← Джавами‘

Джавами‘ · id 4135

الهوامل والشوامل

ابن مسكويه

Полный текст (376 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وَلَا بُد أَن يصير ذَلِك الْفِكر من جنس مَا دهمه أَعنِي أَنه يَقُول القافية ويصنف الرسَالَة فِي ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي طَرَأَ عَلَيْهِ لَكِن يَسْتَعِين عَلَيْهِ بفكر كَأَن يتَصَرَّف فِي شعر آخر فَيردهُ إِلَى الأهم الَّذِي وَأما الَّذِي يذهل ويعله ويتحير فَهُوَ الَّذِي لم يكن قبل وُرُود ذَلِك الشّغل عَلَيْهِ مِمَّن لَا يرتاض بِشعر وَلَا ترسل وَلَا عَادَته أَن يلجأ إِلَى فكره ويستعمله فِي اسْتِخْرَاج الخبايا واللطائف فَإِذا طرقه عَارض يحْتَاج فِيهِ إِلَى فكر لم يجده وأصابه من الوله والدهش مَا ذكرت. (مَسْأَلَة مَا بَال أَصْحَاب التَّوْحِيد لَا يخبرون عَن الْبَارِي إِلَّا بِنَفْي الصِّفَات) فَقيل لَهُ: بَين قَوْلك وابسط فِيهِ إرادتك. قَالَ: إِن النَّاس فِي ذكر صِفَات الله - تَعَالَى - على طريقتين: فطائفة تَقول: لَا صِفَات لَهُ كالسمع وَالْعلم وَالْبَصَر والحياة وَالْقُدْرَة لكنه مَعَ نفي هَذِه الصِّفَات مَوْصُوف بِأَنَّهُ سميع بَصِير حَيّ قَادر عَالم. وَطَائِفَة قَالَت: هَذِه أَسمَاء لموصوف بِصِفَات هِيَ الْعلم وَالْقُدْرَة والحياة. وَلَا بُد من إِطْلَاقهَا وتحقيقها. ثمَّ إِن هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ تطابقته على أَنه عَالم لَا كالعالمين وقادر لَا كالقادرين وَسميع لَا كالسامعين ومتكلم لَا كالمتكلمين. وَكَانَت الطائفتان فِي ظَاهر الرأى مثبتة نَافِيَة معطية آخذه إِلَّا أَن يبين مَا يزِيد على هَذَا.

стр. 282

هَذَا آخر الْمَسْأَلَة. وَالْجَوَاب عَنْهَا حرفان مَعَ الإيجاز إِن ساعد فهم وتبسيط مَعَ الْبَيَان إِن احْتِيجَ إِلَيْهِ فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: أما قَوْلك: الْجَواب عَنْهَا حرفان مَعَ الإيجاز فَهُوَ قريب مِمَّا قلت وَذَاكَ أَن كل صفة وموصوف يَقع عَلَيْهِ وهم وينطلق بِهِ لِسَان فَهُوَ جود من الله تَعَالَى وإبداع لَهُ وَمن مِنْهُ امتن بِهِ على خلقه وَلَيْسَ يجوز أَن يُوصف الله - تَعَالَى - بِمَا هُوَ مبدع ومخلوق لَهُ. فَهَذَا مَعَ الإيجاز كَاف. وَلَا بُد من أدنى بسط وَبَيَان فَنَقُول: إِن الْبُرْهَان قد قَامَ على أَن الْبَارِي الأول الْوَاحِد هُوَ - عز اسْمه - مُتَقَدم الْوُجُود على كل مَعْقُول ومحسوس وَأَنه أول بِالْحَقِيقَةِ أَي لَيْسَ لَهُ شَيْء يتقدمه على سَبِيل عِلّة وَلَا سَبَب وَلَا غَيرهمَا. وَمَا لَيْسَ لَهُ عِلّة تتقدمه فوجوده أبدا وَمَا وجوده أبدا فَهُوَ وَاجِب الْوُجُود وَمَا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ لم يزل وَمَا لم يزل فَلَيْسَ لَهُ عِلّة فَلَيْسَ بمتركب وَلَا متكثر لِأَنَّهُ لَو كَانَ مركبا أَو كَانَ متركباً لَكَانَ وَقد قُلْنَا إِنَّه أول لم يتقدمه شَيْء فَإِذن لَيْسَ بمركب وَلَا متكثر. والأوصاف الَّتِي يثبتها لَهُ من يثبتها لَيْسَ تَخْلُو من أَن تكون قديمَة مَعَه أَو محدثة بعده. وَلَو كَانَت قديمَة مَعَه مَوْجُودَة بِوُجُودِهِ لَكَانَ هُنَاكَ كَثْرَة وَلَو كَانَت كَثْرَة لكَانَتْ - لَا محَالة - متركبة من آحَاد. وَلَو كَانَت الْآحَاد مُتَقَدّمَة أَو الْوحدَة - سِيمَا الَّتِي تركبت مِنْهَا الْآحَاد - وَالْكَثْرَة مُتَقَدّمَة، لم

стр. 283

يكن أَولا وَقد قُلْنَا إِنَّه أول. وَلَو كَانَت أَوْصَافه بعده لَكَانَ خَالِيا مِنْهَا فِيمَا لم يزل وخلصت لَهُ الْوحدَة. وَإِنَّمَا حدث لَهُ مَا حدث عَن سَبَب وَعلة - تَعَالَى الله وَجل عَمَّا يَقُولُونَ المبطلون - وَقد قُلْنَا إِنَّه لَا سَبَب لَهُ وَلَا عِلّة. وَأما أطلاقنا مَا نطلقه عَلَيْهِ من الْجُود وَالْقُدْرَة وَسَائِر الصِّفَات فَلِأَن الْعقل إِذا قسم الشَّيْء إِلَى الْإِيجَاب وَالسَّلب أَو إِلَى الْحسن والقبيح أَو إِلَى الْوُجُود والعدم - وَجب أَن ينظر فِي كل طرفين فينسب الْأَفْضَل مِنْهُمَا إِلَيْهِ إِن كُنَّا لَا محَالة مشيرين إِلَيْهِ بِوَصْف مثلا كأنا سمعنَا بِالْقُدْرَةِ وَالْعجز وهما طرفان فَوَجَدنَا أَحدهمَا مدحاً وَالْآخر ذماً فَوَجَبَ أَن ننسب إِلَيْهِ مَا هُوَ مدح عندنَا. وَمَعَ ذَلِك فَيَنْبَغِي أَلا نقيس على هَذَا الْقدر أَيْضا إِلَّا إِذا كَانَ مَعنا رخصَة فِي شَرِيعَة أَو إِطْلَاق فِي كتاب منزل لئلانبتدع لَهُ من عندنَا مَا لم تجربه سنة أَو فَرِيضَة ونحذر كل الحذر من الْإِقْدَام على هَذِه الْأُمُور. ولأنا ضمنا ترك الإطالة فِي جَمِيع أجوبة هَذِه الْمسَائِل فلنقتصر على هَذَا النبذ. وَمن أَرَادَ الإطالة والتوسع فِيهِ فليقرأه من مَوْضِعه الْخَاص بِهِ من كتَابنَا الَّذِي سميناه الْفَوْز أَو من كتب غَيرنَا المصنفة فِي هَذَا الْمَعْنى إِن شَاءَ الله.

