Полный текст (376 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
هُوَ بِهِ. ويُستأنف النّظر: هَل لَهُ علم أم لَيْسَ لَهُ علم فرَاغ هَكَذَا وَهَكَذَا. وَقيل لصَاحب القَوْل الثَّالِث: إِثْبَات الشَّيْء عبارَة مَقْصُورَة على إِضَافَة فعل إِلَى الْفَاعِل وَالْفِعْل هُوَ الْإِثْبَات وَالْفَاعِل هُوَ الْمُثبت وَبَاب الْعلم وَالْجهل والفطنة وَالْعقل وَالنَّهْي والدرك - لَيْسَ من الْأَفْعَال الْمَحْضَة وَإِن كَانَت مضارعة لَهَا كمضارعة طَال وَمَات وَنَشَأ وشاخ واستعر وباخ. وَهَذَا الْبَحْث مُتَوَجّه إِلَى صَاحب القَوْل الرَّابِع أَعنِي فِي قَوْله: حد الْعلم إِدْرَاك الشَّيْء على مَا وَيَنْبَغِي أَن تعلم أَن الْغَرَض فِي حد الشَّيْء هُوَ تَحْصِيل ذَاته معراة من كل شَائِبَة خَالِصَة من كل مقذية بِلَفْظ مَقْصُور عَلَيْهَا وَعبارَة مصوغة لَهَا وَمَا دَامَت عين الشَّيْء ثَابِتَة فِي النَّفس ماثلة بَين يَدي الْعقل فَلَا بُد للمنطق من أَن يلْحق مِنْهَا الْحَقِيقَة أَو يدْرك أخص الْخَاصَّة. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: أما الْأَجْوِبَة المحكية والاعتراضات عَلَيْهَا فَأَنا معرض عَن جَمِيعهَا إِذْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذين حُكيَ عَنْهُم مَا حكى لَا يعْرفُونَ صناعَة التَّحْدِيد وَهِي صناعَة تحْتَاج إِلَى علم وَاسع بالْمَنْطق ودربة - مَعَ ذَلِك - كَثِيرَة.
стр. 142
وَغَايَة مَا عِنْد هَؤُلَاءِ الْقَوْم فِي التَّحْدِيد إِبْدَال اسْم كَانَ اسْم بل رُبمَا كَانَ اسْم الشَّيْء أوضح من الْحَد الَّذِي يضعونه لَهُ. وَهَذِه سبيلهم فِي جَمِيع مَا يتكلفونه إِلَّا مَا كَانَ مأخوذاً من الْمُتَقَدِّمين ومنقولاً عَنْهُم نقلا صَحِيحا كَحَد الْجِسْم وَالْعرض وَمَا أشبههما. فَأَما مَا تكلفوه من الْحُدُود فَهُوَ بالهذيان أشبه. وَأَقُول إِن الْحَد مَأْخُوذ من جنس الشَّيْء الْمَحْدُود الْقَرِيب مِنْهُ وفصوله الذاتية المقمومة لَهُ المميزة إِيَّاه عَن غَيره. فَكل مَا لم يُوجد لَهُ جنس وَلَا فُصُول مقومه فَإِنَّمَا يرسم. والرسم يكون من الْخَواص اللَّازِمَة الَّتِي أشبه بالفصول الذاتية فَلذَلِك مَا نحد الْعلم بِأَنَّهُ إِدْرَاك صور الموجودات بِمَا هِيَ موجودات. وَلما كَانَت الصُّور على ضَرْبَيْنِ: مِنْهَا فِي هيولى ومادة وَمِنْهَا مُجَرّدَة خَالِيَة من الْموَاد - صَار إِدْرَاك النَّفس أَيْضا على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا بالحواس وَهُوَ إِدْرَاكهَا لما كَانَ فِي مَادَّة. وَالْآخر بِغَيْر الْحَواس بل الْعين الْبَاطِنَة الروحانية الَّتِي تقدم الْكَلَام فِيهَا فِي بعض الْمسَائِل الْمُتَقَدّمَة. فاسم الْعلم خَاص بِإِدْرَاك الصُّور الَّتِي فِي غير مَادَّة. وَاسم الْمعرفَة خَاص بِإِدْرَاك الصُّور ذَوَات الْموَاد. ثمَّ يسْتَعْمل هَذَا مَكَان هَذَا الاتساع فِي اللُّغَة. ووجدتك دق اعترضت على أجوبة من لم ترتض جَوَابه باعتراضات يجوز أَن تظن أَنَّهَا لَازِمَة لجوابنا هَذَا فَلذَلِك احتجت إِلَى الْكَلَام عَلَيْهَا فَأَقُول: إِن من شَأْن الْحَد أَن ينعكس على الْمَحْدُود وَذَاكَ أَن الِاسْم وَالْحَد جَمِيعًا دالان على شَيْء وَاحِد لَا فرق بَينهمَا إِلَّا فِي أَن الِاسْم يدل دلَالَة مجملة وَالْحَد يدل دلَالَة مفصلة مِثَال ذَلِك أَن تَقول فِي حد الْجِسْم.
стр. 143
إِنَّه الطَّوِيل العريض العميق أَو تَقول: هُوَ ذُو الأبعاد الثَّلَاثَة ثمَّ ينعكس ذَلِك: إِن الطَّوِيل العريض العميق هُوَ الْجِسْم أَو ذُو الأبعاد الثَّلَاثَة هُوَ الْجِسْم. وَكَذَلِكَ تَقول فِي سَائِر الْحُدُود الصَّحِيحَة وَلِهَذَا تَقول فِي الْعلم: إِنَّه إِدْرَاك صور الموجودات وَتقول أَيْضا: إِدْرَاك صور الموجودات هُوَ الْعلم فَلَا يكون بَينهمَا فرق إِلَّا أَن الْعلم يدل دلَالَة إِجْمَال وَحده يدل دلَالَة تَفْصِيل على مَا قدمْنَاهُ ذكره وَبَيَانه. وَإِذا بَان أَن الْعلم إِدْرَاك وتصور فقد بَان أَنَّهُمَا انفعال لِأَن الصُّور إِنَّمَا تكون مَوْجُودَة: إِمَّا مُجَرّدَة عقلية وَإِمَّا مادية حسية وَإِذا أدركتها النَّفس فَإِنَّمَا تنقلها إِلَى ذَاتهَا نقلا لتنطبع تِلْكَ الصُّور فِيهَا وَإِذا انطبعت فِيهَا تصورت بهَا. وَهَذَا مُسْتَمر فِي المحسوس والمعقول. وَإِذا بَان هَذَا فقد بَان أَنه من بَاب الْمُضَاف لِأَن الْإِدْرَاك أثر يَقع بالمنفعل من الْفَاعِل وَكَذَلِكَ التَّصَوُّر. والأشياء الَّتِي من بَاب الْمُضَاف لَا سَبِيل إِلَى وجودهَا مُنْفَرِدَة وَلَا إِلَى تَحْصِيل ذواتها معراة من كل شَائِبَة كَمَا طالبت خصمك بِهِ لِأَنَّهَا لَا عين لَهَا ثَابِتَة فِي النَّفس مائلة بَين يَدي الْعقل إِلَّا من حَيْثُ هِيَ مُضَافَة فالمعلوم إِذن يتَقَدَّم الْعلم تقدماً ذاتياً وَكَذَلِكَ المحسوس يتَقَدَّم الحاس بِالذَّاتِ. وَالْفرق بَين التَّقَدُّم الذاتي والتقدم العرضي والزماني بَين فِي غير هَذَا الْموضع وَإِن كَانَا مَعًا فَأَما مَا ألزمته فِي خاصتك فِي الله - تَعَالَى عَن صِفَات المخلوقين - فقد عرفت مِمَّا تقدم من الْمسَائِل أَنا لَا نقُول فِيهِ - تقدس ذكره - إِنَّه عَالم بِالْحَقِيقَةِ الَّتِي نقولها فِي الْعَالم منا وَلَا نطلق شَيْئا من صِفَاته بالمعاني الَّتِي نطلقها فِي غَيره بِوَجْه من الْوُجُوه وَإِنَّمَا نتبع الشَّرِيعَة ونتمثل مَا تَأمر بِهِ ونسميه بِأحب الْأَسْمَاء وَنصفه بأعظم الصِّفَات الَّتِي نتعارفها نَحن معاشر الْبشر لِأَنَّهُ لَا سَبِيل لنا إِلَى غير مَا نعرفه فِيمَا بَيْننَا وَلَا طَرِيق لنا إِلَّا مَا يسْتَحقّهُ - عز
стр. 144
وَجل - ذَاته لأَنا لَا نعلم بِالْحَقِيقَةِ مِنْهُ شَيْئا إِلَّا الإنية الْمَحْض حسب. ثمَّ جَمِيع مَا يشار إِلَيْهِ بعقل أَو حس فَهُوَ مَخْلُوق لَهُ. وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك وَوجدنَا الشَّرِيعَة قد رخصت فِي أسام وصفات ممدوحة عَظِيمَة بَين الْبشر - ائتمرنا للشَّرْع فأطلقناها من غير أَن نرْجِع بهَا إِلَى الْحَقَائِق الْمَعْرُوفَة من اللُّغَة والمعاني المحصلة بهَا. وَهَذَا مَوضِع قد أَوْمَأت إِلَيْهِ فِيمَا سلف وأعلمتك وَجه الصعوبة فِيهِ. وَالله الْمُوفق والمعين وَلَا قُوَّة إِلَّا بِهِ.
(مَسْأَلَة لم إِذا أبْصر الْإِنْسَان صُورَة حَسَنَة أَو سمع نَغمَة رخيمة قَالَ: وَالله مَا رَأَيْت هَذَا قطّ وَلَا سَمِعت مثل هَذَا قطّ وَلَا سَمِعت مثل هَذَا قطّ وَقد علم أَنه سمع أطيب من ذَاك وَأبْصر أحسن من ذَاك .)
الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه: ﵀: أما بِحَسب الْفِقْه أَو مُقْتَضى اللُّغَة فَهُوَ غير حانث وَلَا مخطىء لِأَن شَيْئا لَا يماثل شَيْئا بِالْإِطْلَاقِ وَلَا يُقَال فِي شَيْء: هَذَا مثل هَذَا إِلَّا بتقييد فَيكون مثله فِي جوهره أَو كميته أَو كيفيته أَو غير ذَلِك من سَائِر المقولات وَقد
стр. 145
يماثله فِي اثْنَتَيْنِ مِنْهَا وَأكْثر فَأَما فِي جَمِيعهَا فمحال. فَهَذَا وَجه صِحَة قَول الْإِنْسَان: وَالله مَا رَأَيْت مثله. فَأَما من جِهَة أُخْرَى - وَهِي جِهَة طبيعية - فَإنَّك تعلم أَن الْحس سيال بسيلان محسوسه فَإِذا استثبت صُورَة ثمَّ زَالَت عَنهُ وَحَضَرت أُخْرَى شغلته وَثبتت بدل الْأُخْرَى فَلَا يحصر الْحس إِلَّا مَا قد أثر فِيهِ دون مَا قد زَالَ وَإِنَّمَا حصلت الأولى فِي الذّكر وَفِي قُوَّة أُخْرَى وَرُبمَا لم يجتمعا أَو لم يحضر الذّكر فَيكون قَول الْإِنْسَان على حسب الْحَاضِر وَحُضُور الذّكر أَو غيبته.
