّكُم فَلَمَّا جآءت قَصْعَة عائشةَ بعث بهَا إِلَى صَاحِبَة الْقَصعَة الَّتِي كسرتها وأَعطى عائشةَ الْقَصعَة الْمَكْسُورَة.
стр. 14
وَعَن يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن حَاطِب قَالَ: قَالَت عَائِشَة: كَانَ عِنْدِي رَسُول الله ﷺ وَسَوْدَة فصنعت خزيرا فَجئْت بِهِ فَقلت لسودة: كُلِي فَقَالَت: لَا أُحبّه فَقلت: وَالله لَتأكلين أَو لاَلُطخنّ وَجهك فَقَالَت: مَا أَنا يباغية، فأَخذت شَيْئا من الصحَّفة فلطختُ بِهِ وَجههَا ورسولُ الله ﷺ مَا بيني وَبَينهَا فخفض لَهَا رَسُول الله ﷺ رُكْبَتَيْهِ لِتَستقِيدَ مني فتناولت من الصحَّفة شَيْئا فمسحت بِهِ وَجْهي وَجعل رسولُ الله ﷺ يضْحك فِي حديثٍ أَكبِر من هَذَا.
стр. 15
وَعَن عَائِشَة قَالَت: لما قدم النبُّي ﵇ الْمَدِينَة عرس بصفية فَأَخْبرنِي قَالَت: فتنكّرتُ وتنقّبتُ فَذَهَبت أَنظرُ، فنظَر رَسُول الله ﷺ إِلى عَيْني فعرفني فأَقبل إِلَّي فَانْقَلَبت رَاجِعَة فأَسرع المشَي فأَدركني فاحتضنني فَقَالَ: كَيفَ رأَيتِ؟ قلتُ: يَهُودِيَّة بَين يهوديات. وَعَن عَائِشَة أَنه ذكر عِنْدهَا مَا يقطع الصَّلَاة الْكَلْب وَالْحمار وَالْمَرْأَة فَقَالَت: عَائِشَة قد شبّهتمونا بالحمير وَالْكلاب؟ وَالله لقد رأَيتُ رَسُول الله ﷺ يصلّىِّ وإِني عَلَى السرير بَينه وَبَين القِبلة مُضْطَجِعَة الحَدِيث. وَعَن عُرْوَة بن الزبير قَالَ: قَالَت عَائِشَة: مَا يقطع الصَّلَاة؟ قَالَ: فَقُلْنَا: المرأَةُ واُلحمار فَقَالَت: إِنَّ المرأةَ لدابة سَوء، لقد رأَيتُني بَين يدَي رَسُول الله ﷺ مُعْتَرضَة كاعتراض الجَنِازة وَهُوَ يصلى.
стр. 16
عَن ابْن أبي عَتيق قَالَ: تحدثت أَنا وَالقَاسِم (يَعْنِي ابْن مُحَمَّد) عِنْد عآئشة حَدِيثا وَكَانَ الْقَاسِم رجلا لحانة وَكَانَ لامّ ولد فَقَالَت لَهُ عَائِشَة: مَالك لَا تَحَدَّثُ كَمَا يتحدّث ابنُ أَخي هَذَا؟ (يَعْنِي ابْن أبي عَتيق) أَما إِني قد علمت من أَين أَتِيتَ، هَذَا أَدَّبته أمّه، وأَنت أَدّبتك أَمُّك قَالَ: فَغَضب الْقَاسِم وأَضبَّ عَلَيْهَا (يَعْنِي حَقِد) ، فَلَمَّا رأَى مائدة عائشةَ قد أَتي بهَا قَامَ، قَالَت: أَيْن؟ قَالَ: أُصلي قَالَت: اجْلِسْ قَالَ: إِني أُصلي قَالَت: اجْلِسْ غُدَر إِني سمعتُ رَسُول الله ﷺ يَقُول: لاَ صَلاَة بَحَضرَةِ الطَّعَامِ وَلاَ هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخبَثَانِ (روى الثَّلَاثَة مُسلم) . وَعَن أنس أَن رجلا من أهل الْبَادِيَة اسْمه زَاهِر بن حرَام وَكَانَ يهدي للنَّبِي ﷺ من الْبَادِيَة فيجهزه رَسُول الله ﷺ إِذا أَرَادَ أَن يخرج فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن زَاهَراً بَاديَتُنا وَنَحنُ حَاضِرُوه، وَكَانَ النَّبِي ﷺ يُحِبهُ وَكَانَ دميماً فأَتى النَّبِي ﷺ يَوْمًا وَهُوَ يَبِيع متاعة فَاحْتَضَنَهُ من خَلفه وَهُوَ لَا يبصر
стр. 17
قَالَ: أَرسِلني، من هَذَا؟ فَالْتَفت النَّبِي ﷺ فَجعل لَا يألوما أَلزق ظَهره رَسُول الله ﷺ حِين عرفه وَجعل النَّبِي ﷺ يَقُول: مَن يَشتَري العَبدَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِذاً وَالله تجدني كاسداً، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لَكِن عندَ الله لَستَ بَكاَسِدٍ. قصَّة دات النحيين.