стр. 284

(مَسْأَلَة لم صَار الْإِنْسَان فِي حفظ الصَّوَاب أنفذ مِنْهُ فِي حفظ الْخَطَأ) شَاهد هَذَا أَنَّك لَو سمت الغفل أَن يتَعَلَّم الْأَدَب ويعتاد الصَّوَاب فِي اللَّفْظ كَانَ أُخْرَى بذلك وأجرأ عَلَيْهِ من قَاض أَو عدل أَو أديب عَالم تسوم وَاحِدًا مِنْهُم ان يتخلق بِخلق بعض الْعَامَّة أَو يَقْتَدِي بِلَفْظِهِ فِي خطابه وفساده وَلِهَذَا تَجِد مائَة ينشدونك لأبي تَمام والبحتري وَلَا تَجِد ثَلَاثَة ينشدونك للطرمي وَأبي العبر.

стр. 285

الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن الصَّوَاب شَيْء وَاحِد وَله سمت يُشِير إِلَيْهِ فَأَما الانحراف عَن ذَلِك السمت وَالْخَطَأ فِيهِ وَعنهُ فَأمر لَا نِهَايَة لَهُ فَلذَلِك لَا يُمكن ضَبطه. وَإِن انحرف عَنهُ منحرف فَإِنَّمَا يكون ذَلِك مِنْهُ كَمَا جَاءَ وَاتفقَ لَا بِإِشَارَة من فهم وَلَا دَلِيل من عقل. وَحفظ مثل هَذَا عسير جدا إِذْ كَانَ الْحِفْظ إِنَّمَا هُوَ تذكر لصورة قيدها الْعقل وَتلك الصُّورَة هِيَ مُقْتَضى الْعقل أَو رسم من رسوم قوى الْعقل. فالإنسان معَان على هَذَا الرَّسْم بالفطرة وَمَعَان على تذكره - أَيْضا - بالفطرة. فَأَما الْعُدُول عَنهُ فَهُوَ كالعدول عَن نقطة الدائرة الَّتِي تسمى مركزاً فَإِن النقطة فِي الدائرة - الَّتِي لَيست مركزاً - هِيَ كَثِيرَة بِلَا نِهَايَة وَإِنَّمَا المحدودة مِنْهَا على نقطة وَاحِدَة أَعنِي الَّتِي بعْدهَا من جَمِيع مُحِيط الدائرة بالسَّواء.

стр. 286

(مَسْأَلَة لم صَار الْعرُوض ردىء الشّعْر قَلِيل المَاء) والمطبوع على خِلَافه ألم تبن الْعرُوض على الطَّبْع أليست هِيَ ميزَان الطَّبْع فَمَا بالها تخون وَقد رَأينَا بعض من يتذوق وَله طبع يخطي وَيخرج من وزن إِلَى وزن وَمَا رَأينَا عروضياً لَهُ ذَلِك. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن المطبوع من المولدين يلْزم الْوَاحِد وَلَا يخرج عَنهُ مادام طبعه يُطِيع ذَلِك. وَلَكِن سمعنَا للشعراء الجاهليين الْمُتَقَدِّمين أوزاناً لَا تقبلهَا طباعنا وَلَا تحسن فِي ذوقنا وَهِي عِنْدهم مَقْبُولَة موزونة يستمرون عَلَيْهَا كَمَا يستمرون فِي غَيرهَا كَقَوْل المرقش: لِابْنِهِ عجلَان بالطف رسوم لم يتعفين والعهد قديم وَهِي قصيدة مختارة فِي المفضليات وَلها أَخَوَات لَا أحب تَطْوِيل

стр. 287

الْجَواب بإيرادها - كَانَت مَقْبُولَة الْوَزْن فِي طباع أُولَئِكَ الْقَوْم وَهِي نافرة عَن طباعنا نظنها مَكْسُورَة. وَكَذَلِكَ قد يستعملون من الزخاف فِي الأوزان الَّتِي تستطيبها مَا يكون عِنْد المطبوعين منا مكسوراً وَهِي صَحِيحَة. وَالسَّبَب فِي جَمِيع ذَلِك أَن الْقَوْم كَانُوا يجبرون بنغمات يستعملونها مَوَاضِع من الشّعْر يستوى بهَا الْوَزْن. ولأننا نَحن لَا نَعْرِف تِلْكَ النغمات إِذا أنشدنا الشّعْر على السَّلامَة لم يحسن فِي طباعنا وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنا عرفنَا فِي بعض الشّعْر تِلْكَ النغمة حسن عندنَا وطاب فِي ذوقنا كَقَوْل الشَّاعِر: إِن بِالشعبِ الَّذِي دون سلع لقتيلاً دَمه مَا يطلّ فَإِن هَذَا الْوَزْن إِذا أنْشد مفكك الْأَجْزَاء بالنغمة الَّتِي تخصه طَابَ فِي الذَّوْق وَإِذا أنْشد كَمَا ينشد سَائِر الشّعْر لم يطب فِي كل ذوق. وَهَذِه سَبِيل الزحاف الَّذِي يَقع فِي فِي الشّعْر مِمَّا يطيب فِي ذوق الْعَرَب وينكسر فِي ذوقنا. لَوْلَا أَن الموسيقا مركوزة فِي الطباع وَوزن النغم ومقابلة بعضه بَعْضًا مجبولة عَلَيْهِ النَّفس لما تساعدت النُّفُوس كلهَا على قبُول حركات أخر بِعَينهَا. وَتلك الحركات المقبولة هِيَ النّسَب الَّتِي يطْلبهَا الموسيقي وَيَبْنِي عَلَيْهَا رَأْيه وَأَصله. والعروضي إِنَّمَا يتبع هَذِه الحركات والسكنات الَّتِي فِي كل بَيت فيحصلها بِالْعدَدِ وبالأجزاء المتقابلة المتوازنة. فَإِن نقص جُزْء من الْأَجْزَاء سَاكن أَو متحرك فَإِنَّمَا يجْبرهُ المنشد بالنغمة حَتَّى يتلافاه.

