فصل في صفة الصوم وتقسيمه
ينقسم الصوم إلى ستة أقسام:
فرض، وواجب ومسنون ومندوب ونقل ومكروه. أما الفرض فهو صوم رمضان أداء وقضاء وصوم الكفارات والمنذور في الأظهر، وأما الواجب فهو قضاء ما أفسده من نفل، وأما المسنون فهو صوم عاشوراء مع التاسع، وأما المندوب فهو صوم ثلاثة من كل شهر،...................
ــ
فصل في صفة الصوم وتقسيمه
"ينقسم الصوم إلى ستة أقسام" ذكرت مجملة ثم مفصلة لكونه أوقع في النفس "فرض" عين "وواجب ومسنون ومندوب ونفل ومكروه.
"أما" القسم الأول وهو "الفرض فهو صوم" شهر "رمضان أداء وقضاء وصوم الكفارات" الظهار والقتل واليمين وجزاء الصيد وفدية الأذى في الإحرام لثبوت بالقاطع من الأدلة سندا ومتنا والإجماع "و" من هذا القسم الصوم "المنذور" فهو فرض "في الأظهر" لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] "وأما" القسم الثاني وهو "الواجب فهو قضاء ما أفسده من" صوم "نفل" لوجوبه بالشروع وصوم الاعتكاف المنذور "وأما" القسم الثالث وهو "المسنون فهو صوم عاشوراء" فإنه يكفر السنة الماضية "مع" صوم "التاسع" لصومه ﷺ العاشر وقال: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" "وأما" القسم الرابع وهو "المندوب فهو صوم ثلاثة" أيام "من كل شهر" ليكون كصيام
стр. 282
ويندب كونها الأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر وصوم الأثنين والخميس وصوم ست من شوال ثم قيل الأفضل وصلها وقيل تفريقها وكل صوم ثبت طلبه والوعد عليه بالسنة كصوم داود ﵊ كان يصوم يوما ويفطر يوما وهو أفضل الصيام وأحبه إلى الله تعالى. وأما النفل فهو: سوى ذلك مما لم يثبت كراهيته، وأما المكروه فهو قسمان: مكروه تنزيها، ومكروه تحريما. الأول صوم: عاشوراء منفردا عن التاسع، والثاني صوم العيدين وأيام التشريق،..................
ــ
جميعه من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها "ويندب كونها" أي الثلاثة "الأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر" سميت بذلك لتكامل ضوء الهلال وشدة البياض فيها لما في أبي داود كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم البيض ثلاثة عشرة وأربعة عشرة وخمسة عشرة"قال وقال: "هو كهيئة الدهر" أي: كصيام الدهر "و" من هذا القسم "صوم" يوم "الإثنين و" يوم "الخميس" لقوله ﷺ : "تعرض الأعمال يومي الإثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" "و" منه "صوم ست من" شهر "شوال" لقوله ﷺ : "من صام رمضان فأتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر" "ثم قيل الأفضل وصلها" لظاهر قوله: "فأتبعه" "وقيل تفريقها" إظهارا لمخالفة أهل الكتاب في التشبيه بالزيادة على المفروض١، "و" منه "كل صوم ثبت طلبه والوعد عليه بالسنة" الشريفة "كصوم داود عليه" الصلاة و "السلام: كان يصوم يوما ويفطر يوما وهو أفضل الصيام وأحبه إلى الله تعالى" لقول النبي ﷺ : "أحب الصيام إلى الله صيام داود وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود كان ينام نصفه ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يفطر يوما ويصوم يوما" رواه أبو داود وغيره "وأما" القسم الخامس وهو "النفل فهو ما سوى ذلك" الذي بيناه "مما" أي صوم "لم يثبت" عن الشارع "كراهته" ولا تخصيصه بوقت "وأما" القسم السادس وهو "المكروه فهو قسمان: مكروه تنزيها ومكروه تحريما الأول" الذي كره تنزيها "كصوم" يوم "عاشوراء منفردا عن التاسع" أو الحادي عشر "والثاني" الذي كره تحريما "صوم العيدين" الفطر والنحر للإعراض عن ضيافة الله ومخالفة الأمر "و" منه صوم "أيام التشريق" لورود النهي عن صيامها وهذا التقسيم ذكره المحقق الكمال بن الهمام رحمه
стр. 283
وكره إفراد يوم الجمعة وإفراد يوم السبت ويوم النيروز أو المهرجان إلا أن يوافق عادته، وكره صوم الوصال ولو يومين وهو أن لا يفطر بعد الغروب أصلا حتى يتصل صوم الغد بالأمس وكره صوم الدهر.
ــ
الله وقد صرح بحرمة صوم العيدين وأيام التشريق في البرهان "وكره إفراد يوم الجمعة" بالصوم لقوله ﷺ : "لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" رواه مسلم "و" كره "إفراد يوم السبت" به لقوله ﷺ : "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجرة فيمضغه" رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي "و" كره إفراد "يوم النيروز" أصله نوروز لكن لما لم يكن في أوزان العرب فوعول أبدلوا الواو ياء وهو يوم في طرف الربيع "أو" إفراد يوم "المهرجان" معرب مهركان وهو يوم في طرف الخريف لأن فيه تعظيم أيام نهينا عن تعظيمها "إلا أن يوافق" ذلك اليوم "عادته" لفوات علة الكراهة بصوم معتاده "وكره صوم الوصال١ ولو" واصل بين "يومين" فقط للنهي عنه "وهو" أي الوصال "أن لا يفطر بعد الغروب أصلا حتى يتصل صوم الغد بالأمس" وكره صوم الصمت وهو أن يصوم ولا يتكلم بشيء فعليه أن يتكلم بخير وبحاجة دعت إليه "وكره صوم الدهر" لأنه يضعفه أو يصير طبعا له ومبنى العبادة على مخالفة العادة ولا تصوم المرأة نفلا بغير رضا زوجها وله أن يفطرها لقيام حقه واحتياجه والله الموفق.
стр. 284
فصل فيما لا يشترط تبييت النية وتعيينها فيه وما يشترط فيه ذلك
فيما لا يشترط تبييت النية وتعيينها فيه وما يشترط، أما القسم الذي لا يشترط فيه تعيين النية ولا تبييتها....
ــ
فصل فيما لا يشترط تبييت١ النية وتعيينها فيه وما يشترط فيه ذلك
"أما القسم الذي لا يشترط فيه تعيين النية" لما يصومه "ولا تبييتها" أي: النية فيه
стр. 285
فهو أداء رمضان والنذر المعين زمانه والنفل فيصح بنية من الليل إلى ما قبل نصف النهار على الأصح ونصف النهار من طلوع الفجر إلى وقت الضحوة الكبرى؛ ويصح أيضا بمطلق النية وبنية النفل ولو كان مسافرا أو مريضا في الأصح ويصح أداء رمضان بنية واجب آخر لمن كان صحيحا مقيما بخلاف المسافر فإنه يقع عما نواه من الواجب واختلف الترجيح في المريض إذا نوى واجبا آخر في رمضان، ولا يصح المنذور المعين زمانه بنية واجب غيره بل يقع
ــ
"فهو: أداء رمضان و" أداء "النذر المعين زمانه" كقوله لله علي صوم يوم الخميس من هذه الجمعة فإذا أطلق النية ليلته أو نهاره إلى ما قبل نصف النهار صح وخرج به من عهدة المنذور "و" أداء "النفل فيصح" كل من هذه الثلاثة "بنية" معينة مبيتة "من الليل" وهو الأفضل وحقيقة النية قصده عازما بقلبه صوم غد ولا يخلو مسلم عن هذا في ليالي شهر رمضان إلا ما ندر وليس النطق باللسان شرطا ونفي صيام من لم يبيت النية نفي كمال فتصح النية ولو نهارا "إلى ما قبل نصف النهار" لأن الشرط وجود النية في أكثر النهار احتياطا وبه توجد في كله حكما للأكثر وخص هذا بالصوم فخرج الحج والصلاة لأنهما أركان فيشترط قرانها بالعقد على أدائها ابتداء وإلا خلا بعض الأركان عنها فلم يقع عبادة والصوم ركن واحد وقد وجدت فيه وإنما قلنا إلى ما قبل نصف النهار تبعا للجامع الصغير "على الأصح" احترازا عن ظاهر عبارة القدوري وإنما قال "ونصف النهار من" ابتداء "طلوع الفجر إلى" قبيل "وقت الضحوة الكبرى" لا عندها لأن النهار قد يطلق على ما عند طلوع الشمس إلى غروبها لغة وعند الزوال نصفه فيفوت شرط صحة النية بوجودها قبيل الزوال "ويصح أيضا" كل من أداء رمضان والنذر المعين والنفل "بمطلق النية" من غير تقييد بوصف للمعيارية والنذر معتبر بإيجاب الله تعالى "وبنية النفل" أيضا "ولو كان" الذي نواه "مسافرا أو" كان "مريضا في الأصح" من الروايتين وهو اختيار فخر الإسلام وشمس الأئمة وجمع وتلغى زيادة النفلية لأنهما لما تحملا المشقة التحقا بمن لا عذر له نظرا لهما "ويصح أداء رمضان بنية واجب آخر" هذا "لمن كان صحيحا مقيما" لما أنه معيار فيصاب بالخطأ في الوصف كمطلق النية "بخلاف المسافر فإنه" إذا نوى واجبا آخر "يقع عما نواه من" ذلك "الواجب" رواية واحدة عن أبي حنيفة لأنه صرفه إلى ما عليه وقالا يقع عن رمضان "واختلف الترجيح في" صوم "المريض إذا نوى واجبا آخر" بصومه "في" شهر رمضان" روى الحسن أنه عما نوى واختاره صاحب الهداية أكثر مشايخ بخارى لعجزه المقدر وقال فخر الإسلام وشمس الأئمة الصحيح أنه يقع صومه عن رمضان وفي البرهان وهو الأصح "ولا يصح" أي لا يسقط "المنذور المعين زمانه" بصومه "بنية واجب غيره بل يقع عما نواه"
стр. 286
عما نواه من الواجب فيه. وأما القسم الثاني وهو ما يشترط له تعيين النية وتبييتها فهو قضاء رمضان وقضاء ما أفسده من نقل وصوم الكفارات بأنواعها والنذر المطلق كقوله إن شفى الله مريضي فعلي صوم يوم فحصل الشفاء.
ــ
الناذر "من الواجب" المغاير للمنذور في الروايات كلها ويبقى المنذور بذمته فيقضيه وقيدنا بواجب آخر لأنه لو نوى نفلا وقع عن المنذور المعين كإطلاق النية وروي عن أبي حنيفة أن يكون عما نواه "فيه" أي الزمن المعين "وأما القسم الثاني وهو ما يشترط له تعيين النية وتبييتها" ليتأدى به ويسقط عن المكلف "فهو قضاء رمضان وقضاء ما أفسده من نفل وصوم الكفارات بأنواعها" ككفارة اليمين وصوم التمتع والقران "والنذر المطلق" عن تقييده بزمان وهو إما معلق بشرط ووجد "كقوله إن شفى الله مريضي فعلي صوم يوم فحصل الشفاء" أو مطلق كقوله لله علي صوم يوم لأنها ليس لها وقت معين فلم تتأدى إلا بنية مخصوصة مبيتة أو مقارنة لطلوع الفجر وهو الأصل وقدمت عنه للضرورة ويشترط الدوام عليها فلو رجع عما نوى ليلا لم يصر صائما ولو أفطر لا شيء عليه إلا القضاء لانقطاع النية بالرجوع فلا كفارة عليه في رمضان إلا أن يعود إلى تجديد النية ويحصل مضيه فيه في وقتها تجديد لها ولا تبطل النية بقوله أصوم غدا إن شاء الله لأنه بمعنى الاستعانة وطلب التوفيق إلا أن يريد حقيقة الاستثناء.
стр. 287
فصل فيما يثبت به الهلال وفي صوم الشك وغيره
يثبت رمضان: برؤية هلاله أو بعد شعبان ثلاثين إن غم الهلال، ويوم الشك هو ما يلي التاسع والعشرين من شعبان وقد استوى فيه طرف العلم والجهل بأن غم الهلال،.......
ــ
فصل فيما يثبت به الهلال وفي صوم يوم الشك وغيره
يجب كفاية التماس الهلال ليلة الثلاثين من شعبان لأنه قد يكون ناقصا و "يثبت رمضان برؤية هلاله" لقوله ﷺ : "صوموا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" فلذا قال "أو بعد شعبان ثلاثين" يوما "إن غم الهلال" بغيم أو غبار وغيره بالإجماع "ويوم الشك هو ما يلي التاسع والعشرين من شعبان وقد استوى فيه طرف العلم والجهل" بحقيقة الحال "بأن غم الهلال" أي هلال رمضان فاحتمل كمال شعبان ونقصانه نظرا إلى قوله ﷺ : "الشهر هكذا وهكذا وهكذا"، وخنث إبهامه في المرة
стр. 288
وكره فيه كل صوم إلا صوم نفل جزم به بلا ترديد بينه وبين صوم آخر وإن ظهر أنه من رمضان أجزأ عنه ما صامه وإن ردد فيه بين صيام وفطر لا يكون صائما.