стр. 18
وَعَن ربيعَة بن عُثْمَان أَنه بلغه أَن خوّات بن جُبَير كَانَ جَالِسا إِلَى نسْوَة من بني كَعْب بطرِيق مَكَّة فطلع عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبدِ اللهِ مَالَكَ مَعَ أُولآء النِسوَةِ؟ قَالَ: يَفتِلنَ ضفُيَراً لجملٍ لي شَرُودٍ قَالَ: فَمضى رَسُول الله ﷺ لِحَاجَتِهِ ثمَّ طلع علّي فَقَالَ: أَبَا عَبدِ اللهِ مَا تَرَك ذلِكَ الشّرِاَدَ بَعدُ؟ قَالَ: فَسكت واُستحيَيتُ فَكنت بعد ذَلِك أَتفرد مِنْهُ كلما رأَيته حَيَاء مِنْهُ حَتَّى قدمت الْمَدِينَة وَبعد مَا قدمت الْمَدِينَة حَتَّى طلع علَّي وأَنا أُصلي فِي الْمَسْجِد إِلَّي فطولت
стр. 19
فَقَالَ: لاَ تُطَوّل فَإِنّي أَنتظركَ فَلَمَّا فرغت قَالَ: يَا أَبَا عَبدِ اللهِ مَا تَرَك ذلِك الجَمَلَ الشّرِاَدَ بَعدُ؟ قَالَ: فَسكت واستحيَيتُ، فَقَامَ فَكنت أتفرد مِنْهُ حَتَّى لَحِقَنِي يَوْمًا وَهُوَ على حمَار وَأَنا أُرِيد قُباَ، وَقد جعل رجلَيْهِ فِي شقّ وَاحِد فَقَالَ: أَبَا عَبدِ اللهِ مَا تَرَك ذلِكَ الجَمَل الشّرِاَدَ بَعدُ؟ قلت: وَالَّذِي بَعثك بالحقّ مَا شَردَ مُنْذُ أَسلمتُ قَالَ: اللهُ اكبر اللَّهُمَّ اهد أَبَا عبد الله قَالَ الرَّاوِي: فَحسن إِسْلَامه وهداه الله وَله الْحَمد. وَذكر غير وَاحِد أَنه ﷺ لما قَالَ لَهُ: مَا فعل جملك الشرود قَالَ: عقله الْإِسْلَام يَا رَسُول الله. وَهُوَ خوّات بن جُبَير بن النُّعْمَان بن أُميَّة بن امرىء الْقَيْس وَهُوَ البرك بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن عَوْف بن مَالك بن الْأَوْس، كسر أونهش فِي غَزْوَة بدر فَرده النَّبِي ﷺ وَضرب لَهُ بِسَهْم وَشهد الْمشَاهد كلهَا بعد وعاش حَتَّى كف بَصَره
стр. 20
وَمَات فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين فِي أول ولَايَة مُعَاوِيَة وَله عقب. وَكَانَ مُعَاوِيَة عَنهُ منحرفاً. عَن الْوَاقِدِيّ قَالَ: قَالَ خوّات بن جُبَير: فعلت ثَلَاثَة أشيآء لم يفعلهن أحد قطّ: ضحِكت فِي مَوضِع لم يضْحك فِيهِ أحد قطّ، ونمت فِي مَوضِع لم ينم فِيهِ أحد قطّ، وبخلت فِي مَوضِع لم يبخل فِيهِ أحد قطّ. انْتَهَيْت يَوْم أحدٍ إِلَى أخي وَهُوَ مقتول وَقد شقّ بَطْنه وَقد خرجت حشوته، فاستعنت بِصَاحِب لى عَلَيْهِ فحملناه وختل الْمُشْركين حوالينا فأدخلت حشوته فِي جَوْفه وشددت بَطْنه بعمامتي وَحَمَلته بيني وَبَين الرجل، سَمِعت صَوت حشوته رجعت فِي بَطْنه فَفَزعَ صَاحِبي فطرحه فَضَحكت، ثمَّ مشينا فحفرت لَهُ بِسِيَةِ قوسيى وَكَانَ عَلَيْهَا الْوتر فحللته وبخلت بِهِ مَخَافَة أَن يَنْقَطِع فحفرت لَهُ فدفنته، فَإِذا أَنا بِفَارِس قد سدد رمحه نحوي يُرِيد أَن يقتلني فَوَقع عَليّ النعاس فَنمت فِي مَوضِع مَا نَام فِيهِ أحد قطّ، فانتبهت فَلم أر فَارِسًا وَلَا غَيره وَلَا أَدْرِي أَي شيىء كَانَ ذَلِك.
