← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 4134

نخبة الفكر - دراسة عنها وعن منهجها

إبراهيم بن محمد نور سيف

Полный текст (71 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ال تمهيد أ- إن (من أهم أنواع العلوم: تحقيق معرفة الأحاديث النبويات ...، ومعرفة علم الأسانيد ...، ومعرفة حكم اختلاف الرواة في الأسانيد والمتون ...، ومعرفة الصحابة والتابعين وأتباعهم ...) (١) هذا العلم العظيم - أعني علم مصطلح الحديث؛ بمسائله المذكور طرف منها- يُعنى بمعالجة طريقة للتعلم؛ هي غاية في الأهمية، يأتي منشأ بنائها على الكيفية التي يحصل بها العلم للإنسان، التي إما أن تكون مباشرة أو بواسطة. ولقد قال الله جل ذكره: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] فقد هيأ في هذا البشر الذي خلقه سويا - أدوات التعلم ووسائل التلقي؛ لكي يعلم ويعقل ويتدبر المدركات، ويميز بين الأشياء. ولئن كان الحصول على العلم بالأسماع والأبصار عن طريق إدراك الوقائع بالحواس؛ بإدراك مباشر لها في حين وقوعها، وهو أحد طريقي العلم بها، فإن الطريق الثاني هو إدراكها بطريق غير مباشر، وهو طريق الخبر، وهو أوسعُ دائرةً وأرحبُ مجالاً، وهو منفصل عن وقوعها بفاصل زمني أو فاصل مكاني، أو بالفاصلين كليهما. ب - ومن هنا وجدنا علماء الحديث ﵏ يُعْنَوْنَ في علم مصطلح الحديث بقضية (الخبر) عناية فائقة، كي يُحافظوا عن طريق ذلك على الميراث النبوي العظيم الذي تتناقله الأجيال المُتعاقبة، فتكون سنة رسول الله

стр. 2

صلى الله عليه وسلم بينها حيّة ماثلة شاخصة، تهيئةً وَّتحقيقاً لِّلأمر الإلهي الكريم المُوجّه لهذه الأمة في جميع عصورها وأحوالها: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٩٥] وكان الردّ إلى رسول الله ﷺ في حياته، وبمُباشرة شخصه الكريم لذلك، مُبلّغا عن ربه ، حاكما بأمره. وصار الردّ بعد وفاته ﵊ إنما هو لِسُنّته وما جاء عنه من بيان للكتاب العزيز، وتفصيل لأمور التشريع، وتبليغ لمبعوثات الرسالة.

стр. 3

الفصل الأول: المنهج المُبتكر في (نخبة الفكر) كان علم (مصطلح الحديث) -كما هو مُقرّر في مُقدّمات كتبه - لم يأخذ في أوّل أمره طابع العلم المُستقلّ؛ المُدوّنة مسائله على حدة، بل كانت مسائله منثورة في كتب الحديث، ومذكورة في بعض مقدماتها، ومبثوثة في كتب العلوم الأخرى. (١) إلى أن شاء الله له أن يلبس ثوب الشخصية المُستقلّة، التي ذكروا من أوائل من صنعها: القاضي أبا محمد الرامهرمزي؛ رحمه الله تعالى. وكان الرامهرمزي رائدا في هذا المضمار، وتلاه من تلاه من المحدثين؛ الذين كانوا لا يزالون يتتبّعون المسائل، ويُدوّنون ما يقفون عليه منها، ويُودعونها مُؤلّفات لهم تفاوتت طولا وقِصرا، ومنهم الخطيب البغدادي الذي أوسع مسائله سبرا وجمعا، وتتبُّعا وتحريرا، حتى جاء الله على يديه بالخير الكثير، ونفع بعلمه من جاء بعده بنفع كبير. أما الرامهرمزي الأوّل، فإنه وإن كان ما طوّل، إلا أنّ رِيادته في هذا المجال تجعل عذره واضحا، ويكفيه شرفُ شقِّ طريقٍ لم يُسلَك قبله، وتمهيدُ مسالِكِهِ لمن يأتي من بعده.

стр. 4

ثم الخطيب البغدادي؛ ومَن بعده، وقد (جاء بعض من تأخّر عن الخطيب، فأخذ من هذا العلم بنصيب) على حدّ ما قاله الحافظ ابن حجر العسقلاني، بعد أن أشاد بكثرة ما فُتِح به على الخطيب. والحافظ ابن حجر نفسه ﵀ له مَوقعٌ مُهمٌّ جدا في حلقات هذا التسلسل الذي يُعنى بقضية (الخبر) ، وهو الذي أفصح عن القضية، فجاء بشيء مُبتكر، كما تحدّث به هو وقرّر، وقد صدق فيما قاله وبرَّ. وقد نبّه - قبل أن يقول ذلك- إلى جزالة ما جاء به الإمام ابن الصلاح في مقدمته المشهورة العظيمة، ونوّه بجهوده في أماليه الجليلة التي عُرفت فيما بعد باسم (مقدمة ابن الصلاح) ، فجاءت وقد بارك الله له فيها، قال الحافظ ابن حجر: (اعتنى بتصانيف الخطيب المُفرّقة فجمع شتات مقاصدها، وضمّ إليها من غيرها نُخَب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرّق في غيره، فلهذا عَكَف الناس عليه وساروا بسيره ...) إلى آخر ما ذكره ﵀ من أنّ المُعتنين بكتاب ابن الصلاح -بشتى وجوه العناية- أصبحوا لا يُحصَوْنَ كثرةً. ومع هذا نجد الحافظ ابن حجر يذكر بعد ذلك عن كتابه (نخبة الفكر) بأنه لخصه على منهج قال عنه: (على ترتيب ابتكرته، وسبيل انتهجته...) (١) ،

стр. 5

كما صرّح به في شرحه: (نزهة النظر) (١) . لقد جاءنا حديث نبوي شريف عن رسول الله ﷺ ، تكلّم به ﵊، ومحتواه مُسَلَّمٌ به، مُدْرَكٌ لّكلّ أحد، وهو قوله ﵊: "ليس الخبر كالمعاينة"، رواه من الصحابة الأجلاء عنه ﵊: ابنُ عباس (٢) ،

стр. 6

وأنسٌ (١) .

стр. 7

ورُوي عن أبي هريرة (١) ، ﵃ جميعا. ولما سبق ذِكرُهُ فقد جرَى مجرى المثل (٢) .

