Полный текст (376 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الْكَلَام عَلَيْهَا فِي هَذَا الْبَاب مَعَ ذكر البخت وَالْجد لِأَنَّهَا أشكال وقرائب. وَهَذِه الْأَلْفَاظ الْأَرْبَعَة الَّتِي عددناها مُتَقَارِبَة الْمعَانِي وَهِي مُشْتَقَّة من الوفق وَهِي من أَلْفَاظ الْإِضَافَة لِأَنَّهَا لَا تقع إِلَّا بَين شَيْئَيْنِ أَو بَين الْأَشْيَاء. وَيُقَال هَذَا وفْق هَذَا أى لفقه وطبقة وملائمه وَيسْتَعْمل فِي كل متلائمين من جسمين وخلقين وَغَيرهمَا. وَفِي الْمثل: وَافق شن طبقَة وَافقه فاعتنقه فقولك وَافق فَاعل من الوفق. وَهَذَا الْوَزْن يجىء فِي كَلَام الْعَرَب لما كَانَ بَين اثْنَيْنِ وَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا وَافق الآخر وَهُوَ مُوَافق كَمَا قيل: ضَارب صَاحبه فَهُوَ مضَارب. والاتفاق افتعال من الوفق. وَهَذَا الْوَزْن يجىء فِيمَا لم يكن فَاعله خَارِجا مِنْهُ. كَمَا يُقَال: اقْترب واعتلق واضطرب وَالْأَصْل فِي اتّفق اوتفق. وكل هَذَا مُشْتَقّ من الوفق. وَهَذَا الْوَزْن لَا يجىء فِيمَا لم يكن فَاعله إِلَّا الَّذِي ذَكرْنَاهُ. فَإِذا اجْتمع شَيْئَانِ أَو أَشْيَاء على ملاءمة بَينهمَا بِسَبَب إرادي مَجْهُول وَكَانَ مِنْهُمَا مُوَافقَة لإِرَادَة إِنْسَان مَا - كَانَ اتِّفَاقًا لَهُ وَلَا بُد أَن يكون فِيهِ قسط من الْإِرَادَة وَنصِيب من الْقَصْد وَالِاخْتِيَار فَإِن لم يكن للإرادة
стр. 107
فِيهِ نصيب وَإِنَّمَا وَقع بِسَبَب طبيعي مَجْهُول وَكَانَ فِيهِ أَمر نَافِع لإِنْسَان - كَانَ بختاً لَهُ. وَلما كَانَت الْأُمُور بَعْضهَا يتم بِأَسْبَاب طبيعية وَبَعضهَا بِأَسْبَاب إرادية وَبَعضهَا يتركب فَيكون تَمَامه بِأَسْبَاب طبيعية وَأَسْبَاب إرادية وكل وَاحِد مِنْهُمَا يتم مِنْهُ أَمر وَاحِد مَحْبُوب أَو مَكْرُوه وَإِن اخْتلفت أَسبَابه بِحَسب إِنْسَان إِنْسَان وَنَحْو غَرَض غَرَض - خُولِفَ بَين أمسائها ليدل بهَا على اخْتِلَاف أَسبَابهَا. وَمَا كَانَ من الْأُمُور لَهُ سَبَب طبيعي بعيد أَو قريب إِلَّا أَنه مَجْهُول ثمَّ عرض أَن يكون نَافِعًا لإِنْسَان من غير إِرَادَة وَلَا قصد - سمي بختاً. وَمَا كَانَ من الْأُمُور لَهُ سَبَب إرادي بعيد أَو قريب إِلَّا أَنه مَجْهُول ثمَّ عرض لَهُ أَن يكون نَافِعًا لإِنْسَان مُوَافقا لغَرَض لَهُ وَإِرَادَة - سمي اتِّفَاقًا. وَلَا يشتق للْإنْسَان اسْم من هذَيْن إِلَّا بعد أَن يتَكَرَّر لَهُ أَمر أَعنِي أَنه إِنَّمَا يُسمى مبخوتاً إِذا عرض لَهُ مَرَّات كَثِيرَة أَن تحدث أَفعَال طبيعية لأسباب لَهَا مَجْهُولَة فتتم بهَا أغراض مَطْلُوبَة محبوبة. وَأَيْضًا فَإِنَّمَا يُسمى موفقاً إِذا عرض لَهُ مَرَّات كَثِيرَة أَن تقع أَفعَال إرادية لأسباب لَهَا مَجْهُولَة فتتم وَأَنا أكشف هذَيْن الْمَعْنيين بمثالين ليضح أَمرهمَا وينكشف. على أَنِّي رَأَيْتُك تستعفي أَن تفهم معنى البخت لِأَنَّك لم تَجدهُ فِي كَلَام الْعَرَب كَأَنَّك خطرت على نَفسك أَن تفهم حَقِيقَة إِلَّا أَن تكون فِي لفظ عَرَبِيّ فَإِن عدمت لُغَة الْعَرَب رغبت عَن الْعُلُوم لَكنا - أيدك الله - لَا نَتْرُك الْبَحْث عَن
стр. 108
الْمعَانِي فِي أَي لُغَة كَانَت وَبِأَيِّ عبارَة حصلت فَأَقُول: أما مِثَال البخت فَأن يسْقط حجر من مَكَان عَال فَيُصِيب رجلا فِي عُضْو لَهُ تنفجر مِنْهُ عروق وَيخرج مِنْهُ الدَّم فَإِن كَانَ الرجل مُحْتَاجا قبل ذَلِك إِلَى إِخْرَاج الدَّم صَار سُقُوط الْحجر الَّذِي فجر الْعرق وَأخرج الدَّم سَببا لصِحَّته وَمنع الْمَرَض عَنهُ فَهَذَا بخت جيد. فَإِن كَانَ عرض للرجل أَشْيَاء كَثِيرَة تشبه هَذَا فَهُوَ مبخوت. وَإِن كَانَ خُرُوج الدَّم غير نَافِع للرجل وَلَا كَانَ بِهِ حَاجَة قبل ذَلِك إِلَى إِخْرَاجه بل تعجل بِسُقُوط الْحجر الْأَلَم وبخروج الدَّم سُقُوط الْقُوَّة والوقوع فِي مرض كَانَ غير مستعد لَهُ فَهُوَ بخت ردىء. وَأما الْمِثَال فِي الِاتِّفَاق فَإِن يخرج إِنْسَان من منزله بِإِرَادَة وَقصد إِلَّا أَنَّهُمَا كَانَا مِنْهُ نَحْو التمَاس الْحَاجة فلقي فِي طَرِيقه ذَلِك صديقا كَانَ يهوى لقاءه أَو غريماً كَانَ يَطْلُبهُ فَلَا يجده فَهَذَا اتِّفَاق جيد فَإِن عرض للرجل مِثَال لهَذَا كثير فَهُوَ موفق. وَإِن كَانَ لقاؤه أَيْضا وَافق عدوا كَانَ يهرب مِنْهُ أَو غريماً كَانَ متوارياً عَنهُ فَهُوَ اتِّفَاق ردىء وَالرجل إِذا دَامَ عَلَيْهِ مثل هَذَا غير موفق. وَلما كَانَت أَسبَاب الحركات الإرادية إِنَّمَا تكون من خواطر وعوارض للنَّفس لَيست بِإِرَادَة إِذْ لَو كَانَت عَن إِرَادَة لوَجَبَ من ذَلِك وجود إرادات لَا نِهَايَة لَهَا وَهَذَا محَال - كَانَت هَذِه الخواطر والعوارض الَّتِي هِيَ آثَار وأفعال منسوبة إِلَى فَاعل وَقد قُلْنَا إِن فاعلها غير الْإِنْسَان فَهِيَ
стр. 109
إِذن فعل غَيره لَا محَالة. فَإِن كَانَت مؤدية إِلَى خيرات وَمَنَافع كَانَت منسوبة إِلَى الله - تَعَالَى - وَهُوَ التَّوْفِيق تفعيل من الوفق وَهَذَا التَّوْفِيق رُبمَا فعله الله - تَعَالَى - بِالْعَبدِ من غير مَسْأَلَة وَرُبمَا كَانَ بعد مَسْأَلَة وتضرع إِلَّا أَن النَّاس كَافَّة يرغبون إِلَى الله - تَعَالَى - فِيهَا ويسألونه إِيَّاهَا دَائِما فِي كل زمَان فَإِذا سنحت هَذِه الْعَوَارِض والخواطر للنَّفس فزعت إِلَى حركات يتم بهَا وبغيرها أَمر وَاحِد مُخْتَار لإِنْسَان مَا نَحْو غَرَض جيد لَهُ - كَانَ تَوْفِيقًا وَكَانَ الرجل موفقاً. فَأَما الْجد فَكَأَنَّهُ اسْم شَامِل لهذين الْمَعْنيين جَمِيعًا لِأَن الْإِنْسَان إِن وفْق وبخت فَهُوَ مجدود وَإِن انْفَرد أَيْضا بِأَحَدِهِمَا فَهُوَ مجدود أَيْضا. وَأما الْحَظ فَهُوَ الْقسم والنصيب. وَلما كَانَ لكل إِنْسَان نصيب من السَّعَادَة وقسط من الْخَيْر مقسوم لَهُ من الْفلك بِحَسب مولده - فَأَما الْمَحْدُود فَهُوَ الْمَمْنُوع واشتقاقه من الْحَد وَهُوَ الْمَنْع، وَيُقَال
стр. 110
للبواب حداد من هَذَا وَكَأن الْمَحْدُود مَمْنُوع مِمَّا يُصِيب غَيره من الْخَيْر. والحظى والجدى منسوبان إِلَى الْجد والحظ كَمَا يُقَال تميمى وبكرى. فَأَما النَّصْر فَهُوَ المعونة إِلَّا أَنه فِيمَا أدّى إِلَى الْغَلَبَة والقهر وَقد قُلْنَا مَا المعونة فِيمَا سلف. وَأما الْولَايَة فاسم مُشْتَرك وتصرفه بِحَسب تصرف اسْم الْمولي أَعنِي أَنه يكون من فَوق وَيكون من أَسْفَل إِلَّا أَن الْحَقِيقَة فيهمَا أَنَّهُمَا حَال توجب اختصاصاً وتحققاً يَدْعُو الْأَعْلَى إِلَى الحنو والشفقة والأسفل إِلَى النَّصِيحَة وَالطَّاعَة. وَإِذا أَخذ هَذَا الِاسْم بِحَسب الشَّرِيعَة وَأَنه لفظ شَرْعِي حد بِقدر ذَلِك الْمَعْنى الْمشَار إِلَيْهِ وَإِن كَانَ الأَصْل مَا ذَكرْنَاهُ.