(مَسْأَلَة مَا سَبَب اسْتِحْسَان الصُّورَة الْحَسَنَة وَمَا هَذَا الولوع الظَّاهِر وَالنَّظَر والعشق الْوَاقِع من الْقلب والصبابة المتيمة للنَّفس)
والفكر الطارد للنوم والخيال الماثل للْإنْسَان أهذه كلهَا من آثَار الطبيعة أم هِيَ من عوارض النَّفس أم هِيَ من دواعي الْعقل أم من سِهَام الرّوح أم هِيَ خَالِيَة من الْعِلَل جَارِيَة على الهذر! وَهل يجوز أَن يُوجد مثل هَذِه الْأُمُور الْغَالِبَة وَالْأَحْوَال المؤثرة على وَجه الْعَبَث وَطَرِيق البطل. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: أما سَبَب الِاسْتِحْسَان لصورة الْإِنْسَان فكمال فِي الْأَعْضَاء وتناسب بَين الْأَجْزَاء مَقْبُول عِنْد النَّفس. وَهَذَا الْجَواب غرضك من الْمَسْأَلَة
стр. 146
الَّتِي هِيَ متوجهة نَحْو الصُّورَة الإنسانية المعشوقة دون غَيرهَا. وَأَقُول: إِن الطبيعة مقتفية أَفعَال النَّفس وآثارها فَهِيَ تُعْطِي الهيولى والأشياء الهيولانية صوراً بِحَسب قبُولهَا وعَلى قدر استعدادها وتحكي فِي ذَلِك فعل النَّفس فِيهَا - أَعنِي فِي الطبيعة - وَلكنهَا هِيَ بسيطة فَتقبل من النَّفس صوراً شريفة تَامَّة فَإِذا أَرَادَت أَن تنقش الهيولى بِتِلْكَ الصُّور أعجزت الْأُمُور الهيولانية عَن قبُولهَا تَامَّة وافية لقلَّة استعدادها وَعدمهَا الْقُوَّة الممسكة الضابطة مَا تعطاه من الصُّور التَّامَّة. وَهَذَا الْعَجز فِي الهيولى رُبمَا كَانَ كثيرا وَرُبمَا كَانَ يَسِيرا وبحسب قوتها على قبُول الصُّور يكون حسن موقع مَا يحصل فِيهَا من النَّفس فَإِذا الْمَادَّة الْمُوَافقَة للصورة تقبل النقش تَاما صَحِيحا والمادة الَّتِي لَيست بموافقة تكون على الضِّدّ. والمثال فِي ذَلِك أَن الطبيعة إِنَّمَا تعْمل من الْمَادَّة عِنْد تجبيل النَّاس فِي الرَّحِم الفطس فِي الْأنف والزرقة فِي الْعَينَيْنِ والصهوبة فِي الشّعْر وبحسب قبُول الهيولى الْمَوْضُوعَة لَهَا لَا لِأَنَّهَا تقصد الصُّور النَّاقِصَة بل تقصد - أبدا - الْأَفْضَل وَلَكِن الْمَادَّة الرّطبَة تَأتي إِلَّا قبُول مَا يلائمها وَذَلِكَ أَن الدعج فِي الْعين والشمم فِي الْأنف صور تحْتَاج إِلَى اعْتِدَال الْمَادَّة بَين
стр. 147
الرُّطُوبَة السيالة واليبوسة الصلبة وَلَا يُمكن إظهارها فِي الْمَادَّة الرّطبَة كَمَا لَا يُمكن صياغة خَاتم من شمع ذائب. وَرُبمَا كَانَت الْمَادَّة حاجزة من طَرِيق الكمية دون كَيْفيَّة فَلَا تتمّ الْخلقَة على أفضل الهيئات. وَكَذَلِكَ الْحَال فِي شعر الرَّأْس وأهدب الْعين والحاجب فَإِنَّهَا لَا تنتقش على مَا يَنْبَغِي إِذا كَانَت نَاقِصَة الْمَادَّة أَو غير معتدلة فِي الكيفيات فتعمل الطبيعة مِنْهَا مَا يُمكن ويتأتى فتجىء الصُّورَة غير مَقْبُولَة عِنْد النَّفس لِأَنَّهَا لَا تطابق مَا عِنْدهَا من الْكَمَال. فَأَما وَأَنت تتأمل ذَلِك من طين الْخَتْم فَإِنَّهُ إِذا كَانَ نَاقص الكمية غير مِقْدَار الْخَاتم أَو يَابسا أَو رطبا أَو خشناً - نقصت صُورَة الْخَاتم وَلم يقبل النقش على التَّمام والكمال. فَأَما الْمِثَال فِي الْمَادَّة الْمُوَافقَة فَهُوَ بالضد من هَذَا الْمِثَال فَلذَلِك تقبل مَا تعطيها الطبيعة على التَّمام وتنتقش نقشاً صَحِيحا مناسباً مشاكلاً لما فِي النَّفس فَإِذا رأتها النَّفس سرتها لِأَنَّهَا فَكَمَا أَن الصِّنَاعَة تقتفي الطبيعة فَإِذا صنع الصَّانِع تمثالاً فِي مَادَّة مُوَافقَة فَقبلت مِنْهُ الصُّورَة الطبيعية تَامَّة صَحِيحَة: فَرح الصَّانِع وسر وأعجب وافتخر لصدق أَثَره وَخُرُوج مَا فِي قوته إِلَى الْفِعْل مُوَافقا لما فِي نَفسه وَلما عِنْد الطبيعة - فَكَذَلِك حَال الطبيعة مَعَ النَّفس لِأَن نِسْبَة الصِّنَاعَة إِلَى الطبيعة فِي اقتفائها إِيَّاهَا كنسبة الطبيعة إِلَى النَّفس فِي اقتفائها إِيَّاهَا. ثمَّ إِن شَاءَ من شَأْن النَّفس إِذا رَأَتْ صُورَة حَسَنَة متناسبة الْأَعْضَاء فِي الهيئات والمقادير والألوان وَسَائِر الْأَحْوَال مَقْبُولَة عِنْدهَا مُوَافقَة لما أعطتها الطبيعة - اشتاقت إِلَى الِاتِّحَاد بهَا فنزعتها من الْمَادَّة واستثبتها فِي ذَاتهَا
стр. 148
وَصَارَت إِيَّاهَا كَمَا تفعل فِي المعقولات. وَهَذَا الْفِعْل لَهَا بِالذَّاتِ لَهُ تتحرك وَإِلَيْهِ تشتاق وَبِه تكمل إِلَّا أَنَّهَا تشرف بالمعقولات وَلَا تشرف بالمحسوسات. فَإِذا فعلت النَّفس ذَلِك واشتاقت إِلَى الطبيعيات والأجسام الطبيعة - رامت الطبيعة فِي الأجساد من الِاتِّحَاد مَا رامته النَّفس فِي الصُّور الْمُجَرَّدَة فَلَا يكون لَهَا سَبِيل إِلَيْهِ لِأَن الْجَسَد لَا يتَّصل بالجسد على سَبِيل الِاتِّحَاد بل على طَرِيق المماسة فَتحصل حِينَئِذٍ على الشوق إِلَى المماسة الَّتِي هِيَ اتِّحَاد جسماني بِحَسب استطاعتها. وَهَذَا من النَّفس غلط كَبِير وَخطأ عَظِيم لِأَنَّهَا تنتكس من الْحَال الْأَشْرَف إِلَى الْحَال الأدون وتتصور بِصُورَة طبيعية مِنْهَا أخذت وَبهَا ابتديت وتفوتها الصُّور الشَّرِيفَة الْعَقْلِيَّة الَّتِي ترتقي بهَا إِلَى الرُّتْبَة الْعليا والسعادة الْعُظْمَى. وَهَذَا الَّذِي ذكرته هُوَ الْأَمر الذاتي الْكُلِّي الْجَارِي على وتيرة طبيعية تحصرها الصِّنَاعَة وتضبطها القوانين. فَأَما الِاسْتِحْسَان العرضي والجزئي - أَعنِي مَا يستحسنه شخص مَا بِحَسب مزاج مَا - فَهُوَ أَيْضا لأجل نِسْبَة مَا وَلكنه يصير شخصياً والأمور الشخصية لَا نِهَايَة لَهَا فَلذَلِك لَا تَنْحَصِر تَحت صناعَة وَلَا لَهَا قانون. وَالَّذِي يَنْبَغِي أَن يعلم مِنْهَا أَن كل مزاج متباعد من الِاعْتِدَال تكون لَهُ مناسبات نَحْو أُمُور خَاصَّة بِهِ وَيُخَالِفهُ المزاج الَّذِي هُوَ مِنْهُ فِي الطّرف الآخر من الِاعْتِدَال حَتَّى يستقبح هَذَا مَا يستحسن هَذَا وبالضد وَكَذَلِكَ مَا تقيده الْعَادَات والاستشعارات وَهُوَ مَوْجُود فِي استلذاذ الْمَأْكُول والمشروب فَإِن الأمزجة الْبَعِيدَة من الِاعْتِدَال تناسب طعوماً غَرِيبَة
стр. 149
وتستلذ مِنْهَا طرائف وعجائب. والاستقراء يفيدك كل عَجِيبَة وطريفة من هَذَا النَّحْو فِي الروائح وَالسَّمَاع وَجَمِيع الْحَواس.
مَسْأَلَة لم صَار الخصيف المتمكن واللبيب المبرز يشاور فَيَأْتِي بالفلق
والداهية حَتَّى يدع الشّعْر مشقوقا والغيث مرهوقاً فَإِذا انْفَرد بِشَأْنِهِ وانتصر وَتعقب غَايَة منافعة عَاد كسراب بقيعة لَا يحلى وَلَا يمر حَتَّى يفتضح عِنْد من كَانَ يثني الْخِنْصر عَلَيْهِ بنكره ودهائه وَيُشِير إِلَى صَوَاب رَأْيه مَا الَّذِي أَصَابَهُ وَنزل بِهِ وَمَا الَّذِي بدله وتحيف عَلَيْهِ وَمَا هَذَا الْأَمر الَّذِي وسمه بِمَا وسمه وَأَدَّاهُ إِلَى مَا أَدَّاهُ؟
стр. 150
الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: سَبَب ذَلِك شَيْئَانِ: أَحدهمَا محبَّة الْإِنْسَان ذَاته وتخوفه على نَفسه من خطإ ينْسب إِلَيْهِ أَو غلط يَقع مِنْهُ فتعرض لَهُ الدهشة والحيرة. وَالْآخر ميله إِلَى الْهوى والهوى عَدو الْعقل وَالْخَطَأ - أبدا - مَعَ الْهوى فَإِذا حضر الْهوى غَابَ الْعقل وَحَيْثُ يغيب الْعقل يغيب الْخَيْر كُله فالإنسان - أبدا - أَسِير فِي يَد الْهوى والهوى يرِيه مَا يقبح جميلاً وَالْخَطَأ صَوَابا. ولإحساس الرجل الْمُمَيز الْفَاضِل بذلك مِنْهُ لَا يَأْمَن أَن يكون رَأْيه لنَفسِهِ من قبل مَا يرِيه الْهوى دون الْعقل فيضطرب فكره وَلَا يَصح رَأْيه لنَفسِهِ. فَأَما إِذا رأى لغيره فَهُوَ سليم من الْحَالين جَمِيعًا فَلذَلِك يَأْتِي بالرأى الصَّحِيح السَّلِيم كالقدح وَرُبمَا كَانَ لَهُ هوى فِي غَيره أَيْضا فَيعرض لَهُ من الْخَطَأ مثل مَا عرض لَهُ فِي نَفسه. وَهَذَا يدلك على صِحَة مَا ذَكرْنَاهُ من السَّبَب فِي خطئه على نَفسه وسداده فِي أَمر غَيره. وَإِذا احْتَرز الْعَاقِل لنَفسِهِ أَيْضا وتجنب الْهوى - صَحَّ رَأْيه لنَفسِهِ وَقل خَطؤُهُ إِلَّا بِمِقْدَار مَا جبل عَلَيْهِ الْمَرْء من محبَّة نَفسه واشتباه الْهوى فِي بعض الْمَوَاضِع اللطيفة بالرأى الصَّحِيح فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يغلط غَلطا يعْذر فِيهِ وَيسلم من تَبعته.