стр. 8

قال المناوي ﵀: (عُدَّ من جوامع الكَلِمِ والحِكَمِ) (١) . وقد تأمّلت مضمون هذا الحديث، ثم نظرت في الفائدة التي أفادها منه المحدثون رحمهم الله تعالى؛ فوجدتهم يَبنون كلامهم في علم (مصطلح الحديث) -المُسَمَّى (علوم الحديث) - على مُفَادِهِ، ويُقرّرون مسائل علمهم فيه؛ على ضوئه.

стр. 9

ذلك أن الحديث يُفيد أنّ للعلم الحاصل للإنسان طريقين؛ منصوصاً عليهما فيه: - أولهما: المُعاينة، وهو أن يُبصر الإنسان أمامه حَدَثاً واقعاً فيَعلم بوقوعه؛ علماً مُباشراً دون واسطة، وقال الله في مثل ذلك مِمّا لا ينكره منكِر: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ (١) [آل عمران ١٣] فمرأى العين لا سبيل إلى إنكار وقوعه، ولا مجال لردّه، إلا أن يُدّعى في ذلك تخييل وتمويه؛ فذلك طارئ، وعلى خلاف الأصل، وهو مُحتاج إلى إثبات يُقرّر حصوله: وليس يصحّ في الأذهان شيءٌ إذا احتاج النهار إلى دليلِ (٢) - ثانيهما: الخبر (٣) ، وهو وسيلة العلم لمن لم يحصل له العلم المباشر

стр. 10

بالمعاينة، ولم يُبصر الحدث الواقع ولم يحضره، وحال بينه وبينه حائل المكان أو الزمان. من ذلك أنّه لم تعلم هذه الأمة الإسلامية بأهمّ خبر فيها، على مدى أجيالها المُتتابعة- بعد جيل الصدر الأوّل جيل الصحابة ﵃، شهود الرسالة، وحضور الوحي، وأهل العلم المباشر برسول الله ﷺ وبجميع ما جاء به-؛ لم تعلم هذه الأمّة المباركة بأجيالها المذكورة: عنه ﷺ إلا بعلم جاء من طريق الخبر، فالتابعون هم الذين لم يروا رسول الله ﷺ ، وإنما رأوا الصحابة فأخبروهم به، بخلاف الصحابة ذوي العلم المباشر بشؤون رسول الله ﷺ ، وهم شُهداؤه العدول، البررة المُزكَّون في جميع ما صحّ عنهم من النقول (١) ، وقد كانوا جمعا غفيرا

стр. 11

–﵃ وأرضاهم- حفظت لنا أسماءهم الكريمة: دواوين عُنيت بهم وبأخبارهم وبسيرتهم العطرة. أقول: إن التابعين آمنوا برسول الله ﷺ وبما جاء به، وإنما كان الذي وَصَلَ إليهم عنه: خبراً متواتراً، عن جمعٍ كبير هم جَمْعُ التواتر، الذين يحصل بخبرهم العلم الضروري الذي لا مناص من تصديقه، ثم انتقل ذلك إلى تبع الأتباع، فمن بعدهم، فالأجيال التالية إلى جيلنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها (١) . ولقد استوقفني كون الحافظ ﵀ اختار لكتابه هذا: أن يّفْتَتِحَهُ -بعد خطبته ومقدمته - بالكلام عن (الخبر) ، فصدّق ذلك عندي قولَهُ: (على ترتيب ابتكرته) ، ولو لم يكن فيه من الابتكار إلا ما قدّمتُ بَيَانَهُ: لكان ابتكارا رائعاً حَقِيقاً بالإشادة به. والذي يظهر به هذا المعنى بجلاء: ما ذكرته من أن مبنى (علم المصطلح) على (قضية الخبر) . هذا مع أن كلام أهل العلم وتقريرهم في ذلك واضح لا يخفى، وإنما به استنرت، وبضيائه استرشدت، وذلك بعد توفيق الله تعالى، وأذكر من أهم ذلك اقتراح العلامة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة بأن يسمى علم المصلح: ((منطق

стр. 12

المنقول، وميزان تصحيح الأخبار)) (١) ؛ وعلل ذلك بأن هذا العلم بالنسبة للرواية كقواعد النحو لمعرفة صحة التراكيب العربية، وأنه لو سُمِّيَ بذلك لكان اسما على مُسَمًّى. ولم أقف - لِقُصوري - على كلام لأهل العلم يذكر ما ذكرته، عن استفتاح الحافظ هذا وعن وجه ابتكاره فيه، وكفى به وجها وجيهاً يُّشادُ به، ويعرف طالب العلم - بواسطته- الموقع العلمي الذي هو فيه؛ حين يتوجه لدراسة هذا العلم فيدخل بابَهُ؛ وقد تصوَّرَ أيَّ بابٍ –من العلم- هو فيه. ولهذا السبب قلتُ ما قلتُ، وتطاولتُ وتطفّلتُ، فإن أصبتُ فبتوفيق الله تعالى؛ والخيرَ أردتُ، وإن كانت الأخرى فأسال الله الكريم مغفرة الزلة وإقالة العثرة إنه سميع مجيب، وصلواته وسلامه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 13

الفصل الثاني: رضا الحافظ عن كتابه هذا، وثناء العلماء عليه، وتاريخ تأليفه لقد ذكر السخاوي أنه لم يكن راضيا عن شيء من تصانيفه سوى الفتح، ومقدمته، والمشتبه، والتهذيب، واللسان، ثم ذكر السخاوي أنه رأى الحافظ –في موضع آخر - أثنى على شرح البخاري، والتغليق، والنخبة (١) . يُضاف إلى هذا –مما يُبيّن مكانتَها- كونُها قُرئت عليه في حياته (٢) ، وبعضهم قرأها عليه قراءة بحث (٣) ، وقراءةُ البحث - عند العُلماء المُحقّقين- منَ الأهمّيّةِ بمكانٍ؛ حيث نجد الحافظ نفسه، ﵀ نوّه بها، في مُناسبة تكلّم فيها على شرحها (٤) ، فكتب على نُسخةٍ لأحد طُلاّبه أنه قرأ عليه كذلك؛ ووصفها بقوله: (قراءةً حرّرها وأجاد، وقرّرها فأفاد؛ كما استفاد، وقد أَذِنْتُ له أن يَرويها عني ويُفيدها ... لمن أراد منه تَقريبَ معانِيها مِمّن يُعانيها؛ يُوضّحُها، حتى يدري - من لم يَطَّلعْ على مُرادي - ما الذي أعني) . وهذا المتن مع كونه احتوتْهُ - لاختصاره - كراسةٌ، إلا أنه جمع فيه مقاصدَ الأنواع التى عند ابن الصلاح، وزاد عليها أنواعاً لم يذكرها، فاحتوى