стр. 288

فَمَتَى ذهب عَنهُ ذَلِك لم يستقم فِي ذوقه وَلم يساعد عَلَيْهِ طبعه. فَأَما من نقص ذوقه فِي الْعرُوض فَإِنَّمَا ذَلِك للغلط الَّذِي يَقع لَهُ فِي بعض الزحافات الَّتِي يجيزها الْعرُوض وَله مَذْهَب عِنْد الْعَرَب فَيَقَع لصَاحب الذَّوْق الَّذِي لَا يعرف تِلْكَ النغمة الَّتِي تقوم بذلك الزحاف - أَنه جَائِز فِي كل مَوضِع فيغلط من هَهُنَا ويتهم أَيْضا طبعه حَتَّى يظنّ أَن المنكسر من الشّعْر أَيْضا هُوَ فِي معنى المزاحف وَأَنه كَمَا لم يمْتَنع المزحوف من الْجَوَاز كَذَلِك لَا وَهَذَا غلط قد عرف وَجهه وَمذهب صَاحبه فِيهِ. وَأما وَاضع الْعرُوض فقد كَانَ ذَا علم بِالْوَزْنِ وَصَاحب ذوق وطبع فاستخرج صناعَة من الطباع الجيدة تستمر لمن لَيست لَهُ طبيعة جَيِّدَة فِي الذَّوْق ليتمم بالصناعة تِلْكَ النقيصة. وَكَذَلِكَ الْحَال فِي صناعَة النَّحْو والخطابة وَمَا يجْرِي مجْراهَا من الصَّنَائِع العلمية. وَلَيْسَ يجْرِي صَاحب الصِّنَاعَة وَإِن كَانَ ماهراً فِي صناعته - مجْرى الطَّبْع الْجيد الْفَائِق. (مَسْأَلَة مَا معنى قَول بعض القدماء الْعَالم أطول عمرا من الْجَاهِل بِكَثِير) وَإِن كَانَ أقصر عمرا عَنهُ. مَا هَذِه الْإِشَارَة والدفنية فَإِن ظَاهرهَا مناقضة. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: قد تبين من مبَاحث الفلسفة أَن الْحَيَاة على نَوْعَيْنِ: أَحدهمَا حَيَاة بدنية وَهِي البهيمية الَّتِي تشاركنا فِيهَا الْحَيَوَانَات كلهَا.

стр. 289

وحياة نفسية وَهِي الْحَيَاة الإنسانية الَّتِي تكون بتحصيل الْعُلُوم والمعارف. وَهَذِه هِيَ الْحَيَاة الَّتِي تجتهد الأفاضل من النَّاس فِي تَحْصِيلهَا. فَالْوَاجِب أَن يظنّ بالجاهل الَّذِي يحيا حَيَاة بدنية أَنه لَيْسَ بحي بتة أَعنِي أَنه لَيْسَ بِإِنْسَان وَلَا فَأَما الْعَالم فَالْوَاجِب أَن يُقَال فِيهِ: إِنَّه هُوَ الْحَيّ بِالْحَقِيقَةِ كَمَا أَن غَيره هُوَ الْمَيِّت. (مَسْأَلَة لم صَارَت بلاغة اللِّسَان أعْسر من بلاغة الْقَلَم) وَمَا الْقَلَم وَاللِّسَان إِلَّا آلتان وَمَا مستقاهما إِلَّا وَاحِد فَلم نرى عشرَة يَكْتُبُونَ ويجيدون ويبلغون وَثَلَاثَة مِنْهُم إِذا نطقوا لَا يجيدون وَلَا يبلغون وَالَّذِي يدلك على قلَّة بلاغة اللِّسَان إكبار النَّاس البليغ بِاللِّسَانِ أَكثر من إكبارهم البليغ بالقلم. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: ذَلِك لِأَن البلاغة الَّتِي تكون بالقلم تكون مَعَ روية وزمان متسع للانتقاد والتخير وَالضَّرْب والإلحاق وإجالة الروية لإبدال الْكَلِمَة بِالْكَلِمَةِ. وَمن تبادل بالْكلَام مَتى لم يكن لَفظه وَمَعْنَاهُ متوافيين عرض لَهُ التتعتع والتلجلج وتمضغ الْكَلَام وَهَذَا هُوَ العي الْمَكْرُوه المستعاذ مِنْهُ. فَأَما البليغ فَهُوَ حَاضر الذِّهْن سريع حَرَكَة اللِّسَان بالألفاظ الَّتِي لَا يقْتَصر مِنْهَا أَن يبلغ مَا فِي نَفسه من الْمَعْنى حَتَّى تتفرغ لَهُ قِطْعَة من ذَلِك الزَّمَان السَّرِيع إِلَى توشيح عِبَارَته وترتيبها بِاخْتِيَار الأعذب قالأعذب وَطلب المشاكلة والموازنة والسجع وَكثير مِمَّا يحْتَاج فِي مثله إِلَى الزَّمَان الْكثير والفكر الطَّوِيل.

стр. 290

مَسْأَلَة على مَاذَا يدل انتصاب قامة الْإِنْسَان من بَين هَذَا الْحَيَوَان ؟ فقد قَالَ أَبُو زيد الْبَلْخِي الفلسفي كلَاما سأحكيه.

стр. 291

الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: هَذَا الرجل الْفَاضِل الَّذِي ذكرته إِذا كَانَ يُوجد لَهُ كَلَام فِي هَذَا الْمَعْنى فَالْأولى بِنَا أَن نستعفيك الْكَلَام فِيهِ. وَإِذا كنت غير معفينا فَالْأولى أَن نكتفي بِالْإِيمَاءِ إِلَى الْمَعْنى دون الإطالة فَنَقُول: إِن الْحَرَارَة إِذا كَانَت مادتها لَطِيفَة مواتية فِي الرُّطُوبَة والاستجابة إِلَى الامتداد فَهِيَ تمد الْجِسْم الَّذِي تعلّقت بِهِ إِلَى جِهَتهَا - أَعنِي الْعُلُوّ - مدا مُسْتَقِيمًا. وَإِنَّمَا يعرض الانكباب والميل إِلَى جِهَة الأَرْض لشيئين: إِمَّا لضعف الْحَرَارَة وَإِمَّا لقلَّة استجابة الْمَادَّة الَّتِي تعلّقت بهَا. وَأَنت تتبين ذَلِك وتتأمله فِي الْأَشْجَار الَّتِي بَعْضهَا ينشعب بشعب مر جحنة نَحْو الأَرْض. وَبَعضهَا ممتدة على جِهَة الاسْتقَامَة إِلَى فَوق. وَبَعضهَا مركبة الْحَرَكَة بِحَسب مقاومة الْمَادَّة لِأَن حَرَكَة الشَّيْء الْمركب وَمَا كَانَ من الشّجر والنبات ممتداً على وَجه الأَرْض غير منتصب فَهُوَ لِكَثْرَة الْأَجْزَاء الأرضية فِيهِ ولضعف الْحَرَارَة وَمَا كَانَ الشّجر منتصباً وَقد تشعبت مِنْهُ نَحْو الأَرْض ويميناً وَشمَالًا فَلِأَن حَرَكَة النَّار وَالْأَرْض قد تركبتا فَحدث مِنْهُمَا هَذَا الشكل الْمركب بَين الانتصاب والارجحنان. وَمَا كَانَ الشّجر ممتداً كالقضيب إِلَى فَوق كالسرو وَمَا أشبهه فَلِأَن أجزاءه الأرضية والرطوبة المائية فِيهِ لَطِيفَة والحرارة قَوِيَّة فَلم يمْتَنع من الْحَرَكَة المستقيمة الَّتِي تحركها النَّار. وَإِذا تَأَمَّلت حق التَّأَمُّل هَذِه الْأَمْثِلَة لم يعسر عَلَيْك نقلهَا إِلَى الْحَيَوَان إِن شَاءَ الله.