стр. 151
(مَسْأَلَة لم يشمئز الْإِنْسَان من جرح قد فغز فوه حَتَّى إِنَّه لينفر من النّظر إِلَيْهِ والدنو مِنْهُ وينفي خيال ذَلِك عَن نَفسه)
ويتعلل بِغَيْرِهِ وَكلما اشْتَدَّ نفوره مِنْهُ اشْتَدَّ ولوعه بِهِ مَا هَذَا أَيْضا فَإِنَّهُ بَاب آخر فِي طي التَّعَجُّب مِمَّا تقدم وَفِي الْمَسْأَلَة: أَن المعالج يُبَاشر ذَاك بِعَيْنِه نظرا وَبِيَدِهِ علاجاً وبلسانه حَدِيثا أَتَرَى ذَاك من المعالج إِنَّمَا هُوَ لضراوته وعادته وَطول مُبَاشَرَته وملاحظته أم لمكسبه وَحَاجته وَعِيَاله وَنَفَقَته فَإِن كَانَ للضراوة وَالْعَادَة فَمَا خَبره فِي ابْتِدَاء هَذِه الضروة وَالْعَادَة وَإِن كَانَ لحرفته فَكيف عاند طباعه معاندة وجاهد نَفسه مجاهدة وَهل يستوى للْإنْسَان أَن يعْتَاد مَا لَيْسَ فِي طبعه وَلَا فِي عَادَته ثمَّ يسْتَمر ذَلِك عَلَيْهِ وَيكون كمن ولد فِيهِ وَعمر بِهِ. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: قد تبين فِي المباحث الفلسفية أَن النَّفس بِالْحَقِيقَةِ وَاحِدَة وَإِنَّمَا تكثرت بالأشخاص وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فالإنسان إِذا رأى بِغَيْرِهِ أمرا خَارِجا عَن الطبيعية من جرح أَو تفَاوت فِي الْخلق أَو من نقص فِي الصُّورَة - عرض لَهُ من ذَلِك مَا يعرض لَهُ فِي ذَاته وَكَأَنَّهُ ينظر إِلَى نَفسه وجسمه لِأَن النَّفس هُنَاكَ هِيَ بِعَينهَا النَّفس هَهُنَا فَبِحَق مَا يعرض هَذَا الْعَارِض. فَأَما ولوعه بِهِ وحضوره فِي ذكر أبدا فَإِنَّمَا ذَلِك لأجل أَن النَّفس إِذا
стр. 152
قبلت صُورَة نزعتها من مادتها واستثبتتها فِي ذَاتهَا وقيدت عَلَيْهَا قُوَّة الذّكر. وَلَيْسَ تجْرِي النَّفس مجْرى الْمرْآة الَّتِي إِذا قابلها الشَّيْء قبلت صورته مَا دَامَ ذَلِك الشَّيْء قبالتها فَإِذا زَالَ زَالَت صورته عَنْهَا وَلَا كناظر الْعين فِي قبُول الصُّور أَيْضا وَذَلِكَ أَن هَذِه أجسام طبيعية تقبل صُورَة الأجرام قبولاً عرضياً فَأَما النُّفُوس فَإِنَّهَا تقبل الصُّور بِنَوْع أشرف وَأَعْلَى ثمَّ تستثبت تِلْكَ الصُّورَة وَإِن زَالَ حاملها عَن محاذاة الْعين. وَقد مر فِي هَذِه الْمسَائِل طرف من هَذَا الْمَعْنى وَبَين هُنَاكَ كَيفَ تقبل النَّفس بقوتها المتخيلة صُورَة الشَّيْء سَرِيعا وَكَيف تبقى بعد ذَلِك هَذِه الصُّورَة فِي قوتها الذكرية حَتَّى ترَاهَا مناماً ويقظة فَإنَّا مَتى شِئْنَا أحضرنا صور آبَائِنَا وأجدادنا ومدننا حَتَّى كأننا نراهم وَإِن كَانُوا غائبين فَأَما لم ذَلِك وَكَيف استقصاء الْكَلَام فِيهِ فموجود فِي مظانه. وَأما المعالج لما سَأَلت عَنهُ الْمُعْتَاد بِهِ بالضراوة فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لأجل تكَرر الصُّورَة وَأَن ذَلِك الْفِعْل صَار كالخلق لَهُ. وَقد بَينا فِيمَا تقدم أَن الصُّور إِذا تَكَرَّرت على النَّفس حصل مِنْهَا شَيْء ثَابت كالجوهري لَهَا وَقُلْنَا إِنَّه لَوْلَا هَذِه الْحَال لما أدبنا الْأَحْدَاث وَلَا دَعونَا الصّبيان فِي أول نشوئهم الْعَادَات الجميلة فَإِن الْأَفْعَال إِذا اتَّصَلت ودامت ألفتها النف سَوَاء كَانَت حَسَنَة أَو قبيحة. فَإِذا اسْتمرّ الْإِنْسَان عَلَيْهَا صَارَت ملكة لَهُ وقنية فعسر زَوَالهَا.
стр. 153
مَسْأَلَة مَا الْعلَّة فِي حب العاجلة
أَلا ترى الله - تَعَالَى - يَقُول: [اي] ﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [\ اي] والشاعر يَقُول: وَالنَّفس مولعة بحب العاجل. وَمن أجل هَذَا الْمَعْنى ثارت الْفِتَن واستحالت الْأَحْوَال وحارت الْعُقُول واحتيج إِلَى الْأَنْبِيَاء والسياسة والمقامع والمواعظ فَإِذا كَانَ حب العاجلة طباعاً ومبذوراً فِي الطينة ومصوغاً فِي الصِّيغَة فَكيف يُسْتَطَاع نَفْيه ومزايلته وَكَيف يرد التَّكْلِيف بِخِلَاف مَا فِي الطبيعة أليست الشَّرِيعَة مقوية للطبيعة أَلَيْسَ الدّين قوام السياسة أَلَيْسَ التألة قَضِيَّة الْعقل أَلَيْسَ الْمعَاد نَظِير المعاش فَكيف الْكَلَام فِي هَذَا الشق وَكَيف يطرد العتب على من أحب مَا حببت إِلَيْهِ وَقصرت همته عَلَيْهِ كَمَا خلق ذكرا أَو أُنْثَى أَو طَويلا أَو قَصِيرا أَو ضريراً أَو بَصيرًا أَو جلفاً أَو شهماً فَإِن سقط اللوم فِي إِحْدَى الحاشيتين سقط فِي الَّتِي تَلِيهَا وَإِن لزم فِي إِحْدَاهمَا لزم فِي أخراهما.
стр. 154
وَهَذَا نظر ينسل إِلَى الْجَبْر وَالِاخْتِيَار وهما فنان يحتاجان إِلَى تَحْدِيد نظر وتجديد اعْتِبَار. وَالْحَال المقسمة للبال من قَضَاء الوطر وبلوغ الْغَايَة فقي النّظر. الْجَواب: قَالَ أَوب عَليّ مسكويه ﵀: العاجلة إِنَّمَا يومأ بهَا إِلَى الْحَواس وتوابعها من اللَّذَّات فِي المآكل والمشارب والاستفراغات والاستراحات. وَالَّتِي تخْتَص بِهَذِهِ الْأَشْيَاء من الْحَواس هِيَ النَّفس البهيمية. ثمَّ يَنْبَغِي أَن تعلم أَن هَذِه النَّفس هِيَ مَعنا من أول النشوء وَمَعَ الْولادَة فقد ألفناها إلفاً قَوِيا مَعَ الزَّمَان الْمُتَّصِل الطَّوِيل فَلذَلِك كَانَت قوتها أظهر وغلبتها أَشد وَصَارَ الحكم لَهَا. وَإِنَّمَا نَظرنَا النَّفس المميزة بِقُوَّة الْعقل من بعد فَيظْهر أَثَرهَا قَلِيلا قَلِيلا إِلَى أَن يقوى فِي وَقت التكهل والاجتماع وبلوغ الأشد فَنحْن نحتاج لذَلِك إِلَى مقاومة تِلْكَ النَّفس والاستعداد لَهَا وَكسر حدتها وإيهان قوتها بكلفة شَدِيدَة وصبر طَوِيل بِحَسب قوتها واستيلائها علينا وإلفنا إِيَّاهَا ونحتاج أَيْضا إِلَى تَقْوِيَة النَّفس الناطقة بامتثال أمرهَا وتثميرها وتنفيذ عزائمها فلأجل هَذَا صَعب علينا قبُول أَمر هَذِه وَسَهل قبُول أَمر تِلْكَ. فَأَما قَوْلك: كَيفَ يرد التَّكْلِيف بِخِلَاف مَا فِي الطبيعة فَإنَّا نقُول: إِن طبيعة النَّفس البهيمية الانقياد للنَّفس الناطقة وَالْوُقُوف عِنْد أمرهَا. وَلَوْلَا أَن ذَلِك فِي جلبتها وسوسها وَهُوَ قبُول التَّأْدِيب وَأَن
стр. 155
تصدر أفعالها الْخَاصَّة بهَا بِحَسب مَا يأمرها بِهِ الْعقل - لَكَانَ - لعمري - تكليفاً بِخِلَاف مَا فِي الطَّبْع وَلَكِن أحدا لَا يروم إبِْطَال هَذِه الْقُوَّة رَأْسا بل يطالبها بِأَن تقبل تَرْتِيب الْأَفْعَال على مَا يرسمه الْعقل وَهِي مطبوعة على قبُول هَذَا الْأَدَب كَمَا قُلْنَا. وَلَيْسَ يجْرِي هَذَا مجْرى مَا ضرب بِهِ الْمثل من الطول وَالْقصر وَغَيرهمَا لِأَن هَذَا شَيْء لَا صنع فِيهِ للأدب وَإِنَّمَا هُوَ أثر يقبل الهيولى من الْمُعْطِي بِحَسب مَوْضُوعه وَلَا يُمكن خِلَافه بِوَجْه وَلَا سَبَب. وَتَفْسِير ذَلِك أَن الرُّطُوبَة الَّتِي فِي الْمَادَّة تقبل من الْحَرَارَة امتداداً وانجذاباً إِلَى الْعُلُوّ الَّذِي هُوَ حَرَكَة وَلَا يُمكن أَن يكون إِلَّا على مَا يظْهر بِالْفِعْلِ. فقد بَان الْفرق بَين هذَيْن النَّوْعَيْنِ اللَّذين رمت الْجمع بَينهمَا وَظهر السَّبَب فِي حب العاجلة وَحسن مَا أدب الله - تَعَالَى - بِهِ النَّاس بِالدّينِ والآداب وَخرج الْجَواب عَن الْمَسْأَلَة فِي إيجاز وإيضاح.