стр. 14

على أكثر من مائة نوع من أنواع علوم الحديث، كما قال السخاوي (١) . وقد أثنى عليها العلامة ابن الوزير نثرا ونظما - ونقله عنه الصنعاني (٢) - مُتمثّلا بالبيتين القائلين: أَبْلَغُ العِلْمِ وأَشْفَاهُ (م) لأَدْوَاءِ الْفُؤَادْ اِخْتِصَارٌ في جِلاءٍ وَّبُلُوغٌ في مُرَادْ (٣) ومن ذلك قول الصنعاني في منظومته للنخبة (٤) : وَبَعْدُ: فَـ (النُّخْبَةُ) في عِلْمِ (الأَثَرْ) ... مُخْتَصَرٌ يَّا حَبَّذَا مِن مُّخْتَصَرْ وللعلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد الشُّحروري؛ الشهير بـ (ابن

стр. 15

الشُّحرور) (١) أبيات أربعة في الثناء على (النخبة) وعلى (النّزهة) (٢) ، وقد خَتَمْتُ بها عِدّةَ عشرةِ أبياتٍ قلتها للثناء على مُصنّفها - ورحمهم الله جميعا- وعلى مؤلفاته، وهي: مَا أَطْيَبَ الْعِلْمَ في وِرْدٍ وَّمُصْتَدَر (٣) ... يَغْدُو، يَرُوحُ، يُعَاني خِدْمَةَ (الأَثَرِ) فَانْظُرْ لآثَارِهِ ... كَمْ شُرِّفَتْ قَدَمٌ ... سَعَتْ لَهُ.. فَأَفَادَتْ خَيْرَ مُدَّخَرِ عِلْمُ الْكِتَابِ - لَهُ- تَاجٌ يُّكَلِّلُهُ ... وَسُنَّةُ المُصْطَفَى المُخْتَارِ مِن مُّضَرِ كَمْ عَالِمٍ فِيهِ؛ أَعْلَى اللهُ مَنْزلَهُ ... فَوْقَ السُّهَا (٤) وَالثُّرَيَّا طَاهِرَ السِّيَرِ وَالعَسْقَلانِيُّ نَجْمٌ.. في تَأَلُّقِهِ ... (فَتْحٌ) لَّهُ قَدْ أَتَى مِنْ (بَارِئِ) الصُّوَرِ كَم مِّنْ تَوَالِيفَ أبْدَى في الْعُلُومِ لَهَا ... نَفْعٌ جَلِيلٌ يُّحلِّي الجِيدَ بالدُّررِ إن رُّمْتَ تَبْغِي سَبِيلَ الرُّشْدِ في الأَثَرِ ... فَاشْفِ الْغَلِيلَ بما في (نخبة الْفِكَر) (واكْحُلْ بِـ"تَوْضِيحِهَا" عَيْنَ الْبَصِيرَةِ كَيْ ... تَحظَى بما رُمْتَهُ مِن "نزهَةِ النَّظَرِ")

стр. 16

(للهِ دَرُّ الَّذِي أَنْشَا حَدَائِقَها ... فَكَمْ رَأَتْ مِن شَذَاهَا الْعُمْيُ بِالْبَصَرِ) (لا زَالَ يُبْلي ثِيَابَ المجْدِ (١) مَا طَلَعَتْ ... شمْسٌ وَّغرَّدَ شُحْرُورٌ (٢) عَلَى الشَّجَرِ) أما تاريخ تأليفها: فإن الحافظ ﵀ ألف (نخبة الفكر) وهو مقيم في بلاده بمصر، وذلك في عام ٨١٢ ? كما أرّخ تلميذه السخاوي (٣) . وهذا القول يُعكّر عليه ما اشتهر من أنه ألفها وهو مُسافر، وسبب الشهرة مُستند إلى بيت جاء في نظم النخبة للأمير الصنعاني هو: أَلَّفَهَا الحَافِظُ في حَالِ السَّفَرْ وَهْوَ الشِّهَابُ بْنُ عَلِيِّ بْنُ حَجَرْ وفي نسخة: (ألّفها الحافظ ثاقب النظر) (٤) وهي أصوب، ولو كان الشأن راجعا لاختلاف النسخ لهان الأمر، إلا أن الإمام الصنعاني ﵀ لما شرح هذه المنظومة التي سمّاها (قصب السكر) بشرحه الذي سمّاه (إسبال المطر) ، نقل عن العلامة ابن الوزير ﵀، وكان عصري الحافظ- خبرا لم أقف على من وافقه عليه، وبدا لي فيه نظر على ضوء ما جاء عند المترجمين للحافظ ولحياته

стр. 17

العلمية، ولتواريخ رحلاته؛ اللاتي وجدتها شغلت ثلاث فترات من حياته –أولى ووسطى وأخيرة - ولمؤلفاته. والخبر هو ما جاء في قول ابن الوزير عن الحافظ: (كتب - في سفره إلى مكة، سنة سبع عشرة وثمانمائة- مختصرا بديعا في علوم الحديث) (١) ، ففي السفر المذكور، وفي هذا التاريخ نظر من وجهين: أولهما: أن الحافظ كان في الفترة من عام (٨٠٧ هـ) إلى عام (٨١٤هـ) مُستقرًّا بمصر غير مُرتحل، والتاريخ الصحيح لتأليف (النخبة) واقع ضمن هذه الفترة كما سبق نقله عن السخاوي، وأكّده السخاوي بقوله - أكثر من مرة - بأنها قُرئت على الحافظ قبل التاريخ الذي ذكره ابن الوزير، وذلك سنة (٨١٥هـ) (٢) ، ثم إن الحافظ شرح (النخبة) بكتابه (نزهة النظر) شرحا مُدمَجا فيه متنُ النخبة، لكنّ شرحه لها كان في أواخر عام (٨١٨ هـ) وفرغ منه في مُستهلّ ذي الحجة من هذا العام (٣) ، فلو قُدّر أن ابن الوزير يقصد هذا الشرح فالتاريخ الذي عنده لا ينطبق على هذا، وقد نقل عن كتاب (نزهة النظر) في (العواصم والقواصم) ؛ (ويُسمّيه: علوم الحديث) (٤) . ثانيهما: أنّ رحلات الحافظ في فِئاتها الثلاثِ كما يلي (٥) :

стр. 18

أ- الأولى: الفترة الواقعة مدتها ما بين عام (٧٧٥هـ) إلى عام (٧٩٩هـ) : فقد زار بيت المقدس سنة (٧٧٥هـ) بصحبة والده (١) ، كما ذكر سماعه لصحيح البخاري بمكة سنة (٧٨٥هـ) (٢) ؛ وذلك حين جاور في هذا العام في صُحبة وصيّه وحجّ معه (٣) ، وذكر السخاوي أنه حج وجاور مع وصيه عام (٧٨٦هـ) ؛ (وهو مُراهق، وقبلها وهو طفل مع والده) (٤) ، وتعلّم الخط بمكة في السنة المذكورة (٥) . أما رحلاته العلمية -التي أنشأ سفرها- فكانت أوّلها عام (٧٩٣هـ) ، وكان نطاقها - إلى الغاية المذكورة: عام (٧٩٩هـ) - في بلدان مصر: قوص (٦) وبعض بلدان الصعيد عام (٧٩٣هـ، ثم الإسكندرية في أواخر عام ٧٩٧هـ، ولم يَعُدْ منها إلا بعد أشهُر من عام ٧٩٨هـ (٧) .