стр. 21
وَعَن يُوسُف بن مُحَمَّد الصُّهَيْبِيُّ عَن أَبِيه قَالَ: قدم صُهَيْب من مَكَّة فَنزل على النَّبِي ﷺ وَأبي بكر ﵁، فَدخل النَّبِي ﷺ وَهُوَ يشتكى عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَأْكُل تَمرا فَقَالَ: أيا صُهَيبُ تَأكُلُ التَّمرَ عَلَى عِلَّةِ عَينَيكَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا آكُلُ مِنَ الِشّقِ الصحيحِ فَضَحِك رَسُول الله ﷺ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه، وَإِنَّمَا استجاز صُهَيْب أَن يعرض لرَسُول الله ﷺ بالمزح فِي جَوَابه لِأَن استخباره قد كَانَ يتَضَمَّن المزح، فَأَجَابَهُ عَنهُ بِمَا وَافقه من المزح مساعدة لغرضه وتقربا من قلبه، وَإِلَّا فَلَيْسَ لَاحَدَّ أَن يَجْعَل جَوَاب رَسُول الله ﷺ مزحا، لاّن المزح هزل وَمن جعل جَوَاب رَسُول الله ﷺ الْمُبين عَن الله أَحْكَامه الْمُؤَدِّي إِلَى خلقه أوامره هزلا ومزحا فقد عصى الله تَعَالَى وَرَسُوله، وصهيب كَانَ أطوع لله سُبْحَانَهُ وَلِرَسُولِهِ ﷺ أَن يكون بِهَذِهِ الْمنزلَة، وَقد
стр. 22
قَالَ ﷺ : أَنا سَابق الْعَرَب وصهيب سَابق الرّوم وَسليمَان سَابق الْفرس وبلال سَابق الْحَبَشَة وَقَالَ: نعم العَبْد صُهَيْب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ. وَقد كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يمزحون حَتَّى بِحَضْرَتِهِ، وَكَذَلِكَ من بعدهمْ من التَّابِعين والعلمآء والائمة. وَنحن ذاكرون من مزحهم نبذة: روى البخارى عَن بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ: كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يتبادحون بالبطيخ، فَإِذا كَانَت الْحَقَائِق كَانُوا هم الرِّجَال. وَسُئِلَ النَّخعِيّ: هَل كَانَ أَصْحَاب
стр. 23
رَسُول الله ﷺ يَضْحَكُونَ؟ قَالَ: نعم والايمان فِي قُلُوبهم مثل الْجبَال الرواسِي. وَعَن يحيى ابْن أبي كثير قَالَ: كَانَ رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ضحاكا، فَذكر ذَلِك النَّبِي ﷺ كَأَنَّهُمْ يعيبون ذَلِك، فَقَالَ النَّبِي ﵇: أَنَّى تَعجَبُونَ إِنَّهُ لَيَدخُلُ الجَنَّةَ وَهُوَ يَضحكُ. وَعَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ أسيد بن حضير رجلا ضحاكا مليحا، فَبينا هُوَ عِنْد رَسُول الله ﷺ يحدث الْقَوْم ويضحكهم فطعن رَسُول الله ﷺ بِأُصْبُعِهِ فِي خاصرته فَقَالَ: أَوجعتني قَالَ: اقتَصَّ قَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّ عَلَيْك قَمِيصًا وَلم يكن عليَّ قَمِيص، فَرفع رَسُول الله ﷺ قَمِيصه فَاحْتَضَنَهُ ثمَّ جعل يقبّل كَشحَه فَقَالَ: بأَبي وأُمي يَا رَسُول الله أَردت هَذَا.