(مَسْأَلَة ترى مَا السَّبَب فِي قتل الْإِنْسَان نَفسه عِنْد إخفاق يتوالى عَلَيْهِ وفقر يحوج إِلَيْهِ)
وَحَال تتمنع على حوله وطوقه وَبَاب ينسد دون مطلبه ومأربه وعشق يضيق ذرعاً بِهِ ويبعل فِي معالجته. وَمَا الَّذِي يَرْجُو بِمَا يَأْتِي؟ وَإِلَى
стр. 156
أَي شَيْء ينحو فِيمَا يقْصد وَيَنْوِي وَمَا الَّذِي ينْتَصب أَمَامه ويستهلك حصافته ويذهله عَن روح مألوفة وَنَفس معشوقة وحياة عزيزة وَمَا الَّذِي يُوهِمهُ من الْعَدَم حَتَّى يسلبه من قَبْضَة الوجدان ويسلمه إِلَى صرف الْحدثَان. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: الْإِنْسَان مركب من ثَلَاث قوى نفسانية وَهُوَ كالواقف بَينهَا تجذبه هَذِه مرّة وَهَذِه مرّة. وبحسب قُوَّة إِحْدَاهَا على الْأُخْرَى يمِيل بِفِعْلِهِ فَرُبمَا غلبت عَلَيْهِ الْقُوَّة الغضبية فَإِذا انصبغ بهَا وَمَا بِفِعْلِهِ إِلَيْهَا ظَهرت قوته كلهَا كَأَنَّهَا غضب وخفيت القوى الْأُخْرَى حَتَّى كَأَنَّهَا لم تُوجد لَهُ وَكَذَلِكَ إِذا هَاجَتْ بِهِ الْقُوَّة الشهوية خفيت آثَار القوى الْأُخَر. وأحصف مَا يكون الْإِنْسَان وَأحسنه حَالا إِذا غلبت عَلَيْهِ الْقُوَّة الناطقة فَإِن هَذِه الْقُوَّة هِيَ المميزة الْعَاقِلَة الَّتِي ترَتّب القوى الْأُخْرَى حَتَّى تظهر أفعالها بِحَسب مَا تحده وترسمه. وَالْإِنْسَان حِينَئِذٍ نَازل بالمنزلة الْكَرِيمَة بِحَيْثُ هيأه الله تَعَالَى وكما أَرَادَهُ. فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَغير مُنكر أَن يهيج بالإنسان بعض تِلْكَ القوى مِنْهُ عِنْد التواء أَمر عَلَيْهِ أَو انسداد بَاب دون مطلب لَهُ فَيظْهر مِنْهُ فعل لَا توجبه روية وَلَا يَقْتَضِيهِ تَمْيِيز لخلفاء أثر الْقُوَّة الناطقة واستيلاء الْقُوَّة الْأُخْرَى. وَأَنت تَجِد ذَلِك عيَانًا عِنْد الْأَحْوَال الْمُخْتَلفَة بك فَإنَّك تَجِد نَفسك فِي أَوْقَات على أَحْوَال مُؤثرَة لَهَا قاصدة إِلَيْهَا غير مصغية إِلَى نصيح وَلَا قَابِلَة أَمر سديد حَتَّى إِذا أَفَقْت من تِلْكَ السكرة الَّتِي غلبت عَلَيْك فِي تِلْكَ الْحَال - عجبت من الْأَفْعَال الَّتِي ظَهرت مِنْك وَأنْكرت نَفسك فِيهَا وَكَأن غَيْرك
стр. 157
كَانَ الَّذِي آثرها وَقصد إِلَيْهَا فَلَا تزَال كَذَلِك حَتَّى تهيج بك تِلْكَ الْقُوَّة الأولى مرّة أُخْرَى فَلَا يمنعك مَا جربته من نَفسك ووعظتها بِهِ - أَن تقع فِي مثله. وَسبب ذَلِك التَّرْكِيب من القوى الْمُخْتَلفَة النفسانية. وَلَيْسَ يُمكن الْإِنْسَان أَن يخلص بِقُوَّة وَاحِدَة ويصدر أَفعَال الْبَاقِيَة بِحَسب الَّتِي هِيَ أفضل وأشرف إِلَّا بعد معالجة شَدِيدَة وتقويم كثير وإدمان طَوِيل فَإِن الْعَادة إِذا استمرت والعزيمة إِذا أنفذت فِي زمَان مُتَّصِل طَوِيل - حصل مِنْهَا خلق فَكَانَ الحكم لَهُ وَصَارَ هُوَ الْغَالِب وَلذَلِك نأمر الْأَحْدَاث بالسيرة الجميلة ونؤاخذهم بالآداب الَّتِي تسنها الشَّرَائِع وتأمر بهَا الْحِكْمَة. واستقصاء هَذَا الْكَلَام وَذكر علله لَا تَقْتَضِيه الْمَسْأَلَة وَلَا يَفِي بِهِ الْمَكَان. فَإِن شكّ فِيمَا قُلْنَا شَاك وَظن أَن الْإِنْسَان الْمركب من القوى الثَّلَاثَة يجب أَن يكون لَا زماً لأمر وَاحِد متركب من تِلْكَ القوى كَمَا نجد الْحَال فِي سَائِر المعجونات والمركبات من الطبيعة فَليعلم أَن مِثَاله لَيْسَ بِصَحِيح لِأَن قوى الْإِنْسَان النفسانية لَهَا من ذَاتهَا حركات تزيد وتنقص وأحوال - أَيْضا - تهيجاً. وَلَيْسَت كَذَلِك قوى الطبيعيات فلتنعم النّظر فِي ذَلِك تَجدهُ كَمَا أومأنا إِلَيْهِ وَذَكَرْنَاهُ.
(مَسْأَلَة سَأَلت بعض مَشَايِخنَا بِمَدِينَة السَّلَام عَن رجل اجتاز بِطرف الجسر)
وَقد اكتنفه الجلاوزة لَا يسوقونه إِلَى السجْن فأبصر مُوسَى وميضة فِي طرف دكان مزين فاختطفها كالبرق وأمرها على حلقومه فَإِذا هُوَ يخور
стр. 158
فِي دمائه فَقلت: من قتل الْإِنْسَان فَإِذا قُلْنَا: قتل نَفسه فالقاتل هُوَ الْمَقْتُول أم الْقَاتِل غير الْمَقْتُول فَإِن كَانَ أَحدهمَا غير الآخر فَكيف تواصلا مَعَ هَذَا الِانْفِصَال وَإِن كَانَ هَذَا ذَاك فَكيف تفاصلا مَعَ هَذَا الِاتِّصَال وَإِنَّمَا شيعت الْمَسْأَلَة الأولى بِهَذَا السُّؤَال لِأَنَّهُ ناح نَحْوهَا وقاف أَثَرهَا. الْجَواب: قَالَ أَبُو على مسكويه ﵀: كَأَن هَذِه الْمَسْأَلَة مبينَة على أَن الْإِنْسَان شَيْء وَاحِد لَا كَثْرَة فِيهِ والشبهة فِيهَا من هَذَا الْوَجْه تقوى فَإِذا بَان أَن للْإنْسَان قوى كَثِيرَة وَهُوَ مركب مِنْهَا وَأَنه يمِيل فِي وَقت مَا نَحْو قُوَّة وَفِي وَقت آخر نَحْو غَيرهَا وَأَن أَفعاله - أَيْضا - بِحَسب ميله إِلَى إِحْدَى القوى وغلبتها عَلَيْهِ كَمَا بَيناهُ فِي الْمَسْأَلَة الَّتِي قبل هَذِه - زَالَ هَذَا الشَّك. فَأَما قَوْله: كَيفَ تواصلا مَعَ هَذَا الِانْفِصَال فَأَقُول: إِن السَّبَب فِي ذَلِك أَن الْبَارِي تَعَالَى لما علم أَن هَذَا الْمركب من نفس وجسد يحْتَاج إِلَى أَشْيَاء تُقِيمهُ من غذَاء وَغَيره وَأَنه لَا قوام لِحَيَاتِهِ إِلَّا بمادة وَكَانَ لَا يصل إِلَى تِلْكَ الْمَادَّة إِلَّا بحركة وسعي وَكَانَت العائقات والمانعات عَنْهَا كَثِيرَة - أعطَاهُ قُوَّة يصل بهَا إِلَى حاجاته وَيدْفَع بهَا أضدادها عَن نَفسه ليتم لَهُ الْبَقَاء. وَمن شَأْن هَذِه الْقُوَّة أَن تهيج وتثور فِي أَوْقَات بِأَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي وَفِي أَوْقَات تقصر عَمَّا يَنْبَغِي. وَهَاتَانِ الحالتان لَهَا رذيلتان: أما الأولى فيتبعها التهور وَأما الثَّانِيَة فيتبعها الْجُبْن. وللإنسان - بِقُوَّة التَّمْيِيز وَالْعقل - أَن يسْتَعْمل هَذِه الْقُوَّة على مَا يَنْبَغِي وبالقدر الَّذِي يَنْبَغِي وعَلى الشَّيْء الَّذِي يَنْبَغِي.
стр. 159
فَإِذا حصل فِي هَذِه الرُّتْبَة فَهُوَ شُجَاع وممدوح وكما أَرَادَهُ الله تَعَالَى مِنْهُ على خلقه لَهُ. وَقد بَقِي فِي الْمَسْأَلَة مَوضِع شكّ وَهُوَ أَن يَقُول قَائِل: إِن كَانَ قَاتل نَفسه إِنَّمَا ظهر مِنْهُ هَذَا الْفِعْل بِحَسب الْقُوَّة الغضبية فَهُوَ شُجَاع والشجاع مَحْمُود وَنحن نعلم أَن هَذَا الْفَاعِل بِنَفسِهِ هَذَا الْفِعْل مَذْمُوم فَكيف حَاله وَأَيْنَ مَوضِع الشجَاعَة الممدوح فَنَقُول: لعمري إِن هَذَا الْفِعْل من أثر الْقُوَّة الغضبية وَلكنه بِحَسب رذيلتها وتقصيرها عَمَّا يَنْبَغِي لَا بِحَسب الزِّيَادَة وَلَا بِحَسب الِاعْتِدَال الَّذِي سميناه شجاعة وَذَلِكَ أَن الْمَرْء الَّذِي يخَاف أمرا فِيهِ من فقر أَو شدَّة وَلَا يرحب ذرعاً بِهِ وَلَا يستقبله بعزيمة قَوِيَّة وَمِنْه تَامَّة - جبان ضَعِيف فيحمله هَذَا الْجُبْن على أَن يَقُول: أستريح من تحمل هَذِه الْمَشَقَّة الَّتِي ترد عَليّ. وَهَذَا هُوَ النّكُول والضعف الْمُسَمّى جبنا. وَقد ذكرنَا أَن قُوَّة الْغَضَب رُبمَا كلت ونقصت عَمَّا يَنْبَغِي فَتكون رذيلة ومنقصة وَلَا تسمى شجاعة وَلَا يكون صَاحبهَا مَحْمُودًا وَلَا ممدوحاً.
مَسْأَلَة كَيفَ صَار يخلص فِي وَقت مُعْتَاد النِّفَاق ؟
ويتيقن من اشْتَمَل بالريب وَيَسْتَيْقِظ من هُوَ رَاقِد ويتنصح من هُوَ غاش وَكَيف صَار - أَيْضا - ينافق من نَشأ على الْإِخْلَاص ويريب من ألف النزاهة وعَلى هَذَا كَيفَ يكون يخون من اسْتمرّ على الْأَمَانَة سِتِّينَ عَاما ويتحرج من عتق فِي الْخِيَانَة سِتِّينَ عَاما مَا هَذِه الْعَوَارِض الْمُخْتَلفَة والعادات المستطرفة؟
стр. 160
وَكَذَلِكَ نجد الْكذَّاب يصدق أَحْيَانًا لغير أرب مجتلب والصادق يكذب لغير معنى محدد ثمَّ لَا يتَّفق أَن يصدق ذَلِك فِي نَافِع أَو يكذب هَذَا فِي دَافع. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: هَذِه الْمَسْأَلَة أَيْضا قريبَة من الْمَسْأَلَتَيْنِ المتقدمتين وَالْجَوَاب عَنْهَا قريب من الْجَواب عَنْهُمَا. وَذَلِكَ ان النِّفَاق والنصح وَسَائِر مَا ذكره فِي هَذِه الْمَسْأَلَة هُوَ من آثَار النَّفس الناطقة. وَمن الْبَين أَن هَذِه النَّفس لَهَا أَيْضا مرض وَصِحَّة فصحتها اعتدالها فِي قواها الْبَاقِيَة ومرضها خُرُوجهَا عَن الِاعْتِدَال. وَهِي إِن خرجت عَن اعتدالها فِي وَقت فَغير مُنكر لَهَا أَن تعود إِلَيْهِ فِي وَقت آخر وكما أَن الصدْق والنصيحة وَصِحَّة الروية وتقسيط الْأَعْمَال بِحَسب الْأَحْوَال هُوَ صِحَّتهَا واعتدالها فأضداد هَذِه مَرضهَا وخروجها عَن الِاعْتِدَال. وَلَكِن لَيْسَ نسلم أَنَّهَا تصدق ثمَّ تكذب لغير سَبَب وَلَا لدفع مضرَّة بل يظنّ - أبدا - أَن فعلهَا صَوَاب لأمر ترَاهُ فَرُبمَا كَانَ ذَلِك الظَّن غَلطا وَخطأ فَأَما أَن تفعل ذَلِك لغير أرب وفير قصد إِلَى مَا ترَاهُ خطأ فمحال.