стр. 19

ب- الثانية: من الفترة الواقعة ما بين أواخر عام (٧٩٩ هـ) إلى عام (٨١٥هـ) ، فبعد عودته من الإسكندرية أقام حتى توجّه في شهر شوال من عام (٧٩٩ هـ) قاصدا للحجاز عن طريق البحر، ووافق جمعا من الفضلاء بالطور قاصدين اليمن، فرافقهم في رحلتهم مرورا بينبع ثم جدة (١) ، وكانت تلك أولى رحلتيه إلى اليمن حيث وصلها في ربيع الأول من عام (٨٠٠ هـ) (٢) ، وتنقّل عامه ذاك بين بلدانها (٣) ، ثم في أواخر عامه ذاك خرج قاصدا للحج، ليؤدّي حجة الإسلام، بصحبة موكب للحج جهّزه الملك الأشرف (٤) ، ثم إنه عاد بعد حجة الفريضة إلى مصر، وتنقّل بها تنقُّلاتٍ وَصَفَ السخاوي فيها ما كان من الحافظ بأنه: (أشرف على الاستيفاء وحصول الاستيعاب لما أمكن بالديار

стр. 20

المصرية) (١) ، حتى رحل منها إلى الشام، في شعبان من عام (٨٠٢هـ) (٢) . وكان رَافَقَهُ تقيُّ الدين الفاسي في رحلته لدمشق (٣) ، وما زال مُتَنَقِّلاً بين بلدان الشام، وأرّخ مروره بنابلس في سنة (٨٠٣هـ) (٤) ، وفيها رجع إلى مصر؛ وفي صُحبته تقي الدين الفاسي (٥) . وحجّ الحافظ في عام (٨٠٥ هـ) وجاور بعض السنة التي تليها، ثم رحل من مكة إلى اليمن عن طريق البحر، وهي رحلته الثانية (٦) ، وغرقت السفينة،

стр. 21

وأنقذه الله وأَكْثَرَ كُتُبِهِ التي اصطحبها وبعضها بخطه (١) ، ولم أقف على خبر يُحدّد تاريخ عودته من اليمن في هذه المرّة (٢) ، وقد حج عام (٨٠٦هـ) كما ذكر هو عن نفسه في ترجمة (أحمد بن إبراهيم القوصي) ؛ حيث قال: (حج معنا سنة ست وثمانمائة) (٣) ، أما السخاوي فجزم بأن الحافظ كان في جدة في المحرم من عام (٨٠٧ هـ) ، وأما الحج فلم يجزم به بل ظنّه، وكأنه لم يقف على قول شيخه هذا، ثم ذكر السخاوي أنه عاد من جدة إلى بلده (٤) . هذا ولم أقف بعدها على رحلة للحافظ بمصر ولا خارجها (٥) ، حتى حجّ

стр. 22

في سنة (٨١٥هـ) ، ولم يذكر السخاوي بعدها إلا خروجه من مصر لحجته الأخيرة (١) ، ورحلته الشامية، كما سيأتي. ج- الثالثة: من سنة (٨٢٤هـ) إلى أوائل سنة (٨٣٧هـ) : حجّ الحافظ حجته الأخيرة في عام (٨٢٤هـ) (٢) ، ورحل- في صحبة السلطان الأشرف (٣) -إلى حلب، سنة (٨٣٦هـ) (٤) ؛ ومَرُّوا بدمشق (٥) ، وصاموا رمضان وهم في بعض بلدان الشام، وذكر الحافظ توجُّهه - بعد استئذان السلطان، ثم أدائه صلاة عيد الفطر- إلى جهة حلب (٦) ، ثم إنهم مكثوا إلى آخر ذلك العام، ثم عادوا إلى مصر فكان وصولهم إليها في المحرم من سنة (٨٣٧هـ) (٧) ، وبعدها لم أقف على رحلة للحافظ، على كثرة الأماكن التي رحل

стр. 23

إليها (١) ؛ إلى العام الذي توفي فيه ﵀ بمصر عام (٨٥٢هـ) (٢) . والخلاصة ممّا تقدم - مّما ذكره السخاوي من حجات الحافظ ورحلاته (٣) ، ومّما ذكره غيره- لم أقف له رحلة في سنة اثنتي عشرة، ولا في سبع عشرة، ومن ذلك ما نجده عند تقي الدين الفاسي –وكان قد رافق الحافظ في بعض أسفاره وترجم له- فإنا لا نجده يذكر شيئا من هذا (٤) . فأخلص من هذا إلى ما سبق أن قرّرته أن الحافظ ألّف (نخبة الفكر) وهو مقيم في بلاده بمصر، في عام (٨١٢هـ) (٥) ، والله أعلم.