стр. 292

(مَسْأَلَة لم صَار الْيَقِين إِذا حدث وطرأ لَا يثبت وَلَا يسْتَقرّ) وَالشَّكّ إِذا عرض أرسى وربض يدلك على هَذَا أَن الموقن بالشَّيْء مَتى شككته نزا فُؤَاده وقلق بِهِ والشاك مَتى وقفت بِهِ وأرشدته وَأهْديت الْحِكْمَة إِلَيْهِ لَا يزْدَاد إِلَّا جموحاً وَلَا ترى مِنْهُ إِلَّا عتواً ونفوراً. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: أَظن السَّائِل عَن الْيَقِين لم يعرف حَقِيقَته وَظن ان لَفْظَة الْيَقِين تدل على الْمعرفَة الْمُرْسلَة أَو على الْإِقْنَاع الْيَسِير. وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فَإِن مرتبَة الْيَقِين أَعلَى مرتبَة تكون فِي الْعلم وَلَيْسَ يجوز أَن يطْرَأ عَلَيْهِ شكّ بعد أَن صَار يَقِينا. وَكَذَلِكَ من علم أَن زَوَايَا المثلث مُسَاوِيَة لقائمتين لَيْسَ يجوز أَن يشك فِيهِ. وَهَذِه سَبِيل الْعُلُوم المتيقنة بالبراهين وبالأوائل الَّتِي بهَا تعلم الْبَرَاهِين. فَأَما مَا دون الْيَقِين فمراتبه كَثِيرَة على مَا بَين فِي كتاب الْمنطق. والشكوك تعترض كل مرتبَة بِحَسب منزلتها من الْإِقْنَاع. وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَلَيْسَ يرد قلب الْمُتَيَقن - أبدا - شكّ ينزو مِنْهُ فُؤَاده بل قار وادع لَا تحرّك مِنْهُ الشكوك بتة. فَأَما مَا ذكرته من أَن الشاك إِذا أرشد وَأهْديت لَهُ الْحِكْمَة لَا يزْدَاد إِلَّا جموحاً فَإِن ذَلِك يعْتَرض لأحد شَيْئَيْنِ: إِمَّا لِأَن المرشد لم يتأت للشاك وَلم يدرجه إِلَى الْحِكْمَة فَحَمله مَا لَا

стр. 293

يضطلع بِهِ وَإِمَّا لِأَن الْحَكِيم رُبمَا نهى عَن أَشْيَاء يمِيل إِلَيْهَا الطَّبْع بالهوى. وَقد علمت بِمَا بَيناهُ فِيمَا تقدم أَن تقدم أَن قوى الْهوى أغلب وَأقوى فِينَا من قوى الْعقل فَيصير حَاله حَال من يجدنه حبلان أَحدهمَا ضَعِيف وَالْآخر قوى - لَا محَالة - يستجيب للأقوى إِلَى أَن تقوى عزيمته على الْأَيَّام فيضعف القوى ويقوى الضَّعِيف كَمَا أَشَارَ بِهِ الْحُكَمَاء وشرعه الْأَنْبِيَاء. مَسْأَلَة لم صَار النَّاس يَضْحَكُونَ من السخرة والمضحك إِذا لم يضْحك - أَكثر من ضحكهم مِنْهُ إِذا ضحك وَهَذَا عَارض مَوْجُود فِي كل من ألهاك وَلم يضْحك. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن من شَأْن المضحك أَن يتطلب أموراً معدولة عَن جهاتها ليستدعي بذلك تعجب السَّامع وضحكه. وَإِذا لم يضْحك هُوَ إِنَّمَا يدل من نَفسه أَنه متماسك غير مكترث للسبب الَّذِي من شَأْنه أَن يعجب مِنْهُ ويضحك فيتضاد الْحَال بِالتَّسَامُعِ حَتَّى يقْتَرن إِلَى السَّبَب الأول السَّبَب الثَّانِي. (مَسْأَلَة مَا معنى قَول الْعلمَاء على طبقاتهم النَّادِر لَا حكم لَهُ هَكَذَا تَجِد الْفَقِيه والمتكلم والنحوي والفلسفي .)

стр. 294

فَمَا سر هَذَا وَمَا علمه وعلته وَلم إِذا ندر خلا من الحكم وَإِذا شَذَّ عرى من التَّعْلِيل. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: لَيْسَ الْأَمر على مَا ظننته من أَن جَمِيع الطَّبَقَات من الْعلمَاء يستعملون هَذِه اللَّفْظَة. وَإِنَّمَا يستعملها مِنْهُم من كَانَت طبقته فِي الْعُلُوم الْمَأْخُوذَة من التصفح والآراء الْمَشْهُورَة فَإِن هَذِه أَوَائِل عِنْد قوم فِي علومهم. وأعني بِقَوْلِي أَوَائِل أَي أَنهم يجعلونها مبادىء مسلمة بِمَنْزِلَة الْأَشْيَاء الضرورية من مبادىء الْحس وَالْعقل فَإِذا فعلوا ذَلِك لم يخل من أَن يرد عَلَيْهِم مَا يُخَالف أصولهم فيجعلونه نَادرا وشاذاً مِثَال ذَلِك: أَنه تصفح رجل مِنْهُم يَوْمًا فِي السّنة كَيَوْم السبت من كانون أَنه يجىء فِيهِ مطر وَبَقِي إِلَى ذَلِك سِنِين - حكم بِأَن هَذَا وَاجِب لَا بُد مِنْهُ. فَإِن انْتقض عَلَيْهِ ذَلِك زعم أَنه شَاذ نَادِر. وَكَذَلِكَ من يتبرك بِيَوْم فِي الشَّهْر ويتشاءم بآخر كَمَا تَفْعَلهُ الْفرس بِأول يَوْم من شهرهم الْمُسَمّى هُرْمُز وبآخر يَوْم الْمُسَمّى بانيران فَإِنَّهُ لَا يزَال يحكم بِأَن هَذَا على الوتيرة فَإِن انْتقض قَالُوا هَذَا شَاذ ونادر. وَكَذَلِكَ حَال من حكم بِحكم مَأْخُوذ من أَوَائِل غير طبيعية وَغير ضَرُورِيَّة فَإِنَّهُ غير مُسْتَمر لَهُ اسْتِمْرَار الْعُلُوم المبرهنة الْمَأْخُوذَة الْأَوَائِل من الْأُمُور الضرورية. وَأَنت ترى ذَلِك عيَانًا مِمَّن لَا يعرف علل الْأَشْيَاء وَلَا أَسبَابهَا من جُمْهُور النَّاس فَإِن أحدهم إِذا رأى أمرا حدث عِنْد حُضُور أَمر آخر نسبه إِلَيْهِ من غير أَن يبْحَث هَل هُوَ علته أم لَا.