(مَسْأَلَة مَا معنى قَول بعض الْعلمَاء إِن الله عَم الْخلق بالصنع وَلم يعمهم بالاصطناع)
وَمَا مَبْسُوط هَذَا الْمَعْنى وَكَيف وَجه تَحْصِيله وَهل ترك الله - تَعَالَى - فِيهِ صَلَاح الْخلق فَلم يجد بِهِ ابْتِدَاء من غير طلب كَيفَ يكون هَذَا وَقد بَدَأَ بِالنعَم قبل الِاسْتِحْقَاق وَخلق الْخلق من غير حَاجَة إِلَى الْخلق فَإِن قيل: أبلى بِالْحَاجةِ ثمَّ منع من غير بخل قيل: فَلَنْ يَنْبَغِي أَن
стр. 161
يجْحَد إحسانه فِيمَا ظهر لحيرة تقع فِيمَا يظنّ وَلَعَلَّ فِي غيب مَا منع مَا قد يَقع وَلكنه مَجْهُول وَهُوَ بتدبيره ملىء وعَلى مُوجب الْحِكْمَة مَاض بِغَيْر مدافعة وَلَا اعْتِرَاض. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: أما قَول من قَالَ: إِن الله - تَعَالَى - عَم بالصنع خلقه وَلم يعمهم بالاصطناع فَكَلَام قد ذهب بِهِ مَذْهَب البلاغة وَمَعْنَاهُ صَحِيح لَوْلَا التَّكَلُّف الَّذِي تجشمه صَاحبه. وَهَذَا الْمَعْنى فِي قَول الْمَسِيح ﵇ أظهر وَذَاكَ أَنه روى لنا وَنقل من لغته إِلَى لعتنا أَنه قَالَ: (لَا تهمتوا وَلَا تَقولُوا مَا نَأْكُل وَمَا نشرب وَمَا نلبس فَإِن قدر الْحَاجة قد عَم بِهِ جَمِيع الْخلق وَإِنَّمَا يَلْتَمِسُونَ الفضول فِيهَا وَاعْلَمُوا أَن لَيْسَ كل من دَعَا إِلَى الله يرى وَجه الله بل من أكمل رضوانه بِالْعَمَلِ الصَّالح) . فَهَذَا قَول الْمَسِيح ﵇ على مَا نقل وروى. فَأَما تَفْسِير هَذَا الْكَلَام وَهُوَ تَبْيِين الْكَلَام الأول الَّذِي سَأَلت عَن مَعْنَاهُ فَإِن الصنع الْبَين الظَّاهِر لجَمِيع الْخلق هُوَ إعطاؤهم الْحَيَاة ثمَّ إزاحة الْعلَّة فِيمَا هُوَ ضَرُورِيّ فِي بَقَائِهَا وَذَلِكَ أَن بقاءها بالحرارة الغريزية وَبَقَاء الْحَرَارَة الغريزية بالترويح يخرج من مَعْدِنهَا الَّذِي هِيَ مُتَعَلقَة بِهِ - الدُّخان الَّذِي يحدث عَن الْحَرَارَة والرطوبة الدهنية وتبديل الْهَوَاء الْيَابِس بذلك الدُّخان بهواء آخر رطب سليم مُوَافق لمادة تِلْكَ الْحَرَارَة وَذَلِكَ بمنفاخ دَائِم الْعَمَل فِي شَبيه بكير الحدادين وَهُوَ الرئة وَآلَة النَّفس فِي جَمِيع مَاله قلب ومعدن لهَذِهِ الْحَرَارَة وَمَا يجرى مجْراهَا فِي الْحَيَوَانَات الْأُخْرَى الَّتِي لَا قلب لَهَا.
стр. 162
وَلَا حَاجَة بهَا إِلَى الترويح عَن الْحَرَارَة الملتهبة فِي الْمَادَّة الرّطبَة الدهنية ثمَّ إزاحة الْعلَّة فِي نفس الْهَوَاء الَّذِي هُوَ مَادَّة تِلْكَ الْحَرَارَة ثمَّ فِي الرُّطُوبَة الَّتِي لولاها لفني مِقْدَار مَا فِي الْجِسْم مِنْهَا مَعَ اغتذاء الْحَرَارَة بهَا أَعنِي المَاء. وَهَذِه هِيَ الْأَشْيَاء الضرورية فِي الْحَيَاة الَّتِي لَو فقد مِنْهَا وَاحِد طرفَة عين لبطلت الْحَيَاة. وَقد أزيحت الْعلَّة فِيهَا إزاحة بَيِّنَة كَثِيرَة ظَاهِرَة وَعم بهَا جَمِيع الْحَيَوَان. فَأَما الْأَشْيَاء الَّتِي تتبع هَذِه مِمَّا هِيَ ضَرُورِيَّة فِي طول بَقَاء الْحَيّ وَفِي حسن حَاله من الْعُرُوق الضوارب وَغير الضوارب وآلات الْغذَاء والقوى الجاذبة والمغيرة والمحيلة الممسكة والدافعة وارئيسة من هَذِه القوى والخادمة لَهَا وَقيام الرئيسة - أبدا - بسياسة الخوادم واستخدامها وَقيام الخوادم مِنْهَا بِالطَّاعَةِ والخدمة الدائمة - فَأمر قد تبين فِي صناعَة الطِّبّ وَظهر ظهوراً لَا يحْتَاج مَعَه إِلَى اسْتِئْنَاف قَول. وَيبقى بعد ذَلِك تخير الْحَيّ لقوت دون قوت مِمَّا لَيْسَ بضروري فِي بَقَائِهِ فقد أعْطى بِحَسب حَاجته - أَيْضا - قُوَّة يُطيق بهَا التخير والتوصل إِلَى قدر حَاجته. وَهَذَا كُله معموم بِهِ جَمِيع الْخلق غير مَمْنُوع من شَيْء مِنْهُ. فَأَما الاصطناع فَهُوَ الْقرب من الْبَارِي - جلّ اسْمه - وَلَيْسَ يتم هَذَا إِلَّا بسعي ورغبة وَتوجه. وَقد دلّ - أَيْضا - تقدس اسْمه إِلَى ذَلِك وَبَقِي أَن يَتَحَرَّك العَبْد إِلَى هَذِه الْحَال فَإِنَّهُ لَا يمْنَع - أَيْضا - من الاصطناع بل الْبَاب مَفْتُوح والحجاب مَرْفُوع وَإِنَّمَا الْمَرْء يحجب نَفسه وَيمْتَنع من التَّوَجُّه وَالرَّغْبَة وَقصد الْمِنْهَاج والسبيل الَّذِي دلّ عَلَيْهِ وَرغب فِيهِ - بِأَن يتشاغل بِفُضُول عيشه الَّذِي هُوَ مستغن عَنهُ بِمَا هُوَ حَيّ وبالميل إِلَى لذات الْحس الَّتِي تعوقه عَن مطلبه وغايته ومنتهى سعادته وَهَذَا بِحَسب الْموضع كَاف فِيمَا سَأَلت عَنهُ، وَالله الْمُوفق؟
стр. 163
(مَسْأَلَة مَا سر النَّفس الشَّرِيفَة فِي إِيثَار النَّظَافَة ومحبة الطَّهَارَة)
وتتبع الْوَضَاءَة وعَلى هَذَا فَمَا وَجه الْخَيْر فِي قَوْله ﷺ (البذاذة من الْإِيمَان) وَقَالَ بعض النِّسَاء: القشف من الشّرف والترف من السَّرف. وَسمعت صوفياً يَقُول: سر الصُّوفِي إِذا صفا لم يحْتَمل الجفا. وَمُطلق هَذَا يَقْتَضِي قيدا وَلَكِن قَالَ هَذَا وَسكت. وَسمعت فيلسوفاً يَقُول: إِذا صفا السِّرّ انْتَفَى الشَّرّ. وَهَذَا وَإِن كَانَ قولا رشيقاً فَإِن السَّبَب فِيهِ متوار وَالدَّلِيل عَنهُ متراخ. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: يَنْبَغِي أَن نتكلم أَولا فِي سَبَب النَّظَافَة والدنس حَتَّى تبين معنى كل وَاحِد مِنْهُمَا ثمَّ نَنْظُر فِي نفور الْإِنْسَان عَن الدنس وميله إِلَى الطَّهَارَة فَأَقُول: إِن العناصر الْأَرْبَعَة إِذا لم تمتزج ضروب الامتزاجات المتغايرة لم ينفر الْإِنْسَان مِنْهَا وَلم يسمهَا دنساً وَإِنَّمَا يَقع النفور من بعض المزاجات.