стр. 24
وَفِي ذكري أَنه الْقَائِل لما رأى رَسُول الله ﷺ متغير الْوَجْه ومنحرفا أَو مغضبا: لأضحكنه ثمَّ قَالَ: يَا رَسُول الله إِن الدَّجال يَأْتِي النَّاس فِي حَال قَحطٍ وضيقٍ وَمَعَهُ جبالٌ من ثَريد أَفرأَيتَ إِن أَدركتُ زَمَانه أَن أَضرب عَلَى ثريده حَتَّى إِذا تبطّنت مِنْهُ آمَنت بِاللَّه وكفرت بِهِ أَم أَتنزَّه عَن طَعَامه؟ فَضَحِك رَسُول الله ﷺ وَكَانَ ضحكه التبسم - وَقَالَ: بَل يُغنِيكَ الله تَعَالى يَومَئِذٍ بِمَا يُغنِي المُؤمِنيِنَ. وروى عبد الله بن وهب قَالَ: قَالَ اللَّيْث فِي حَدِيث عبد الله بن حذافة صَاحب رَسُول الله ﷺ إِنَّه كَانَت فِيهِ دعابة قَالَ: بَلغنِي أَنه حل حزَام رَاحِلَة النَّبِي فِي بعض أَسْفَاره حَتَّى كَاد رَسُول الله ﷺ أَن يَقع قلت لليث: ليضحكه ذَلِك؟ قَالَ: نعم. وَعَن عُثْمَان بن نائل مولى عُثْمَان بن
стр. 25
عَفَّان عَن أَبِيه قَالَ: خرجت مَعَ مولَايَ عُثْمَان فِي سفرة سافرناها مَعَ عمر فِي حج أَو عمْرَة، وَكَانَ عمر وَعُثْمَان وَابْن عمر أَيْضا، وَكنت وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير فِي شُبَّان مَعنا أَيْضا، ومعنا رَباح بن الْمُعْتَرف الفِهري، فَكُنَّا نترامى بالحنظل وَكَانَ عمر يَقُول لنا: لَا تُنفّروا علينا رِكابَنا قَالَ: فَقُلْنَا ذَاتَ ليلةٍ: احدُ لنا قَالَ: مَعَ عمر؟ قُلْنَا: احدُ فإِن نهاك فانتَهِ قَالَ: حَتَّى إِذا كَانَ السَّحَر قَالَ لَهُ عمر: كُفَّ فإِن هَذِه ساعةُ ذكرٍ، فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الثَّانِيَة قُلْنَا: يَا رَباح انصب لنا نَصب الْعَرَب قَالَ: مَعَ عمر؟ قُلْنَا انصِب فإِن نهاك فانتَهِ، فنصب لنا نَصبَ الْعَرَب حَتَّى إِذا كَانَ السَّحَرُ قَالَ لَهُ عمر: كُفَّ فإِنّ هَذِه سَاعَة ذكر، فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الثَّالِثَة قُلْنَا: يَا رَباح غَنّنِا غِنآء القِيَان قَالَ: مَعَ عمر؟ قُلْنَا غَنّهِ فإِن نهاك فانتِهِ قَالَ: فغني، فوَاللَّه تَركه أَن قَالَ لَهُ: كُفَّ فإِن هَذَا يُنَفِرّ الْقُلُوب. وَعَن ابْن أبي نجيح عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ
стр. 26
عمر بن الْخطاب إِني لَيعجبني أَن يكون الرّجل فِي أَهله مثلَ الصَّبِي فإِذا بُغي مِنْهُ حَاجَة وُجد رجلا. وَنظر عمر بن الْخطاب إِلَى أَعْرَابِي يُصَلِّي صَلَاة خَفِيفَة فَلَمَّا قَضَاهَا قل: اللَّهُمَّ زَوجنِي بالحور الْعين فَقَالَ عمر: أَسأت النَّقْد وأعظمت الْخطْبَة. وَعَن أبي بكرَة أَن أَعْرَابِيًا وقف على عمر بن الْخطاب فَقَالَ: يَا عمرَ الْخَيْر جُزيت الجنه ... أُكسُ بُنياتي وأُمَّهُنَّه وَكن لنا من الزّمان جُنَّه ... أُقسم بِاللَّه لَتفعلنَّه فَقَالَ عمر: وإِن لم أَفعل يكون مَاذَا؟ فَقَالَ: إِذاً أَبا حفصٍ لامضينَّه قَالَ: فإِن مضيتَ يكون مَاذَا؟ فَقَالَ:
стр. 27