стр. 295

وَذَلِكَ أَنه إِذا رأى حَالا تسرهُ عِنْد حُضُور زيد زعم أَن سَبَب ذَلِك الْحَال زيد. فَإِن اتّفق حُضُور زيد مرّة أُخْرَى واتفقت لَهُ حَال أُخْرَى سارة قوى ظَنّه وزادت بصيرته وَكَذَلِكَ تكون الْحَال فِي أَكثر أُمُور هَذَا الصِّنْف من النَّاس. لَا جرم أَنه مَتى انْتقض الْأَمر زَعَمُوا أَنه شَاذ. ولهذه الْحَال عرض كثير وَذَلِكَ أَنه رُبمَا مازج أسباباً صَحِيحَة كَمَا يحكم فِي الشتَاء أَنه يَجِيء مطر يَوْم كَذَا لِأَنَّهُ كَذَلِك اتّفق فِي الْعَام الْمَاضِي. فَلِأَن الْوَقْت شتاء رُبمَا اتّفق ذَلِك مرَارًا كَثِيرَة وَلَكِن لَيْسَ سَبَب الْمَطَر ذَلِك الْيَوْم بل لَهُ أَسبَاب أخر وَإِن اتّفق فِيهِ. فَأَما الرجل الفلسفي فَإِنَّهُ إِذا تشبه بِغَيْرِهِ أَو أَخذ مقدماته من مثل تِلْكَ الْمَوَاضِع عرض لَهُ - لَا محَالة - مَا عرض لغيره. وَلذَلِك وَجب أَن تنزل الْأُمُور منازلها فَمَا كَانَ مِنْهَا ذَا برهَان لم يتَغَيَّر وَلم ينْتَظر وُرُود ضد عَلَيْهِ وَلَا شكّ فِيهِ. وَإِذا كَانَ غير ذِي برهَان إِلَّا أَن لَهُ دَلِيلا مستمراً صَحِيحا سكن إِلَيْهِ وثق بِهِ. فَأَما مَا ينحط إِلَى الإقناعات الضعيفة فَيَنْبَغِي أَلا يسكن إِلَيْهِ وَلَا يوثق بِهِ وانتظر أَن ينْقضه شَيْء طارىء عَلَيْهِ وَلم يمْتَنع من الشكوك والاعتراضات عَلَيْهِ. مَسْأَلَة قَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين: قد علمنَا أَنه لَا يجوز أَن يتَّفق أَن يمس أهل محلّة لحاهم فِي سَاعَة وَاحِدَة وَفصل وَاحِد وَحَال وَاحِدَة. وَإِن

стр. 296

جَازَ هَذَا فَهَل يجوز فِي جَمِيع من فِي الْعَالم وَإِن كَانَ لَا يجوز أَن يتَّفق هَذَا فَمَا علته فَإِن الْمُتَكَلّم سكت عِنْد الأولى حِين ذكر الْيَقِين والضرورة. ولعمري إِن الغشاء حق وَلَكِن الْعلَّة بَاقِيَة. وسيمر بَيَان ذَلِك على حَقِيقَته فِي الشوامل إِن شَاءَ الله. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن الْكَلَام على الْوَاجِب والممتنع والممكن قد استقصاه أَصْحَاب الْمنطق وَبلغ صَاحب الْمنطق فِيهِ الْغَايَة. وَالَّذِي يَلِيق بِهَذَا الْموضع هُوَ أَن يُقَال: إِن الْوَاجِب من الْأُمُور هُوَ الَّذِي يصدق فِيهِ الْإِيجَاب ويكذب فِيهِ السَّلب أبدا. والممتنع مَا يكذب فِيهِ الْإِيجَاب وَيصدق فِيهِ السَّلب أبدا. والممكن مَا يصدق فِيهِ الْإِيجَاب أَحْيَانًا ويكذب فِيهِ أَحْيَانًا ويكذب فِيهِ السَّلب أَحْيَانًا وَيصدق أَحْيَانًا. فَإِذا كَانَت طبائع هَذِه الْأُمُور مُخْتَلفَة فمسألتك هَذِه من طبيعة الْمُمكن. فَإِن جوز فِيهِ أَن يكون جَمِيع النَّاس يَفْعَلُونَهُ فِي حَال وَاحِدَة ضير من طبيعة الْوَاجِب. وَأَيْضًا فَإِن أرسططاليس قد تبين أَن الْمُقدمَات الشخصية فِي الْمَادَّة الممكنة وَالزَّمَان الْمُسْتَقْبل لَا تصدق مَعًا وَلَا تكذب مَعًا وَلَا تقتسم الصدْق وَالْكذب مِثَال ذَلِك زيد يستحم غَدا لَيْسَ يستحم زيد. فَإِن هَاتين المقدمتين لَيْسَ يجوز أَن تصدقا مَعًا لِئَلَّا يكون شَيْء وَاحِد

стр. 297

بِعَيْنِه مَوْجُودا وَغير مَوْجُود. وَلَا يجوز أَن تكذبا مَعًا لِئَلَّا يكون شَيْء وَاحِد مَوْجُودا وَغير مَوْجُود وَلَا يمكننا أَن نقُول إنَّهُمَا تقتسمان الصدْق وَالْكذب لِئَلَّا يرفع بذلك الْمُمكن. وَهَذَا قَول محير فَلذَلِك ألطف أرسططاليس فِيهِ النّظر فَقَالَ: إِن الشَّيْء الْمُمكن إِنَّمَا يصدق عَلَيْهِ الْإِيجَاب أَو السَّلب على غير تَحْصِيل. وَالشَّيْء الْوَاجِب والممتنع يصدق عَلَيْهِمَا الْإِيجَاب وَالسَّلب على تَحْصِيل. أَعنِي أَنه إِنَّمَا يقتسم الصدْق وَالْكذب الْمُقدمَات الممكنة بِأَن تُوجد على طبيعتها الإمكانية. فَأَما الضرورية فَإِنَّهَا تقتسم الصدْق وَالْكذب على أَنَّهَا ضَرُورِيَّة. وَهَذَا كَلَام بَين وَاضح لمن ارتاض بالْمَنْطق أدنى رياضة. وَمن أحب أَن يستقصيه فليعد إِلَيْهِ فِي موَاضعه يجده شافياً. مَسْأَلَة سُئِلَ بعض الْعلمَاء بالنحو واللغة فَقيل لَهُ: أيستمر الْقيَاس فِي جَمِيع مَا يذهب إِلَيْهِ من الْأَلْفَاظ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ السَّائِل: فينكسر الْقيَاس فِي جَمِيع ذَلِك فَقَالَ: لَا. فَقيل لَهُ: فَمَا السَّبَب فَقَالَ: لَا أَدْرِي وَلَكِن الْقيَاس يفزع إِلَيْهِ فِي مَوضِع ويفزع مِنْهُ فِي مَوضِع. وَعرضت هَذِه الْمَسْأَلَة على فيلسوف فَأفَاد جَوَابا سيطلع عَلَيْك مَعَ إشكاله إِن شَاءَ الله.