стр. 24

الفصل الثالث: الجهود المبذولة في خدمة كتاب (نخبة الفكر) لقد تبوّأتْ (نخبةُ الفكر) عند العلماء مكانةً عُليا بين كتب مصطلح الحديث، فمنذ أن صنّفها الحافظ ابن حجر وأهل العلم لا يزالون يتناولونها بالدرس، والشرح، ووضع الحواشي عليها، ونظمها، ومنهم من اختصرها أيضا، إلى غير ذلك من وجوه العناية والاهتمام بها، فأصبحت -على نطاق واسع- مدارَ اعتمادهم في هذا الفن البالغ الأهمّيّة. ولقد تطلّعتُ إلى تتبُّع الأعمال التي خُدِمَتْ بها النخبة، إلا أني وجدت مِنَ الباحثين مَن اجتهد في تتبُّعها (١) ، فلذلك رأيت أن أتناول-بالتعريف المُوجز

стр. 25

- ما أمكنني الوقوف عليه منها، إما مطبوعا (١) ، أو مخطوطا، أو موصوفا - بِذكر

стр. 26

ما يُفيد تصوُّراً عنه- في الفهارس (الببلوغرافية) ، دون ما تعسَّرَ عليّ من ذلك، فأُوردُ نُبذةً عنه، وعن أهمّيّته، مُراعيا في السرد: ترتيبه الزمني، حيث وجدت أن هذا هو الأنسب للمقام هنا، وهي كما يلي: ١- نتيجة النظر في نخبة الفكر، لكمال الدين محمد بن محمد بن حسن الشُمُنِّي، (ت:٨٢١هـ) . وهو شرح لها؛ سيأتي التعريف به مُفصّلاً في المبحث الآتي إن شاء الله تعالى. ٢- نظم نخبة الفكر، أو الرتبة في نظم النخبة، لمحمد كمال الدين بن محمد بن حسين الشمني (ت:٨٢١هـ) . نُشِرَ بتحقيق محمد سماعي الجزائري، عن دار البخاري للنشر والتوزيع؛ ببريدة والمدينة المنورة، عام (١٤١٥هـ) .

стр. 27

ويتميّز هذا النظم بسلامته من عيوب النظم، مع وضوح العبارة، وجمال الأسلوب، وحسن العرض والترتيب؛ على حدّ قول مُحقّقها (١) ، ويصل عدد أبياته إلى (٢٠٥) ، أولها: الحَمْدُ للهِ الْعَلِيمِ الْقَادِرِ مُرْسِلِ سَيَّدِ الأَنَامِ الحَاشِرِ (٢) وآخرها: وَأَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالتَّحِيَّةِ ... عَلَى محَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الأَبْرَارِ ... مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ (٣) ٣- تنقيح لابن الوزير باسم: (مختصر في علم الحديث) ، أو (مختصر نخبة الفكر) (٤) ، وهو العلاّمة محمد بن إبراهيم بن علي المُرتضى اليماني؛ المعروف بـ (ابن الوزير) ، (ت: ٨٤٠هـ) . اطّلعت على مُصوّرتين له عن نُسختين خطّيّتين؛ محفوظتين بقسم المخطوطات

стр. 28

بالمكتبة المركزية بالجامعة الإسلامية؛ أُولاهما: (ميكروفلمية) برقم (٥٩٣٦/٣) ، تقع في أربع ورقات؛ ضِمن مجموع (من ورقة ١٢٠ إلى ١٢٣) ، وتاريخ نسخها في عام (٨٦٨ ?) ، أي بعد وفاة مؤلّفها بـ (٢٨) سنة، وأصلها محفوظ بمكتبة (برلين) بألمانيا، وثانيتهما: (ميكروفلمية) برقم (٧٦٧١/٥) ، في خمس ورقات، منسوخة بتاريخ عام (١٠٥٠هـ) ، وأصلها بمكتبة الحرم المكي برقم (٧٦٤/٤) ، وله نسخ أخرى (١) . وهو مختصر نافع، تناول فيه ابن الوزير جُمَلاً من (النخبة) بالتنقيح والتهذيب وتحرير عبارات، وقليل زيادات، مع ثناء مِدرار، وتبجيل مِكثار، قال ﵀ في مقدمته: ((أما بعد: فإن الإمام العلامة الحافظ أحمد بن علي العسقلاني -الشهير بابن حجر، نفّس الله في مُدّته- كتب في سفره إلى مكة المكرمة - سنة سبع عشرة وثمانمائة (٢) - مُختصرا بديعا في علوم الحديث، فوقفت عليه: ...... ................. وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه)) (٣) وتمثّل بالبيتين السابق ذكرهما (٤) ، ثم قدّم بين يدي ملحوظاته اعتذاراً

стр. 29

رقيقاً؛ في غاية الأدب والتوقير للحافظ، مع مُحاولات كبيرة لبسط العُذر في ذلك للحافظ، بعبارات في قمّة التلطُّف، وأصدق التودُّد، وبأسلوب في أوج البلاغة؛ قال: ((لكنه بقي عليه - فيه- ما يَقيه من العين، ولا يُشْعَرُ بمثله إلا في سواد العين: كَفُوفَةِ الظُّفْرِ لا يُدْرَى بموضعِها ... ومِثْلُها في سواد العين مشهورُ (١) وذلك لكثرة اشتغاله في أوان ارتحاله، لا لِقصور في عرفانه، فهو إمام زمانه، فرأيت أن أُقلّل مِمّا وقع نقدي عليه، فأما الإحصاء (٢) فلا سبيل إليه، إذ السهو والخطأ والنسيان مِن صفة كل إنسان، فأتدلّل عليه بِزيادة يسيرة، أو تحرير عبارة، عدْلاً لاّ عدْواً، لاعترافي أنّ الكتابَ كتابُهُ لفظاً ومعنىً ... )) إلى أن قال: (( ... إلا ما زدته فيه من الدلائل، غَيْرَةً على دعاويه العواطل؛ مِن مُّشابهتها للدعاوي البواطل ... )) (٣) . وقد نقل الصنعاني هذه الجملة في شرحه لمنظومته: (قصب السكر) الذي سمّاه: (إسبال المطر على قصب السكّر) عند شرحه للبيت الذي قال فيه: ألّفها الحافظ في حال السفرْ ... وهو الشهاب بن علي بن حجرْ

стр. 30

ثم ذكر الصنعاني أنه استوعب نقل هذا المختصر في شرحه قائلا: ((وأنا نقلته بطوله؛ لأني - إن شاء الله تعالى- سأذكر ما انتقد ذهنه الوقّاد، وحرّره - من الأدلّة- وزاد)) (١) ، وقد تتبّعته فوجدته يُصدّر نُقُوله عنه بعبارة: (قال السيد محمد: ... ) . ٤- نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، لصاحب المتن الحافظ أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني، (ت:٨٥٢ هـ) . نُشرت مرارا، منها: بتحقيق الدكتور نور الدين عتر عن مطبعة الصباح بدمشق، الطبعة الثالثة سنة (١٤٢١هـ) ، والشيخ علي بن حسن بن عبد الحميد عن دار ابن الجوزي بالدمام، والدكتور عبد الله الرحيلي عن مطبعة سفير بالرياض عام (١٤٢٢هـ) . وقد أشار ابن حجر - في مقدمة هذا الشرح- إلى أنه صنّف أصله: (النخبة) بناءً على طلب من بعض إخوانه، ثم رغب إليه الشخص نفسه أن يضع عليه شرحا، وفي هذا يقول: ((فرغب إليّ؛ ثانيا، أن أضع عليها شرحا يَحُلُّ رموزها، ويَفتح كنوزها، ويُوضّح ما خَفِيَ على المُبتدئ من ذلك، فأجبته إلى سؤاله رجاء الاندراج في تلك المسالك، فبالغت في شرحها في الإيضاح والتوجيه، ونبّهتُ على خفايا زواياها، لأن صاحب البيت أدرى بما فيه، وظهر لي أن إيراده على صورة البسط أليق، ودمجها ضمن توضيحها أوفق، فسلكت هذه الطريقة القليلةَ السّالِكِ ... )) (٢) . ٥- العالي الرتبةِ في شرح نظم النخبةِ، لتقي الدين أبي العباس أحمد بن