стр. 164
وَإِذا نَظرنَا فِي المزاجات وجدنَا هَذِه الْأَرْبَعَة إِذا اخْتلطت ضربا من الِاخْتِلَاط على مُنَاسبَة مَا كَانَت معتدلة وَحصل المزاج الإنساني وَهَذَا المزاج لَهُ غَرَض مَا فَكل مَا لم يخرج عَنهُ فَهُوَ إِنْسَان بالصورة والمزاج وَإِن انحرف عَن هَذَا المزاج وَخرج عَنهُ - لم يكن إنْسَانا. وَلَا بُد أَن يكون انحرافه وَخُرُوجه إِلَى وَاحِد من هَذِه الْأَرْبَعَة أَكثر فَإِن كَانَ مائلاً إِلَى جِهَة الْحَرَارَة وَبَاقِي العناصر مقاربة للمزاج الإنساني أَو بَاقِيَة بِحَالِهَا - نظر فِي مِقْدَار خُرُوجه إِلَى جِهَة الْحَرَارَة فَإِن كَانَ كثير جدا كَانَ سما للْإنْسَان قَاتلا لَهُ وَإِن كَانَ دون هَذَا كَانَ ضاراً لَهُ بِحَسب خُرُوجه عَن اعتداله فِي الْحَرَارَة وَهَذَا لَا يُسمى دنساً وَكَذَلِكَ إِن خرج فِي جِهَة اليبوسة وَالْبرد فَإِن هَذِه إِن أفرطت وحصلت مضادة للمزاج المعتدل حَتَّى تبطله - كَانَت سموماً وَإِن لم تبطل ذَلِك المزاج فَهِيَ تضره وتغيره عَن صورته وَسَوَاء كَانَ هَذَا الْخَارِج عَن الِاعْتِدَال الإنساني نباتاً أَو حَيَوَانا فَإِنَّهُ يعرض فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ. فَهَذِهِ حَال مُفْرَدَات العناصر إِذا أفرطت مَعَ اعْتِدَال الْبَاقِيَات. فإمَّا إِذا خرج اثْنَان مِنْهَا عَن الِاعْتِدَال فَإِن خروجهما أَيْضا يكون على ضروب وأنحاء إِلَّا أَن الرُّطُوبَة - خَاصَّة - إِذا أفرطت فِي الزِّيَادَة والحرارة إِذا أفرطت فِي الزِّيَادَة - عرض من هَذَا المزاج حَال تسمى عفونة وَهِي عجز الْحَرَارَة عَن تَحْلِيل الرُّطُوبَة فَيحصل مُخَالفا للمزاج المعتدل من هَذَا الْوَجْه فيتكرهه الْإِنْسَان ويأباه سَوَاء أَكَانَ ذَلِك فِي حَيَوَان أَو جماد. وَهَذَا النفور والتكره على ضروب بِحَسب خُرُوج المزاج الْمُقَابل لَهُ عَن الِاعْتِدَال وسأضرب لذَلِك مثلا وَهُوَ أَن مزاج الْإِنْسَان لما كَانَ مقارباً لمزاج الْفرس وَكَانَت بَينهمَا مُنَاسبَة - حصل بَينهمَا قبُول من تِلْكَ الْجِهَة فَإِذا
стр. 165
تبَاعد هَذَا المزاج حَتَّى يكون مِنْهُ الْغُبَار والدود والجعل والذباب - نفر مِنْهُ الْإِنْسَان وتكرهه وَذَلِكَ أَن هَذِه الْأَنْوَاع من الْحَيَوَانَات مكونة من عفونات - كَمَا وصفناه من زِيَادَة الرُّطُوبَة ونقصان الْحَرَارَة - فبعدت من مزاج الْإِنْسَان وَكَذَلِكَ حَال فضول الْبدن وَذَلِكَ أَن الطبيعة إِذا استولت على الْغذَاء فتناولت مِنْهُ الْقدر الملائم وميزته أَيْضا وحصلته فِي أوعيته وشبهته أَولا أَولا بِالْبدنِ ونفت مَا لَيْسَ بملائم وميزته أَيْضا وحصلته فِي أوعية أُخْرَى وَهِي آلَات النفض فَإِن ذَلِك الْمُمَيز الَّذِي قد خرج عَنهُ جَمِيع مَا فِيهِ من الملاءمة - يحصل على غَايَة الْبعد من المشابهة وَتعرض لَهُ غَلَبَة الرُّطُوبَة ونقصان الْحَرَارَة فيعفن فينفر عَنهُ الْإِنْسَان ويكرهه وَيُحب الرَّاحَة مِنْهُ. وَهَذَا سَبِيل مَا يرشح من الْبدن من سَائِر الفضول فَإِن جَمِيعه مَا نَفَاهُ الطَّبْع وميزه فَهُوَ لذَلِك غير ملائم وَمَا لم يكن ملائماً كَانَ متكرهاً وَيُسمى هَذَا النَّوْع دنساً إِلَّا أَنه مَا
стр. 166
دَامَ مستبطناً وَغير بارز من الْبدن فَهُوَ مُحْتَمل بِالضَّرُورَةِ فَإِذا برز عفناه - حِينَئِذٍ - وتكرهناه وتقررنا مِنْهُ. وَهَهُنَا أَشْيَاء أخر ينفر مِنْهَا الْإِنْسَان بِالْعَادَةِ ويألفها أَيْضا بِالْعَادَةِ وَلَيْسَ مَا نَحن فِيهِ من هَذِه الْمَسْأَلَة فِي شَيْء. فَأَما قَول النَّبِي ﵇ (البذاذة من الْإِيمَان) فَهُوَ بعيد من هَذَا النمط الَّذِي كُنَّا فِي ذكره فَإِن من كَاد باذ الْهَيْئَة يكره الدنس وَيُحب النَّظَافَة وَلَيْسَ يخالفك فِي شَيْء مِمَّا تؤثره من معنى الطَّهَارَة فَإِن خالفك فَلَيْسَ من حَيْثُ بذاذة الْهَيْئَة لَكِن كَمَا يخالفك غَيره مِمَّن لَيْسَ بباذ الْهَيْئَة. وَكَذَلِكَ حَال التقشف الَّذِي حكيت فِيهِ كلَاما مَا عَن بعض الصُّوفِيَّة فَإِن تِلْكَ الْمعَانِي هِيَ مَوْضُوعَات أخر لَيست مِمَّا كُنَّا فِيهِ وَالْكَلَام فِيهَا يتَّصل بمعاني الْعِفَّة والقناعة والاقتصاد وَهِي فَضَائِل قد استقصى الْكَلَام فِيهَا فِي مَوَاضِع أخر. فَأَما قَول الْقَائِل: سر الصُّوفِي إِذا صفا لم يحْتَمل الجفا وَقَول الآخر: إِذا صفا السِّرّ انْتَفَى الشَّرّ فَهُوَ إِيمَاء إِلَى مَرَاتِب النَّفس من المعارف ومنازل الْيَقِين. ولعمري أَن
стр. 167
من حصل لَهُ مرتبَة فِي الْقرب من بارئه - جلّ اسْمه وَتَعَالَى علوا كَبِيرا - فقد انْتَفَى مِنْهُ الشَّيْء وَلم يحْتَمل الْجفَاء. وَشرح هَذَا الْكَلَام وَبسطه طَوِيل وَقد لَاحَ مِمَّا ذَكرْنَاهُ مَا فِيهِ كِفَايَة وبلاغ.
مَسْأَلَة الْغناء أفضل أم الضَّرْب ؟
والمغنى أفضل وأشرف أم الضَّارِب. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: أما الموسيقا فَإِنَّهُ علم وَقد يقْتَرن بِهِ عمل وعامله يُسمى موسيقاراً. فَأَما علمه فَهُوَ أحد التعاليم الْأَرْبَعَة الَّتِي لَا بُد لمن يتفلسف أَن يَأْخُذ بِخَط مِنْهُ وَأما عمله فَلَيْسَ من التعاليم وَلكنه تأدية نغم وإيقاعات متناسبة من شَأْنهَا أَن تحرّك النَّفس - فِي آلَة مُوَافقَة وَتلك الْآلَة إِمَّا أَن تكون من الْبدن أَو خَارِجَة عَن الْبدن. فَإِن كَانَت من الْبدن فَهِيَ أَعْضَاء طبيعية أعدت لتكمل بهَا أُمُور أخر فاستعملت فِي غَيرهَا. وَإِن كَانَت خَارِجَة من الطبيعة فَهِيَ آلَات صناعية أعدت لتكمل بهَا تأدية النغم والإيقاع. وَمن شَأْن الْآلَات الطبيعية إِذا هِيَ اسْتعْملت فِي غير مَا أعدت لَهُ - أَن تضطرب وَتخرج عَن أشكالها فتتبذل وتتغير. فَإِن كَانَ غَرَض الْمُتَكَلف ذَلِك فِيهَا الْوُصُول إِلَى خسائس الْأُمُور ونقائصها كَانَ قبيحاً مستهجناً. وَإِن كَانَ غَرَضه مِنْهَا إِظْهَار أثر الْعلم للحس ليتبين النّسَب الْمُؤَلّفَة فِي النَّفس وَإِظْهَار الْحِكْمَة فِي ذَلِك - كَانَ جميلاً مستحسناً وَإِن كَانَ لَا بُد فِيهِ من الْخُرُوج عَن الْعَادة والإلف عِنْد قوم لَكِن
стр. 168
غَرَض أهل زَمَاننَا من الْعَمَل هُوَ إثارة الشَّهَوَات القبيحة وإعانة النَّفس البهيمية على النَّفس المميزة حَتَّى تتَنَاوَل لذاتها من غير تَرْتِيب الْعقل وترخيصه فِيهَا. وَإِذا كَانَ قَصده لذَلِك بآلات طبيعية فَهُوَ - لَا محَالة - يضم إِلَيْهِ كلَاما ملائماً لَهُ يؤلف مِنْهُ تِلْكَ النغم فِي ذَلِك الْإِيقَاع. فَإِن كَانَ - أَيْضا - منظوماً نظماً شعرياً غزلياً قد اسْتعْمل فِيهِ خدع الشّعْر وتمويهاته - تركب تحريكه للنَّفس وَكَثُرت وجوهه واشتدت الدَّوَاعِي وقويت على مَا ينْقض الْعِفَّة ويثير الشبق والشره لِأَن الشّعْر وَحده يفعل هَذِه الْأَفْعَال. وَهَذِه أَسبَاب شرور الْعَالم وَسبب الشَّرّ شَرّ فَلذَلِك يعافه الْعقل وتخطره الشَّرِيعَة وتمنع مِنْهُ السياسة. فَإِذا كَانَت الْآلَة خَارِجَة من الْبدن فأحسنها مَا قل اسْتِعْمَال الْأَعْضَاء فِيهِ وَبقيت هَيْئَة الْإِنْسَان ونصبته صَحِيحَة غير مضطربة وَكَانَ مَعَ ذَلِك أَكثر طَاعَة فِي إبراز على التَّأْلِيف وأقدر على تَمْيِيز النغم وأفصح على حقائق النغم المتشابهة لَا إِلَى المتناسبة الَّتِي حصلها على الموسيقا. ولسنا نَعْرِف أكمل فِي هَذِه الْأَسْبَاب من الْآلَة الْمُسَمَّاة عوداً لِأَن أوتارها الْأَرْبَعَة مركبة على الطبائع الْأَرْبَع ولدساتينها المشدودة نسب مُوَافقَة لما يُرَاد من تَمْيِيز النغم فِيهَا وَلَيْسَ يُمكن أَن تُوجد نَغمَة فِي الْعَالم إِلَّا وَهِي محكية مِنْهَا ومؤادة بهَا. فَأَما مَا يحْكى عَن الأرغن الرُّومِي فَلم تسمعه إِلَّا خَبرا وَلم نره إِلَّا مصوراً وَقد عمل فِيهِ الْكِنْدِيّ وَغَيره كلَاما مَا لم يخرج بِهِ
стр. 169
إِلَى الْفِعْل من الْقُوَّة وَلَو عملت الْآلَة لَا حتاجت من مهارة مستعملها مَا يتَعَذَّر وجوده وَيبعد. وكما أَن الْعود لما خرج إِلَى الْفِعْل احْتِيجَ إِلَى ماهر يضْربهُ وَلم يكن ليغني فِيهِ الْعلم دون الْعَمَل والحذق فِيهِ فَكَذَلِك هَذِه الْآلَة لَو خرجت إِلَى الْفِعْل فَلذَلِك توقفنا عَن الحكم لَهَا بالشرف وقطعناه للعود.