стр. 298

الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: أما قِيَاس النَّحْو فَلَيْسَ مُبينًا على أَوَائِل ضَرُورِيَّة فَلذَلِك لَا يسْتَمر وَإِنَّمَا أجَاب هَذَا الرجل الْعَالم بالنحو عَن الْقيَاس الَّذِي يخص صناعته وَلم يلْزمه إِلَّا ذَلِك. فَأَما الفيلسوف فقياساته كلهَا مستمرة لَا ينكسر مِنْهَا شَيْء لَا سِيمَا ضرب من الْقيَاس وَهُوَ الْمُسَمّى برهاناً. وَقد تقدم - فِي الْمَسْأَلَة الْمُتَقَدّمَة إِن النَّادِر لَا حكم لَهُ كَلَام يصلح أَن يُجَاب بِهِ هَهُنَا فلتعد إِلَيْهِ إِن شَاءَ الله. (مَسْأَلَة سَأَلَ سَائل هَل خلق الله - تَعَالَى - الْعَالم لعِلَّة أَو لغير عِلّة) فَإِن كَانَ لعِلَّة فَمَا هِيَ وَإِن كَانَ لغير عِلّة فَمَا الْحجَّة الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: لَيْسَ يجوز أَن يُقَال: إِن الله خلق الْعَالم لعِلَّة لما تقدم من قَوْلنَا إِن الْعلَّة سَابِقَة للمعلول بالطبع. فَإِن كَانَت الْعلَّة أَيْضا معلولة لزم أَن تكون لَهَا عِلّة تتقدمها. وَهَذَا مار بِغَيْر نِهَايَة وَمَا لَا نِهَايَة لَهُ يَصح وجوده. فَإِذن لَا بُد من أَن يُقَال أحد شَيْئَيْنِ:

стр. 299

إِمَّا أَن الْعلَّة لَا عِلّة لَهَا وَإِمَّا أَن الْعَالم لَا عِلّة لَهُ غير ذَات الْبَارِي - تَعَالَى ذكره - فَإِن قيل: إِن للْعَالم عِلّة غير ذَات الْبَارِي - تَعَالَى - فَإِن تِلْكَ الْعلَّة لَا عِلّة لَهَا. فَيجب من ذَلِك أَن تكون الْعلَّة أزلية لِأَنَّهَا وَاجِبَة الْوُجُود. وَإِذا كَانَت كَذَلِك لزم فِيهَا جَمِيع مَا سلم فِي ذَات الْبَارِي - تَعَالَى - وَلَو كَانَ كَذَلِك أَولا لم يزل. وَقد قُلْنَا فِي الْبَارِي - تَعَالَى - ذَلِك بالبراهين الَّتِي تأدت إِلَى القَوْل بِهِ. وَلَيْسَ يجوز ان يكون شَيْئَانِ لَهما هَذَا الْوَصْف أَعنِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا اول لم يزل. وَذَلِكَ أَنه لَا بُد أَن يتَّفقَا فِي شَيْء صَار كل وَاحِد مِنْهُمَا أول وَأَن يختلفا فِي شَيْء بِهِ صَار كل وَاحِد مِنْهُمَا غيراً لصَاحبه. وَذَلِكَ الشَّيْء الَّذِي اشْتَركَا فِيهِ وَالَّذِي تباينا بِهِ لَا بُد أَن يكون فصلا مُقَومًا أَو مقسمًا فَيصير فالجنس مُتَقَدم على النَّوْع بالطبع. وَالنَّوْع الَّذِي يلْزمه فصل مقوم لَيْسَ بِأول لِأَنَّهُ مركب من ذَات وَفصل مقوم. والمركب مُتَأَخّر عَن بسيطه الَّذِي تركب مِنْهُ. فَهَذِهِ أَحْوَال يُنَاقض بَعْضهَا بَعْضًا وَلَا يَصح مَعهَا أَن يدعى فِي شَيْئَيْنِ أَن كل وَاحِد مِنْهَا اول لم يزل. وَشرح هَذَا الْمَعْنى وَإِن طَال فَهُوَ عَائِد إِلَى هَذَا النبذ الَّذِي يَكْتَفِي بِهِ ذُو القريحة الجيدة والذكاء التَّام.

стр. 300

(مَسْأَلَة لم يضيق الْإِنْسَان فِي الرَّاحَة إِذا توالت عَلَيْهِ وَفِي النِّعْمَة إِذا حالفته) وَبِهَذَا الضّيق يخرج إِلَى المرح والنزوان وَإِلَى البطر والطغيان وَإِلَى التحكك بِالشَّرِّ والتمرس بِهِ حَتَّى يَقع فِي كل مهوى بعيد وَفِي كل امْر شَدِيد. ثمَّ يعَض على أنامله غيظاً على نَفسه بِسوء اخْتِيَاره وأسفاً على تَركه مَحْمُود الرأى ومجانبته نصيحة الناصحين مَعَ مَا يجد من الْأَلَم فِي صَدره من شماتة الشامتين. أَي أطفاه الشِّبَع وأبطرته الْكِفَايَة وأترفته النِّعْمَة حَتَّى بطر وأشر واضطرب وانتشر. وَمن أجل ذَلِك قَالَ بعض السّلف الصَّالح: الْعَافِيَة ملك خَفِي لَا يصبر عَلَيْهَا إِلَّا ولى ملهم أَو نَبِي مُرْسل. هَذَا وَالنَّاس مَعَ اخْتلَافهمْ يحبونَ الْعَافِيَة ويميلون إِلَى الرَّاحَة ويعوذون من الشَّرّ وَمِمَّا يُورث مِنْهُ ويستعقب عَنهُ. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: السَّبَب فِي ذَلِك ان الرَّاحَة إِنَّمَا تكون عَن تَعب تقدمها لَا محَالة. وَجَمِيع اللَّذَّات يظْهر فِيهَا أَنَّهَا راحات من آلام. وَإِذا كَانَت الرَّاحَة إِنَّمَا تكون عَن تَعب فَهِيَ إِنَّمَا تستلذ وتستطاب سَاعَة يتَخَلَّص من الشَّيْء المتعب.

стр. 301

فَإِذا اتَّصَلت الرَّاحَة وَذهب ألم التَّعَب لم تكن الرَّاحَة مَوْجُودَة بل بطلت وَبَطل مَعْنَاهَا. وَمَعَ بُطْلَانهَا بطلَان اللَّذَّة. وَمَعَ بطلَان اللَّذَّة غلط الْإِنْسَان فِي الشوق إِلَى اللَّذَّة الَّتِي يجهل حَقِيقَتهَا. أَعنِي أَنه يشتاق إِلَى معنى اللَّذَّة ويجهل أَنَّهَا رَاحَة من ألم. وَهَذَا الْمَعْنى إِذا لَاحَ للْعَالم بِهِ وتبينه لم يشتق إِلَى اللَّذَّة بتة وَصَارَ قصاراه إِذا آلمه الْجُوع أَن يداويه بالدواء الَّذِي يُسمى الشِّبَع لَا أَنه يَقْصِدهُ اللَّذَّة نَفسهَا بل يرى اللَّذَّة شَيْئا تَابعا لغرضه لَا أَنَّهَا مَقْصُودَة الأول وَلذَلِك يزهد الْعَالم فِي الْأَشْيَاء الْبَدَنِيَّة أَعنِي الدُّنْيَوِيَّة وَهِي مَا يتَّصل بالحواس وَتسَمى لذيذة. فَأَما الْجَاهِل فَلِأَنَّهُ يعْتَرض لَهُ مَا ذَكرْنَاهُ بِالضَّرُورَةِ صَار يَقع فِيهِ دَائِما فَيحصل فِي هموم وآلام وامراض لَا نِهَايَة لَهَا. وعاقبه جَمِيع ذَلِك النَّدَم والأسف. (مَسْأَلَة لم صَار بعض الْأَشْيَاء تَمَامه أَن يكون غضاً طرياً وَلَا يستحسن وَلَا يستطاب إِلَّا كَذَلِك) وَبَعض الْأَشْيَاء لَا يخْتَار وَلَا يستحسن إِلَّا إِذا كَانَ عتيقاً قَدِيما قد مر عَلَيْهِ الزَّمَان وَلم لم تكن الْأَشْيَاء كلهَا على وَجه وَاحِد عِنْد النَّاس وَمَا السَّبَب فِي انقسامها على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ فَفِيهِ سر. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: لما كَانَت كمالات الْأَشْيَاء الْمُخْتَلفَة أَعنِي ان بَعْضهَا تتمّ صورته الَّتِي هِيَ