وكره: صوم يوم أو يومين من آخر شعبان لا يكره ما فوقهما ويأمر المفتي العامة بالتلوم يوم الشك ثم بالإفطار إذا ذهب وقت النية ولم يتبين الحال
ــ
الثالثة يعني تسعة وعشرين وقوله وهكذا وهكذا وهكذا أي من غير خنس يعني ثلاثين فالشك بوجود علة كغيم في الثلاثين أمن رمضان هو أو من شعبان أو بغم من رجب "وكره فيه" أي يوم الشك "كل صوم" من فرض وواجب وصوم ردد فيه بين نفل وواجب "إلا صوم نفل جزم به بلا ترديد بينه وبين صوم آخر" فإنه لا يكره لحديث السرار إذا كان على وجه لا يعلم العوام ذلك ليعتادوا صومه ظنا منهم زيادته على الفرض وإذا وافق معتاده فصومه أفضل اتفاقا واختلفوا في الأفضل إذا لم يوافق معتاده قيل الأفضل النظر احترازا لظاهر النهي وقيل الصوم اقتداء بعلي وعائشة ﵄ فإنهما كانا يصومانه "وإن ظهر أنه" من "رمضان أجزأ عنه" أي عن رمضان "ما صامه" بأي نية كانت إلا أن يكون مسافرا ونواه عن واجب آخر كما تقدم وإن ظهر من شعبان ونواه نفلا كان غير مضمون لدخول الإسقاط في عزيمته من وجه وكراهة الواجب لصورة النهي كصلاته في أرض الغير وهو دون كراهته على أنه من رمضان لعدم التشبه وأما كراهة النفل ع الترديد فلأنه ناو للفرض من وجه وهو أن يقول إن كان غدا من رمضان فمنه وإلا فتطوع "وإن ردد" الشخص "فيه" أي في يوم الشك "بين صوم وفطر" كقوله إن كان من رمضان فصائم وإلا فمفطر "لا يكون صائما" لأنه لم يجزم بعزيمته فإن ظهرت رمضانيته قضاه.
ثم شرع في بيان تقديم الصوم من غير شك على جهة الاحتياط فقال "وكره صوم يوم أو يومين من آخر شعبان" لقوله ﷺ : "لا تقدموا الشهر بيوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوما فيصومه" متفق عليه والمراد به التقديم على قصد أن يكون من رمضان لأن التقديم بالشيء على الشيء أن ينوي به قبل حينه وأوانه ووقته وزمانه وشعبان وقت التطوع فإذا صام عن شعبان لم يأت بصوم رمضان قبل زمانه وأوانه فلا يكون هذا تقدما عليه من فوائد شيخي العلامة شمس الدين محمد المحبي ﵀ "لا يكره" صوم "ما فوقهما" أي اليومين كالثلاثة فما فوقها من آخر شعبان كما في الهداية "و" المختار أن "يأمر المفتي العامة" بإظهار النداء "بالتلوم" أي بالانتظار بلا نية صوم في ابتداء "يوم الشك" محافظة على إمكان أداء الغرض بإنشاء النية لظهر الحال في وقتها "ثم" يأمر العامة "بالإفطار إذا ذهب وقت" إنشاء "النية" وهو عند مجيء الضحوة الكبرى "ولم يتبين الحال" حسما لمادة اعتقاد
стр. 289
ويصوم فيه المفتي والقاضي ومن كان من الخواص وهو من يتمكن من ضبط نفسه عن الترديد في النية وملاحظة كونه عن الفرض. ومن رأي هلال رمضان أو الفطر وحده ورد قوله لزمه الصيام ولا يجوز له الفطر بتيقنه هلال شوال وإن أفطر في الوقتين قضى ولا كفارة عليه ولو كان فطره قبل ما رده القاضي في الصحيح، وإذا كان بالسماء علة من غيم أو غبار أو نحوه قبل خبر واحد.................
ــ
الزيادة "ويصوم فيه" أي يصومه نفلا "المفتي والقاضي سرا لحديث السرار لئلا يتهم بالعصيان بارتكاب الصوم بما يروى: "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم" مخالفا لما أمر به من الفطر "و" يصومه أيضا سرا "من كان من الخواص وهو من يتمكن من ضبط نفسه عن" الإضجاع وهو "الترديد في النية و" عن "ملاحظة كونه" صائما "عن الفرض" إن كان من رمضان لحديث السرار وهو قوله ﷺ لرجل: "هل صمت من سرار شعبان؟ " قال: لا, قال: "فإذا أفطرت فصم يوما مكانه" وسرار الشهر بالفتح والكسر آخره سمي به لاستتار القمر فيه لأنه لما كان معارضا ينهى التقدم بصيام يوم أو يومين حمل التقدم على نية الفرض وحديث السرار على استحبابه نفلا لأن المعنى الذي يعقل فيه ختم شعبان بالعبادة كما يستحب ذلك في كل شهر، "ومن رأى هلال رمضان" وحده "أو" هلال "الفطر وحده ورد قوله" أي رده القاضي "لزمه الصيام" لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقد رآه ظاهر ولقوله ﷺ : "صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون" والناس لم يفطروا فوجب أن لا يفطر لا فرق بين كون السماء بعلة فلم يقبل لنفسه أو ردت بصحوها لانفراده وفيه إشارة إلى لزوم صيامه وإن لم يشهد عند القاضي ولا فرق بين كونه من عرض الناس أو الإمام فلا يأمر الناس بالصوم ولا بالفطر إذا رآه وحده ويصوم هو "ولا يجوز له الفطر بتيقنه هلال شوال" برؤيته منفردا لما روينا كذا في فتح القدير والتتارخانية عن المحيط والخلاصة وفي الجوهرة خلافه قال الإمام يأمرهم بالصوم برؤيته وحده ولا يصلي بهم العيد ولا يفطر لا سرا ولا جهرا اهـ. فأخذ بالاحتياط في المحني وفي الحجة قال صاحب الكتاب إذا استيقن بالهلال يخرج ويصلي العيد ويفطر لأنه ثابت بالشرع وقد تيقن كذا في التتارخانية "وإن أفطر" من رأى الهلال وحده "في الوقتين" رمضان وشوال "قضى" لما تلونا وروينا "ولا كفارة عليه" ولا على صديق للرائي إن شهد عنده بهلال الفطر وصدقه فأفطر لأنه يوم عيد عنده فيكون شبهة وبرد شهادته في رمضان صار مكذبا شرعا "و" بذلك لا كفارة عليه "ولو كان فطره قبل ما رده القاضي في الصحيح" لقيام الشبهة وهي قوله ﷺ : "الصوم يوم تصومون" وقيل تجب الكفارة فيهما للظاهر بين الناس في الفطر وللحقيقة التي عنده في رمضان "وإذا كان بالسماء علة من غيم أو غبار ونحوه" كضباب وندى "قبل" أي القاضي بمجلسه "خبر واحد
стр. 290
عدل أو مستور في الصحيح ولو شهد على شهادة واحد مثله ولو كان أنثى أو رقيقا أو محدودا في قذف تاب لرمضان ولا يشترط لفظ الشهادة ولا الدعوى. وشرط لهلال الفطر إذا كان بالسماء علة لفظ الشهادة من حرين أو حر وحرتين بلا دعوى وإذا لم يكن بالسماء علة فلا بد من جمع عظيم لرمضان والفطر،......
ــ
عدل" هو الذي حسناته أكثر من سيئاته والعدالة مكملة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة "أو" خبر "مستور" هو مجهول الحال لم يظهر له فسق ولا عدالة يقبل قوله "في الصحيح" ويلزم العدل أن يشهد عند الحاكم في ليلة رؤيته كيلا يصبحوا مفطرين وللمخدرة أن تشهد بغير إذن وليها لأنه من فروض العين "و" يقبل خبره لو "شهد على شهادة واحد مثله" لأن العدد في الأصول ليس شرطا فكذا في الفروع "و" يقبل خبره و "لو كان أنثى أو رقيقا أو محدودا في١ قذف" وقد "تاب" في ظاهر الرواية إثباتا "لرمضان"٢، لأنه أمر ديني وخبر العدل فيه مقبول فأشبه رواية الأخبار "و" لهذا "لا يشترط لفظ الشهادة ولا" تقدم "الدعوى" كما لا يشترطان في سائر الأخبار وأطلق القبول كما في الهداية وقال كان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل إنما يقبل شهادة الواحد إذا فسر فقال رأيته في وقت يدخل في السحاب ثم ينجلي لأن الرؤية في مثل هذا تتفق في زمان قليل فجاز أن ينفرد هو به أما بدون هذا التفسير لا تقبل لمكان التهمة اهـ. كذا في التجنيس.
تنبيه
لما كان قول الحساب مختلفا فيه نظمه ابن وهبان فقال:
وقول أولى التوقيت ليس بموجب ... وقيل نعم والبعض إن كان يكثر
وقال ابن الشحنة بعد نقل الخلاف فإذن اتفق أصحاب أبي حنيفة إلا النادر والشافعي أنه لا اعتماد على قول المنجمين في هذا "وشرط لهلال الفطر" أي لثبوته وثبوت غيره من الأهلة "إذا كان بالسماء علة" لفظ "الشهادة" الحاصلة "من حرين" مسلمين مكلفين غير محدودين في قذف "أو حر وحرتين" لكن "بلا" اشتراط تقدم "دعوى" على الشهادة كعتق الأمة وطلاق الزوجة وإذا رأى الهلال في الرستاق وليس هناك وال ولا قاض فإن كان ثقة يصوم الناس بقوله والفطر إن أخبر عدلان برؤية الهلال وبالسماء علة لا بأس بأن يفطروا بلا دعوى ولا حكم للضرورة "وإن لم يكن بالسماء علة فلا بد" للثبوت "من" شهادة "جمع عظيم لرمضان والفطر" وغيرهما لأن المطلع متحد في ذلك المحل والموانع منتفية والأبصار سليمة والهمم في طلب رؤية
стр. 291
ومقدار الجمع العظيم مفوض لرأي الإمام في الأصح، وإذا تم العدد بشهادة فرد ولم ير هلال الفطر والسماء مصحية لا يحل الفطر واختلف الترجيح فيما إذا كان بشهادة عدلين ولا خلاف في حل الفطر إذا كان بالسماء علة ولو ثبت رمضان بشاهدة الفرد، وهلال الأضحى كالفطر، ويشترط لبقية الأهلة شهادة رجلين عدلين أو حر وحرتين غير محدودين في قذف، وإذا ثبت في مطلع قطر لزم سائر الناس في ظاهر المذهب وعليه الفتوى.....
ــ
الهلال مستقيمة فالتفرد في مثل هذه الحالة يوهم الغلط فوجب التوقف في رؤية القليل حتى يراه الجمع الكثير لا فرق في ظاهر الرواية بين أهل المصر ومن ورد من خارج المصر "ومقدار" عدد "الجمع" العظيم قيل أهل الحلة وعن أبي يوسف خمسون كالقسامة وعن خلف خمسمائة ببلخ قيل وقال البقالي الألف ببخاري قيل وقال الكمال الحق ما روي عن محمد وأبي يوسف أن العبرة لتواتر الخبر ومجيئه من كل جانب اهـ وفي التجنيس عن محمد أن أمر العقلة والكثرة "مفوض إلى رأي الإمام" وهو الصحيح وفي البرهان "في الأصح" لأن ذلك يختلف باختلاف الأوقات والأماكن وتتفاوت الناس صدقا "وإذا تم العدد" أي عدد رمضان ثلاثين "بشهادة فرد" برؤيته "ولم ير هلال الفطر و" ذلك و "السماء مصحية لا يحل الفطر" اتفاقا على ما ذكره شمس الأئمة ويعزر ذلك الشاهد كذا في الدرر وفي التجنيس إذا لم ير هلال شوال لا يفطرون حتى يصومون يوما آخر وقال الزيلعي والأشبه أن يقال إن كانت السماء مصحية لا يفطرون لظهور غلطه وإن كانت متغيمة يفطرون لعدم ظهور الغلط "واختلف الترجيح" في حل الفطر "فيما إذا كان" ثبوت رمضان "بشهادة عدلين" وتم العدد ولم ير هلال شوال مع الصحو صحح في الدراية والخلاصة والبزازية حل الفطر لأن شهادة الشاهدين إذا قبلت كانت بمنزلة العيان وفي مجموع النوازل لا يفطرون وصححه كذلك السيد الإمام الأجل ناصر الدين لأن عدم الرؤية مع الصحو دليل الغلط فتبطل شهادتهما "ولا خلاف في حل الفطر إذا" تم العدد لو "كان في السماء علة ولو" وصلية "ثبت رمضان بشهادة الفرد" العدل كالعدلين اتفاقا على التحقيق "وهلال الأضحى" في الحكم "كالفطر" فلا بد من نصاب الشهادة مع العلة والجمع العظيم مع الصحو على ظاهر الرواية وهو الأصح لما تعلق به من نفع العباد خلافا لما يروى عن أبي حنيفة أنه كهلال رمضان وهي رواية النوادر وصححها في التحفة والمذهب ظاهر الرواية "ويشترط" في الثبوت "لبقية الأهلة" إذا كان بالسماء علة "شهادة رجلين عدلين أو" شهادة "حر وحرتين غير محدودين في قذف" وإلا فجمع عظيم "وإذا ثبت" الهلال "في" بلدة و "مطلع قطر" ها "لزم سائر الناس في ظاهر المذهب وعليه الفتوى" وهو قول أكثر
стр. 292
ولا عبرة برؤية الهلال نهارا سواء كان قبل الزوال أو بعده وهو لليلة المستقبلة في المختار.