стр. 111
فَأَما ملك الشَّيْء فَهُوَ التفرد بنفاذ الحكم فِيهِ. وَهَذَا قد يكون بالطبيعة والشريعة وبالاصطلاح: أما بالطبيعة فَملك الْإِنْسَان لأعضائه وآلاته الطبيعية وحركاته الَّتِي يصرفهَا على إِرَادَته. وَأما بالشريعة فَمثل ملك الرّقّ بِالسَّبْيِ لمن خَالف أصُول الشَّرْع. وَأما بالاصطلاح فَمثل المفاوضات الَّتِي تقع بَين المتعاملين. ونفوذ الْأَمر فِيهِ على طَرِيق عُمُوم الْمصلحَة بالشفقة فَإِذا كَانَ بِحَسب الشَّرْع وَالْقِيَام بقوانينه وإنفاذ أَحْكَامه وَحمل النَّاس عَلَيْهِ طَوْعًا وَكرها ورغبة وَرَهْبَة ونظراً لَهُم كَافَّة بِلَا هوى وَلَا عصبية - فَهُوَ الْملك الْحَقِيقِيّ الَّذِي يسْتَحق هَذَا الِاسْم ويستوجبه بِحَسب مَعْنَاهُ. وَإِن لم يكن بِحَسب الشَّرْع وشروطه الَّتِي ذَكرنَاهَا فَهُوَ غالبة وَالرجل متغلب وَلَا يجب أَن يُسمى ملكا وَلَا صناعته ملكية وَلَا نُفُوذ أمره بِحَسب الْملك. وَقد استبان من هَذَا الْكَلَام حَقِيقَة الْملك وَالْفرق بَينه وَبَين المتغلب وَإِن كَانَ شرح ذَلِك يضيق عَن هَذَا الْمَكَان لَكِن الْإِشَارَة إِلَيْهِ كِفَايَة بَالِغَة.
стр. 112
(مَسْأَلَة مَا معنى قَول النَّاس هَذَا من الله وَهَذَا بِاللَّه وَهَذَا إِلَى الله وَهَذَا على الله)
وَهَذَا من تَدْبِير الله وَهَذَا تَدْبِير الله وَهَذَا بِإِرَادَة الله وَهَذَا بِعلم الله وحكاية طَوِيلَة فِي إِثْر هَذِه الْمَسْأَلَة عَن شيخ هَذِه الْمَسْأَلَة عَن شيخ فَاضل مقرظ وجوابات لَهُ؟ الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: أما النَّاس ومقصدهم بِهَذِهِ الْحُرُوف من الْمعَانِي فَلَا يُمكن أَن يعْتَذر لَهُ لِكَثْرَة وُجُوه مقاصدهم وَاخْتِلَاف آرائهم ومذاهبهم. وَلَيْسَ من الْعدْل تكليفنا ذَلِك وَلَو ذَهَبْنَا نعدد آراء النَّاس لطال فَكيف الِاعْتِذَار لَهُم وَتَأْويل أَقْوَالهم. وَأَنا أضمن بِالْجُمْلَةِ أَن أعرفك وَجه الصَّوَاب عِنْدِي فِي هَذِه الْمسَائِل وَمَا أذهب إِلَيْهِ وأجتهد لَك فِي إيضاحه على غَايَة الِاخْتِصَار والإيماء كَمَا شرطته فِي الرسَالَة الَّتِي صدرت بهَا فَأَقُول: إِن جَمِيع مَا يُطلق على الله - تَعَالَى ذكره - من هَذِه الْمعَانِي وَمَا ينْسب إِلَيْهِ من الْأَفْعَال والأسماء وَالصِّفَات إِنَّمَا هُوَ على الْمجَاز والتسمح وَلَيْسَ يُطَابق شَيْء من حقائق مَا تتعارفه بَيْننَا بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ - شَيْئا مِمَّا هُنَاكَ. وَأول ذَلِك أَن لَفْظَة من فِي هَذِه الْمسَائِل تسْتَعْمل فِي اللُّغَة وبحسب مَا قَالَه النحويون لابتداء الْغَايَة وَلَفْظَة إِلَى لانْتِهَاء الْغَايَة وَالْبَاء للاستعانة وَكَذَلِكَ سَائِر الْحُرُوف لَهَا معَان مبينَة عِنْدهم. وَلست أطلق شَيْئا من هَذِه الْحَقَائِق فِي الله إِلَّا مجَازًا فَإِنِّي لَا أَقُول إِن لفعله ابْتِدَاء وَلَا نِهَايَة وَلَا لَهُ استعانة بِشَيْء فنطلق عَلَيْهِ الْبَاء أَعنِي أَن يُقَال هَذَا تَدْبِير الله وَلَا تَدْبِير هُنَاكَ وَلَا حَاجَة بِهِ إِلَى هَذَا الْفِعْل وَلَا غَيره وَكَذَلِكَ أَقُول فِي سَائِر الْأَفْعَال المنسوبة إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ أَقُول
стр. 113
فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات الَّتِي أطلقت وَرخّص فِيهَا صَاحب الشَّرِيعَة وَإِنَّمَا أتبع فِيهَا الْأَثر وامتثل باستعمالها الْأَمر وَإِلَّا فَمن ذَا الَّذِي يُطلق حَقِيقَة الرَّحْمَن الرَّحِيم وَغَيرهمَا من الْأَوْصَاف على الْبَارِي المتعالي عَن الانفعالات وَإِنَّمَا الرَّحْمَة انفعالاً للنَّفس تصدر بحسبها أَفعَال محمودة بَيْننَا وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْء من هَذِه الْمعَانِي والحقائق وَلَكِن لما كَانَ الْإِنْسَان قدير الْجهد والوسع وَلَيْسَ عَلَيْهِ مَا لَا يَفِي بِهِ وَلَا يطيقه - أطلق أكْرم الْأَسْمَاء الَّتِي هِيَ ممدوحة شريفة بَيْننَا على الله - تَعَالَى - كَمثل السَّمِيع الْعَلِيم والجبار الْعَزِيز وأشباهها. وَأَنا أعتقد أَن الشَّرْع خَاصَّة أطلق لنا هَذِه الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وَلَو خلينا ورأينا لما أقدمنا على شَيْء مِنْهَا أصلا بِرُخْصَة وَلَا سَبَب. فَإِذا سمعنَا بِشَيْء من هَذِه الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال والحروف منسوبة إِلَى الله تَعَالَى - نَظرنَا فِيهِ: فَإِن كَانَ مُطلقًا فِي الشَّرِيعَة أطلقناه ثمَّ تأملنا مُرَاد قَائِله فَإِن كَانَ خيرا وَحِكْمَة وعدلاً تَرَكْنَاهُ ورأيه وَإِن لم يكن كَذَلِك ولائقاً بِإِضَافَة إِلَيْهِ أبطلناه وزيفناه وكذبنا قَائِله ونزهنا بارئنا الْوَاحِد المنزه المتعالي عَن هَذِه الْأَوْصَاف الْبَاطِلَة. ثمَّ إِنِّي وَجَدْتُك - أيدك الله - تحكي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة جوابات عَن شيخ
стр. 114
فَاضل تثني عَلَيْهِ وتسكن إِلَى قَوْله وتقنع بأجوبته فَرَأَيْت أَن أقنع أَبَا أَيْضا لَك بهَا وَذَلِكَ أَنَّك ذكرت فِي آخر الْمَسْأَلَة مَا هَذِه حكايته: طَال هَذَا الْفَصْل عَن هَذَا الشَّيْخ فِي معَان مُتَفَرِّقَة تجمع فَوَائِد غَرِيبَة بِأَلْفَاظ مختارة وتأليفات مستحسنة وَلَو أمكن أَن يَتْلُو كل مَا تقدم مثل هَذَا لَكَانَ فِي ذَلِك للعين قُرَّة للروح رَاحَة وَلَكِن الْوَقْت مَانع من الْمَفْرُوض الموظف فضلا عَن غَيره وَأَنا إِلَى إتْمَام الرسَالَة أحْوج مني إِلَى غَيره.
(مَسْأَلَة مَا الإلف الَّذِي يجده الْإِنْسَان لمَكَان يكثر الْقعُود فِيهِ ولشخص يتَقَدَّم الْأنس بِهِ ؟)
وَهَذَا ترَاهُ فِي الرجل يألف حَماما بل بَيْتا من الْحمام ومسجداً بل سَارِيَة فِي الْمَسْجِد وَلَقَد سَمِعت بعض الصُّوفِيَّة يَقُول: حالفتني حمى الرّبع أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ أَنَّهَا فارقتني فاستوحشتها. وَلم أعرف لاستيحاشي معنى إِلَّا الإلف الَّذِي عجنت الطينة بِهِ وطويت الْفطْرَة عَلَيْهِ وضبغت الرّوح بِهِ. الْجَواب: الإلف هُوَ تكَرر الصُّورَة الْوَاحِدَة على النَّفس أَو على الطبيعة
стр. 115
مرَارًا كَثِيرَة. فَأَما النَّفس فَإِنَّمَا تَتَكَرَّر عَلَيْهَا صور الإشياء إِمَّا من الْحس وَإِمَّا الْعقل. فَأَما مَا يَأْتِيهَا من الْحس فَإِنَّهَا تخزنه فِي شَيْبه بالخزانة لَهَا أعنى مَوضِع الذّكر وَتَكون الصُّورَة كالغريبة حِينَئِذٍ فَإِذا تكَرر مَرَّات شَيْء وَاحِد وَصُورَة وَاحِدَة زَالَت الغربة وَحدث الْأنس وَصَارَت الصُّورَة والقابل لَهَا كالشيء الْوَاحِد فَإِذا أعادت النَّفس النّظر فِي الخزانة الَّتِي ضربناها مثلا - وجدت الصُّورَة الثَّانِيَة فعرفتها بعد أنس وَهُوَ الإلف. وَهَذَا الإلف يحدث عَن كل محسوس بِالنّظرِ وَغَيره من الْآلَات. فَأَما مَا تَأْخُذهُ من الْعقل فَإِنَّهَا تركب مِنْهُ قياسات وتنتج مِنْهَا صوراً تكون أَيْضا غَرِيبَة ثمَّ بعد التكرر تنطبع فَيَقَع لَهَا الْأنس إِلَّا أَنه فِي هَذَا الْموضع لَا يُسمى إلفا وَلَكِن علما وملكة وَلِهَذَا يحْتَاج فِي الْعُلُوم إِلَى كَثْرَة الدَّرْس لِأَنَّهُ فِي أول الْأَمر يحصل مِنْهُ الشَّيْء يُسمى حَالا وَهُوَ كالرسم ثمَّ بعد ذَلِك بالتكرر يصير قنية وملكة وَيحدث الِاتِّحَاد الَّذِي ذَكرْنَاهُ. فَأَما الطبيعة فَلِأَنَّهَا أبدا مقتفية أثر النَّفس ومتشبهة بهَا إِذْ كَانَت كالظل للنَّفس الْحَادِث مِنْهَا فَهِيَ تجرى مجْراهَا فِي الْأَشْيَاء الطبيعية وَلذَلِك إِذا عود الْإِنْسَان طبعه شَيْئا حدثت مِنْهُ صُورَة كالطبيعة وَلِهَذَا قيل: الْعَادة طبع ثَان.