стр. 31

محمد بن محمد بن حسن الشمني، (ت: ٨٧٢ هـ) . له نسخة خطية بالمكتبة الأزهرية بالقاهرة برقم (٤٥٣٨) ، وعنها مصورة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية برقم (٨٥١) ، وتقع في (٤٣) ورقة، كتبها حسن حجازي البدري الأزهري سنة (١١٠٧هـ) . وهو شرح جيد على نظم النخبة لِوالدِ الشّارح الكمال الشمني؛ المُشارِ إليه آنفاً، فيه توضيح كثير من المعاني الغامضة، والألفاظ المُستغلِقة، مع تقريرات وتحريرات (١) . ٦- حاشية على شرح نخبة الفكر، لزين الدين قاسم بن قُطلُوبُغا الحنفي المصري، (ت: ٨٧٩ هـ) . نُشرت بتحقيق: د. إبراهيم الناصر، نشر دار الوطن بالرياض عام (١٤٢٠هـ) ، ولهذه الحاشية أهمّيّة تستمدّها مِن كون واضعِها (ابن قطلوبغا) أحدَ تلاميذ المصنف الحافظ ابن حجر، ونجده - مِن أوائلها- وهو يذكر بعض مُراجعاته لشيخه حول بعض عباراتها، وقد عُنِيَتْ هذه الحاشية بتوضيح مشكلات المتن وبيان تقريراته، مع تعقُّبات وتنبيهات. هذا وقد ذكر المُحقّق تسمية هذه الحاشية (القول المُبتكر على شرح نخبة

стр. 32

الفكر) ، وعدّهُ خِلاف الصواب (١) . ٧- حاشية على شرح نخبة الفكر، لكمال الدين محمد بن محمد بن أبي شريف المقدسي الشافعي، (ت:٩٠٦ هـ) . نشرت بتحقيق د. إبراهيم الناصر عن دار الوطن بالرياض عام (١٤٢٠هـ) . وهي حاشية مُهمّة فيها فوائد كثيرة، وقد استقى بعضها من تقريرات ابن حجر نفسه حينما كان يقرأ عليه النّزهة، وبعضها الآخر ظهر له حين إقرائه هو لها، كما نبّه على ذلك في مقدمة حاشيته (٢) . وهاتان الحاشيتان لِتلميذي الحافظ هذين: ابن قطلوبغا، وابن أبي شريف؛ مُشتهرتان عند أهل العلم (٣) .

стр. 33

٨- منح النُّغْبَة (١) على شرح النخبة، وهو حاشية على شرحها للحافظ، ألّفه رضي الدين محمد بن إبراهيم بن يوسف، الحنفي، الشهير بابن الحنبلي، المُتوفى عام (٩٠٨هـ) ، ولم أقف على مَن ذكر وجود هذه الحاشية، لكنّ تلخيصاً لها موجودٌ - لِمؤلفها- باسم: (قفو الأثر في صَفو علوم الأثر) . ٩- قفو الأثر في صفو علوم الأثر، لابن الحنبلي؛ طُبع قديما بطبعة عتيقة في عام (١٣٢٦هـ) ، بمطبعة السعادة بمصر، ثم بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ﵀ في طبعته الثانية في بيروت عام (١٤٠٨هـ) ، قال مُحقّقها -بعد أن ذكر الأصل (منح النغبة ... ) -: (لخّصها أحسن تلخيص، ومحّصها أفضل تمحيص؛ بالنظر في شرحها وحواشيها، وحرّرها) ، وقد استفتح ابن الحنبلي كتابه بخطبة الحافظ (للنّزهة) بِطُولها، حتى انتهى إلى ابن الصلاح ومُجمل ما خَدم العلماء به كتابه، فوجدَ -عندها- المناسبةَ لِذِكْرِ الحافظ، وأثنى عليه، وعلى كتابه،؛ قال: ((لخّص المُهمّ من هذا الاصطلاح -مِمّا جمعه في كتابه الحافظ ابن الصلاح-، مع فرائدَ ضُمّتْ إليه، وفوائدَ زِيدتْ عليه، في أوراق قليلة، هي في نفسها جليلة، ... فصارت جديرةً - إذ صَغُرتْ حجماً؛ وتراءت نجماً: لِكُلّ أثريٍّ- بِقول من قال:

стр. 34

والنجمُ تَستصغرُ الأبصارُ صورَتَهُ ... والذَّنْبُ لِلطَّرْفِ لا للنجم في الصِّغَرِ (١) إلى أن شَرَحَهَا، وضمّن شرحَها مِن طُرَف الفوائد، وزوائد العوائد؛ كرّةً فكرّة، ما لا يُحصى كثرة، وإن لم يَخْلُ عن فَوات تحرير، وركاكة تقرير، كما لم يخْلُ متنه عن ضيق العبارة، وإن لَطُفتْ منه الإشارة ... )) (٢) ، ولم أقف على مَن وافق المؤلف -سامحه الله- على عزو الركاكة لِشيء مِمّا قرّره الحافظ في كتابه هذا، فالله يغفر لنا ولهم. ١٠- شرح نخبة الفكر، للشيخ مُلاّ علي بن سلطان الهروي القاري (ت: ١٠١٤هـ) . طُبع لأول مرّة بإستانبول عام (١٣٢٧هـ) ، ثم طُبع مؤخّرا بتحقيق محمد نزار تميم، وهيثم نزار تميم، عن دار الأرقم ببيروت، سنة (١٤١٦هـ) . وهو شرح مهم عُنِيَ فيه مُصنّفه بتوضيح عبارات ابن حجر وإزاحة الغموض عنها، مع حلّ الإشكالات، وضبط غريب الألفاظ، والأعلام، والمواضع، والكُنى، وغير ذلك، وسلك فيه مسلك الإيجاز والدقّة والتّحقيق وسلامة التعبير، واعتمد فيه على مصادر كثيرة وضمّنه حاشية ابن قطلوبغا، وكان يصدّر نُقوله عنها بقوله: (قال تلميذه) ، ورُبما عَتَبَ عليه في بعض ما لم يستحسنه منه، وبالجملة فهذا الشرح مفيد جدا لا سيما لمن أراد الوقوف على آراء المحدثين من الحنفية (٣) .