وَالله عنهنَّ لتُسأَلنه ... يَوْم تكون الاعطيِات منَّه وموقفُ المسؤول بينهنّه ... إِما إِلى نارِ وإِمَّا جَنَّه فَبكى عمر حَتَّى اخضَلَّت لحيتُه ثمَّ قَالَ لغلامه: يَا غُلَام أَعطِه قميصى هَذَا لذَلِك الْيَوْم لَا لشعره ثمَّ قَالَ: وَالله لَا أَملك غَيره. وَعَن ربيعَة بن عُثْمَان قَالَ: دخل أَعرابي عَلَى رَسُول الله عَلَيْهِ وأَناخ نَاقَته بِفنائه، فَقَالَ بعض أَصحاب النَّبِي ﷺ للنعيمان الانصاري: لَو عقرتّها فأَكلناها فإِنا قد قَرِمنا إِلى اللَّحْم ويغرَم رسولُ الله ﷺ قَالَ: فعقره النعيمان فَخرج الأَعرابي فرأَى رَاحِلَته فصاح: واعُقراه يَا مُحَمَّد، فَخرج رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: مَن فَعَلَ هَذَا؟ فَقيل: النُّعيمان فَاتبعهُ يسأَل عَنهُ حَتَّى وجده فِي دَار ضبُاعَة ابْنة الزُّبير بن عبد الْمطلب وَقد حفرت خنادق وَعَلَيْهَا جريد، فَدخل النُّعيمان فِي بَعْضهَا، فَمر رَسُول الله ﷺ يسْأَل عَنهُ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رجلٌ وَرفع صَوته يَقُول: مَا رأَيته يَا رَسُول الله وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ حَيْثُ هُوَ قَالَ: فأَخرجه رسولُ الله ﷺ وَقد سقط
стр. 28
على وَجهه السعف وَتغَير وَجهه فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعتَ؟ قَالَ: الَّذين دلُّوك علَّي يَا رَسُول الله هم الَّذين أَمروني قَالَ: فَجعل رسولُ الله ﷺ يمسح وَجهه ويضحك قَالَ: ثمَّ غَرِمها رسولُ الله ﷺ للأَعرابي. قَالَ عبد الله بن مُصعب: كَانَ مخرمَة بن نَوْفَل بن أهيب الزُّهْرِيّ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ شيخ كَبِير أعمى، وَكَانَ قد بلغ مائَة وَخمْس عشرَة سنة، فَقَامَ يَوْمًا فِي الْمَسْجِد يُرِيد أَن يَبُول فصاح بِهِ النَّاس فَأَتَاهُ نعيمان ابْن عَمْرو ابْن رباعة بن الْحَارِث بن سَواد بن مَالك بن غنم بن مَالك بن النجار فَتنحّى بِهِ نَاحيَة من الْمَسْجِد ثمَّ قَالَ لَهُ: اجْلِسْ هَا هُنَا، فأجلسه يَبُول ثمَّ تَركه، فصاح بِهِ النَّاس، فَلَمَّا فرغ قَالَ: من جآءَ بِي إِلى هَذَا الْمجْلس؟ قَالُوا: نعيمان بن عَمْرو قَالَ: فعل الله بِهِ وَفعل أَما إِنَّ الله علَّي إِن ظَفرت بِهِ أَن أَضربه بعصاي هَذِه ضَرْبَة تبلغ مِنْهُ مَا
стр. 29
بلغت، فَمَكثَ مَا شآء الله حَتَّى نسيى ذَلِك مخرمَة ثمَّ أَتَاهُ يَوْمًا وَعُثْمَان قَائِم يُصَلِّي فِي نَاحيَة من الْمَسْجِد، وَكَانَ عُثْمَان إِذا صلى لَا يلْتَفت فَقَالَ لَهُ: هَل لَك فِي نُعَيمان؟ فَقَالَ: نعم أَين هُوَ؟ دُلَّني عَلَيْهِ، فأَتى بِهِ حَتَّى أوقفهُ على عُثْمَان فَقَالَ: دُونك هَذَا هُوَ، فَجمع مخرمَة يَدَيْهِ بعصاه فَضرب عُثْمَان فشَّجه فَقيل لَهُ: إِنما ضَربتَ أَمير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان قَالَ: فَسمِعت بذلك بَنو زهرَة فَاجْتمعُوا فِي ذَلِك فَقَالَ عُثْمَان: دعوا نُعيمان، لعن الله نُعيمان: وَرُوِيَ أَن مخرمَة قَالَ: من قادني؟ قيل نعيمان قَالَ: لَا جَرَمَ لَا عَرَضتُ لَهُ بشّرٍ أَبداً. وَقد شهد نعيمان بن عَمْرو بَدْرًا. وَعَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجل يُقَال لَهُ نعيمان يُصِيب الشَّرَاب فَكَانَ يُؤْتِي بِهِ إِلَى النَّبِي ﷺ فيضربه بنعليه وَيَأْمُر أَصْحَابه فَيَضْرِبُونَهُ بنعالهم ويحثون عَلَيْهِ التُّرَاب، فَلَمَّا كثر ذَلِك مِنْهُ قَالَ لَهُ رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ : لعنك الله
стр. 30