(مَسْأَلَة مَا عِلّة افتتان بعض النَّاس فِي الْعُلُوم على سهولة من نَفسه وانقياد من هَوَاهُ)
واستجابة من طبعه وَآخر لَا يسْتَقلّ بفن مَعَ كد الْقلب ودوام السهر ومواصلة الْمجَالِس وَطول المدارسة. وَلَعَلَّ الأول كَانَ من المحاويح وَالثَّانِي من المياسير. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ أَقسَام. وَقَالَ قَائِلُونَ: هِيَ طبائع مُخْتَلفَة وعروق نزاعة ونفوس أباءة. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا هِيَ تأثيرات علوِيَّة ومقابلات سفلية واقترانات فلكية. وَقَالَ آخر: الله أعلم بخلقه وبفعله لَيْسَ لنا إِلَّا النّظر وَالِاعْتِبَار فَإِن أفضينا بِنَا إِلَى الْبَيَان فنعمة لَا يقوم بشكرها إنس وَلَا جَان وَإِن أديا إِلَى اللّبْس فتسليم لَا عَار فِيهِ على الْإِنْسَان. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن النَّفس وَإِن كَانَت فِي ذَاتهَا كَرِيمَة شريفة فَإِن أفعالها إِنَّمَا تصدر بِحَسب آلتها فَكَمَا أَن النجار إِذا فقد الفأس وَاسْتعْمل المثقب أَو الْمِنْشَار
стр. 170
مَكَانَهُ لم يصدر فعله الَّذِي يتم بالفأس كَامِلا وَلم تحصل لَهُ صور المنجور تَاما وَلم يكن ذَلِك لتقصير مِنْهُ بل لفقد الْآلَة - فَكَذَلِك حَال النَّفس إِذا ثارت إِلَى معرفَة ونهضت نَحْو علم ثمَّ لم تَجِد آلَته فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَة النجار الَّذِي ضَرَبْنَاهُ مثلا وَذَلِكَ أَن بعض الْعُلُوم يحْتَاج فِيهِ إِلَى تخيل قوى والتخيل إِنَّمَا يكون باعتدال مَا فِي مزاج بطن الدِّمَاغ الْمُقدم. وَبَعض الْعُلُوم يحْتَاج فِيهِ إِلَى فكر صَحِيح والفكر الصَّحِيح إِنَّمَا يتم باعتدال مَا فِي مزاج بطن الدِّمَاغ الْأَوْسَط. وَبَعض الْعُلُوم يحْتَاج فِيهِ إِلَى حفظ صَحِيح جيد وَالْحِفْظ الْجيد يحصل باعتدال مَا فِي مزاج بطن وَبَعض هَذِه المزاجات يحْتَاج فِي اعتداله الْخَاص فِيهِ إِلَى رُطُوبَة مَا وَبَعضه يحْتَاج فِيهِ إِلَى يبوسة مَا وَكَذَلِكَ الْحَال فِي الكيفيتين الْأُخْرَيَيْنِ. وَلما كَانَت هَذِه الْبُطُون متجاورة أدّى بَعْضهَا إِلَى بعض كيفيتها فَإِن رُطُوبَة أَحدهَا ترطب الآخر بالمجاورة وَإِن كَانَ غير مُحْتَاج إِلَى الرُّطُوبَة فِي اعتداله الْخَاص بِهِ فَلذَلِك قل من يجْتَمع لَهُ الْفَضَائِل الثَّلَاث من صدق التخيل وَصِحَّة الْفِكر وجودة الْحِفْظ. وَإِذا غلب أحد هَذِه كَانَت سهولة الْعلم الْمُوَافق لذَلِك المزاج على الْإِنْسَان بِحَسب مَا ركب فِيهِ وَأعْطى الْقُدْرَة عَلَيْهِ. وَمن فقد الِاعْتِدَال فِيهَا كلهَا فقد الِانْتِفَاع بالعلوم أجمعها. وَرُبمَا حصلت الْفَضَائِل فِي التَّرْكِيب من صِحَة المزاج ثمَّ أهمل صَاحبهَا نَفسه بِمَنْزِلَة النجار الَّذِي يجد الْآلَة ثمَّ لَا يستعملها كسلاً وميلاً إِلَى الرَّاحَة والهوينا وشغلاً باللعب والعبث فَهَذَا هُوَ المذموم المضيع حَظه الَّذِي خسر نَفسه قَالَ الله تَعَالَى فِيهِ [اي] ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ
стр. 171
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [\ اي] فَأَما من اسْتعْمل آلَته بِحَسب طاقته وَحصل فضيلتها بِنَحْوِ استطاعته فَهُوَ مَعْذُور. وَلَيْسَ يكون ذَلِك بيسار وَلَا فقر بل بِحُصُول الْآلَة ومواتاة المزاج وبقدر عناية الْإِنْسَان بعد فَمن قَالَ من النَّاس: إِنَّهَا مواهب أَو أَقسَام أَو طبائع أَو تأثيرات علوِيَّة أَو غير ذَلِك فَهُوَ صَادِق وَلَيْسَ يكذب أحد فِي شَيْء مِمَّا حكيته لِأَن كل وَاحِد مِنْهُم يومىء إِلَى جِهَة صَحِيحَة وَسبب ظَاهر وَإِن كَانَت جَمِيع الْجِهَات والأسباب مرتقية إِلَى سَبَب وَاحِد لَا سَبَب لَهُ وَإِلَى عِلّة أولى هِيَ عِلّة الْبَاقِيَات وَإِلَى مبدع للْجَمِيع خَالق للْكُلّ - تَعَالَى ذكره وتقدس إسمه - وَنحن نستمده التَّوْفِيق ونسأله الْعِصْمَة ونستوزعه الشُّكْر ونفوض إِلَيْهِ أمورنا وَهُوَ حَسبنَا ومولانا وَعَلِيهِ توكلنا وَنعم الْمولى وَنعم النصير.
стр. 172
مَسْأَلَة مَا الفراسة وماذا يُرَاد بهَا وَهل هِيَ صَحِيحَة أم هِيَ تصح فِي بعض الْأَوْقَات دون بعض أَو لشخص دون شخص ؟
الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: الفراسة صناعَة تتصيد الْأَخْلَاق وَالْأَفْعَال الَّتِي بِحَسب الْأَخْلَاق من الأمزجة والهيئات الطبيعية والحركات الَّتِي تتبعها. وَهِي صناعَة صَحِيحَة قَوِيَّة الْأُصُول وَثِيقَة الْمُقدمَات وَيحْتَاج صَاحبهَا ومتعاطيها أَن يتدرب فِي ثَلَاثَة أصُول لَهَا حَتَّى يحكمها ثمَّ يحكم بهَا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يخطىء وَلَا يغلط. وَالْأُصُول الثَّلَاثَة هِيَ هَذِه: أما أَحدهَا فالطبائع الْأَرْبَع أَنْفسهَا. وَالثَّالِث الهيئات والأشكال والحركات التابعة للأخلاق. وَنحن نشرحها على مَذْهَبنَا فِي الإيجاز والإيماء إِلَى النكت وَالدّلَالَة بعد ذَلِك على مظانها.
стр. 173
فَأَما قَوْلك: فَمَا الَّذِي يُرَاد بهَا؟ فَإِن المُرَاد من هَذِه الصِّنَاعَة تقدمة الْمعرفَة بأخلاق النَّاس ليلابسهم على بَصِيرَة. والفراسة قد تكون فِي الْخَيل وَالْكلاب وَسَائِر الْحَيَوَانَات الَّتِي ينْتَفع بهَا النَّاس وَقد تكون فِي الجمادات أَيْضا كفراسة السيوف والسحاب وَغَيرهمَا إِلَّا أَن الْعِنَايَة التَّامَّة إِنَّمَا وَقعت بفراسة الْإِنْسَان خَاصَّة لِكَثْرَة الِانْتِفَاع بِهِ مِمَّا سَنذكرُهُ بِمَشِيئَة الله. وَأما قَوْلك: هَل تصح أبدا أم فِي وَقت دون وَقت ولشخص دون شخص فَإِنِّي أَقُول: إِنَّهَا تصح أبدا فِي كل وَقت وَلكُل أحد وَلَكِن على الشريطة الَّتِي ذَكرنَاهَا من إحكام الْأُصُول الَّتِي وعدنا بذكرها مجملة وَالدّلَالَة على موَاضعهَا مفصلة. وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهَا تصح أبدا ودائماً لِأَن مقوماتها ودلائلها ثَابِتَة غير منقلبة وَلَيْسَت كأشكال الْفلك الَّتِي تتبدل وتتغير بل شكل الْإِنْسَان وهيئاته ومزاجه والحركات اللَّازِمَة لَهُ عَن هَذِه الْأَشْيَاء ثَابِتَة بَاقِيَة مَا دَامَ حَيا فالمستدل بهَا أَيْضا يتصفحها فيجدها بِحَال وَاحِدَة. ونعود إِلَى ذكر الْأُصُول الثَّلَاثَة فَنَقُول: أما الِاسْتِدْلَال بالطبائع أَنْفسهَا فَهُوَ أَن الْحَرَارَة الَّتِي تكون فِي قلب الْإِنْسَان - وَهِي سَبَب الْحَيَاة - من شَأْنهَا إِن زَادَت على الِاعْتِدَال أَن تزيد فِي النَّفس لحَاجَة الْقلب إِلَى الترويح بالرئة وَأَن توسع التجويف الَّذِي تكون فِيهِ بالحركة الزَّائِدَة وَأَن يكون لَهَا دُخان فَاضل على الْقدر المعتدل بِحَسب زيادتها وبقدر الرُّطُوبَة الدهنية الَّتِي تجاورها. فَيعرض من هَذِه الْأَحْوَال الَّتِي ذكرتها أَن يكون الْإِنْسَان الَّذِي حرارة قلبه بِهَذِهِ الصّفة عَظِيم النَّفس وَاسع الصَّدْر جهير الصَّوْت كثير الشّعْر فِي نواحي الصَّدْر والأكتاف إِذا لم يمْنَع مِنْهُ مَانع
стр. 174
كَمَا يعرض لمن يكون جلده مستحصفاً ومسام جلده مسدودة أَو ضيقَة. فَمن وجد هَذِه الصِّفَات فَحكم بِأَن الْمُوجب لَهَا حرارة غالبة فَهُوَ صَادِق إِلَّا أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يتسرع إِلَى حكم آخر حَتَّى فِي الْأَصْلَيْنِ الباقيين ليثق كل الثِّقَة وَذَلِكَ أَن الْحَرَارَة يتبعهَا الْغَضَب والشجاعة وَسُرْعَة الْحَرَكَة وَلَكِن على شُرُوط وَهِي أَن للدماغ مُشَاركَة فِي أَفعَال الْإِنْسَان وتعديل حرارة الْقلب إِذا كَانَ بَارِدًا رطبا فَيَنْبَغِي أَن ينظر فِيهِ فَإِن كَانَ صَاحب هَذَا المزاج صَغِير الرَّأْس بِالْإِضَافَة إِلَى صَدره فاحكم عَلَيْهِ بِمَا قُلْنَاهُ. فَإِن أضَاف الْمُسْتَدلّ إِلَى هَذِه الدّلَالَة الدلالتين الْأُخْرَيَيْنِ من الْأَصْلَيْنِ الباقيين لَا أَشك فِي صِحَة حكمه وَصدق قِيَاسه. وَأَنا الِاسْتِدْلَال بِالْأَصْلِ الثَّانِي وَهُوَ المزاج فقد علمنَا أَن لكل مزاج خلقا ملائماً وشكلاً مُوَافقا وَذَلِكَ الْخلق يتبعهُ خلق النَّفس فَإِن الطبيعة تعْمل - أبدا - من كل مزاج خلقا خَاصّا فَلذَلِك لَا تعْمل من نُطْفَة الْحمار إِلَّا حمارا وَمن النواة إِلَّا النَّخْلَة وَمن الْبرة إِلَّا برا.
стр. 175
وَكَذَلِكَ أَيْضا - أبدا - تعْمل من المزاج الْمَخْصُوص بالأسد خلقَة الْأسد وَمن مزاج الأرنب خلقَة الأرنب وَأَن ذَلِك الْخلق يتبعهُ خلق خَاص - أبدا - بِمُوجب الطبيعة وَذَلِكَ أَن الْأسد لما كَانَ مزاج قلبه حاراً تتبعه الجرأة وَلِأَنَّهُ مستعد لِأَن يلتهب قلبه - صَار يسْرع إِلَيْهِ الْغَضَب وَلِأَن مزاجه مُوَافق لخلقه أعدت لَهُ الطبيعة آلَة الْفرس والنهس وأزاحت علته فِي الْأَعْضَاء الَّتِي يستعملها بِحَسب هَذَا المزاج وأعطته الأيد والبطش. وَلما كَانَ مزاج الأرنب مُقَابلا لهَذَا المزاج صَار خواراً جَبَانًا ضَعِيفا قَلِيل الْمِنَّة فَأَعَدْت الطبيعة لَهُ آلَة الْهَرَب فَهُوَ لذَلِك خَفِيف جيد الْعَدو لَا يصدر عَنهُ شَيْء من أَفعَال الشجَاعَة والإقدام فَكل أَسد شُجَاع مِقْدَام وكل أرنب جبان فرار حَتَّى لَو تحدث إِنْسَان أَن أرنباً أقدم على سبع وَولى السَّبع عَنهُ لَكَانَ مَوضِع ضحك. فَإِذا وجد صَاحب الفراسة فِي مخايل الْإِنْسَان وخلقه مشابهة لأحد هذَيْن الحيوانين فَحكم لَهُ بقريب من ذَلِك المزاج والخلق الصَّادِر عَنهُ فَهُوَ غير بعيد من الْحق لَا سِيمَا إِن أضَاف إِلَيْهِ الْأَصْلَيْنِ الباقيين.