стр. 35

١١- اليواقيت والدرر في شرح نخبة ابن حجر، لمحمد المدعو عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي المناوي، (ت:١٠٣١هـ) . طُبع طبعة رديئة بتحقيق ربيع بن محمد السعودي، عن مكتبة الرشد، بالرياض عام (١٤١١هـ) ، ثم حققه محمد بن زين العابدين رُستم في رسالة ماجستير - في المغرب- نوقشت بجامعة محمد الخامس بالرباط عام (١٤١٣ هـ) ، ثم حقّقه أيضا د. حسن محمد عبه جي، وهو أطروحته للدكتوراه التي نوقشت بجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية بالسودان عام (١٤١٧هـ) ، ثم طُبع طبعة جيّدة بتحقيق الدكتور محمد المرتضى الزين أحمد، وصدر عن مكتبة الرشد، بالرياض، سنة (١٤٢٠هـ) . وهو شرح غزير الفائدة؛ قد أحسن شارحه في جمعه وتصنيفه، وصياغته وترتيبه، وأتى فيه بفوائد كثيرة، وضمَّنَهُ تعقبات تلاميذ ابن حجر وغيرهم في مناقشة بعض المسائل التي جاءت في شرحه (النّزهة) ، إضافةً إلى ما زاده من تقريرات وتعقُّبات وشروح وإيضاحات (١) ، وبالجملة فشرحه من أحسن شروح النّزهة وأنفسها. ١٢- قضاء الوطر من نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، لأبي الإمداد إبراهيم بن إبراهيم اللَّقَاني المالكي، (ت: ١٠٤١هـ) . له نسخة خطية بالخزانة العامة بالرباط برقم: (٥٠٧ق) ، ويقع في (٣٢٧) صحيفة. وهو شرح كبير اعتنى فيه الشارح بإيضاح مشكلات النّزهة وغوامضها،

стр. 36

مستفيدا من الشُّرَّاح وأصحاب الحواشي الذين سبقوه، وقد رمز إلى نقوله عن ابن قطلوبغا بحرف (ق) ، والبقاعي بحرف (ب) ، وصرح بأسماء غيرهم (١) ، وكان تأليفه لهذا الشرح سنة (١٠٢٣هـ) (٢) . ١٣- عقد الدرر في نظم نخبة الفكر، لأبي حامد محمد العربي بن يوسف الفاسي (ت: ١٠٥٢ هـ) ، قام بطبعه والتعليق عليه الدكتور/ محمد بن عزوز، من المغرب، وقدّم بترجمة مُوسّعة لِمُصنّفه، بعد ذكره لِنبذة عن أهميّة هذا الفنّ، وعن المنظومات فيه، والكتاب مطبوع في (دار ابن حزم) ، في بيروت، بطبعته الأولى عام (١٤٢٢هـ) ، كما ذكر الدكتور أن له شرحاً؛ لِلمؤلّف نفسه، وأنّه يُهيّء لنشره: الأستاذ/ سالم الباشي. وقد أسهب الناظم في منظومته؛ بحيث بلغ عدد أبياتها -بإحصائي-: (٤٢٠) بيتا، لكونه راعى التوسُّع في عباراته بقصد التوضيح والبيان، استفتحها (٣) بقوله: الحمد لله الذي منّ بما ... عَلَّمَ -مِن عِلم الحديث- العُلَمَا أورثهم خلافة الرسالةْ ... وأخلفَ العِصمةَ بالعدالةْ وخصّهم بالسند المُلحِقِ مَنْ ... روى..بِمَن رأى وشافَهَ السُّننْ ثم صلى على رسول الله ﷺ ، وتابع نظمه مُعرّجاً على فضل العلم، ومكانة الحديث منه، ومنزلته من الكتاب العزيز، والثناء على علمائه، وعلى جهودهم، وتنويعهم التأليف بِمُطوّلات ومُتوسّطات ومُختصرات، ثم ذكر (النخبة) مُثنياً

стр. 37

عليها، ومُبيّنا حاجتها للبيان، ومُنبّها على أن له إضافات وتصرُّفات؛ لأسباب دَعَتْهُ إلى ذلك، فمن ذلك قوله: وحبّذا (النخبةُ) لابن حجرِ ... فيها المُهمّ مِن علوم الأثرِ فإنّها لُبابُ هذا البابِ ... لِطالبيه مِن أُولي الألباب لكنه أوجزَ حتى أعجزا ... وأنجز البذل بها.. فأعوزا إذ هي حظُّ المُبتدي، وكيف لهْ ... يَعي ويدري نثره ومُقفلهْ؟! لأجْل ذا نَظمتُها في عِقدِ ... مُستوفياً لّها -جميعاً- جهدي مع مزيدٍ وتصرُّفٍ كثيرْ ... لِنُكتةٍ.. يعرف ذلك البصيرْ ومِمّا ختمها به (١) : الصلاة على رسول الله ﷺ بعد قوله: فالحمد لله؛ كما يَجِبُ لهْ كما هدى لِنظمه وكمّلَهْ قال د. محمد عزوز -فيما قدّم به للمنظومة (٢) -: (هذا النظم يَصلُح أن يُختار مُقرّراً دراسياًّ لأوائل مرحلة الدراسة الجامعيّة، لِغزارة علمه، وحُسن جمعه وتحريره، ووضوح عبارته وتقريره) ، وذكر خدمته للكتاب بقوله: (أرجو أن يكون ما قُمتُ به -مِن خدمةٍ لّه- سهّلتِ الاستفادةَ منه، ويسّرتِ الانتفاعَ به لِكُلّ راغب، ومِن الله التوفيق) . ولي على هاتين الجملتين ملحوظتان: أنّ النظم مُتوسّط في سبكه، ومن حيث الفائدةُ في بابه، لِكون المقصود من النظم: هو أن يحفظ الطالب المُهمّ، ويقتصر عليه؛ دون سواه مِمّا يَرِدُ في الشروح، لأنّ المحفوظ تحمل عِبئَهُ الذاكرة، فإذا زاد أرهقها بدون حاجة،