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا تفعل فإِنه يحبُّ الله ورسولَه. قَالَ: وَكَانَ لَا يدْخل الْمَدِينَة رُسُل وَلَا طُرفَةٌ إِلاَّ اشْترى مِنْهَا ثمَّ جآء بِهِ إِلى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله هَذَا أَهديته لَك، فإِذا جآء صاحبُه يطْلب نُعيمان بِثمنِهِ جآء بِهِ إِلى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله أَعطِ هَذَا ثمن مَتَاعه فَيَقُول رَسُول الله ﷺ : أوَ لم تُهِده لي فَيَقُول: يَا رَسُول الله إِنه لم يكن عندى ثمنُه وَلَقَد أَحببت أَن تأكلَه فيضحك رَسُول الله ﷺ وَيَأْمُر لصَاحبه بِثمنِهِ. وَرُوِيَ أَنه أهْدى النَّبِي ﷺ جرة عسل اشْتَرَاهَا من أَعْرَابِي بِدِينَار، وأتى بالأعرابي بَاب النَّبِي ﷺ فَقَالَ: خُذ الثّمن من هَا هُنَا، فَلَمَّا قسمهَا النَّبِي ﷺ نَادَى الْأَعرَابِي: أَلا أَعطنىِ ثمنَ عَسَلِي
стр. 31
فَقَالَ ﷺ : إِحدى هَنَات نُعيمان: وسأَله لَم فعلت هَذَا؟ قَالَ: أردْت بِرّك وَلم يكن معي شيىء، فَتَبَسَّمَ النَّبِي ﷺ وأَعطى الأعرابيّ حقَّه. وشكى عُيَيْنَة بن حصن إِلَى نعيمان صعوبة الصّيام فَقَالَ: صُمِ اللَّيْل فُروي أَنه دخل عُيَينة على عُثْمَان وَهُوَ يفْطر فِي شهر رَمَضَان فَقَالَ: العَشآء فَقَالَ: أَنا صَائِم فَقَالَ عُثْمَان: الصَّوْم بِاللَّيْلِ؟ فَقَالَ: هُوَ أَخفُّ علَّي إِن عُثْمَان قَالَ: إِحدى هَنات نُعيمان. وَعَن أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ قَالَت: خرج أَبُو بكر الصّديق قبل وَفَاة رَسُول الله ﷺ بعام فِي تِجَارَة إِلَى بصرى، وَمَعَهُ نعيمان بن عَمْرو الانصاري وسليط بن حَرْمَلَة وهما مِمَّن شهد بَدْرًا مَعَ رَسُول الله ﷺ . وَكَانَ سليط بن حَرْمَلَة على الزَّاد، وَكَانَ نُعيمان بن عَمْرو مزاحا فَقَالَ لسليط: أَطعمني قَالَ: لَا أُطعمُك حَتَّى يَأْتِي أَبُو بكر، فَقَالَ نعيمان لسليط: لأَغيظنَّك، فَمروا بِقوم فَقَالَ لَهُم نعيمان:
стр. 32
تشترون مني عبدا لي؟ قَالُوا: نعم قَالَ: فإِنه عبدٌ لَهُ كَلَام وَهُوَ قَائِل لكم: لست بِعَبْدِهِ، أَنا ابْن عَمه. فإِن كَانَ إِذا قَالَ لكم هَذَا تَرَكْتُمُوهُ فَلَا تشتروه وَلَا تفسدوا عَليّ عَبدِي، قَالُوا: لَا بل نشتري وَلَا نَنْظُر فِي قَوْله، فاشتروه مِنْهُ بِعشر قَلَائِص، ثمَّ جآؤُه ليأخذوه فَامْتنعَ مِنْهُم، فوضعوا فِي عُنُقه عِمَامَة فَقَالَ لَهُم: إِنه يتهزّأَ ولستُ بِعَبْدِهِ فَقَالُوا: قد أَخبرَنا خبرَك وَلم يسمعوا كَلَامه، فجآءَ أَبُو بكر رضى الله عَنهُ فأخبروه فَاتبع الْقَوْم فأَخبرهم أَنه يمزح، وردَّ عَلَيْهِم القلائص وأَخذ سَلِيطاً مِنْهُم. فَلَمَّا قدمُوا على النَّبِي ﷺ أَخبروه الْخَبَر فَضَحِك من ذَلِك رَسُول الله ﷺ وأصحابُهُ حَولاً. وَعَن عَائِشَة رضى الله عَنْهَا أَن امْرَأَة كَانَت بِمَكَّة تدخل على النِّسَاء قُرَيْش تضحكهن، فَلَمَّا هَاجر رَسُول الله ﷺ ووسع الله دخلت الْمَدِينَة
стр. 33
قَالَت عَائِشَة: فَدخلت علَّي فَقلت لَهَا: فُلَانَة مَا أَقدَمَك؟ قَالَت: إلَيْكُنَّ قَالَت: فأَين نزلتِ؟ قَالَت: عَلَى فُلَانَة امْرَأَة كَانَت تضحك النساءَ بِالْمَدِينَةِ، قَالَت عَائِشَة: وَدخل رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: فُلَانَة؟ فَقَالَت عَائِشَة: نعم فَقَالَ: عَلَى من نزلت؟ قَالَت: عَلَى فُلَانَة المضحكة فَقَالَ: الحَمدُ لله الأَرواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مَنهِا ائتلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ منهَا اختَلَفَ. وَقَالَ علُّى بن أبي طَالب ﵁: لَا بَأْس بالمفاكهة يخرج بهَا الرّجلٍ عَن حدّ العُبوس، وَعَن بكر بن أبي مُحَمَّد قَالَ: أَهدى الْمَجُوس لعَلي بن أبي طَالب فالوذجاً فَقَالَ علُّي:
стр. 34
مَا هَذَا؟ فَقيل لَهُ: الْيَوْم النيروز فَقَالَ علُّي: ليكن كلُّ يومٍ نيروزاً، وأَكَل. وَفِي رِوَايَة قيل لَهُ: الْيَوْم المِهرَجان فَقَالَ: مَهرِجُونا كل يَوْم هَكَذَا. وَعَن عَمْرو بن دِينَار عَن مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ: طرحت لعَلي بن أبي طَالب وسَادَة فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَقَالَ: لَا يأَبي الْكَرَامَة إِلاّ حمَار. وأتى رجلٌ عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ: اني احتملت عَلَى أُمي فَقَالَ: أَقيموه فِي الشَّمْس واضربوا ظلَّة الحدَّ، وَفِي رِوَايَة أَن رجلا أَتَاهُ برجلٍ فَقَالَ: إِن هَذَا زعَم أَنه احْتَلَمَ عَلَى أُمي فَقَالَ: أَقِمه فِي
стр. 35
الشَّمْس فاضرِب ظلَّه. وَرُوِيَ عَن أبي الدَّردآء أَنه كَانَ لَا يتحدث إِلَّا وَهُوَ يتبسم فَقَالَت لَهُ امْرَأَته أم الدَّردآء: إِني أَخاف أَن يرى الناسُ أَنك أَحمق فَقَالَ: مَا رأَيت رَسُول الله ﷺ حدّث حَدِيثا إِلاّ وَهُوَ يتبسّم فِي حَدِيثه. وَكَانَ ابْن عَبَّاس إِذا أُكثر عَلَيْهِ فِي مسَائِل الْقُرْآن والْحَدِيث يَقُول: أَحمِضُوا يُرِيد خُذُوا فِي الشّعِر وأَخبار الْعَرَب. وروى الاعمش عَن أَبي وَائِل أَنه قَالَ: مضيت مَعَ صَاحب لي نزور سلمَان، فَقدم إِلَيْنَا خبز شعير وملحا جريشا فَقَالَ صَاحِبي: لَو كَانَ فِي هَذَا الْملح سَعتَر كَانَ أَطيبَ أَي فأَحضِره لنا، فَلَمَّا أَكلنا قَالَ صَاحِبي: الحمدُ لله الَّذِي قنّعنا بِمَا رزقنا فَقَالَ سُلَيْمَان: لَو قنِعت بِمَا رُزقت لم تكن مِطهَرَتي مَرْهُونَة.
стр. 36
وَعَن أبي الْحُوَيْرِث الْمرَادِي قَالَ: سَار عمر وَمَعَهُ الزبير بن الْعَوام، فَلَمَّا مرَّ عمر بمحسر ضرب فِيهِ رَاحِلَته حَتَّى قطعه وَهُوَ يرتجز: إِلَيْك تعدوُ قَلِقاً وَضينُها ... مُخَالفا دينَ النَّصَارَى دينُها مُعْتَرضًا فِي بَطنهَا جَنِينُها ... قد ذهب الشحمُ الَّذِي يَزينُها قَالَ: وسابق عمر الزبير براحلته فَجعل عمر إِذا بذّت رَاحِلَته رَاحِلَة الزبير يَقُول: سبقتُك وربّ الْكَعْبَة. وَجعل الزبير إِذا بذّت رَاحِلَته رَاحِلَة عمر يَقُول: سبقتُك وربّ الُكعبة. وَعَن خَارِجَة بن زيد قَالَ: خرج عبد الله بن عمر وَعبد الله بن عيّاش بن أبي ربيعَة من الْمَسْجِد، فَلَمَّا كَانَا على بَابه وَقد أحفيا شواربهما حَتَّى بَدَت الشفاه كشف كل وَاحِد مِنْهُمَا ثِيَابه حَتَّى بَدَت ساقاه وَقَالَ لصَاحبه: مَا عنْدك خير، هَل لَك أَن أُسابقك؟
стр. 37