стр. 116
وَإِذا تصحفت الْأُمُور الَّتِي تعتاد فَتَصِير طبيعة وَجدتهَا كَثِيرَة وَاضِحَة أبين وَأظْهر من الإلف الَّذِي فِي النَّفس كمن يعود نَفسه الفصد وَالْبَوْل وَالْبرَاز وَغَيرهَا فِي أَوْقَات بِعَينهَا وَكَذَلِكَ الهضم فِي الْأكل وَالشرب وَسَائِر مَا تنْسب أفعالها إِلَى الطبيعة.
مَسْأَلَة طبية لم صَار الصرع من بَين الْأَمْرَاض صَعب العلاج ؟
وَسبب ذَلِك نرى الطَّبِيب كاليائس من برئه وَيُقَال: إِنَّه فِيمَن طغن فِي السن وَأخذ بدنه فِي الخلوقة أصعب وَفِي الصَّبِي اللين الْعود الرطب الطين السَّرِيع الْحَيْلُولَة أقرب مرَارًا وأسهل برءاً. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكوبه ﵀: الصرع هُوَ تشنج يحدث فِي الأعصاب ومبدأ العصب الدِّمَاغ لِأَنَّهُ من هُنَاكَ ينْبت فِي جَمِيع الْبدن وَسبب هَذَا التشنج بخار غليظ يكون من بلغم لزج وكيموس غليظ يسد منافذ الرّوح الَّتِي فِي بطُون الدِّمَاغ وَلِأَن البخار - وَإِن كَانَ غليظاً - فَهُوَ سريع التَّحَلُّل تكون الْإِفَاقَة سريعة بِحَسب تحلله. وَهَذَا الانسداد رُبمَا كَانَ من الدِّمَاغ نَفسه وَرُبمَا كَانَ باشتراك الْمعدة من بخار غليظ يرْتَفع إِلَيْهِ مِنْهَا وَهُوَ الْأَكْثَر وَرُبمَا كَانَ باشتراك عُضْو آخر.
стр. 117
والعليل يحس قبيل وَقت النّوبَة إِذا كَانَ من عُضْو غير الْمعدة كَأَن شَيْئا ينشأ من هُنَاكَ وينجذب إِلَى فَوق فيربط الطَّبِيب ذَلِك الْموضع ويلف عَلَيْهِ عصائب قَوِيَّة ليمنع البخار من الصعُود إِلَى الدِّمَاغ. وَلما كَانَ الصَّبِي ضَعِيف الدِّمَاغ رطبه كَانَ سَرِيعا إِلَى قبُول البخارات وحرارته فِي النشوء معمورة بِكَثْرَة الرطوبات وَلَيْسَ البخار بِشَيْء أَكثر رُطُوبَة كَثِيرَة تضعف الْحَرَارَة عَن تحليلها وإحالتها فَلذَلِك كثرت البخارات فِي رَأسه فَحدثت مِنْهُ السدد الَّتِي ذَكرنَاهَا. والطبيب الماهر لَا يعالج الصَّبِي بِشَيْء من أدوية الصرع بل يتْركهُ ويداوي الْموضع بإصلاح الْغذَاء فَإِن الطبيعة إِذا قويت وجف فضول الرطوبات عَن جَمِيع الْبدن وذكت الْحَرَارَة - زَالَ الصرع لنَفسِهِ لزوَال السَّبَب أَعنِي البخار الْكثير ولصلابة جَوْهَر الدِّمَاغ وَقلة قبُوله الْآفَات الَّتِي كَانَ سَببهَا رطوبته وَضَعفه وَإِنَّمَا غَايَة الطَّبِيب إصْلَاح اللَّبن للمرضعة بالغذاء الَّذِي يعدله حسب. فَأَما الطاعن فِي السن فَإِن أمره بالضد لِأَن ضعف آلاته كلهَا يكون من قبل الانحطاط وَضعف القوى والأعضاء وَلَيْسَ ينْتَظر بهَا أَن تتزيد فِي الْقُوَّة بل هِيَ فِي كل يَوْم إِلَى النُّقْصَان والضعف فَإِذا قبل دماغه بخاراً غليظاً من نَفسه أَو من عُضْو آخر صَار مغيضاً لَهُ وازداد فِي كل نوبَة قبولاً. والحرارة الَّتِي هِيَ سَبَب تخلخل البخارات أَيْضا تضعف عَن التَّحْلِيل فَلذَلِك يَقع الْيَأْس مِنْهُ. وَمن شَأْن الْمَادَّة الَّتِي تَنْصَرِف إِلَى مَوضِع الْبدن إِذا عاودته مرَارًا أَن تتسع لَهَا المجارى وتلزمها الطبيعة بِالْعَادَةِ الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي الْمَسْأَلَة الْمُتَقَدّمَة. فالآلة تزداد ضعفا والمادة تزداد انصباباً والبخار يزْدَاد كَثْرَة للرطوبة الغريبة الَّتِي تحدث فِي أبدان المستعدين لَهَا واستحالتها بلغماً فِي
стр. 118
معدتهم والحرارة تزداد ضعفا على التَّحْلِيل.
(مَسْأَلَة مَا سَبَب محبَّة النَّاس لمن قل رزؤه حَتَّى إِنَّهُم ليهيئون الطَّعَام الشهي لَهُ بالغرم الثقيل ويحملونه إِلَيْهِ فِي الجون على الرُّءُوس)
ويضعونه بَين يَدَيْهِ وَكلما ازْدَادَ ذَلِك الزَّاهِد تمنعاً ازْدَادَ هَؤُلَاءِ لجاجة فَإِن مَاتَ اتَّخذُوا قَبره مصلى وَقَالُوا: كَانَ كثير الصَّوْم قَلِيل الرزء وَإِذا عرض لَهُم من يَأْكُل الْكثير ويتذرع فِي اللقم مقتوه ونبدوه وكرهوا قربه واستسرفوا أدبه وَلعلَّة مَا هجر النَّاس زِيَارَة مَقَابِر الْمُلُوك وَالْخُلَفَاء ولهجوا بزيارة قُبُور أَصْحَاب الْبَتّ والخلقان وَأهل الضعْف والمسكنة. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: ذَلِك لِأَن الْإِنْسَان بِنَفسِهِ النامية يُنَاسب النَّبَات وبنفسه المتحركة بالإرادة يُنَاسب الْبَهَائِم وبنفسه الناطقة يُنَاسب الْمَلَائِكَة فَهُوَ إِنَّمَا فضل وَشرف بِهَذِهِ الْأَخِيرَة. والاغتذاء من خَاصَّة النَّبَات وَإِن كَانَ يعم الْحَيَوَان أَيْضا لأجل مَا فِيهِ من الْقُوَّة النامية.
стр. 119
فَأَما النَّفس الناطقة فَلَا حَاجَة بهَا إِلَى الْأكل وَالشرب. وَلما كَانَت الْمَلَائِكَة أشرف من الْأنس لاستعانها بذاتها عَن الْغذَاء وَبَقَاء خُرُوجهَا جوهرها - كَانَ الْإِنْسَان الْمُنَاسب لَهَا بِنَفسِهِ أَكثر وأشرف من الْإِنْسَان الَّذِي يُنَاسب النَّبَات والبهائم نِسْبَة أَكثر. وكما أَن الْإِنْسَان يستخف بالنبات والبهيمة ويستخدمها ويعظم الْمَلَائِكَة ويسبحها فَكَذَلِك من الْوَاجِب فِي كل شَيْء كَانَ مناسباً لتِلْك أَن يكون مهاناً مستخفاً بِهِ وَكلما كَانَ مناسباً لهَذَا أَن يكون مُعظما مشرفاً. وَهَذَا أبين من أَن يبسط فِيهِ قَول ويتكلف لَهُ جَوَاب وَلَكنَّا لم نحب الْإِخْلَال بِالْمَسْأَلَة رَأْسا فَلذَلِك علقنا فِيهِ هَذَا الْقدر.
(مَسْأَلَة لم صَار بعض النَّاس يولع بالتبذير مَعَ علمه بِسوء عاقبته)
وَآخر يولع بالتقتير مَعَ علمه بقبح القالة فِيهِ وَمَا الْفرق بَين الرزق وَالْملك فقد قَالَ لي شيخ من الفلاسفة - وَقد سمعنى أَشْكُو الْحَال - يَا هَذَا أَنْت قَلِيل الْملك كثير الرزق وَكم من كثير الْملك قَلِيل الرزق أَحْمد الله . الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: قد تقدم لنا فِي هَذِه الْمسَائِل كَلَام فِي السَّبَب الَّذِي يخْتَار النَّاس لَهُ فعل مَا تقبح عاقبته مَعَ علمهمْ بذلك وضربنا فِيهِ الْمثل بالمريض
стр. 120
الَّذِي يعلم أَن تنَاول الْغذَاء الضار يبطل صِحَّته فَإِن الْغذَاء إِنَّمَا احْتِيجَ إِلَيْهِ للصِّحَّة فيختار للشهوة الْحَاضِرَة أَخذ الْغذَاء الضار بِسوء ملكته وَضَبطه لنَفسِهِ وانقياده للنَّفس البهيمية وعصيانه للنَّفس الناطقة. وَلَا وَجه لإعادته. وَكَذَلِكَ قد بَينا مائية الرزق وَالْفرق بَين الْملك والرزق وَإِذا قرأته مِمَّا تقدم جَوَابا لهَذِهِ الْمَسْأَلَة.
(مَسْأَلَة خلقية لم يكن النَّاس لهجاً بطي مَا يَأْتِيهِ وكتمان مَا يَفْعَله وَيكرهُ أَن يطلع على شَيْء من أمره)
وَآخر يظْهر مَا يكون مِنْهُ ويتشنع بِهِ وَيدل النَّاس على قَليلَة وكثيرة. وَمَا معنى قَول النَّبِي ﵇ (اسْتَعِينُوا على أُمُوركُم بِالْكِتْمَانِ فَإِن كل ذِي نعْمَة مَحْسُود) . الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: قد مضى أَيْضا جَوَاب هَذِه الْمَسْأَلَة فِيمَا تقدم وكما يعرض للنَّفس فِي الْأَمْوَال الشُّح والسماحة كَذَلِك يعرض لَهَا فِي المعلومات فَمرَّة تسمح وَمرَّة تضن.