ــ
المشايخ فيلزم قضاء يوم على أهل بلدة صاموا تسعة وعشرين يوما لعموم الخطاب: "صوموا لرؤيته" وقيل يختلف ثبوته باختلاف المطالع واختاره صاحب التجريد وغيره كما إذا زالت الشمس عند قوم وغربت عند غيرهم فالظهر على الأولين لا المغرب لعدم انعقاد السبب في حقهم.
تنبيه
ثبوت رمضان وشوال بالدعوى بنحو وكالة معلقة به فينكر المدعى عليه فيشهد الشهود بالرؤية فيقضي عليه ويثبت مجيء رمضان ضمنا لأن إثبات مجيء الشهر مجردا لا يدخل تحت الحكم وإن لزم الصوم بمجرد الإخبار لا يشترط الإسلام في إخبار الجمع العظيم لأن التواتر لا يبالى فيه بكفر الناقلين فضلا عن فسقهم أو ضعفهم ذكره الكمال.
"ولا عبرة برؤية الهلال نهارا سواء كان" قد رؤي "قبل الزوال أو" رؤي "بعده وهو الليلة المستقبلة" لقوله ﷺ : "صوموا لرؤيته ... " الخ فوجب سيق الرؤية على الصوم والفطر والمفهوم المتبادر منه الرؤية عند عشية كل شهر عند الصحابة والتابعين ومن بعدهم "في المختار" من المذهب.
стр. 293
باب مالا يفسد الصوم
وهو أربعة وعشرون شيئا ما لو أكل أو شرب أو جامع ناسيا وإن كان للناسي قدرة على الصوم يذكره به من رآه يأكل وكره عدم تذكيره،...........
ــ
باب في بيان ما لا يفسد الصوم
"وهو أربعة وعشرون شيئا" تقريبا لا تحديدا بالمرة: منها: "ما لو أكل" الصائم "أو شرب أو جامع" أو جمع بينها "ناسيا" لعمومه لقوله ﷺ : "إذا أكل الصائم ناسيا فإنما هو رزق ساقه الله إليه" فلا قضاء عليه والجماع في معناهما فإن تذكر نزع من فوره فإن مكث بعده فسد صومه فإن حرك نفسه ولم ينزع أو نزع ثم أولج لزمته الكفارة ولو نزع خشية طلوع الفجر فأمنى بعد الفجر والنزع ليس عليه شيء لعدم الجماع صورة ومعنى "وإن كان للناسي قدرة على" إتمام "الصوم" إلى الليل بلا مشقة ظاهرة: كشاب قوي "يذكر به من رآه يأكل و" إن تركه "كره عدم تذكيره" في المختار كذا في الفتح وقيل من رأى غيره في رمضان يأكل ناسيا لا يخبره لأن بأكله هذا لا يفسد
стр. 294
وإن لم يكن له قوة فالأولى عدم تذكيره أو أنزل بنظر أو فكر وإن أدام النظر والفكر أو ادهن أو اكتحل ولو وجد طعمه في حلقه أواحتجم أو اغتاب أو نوى الفطر ولم يفطر أو دخل حلقه دخان بلا صنعه أو غبار ولو غبار الطاحون أو ذباب أو أثر طعم الأدوية فيه وهو ذاكر لصومه أو أصبح جنبا ولو استمر..........
ــ
صومه وإذا ذكر الناسي وهو يأكل فقيل له إنك صائم؟ فلم يتذكر يلزمه القضاء في المختار "وإن لم يكن له قوة فالأولى عدم تذكيره" لما فيه من قطع الرزق واللطف به سواء كان شيخا أو شابا "أو أنزل بنظر" إلى فرج امرأة لم يفسد "أو فكر وإن أدام النظر والفكر" حتى أنزل لأنه لم يوجد منه صورة الجماع ولا معناه وهو الإنزال عن مباشرة ولا يلزم من الحرمة الإفطار وفعل المرأتين بلا إنزال منهما لا يفسد. "أو ادهن" لم يفسد صومه كما لو اغتسل ووجد برد الماء في كبده "أو اكتحل ولو وجد طعمه" أي طعم الكحل "في حلقه" أو لونه في بزاقه أو نخامته في الأصح وهو قول الأكثر وسواء كان مطيبا أو غيره وتفيد مسألة الاكتحال ودهن الشارب الآتية أن لا يكره للصائم شم رائحة المسك والورد ونحوه مما لا يكون جوهرا متصلا كالدخان فإنهم قالوا لا يكره الاكتحال بحال وهو شامل للمطيب وغيره ولم يخصوه بنوع منه وكذا دهن الشارب ولو وضع في عينيه لبنا أو دواء مع الدهن فوجد طعمه في حلقه لا يفسد صومه إذ لا عبرة مما يكون من المسام ولو ابتلع نحو عنبة مربوطة بخيط ثم أخرجه لم يفطر أو أدخل أصبعه في فرجه ولم يكن مبلولا بماء أو دهن لم يفسد على المختار "أو احتجم" لم يفسد لأنه ﷺ احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم "أو اغتاب" وحديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" مؤول بذهاب الأجر "أو نوى الفطر ولم يفطر" لعدم الفعل "أو دخل حلقه دخان بلا صنعه" لعدم قدرته على الامتناع عنه فصار كبلل بقي في فمه بعد المضمضة لدخوله من الأنف إذا أطبق الفم.
وفيما ذكرنا إشارة إلى أنه من أدخل بصنعه دخانا حلقه بأي صورة كان الإدخال فسد صومه سواء كان دخان عنبرا أو عودا أو غيرهما حتى من تبخر ببخور فآواه إلى نفسه واشتم دخانه ذاكرا لصومه أفطر لإمكان التحرز عن إدخال المفطر جوفه ودماغه وهذا مما يغفل عنه كثير من الناس فلينبه له ولا يتوهم أنه كشم الورود ومائه والمسك لوضوح الفرق بين هواء تطيب بريح المسك وشبهه وبين جوهر دخان وصل إلى جوفه بفعله وسنذكر حكم الكفارة بشربه "أو" دخل حلقه "غبار ولو" كان "غبار" دقيق من "الطاحون أو" دخل حلقه "ذباب أو" دخل "أثر الطعم الأدوية فيه" أي في حلقه لأنه لا يمكن الاحتراز عنها فلا يفسد الصوم بدخولها "وهو ذاكر لصومه" لما ذكرنا "أو أصبح جنبا ولو استمر" على
стр. 295
يوما بالجنابة أو صب في إحليله ماء أو دهنا أو خاض نهرا فدخل الماء أذنه أو حك أذنه بعود فخرج عليه درن ثم أدخله مرارا إلى أذنه أو دخل أنفه مخاط فاستنشقه عمدا وابتلعه وينبغي إلقاء النخامة حتى لا يفسد صومه على قول الإمام الشافعي ﵀ أو ذرعه القيء وعاد بغير صنعه ولو ملأ فاه في الصحيح أو استقاء أقل من ملء فيه على الصحيح ولو أعاد في الصحيح................................
ــ
حالته "يوما" أو أياما "بالجنابة" لقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] لاستلزام جواز المباشرة إلى قبيل الفجر وقوع الغسل بعده ضرورة وقوله ﷺ وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام وأغتسل أو أصوم، "أو صب في إحليله ماء أو دهنا" لا يفطر عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لأبي يوسف فيما إذا وصل إلى المثانة أما مادام في قصبة الذكر لا يفسد باتفاق ومبنى الخلاف على منفذ للجوف من المثانة وعدمه والأظهر أنه لا منفذ له وإنما يجتمع البول في المثانة بالترشيح كذا تقوله الأطباء قاله الزيلعي.
"أو خاض نهرا فدخل الماء أذنه" لا يفسد للضرورة "أو حك أذنه بعود فخرج عليه درن" مما في الصماخ "ثم أدخله" أي العود "مرارا إلى أذنه" لا يفسد صومه بالإجماع كما في البزازية لعدم وصول المفطر إلى الدماغ "أو دخل" يعني نزل من رأسه ووصل "أنفه مخاط فاستنشقه عمدا وابتلعه" لا يفسد صومه ولو خرج ريقه من فمه فأدخله وابتلعه إن كان لم ينقطع من فمه بل متصل كالخيط فتدلى إلى الذقن فاستشربه لم يفطر وإن انقطع فأخذه وأعاده أفطر كذا في الفتح وقال أبو جعفر إذا خرج البزاق على شفتيه ثم ابتلعه فسد صومه وفي الخانية ترطب شفتاه ببزاقه عند الكلام ونحوه فابتلعه لا يفسد صومه وفي الحجة سئل إبراهيم عمن ابتلع بلغما قال إن كان أقل من ملء فيه لا ينقض إجماعا وإن كان ملء فيه ينقض صومه عند أبي يوسف وعند أبي حنيفة لا ينقض "وينبغي إلقاء النخامة حتى لا يفسد صومه على قول الإمام الشافعي" كما نبه عليه العلامة ابن الشحنة ليكون صومه صحيحا بالاتفاق لقدرته على مجها.
"أو ذرعه" أي سبقه وغلبه "القيء" ولو ملأ فاه لقوله ﷺ : "من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه القضاء وإن استقاء عمدا فليقض" "و" كذا لا يفطر لو "عاد" ما ذرعه "بغير صنعه ولو ملأ" القيء "فمه في الصحيح" وهذا عند محمد لأنه لم يوجد صورة الفطر وهو الابتلاع ولا معناه لأنه لا يتغذى به عادة "أو استقاء" أي تعتمد إخراجه وكان "أقل من ملء فمه على الصحيح" وهذا عند أبي يوسف وقال محمد يفسد وهو ظاهر الراوية "ولو أعاده في الصحيح" لا يفسد عند أبي يوسف كما في المحيط لعدم الخروج حكما حتى لا ينقص الطهارة وقال الكمال وهو المختار عند بعضهم لعدم الخروج شرعا وقال محمد يفسد وهو ظاهر الراوية وراوية عن أبي يوسف لإطلاق
стр. 296
أو أكل ما بين أسنانه وكان دون الحمصة أو مضغ مثل سمسمة من خارج فمه حتى تلاشت ولم يجد لها طعما في حلقه.
ــ
ما رويناه، "أو أكل ما بين أسنانه" مما بقي من السحور "لأنه دون الحمصة" لأنه تبع لريقه وهذا القدر لا يمكن الاحتراز عنه أو قال الكمال من المشايخ من جعل الفاصلة بين القليل والكثير ما يحتاج في ابتلاعه إلى الاستعانة بالريق أو لا يحتاج الأول قليل والثاني كثير وهو حسن لأن المانع بالإفطار بعد تحقق الوصول كونه لا يسهل الاحتراز عنه وذلك مما يجري بنفسه مع الريق لا فيما يعتمد في إدخاله لأنه غير مضطر فيه انتهى. "أو مضغ مثل سمسمة" أي قدرها وقد تناولها "من خارج فمه حتى تلاشت ولم يجد لها طعما في حلقه" كذا في الكافي وقال الكمال وهذا حسن جدا فليكن الأصل في كل قليل مضغه انتهى.
стр. 297
باب ما يفسد الصوم وتجب به الكفارة مع القضاء
مدخل
...
باب ما يفسد الصوم وتجب به الكفارة مع القضاء
وهو اثنان وعشرون شيئا إذا فعل الصائم شيئا منها طائعا متعمدا غير مضطر لزمه القضاء والكفارة وهي الجماع في أحد السبيلين على الفاعل والمفعول به والأكل والشرب سواء فيه ما يتغدى به.........