стр. 38

ويُغني عنه الموُجز الذي يُذكّر - إذا حُفِظَ- بما وراءه مِمّا تحتويه الشروح، ومن المنظومات ما هي أولى - في نظري- بما ذكره فضيلة الدكتور، كمنظومة الصنعاني؛ فعددُ أبياتها في حدود نصف هذه المنظومة. ب - أنّ المنظومة المطبوعة لم تنل حقَّها من العناية ببعض كلماتها، والتثبّت من بعض مُفرداتها، فهي بحاجة إلى إعادة نظر وتحرير، ولعلّ الله يُوفّق الذي تولّى خدمتها بالعودة لخدمة نصّها كما ينبغي، لا سيّما ونُسَخُها الخطيّة الثلاث موجودة لديه في المغرب، ويُقابلها بالمنظومة في نُسخة الشرح، وأتوقّع أنه سيسهُل عليه المطلوب بالنظر في الشرح، وحبّذا لو تعاون مع القائم على خدمة الشرح؛ فتحرّيا؛ واستعانا بِمُتخصّص يُقيم لهما لُغتها ووزنها، والله يُوفّقني وإيّاهما؛ فلم أقصد تنقُّصَهُمَا، والدين النصيحة. أما مُقدّمة الكتاب التي احتوت على التعريف بالمُصنّف وكتابه فقد شغلت (٣٩) صفحة، وجادت وأفادت، وتَلتْها المنظومةُ في (٣٣) صفحة، ثم خُتِمَ الكتاب بمتن (النخبة) ، ثم الفهارس المُتنوّعة. ١٤- مُنتهى الرغبة في حلّ ألفاظ النخبة، جاء في أوّل مخطوطته تسمية مؤلفه هكذا: (محمد جمال الدين عبد الله بن علي الخَرَشي البحيري؛ الشهير نسبه ونسب عُصبته بأولاد صباح الخير) ، وفي بعض مراجع ترجمته: (محمد بن عبد الله الخراشي، المالكي) ، ولادته سنة (١٠١٠ هـ) ، ووفاته سنة (١١٠١ هـ) ، كما في الأعلام للزركلي: ٦/ ٢٤٠-٢٤١ وأنّه أوّل من تولى مشيخة الأزهر، وفي نسخته الخطّية: أنه لخّصه مِن حواشي: قاسم الحنفي –يعني ابن قطلوبغا- ورمز له: (ق) ، وللبقاعي: (ب) ، وللشيخ علي الأُجهوري: (ج) ، وللشيخ إبراهيم اللقّاني: (?) ، وفرغ من تأليفها: يوم الأربعاء أواخر صفر سنة (١٠٨٧?) ، وهذه الحواشي على (نزهة النظر) .

стр. 39

له نسخة خطّية أصلية وقفت عليها بمكتبة الحرم المكّي ضمن مجموع يحمل رقم (٧٥١) ؛ هي الثانية فيه: من الورقة رقم: (٥٩) إلى رقم (٤٧٣) ، فمجموع أوراقه: (٤١٥) ورقة؛ كُتبت بخط نسخي جميل، وناسخها: أحمد بن عبد الكريم الأشموني، وتأتي فيها عبارت (النّزهة) بعد كلمة: (قوله) ، المكتوبة بخط أحمر، أو واو حمراء، وناسخها: أحمد بن عبد الكريم الأشموني. وللكتاب نسخة خطّية أخرى كاتبها: إبراهيم الفيومي المالكي في شهر ذي القعدة من العام الذي فرغ فيه مُؤلفها منها، وتقع في (٤٦٥) ورقة، من محفوظات دار الكتب المصرية (١) . ١٥- إمعان النظر شرح شرح نخبة الفكر، لمحمد أكرم بن عبد الرحمن النصربوري السندي، (من علماء القرن الحادي عشر الهجري) . طبع بتحقيق أبي سعيد غلام مصطفى القاسمي عن أكاديمية الشاه ولي الله بحيدر آباد السند باكستان بدون تاريخ. وهو من الشروح المعتمدة عند علماء شبه القارة الهندية، وقد وصف الشارح منهجه في مقدمة شرحه فقال: ((فشرحته شرحا تصدّيت فيه لحلّ مُغلقاته ... ، وأطَلْتُ في بعض المواضع في تحقيق القواعد لكونه الباعث الأصلي على تعليق هذه الفوائد ... )) (٢) ، ورُبما في بعض عبارات مقدمته ما يُطري به نفسه، والله يغفر لنا وله. ١٦- بهجة النظر شرح على شرح نخبة الفكر، لأبي الحسن الصغير بن محمد صادق السندي المدني، (ت: ١١٨٧هـ) .

стр. 40

طُبع هذا الشرح لأول مرة بمطبعة كلزار محمدي بلاهور باكستان سنة (١٣٠٧هـ) ، ثم طبع بتصحيح وتعليق أبي سعيد غلام مصطفى القاسمي السندي عن أكاديمية الشاه ولي الله بحيدر آباد السند باكستان بدون تاريخ. وهو شرح جيد اعتنى فيه شارحه بإيضاح الألفاظ المشكلة وحل المعاني المستغلقة في النّزهة (١) . ثم وفّق الله الباحثة الفاضلة/ سُهيلة بنت حسين بن محمد الحريري لدراسته دراسة مُوعبَة موسّعة؛ في مقدمة تحقيقها لِحصّة مِن أوّله إلى نهاية (المردود لِسقط راوٍ في السند) ، في أُطروحتها لمرحلة (الماجستير) ، بقسم السنة وعلومها، بكُلّيّة أصول الدين، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة، بالرياض، في العام الجامعي (١٤١٧- ١٤١٨هـ) ، وكانت بِعملها هذا مِثالَ الباحثة المُتقصّية في دراستها، الجادّة في تناوُلها، على تطويلات لها في التخريج، وبعض التراجم والتعليقات، ووقعت رسالتها في (١٢٩٠) صفحة؛ ضمّتها ثلاثة مُجلّدات؛ زاخرة بألوان الإجادة، وفُنون الإفادة. ١٧- المختصر من نخبة الفكر، لعبد الوهاب بن أبي البركات الشافعي الأحمدي، كان حيًّا سنة (١١٥٠هـ) . طُبع مع شرحه عقد الدرر للعلامة محمود شكري الآلوسي. ١٨- قصب السكر نظم نخبة الفكر، لمحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني اليماني، (ت: ١١٨٢هـ) . وهي مطبوعة مع شرحها الذي لمؤلفها: (إسبال المطر) ، وشرحها الآخر: (سحّ المطر) .
следующие страницы →