стр. 121
وَقد تقدم جَمِيع ذَلِك مستقصى حَيْثُ تكلمنا عَن السِّرّ فِيمَا مضى.
(مَسْأَلَة إرادية لم سمج مدح الْإِنْسَان لنَفسِهِ وَحسن مدح غَيره لَهُ وَمَا الَّذِي يحب الممدوح من المادح وَمَا سَبَب ذَلِك ؟)
الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: الْمَدْح تَزْكِيَة للنَّفس وَشَهَادَة لَهَا بالفضائل وَلما كَانَ الْإِنْسَان يحب نَفسه رأى محاسنها وخفى عَلَيْهِ مقابحها بل رأى لَهَا من الْحسن مَا لَيْسَ فِيهَا فقبح مِنْهُ الشَّهَادَة بِمَا لَا يقبل مِنْهُ وَلَا يرى لَهُ. فَأَما غَيره فلأجل غربته مِنْهُ وخلوه من آفَة الْعِشْق صَارَت شَهَادَته مَقْبُولَة ومدحه مسموعاً. وَرُبمَا كَانَ هَذَا الْغَيْر يجْرِي فِي محبَّة الممدوح مجْرى الْوَالِد وَالْأَخ وَالصديق الَّذِي مَحَله مِنْهُ قريب من مَحل نَفسه فعرضت لَهُ تِلْكَ الآفة بِعَينهَا أَو قريب مِنْهَا فقبح ثَنَاؤُهُ ومدحه وَلم يقبل مِنْهُ وَإِن كَانَ دون قبح الأول أَعنِي مادح نَفسه لِأَن أحدا لَا يبلغ فِي محبته غَيره دَرَجَة محبته نَفسه. فَأَما مَا يجده الممدوح من المادح فَهُوَ حلاوة الْإِنْصَاف وتأدية الْحق وَسَمَاع الْكَلَام الطّيب أَي المحبوب الْمُوَافق للإرادة.
стр. 122
(مَسْأَلَة إرادية وخلقية ولغوية مَا سَبَب ذمّ النَّاس الْبُخْل مَعَ غَلَبَة الْبُخْل عَلَيْهِم ؟)
وَمَا سَبَب مدحهم الْجُود مَعَ قلَّة ذَلِك فيهم وَهل الْجُود وَالْبخل طبيعيان أَو مكسوبان وَهل بَين الْبَخِيل واللئيم والشحيح والمنوع والنذل والوتح والمسيك والجعد والكز - فروق. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: أما سَبَب ذمّ النَّاس الْبُخْل فَلِأَن الْبُخْل مِنْهُ الْحق من يسْتَحقّهُ على الشُّرُوط الَّتِي تقدم ذكرهَا وَهُوَ فِي نَفسه أَمر مستقبح عِنْد الْعقل وَلَيْسَ يمْنَع من استقباحه غلبته عَلَيْهِم وَهُوَ خلق مَذْمُوم وَمرض للنَّفس مَكْرُوه وكما لَا يمنعهُم ذمّ أمراض الْبدن
стр. 123
وَإِن كَانَت مَوْجُودَة لَهُم كَذَلِك لَا يمْنَع ذمّ أمراض النَّفس وَإِن كَانَت غالبة عَلَيْهِم على أَن الْإِنْسَان فِي أَكثر الْأَمر يذم هَذَا الْعَارِض للنَّفس من الْبُخْل وَلَا يعْتَرف أَنه مَوْجُود فِيهِ إِلَّا إِذا كَانَ منصفاً من نَفسه عَارِفًا بِمَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا فقد سَمِعت جمَاعَة من الأصدقاء يذمون أنفسهم بِأُمُور ويشكون أَنهم فِي جهد من مداواتها وحرص على إِزَالَتهَا وان الْعَادة السَّيئَة قد أفسدت وَأما سَبَب مدحهم الْجُود فَلِأَن الْجُود فِي نَفسه أَمر حسن مَحْبُوب وَقد مر حَده فِيمَا مضى وَهُوَ فِي النَّفس كالصحة فِي الْبدن فَالنَّاس يؤثرونه ويمدحونه وجد لَهُم أم لم يُوجد. وَأما قَوْلك: هَل الْجُود وَالْبخل طبيعيان أم مكسوبان فَإِن الْأَخْلَاق بأجمعها لَيست طبيعية وَلَو كَانَت كَذَلِك لما عالجناها وَلَا أمرنَا بإصلاحها وَلَا طمعنا فِي نقلهَا وإزالتها إِذا كَانَت قبيحة ولكانت بِمَنْزِلَة الْحَرَارَة والإضاءة فِي النَّار وبمنزلة الثّقل والارجحنان فِي الأَرْض فَإِن أحدا لَا يروم معالجة هَذِه الطبائع وَلَا إِزَالَتهَا ونقلها وَلَكنَّا نقُول: إِنَّهَا - وَإِن لم تكن طبيعية - فَإِنَّهَا بِسوء الْعَادة أَو بحسنها تصير قريبَة من الطبيعة فِي صعوبة العلاج وَإِزَالَة الصُّورَة من النَّفس. ولسنا نسميها خلقا إِلَّا بعد أَن تصير هَيْئَة للنَّفس يصدر أبدا عَنْهَا فعل وَاحِد بِلَا روية فَأَما قبل ذَلِك فَلَا تسمى خلقا وَلَا يُقَال: فَلَا بخيل وَلَا جواد إِلَّا إِذا كَانَ ذَلِك دأبه. فَأَما الطِّفْل والناشىء فقد يكون مستعداً بمزاج خَاص لَهُ نَحْو قبُول خلق
стр. 124
بِعَيْنِه لكنه بؤدب وَيعود الْأَفْعَال الجميلة لتصير صُورَة لنَفسِهِ وهيئة لَهَا يصدر عَنْهَا - أبدا - ذَلِك الْفِعْل الْمَحْمُود كَمَا يكون مستعداً لقبُول مرض بِعَيْنِه فيعالج بالأغذية والأدوية إِلَى أَن ينْقل من ذَلِك الاستعداد إِلَى ضِدّه بتبديل المزاج إِلَى أَن يَصح وَلَا يقبل ذَلِك الْمَرَض. وَأما قَوْلك: هَل بَين الْأَلْفَاظ الَّتِي عددتها فروق فلعمري أَن بَينهَا فروقاً: أما الْبَخِيل واللئيم فقد فرقنا بَينهمَا فِيمَا تقدم من أَن اللؤم أَعم من الْبُخْل لِأَن كل لئيم بخيل وَلَيْسَ كل بخيل لئيماً واللؤم لَا يخْتَص بِالْمَالِ والأعراض حسب بل يكون فِي النّسَب والهمة وَالْبخل خَاص بِالْأَخْذِ والإعطاء. وَأما المسيك والمنوع فاشتقاقهما يدل على مَعْنَاهُمَا. وَأما المجعد والكز فلفظتان مستعارتان مأخوذتان من الجمادات. وَأما النذل والوتح فاسما مبالغه فِي الذَّم وكل وَاحِد أبلغ من الآخر والنذالة أبلغ من الْقلَّة والوتاحة وَفِي مثل للعامة: فلَان مقدد الْعرس وَذكره بِعَيْنِه أرسططاليس. ودلني على ان تِلْكَ اللُّغَة وَافَقت هَذِه اللُّغَة فِي هَذَا الْمثل أَو أَخذه قوم عَن قوم. وَهَذَا قد تجَاوز الْبُخْل الَّذِي هُوَ منع الْحق أَهله على الشُّرُوط وانحط إِلَى غَايَة فِي مُعَاملَة نَفسه أَكثر من غَايَة الْبَخِيل فِي مُعَاملَة غَيره.
стр. 125
(مَسْأَلَة إرادية وخلقية وعَلى ذمّ النَّاس الْبُخْل ومدحهم الْجُود مَا سَبَب اجْتِمَاعهم على استشناع الْغدر واستحسان الْوَفَاء مَعَ غَلَبَة الْغدر وَقلة الْوَفَاء ؟)
وَهل هما عرضان فِي أهل الْجَوْهَر أم مصطلح عَلَيْهِمَا فِي الْعَادة الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: سَبَب اسْتِحْسَان النَّاس الْوَفَاء حسنه فِي الْعقل وَذَلِكَ أَن النَّاس لما كَانُوا مدنيين بالطبع اضطروا إِلَى أُمُور يتعاقدون على لُزُومهَا لتصير بالمعاونة أسباباً لتَمام أغراض أخر. وَقد تكون هَذِه الْأُمُور فِي الدّين السِّيرَة وَفِي الْمَوَدَّة والمعاملة وَفِي الْملك وَالْغَلَبَة وَبِالْجُمْلَةِ فِي كل مَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى التمدن وَمَا يتم بالمعاونات فَتقدم لَهَا أَسبَاب تعقد بَينهم حَالا يراعونها أبدا فِي تَمام ذَلِك الْأَمر فَإِذا ثَبت عَلَيْهَا قوم ولزموها تمت أغراضهم وَإِذا زَالُوا عَنْهَا وخاس بَعضهم بِبَعْض فِيهَا انتقضت عَلَيْهِم الْأَغْرَاض وانتقضت عَن بُلُوغ التمامات. وبحسب الْأَمر الْمَقْصُود بالتمام يكون حسن الْوَفَاء وقبح الْغدر فَإِن كَانَ الْأَمر شريفاً كَرِيمًا عَام النَّفْع استشنع الْغدر فِيهِ وَاسْتحْسن الْوَفَاء وبالضد.
(مَسْأَلَة فِي مبادىء الْعَادَات مَا مبدأ الْعَادَات الْمُخْتَلفَة من هَذِه الْأُمَم المتباعدة)
فَإِن الْعَادة مُشْتَقَّة من عَاد يعود واعتاد يعْتَاد فَكيف فزع النَّاس إِلَى أوائلها وجروا عَلَيْهَا
стр. 126
وَمَا هَذَا الْبَاعِث الَّذِي رتب كل قوم فِي الزي وَفِي الْحِيلَة وَفِي الْعبارَة وَالْحَرَكَة على حُدُود لَا الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: لعمري إِن الْعَادة من عَاد يعود فَأَما السُّؤَال عَن مبادىء الْعَادَات وَكَيف نزع النَّاس إِلَى أوائلها وَمَا كَانَت تِلْكَ الْأَوَائِل وَمن شبق إِلَيْهَا ورتبها لكل قوم فِي الزى فَأمر لَا أضمن لَك الْوَفَاء فِيهِ وَلَو ضمنه ضَامِن لي لما رغبت فِيهِ وَلَا عددته علما وَلَا كَانَ فِيهِ طائل.