ــ
باب ما يفسد به الصوم وتجب به الكفارة مع القضاء
"وهو اثنتان وعشرون شيئا" تقريبا "إذا فعل" المكلف "الصائم" مبيتا النية في أداء رمضان ولم يطرأ ما يبيح الفطر بعده كمرض أو قبله كسفر وكان فعله "شيئا منها" أي المفسدات "طائعا" احترازا عن المكره ولو أكرهته زوجته في الأصح كما في الجوهرة وبه يفتى فلا كفارة ولو حصلت الطواعية في أثناء الجماع لأنها بعد الإفطار مكرها في الابتداء "متعمدا" احترز به عن الناسي والمخطئ١. "وغير مضطر" إذا المضطر لا كفارة عليه "لزمه القضاء" استدراكا للمصلحة الفائتة "و" لزمه "الكفارة" لكمال الجنابة "وهي الجماع في أحد السبيلين" أي سبيل آدمي حي "على الفاعل" وإن لم ينزل "و" على "المفعول به" والدبر كالقبل في الأصح لكمال الجنابة بخلاف الحد لأنه ليس زنا حقيقة "و" كذا "الأكل والشرب" وإن قل "سواء فيه" أي المفطر "ما يتغذى" أي يربي ويقام البدن "به" أي الغذاء وهو بالغين والذال المعجمتين اسم للذات المأكولة غذاء قال في الجوهرة واختلفوا في معنى التغذي قال بعضهم أن يميل
стр. 298
أو يتداوى به وابتلاع مطر دخل إلى فمه وأكل اللحم النيء وإن كان منتنا إلا إذا دود وأكل الشحم في اختيار الفقيه أبي الليث وقديد اللحم بالاتفاق وأكل الحنطة وقضمها إلا أن يمضغ قمحة فتلاشت وابتلاع حبة حنطة أو سمسمة أو نحوها من خارج فمه في المختار وأكل الطين الأرمني مطلقا والطين غير الأرمني كالطفل إن اعتاد أكله والملح القليل في المختار وابتلاع بزاق زوجته أو صديقه لا غيرهما،................
ــ
الطبع إلى أكله وتنقضي شهوة البطن به وقال بعضهم هو ما يعود نفعه إلى إصلاح البدن وفائدته فيما إذا مضغ لقمة ثم أخرجها ثم ابتلعها فعلى القول الثاني تجب الكفارة وعلى الأول لا تجب وهذا هو الأصح لأنه بإخراجها تعافها النفس كما في المحيط وعلى هذا الورق الحبشي والحشيشة والفطاط إذا أكله فعلى القول الثاني لا تجب الكفارة لأنه لا نفع فيه للبدن وربما يضره وينقص عقله وعلى القول الأول يجب لأن الطبع يميل إليه وتنقضي به شهوة البطن اهـ. قلت وعلى هذا البدعة التي ظهرت الآن إذا شربه فيه لزوم الكفارة نسأل الله العفو والعافية اهـ وبأكل ورق كرم وقشر بطيخ طري وكافور ومسك تجب الكفارة وإذا صار ورق الكرم غليظا لا تجب "أو يتداوى به" كالأشربة والطباع السليمة تدعو لتناول الدواء لإصلاح البدن فشرع الزجر عنه، "و" منه "ابتلاع مطر" وثلج وبرد "دخل إلى فمه" لإمكان التحرز عنه بيسير طبق الفم "و" منه "تأكل اللحم النيء" ولو من ميتة "إلا إذا دود" لخروجه عن الغذائية "و" منه "أكل الشحم في" المختار كذا في التجنيس وهو "اختيار الفقيه الليث" ﵀ ولا خلاف في قديده كذا في الفتح "و" كذا "قديد اللحم بالاتفاق" للعادة بأكله "و" منه "أكل" حب "الحنطة وقضمها" لما ذكرنا "إلا أن يمضغ قمحة" أو قدرها من جنس ما يوجب الكفارة "فتلاشت" واستهلكت بالمضغ فلم يجد لها طعما فلا كفارة ولا فساد لصومه كما قدمناه "و" من موجب الكفارة "ابتلاع" حبة حنطة أو ابتلاع "سمسمة أو" ابتلاع "نحوها" وقد تناولها "من خارج فمه" ولزوم الكفارة بهذا "في المختار" لأنه مما يتغذى به والشعير المقلي أو الأخضر المتخرج من سنبله إذا ابتلعه عليه الكفارة لا الجاف "و" ومنه "أكل الطين الأرمني مطلقا" أي سواء اعتاد أكله أو لم يعتده لأنه يؤكل للدواء فكان إفطارا كاملا "و" منه أكل "الطين الأرمني ك" الطين المسمى ب "الطفل إن اعتاد أكله" لا على من لم يعتده "و" منه أكل "قليل الملح" لا الكثير "في المختار" وإنه من الامتحانيات بالجواب وإذا أكل كعوب قوائم الذرة لا رواية لهذه المسألة قال الزندويستي: عليه القضاء مع الكفارة، "و" منه "ابتلاع بزاق زوجته أو" بزاق "صديقه" لأنه يتلذذ به "لا" تلزمه الكفارة ببزاق "غيرهما" لأنه
стр. 299
وأكله عمدا بعد غيبة أو بعد حجامة أو بعد مس أو قبلة بشهوة أو بعد مضاجعة من غير إنزال أو بعد دهن شاربه ظانا أنه أقطر بذلك إلا إذا أفتاه فقيه أو سمع الحديث ولم يعرف تأويله على المذهب وإن عرف تأويله وجبت عليه الكفارة وتجب الكفارة على من طاوعت مكرها.
ــ
يعافه، "و" مما يوجب الكفارة "أكله عمدا بعد غيبة" وهي ذكره أخاه بما يكرهه في غيبته سواء بلغه الحديث وهو قوله ﷺ : "الغيبة تفطر الصائم" أو لم يبلغه عرف تأويله أو لم يعرفه أفتاه مفت أو لم يفته لأن الفطر بالغيبة يخالف القياس لأن الحديث مؤول بالجماع بذهاب الثواب يخالف حديث الحجامة فإن بعض العلماء أخذ بظاهره مثل الأوزاعي وأحمد "أو" بعد "حجامة أو" أكله بعد "مس أو" أكله بعد "قبلة بشهوة" أو أكله "بعد مضاجعة" أو مباشرة فاحشة "من غير إنزال" ظانا أمه أفطر بالمس والقبلة لزمته إلا إذا تأول حديثا أو استفتى فقيها فأفطر فلا كفارة عليه وإن أخطأ الفقيه ولم يثبت الحديث لأن ظاهر الفتوى والحديث يصير شبهة قاله الكمال عن البدائع "أو" أكله بعد "دهن شاربه ظانا أنه أفطر بذلك" لأنه معتمد ولم يستند ظنه إلى دليل شرعي فلزمته الكفارة وإن استفتى فقيها فأفتاه بالفطر يدهن الشارب أو تأول حديثا لأنه لا يعتمد بفتوى الفقيه ولا بتأويله الحديث هنا لأن هذا مما لا يشتبه على من له سيمة من الفقه نقله الكمال عن البدائع. قلت لكن يخالفه ما في قاضيخان وكذا الذي اكتحل أودهن نفسه أو شاربه ثم أكل معتمدا عليه الكفارة إلا إذا كان جاهلا فاستفتى فأفتى له بالفطر فحينئذ لا تلزمه الكفارة اهـ فعلى هذا يقول قولنا "إلا إذا أفتاه فقيه" شاملا لمسألة دهن الشارب والمراد بالفقيه متبع لمجتهد كالحنابلة وبعض أهل الحديث ممن يرى الحجامة مفطرة فلا كفارة عليه لأن الواجب على العامي الأخذ بفول المفتي فتصير الفتوى شبهة في حقه وإن كانت خطأ في حقها كذا في البرهان "أو" إلا إذا "سمع" المحتجم أو الحاجم "الحديث" وهو قوله ﷺ : "أفطر الحاجم والمحجوم" "ولم يعرف تأويله١ على المذهب"، لأن قول الرسول لا يكون أدنى درجة من قول المفتي فهو أولى بإثبات العذر لمن لم يعرف التأويل "و" لذا "إن عرف تأويله وجبت عليه الكفارة" لانتقاء الشبهة "فتجب الكفارة على من طاوعت" رجلا "مكرها" على وطئها لأن سبب الكفارة جناية إفساد الصوم ل نفس الوقاع وقد تحققت من جانبها بالتمكين من الفعل كما لو علمت بطلوع الفجر فمكنت زوجها وهو غير عالم بها.
стр. 300
فصل في الكفارة وما يسقطها عن الذمة
تسقط الكفارة بطرو حيض أو نفاس أو مرض مبيح للفطر في يومه، ولا تسقط عمن سوفر به كرها بعد لزومها عليه في ظاهر الرواية. والكافرة: تحرير رقبة ولو كانت غير مؤمنة فإن عجز عنه صام شهرين متتابعين ليس فيهما يوم عيد ولا أيام التشريق فإن لم يستطع الصوم أطعم ستين مسكينا يغديهم..................
ــ
فصل في الكفارة وما يسقطها عن الذمة بعد الوجوب
"تسقط الكفارة" التي وجبت بارتكاب مقتضيها "بطروء حيض أو نفاس أو" طروء "مرض مبيح للفطر" بأن يكون بغير صنع من وجبت عليه قبل وجود العذر "في يومه" أي يوم الإفساد الموجب للكفارة لأنها إنما تجب في صوم مستحق وهو لا يتجزأ ثبوتا وسقوطا فتمكنت الشبهة في عدم استحقاقه من أوله بعروض العذر في آخره وأما إذا كان المرضى بصنعه كأن جرح نفسه أو ألقاها من جبل أو سطح فالمختار أنها لا تسقط الكفارة عنه قاله الكمال وفي جمع العلوم: أتعب نفسه في شيء أو عمل حتى أجهده العطش فأفطر كفر لأنه ليس بمسافر ولا مريض وقيل بخلافه وبه أخذ البقالي "ولا تسقط" الكفارة "عمن سوفر به كرها" كما لو سافر باختياره "بعد لزومها عليه في ظاهر الراوية" لأن العذر لم يجيء من قبل صاحب الحق "والكفارة١: تحرير رقبة" ليس بها عيب فوات منفعة البطش والمشي والكلام والنظر والعقل "ولو كانت غير مؤمنة" لإطلاق النص "فإن عجز عنه" أي التحرير بعدم ملكها وملك ثمنها "صام شهرين متتابعين فيهما يوم عيد ولا" بعض "أيام التشريق" للنهي عن صيامها "فإن لم يستطع الصوم" لمرض أو كبر "أطعم ستين مسكينا" أو فقيرا ولا يشترط اجتماعهم والشرط أن "يغديهم
стр. 301
ويعشيهم غداء وعشاء مشبعين أو غداءين أو عشاءين أو عشاء وسحورا أو يعطي كل فقير نصف صاع من بر أو دقيقه أو سويقه أو صاع تمر أو شعير أو قيمته. وكفت كفارة واحدة عن جماع وأكل متعدد في أيام لم يتخلله تكفير ولو من رمضانين على الصحيح فإن تخلل التكفير لا تكفي كفارة واحدة في ظاهر الرواية.
ــ
ويعشيهم غداء وعشاء مشبعين"، وهذا هو الأعدل لدفع حاجة اليوم بجملته، "أو" يغديهم "غداءين" من يومين "أو" يعشيهم "عشاءين" من ليلتين "أو عشاء وسحورا" بشرط أن يكون الذين أطعمهم ثانيا هم الذين أطعمهم أولا حتى لو غدى ستين ثم أطعم ستين غيرهم لم يجز حتى يعيد الإطعام لأحد الفريقين ولو أطعم فقيرا ستين يوما أجزأه لأنه بتجدد الحاجة بكل يوم يصير بمنزلة فقيرا آخر والشرط إذا أباح الطعام أن يشبعهم ولو بخبز البر من غير أدم والشعير لا بد من أدم معه لخشونته وأكل الشبعان لا يكفي ولو استوعب مثل الجائع "أو يعطي كل فقير نصف صاع١ من بر أو" من "دقيقه أو" من "سويقه" أي البر "يعطى كل فقير "صاع تمر أو" صاع "شعير" أو زبيب "أو" يعطي "قيمته" النصف من البر أو الصاع من غيره من غير المنصوص عليه ولو في أوقات متفرقة لحصول الواجب "وكفت كفارة واحدة عن جماع وأكل" عمدا "متعددة في أيام" كثيرة و "لم يتخلله" أي الجماع أو لأطل عمدا "تكفير" لأن الكفارة للزجر وبواحدة يحصل "ولو" كانت الأيام "من رمضانين على الصحيح" للتداخل قدر الإمكان "فإن تخلل" التكفير بين الوطأين أو الأكلتين "لا تكفي كفارة واحدة في ظاهر الراوية" لعدم حصول الزجر بعوده.
стр. 302
باب ما يفسد الصوم من غير كفارة
مدخل
...
باب ما يفسد الصوم من غير كفارة
وهو سبعة وخمسون شيئا"*": إذا أكل الصائم أرزا،..............