وَعَن حميد بن قيس قَالَ: ورد عبد الله بن عمر مآء عسفان، وَكَانَ مولى لمعاوية عَاملا على عسفان، فجآء إِلَى ابْن عمر فَسلم عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: وَالله إِني لَأحبك فِي الله فَقَالَ لَهُ ابْن عمر: وَالله إِني لابغض ضربَ وَجهك، فتكعكع وَقَالَ: غفر الله لَك يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن، قَالَ: مَا شأني؟ وَجعل ابْن عمر يضْحك فَقَالَ لَهُ قَائِل: إِنَّمَا يَقُول لَك أكره ضربه. عَن عبيد الله بن خَالِد بن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب عَن أَبِيه قَالَ: حَدَّثَنى حَمْزَة بن عبد الله بن عمر قَالَ: كنت أُحسّ من نَفسِي بِحسن صَوت وَكَانَ صَوت سَالم بن عبد الله كُرغآء الْبَعِير فَقلت لَهُ: أَنا أحسن مِنْك صَوت فَقَالَ عبد الله بن عمر: احدِيَا حَتَّى أسمع فغنينا غِنآء الرُّكبان فَقلت لأبي أَيُّنا أَحسنُ صَوتا؟
стр. 38
فَقَالَ: أَنتما كحِمارَي الِعبَادي. قيل: وَكَانَ عبد الله بن عمر أبعد النَّاس عَن الرَّفَث، فَأَتَاهُ ابْن أبي عَتيق يَوْمًا وَكَانَ ذَا فُكاهة ومزاح وَفِي يَده رقْعَة فِيهَا: أذهبت مالَكَ غيرَ مُتَّرِكٍ ... فِي كل مُومِسةٍ وَفِي الخمرِ ذهب الْإِلَه بِمَا تعيش بِهِ ... وَبقيت وَحدك غيرَ ذِي وَفرِ وَكَانَت زَوْجَة ابْن أبي عَتيق عَاتِكَة بنت عبد الرَّحْمَن المخزومية قد هجته بهما فَقَالَ: يَا أَبا عبد الرَّحمن انْظُر هَذِه الرَّقعةَ وأَشِر عَليّ بِرَأْيِك فِيمَن هجاني بِمَا فِيهَا، فَلَمَّا قَرَأَهَا عبد الله اسْترْجع وَقَالَ لَهُ: أَرى لَك أَن تعفوَ وتصفحَ، فَقَالَ لَهُ: أَنا وَالله با أَبا عبد الرَّحمن أرى غير ذَلِك قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ:
стр. 39
أَفعَلُ بِهِ لاَ يكني، فَقَالَ لَهُ عبد الله بن عمر: سُبْحَانَ الله مَا تتركُ الْهزْل وأَرعد وأَبَرق فَقَالَ: هُوَ وَالله مَا أَخبرتك، فاقترقا، ثمَّ لَقِبَه ابْن أبي عَتيق بعد مَا ظنَّ أَن ابْن عمر نسىِ ذَلِك فَقَالَ لَهُ: أَتدري بذلك الإِنسان؟ قَالَ: أَيّ إِنسانٍ؟ قَالَ الذِي أَعلَمتُك أَنه هجاني قَالَ: مَا فعلتَ بِهِ؟ قَالَ: كل مملوكٍ لَهُ فَهُوَ حرُّ إِن لم أَكن فعلت بِهِ، لاَ يكني، فأَعظم ذَلِك ابنُ عمر فَقَالَ ابْن أبي عَتيق: امرأَتي الَّتِي قالته، فُسري عَن ابْن عمر وَقَامَ وَهُوَ يضْحك: وَقَالَ لَهُ: أَحسنت فزدنا من هَذَا الادب. وَابْن أبي عَتيق هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي بكر الصّديق ﵁. وَعَن عبيد الله بن خَالِد الْمَذْكُور عَن أَبِيه عَن نَافِع مولى عبد الله ابْن عمر قَالَ: كَانَ عبد الله بن عمر يمازح مولاة لَهُ فَيَقُول لَهَا: خلقني خَالق الْكِرَام، وخلقك خَالق اللئام، فتغضب وتصيح وتبكي ويضحك عبد الله بن عمر.
стр. 40
وَعَن عبد الله كثير بن جَعْفَر قَالَ: اقتتل غلمانُ عبد الله بن عَبَّاس وغلمانُ عَائِشَة، فَأخْبرت عَائِشَة بذلك فَخرجت فِي هَودج لَهَا عَلَى بغلةٍ لَهَا، فِلِقَيها أَن غلماني وغلمان ابْن عَبَّاس اقْتَتَلُوا فركبت لاصلح بَينهم، فَقَالَ: يعتقُ مَا يملك إِن لم تَرجِعي فَقَالَت: مَا حملك عَلَى هَذَا؟ قَالَ: مَا انْقَضى عَنَّا يَوْم الْجمل حَتَّى تريدين أَن تَأْتِينَا بِيَوْم البغلة؟ وَعَن أم قُثَم بنت الْعَبَّاس قَالَت: دخل علينا عَليّ وَنحن نلعب باربعة عشر قَالَت: وَكُنَّا صبيناً فأحببنا أَن نتلهّى بهَا، فَقَالَ عليّ: أَلاَ أَشتري لكُنٍَّ جوزاً بدرهم فتلعبن بِهِ وتتركن هَذِه؟ قَالَت: فَاشْترى لنا بدرهم جوزاً فلعبنا بِهِ وَتَركنَا الاربعة عشر.
следующие страницы →