(مَسْأَلَة طبيعية لم لم يرجع الْإِنْسَان بَعْدَمَا شاخ وخرف وكهلاً ثمَّ شَابًّا غريراً ثمَّ غُلَاما صَبيا ثمَّ طفْلا كَمَا نَشأ وعلام يدل هَذَا النّظم وَإِلَى أَي شَيْء يُشِير هَذَا الحكم ؟)
الْجَواب: قَالَ أَو عَليّ مسكويه ﵀: لَيست الشيخوخة والهرم نِهَايَة نشوء الْإِنْسَان وَلَا غَايَة الْحَرَكَة الطبيعية أعنى النامية فتروم - أيدك الله - أَن يعود الشَّيْخ فِي مسالكها إِلَى المبدأ الَّذِي تحرّك مِنْهُ بل يَنْبَغِي أَن تعلم أَن غَايَة النشوء وَالْحَرَكَة إِنَّمَا هِيَ عِنْد مُنْتَهى الشَّبَاب ثمَّ حِينَئِذٍ يقف وَذَلِكَ زمَان التكهل ثمَّ ينحط وَذَلِكَ زمَان الشيخوخة
стр. 127
وَذَلِكَ أَن الْحَرَارَة الغريزية الَّتِي فِي الإجسام المركبة من الطبائع الْأَرْبَع مَا دَامَت فِي زِيَادَة قوتها فَهِيَ تنشىء الْجِسْم الَّذِي هِيَ فِيهِ بِأَن تجتذب إِلَيْهِ الرطوبات الملائمة بدل مَا يتَحَلَّل مِنْهَا فَتكون غذَاء لَهُ ثمَّ تبقى بَقِيَّة جذبها فضل الْقُوَّة - فاضلة عَن قدر الْغذَاء الَّذِي عوض من المتحلل فزادتها فِي مساحة الْجِسْم ومددت بهَا أقطاره فَإِذا تناهت الْقُوَّة وقفت فَلم تزد فِي الأقطار شَيْئا بل غايتها حِينَئِذٍ أَن تحفظ على ذَلِك الْجِسْم أقطاره ومقداره بِأَن تغذية أَعنِي أَن تجتذب من الرطوبات مِقْدَار مَا يسري فِي الْجِسْم عوضا عَمَّا تحلل بِلَا زِيَادَة تَنْصَرِف إِلَى التزييد والتمديد. ثمَّ إِن الْحَرَارَة تضعف قَلِيلا وَتَأْخُذ فِي النُّقْصَان بعد أَن تقف وَقْفَة فِي زمَان التكهل فيبتدىء الْبدن فِي النَّقْص وَيصير الْإِنْسَان إِلَى الانحطاط عَن تِلْكَ الْحَرَكَة الأولى فَلَا يزَال الْغذَاء ينقص عَن مِقْدَار الْحَاجة فَلَا يَفِي مَا يعتاض من الرُّطُوبَة بِمَا تحلل مِنْهَا فَهُوَ كَذَلِك إِلَى أَن يهرم ويبلغ إِلَى الإنحلال الَّذِي هُوَ مُقَابل التَّرْكِيب الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ وَهُوَ الْمَوْت الصَّحِيح الطبيعي. وَهَذِه سَبِيل كل حَرَكَة قهرية فِي أَنَّهَا تبتدىء بتزيد ثمَّ تَنْتَهِي إِلَى غَايَة ثمَّ تقف وَقْفَة ثمَّ تنحط. وَلما كَانَ مزاج الْإِنْسَان وكل مركب من الطبائع المتضادة إِنَّمَا كَانَ بِجَامِع جمعهَا وقاهر قهرها حَتَّى ألفها مَعَ تضادها ونفور بَعْضهَا من بعض - صَارَت حركتها قهرية وَمن شَأْن الْحَرَكَة القهرية مَا ذكرت من أمرهَا إِذا لم يتبعهَا القاهر أبدا بقهر بعد قهر. فَوَجَبَ فِي حَرَكَة النشوء مَا وَجب فِي كل حَرَكَة من جِنْسهَا وَلم يعد الشَّيْخ كهلاً ثمَّ شَابًّا ثمَّ طفْلا لِأَن الْحَرَكَة لم تقع على هَذَا النظام وَلَا الشيخوخة هِيَ غَايَة الْحَرَكَة بل هِيَ غَايَة الضعْف وَنَظِير الطفولة. ووسط زمَان الْإِنْسَان الَّذِي بَين الطفولة والشيخوخة هُوَ غَايَته ثمَّ الْعود فِي الانحطاط وَالْحَرَكَة يكون على سَبِيل مَا بَدَأَ.
стр. 128
(مَسْأَلَة إرادية مَا الَّذِي يجده الْإِنْسَان فِي تَشْبِيه الشَّيْء بالشَّيْء)
حَتَّى يخْطر ذَلِك الْمَعْنى على قلبه ويلهج بِذكرِهِ فِي قوافيه ونثره وَلم إِذا لم يكن التَّشْبِيه وَاقعا وَالْمعْنَى فِيهِ بارعاً - أورث الصدود وَمِنْه الِاسْتِحْسَان. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: الَّذِي يجده الْإِنْسَان من ذَلِك هُوَ السرُور بِصدق التخيل وَحسن انتزاع الصُّور من الْموَاد حَتَّى تأحدت الصُّورَة بعد أَن كثرتها الْمَادَّة. وَذَلِكَ أَن تَشْبِيه الخوخة بالحمصة هُوَ انتزاع الشكل الَّذِي وجدفي مادتيهما وملاحظتهما شَيْئا وَاحِدًا وَإِن اخْتلفت بِهِ الْموَاد فِي الْكبر والصغر والرطوبة واليبوسة واللون والمذاق وَغَيرهَا من الْأَعْرَاض. والتفطن لذَلِك وَتَجْرِيد الصُّور من الْموَاد ورد بَعْضهَا إِلَى بعض من خَاص فعل النَّفس فالشرور بِهِ سرُور نفساني فَلذَلِك يلهج بِهِ كَمَا يلهج بِمَا يظفر إِذا كَانَ طبيعياً بل هَذَا أشرف وَأفضل.
(مَسْأَلَة فِي الرُّؤْيَا مَا السَّبَب فِي صِحَة بعض الرُّؤْيَا وَفَسَاد بَعْضهَا)
وَلم لم تصح الرؤى كلهَا أَو لم لم تفْسد كلهَا؟
стр. 129
وعلام يدل ترجحها بَين هذَيْن الطَّرفَيْنِ فَلَعَلَّ فِي ذَلِك سرا يظْهر بالامتحان. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: قد صَحَّ وَثَبت من المباحث الفلسفية أَن النَّفس أَعلَى من الزَّمَان وَأَن أفعالها غير مُتَعَلقَة بِشَيْء من الزَّمَان وَلَا محتاجة إِلَيْهِ إِذْ الزَّمَان تَابع للحركة وَالْحَرَكَة خَاصَّة بالطبيعة وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فالأشياء كلهَا حَاضِرَة فِي النَّفس سَوَاء الْمَاضِي والمستقبل مِنْهَا فَهِيَ ترَاهَا بِعَين وَاحِدَة وَالنَّوْم إِنَّمَا هُوَ تَعْطِيل النَّفس بعض آلاتها إجماماً لَهَا - أَعنِي بالآلات الْحَواس - وَهِي إِذا عطلت هَذِه الْحَواس بقيت لَهَا أَفعَال أخر ذاتية خَاصَّة بهَا من الْحَرَكَة الَّتِي تسمى رُؤْيَة وجولاناً نفسانياً. وَهَذِه الْحَرَكَة الَّتِي لَهَا فِي ذَاتهَا تكون لَهَا بِحَسب حَالين: إِمَّا إلهياً وَهُوَ نظرها فِي أفقها الْأَعْلَى وكما أَنَّهَا إِذا كَانَت مستيقظة ترى بحاسة الْعين الشَّيْء مرّة رُؤْيَة جلية وَمرَّة رُؤْيَة خُفْيَة بِحَسب الْقُوَّة الباصرة من الحدة والكلال وبحسب الشَّيْء المنظور إِلَيْهِ فِي اعْتِدَال الْمسَافَة وبحسب الْأَشْيَاء الحائلة بَينهَا وَبَينه من الرقة والكثافة. وَهَذِه أَحْوَال لَا يَسْتَوِي فِيهَا النّظر بل رُبمَا نظر النَّاظر بِحَسب وَاحِدَة من هَذِه الْعَوَارِض إِلَى حَيَوَان فَظَنهُ جماداً وَرُبمَا ظَنّه سبعا وَهُوَ إِنْسَان وَبِمَا ظَنّه زيدا وَهُوَ عَمْرو فَإِذا زَالَت تِلْكَ الْمَوَانِع وَارْتَفَعت الْعَوَائِق أبصرهَا بصراً تَاما - كَذَلِك حَالهَا إِذْ كَانَت نَائِمَة أَي غير مستعملة آلَة الْحس إِنَّمَا ترى من الشَّيْء مَا يحصل من الرَّسْم الأول - أَعنِي الْجِنْس العالي الشَّامِل للأشياء الَّتِي
стр. 130
هُوَ عَام لَهَا - ثمَّ لَا يزَال يتَخَلَّص لَهَا بِصُورَة بعد صُورَة حَتَّى ترَاهُ صَرِيحًا بَينا فَإِن اتّفق أَن ترى من الشَّيْء رسمه احْتِيجَ فِيمَا ترَاهُ إِلَى تَأْوِيل وَعبارَة وَإِن رَأَتْهُ مكشوفاً مُصَرحًا كَانَت الرُّؤْيَا غير محتاجة إِلَى التَّفْسِير بل يكون الشَّيْء بِعَيْنِه الَّذِي رَأَتْهُ فِي النّوم هُوَ الَّذِي ستراه فِي الْيَقَظَة. وَهَذَا هُوَ الْقسم الَّذِي لَهَا بِحَسب نظرها السَّرِيع الشريف الَّذِي من أفقها الْأَعْلَى وَبِه تكون الإنذارات والرؤيا الصادقة الَّتِي هِيَ جُزْء من النُّبُوَّة. فَأَما الْقسم الآخر الَّذِي لَهَا بِحَسب نظرها الأدون من أفقها الْأَسْفَل فَإِنَّهَا تتصفح الْأَشْيَاء المخزونة عِنْدهَا من الصُّور الحسية الَّتِي إِنَّمَا استقتها من المبصرات والمسموعات بالحواس وَهِي منثورة لَا نظام لَهَا وَلَا فِيهَا إنذار بِشَيْء وَرُبمَا ركبت هَذِه الصُّور تركيباً عبثياً كَمَا يَفْعَله الساهي أَو العابث من أَفعَال لَا يقْصد بهَا غَرضا كالولع بالأطراف وَبِمَا يَليهَا من الْأَشْيَاء وَلَا فَائِدَة لَهُ فِيهَا. وَهَذِه الرؤى لَا تتأول وَإِنَّمَا هِيَ الأضغاث الَّتِي سَمِعت بهَا.