ــ
باب ما يفسد الصوم ١ ويوجب
القضاء من غير كفارة لقصور معناه العذر
وهو سبعة وخمسون شيئا تقريبا وهي: "إذا أكل الصائم" في أداء رمضان "أرزا"
стр. 303
أو عجينا أو دقيقا أو ملحا كثيرا دفعة أو طينا غير أرمني لم يعتد أكله أو نواة أو قطنا أو كغدا أو سفرجلا لم يدرك ولم يطبخ أو جوزة رطبة أو ابتلع حصاة أو حديدا أو ترابا أو حجرا أو احتقن أو استعط أو أوجر بصب شيء في حلقه على الأصح أو أقطر في أذنه دهنا أو ماء في الأصح أو داوى جائفة أو آمة بدواء ووصل إلى جوفه أو دماغه أو دخل حلقه مطر أو ثلج في الأصح ولم يبتلعه بصنعه أو أفطر خطأ بسبق ماء المضمضة إلى جوفه أو أفطر مكرها ولو بالجماع أو أكرهت على الجماع،..........................
ــ
نيئا "أو عجينا أو دقيقا" على الصحيح إذا لم يخلط بسمن أو دبس أو لم يبل بسكر دقيق حنطة وشعير فإن كان به لزمته الكفارة "أو" أكل "ملحا كثيرا دفعة أو" أكل "طينا غير أرمني" و "لم يعتد أكله" لأنه ليس دواء" "أو" أكل "نواة أو قطنا" أو ابتلع ريقه متغير بخضرة أو صفرة من عمل الإبريسم ونحوه وهو ذاكر لصومه "أو" أكل "كاغدا" ونحوه مما لا يؤكل عادة "أو سفرجلا" أو نحوه من الثمار التي لا تؤكل قبل النضج "ولم يطبخ" ولم يملح "أو جوزة رطبة" ليس لها لب أو ابتلع اليابسة بلبها لا كفارة عليه ولو ابتلع لوزة رطبة تلزمه الكفارة لأنها تؤكل عادة مع القشر وبمضغ اليابسة مع قشرها ووصل الممضوغ إلى جوفه اختلف في لزوم الكفارة "أو ابتلع حصاة أو حديدا" أو نحاسا أو ذهبا أو فضة "أو ترابا أو حجرا" ولو زمردا لم تلزمه الكفارة لقصور الجناية وعليه القضاء لصورة الفطر "أو احتقن أو استعط" الرواية بالفتح فيهما الحقنة صب الدواء في الدبر والسعود صبه في الأنف "أو أوجر" وفسره بقوله "بصب شيء في حلقه" وقوله "على الصحيح" متعلق بالاحتقان وما بعده وهو احتراز عن قول أبي يوسف بوجوب الكفارة وجه الصحيح أن الكفارة موجب الإفطار صورة ومعنى والصورة الابتلاع كما في الكافي وهي منعدمة والنفع المجرد عنها يوجب القضاء فقط "أو أقطر في أذنه دهنا" اتفاقا "أو" أقطر في أذنه "ماء في الأصح" لوصول المفطر دماغه بفعله فلا عبرة بصلاح البدن وعدمه قاله قاضيخان وحققه الكمال وفي المحيط الصحيح أنه لا يفطر لأن الماء يضر الدماغ فانعدم المفطر صورة ومعنى "أو داوى جائفة" هي جراحة في البطن "أو آمة" جراحة في الرأس "بدواء" سواء كان رطبا أو يابسا "ووصل إلى جوفه" في الجائفة "أو دماغه" في الأمة على الصحيح "أو دخل حلقه مطر أو ثلج في الأصح ولم يبتلعه بصنعه" وإنما سبق إلى حلقه بذاته "أو أفطر خطأ بسبق ماء المضمضة" أو الاستنشاق "إلى جوفه" أو دماغه لوصول المفطر محله والمرفوع في الخطأ الإثم "أو أفطر مكرها ولو بالجماع" من زوجته على الصحيح وبه يفتى وانتشار الآلة لا يدل على الطواعية "أو أكرهت على" تمكينها من "الجماع" لا كفارة عليها وعليه الفتوى، ولو
стр. 304
أو أفطرت خوفا على نفسها من أن تمرض من الخدمة أمة كانت أو منكوحة أو صب أحد في جوفه ماء وهو نائم أو أكل عمدا بعد أكله ناسيا ولو علم الخبر على الأصح أو جامع ناسيا ثم جامع عامدا أو أكل بعد ما نوى نهارا ولم يبيت نيته أو أصبح مسافرا فنوى الإقامة ثم أكل أو سافر بعد ما أصبح مقيما فأكل أو أمسك بلا نية صوم ولا نية فطر أو تسحر أو جامع شاكا في طلوع الفجر وهو طالع أو أفطر بظن الغروب
ــ
طاوعته بعد الإيلاج لأنه بعد الفساد "أو أفطرت" المرأة "خوفا على نفسها من أن تمرض الخدمة أمة كانت أو منكوحة" كم في التتارخانية لأنها أفطرت بعذر، "أو صب أحد في جوفه ماء وهو" أي صائم "نائم" لوصول المفطر إلى جوفه كما لو شرب وهو نائم وليس كالنامي لأنه تؤكل ذبيحته وذاهب العقل والنائم لا تؤكل ذبيحتهما "أو أكل عمدا بعد أكله ناسيا" لقيام الشبهة الشرعية نظرا إلى فطره قياسا بأكله ناسيا ولم تنتف الشبهة "ولو علم الخبر" وهو قوله ﷺ : "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فيتم صومه" "على الأصح" لأنه خبر واحد لا يوجب العلم فوجب العمل به وهو القضاء دون الكفارة في الظاهر الراوية وصححه قاضيخان "أو جامع ناسيا ثم جامع عامدا" أو أكل عمدا بعد الجماع ناسيا لما ذكرناه "أو أكل" وشرب عمدا "بعد ما نوى" منشئا نيته "نهارا" أكده بقوله "ولم يبيت نيته" عند الإمام قال النسفي لا يجب التفكير بالإفطار إذا نوى الصوم من النهار لشبهة عدم صيامه عند الشافعي ﵀ وينبغي على إذا هذا لم يعين الفرض فيها ليلا "أو أصح مسافرا" وكان قد نوى الصوم ليلا ولم ينقض عزيمته "فنوى الإقامة ثم أكل" لا تلزمه الكفارة وإن حرم أكله "أو سافر" أي أنشأ السفر "بعد ما أصبح مقيما" ناويا من الليل "فأكل" في حالة السفر وجامع عمدا لشبهة السفر وإن لم يحل له الفطر فإن رجع إلى وطنه لحاجة نسيها فأكل في منزله عمدا أو قبل انفصاله عن العمران لزمته الكفارة لان نتقاض السفر بالرجوع "أو أمسك" يوما كاملا "بلا نية صوم ولا بنية فطر" لفقد شرط الصحة "أو تسحر" أي أكل السحور بفتح السين اسم للمأكول في السحر وهو السدس الأخير من الليل "أو جامع شاكا في طلوع الفجر" قيد في الصورتين "وهو" أي والحال أن الفجر "طالع" لا كفارة عليه للشبهة لأن الأصل بقاء الليل ويأثم إثم ترك التثبت مع الشك لا إثم جناية الإفطار إذا لم يتبين له شيء لا يجب عليه القضاء أيضا بالشك لأن الأصل بقاء الليل فلا يخرج بالشك وروي عن أبي حنيفة أنه قال أساء بالأكل مع الشك إذا كان ببصره علة أو كانت الليلة مقمرة أو متغيبة أو كان في مكان لا يتبين فيه الفجر لقوله ﵇: "دع ما يربيك إلى ما لا يربيك" "أو أفطر يظن الغروب" أي غلبة الظن لا مجرد الشك لأن الأصل بقاء النهار
стр. 305
والشمس باقية أو أنزل بوطء ميتة أو بهيمة أو بتفخيذ أو بتبطين أو قبلة أو لمس أو أفسد صوم غير أداء رمضان أو وطئت وهي نائمة أو أقطرت في فرجها على الأصح أو أدخل أصبعه مبلولة بماء أو دهن في دبره أو أدخلته في فرجها الداخل في المختار أو أدخل قطنة في دبره وغيبها أو في فرجها الداخل أو أدخل حلقة دخانا بصنعه أو استقاء ولو دون ملء الفم في ظاهر الرواية وشرط أبو يوسف ملء الفم وهو الصحيح أو أعاد ما ذرعه من القيء وكان ملء الفم وهو ذاكر
ــ
فلا يكفي الشك لإسقاط الكفارة على إحدى الروايتين بخلاف الشك في طلوع الفجر عملا بالأصل في كل محل "و" كانت "الشمس" حال فطره "باقية" لا كفارة عليه لما ذكرنا وأما لو شك في الغروب ولم يتبين له شيء ففي لزوم الكفارة روايتان وما اختار الفقيه أبي جعفر لزومها وإذا غلب على ظنه أنها لم تغرب فأفطر عليه الكفارة سواء تبين أنه أكل قبل الغروب أو لم يتبين له شيء لأن الأصل بقاء النهار غلبة الظن كاليقين "أو أنزل بوطء ميتة" أو بهيمة لقصور الجناية، "أو" أنزل "بتفخيذ أو بتبطين" أو عبث بالكف "أو" أنزل من "قبلة أو لمس" لا كفارة عليه لم ذكرنا "أو أفسد صوم غير أداء رمضان" بجماع أو غيره لعدم هتك حرمة الشهر "أو وطئت وهي نائمة" أو بعد طروء الجنون عليها وقد نوت ليلا فسد بالوطء ولا كفارة عليها لعدم جنايتها حتى لو لم يوجد مفسد صح صومها ذلك اليوم لأن الجنون الطارئ ليس مفسدا للصوم "أو أفطرت في فرجها على الأصح" لشبهه بالحقنة "أو أدخل أصبعه مبلولة بماء أودهن في دبره" أو استنجى فوصل الماء إلى داخل دبره أو فرجها الداخل بالمبالغة فيه والحد الفاصل الذي يتعلق بالوصول إليه الفساد قدر الحقنة وقلما يكون ذلك ولو خرج صرمه فغسله إن نشفه قبل أن يقوم ويرجع لمحله لا يفسد صومه لزوال الماء الذي اتصل به "أو أدخلته" أي أصبعها مبلولة بماء أو دهن "في فرجها الداخل في المختار" لما ذكرنا "أو أدخل قطنة" أو خرقة أو خشبة أو حجرا "في دبره أو" أدخلته "في فرجها الداخل وغيبها" لأنه تم الدخول بخلاف ما لو بقي طرفها خارجا لأن عدم تمام الدخول كعدم دخول شيء بالمرة "أو أدخل دخانا بصنعه" متعمدا إلى جوفه أو دماغه لوجود الفطر هذا في دخان غير العنبر والعود وفيهما لا يبعد لزوم الكفارة أيضا للنفع والتداوي وكذا الدخان الحادث شربه وابتدع بهذا الزمان كما قدمناه "أو استقاء" أي تعمد إخراجه "ولو دون ملء الفم في ظاهر الرواية" لإطلاق قوله ﷺ : "من استقاء عمدا فليقض"، "وشرط أبو يوسف ﵀" أن يكون "ملء الفم وهو الصحيح" لأن ما دونه كالعدم حكما حتى لا ينقض الوضوء "أو أعاد" بصنعه "ما ذرعه" أي غلبه "من القيء وكان ملء الفم" وفي الأقل منه روايتان في الفطر وعدمه بإعادته "وهو ذاكر" لصومه إذ لو كان
стр. 306
لصومه أو أكل ما بين أسنانه وكان قد الحمصة أو نوى الصوم نهارا بعدما أكل ناسيا قبل إيجاد نيته من النهار أو أغمي عليه ولو جميع الشهر إلا أنه لا يقضي اليوم الذي حدث فيه الإغماء أو حدث في ليلته أو جن غير ممتد جميع الشهر ولا يلزمه قضاؤه بإقامته ليلا أو نهارا بعد فوات وقت النية في الصحيح.
فصل
يجب الإمساك بقية اليوم على من فسد صومه وعلى حائض ونفساء طهرتا بعد طلوع الفجر وعلى صبي بلغ وكافر أسلم بعد الطلوع وعليهم القضاء إلا الأخيرين.