стр. 302

كَمَاله فِي زمَان قصير وَبَعضهَا تتمّ صورته فِي زمَان طَوِيل - كَانَ انْتِظَار الْإِنْسَان للكمال مِنْهَا وتفضيله إِيَّاهَا بِحَسبِهِ. وَلما كَانَ الشَّيْء يبتدىء وَيَنْتَهِي إِلَى الْكَمَال ثمَّ ينحط حَتَّى يتلاشى وَيعود إِلَى مَا مِنْهُ بَدَأَ - كَانَ أفضل أَحْوَاله وَقت انتهائه إِلَى الْكَمَال. فَأَما حِين صُعُوده إِلَيْهِ أَو انحطاطه عَنهُ فحالان ناقصان وَإِن كَانَت الأولى أفضل من الثَّانِيَة. وَلما كَانَت هَذِه الْقَضِيَّة مستمرة فِيمَا كَانَ فِي عالمنا هَذَا أَعنِي عَالم الْكَوْن وَالْفساد - وَجب من ذَلِك أَن تكون استطابة النَّاس واستحسانهم لصورة الْكَمَال فِي وَاحِد وَاحِد من الْأَشْيَاء الْمُخْتَلفَة أَيْضا مُخْتَلفا لأجل مَا ذَكرْنَاهُ. (مَسْأَلَة لم صَار الْإِنْسَان إِذا صَامَ أَو صلى زَائِدا عَن الْفَرْض الْمُشْتَرك فِيهِ حقر غَيره) واشتط عَلَيْهِ وارتفع على مَجْلِسه وَوجد الخنزوانة فِي نَفسه وطارت النعرة فِي أَنفه حَتَّى كَأَنَّهُ صَاحب الْوَحْي أَو الواثق بالمغفرة،

стр. 303

وَالْمُنْفَرد بِالْجنَّةِ. وَهُوَ مَعَ ذَلِك يعلم أَن الْعَمَل معرض للآفات وَبهَا يحبط ثَوَاب صَاحبه وَلِهَذَا قَالَ الله - تَعَالَى -[اي] ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ [\ اي] وَلما يعرض لَهُ من هَذَا الْعَارِض عِلّة ستنكشف فِي جَوَاب الْمَسْأَلَة وَكَانَ بعض أَصْحَابنَا يضْحك بنادرة فِي هَذَا الْفَصْل قَالَ: أسلم يهودى غَدَاة يَوْم فَمَا أمشى حَتَّى ضرب مُؤذنًا وَشتم آخر وَغَضب على آخر. فَقيل لَهُ: مَا هَذَا أَيهَا الرجل فَقَالَ: نَحن معاشر الْقُرَّاء فِينَا حَده! . الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: كل من استشعر فِي نَفسه فَضِيلَة وَكَانَ هُنَاكَ نُقْصَان من وَجه آخر وخشى أَن تنكتم تِلْكَ الْفَضِيلَة أَو لَا يعرفهَا غَيره مِنْهُ - عرض لَهُ عَارض الْكبر لِأَن معنى الْكبر هُوَ هَذَا.

стр. 304

أَي أَن صَاحبه يلْتَمس من غَيره أَن يذعن لَهُ بِتِلْكَ الْفَضِيلَة ويعرفها لَهُ. فَإِذا لم يعرفهَا تحرّك ضروب الْحَرَكَة المضطربة وَلِهَذَا صدق الْقَائِل: مَا تكبر أحد إِلَّا عَن ذلة يجدهَا فِي نَفسه. وَإِنَّمَا السَّلامَة من هَذَا الْعَارِض هُوَ أَن يلْتَمس الْإِنْسَان الْفَضِيلَة لنَفسِهِ لَا لشَيْء آخر أَكثر من أَن يصير هُوَ بِنَفسِهِ فَاضلا لِأَن يعرف ذَلِك مِنْهُ أَو يكرم لأَجله. فَإِن اتّفق لَهُ أَن يعرف فشيء مَوْضُوع فِي مَوْضِعه وَإِن لم يعرف لَهُ ذَلِك لم يلتسمه من غَيره وَلم يكترث لجهل غَيره بِهِ. وَلأَجل محبَّة الْكَرَامَة تعرض قوم للمتالف وَعرض لقوم الصلف ولآخرين الْهَرَب من النَّاس إِلَى غير ذَلِك من المكار. وَالَّذِي يجب على الْعَاقِل هُوَ أَن يلْتَمس الْفَضَائِل فِي نَفسه ليصير بهَا على هَيْئَة كَرِيمَة ممدوحة فِي ذَاته أكْرم أم لم يكرم وَعرف ذَلِك لَهُ أم لم يعرف. وَيجْعَل مِثَاله فِي ذَلِك الصِّحَّة فَإِن الصِّحَّة تطلب لذاتها ويحرص الْمَرْء عَلَيْهَا ليصير صَحِيحا حسب لَا ليعتقد فِيهِ ذَلِك وَلَا ليكرم عَلَيْهَا. وَذَلِكَ إِذا جعلت لَهُ صِحَة النَّفس بِحُصُول الْفَضَائِل لَا يَنْبَغِي أَن يطْلب من النَّاس أَن يكرموه لَهَا وَلَا أَن يعتقدوا فِيهِ ذَلِك. وَمَتى خَالف هَذِه الْوَصِيَّة وَقع فِي ضروب من الجهالات الَّتِي أَحدهَا الْكبر وَالْحَالة الَّتِي وصفت.

стр. 305

(مَسْأَلَة) حكى بعض أصحابناأن الرشيد قَالَ لإسحاق الْموصِلِي كَيفَ

стр. 306

حالك مَعَ الْفضل بن يحيى وجعفر بن

стр. 307

يحيى فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أما جَعْفَر فَإِنِّي لَا أصل إِلَيْهِ إِلَّا على عسر