стр. 176
وَهَذَا المثالان اللَّذَان ذكرناهما يسْتَمر الْقيَاس عَلَيْهِمَا على مزاج خَاص بحيوان أَعنِي أَنه يتبع كل مزاج خلق كالروغان للثعلب وَالْخداع والجبن للأرنب والختل وكالملق للسنور والأنس وكالسرق للعقعق والدفن. وَإِنَّمَا صَار الْإِنْسَان وَحده لَا يظْهر مِنْهُ الْخلق الطبيعي ظهوراً تَاما كظهوره من هَذِه الْحَيَوَانَات لِأَنَّهُ مُمَيّز ذُو روية فَهُوَ يستر على نَفسه مَذْمُوم الْأَخْلَاق بتعاطي ضِدّه وتكلف فعل الْمَحْمُود وَإِظْهَار مَا لَيْسَ فِي طبعه وَلَا فِي جبلته فَيحْتَاج حِينَئِذٍ إِلَى أَن يسْتَدلّ على خلقه الطبيعي بِأحد شَيْئَيْنِ: إِمَّا بطول الصُّحْبَة وتفقد الْأَحْوَال وَإِمَّا بالاستدلال الَّذِي نَحن فِي ذكره والاستعانة بصناعة الفراسة على مَا يسيره من أخلاقه الطبيعية. فَإِن كَانَ مزاجه وخلقه مناسباً لخلق الأرنب حكم بخلقه وَإِن كَانَ مناسباً للأسد حكم عَلَيْهِ بخلقه مَعَ سَائِر دلائله الْأُخَر. فَأَما الِاسْتِدْلَال بِالْأَصْلِ الْأُخَر وَهُوَ الهيئات والأشكال والحركات فَهُوَ أَن كل حَال من حالات النَّفس من غضب ورضا وسرور وحزن وَغير ذَلِك هيئات وحركات وأشكالاً تتبع تِلْكَ الْحَال أبدا وظهورها يكون فِي
стр. 177
الْعين وَالْوَجْه أَكثر وَأَصْحَاب الفراسة يعتمدون الْعين خَاصَّة ويزعمون أَنَّهَا بَاب الْقلب فيتصيدون من شكلها ولونها وأحوال أخر لَهَا كَثِيرَة يضيق موضعنا عَن ذكرهَا - أَكثر الْأَخْلَاق والشيم وتحسن إصابتهم وَيصدق حكمهم لَا سِيمَا إِن أضافوا إِلَيْهِ الْأَصْلَيْنِ الباقيين وَذَلِكَ أَن عين المسرور مثلاص وَعين الحزين ظاهرتا الْهَيْئَة وَالْحَرَكَة فَإِذا وجد الْإِنْسَان وَهُوَ بالخلقة والطبيعة على أحد هَاتين الْحَالَتَيْنِ من هَيْئَة عينه وحركتها حكم عَلَيْهِ بذلك الطَّبْع وَكَذَلِكَ من ظهر فِي وَجهه فِي حَال سُكُوته قطوب وغضون فِي الْجَبْهَة وعبوس - حكم عَلَيْهِ بِهَذَا الطَّبْع وَأَنه سيىء الْخلق. فَهَذِهِ هِيَ الْأُصُول الثَّلَاثَة الَّتِي اعتمدها أَصْحَاب الفراسة وَهِي قَوِيَّة طبيعية كَمَا ترَاهَا. وَقد عمل فِيهَا أفليمون كتابا. وَيُقَال إِنَّه أول من سبق إِلَى هَذَا الْعلم مِمَّن انْتهى إِلَيْنَا أَثَره وعرفنا خَبره ثمَّ تبعه جمَاعَة صنفوا فِيهِ كتبا وَهِي مَشْهُورَة فَمن أحب الاتساع فِي هَذَا الْعلم فليأخذه من مظانه. وَهَهُنَا نوع آخر من الِاسْتِدْلَال - وَإِن لم يكن طبيعياً فَهُوَ قريب مِنْهُ - وَهُوَ الْعَادَات فَإِن الْمثل قد سبق بِأَن الْعَادة طبيعة ثَانِيَة وَقد علمنَا أَن من نَشأ بِمَدِينَة وَفِي أمة وطالت صحبته لطائفه - تشبهبهم وَأخذ طريقتهم كمن يصحب الْجند وَأَصْحَاب الملاهي أَو سَائِر طَبَقَات النَّاس حَتَّى يظنّ بِمن صحب الْبَهَائِم طَويلا أَنه يحدث فِيهِ شَيْء من أخلاقها. وَأَنت تبين ذَلِك فِي الجمالين والرعاة الَّذين يسكنون الْبر وتقل مخالطتهم للنَّاس وَفِي الْقَوْم الَّذين فَهَذِهِ جملَة من القَوْل فِي الفراسة. وَيَنْبَغِي أَن تحذر الحكم بِدَلِيل وَاحِد وتتوخى جَمِيع الدَّلَائِل من الْأُصُول الثَّلَاثَة لتَكون
стр. 178
بِمَنْزِلَة شُهُود عدُول لَا يتداخلك الشَّك فِي صدقهم فَيكون حكمك صَادِقا وفراستك صَحِيحَة وَذَلِكَ بِحَسب دربتك بالصناعة بعد معرفتك بالأصول. وَمَا أَكثر الِانْتِفَاع بِهَذَا الْعلم وأحضره فَإِنِّي أرى فِي الجولان الَّذِي يتَّفق لي فِي الأَرْض وَكَثْرَة الْأَسْفَار أَن أرى ضروباً من النَّاس وأخالط أخياف الْأُمَم وأشاهد عجائب الْأَخْلَاق فأستعمل الفراسة فيعظم نَفعهَا وتتعجل فائدتها. والفراسة رُبمَا تخطىء فِي الفيلسوف التَّام الْحِكْمَة وَوجه ذَلِك أَنه رُبمَا كَانَ ذَا مزاج فَاسد وَخلق - بالطبع - مشاكل لَهُ فَيُصْلِحهُ ويهذبه بطول المعاناة وتعاهد نَفسه بدوام السِّيرَة الحميدة وَلُزُوم السجايا الرضية كَمَا يَحْكِي عَن أفليمون وَهُوَ أول من سبق إِلَى هَذَا الْعلم فَإِنَّهُ حمل إِلَى أبقراطيس وَهُوَ متنكر فَدخل إِلَيْهِ وَهُوَ لَا يعرفهُ فَلَمَّا تَأمله حكم عَلَيْهِ: زَان فهم أَصْحَابه بالوثوب عَلَيْهِ فنهاهم أبقراطيس وَقَالَ: قد صدق الرجل بِحَسب صناعته وَلَكِنِّي بالقهر أمنع نَفسِي من إِظْهَار سجيتها.
مَسْأَلَة مَا سر قَوْلهم: الْإِنْسَان حَرِيص على مَا منع ؟
وَلم صَار هَذَا هَكَذَا وَكَيف يسْرع الْملَل مِمَّا بذل ويضاعف الولوع بِطَلَب مَا بخل بِهِ هَل
стр. 179
كَانَ الْحِرْص فِي مُقَابلَة مَا وجد والزهد فِي مُقَابلَة مَا منع وَلِهَذَا مَا صَار الرخيص مرغوبا عَنهُ والغالي مرغوباً فِيهِ وَلِهَذَا إِذا ركب الْأَمِير لَا يحرص على رُؤْيَته كَمَا يحرص على رُؤْيَة الْخَلِيفَة إِذا برز. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن النَّفس غنية بذاتها مكتفية بِنَفسِهَا غير محتاجة إِلَى شَيْء خَارج عَنْهَا. وَإِنَّمَا عرض لَهَا الْحَاجة والفقر إِلَى مَا هُوَ خَارج مِنْهَا لمقارنتها الهيولى وَذَلِكَ أَن أَمر الهيولى بالضد من أَمر النَّفس فِي الْفقر وَالْحَاجة وَالْإِنْسَان لما كَانَ مركبا مِنْهَا عرض لَهُ التشوف إِلَى تَحْصِيل المعارف والقنيات. أما الْعَارِف والعلوم فَهُوَ يحصلها فِي شَبيه بالخزانة لَهُ يرجع إِلَيْهِ مَتى شَاءَ ويستخرج مِنْهُ مَا أَرَادَ أَعنِي الْقُوَّة الذاكرة الَّتِي تستودع الْأُمُور الَّتِي تستفاد من خَارج أَعنِي من الْعلمَاء والكتب أَو الَّتِي تستثار بالفكر والروية من دَاخل. وَأما القنيات والمحسوسات فَإِنَّهُ مِنْهَا مَا يروم من تِلْكَ الَّتِي تقدم ذكرهَا فَلذَلِك يغلط فِيهَا ويخطىء فِي الاستكثار مِنْهَا إِلَى أَن يتَنَبَّه بالحكمة على مَا يَنْبَغِي أَن يقتني من الْعُلُوم والمحسوسات وَإِنَّمَا حرص على مَا منع لِأَنَّهُ إِنَّمَا يطْلب مَا لَيْسَ عِنْده وَلَا هُوَ مَوْجُود لَهُ فِي خزانته فيتحرك لاقتنائه وتحصيله بِحَسب ميله إِلَى أحد الْأَمريْنِ أَعنِي الْمَعْقُول أَو المحسوس فَإِذا حصله سكن من هَذِه الْجِهَة وَعلم أَنه قد ادخره وَمَتى رَجَعَ إِلَيْهِ وجده إِن كَانَ مِمَّا يبْقى بِالذَّاتِ وتشوف إِلَى جِهَة أُخْرَى
стр. 180
وَلَا يزَال كَذَلِك إِلَى أَن يعلم أَن الجزئيات لَا نِهَايَة لَهَا وَمَا مَا لَا نِهَايَة لَهُ فَلَا طمع فِي تَحْصِيله وَلَا فَائِدَة فِي النزاع إِلَيْهِ وَلَا وَجه لطلبه سَوَاء كَانَ فِي الْمَعْلُوم أَو فِي المحسوس. وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يقْصد من المعلومات إِلَى الْأَنْوَاع والذوات الدائمة السرمدية الْمَوْجُودَة أبدا بِحَالَة وَاحِدَة وَيكون ذَلِك برد الْأَشْخَاص الَّتِي بِلَا نِهَايَة إِلَى الْوحدَة الَّتِي يُمكن أَن تتأحد بهَا النَّفس وَمن المحسوسات المقتناة إِلَى ضرورات الْبدن ومقيماته دون الاستكثار مِنْهَا فَإِن اسْتِيعَاب جَمِيعهَا غير مُمكن لِأَنَّهَا أُمُور لَا نِهَايَة لَهَا. فَإِذن كل مَا فضل عَن الْحَاجة وَقدر الْكِفَايَة فَهُوَ مَادَّة الأحزان والهموم والأمراض وضروب المكاره. والغلط فِي هَذَا الْبَاب كثير وَسبب ذَلِك طمع الْإِنْسَان فِي الْغنى من مَعْدن الْفقر لِأَن الْفقر هُوَ الْحَاجة والغنى هُوَ الِاسْتِقْلَال اعني أَلا يحْتَاج بتة وَلذَلِك قيل أَنه الله - تَعَالَى - غَنِي لِأَنَّهُ غير مُحْتَاج بتة. فَأَما من كثرت قنياته فَإِنَّهُ ستكثر حاجاته بِحَسب كَثْرَة قنياته وعَلى قدر منازعته إِلَى الاستكثار تكْثر وُجُوه فقره وَقد تبين ذَلِك فِي شرائع الْأَنْبِيَاء وأخلاق الْحُكَمَاء. فَأَما الشَّيْء الرخيص الْمَوْجُود كثيرا فَإِنَّمَا رغب عَنهُ لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَنه إِذْ التمس وجد وَأما الغالي فَإِنَّمَا يقدر عَلَيْهِ فِي الأحيان ويصيبه الْوَاحِد بعد الْوَاحِد فَكل إِنْسَان يتَمَنَّى أَن يكون ذَلِك الْوَاحِد ليحصل لَهُ مَا لم يحصل لغيره وَذَلِكَ من الْإِنْسَان على السَّبِيل الَّذِي شرحناه من أمره.
(مَسْأَلَة مَا سَبَب نظر الْإِنْسَان فِي العواقب وَمَا مثاره مِنْهَا وَمَا آثاره فِيهَا ؟)
следующие страницы →