ــ
ناسيا لم يفطر لما نقدم "أو أكل ما" بقي من سحوره "بين أسنانه وكان قدر الحمصة" لإمكانه الاحتراز عنه بلا كلفة "أو نوى الصوم نهارا بعد ما أكل ناسيا قبل أيجاد نيته" الصوم "من النهار" كما ذكرته في حاشيتي على الدرر والغرر "أو أغمي عليه" لأنه نوع مرض "ولو" استوعب "جميع الشهر" بمنزلة النوم بخلاف المجنون "إلا أنه لا يقضي اليوم الذي حدث فيه الإغماء أو حدث في ليلته" لوجود شرط الصوم وهو النية حتى لو تيقن عدمها لزمه الأول أيضا "أو جن" جنونا "غير ممتد جميع الشهر" بأن أفاق في وقت النية نهارا لأنه لا حرج في قضاء ما دون شهر "و" استوعبه شهرا "لا يلزمه قضاؤه" ولو حكما "بإفاقته ليلا" فقط "أو نهارا بعد فوات وقت النية في الصحيح" وعليه الفتوى لأن الليل لا يصام فيه ولا فيما بعد الزوال كما في مجموع النوازل والمجتبى والنهاية وغيرها وهو مختار شمس الأئمة وفي الفتح يلزمه قضاؤه بإقامته فيه مطلقا.
فصل
"يجب" على الصحيح وقيل يستحب "الإمساك بقية اليوم على من فسد صومه ولو بعذر ثم زال "وعلى حائض ونفساء طهرتا١ بعد طلوع الفجر" ومسافر أقام ومريض برأ ومجنون أفاق "وعلى صبي بلغ وكافر أسلم" لحرمة الوقت بالقدر الممكن "وعليهم القضاء إلا الأخيرين" الصبي إذا بلغ والكاف أسلم لعدم الخطاب عند طلوع الفجر عليهما وعلمت الخلاف في إقامة المجنون.
стр. 307
فصل فيما يكره للصائم وما لا يكره وما يستحب
كره للصائم سبعة أشياء ذوق شيء ومضغه بلا عذر ومضغ العلك والقبلة والمباشرة إن لم يأمن فيهما على نفسه الإنزال أو الجماع في ظاهر الرواية وجمع الريق في الفم ثم ابتلاعه وما ظن أنه يضعفه كالفصد والحجامة.
وتسعة أشياء لا تكره للصائم القبلة والمباشرة مع الأمن،....................
ــ
فصل فيما يكره للصائم وما لا يكره، وما يستحب له
"كره للصائم سبعة أشياء ذوق شيء" لما فيه من تعريض الصوم للفساد ولو نفلا على الذهب "و" كره "مضغة بلا عذر" كالمرأة إذا وجدت من يمضغ الطعام لصبيها أو كمفطرة لحيض أما إذ لم تجد بدا منه فلا بأس بمضغها لصيانة الولد واختلف فيما إذا خشي الغين لشراء مأكول يذاق. وللمرأة ذوق الطعام إذا كان زوجها سيئ الخلق لتعلم ملوحته وإن كان حسن الخلق فلا يحل لها وكذا الأمة قلت وكذا الأجير "و" كره "مضغ العلك" الذي لا يصل١ منه شيء إلى الجوف مع الريق. العلك هو المصطكي وقيل اللبان الذي هو الكندر لأنه يتهم بالإفطار بمضغه سواء المرأة والرجل قال الإمام علي ﵁: إياك وما يسبق إلى العقول إنكاره وإن كان عندك اعتذاره. وفي غير الصوم يستحب للنساء وكره للرجال إلا في خلوة وقيل يباح لهم "و" كره له "القبلة والمباشرة" الفاحشة وغيرها "إن لم يأمن فيهما على الإنزال أو الجماع في ظاهر الرواية" لما فيه من تعريض الصوم للفساد بعاقبة الفعل ويكره التقبيل الفاحش بمضغ شفتها كما في الظهيرية "و" كره له "جمع الريق في الفم" قصدا "ثم ابتلاعه" تحاشيا عن الشبهة "و" كره له فعل "ما ظن أنه يضعفه" عن الصوم "كالفصد والحجامة" والعمل الشاق لما فيه من تعريض الإفساد.
"وتسعة أشياء لا تكره للصائم" وهي وإن علمت بالمفهوم ساغ ذكرها للدليل "القبلة والمباشرة مع الأمن" من الإنزال والوقاع لما روي عن عائشة ﵂ أنه علية الصلاة والسلام كان يقبل ويباشر وهو صائم رواه الشيخان وهذا ظاهر الرواية وعن محمد أنه كره الفاحشة وهي رواية الحسن عن الإمام لأنها لا تخلو
стр. 308
ودهن الشارب والكحل والحجامة والفصد والسواك آخر النهار بل هو سنة كأوله ولو كان رطبا أو مبلولا بالماء والمضمضة والاستنشاق لغير وضوء والاغتسال والتلفف بثوب متبل للتبرد على المفتى به. ويستحب له ثلاثة أشياء السحور وتأخيره وتعجيل الفطر في غير يوم غيم.
ــ
عن فتنة وفي الجوهرة وقيل إن المباشرة تكره وإن أمن على الصحيح وهي أن يمس فرجه فرجها "ودهن الشارب" بفتح الدال على أنه مصدر وبضمها على إقامة اسم العين مقام المصدر لأنه ليس فيه شيء ينافي الصوم "والكحل" لأنه ﵊ اكتحل وهو صائم "والحجامة" التي لا تضعفه عن الصوم "والفصد" كالحجامة وذكر شيخ الإسلام أن شرط الكراهة ضعف يحتاج فيه إلى الفطر "و" لا يكره له "السواك آخر النهار بل هو سنة كأوله" لقوله ﵊: "من خير خلال الصائم السواك" وفي الكفاية كان النبي ﷺ يستاك أول النهار وآخره وهو صائم وفي الجامع الصغير للسيوطي: "السواك سنة فاستاكوا أي وقت شئتم" ولقوله ﷺ : "صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بلا سواك" وهي عامة لوصفها بصفة عامة تصدق بعصر الصائم كما في الفتح "و" لا يكره و "لو كان رطبا" أخضر "أو مبلولا بالماء" لإطلاق ما روينا "و" لا يكره له "المضمضة و" لا "الاستنشاق" وقد فعلهما "لغير وضوء و" لا "الاغتسال و" لا "التلفف بثوب مبتل" قصد ذلك "للتبرد" ودفع الحر "على المفتى به" وهو قول أبي يوسف لأن النبي ﷺ "صب على رأسه الماء وهو صائم" من العطش أو من الحر رواه أبو داود وكان ابن عمر ﵄ يبل الثوب ويلقه عليه وهو صائم ولأن بهذه عونا على العبادة ودفعا للضجر الطبيعي وكرهها أبو حنيفة لما فيه من إظهار الضجر في إقامة العبادة.
"ويستحب له ثلاثة أشياء السحور" لقوله ﷺ : "تسحروا فإن في السحور بركة" حصول التقوى به وزيادة الثواب ولا يكثر منه لإخلاله عن المراد كما يفعله المترفهون "و" يستحب "تأخيره" لقوله ﷺ : "ثلاث من أخلاق المرسلين تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليمين على الشمال في الصلاة" "وتعجيل الفطر في غير يوم غيم" وفي الغيم يحتاط حفظا للصوم عن الإفساد والتعجيل المستحب قبل استفحال النجوم ذكره قاضيخان والبركة ولو بالماء قال ﷺ : "السحور بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين" رواه أحمد ﵀.
стр. 309
فصل في العوارض
لمن خاف زيادة المرض، أو بطء البرء الفطر ولحامل ومرضع خافت نقصان العقل أو الهلال أو المرض على نفسها أو ولدها نسبا كان أو رضاعا، والخوف المعتبر ما كان مستندا لغلبة الظن بتجربة أو إخبار طبيب مسلم حاذق عدل، ولمن حصل له عطش شديد أو جوع يخاف منه الهلاك، وللمسافر الفطر...............
ــ
فصل في العوارض
جمع عارض بالمرض والسفر والإكراه والحبل والرضاع والجوع والعطش والهرم بها يباح الفطر فيجوز "لمن خاف" وهو مريض "زيادة المرض" بكم أو كيف لو صام والمرض معنى يوجب تغير الطبيعة إلى الفساد ويحدث أولا في الباطن ثم يظهر أثره وسواء كان لوجع عين أو جراحة أو صداع أو غيره "أو" خاف "بطء البرء" بالصوم جاز له الفطر لأنه قد يفضي إلى الهلاك فيجب الاحتراز عنه والغازي إذا كان يعلم يقينا أو بغلبة الظن القتال بكونه بإزاء العدو ويخاف الضعف عن القتال وليس مسافرا له الفطر قبل الحرب ومن له نوبة حمى أو عادة حيض لا بأس بفطره على ظن وجوده فإن لم يوجد اختلف في لزوم الكفارة والأصح عدم لزومها عليهما وكذا أهل الرستاق ولو سمعوا الطبل يوم الثلاثين فظنوا عيدا فأفطروا ثم تبين أنه لغيره لا كفارة عليهم "و" يجوز الفطر "لحامل ومرضع خافت" على نفسها "نقصان العقل أو الهلاك أو المرض" سواء كان "على نفسها أو ولدها نسبا أو رضاعا" ولها شرب الدواء إذا أخبر الطبيب أن يمنع استطلاق بطن الرضيع وتفطر لهذا العذر لقوله ﷺ : "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلى والمرضع الصوم" ومن قيد بالمستأجرة للإرضاع فهو مردود.
"والخرف المعتبر" لإباحة الفطر طريق معرفته أمران أحدهما "ما كان مستندا" فيه "لغلبة الظن" فإنها بمنزلة اليقين "بتجربة" سابقة والثاني قوله "أو إخبار طبيب" مسلم حاذق عدل عالم بداء كذا في البرهان وقال الكمال مسلم حاذق غير ظاهر الفسق وقيل عدالته شرط "و" جاز الفطر "لمن حصل له عطش شديد وجوع" الفرط "يخاف منه الهلاك" أو نقصان العقل أو ذهاب بعض الحواس وكان ذلك لا بإتعاب نفسه إذ لو كان به تلزمه الكفارة وقيل لا "وللمسافر" الذي أنشأ السفر قبل طلوع الفجر إذ لا يباح له الفطر بإنشائه بعد ما أصبح صائما بخلاف ما لو حل به مرض بعده فله "الفطر" لقوله
стр. 310
وصومه أحب إن لم يضره ولم تكن عامة رفقته مفطرين ولا مشتركين في النفقة فإن كانوا مشتركين أو مفطرين فالأفضل فطره موافقة للجماعة، ولا يجب الإيصاء على من مات قبل زوال عذره "بمرض وسفر ونحوه كما تقدم" "*"، وقضوا ما قدروا على قضائه بقدر الإقامة والصحة ولا يشترط التتابع في القضاء.
فإن جاء رمضان آخر قدم على القضاء ولا فدية بالتأخير إليه، ويجوز الفطر لشيخ فان وعجوز فانية وتلزمهما الفدية.........
ــ
تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ولما رويناه "وصومه" أي المسافر "أحب أن لم يضره" لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] "و" هذا إذا "لم تكن عامة رفقته مفطرين ولا مشتركين في النفقة فإن كانوا مشتركين أو مفطرين فالأفضل فطره" أي المسافر "موافقه للجماعة" كما في الجوهرة "ولا يجب الإيصاء" بكفارة ما أفطره "على من مات قبل زوال عذره" بمرض وسفر ونحوه كما تقدم من الأعذار المبيحة للفطر لفوات إدراك عدة من أيام أخر "و" إن أدركوا العدة "قضوا ما قدروا على قضائه" وإن لم يقضوا لزمهم الإيصاء "بقدر الإقامة" من السفر "والصحة" من المرض وزوال العذر اتفاقا على الصحيح والخلاف فيمن نذر أن يصوم شهرا إذا برأ ثم برأ يوما يلزمه الإيصاء بالإطعام لجميع الشهر عندهما وعند محمد قضى ما صح فيه "ولا يشترط التتابع في القضاء" لإطلاق النص لكن المستحب التتابع وعدم التأخير عن زمان القدرة مسارعة إلى الخير وبراءة الذمة.
تنبيه
أربعة متتابعة بالنص أداء رمضان وكفارة الظهار والقتل واليمين والمخير فيه قضاء رمضان وفدية الحلق لأذى برأس المحرم والمتعة وجزاء الصيد وثلاثة لم تذكر في القرآن وثبتت بالإخبار صوم كفارة الإفطار عمدا في رمضان وهو متتابع والتطوع متخير فيه والنذر وهو على أقسام إما أن بنذر أياما متتابعة معينة أو غير معينة بخصوصها أو منه ما لزم بنذر الاعتكاف وهو متتابع وإن لم ينص عليه إلا أن يصرح بعدم التتابع في النذر.