(مَسْأَلَة مَا الرُّؤْيَا فقد جلّ الْخطب فِيهَا وَهِي جُزْء من أَجزَاء النُّبُوَّة)
وَمَا الَّذِي يرى وَمَا يرى وَمَا الَّذِي يرى مَا يرى النَّفس أم الطبيعة أم الْإِنْسَان وأكره أَن أرقى إِلَى الْبَحْث عَن النَّفس وَتَحْقِيق شَأْنهَا وَمَا قَالَ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ فِيهَا. وَإِذا كَانَ هَذَا معجزاً وَعَن الطَّاقَة بارزاً فَمَا ظَنك بالبحث عَن الْعقل وأفقه أَعلَى وعالمه أشرف وآثاره ألأطف وميزانه أَشد اتِّصَالًا وبرهانه أبعد مجالاً وشعاعه أقوى سُلْطَانا وفوائده أَكثر عيَانًا.
стр. 131
الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن النَّفس ترى عِنْد غيبَة المرئيات مَا ترَاهُ من وَهَذِه حَال يجدهَا الْإِنْسَان من نَفسه ضَرُورَة لَا يُمكنهُ أَن يدفعني عَنْهَا وَإِلَّا فَمن أَيْن لنا صُورَة بَغْدَاد وخراسان والبلاد الَّتِي شاهدناها مرّة ثمَّ مَنَازلنَا بهَا وصور أصدقائنا فِيهَا وَجَمِيع مَا نتذكره مُنْذُ الصَّبِي لَوْلَا حُصُول هَذِه الصُّورَة فِي الحاس الْمُشْتَرك سِيمَا وَقد تبين بَيَانا لَا ريب فِيهِ أَن الْبَصَر وَسَائِر الْحَواس إِنَّمَا هِيَ انفعالات من المحسوسات واستحالات إِلَيْهَا وَهَذِه الاستحالة لَا تثبت بعد زَوَال المحسوس المخيل فلولا هَذَا الحاس الْمُشْتَرك الْعَام الَّذِي تثبت فِيهِ صور المحسوسات وَلَا تَزُول لَكنا إِذا أبصرنا شَيْئا أَو سمعناه ثمَّ زَالَ عَن بصرنا وَسَمعنَا زَالَت عَنَّا صورته أَلْبَتَّة حَتَّى لَا يمكننا أَن نَعْرِف صورته إِلَّا إِذا وَقعت أبصارنا وَأَسْمَاعِنَا عَلَيْهِ ثَانِيًا وَلَكنَّا أَيْضا مَعَ أبصارنا لَهُ ثَانِيًا وثالثاً لَا نعلم أَنه الأول وَكَذَلِكَ المسموعات. وَلَوْلَا أننا نستثبت صُورَة المحسوسات أَولا أَولا فِي هَذِه الْقُوَّة - أَعنِي الحاس الْعَام الْمُشْتَرك - لَكنا لَا نستفيد بِالْقِرَاءَةِ ورؤية الرقص والحركات كلهَا الَّتِي تَنْتَهِي مَعَ آنات الزَّمَان شَيْئا أَلْبَتَّة لِأَن الْبَصَر مُسْتَحِيل بِقِرَاءَة الْحَرْف بعد الْحَرْف وبالحركة بعد الْحَرَكَة فَلَا تثبت الْحَالة الأولى من استحالتها وَلَو ثَبت الأولى لما حصلت الثَّانِيَة لَكِن الْأَمر بالضد فِي وجودنا هَذِه الصُّور بعد مفارقتها كَأَنَّهَا نصب عيوننا ترَاهَا النَّفس. وَهَذِه الرُّؤْيَة الَّتِي تسمى تذكراً فِي الْيَقَظَة هِيَ بِعَينهَا تسمى فِي النّوم رُؤْيا وَلَكِن هُنَاكَ حَال أُخْرَى زَائِدَة على حَال الْيَقَظَة لِأَن قوى النَّفس عِنْد تَعْطِيل الْحَواس تتوفر على الرُّؤْيَة فترى أَيْضا الْأَشْيَاء الْآتِيَة فِي الزَّمَان
стр. 132
الْمُسْتَقْبل: إِمَّا رُؤْيَة جلية وَإِمَّا رُؤْيَة خَفِيفَة كالرسم. واشتقاق هَذِه الْأَلْفَاظ يذلك - أَيهَا الشَّيْخ اللّغَوِيّ أيدك الله - أَن الْمَعْنى فِيهَا وَاحِد لِأَن الرُّؤْيَة والروية والرؤيا - وَإِن اخْتلفت بالحركات - فَهِيَ متفقة بالحروف وَكَذَلِكَ إِذا قلت: رأى فلَان وارتأى وروى فَهَذِهِ صُورَة الْأَسْمَاء المشتقة وَأَنت تعرف أَحْكَامهَا لدربتك بهَا. وَكَذَلِكَ الْحَال فِي أبْصر واستبصر وَفِي الْبَصَر والبصيرة. فَأَما لَفْظَة النّظر فَإِنَّهَا اسْتعْملت بِعَينهَا فِي الْأَمريْنِ جَمِيعًا من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان فَقيل لما كَانَ بالحس: نظر وَلما كَانَ بِالْعقلِ: نظر من غير تَغْيِير لحركة وَلَا تَبْدِيل لحرف. فقد تبين مَا الرُّؤْيَا وَمَا الَّذِي يرى وَمَا الَّذِي يرى: أما الرُّؤْيَا مُلَاحظَة النَّفس صور الْأَشْيَاء مُجَرّدَة من موادها عِنْد النّوم. وَأما الَّذِي يرى فَالنَّفْس بالآلة الَّتِي وصفناها. وَأما الَّذِي يرى فالصورة الْمُجَرَّدَة. وَقد مر فِي الْمَسْأَلَة الْمُتَقَدّمَة كَيفَ يكون بعض الْمَنَام صَادِقا وَبَعضه كَاذِبًا وَبَعضه إنذاراً وَبَعضه أحلاماً وَبَعضه أضغاثاً وَلَكِن بغاية الإيجاز لأَنا لَو شرحنا هَذِه الْمَوَاضِع لاحتجنا إِلَى تصنيف عدَّة كتب نقرر فِيهَا الْأُصُول ونلخص بعْدهَا الْحُرُوف وَلَكِن الشَّرْط سبق بِغَيْر هَذَا وَسُرْعَة فهمك أمتع الله بك - وقبولك لما يشار بِهِ - يَقْتَضِي مَا رَأَيْنَاهُ ووأيناه.
стр. 133
(مَسْأَلَة إرادية وخلقية مَا السَّبَب فِي تصافي شَخْصَيْنِ لَا تشابه بَينهمَا فِي الصُّورَة وَلَا تشاكل عِنْدهمَا فِي الْخلقَة)
وَلَا تجَاوز بَينهمَا فِي الدَّار كواحد من فرغانة وَآخر من تاهرت وَهَذَا طَوِيل قويم وَهَذَا قصير دميم وَهَذَا شخت عجف وَهَذَا علج جلف وَهَذَا أزب أشعر وَهَذَا
стр. 134
أمعر أزعر وَهَذَا أعيا بَاقِل وَهَذَا أبلغ من سحبان وَائِل وَهَذَا أَجود من السَّحَاب إِذا سح بودق بعد برق وَهَذَا أيخل من كلب على
стр. 135
عرق، إِذا ظفر بعرق وَبَينهمَا من الْخلاف وَالِاخْتِلَاف مَا يعجب النَّاظر إِلَيْهِمَا والفاحص عَن أَمرهمَا. وعَلى ذكر الْخلاف وَالِاخْتِلَاف مَا الْخلاف وَالِاخْتِلَاف وَمَا الإلف والائتلاف نعم ثمَّ لَا تراهما إِلَّا متمازجين فِي الْأَخْذ والإعطاء والصدق وَالْوَفَاء وَالْعقد وَالْوَلَاء وَالنَّقْص والنماء بِغَيْر نحلة عَامَّة وَلَا مقَالَة ضامة وَلَا حَال جَامِعَة وَلَا طبيعة مضارعة. ثمَّ هَذَا التصافي لَيْسَ يخْتَص ذكرا وذكراً دون ذكر وَأُنْثَى وَدون أُنْثَى وَأُنْثَى. وَإِذا تنفس الِاعْتِبَار أدّى إِلَى طرق مُخْتَلفَة: مِنْهَا أَن التصافي قد يَمْتَد وَقد يَنْقَطِع فَفِيمَا يَمْتَد مَا يبلغ آخر الدَّهْر وَفِيمَا يَنْقَطِع مَا لَا يثبت إِلَّا شهرا أَو أقل من شهر. وَمن أعجب مَا يَنْبع مِنْهُ الْعَدَاوَة والشحناء والحسد والبغضاء حَتَّى كَأَن ذَلِك التصافي كَانَ عين التَّنَافِي وَحَتَّى يُفْضِي إِلَى عظائم الْأُمُور وَإِلَى غرائب الشرور وَإِلَى مَا يُفْتِي التالد والطارف وَيَأْتِي على الْبَقِيَّة
стр. 136
المرجوة. وَرُبمَا سرت الْعَدَاوَة فِي الْأَوْلَاد كَأَنَّهَا بعض الْإِرْث وَرُبمَا زَادَت على مَا كَانَت بَين الْآبَاء. وَهَذَا بَاب عسر وللتعجب فِيهِ مجَال وموقع والعلل فِيهِ مخبوءة. وقلما تصيب فِي زَمَانك هَذَا ذهناً يولع بالبحث عَن غامضه ويلهج بِالْمَسْأَلَة عَن مشكله. وليتهم إِذْ زهدوا فِي هَذِه الحكم لم يقذفوا الخائضين فِيهَا والمنقبين عَنْهَا بالتهم ﴿﴾ ! . الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: سَبَب الصداقات بَين النَّاس يَنْقَسِم أَولا إِلَى قسمَيْنِ عاليين وهما أَسبَاب الذاتي والعرضي. ثمَّ يَنْقَسِم كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى أَقسَام وبحسب أَقسَام المودات تَنْقَسِم أَيْضا أَسبَاب العداوات. وَإِذا عرف أحد المتقابلين عرف مُقَابِله الآخر لِأَن أقسامه كأقسامه. أما السَّبَب الذاتي من أَسبَاب التصافي فَهُوَ السَّبَب الَّذِي لَا يَسْتَحِيل ويبقي بِبَقَاء الشخصين فَأَما المزاج فقد يُوجد بَين الإنسانين وَبَين الهيمتين فَإِن تشاكل الأمزجة يؤلف ويجذب أحد المتشاكلين بهَا إِلَى الآخر من غير قصد وَلَا روية وَلَا اخْتِيَار كَمَا تَجِد ذَلِك فِي كثير من أَنْوَاع الْبَهَائِم وَالطير والحشرات. وَكَذَلِكَ تَجِد بَين الأمزجة المتباعدة عداوات ومنافرات من غير قصد وَلَا روية وَلَا اخْتِيَار
стр. 137