"فإن جاء رمضان آخر" ولم يقض الفائت "قدم" الأداء "على القضاء" شرعا حتى لو نواه عن القضاء لا يقع إلا عن الأداء كما تقدم "ولو فدية بالتأخير إليه" لإطلاق النص "ويجوز الفطر لشيخ فان وعجوز فانية" سمي فانيا لأنه قرب إلى الفناء أو فنية قوته وعجز عن الأداء "وتلزمهما الفدية" وكذا من عجز عن نذر الأبد لا لغيرهم
стр. 311
لكل يوم نصف صاع من بر، كمن نذر صوم الأبد فضعف "عنه لاشتغاله بالمعيشة يفطر ويفدي"*"" فإن لم يقدر على الفدية لعسرته يستغفر الله سبحانه ويستقيله ولو وجبت عليه كفارة يمين أو قتل فلم يجد ما يكفر به من عتق وهو شيخ فان أو لم يصم "حتى صار فانيا""*" لا يجوز له الفدية "لأن الصوم هنا بدل عن غيره""*" ويجوز للمتطوع الفطر بلا عذر في رواية.......................
ــ
من ذوي الأعذار "لكل يوم نصف صاع من بر" أو قيمته بشرط دوام عجز الفاني والفانية إلى الموت ولو كان مسافرا أو مات قبل الإقامة لا تجب عليه الفدية بفطره في السفر "كما نذر صوم الأبد فضعف عنه" لاشتغاله بالمعيشة يفطر ويفدي للتيقن لعدم قدرته على القضاء "فإن لم يقدر" من تجوز له الفدية "على الفدية لعسرته يستغفر الله سبحانه ويستقبله" أي يطلب منه العفو عن تقصيره في حقه "و" لا تجوز الفدية إلا عن صوم هو أصل بنفسه لا بدل عن١ غيره حتى "ولو وجبت عليه الكفارة يمين أو قتل" أو إظهار أو إفطار "فلم يجد ما يكفر به من عتق" وإطعام وكسوة "وهو شيخ فان أو لم يصم" حال قدرته على الصوم حتى صار فانيا "لا تجوز له الفدية" لأن الصوم بدل عن غيره وهو التكفير بالمال ولذا لا يجوز المصير إلى الصوم إلا عند العجز عما يكفر به من المال فإن أوصى بالتكفير نفذ من الثلث ويجوز في الفدية الإباحة في الطعام أكلتان مشبعتان في اليوم كما يجوز التمليك بخلاف صدقة الفطر فإنه لا بد فيها من التمليك كالزكاة. اعلم أن ما شرع بلفظ الإطعام أو الطعام يجوز فيه التمليك والإباحة وما شرع بلفظ الإيتاء أو الأداء يشترط فيه التمليك "ويجوز للمتطوع" بالصوم "الفطر بلا عذر في رواية" عن أبي يوسف قال الكمال واعتقادي أنها أوجه لما روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت دخل النبي ﷺ ذات يوم فقال: "هل عندكم شيء؟ " فقلنا: "لا" فقال: "إني إذا صائم" ثم أتى في يوم آخر فقلنا يا رسول الله أهدي إلينا حيس فقال: "أرينه ففلد أصبحت صائما" فأكل وزاد النسائي: "ولكن أصوم يوما مكانه" وصحح هذه الزيادة أبو محمد عبد الحق وذكر الكرخي وأبو بكر أنه ليس له أن يفطر إلا من عذر وهو ظاهر الرواية لما روي أنه ﵊ قال: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصل" أي فليدع قال القرطبي: ثبت هذا الحديث عنه ﵊ ولو كان الفطر جائزا كان الأفضل الفطر لإجابة الدعوة التي هي السنة وصححه في المحيط. اعلم أن فساد
стр. 312
والضيافة عذر على الأظهر للضيف والمضيف وله البشارة بهذه الفائدة الجليلة، وإذا أفطر على أي حال عليه القضاء إلا إذا شرع متطوعا في خمسة أيام يومي العيدين وأيام التشريق فلا يلزمه قضاءها بإفسادها في ظاهر الرواية والله اعلم.
ــ
الصوم والصلاة بلا عذر بعد الشروع فيهما نفلا مكروه وليس بحرام لأن الدليل ليس قطعي الدلالة وإن لزم القضاء وإذا عرض عذر أبيح للمتطوع الفطر اتفاقا "والضيافة عذر على الأظهر للضيف والمضيف" فيما قبل الزوال لا بعده إلا أن يكون في عدم فطره بعده عقوق لأحد الأبوين لا غيرهما للتأكد ولو حلف شخص بالطلاق ليفطرن فالاعتماد على أنه يفطر ولو بعد الزوال ولا يخشاه لرعاية حق أخيه "ولو البشارة بهذه الفائدة الجليلة" قال في التجنيس والمزيد: رجل أصبح صائما متطوعا فدخل على أخ من إخوانه فسأله أن يفطر لا بأس بأن يفطر لقول النبي ﷺ : "من أفطر لحق أخيه يكتب له ثواب الصوم ألف يوم ومتى قضى يوما يكتب له ثواب صوم ألفي يوم" ونقله أيضا في التتارخانية والمحيط والمبسوط "وإذا أفطر" المتطوع "على أي حال" كان "عليه القضاء" لا خلاف بين أصحابنا في وجوب صيانة لما مضى عن البطلان "إلا إذا شرع متطوعا" بالصوم "في خمسة أيام يومي العيدين وأيام التشريق فلا يلزمه قضاؤه بإفسادها في ظاهر الرواية" عن أبي حنيفة ﵀ لأن صومها مأمور بنقضه ولم يجز لأن بنفس الشروع ارتكب المنهي عنه للإعراض عن ضيافة الله تعالى فأمر بقطعه وعن أبي يوسف ومحمد عليه القضاء يعني وإن وجب الفطر وفيما ذكرنا إشارة إلى قضاء نفل الصلاة التي قطعه عند نحو الطلوع كما تقدم والله الموفق بمنه الأعظم للدين الأقوم.
стр. 313
باب ما يلزم الوفاء به
إذا نذر شيئا لزمه الوفاء به إذا اجتمع فيه ثلاثة شروط: أن يكون من جنسه واجب،
ــ
باب ما يلزم الوفاء به
من منذور الصوم والصلاة وغيرهما: "إذا نذر شيئا" من القربات "لزمه الوفاء به" لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] وقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" رواه البخاري، والإجماع على وجوب الإيفاء به وبه استدل القائلون بافتراضه ونذر من باب ضرب وفي لغة قتل والمنذور يلزمه "إذا اجتمع فيه" أي المنذور "ثلاثة شروط" أحدها "أن من جنس واجب"١ بأصله وإن حرم ارتكابه
стр. 314
وأن يكون مقصودا وأن يكون ليس واجبا فلا يلزم الوضوء بنذره ولا سجدة التلاوة ولا عيادة المريض ولا الواجبات بنذرها ويصح بالعتق والاعتكاف والصلاة غير
ــ
لوصفه: كصوم يوم النحر "و" الثاني "أن يكون مقصودا" لذاته لا لغيره كالوضوء "و" الثالث أن يكون "ليس واجبا" قبل نذره بإيجاب الله تعالى كالصلوات الخمس والوتر وقد زيد شرط رابع أن لا يكون المنذور محالا كقوله لله علي صوم أمس اليوم إذ لا يلزمه وكذا لو قال: تلزمني اليوم١ أمس، وكان قوله بعد الزوال ثم فرع على ذلك بقوله "فلا يلزمه الوضوء بنذره" ولا قراءة القرآن لكن الوضوء ليس مقصودا لأنه شرع شرطا لغيره كحل الصلاة "ولا سجدة التلاوة" لأنها واجبة بإيجاب الشارع "ولا عيادة المريض" إذ ليس من جنسها واجب وإيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى إذ له الاتباع لا الابتداع وهذا في ظاهر الرواية وفي رواية عن أبي حنيفة قال إن نذر أن يعود مريضا اليوم صح نذره وإن نذر أن يعود فلانا لا يلزمه شيء لأن عيادة المريض قربة قال ﵊: "عائد المريض على مخارف الجنة حتى يرجع" وعيادة فلان بعينه لا يكون معنى القربة فيها مقصودا للناذر بل مراعاة حق فلان فلا يصح التزامه بالنذر وفي الظاهر الراوية عيادة المريض وتشييع الجنازة وإن كان فيها معنى حق الله تعالى فالمقصود حق المريض والميت والناذر إنما يلتزم بنذره ما يكون مشروعا حقا لله تعالى مقصودا "ولا" يصح نذر "الواجبات" لأن إيجاب الواجب محال "بنذرها" لما بينا "ويصح" النذر "بالعتق" يعني الإعتاق لافتراض التحرير في الكفارات نصا "والاعتكاف" لأن من جنسه واجبا وهو القعدة الأخيرة في الصلاة فأصل المكث بهذه الصفة له نظير في الشرع والاعتكاف انتظار الصلاة فهو كالجالس في الصلاة فلذا صح نذره والحج ماشيا من قرب من مكة يلزمه ماشيا فالمشي بصفة مخصوصة له نظير في الشرع ويصح نذر العبد والمرأة الاعتكاف وللسيد والزوج المنع فيقضيانه بعد العتق والإبانة وليس للمولى منع المكاتب "و" وكذا يصح نذر "الصلاة غير المفروضة والصوم" والتصدق بالمال والذبح لظهور جنسها شرعا مثل الأضحية "فإن نذر" مكلف "نذرا" بشيء مما يصح نذره وكان "مطلقا" غير مقيد بوجود شيء كقوله لله علي أو أنذر لله علي صلاة ركعتين "أو معلقا بشرط" يريد كونه كقوله له إن رزقني الله غلاما فعلي إطعام عشرة مساكين "ووجد" الشرط "لزمه الوفاء به" لما تلونا وروينا وأما إذا علق النذر مما لا يريد كونه كقوله إن كلمت زيدا فلله علي عتق رقبة ثم كلمه فإنه يتخير بين الوفاء بما نذره من العتق وبين كفارة يمين على الصحيح وهو المفتى به لقوله
стр. 315
المفروضة والصوم فإن نذر نذرا مطلقا أو معلقا بشرط ووجد لزمه الوفاء به، وصح نذر صوم العيدين وأيام التشريق في المختار ويجب فطرها وقضاءها وإن صامها أجزأه مع الحرمة وألغينا تعيين الزمان والمكان والدرهم والفقير فيجزئة صوم رجب عن نذره صوم شعبان وتجزئه صلاة ركعتين بمصر نذر أداءهما بمكة والتصدق بدرهم عن درهم عينه له والصرف لزيد الفقير بنذره لعمرو،.................
ــ
ﷺ : "كفارة النذر كفارة اليمين" وحمل على ما ذكرناه "وصح نذر صوم" يومي "العيدين وأيام التشريق" لأن النهي عن صومها يحقق تصور الصوم منهيا ضرورة والنهي لغيره لا ينافي المشروعية فصح نذره "في المختار" وفي رواية لا يصح لأنه نذر بمعصية قلنا المعصية لمعنى الإعراض عن ضيافة الله تعالى فلا يمنع الصحة من حيث ذاته "و" لذلك "يجب فطرها" امتثالا للأمر لئلا يصير بصومها معرضا عن ضيافة الكريم "و" يجب "قضاؤها" لصحة النذر باعتبار الأصل "وإن صامها أجزأه" الصيام عن النذر "مع الحرمة" الحاصلة بالإعراض عن ضيافة الله تعالى "وألغينا تعيين الزمان و" تعيين "المكان و" تعيين "الدرهم و" تعيين "الفقير" لأن النذر إيجاب الفعل في الذمة من حيث هو قربة لا باعتبار وقوعه في زمان ومكان وفقير وتعيينه للتقدير به أو التأجيل إليه "فيجزئه صوم" شهر "رجب عن نذره صوم شعبان" لوجود السبب وهو النذر والقربة لقهر النفس لا بوقوعه في شهر بعينه وفي تعجيله نفع له بتحصيل ثواب قد يفوت بموته أو طروء مانع قبل مجيء الوقت وإن كان بإضافته قصد التخفيف حتى لو مات قبل مجيء ذلك الوقت لا يلزمه شيء فأعطيناه مقصوده "وتجزئ صلاة ركعتين" فأكثر إذا صلى المنذور "بمصر" مثلا وقد كان "نذر أدائهما" أي صلاتهما "بمكة" أو المسجد النبوي أو الأقصى لأن الصحة باعتبار القربة لا المكان لأن الصلاة تعظيم الله تعالى بجميع البدن وفي هذا المعنى الأمكنة كلها سواء وإن تفاوت الفضل "و" يجزئه "التصدق بدرهم" لم يعينه له "عن درهم عينه له" أي للتصدق المنذر "و" يجزئه "الصرف لزيد الفقير بنذره" أي مع نذره الصرف "لعمرو" لأن معنى عبادة الصدقة صلى خلة المحتاج أو إخراج ما يجري به الشح عن ملكه ابتغاء وجه الله وهذا المعنى حاصل بدون مراعاة زمان ومكان وشخص خلافا لزفر فاته يقول بالتعيين.
تنبيه
قال النبي ﷺ : "صلاة في بيت المقدس تعدل ألف صلاة فيما سواه من المساجد سوى المسجد الحرام ومسجدي هذا وصلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة في بيت المقدس وصلاة في المسجد الحرام تعدل ألف صلاة في مسجدي هذا" قلت ولا يختص
стр. 316
وإن علق النذر بشرط لا يجزئه عنه ما فعله قبل وجود شرطه.