وَإِذا تصفحت ذَلِك وجدته أَكثر من أَن يُحْصى. وَإِن ارتقيت من الأمزجة إِلَى البسائط من الْأُمُور وجدت هَذَا مستمراً أَيْضا فِيهَا - أَعنِي المشاكلة والمحبة والمنافرة والعداوة - فَإِن بَين المَاء وَالنَّار من المنافرة والمعاداة وهرب كل وَاحِد مِنْهُمَا من صَاحبه ليبعد عَنهُ ثمَّ ميل كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى جنسه وَطَلَبه لشكله ليتصل بِهِ - أَمر لَا خَفَاء بِهِ على أحد. فَإِن انضاف إِلَى ذَلِك مزاج مُنَاسِب بتأليف مُوَافق ظهر السَّبَب وقوى كَمَا يُوجد حجر المغناطيس وَالْحَدِيد وَبَين حجري الْخلّ أَعنِي محب الْخلّ وباغض الْخلّ. وَفِي الْحَيَوَان من هَذَا الْمَعْنى شَيْء كثير بَين لَا يحْتَاج إِلَى تعديده وإطالة الْجَواب بِذكرِهِ. وَإِذا كَانَ اتِّفَاق الجسمين يُوجب الْمَوَدَّة بالجوهر وبالمزاج الْخَاص فكم بالحرى أَن يُوجِبهَا اتِّفَاق النفسين إِذا كَانَ بَينهمَا مُنَاسبَة ومشاكلة. وَأما الْأَسْبَاب العرضية فَهِيَ كَثِيرَة وَبَعضهَا أقوى من بعض: فأحد أَسبَاب الْمَوَدَّة العرضية الْعَادة والإلف. وَالثَّانِي الْأَمر النافع أَو المظنون بِهِ النَّفْع. وَالثَّالِث اللَّذَّة وَالرَّابِع الأمل وَالْخَامِس الصناعات والأغراض وَالسَّادِس الْمذَاهب والآراء وَالسَّابِع العصبيات. ثمَّ طول مكث أحد هَذِه الْأَسْبَاب وقصره عِلّة طول المودات وقصرها. وَمِثَال النافع مودات الأتباع أَو الخدم وأربابهم وَأَصْحَاب الشّركَة
стр. 138
والتجارات وطلاب الأرباح والمكاسب. وَمِثَال اللذيذ مَوَدَّة الرجل وَالْمَرْأَة على أَن هُنَاكَ أَيْضا مَوَدَّة النافع ومودة الآمل فَهُوَ لذَلِك قوى وثيق ومودة المتعاشقين المتعاشرين على الْمَأْكُول والمشروب والمركوب وَمَا أشبه ذَلِك. وَأما مِثَال الرَّجَاء والأمل فكثير وَلَعَلَّ مَوَدَّة الْوَالِدين للْوَلَد فِيهَا شَيْء من هَذَا الضَّرْب لِأَنَّهُ مَتى زَالَ الأمل وَقَوي الْيَأْس انتفيا من الْوَلَد وزالت الْمَوَدَّة وَحدث البغض. فَأَما مَوَدَّة الْوَلَد فالنفع لَا غير ثمَّ يصير مَعَ ذَلِك أَيْضا إلفاً. وَلست أَقُول إِن الْأَسْبَاب كلهَا مَوَدَّة الْوَالِدين مَا ذكرته فَإِن هُنَاكَ أسباباً أخر طبيعية وَلَكِن وَمِثَال الصناعات والأغراض كثير ظَاهر لَا يحْتَاج إِلَى ذكره مَعَ ظُهُور. وَمِثَال النَّحْل والعصبيات كَذَلِك أَيْضا فِي الْبَيَان والظهور. وَهَذِه الْأَقْسَام محصورة تَحت قوى النَّفس الْبَهِيمَة والغضبية والناطقة. فَمَا كَانَ مِنْهَا عَن نِسْبَة ومشاكله بَين النَّفس النامية والبهيمة كَانَ مِنْهُ أَسبَاب الْمَوَدَّة للذيذ أَو النافع. وَمَا كَانَ مِنْهَا بِسَبَب مشاكلة بَين النَّفس الغضبية كَانَ مِنْهُ أَسبَاب الْمَوَدَّة للغلبة كالاجتماع للصَّيْد وَالْحَرب وَسَائِر العصبيات الَّتِي تكون فِيهَا قُوَّة الْغَضَب. وَمَا كَانَ مِنْهَا عَن نِسْبَة ومشاكلة فِي النَّفس الناظقة كَانَ مِنْهُ الْمَوَدَّة الَّتِي للدّين والآراء. وَهَذِه تتركب وتنفرد فَكلما تركبت وَكَثُرت الْأَسْبَاب، وقويت
стр. 139
الْمَوَدَّة وَكلما تفردت ضعفت الْمَوَدَّة وَيكون زمَان الْمكْث بِحَسب ذَلِك أَيْضا. وَأقوى الأٍسباب المفردة العرضية مَا كَانَ عَن النَّفس الناطقة ويتلوه مَا كَانَ عَن النَّفس الغضبية. وَأَنت تستقرىء ذَلِك وتتبينه لِئَلَّا يطول الْجَواب فَيخرج عَن الشَّرْط الأول من تحري الإيجاز. وجميعها يَزُول بِزَوَال أَسبَابهَا وَلَيْسَ مِنْهَا شَيْء ثَابت لَا يَزُول إِلَّا الْجَوْهَرِي الذاتي إِمَّا نفسا وَإِمَّا طبيعة.
مَسْأَلَة مَا الْعلم؟ وَمَا حَده وطبيعته ؟
فقد رَأَيْت أَصْحَابه يتناهبون الْكَلَام فِيهِ وَقَالَ قوم: هُوَ معرفَة الشَّيْء على مَا هُوَ عَلَيْهِ وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ اعْتِقَاد الشَّيْء
стр. 140
على مَا هُوَ بِهِ. وَقَالَ قَائِلُونَ: هُوَ إِثْبَات الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ. فَقيل لصَاحب القَوْل الأول: لَو كَانَ حد الْعلم معرفَة الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ لَكَانَ حد الْمعرفَة على الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ وَالْحَاجة إِلَى تَحْدِيد الْمعرفَة كالحاجة إِلَى حد الْعلم. وَهَذَا جَوَاب فِيهِ سَهْو وإيهام. وَقيل لصَاحب القَوْل الثَّانِي: إِن كَانَ حد الْعلم اعْتِقَاد الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ فَبين أَن كَون الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ سبق الإعتقاد ثمَّ اعْتقد والاعتقاد سبق كَون الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ فَإِن مَا هُوَ بِهِ هُوَ المبحوث عَنهُ وَمن أَجله وضع الْعيار وَلزِمَ الِاعْتِبَار. فَقَالَ الْمُجيب مواصلاً لكَلَامه الأول: هُوَ اعْتِقَاد الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ مَعَ سُكُون النَّفس وثلج الصَّدْر. فَقيل لَهُ: إِن الإعتقاد افتعال من العقد يُقَال: عقد واعتقد وَالْكَلَام عقد وَالتَّاء عرض لغَرَض لَيْسَ من سوس الْكَلِمَة فَإِذن هُوَ فعل مُضَاف إِلَى الْعَاقِد الَّذِي لَهُ عقد والمعتقد الَّذِي لَهُ اعْتِقَاد وَالْمَسْأَلَة لم تقع عَن فعل وَإِنَّمَا وَقعت عَن الْعلم الَّذِي لَهُ قوام بِنَفسِهِ وانفصال من الْعَالم أَلا ترى أَن لَهُ اتِّصَالًا بِهِ فَهَب أَنَّك تحده باعتقاد الْإِنْسَان الشَّيْء مَا دَامَ مُتَّصِلا بِهِ فَمَا حَقِيقَته من قبل وَلما يتَّصل بِهِ وَهَذَا جَوَاب الْمُعْتَزلَة وَلَهُم التشقيق والتمطيط وَالدَّعْوَى وَالْإِعْرَاب والعصبية والتشيع. وَقيل لصَاحب هَذَا الْجَواب: لَو كَانَ الْعلم اعْتِقَاد الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ لَكَانَ الله مُعْتَقدًا للشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ لِأَنَّهُ عَالم. فَقَالَ: إِن الله - تَعَالَى ذكره - لَا علم لَهُ لِأَنَّهُ عَالم بِذَاتِهِ كَمَا هُوَ قَادر بِذَاتِهِ حَيّ بِذَاتِهِ. فَقيل لَهُ: إِنَّك لم تمانع فِي هَذِه الْحَاشِيَة فَلَا تتوار عَن السهْم إِن كَانَ حد الْعلم اعْتِقَاد الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ فحد الْعلم أَنه مُعْتَقد للشَّيْء على مَا
стр. 141
هُوَ بِهِ. ويُستأنف النّظر: هَل لَهُ علم أم لَيْسَ لَهُ علم فرَاغ هَكَذَا وَهَكَذَا. وَقيل لصَاحب القَوْل الثَّالِث: إِثْبَات الشَّيْء عبارَة مَقْصُورَة على إِضَافَة فعل إِلَى الْفَاعِل وَالْفِعْل هُوَ الْإِثْبَات وَالْفَاعِل هُوَ الْمُثبت وَبَاب الْعلم وَالْجهل والفطنة وَالْعقل وَالنَّهْي والدرك - لَيْسَ من الْأَفْعَال الْمَحْضَة وَإِن كَانَت مضارعة لَهَا كمضارعة طَال وَمَات وَنَشَأ وشاخ واستعر وباخ. وَهَذَا الْبَحْث مُتَوَجّه إِلَى صَاحب القَوْل الرَّابِع أَعنِي فِي قَوْله: حد الْعلم إِدْرَاك الشَّيْء على مَا وَيَنْبَغِي أَن تعلم أَن الْغَرَض فِي حد الشَّيْء هُوَ تَحْصِيل ذَاته معراة من كل شَائِبَة خَالِصَة من كل مقذية بِلَفْظ مَقْصُور عَلَيْهَا وَعبارَة مصوغة لَهَا وَمَا دَامَت عين الشَّيْء ثَابِتَة فِي النَّفس ماثلة بَين يَدي الْعقل فَلَا بُد للمنطق من أَن يلْحق مِنْهَا الْحَقِيقَة أَو يدْرك أخص الْخَاصَّة. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: أما الْأَجْوِبَة المحكية والاعتراضات عَلَيْهَا فَأَنا معرض عَن جَمِيعهَا إِذْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذين حُكيَ عَنْهُم مَا حكى لَا يعْرفُونَ صناعَة التَّحْدِيد وَهِي صناعَة تحْتَاج إِلَى علم وَاسع بالْمَنْطق ودربة - مَعَ ذَلِك - كَثِيرَة.