ــ
الفضل بالبقعة التي كانت في زمنه ﷺ لأن النبي ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا ولو مد إلى صنعاء بألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام" قاله النسائي في أخبار المدينة كذا في ترتيب المقاصد الحسنة للسخاوي ﵀ وروى البزار بإسناد صحيح أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام فإنه يزيد مائة ألف صلاة" وفي حديث: "وشهر رمضان في مسجدي هذا أفضل من ألف شهر رمضان فيما سواه إلا المسجد الحرام" رواه البيهقي وهذا دليل لأهل السنة والجماعة أن لبعض الأمكنة فضيلة على بعض وكذا الأزمنة ولما سئل رسول الله ﷺ عن أفضل صلاة المرأة فقال: "في أشد مكان من بيتها ظلمة" فعلى هذا ينبغي أنها إذا التزمت الصلاة في المسجد الحرام بالنذر فصلت في أشد مكان من بيتها ظلمة تخرج عن موجب نذرها على ما يقول زفر ﵀.
"وإن علق" الناذر "النذر بشرط" كقوله إن قدم زيد فلله علي أن أتصدق بكذا "لا يجزئه عنه ما فعله قبل وجود شرطه" لأن المعلق بالشرط عدم قبول وجوده وإنما يجوز الأداء بعد وجود السبب الذي علق النذر به. والله المنان بفضله.
стр. 317
باب الاعتكاف
هو الإقامة بنيته في مسجد تقام فيه الجماعة بالفعل للصلوات الخمس فلا يصح في مسجد لا تقام فيه الجماعة للصلوات على المختار...........
ــ
باب الاعتكاف ١
هو لغة اللبث والدوام على شيء وهو متعد فمصدره العكف ولازم فمصدره العكوف فالمتعدي بمعنى الحبس والمنع ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً﴾ [الفتح: ٢٥] ومنه الاعتكاف في المسجد لأنه حبس النقص ومنعها واللازم الإقبال على شيء بطريق المواظبة ومنه قوله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وشرعا "هو الإقامة بنيته" أي بنية الاعتكاف "في مسجد تقام فيه الجماعة بالفعل للصلوات الخمس" لقول علي وحذيفة ﵄: "لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة ولأنه انتظار الصلاة على أكمل الوجوه بالجماعة "فلا يصح في مسجد لا تقام فيه الجماعة لصلاة" في الأوقات الخمس "على المختار" عن أبي يوسف الاعتكاف الواجب
стр. 318
وللمرأة الاعتكاف في مسجد بيتها وهو محل عينته للصلاة فيه.
والاعتكاف على ثلاثة أقسام واجب في المنذور وسنة كفاية مؤكدة في العشر الأخير من رمضان ومستحب فيما سواه والصوم شرط لصحة المنذور فقط،.....................
ــ
لا يجوز في غير مسجد الجماعة والنقل يجوز وهذا في حق الرجال "وللمرأة الاعتكاف في مسجد بيتها وهو محل عينته" المرأة "للصلاة فيه" فإن لم تعين لها محلا لا يصح لها الاعتكاف فيها وهي ممنوعة من حضور المساجد والركن اللبث وشرط المسجد المخصوص والنية والصوم في المنذور والإسلام والعقل لا البلوغ والطهارة من حيض ونفاس في المنذور لا اشتراط الصوم لها ولا تشترط الطهارة من الجنابة لصحة الصوم معها ولو في المنذور وسببه النذر في المنذور والنشاط الداعي إلى طلب الثواب في النفل وحكمه سقوط الواجب ونيل الثواب إن كان واجبا وإلا فالثاني سنذكر محاسنه.
وأما صفته فقد بينها بقوله "والاعتكاف" المطلوب شرعا "على ثلاثة أقسام واجب في المنذور" تنجيزا أو تعليقا "وسنة" كفاية "مؤكدة في العشر الأخير من رمضان" لا اعتكافه ﷺ العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه بعده لأنه ﷺ لما اعتكف العشر الأوسط أتاه جبريل ﵇ فقال: "إن الذي تطلب أمامك" يعني ليلة القدر فاعتكف العشر الأخير وعلى هذا ذهب الأكثر إلى أن ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان فمنهم من قال في ليلة إحدى وعشرين ومنهم في سبع وعشرين وفي الصحيح: "التمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر" وعن أبي حنيفة أنها في رمضان ولا يدري أي ليلة هي وقد تتقدم وقد تتأخر وعندهما كذلك إلا أنه معينة لا تتقدم ولا تتأخر والمشهور عن الإمام أنها تدور في السنة كما قدمناه في إحياء الليالي وذكرت هنا طلبا لزيادة الثواب وقيل في أول ليلة من رمضان وقيل ليلة تسع وعشرين وقال زيد بن ثابت ليلة أربع وعشرين وقال عكرمة ليلة خمس وعشرين. وأجاب أبو حنيفة عن الأدلة المفيدة لكونها في العشر الأواخر بأن المراد في ذلك لرمضان الذي التمسها ﵇ فيه ومن علامتها أنها بلجة ساكنة لا حارة ولا قارة تطلع الشمس صبيحتها بلا شعاع كأنها طشت وإنما أخفيت ليجتهد في طلبها فينال بذلك أجر المجتهد في العبادة كما أخفى الله الساعة ليكونوا على وجل من قيامها بغتة والله أعلم.
"و" القسم الثالث "مستحب فيما سواه" أي في أي وقت شاء سوى العشر الأخير ولم يكن منذورا "والصوم شرط لصحة" الاعتكاف "المنذور" ولا نذر لأنه من متعلقات اللسان بخلاف النية فإن محلها القلب "فقط" وليس شرطا في النفل لقوله ﷺ : "ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه" ومبنى النفل على المساهلة وروى الحسن أنه يلزمه الصوم بتقديره عليها باليوم كالمنذور أقله يوما للصوم،
стр. 319
وأقله نفلا مدة يسيرة ولو كان ماشيا على المفتى به، ولا يخرج منه إلا لحاجة شرعية كالجمعة أو طبيعية كالبول أو ضرورية كانهدام المسجد وإخراج ظالم كرها وتفرق أهله وخوف على نفسه أو متاعه من المكابرين فيدخل مسجدا غيره من ساعته فإن خرج ساعة بلا عذر فسد الواجب وانتهى به غيره، وأكل المعتكف وشربه ونومه وعقده البيع لما يحتاجه لنفسه أو عياله في المسجد، وكره إحضار المبيع فيه وكره عقد ما كان للتجارة،.......................................
ــ
"و" لكن المعتمد أن "أقله نفلا مدة يسيرة" غير محدودة فيحصل بمجرد المكث مع النية "ولو كان" الذي نواه "ماشيا" أي مارا غير جالس في المسجد ولو ليلا وهو حيلة من أراد الدخول والخروج من باب آخر في المسجد حتى لا يجعله طريقا فإنه لا يجوز "على المفتى به" لأنه متبرع وليس الصوم من شرطه وكل جزء من اللبث عبادة مع النية بلا انضمام إلى آخر ولذا لم يلزم النفل فيه بالشروع لانتهائه بالخروج، "ولا يخرج منه" أي من معتكفه فيشمل المرأة المعتكفة بمسجد بيتها "إلا لحاجة شرعية" كالجمعة والعيدين فيخرج في وقت يمكنه إدراكها مع صلاة سنتها قبلها ثم يعود وإن أتم اعتكافه في الجامع صح وكره "أو" حاجة "طبيعية" كالبول والغائط وإزالة نجاسة واغتسال من جنابة باحتلام لأنه ﵇ كان لا يخرج من معتكفه إلا لحاجة الإنسان "أو" حاجة "ضرورية كانهدام المسجد" وأداء شهادة تعينت عليه "وإخراج ظالم كرها وتفرق أهله" لفوات ما هو المقصود منه "وخوف على نفسه أو متاعه من المكابرين فيدخل مسجدا من ساعته" يريد أن لا يكون خروجه إلا ليعتكف في غيره ولا يشتغل إلا بالذهاب إلى المسجد الآخر "فإن خرج ساعة بلا عذر" معتبر "فسد الواجب" ولا إثم به ويبطل بالإغماء والجنون إذا دام أياما إلا اليوم الأول إذا بقي وأتمه في المسجد ويقضي ما عداه بعد زوال الجنون وإن طال الجنون استحسانا وقالا إن خرج أكثر اليوم فسد وإلا فلا "وانتهى به" أي بالخروج "غيره" أي غير الواجب وهو النفل إذ ليس له حد "وأكل١ المعتكف وشربه ونومه وعقده البيع لما يحتاجه لنفسه أو عياله" لا يكون إلا "في المسجد" لضرورة الاعتكاف حتى لو خرج لهذه الأشياء يفسد اعتكافه وفي الظهيرية وقيل يخرج بعد الغروب للأكل والشرب "وكره إحضار المبيع فيه" لأن المسجد محرر عن حقوق العباد فلا يجعله كالدكان "وكره عقد ما كان للتجارة" لأنه منقطعا إلى الله
стр. 320
وكره الصمت إن اعتقده قربة والتكلم إلا بخير، وحرم الوطء ودواعيه وبطل بوطئه وبالإنزال بدواعيه، ولزمته الليالي أيضا بنذر اعتكاف أيام ولزمته الأيام بنذر الليالي متتابعة وإن لم يشترط التتابع في ظاهر الرواية ولزمته ليلتان بنذر يومين وصح نية النهر خاصة دون الليالي وإن نذر اعتكاف شهر ونوى النهر خاصة أو الليالي خاصة لا تعمل نيته إلا أن يصرح بالاستثناء.................
ــ
تعالى فلا يشتغل بأمور الدنيا ولهذا كره الخياطة ونحوها فيه وكره لغير المعتكف البيع مطلقا "وكره الصمت إن اعتقده قربة والتكلم إلا بخير" لأنه منهي عنه لأنه صوم أهل الكتاب وقد نسخ وأما إذا لم يعتقده قربة فيه ولكنه حفظ لسانه عن النطق بما لا يفيد فلا بأس به ولكنه يلازم قراءة القرآن والذكر والحديث والعلم ودراسته وسير النبي ﷺ وقصص الأنبياء ﵈ وحكايات الصالحين وكتابه أمور الدين. وأما التكلم بغير خير فلا يجوز لغير المعتكف والكلام المباح مكروه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب إذا جلس في المسجد لذلك ابتداء "وحرم الوطء ودواعيه" لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فالتحق به اللمس والقبلة لأن الجماع محظور فيه فيتعدى إلى دواعيه كما في الإحرام والظهار والاستبراء بخلاف الصوم لأن الكف عن الجماع هو الركن فيه والحظر يثبت ضمنا كيلا يفوت الركن فلم يتعد إلى دواعيه لأن ما ثبت بالضرورة يقدر بقدرها "وبطل" الاعتكاف "بوطئه وبالإنزال بدواعيه" سواء كان عامدا أو ناسيا أو مكرها ليلا أو نهارا لأن له حالة مذكرة كالصلاة والحج بخلاف الصوم ولو أمنى بالتفكر أو بالنظر لا يفسد اعتكافه "ولزمته الليالي أيضا" أي كما لزمته الأيام "بنذر اعتكاف أيام" لأن ذكر الأيام بلفظ الجمع يدخل فيها ما بإزائها من الليالي وتدخل الليلة الأولى فيدخل المسجد قبل الغروب من أول ليلة ويخرج منه بعد الغروب من آخر أيامه "ولزمته الأيام بنذر الليالي متتابعة وإن لم يشرط التتابع في ظاهر الرواية" لأن مبنى الاعتكاف على التتابع وتأثيره إن ما كان متفرقا في نفسه لا يجب الوصل فيه بالتنصيص وما كان متصل الأجزاء لا يجوز تفريقه إلا بالتنصيص "ولزمته ليلتان بنذر يومين" فيدخل عند الغروب كما ذكرنا لأن المثنى في معنى الجمع فيلحق به هنا احتياطا "وصح نية النهر" جمع نهار "خاصة" بالاعتكاف إذا نوى تخصيصه بالأيام "دون الليالي" إذا نذر اعتكاف دون شهر لأنه نوى حقيقة كلامه فتعمل نيته كقوله نذرت اعتكاف عشرين يوما ونوى بياض النهار خاصة منها صحت نيته "وإن نذر اعتكاف شهر" معين أو غير معين "ونوى الشهر خاصة أو الليالي خاصة لا تعمل نيته إلا أن يصرح بالاستثناء" اتفاقا لأن الشهر اسم لمقدر يشتمل على الأيام والليالي وليس باسم عام كالعشرة على مجموع الآحاد فلا ينطلق على ما دون ذلك العدد أصلا،