стр. 142
وَغَايَة مَا عِنْد هَؤُلَاءِ الْقَوْم فِي التَّحْدِيد إِبْدَال اسْم كَانَ اسْم بل رُبمَا كَانَ اسْم الشَّيْء أوضح من الْحَد الَّذِي يضعونه لَهُ. وَهَذِه سبيلهم فِي جَمِيع مَا يتكلفونه إِلَّا مَا كَانَ مأخوذاً من الْمُتَقَدِّمين ومنقولاً عَنْهُم نقلا صَحِيحا كَحَد الْجِسْم وَالْعرض وَمَا أشبههما. فَأَما مَا تكلفوه من الْحُدُود فَهُوَ بالهذيان أشبه. وَأَقُول إِن الْحَد مَأْخُوذ من جنس الشَّيْء الْمَحْدُود الْقَرِيب مِنْهُ وفصوله الذاتية المقمومة لَهُ المميزة إِيَّاه عَن غَيره. فَكل مَا لم يُوجد لَهُ جنس وَلَا فُصُول مقومه فَإِنَّمَا يرسم. والرسم يكون من الْخَواص اللَّازِمَة الَّتِي أشبه بالفصول الذاتية فَلذَلِك مَا نحد الْعلم بِأَنَّهُ إِدْرَاك صور الموجودات بِمَا هِيَ موجودات. وَلما كَانَت الصُّور على ضَرْبَيْنِ: مِنْهَا فِي هيولى ومادة وَمِنْهَا مُجَرّدَة خَالِيَة من الْموَاد - صَار إِدْرَاك النَّفس أَيْضا على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا بالحواس وَهُوَ إِدْرَاكهَا لما كَانَ فِي مَادَّة. وَالْآخر بِغَيْر الْحَواس بل الْعين الْبَاطِنَة الروحانية الَّتِي تقدم الْكَلَام فِيهَا فِي بعض الْمسَائِل الْمُتَقَدّمَة. فاسم الْعلم خَاص بِإِدْرَاك الصُّور الَّتِي فِي غير مَادَّة. وَاسم الْمعرفَة خَاص بِإِدْرَاك الصُّور ذَوَات الْموَاد. ثمَّ يسْتَعْمل هَذَا مَكَان هَذَا الاتساع فِي اللُّغَة. ووجدتك دق اعترضت على أجوبة من لم ترتض جَوَابه باعتراضات يجوز أَن تظن أَنَّهَا لَازِمَة لجوابنا هَذَا فَلذَلِك احتجت إِلَى الْكَلَام عَلَيْهَا فَأَقُول: إِن من شَأْن الْحَد أَن ينعكس على الْمَحْدُود وَذَاكَ أَن الِاسْم وَالْحَد جَمِيعًا دالان على شَيْء وَاحِد لَا فرق بَينهمَا إِلَّا فِي أَن الِاسْم يدل دلَالَة مجملة وَالْحَد يدل دلَالَة مفصلة مِثَال ذَلِك أَن تَقول فِي حد الْجِسْم.
стр. 143
إِنَّه الطَّوِيل العريض العميق أَو تَقول: هُوَ ذُو الأبعاد الثَّلَاثَة ثمَّ ينعكس ذَلِك: إِن الطَّوِيل العريض العميق هُوَ الْجِسْم أَو ذُو الأبعاد الثَّلَاثَة هُوَ الْجِسْم. وَكَذَلِكَ تَقول فِي سَائِر الْحُدُود الصَّحِيحَة وَلِهَذَا تَقول فِي الْعلم: إِنَّه إِدْرَاك صور الموجودات وَتقول أَيْضا: إِدْرَاك صور الموجودات هُوَ الْعلم فَلَا يكون بَينهمَا فرق إِلَّا أَن الْعلم يدل دلَالَة إِجْمَال وَحده يدل دلَالَة تَفْصِيل على مَا قدمْنَاهُ ذكره وَبَيَانه. وَإِذا بَان أَن الْعلم إِدْرَاك وتصور فقد بَان أَنَّهُمَا انفعال لِأَن الصُّور إِنَّمَا تكون مَوْجُودَة: إِمَّا مُجَرّدَة عقلية وَإِمَّا مادية حسية وَإِذا أدركتها النَّفس فَإِنَّمَا تنقلها إِلَى ذَاتهَا نقلا لتنطبع تِلْكَ الصُّور فِيهَا وَإِذا انطبعت فِيهَا تصورت بهَا. وَهَذَا مُسْتَمر فِي المحسوس والمعقول. وَإِذا بَان هَذَا فقد بَان أَنه من بَاب الْمُضَاف لِأَن الْإِدْرَاك أثر يَقع بالمنفعل من الْفَاعِل وَكَذَلِكَ التَّصَوُّر. والأشياء الَّتِي من بَاب الْمُضَاف لَا سَبِيل إِلَى وجودهَا مُنْفَرِدَة وَلَا إِلَى تَحْصِيل ذواتها معراة من كل شَائِبَة كَمَا طالبت خصمك بِهِ لِأَنَّهَا لَا عين لَهَا ثَابِتَة فِي النَّفس مائلة بَين يَدي الْعقل إِلَّا من حَيْثُ هِيَ مُضَافَة فالمعلوم إِذن يتَقَدَّم الْعلم تقدماً ذاتياً وَكَذَلِكَ المحسوس يتَقَدَّم الحاس بِالذَّاتِ. وَالْفرق بَين التَّقَدُّم الذاتي والتقدم العرضي والزماني بَين فِي غير هَذَا الْموضع وَإِن كَانَا مَعًا فَأَما مَا ألزمته فِي خاصتك فِي الله - تَعَالَى عَن صِفَات المخلوقين - فقد عرفت مِمَّا تقدم من الْمسَائِل أَنا لَا نقُول فِيهِ - تقدس ذكره - إِنَّه عَالم بِالْحَقِيقَةِ الَّتِي نقولها فِي الْعَالم منا وَلَا نطلق شَيْئا من صِفَاته بالمعاني الَّتِي نطلقها فِي غَيره بِوَجْه من الْوُجُوه وَإِنَّمَا نتبع الشَّرِيعَة ونتمثل مَا تَأمر بِهِ ونسميه بِأحب الْأَسْمَاء وَنصفه بأعظم الصِّفَات الَّتِي نتعارفها نَحن معاشر الْبشر لِأَنَّهُ لَا سَبِيل لنا إِلَى غير مَا نعرفه فِيمَا بَيْننَا وَلَا طَرِيق لنا إِلَّا مَا يسْتَحقّهُ - عز
стр. 144
وَجل - ذَاته لأَنا لَا نعلم بِالْحَقِيقَةِ مِنْهُ شَيْئا إِلَّا الإنية الْمَحْض حسب. ثمَّ جَمِيع مَا يشار إِلَيْهِ بعقل أَو حس فَهُوَ مَخْلُوق لَهُ. وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك وَوجدنَا الشَّرِيعَة قد رخصت فِي أسام وصفات ممدوحة عَظِيمَة بَين الْبشر - ائتمرنا للشَّرْع فأطلقناها من غير أَن نرْجِع بهَا إِلَى الْحَقَائِق الْمَعْرُوفَة من اللُّغَة والمعاني المحصلة بهَا. وَهَذَا مَوضِع قد أَوْمَأت إِلَيْهِ فِيمَا سلف وأعلمتك وَجه الصعوبة فِيهِ. وَالله الْمُوفق والمعين وَلَا قُوَّة إِلَّا بِهِ.
(مَسْأَلَة لم إِذا أبْصر الْإِنْسَان صُورَة حَسَنَة أَو سمع نَغمَة رخيمة قَالَ: وَالله مَا رَأَيْت هَذَا قطّ وَلَا سَمِعت مثل هَذَا قطّ وَلَا سَمِعت مثل هَذَا قطّ وَقد علم أَنه سمع أطيب من ذَاك وَأبْصر أحسن من ذَاك .)
الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه: ﵀: أما بِحَسب الْفِقْه أَو مُقْتَضى اللُّغَة فَهُوَ غير حانث وَلَا مخطىء لِأَن شَيْئا لَا يماثل شَيْئا بِالْإِطْلَاقِ وَلَا يُقَال فِي شَيْء: هَذَا مثل هَذَا إِلَّا بتقييد فَيكون مثله فِي جوهره أَو كميته أَو كيفيته أَو غير ذَلِك من سَائِر المقولات وَقد
стр. 145
يماثله فِي اثْنَتَيْنِ مِنْهَا وَأكْثر فَأَما فِي جَمِيعهَا فمحال. فَهَذَا وَجه صِحَة قَول الْإِنْسَان: وَالله مَا رَأَيْت مثله. فَأَما من جِهَة أُخْرَى - وَهِي جِهَة طبيعية - فَإنَّك تعلم أَن الْحس سيال بسيلان محسوسه فَإِذا استثبت صُورَة ثمَّ زَالَت عَنهُ وَحَضَرت أُخْرَى شغلته وَثبتت بدل الْأُخْرَى فَلَا يحصر الْحس إِلَّا مَا قد أثر فِيهِ دون مَا قد زَالَ وَإِنَّمَا حصلت الأولى فِي الذّكر وَفِي قُوَّة أُخْرَى وَرُبمَا لم يجتمعا أَو لم يحضر الذّكر فَيكون قَول الْإِنْسَان على حسب الْحَاضِر وَحُضُور الذّكر أَو غيبته.
(مَسْأَلَة مَا سَبَب اسْتِحْسَان الصُّورَة الْحَسَنَة وَمَا هَذَا الولوع الظَّاهِر وَالنَّظَر والعشق الْوَاقِع من الْقلب والصبابة المتيمة للنَّفس)
والفكر الطارد للنوم والخيال الماثل للْإنْسَان أهذه كلهَا من آثَار الطبيعة أم هِيَ من عوارض النَّفس أم هِيَ من دواعي الْعقل أم من سِهَام الرّوح أم هِيَ خَالِيَة من الْعِلَل جَارِيَة على الهذر! وَهل يجوز أَن يُوجد مثل هَذِه الْأُمُور الْغَالِبَة وَالْأَحْوَال المؤثرة على وَجه الْعَبَث وَطَرِيق البطل. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: أما سَبَب الِاسْتِحْسَان لصورة الْإِنْسَان فكمال فِي الْأَعْضَاء وتناسب بَين الْأَجْزَاء مَقْبُول عِنْد النَّفس. وَهَذَا الْجَواب غرضك من الْمَسْأَلَة
следующие страницы →