стр. 308

فَإِذا وصلت إِلَيْهِ قبلت يَده فَلَا يلْتَفت إِلَى بِطرف وَلَا ينعم لي بِحرف. واما الْفضل فَإِنِّي مَا أغشى بَابه إِلَّا ويتلقاني ويهش لي ويخصني ويسألني عَن دَقِيق أَمْرِي وجليله ويصحبني من بشره وطلاقة وَجهه وتهلله ورقة نغمته - مَا يغمرني ويعجزني عَن الشُّكْر وَأبقى خجلاً فِي أمره وَلَيْسَ غير ذَلِك. فَقَالَ الرشيد عِنْد هَذَا الحَدِيث: يَا أَبَا إِسْحَاق فَأَيّهمَا عنْدك آثر وَفعل أَيهمَا من نَفسك أوقع فَقَالَ: فعل الْفضل. هَذَا آخر الْحِكَايَة. وَمَوْضِع الْمَسْأَلَة مِنْهَا: مَا السَّبَب فِي تشريف إِسْحَاق فعل الْفضل دون فعل جَعْفَر وَالْفضل مبذولة عرض لَا بَقَاء لَهُ وَلَا مَنْفَعَة بِهِ. ومبذول جَعْفَر جَوْهَر لَهُ بَقَاء وَالْحَاجة إِلَيْهِ ماسة والرغبات بِهِ منوطة والآمال إِلَيْهِ مصروفة. الدَّلِيل على ذَلِك أَنَّك لَا تَجِد طَالبا فِي الدُّنْيَا لبشر رجل وَلَا ضَارِبًا فِي الأَرْض لبشاشة إِنْسَان. وَأَنت ترى الْبر وَالْبَحْر مترعين بمنتجعي المَال وَأَبْنَاء السُّؤَال وخدم الآمال عِنْد الرِّجَال. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: أما الْحِكَايَة فأظنها مَقْلُوبَة. وَذَلِكَ أَن الْمَوْصُوف بِالْكبرِ هُوَ الْفضل وَهُوَ صَاحب الشّرف فِي الْعَطاء.

стр. 309

وَأما جَعْفَر فَهُوَ إِلَّا أَن الْمُتَّفق عَلَيْهِ أَن إِسْحَاق فضل صَاحب الطلاقة - وَإِن كَانَ فِي الْأَكْثَر خَالِيا من بره على صَاحب الْبر وَالعطَاء الجزيل لما قرنه بِالْكبرِ والتيه. وَالنَّاس على تفَاوت عَظِيم فِي الْموضع الَّذِي سَأَلت عَنهُ وتعجبت مِنْهُ. وَذَلِكَ أَن مِنْهُم الْمُحب للثروة واليسار وَمِنْهُم الْمُحب للكرامة والجاه. فَأَما محب الثروة فقد يحب الجاه والكرامة وَلَكِن ليكتسب بهما مَالا. وَأما محب الجاه والكرامة فقد يحب المَال والثروة وَلَكِن ليكتسب جاهاً وينال كَرَامَة. وكل طَائِفَة من هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ تزْعم أَنَّهَا هِيَ الكيسة وَأَن صاحبتها هِيَ الغافلة البلهاء. وَالصَّحِيح من ذَلِك ان كل وَاحِد مِنْهُمَا يُنَازع إِلَى أَمر طبيعي وَإِن كَانَ قد مَال السَّرف بهما جَمِيعًا إِلَى الإفراط وَذَاكَ أَن المَال يَنْبَغِي أَن يعتدل فِي طلبه ويكتسب من وَجهه ثمَّ ينْفق فِي مَوْضِعه. فَمَتَى قصر فِي أحد هَذِه الْوُجُوه صَار شَرها وأورث ذلة وَكسب بخلا وإثماً. وَأما الْكَرَامَة فَيَنْبَغِي أَن تكون فِي الْإِنْسَان فَضِيلَة يسْتَحق بهَا أَن يكرم لَا أَن تطلب الْكَرَامَة بالعسف أَو بِالْكبرِ الَّذِي ذممناه فِيمَا تقدم من الْمسَائِل آنِفا. فَإِذا كَانَ الْأَمر على مَا ذَكرْنَاهُ وَكَانَت الْكَرَامَة تَابِعَة للفضيلة فالكرامة أشرف من المَال تتبعه وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن المَال لَيْسَ بمطلوب لذاته بل هُوَ آلَة يُوصل بِهِ إِلَى المآرب والأشجان الْكَثِيرَة.

стр. 310

وَإِنَّمَا يحب لِأَنَّهُ بِإِزَاءِ جَمِيع المطلوبات أَي بِهِ يتَوَصَّل إِلَى المحبوبات فَأَما فِي نَفسه فَهُوَ حجر لَا فرق بَينه وَبَين غَيره إِذا نزعت عَنهُ هَذِه الْخصْلَة الْوَاحِدَة. فَأَما الْكَرَامَة فقد تطلب لذاتها إِذا كَانَ الطَّالِب لَهَا من جِهَة الِاسْتِحْقَاق بالفضيلة وَذَلِكَ لما تحصل عَلَيْهِ النَّفس من الالتذاذ الروحاني وَالسُّرُور النفساني. وَإِن كَانَت من جِهَة النَّفس الغضبية فَإِن هَذِه النَّفس وَإِن كَانَت دون الناطقة فَإِنَّهَا فَوق النَّفس البهيمية الَّتِي تلتذ اللَّذَّات الْبَدَنِيَّة الَّتِي تشارك فِيهَا النَّبَات والخسيس من الْحَيَوَانَات. فَأَما قَوْلك: إِنَّك تَجِد محبي المَال أَكثر من محبي الْكَرَامَة فَكَذَا يجب أَن يكون لِأَن أَكثر النَّاس هم الَّذين يشبهون الْبَهَائِم وَإِنَّمَا يتَمَيَّز الْقَلِيل مِنْهُم بالفضائل. فَكَمَا أَن المتميزين بفضائل النَّفس الناطقة من الْقَلِيل فَكَذَلِك المتميزون بفضائل النَّفس الغضبية أقل من الْجُمْهُور. (مَسْأَلَة مَا بَال خَاصَّة الْملك والدانين مِنْهُ والمقربين إِلَيْهِ لَا يجْرِي من ذكر الْملك على ألسنتهم مثل مَا يجْرِي على أَلْسِنَة الأباعد مِنْهُ) مثل البوابين

стр. 311

والشاكرية الساسة فَإنَّك تَجِد هَؤُلَاءِ على غَايَة التَّشَيُّع بِذكرِهِ وَنِهَايَة الدَّعْوَى فِي الْإِشَارَة إِلَيْهِ والتكذب عَلَيْهِ. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: لسببين: أَحدهمَا أَن الْأَقْرَبين إِلَى الْمُلُوك هم المؤدبون المستصلحون لخدمتهم. وَفِي جملَة الْآدَاب الَّتِي أخذُوا بهَا ترك ذكر الْملك فَإِن فِي ذكرهم إِيَّاه ابتذالاً لَهُ وانتهاكاً لهيبته وهتكاً لِحُرْمَتِهِ. فَأَما أُولَئِكَ الطَّبَقَة فلسوء آدابهم لَا يميزون وَلَا يأبهون لما ذكرته فهم يجرونَ على طباع الْعَامَّة اللائقة بهم فِي الافتخار بِمَا لَا أصل لَهُ وادعاء مَا لَا حَقِيقَة لَهُ ولظنهم أَنهم ينالون بذلك كَرَامَة ومحلاً عِنْد أمثالهم. وَأما السَّبَب الآخر فخوف حَاشِيَة الْملك من عُقُوبَته فَإِن الْملك يُعَاقب على هَذَا الذَّنب وَيَرَاهُ سياسة لَهُ لِئَلَّا يتَعَدَّى ذاكروه إِلَى إفشاء سر وَإِخْرَاج حَدِيث لَا يَنْبَغِي إِخْرَاجه. (مَسْأَلَة مَا الشُّبْهَة الَّتِي عرضت لِابْنِ الْبَصْرِيّ فِيمَا تفرد بِهِ من مقَالَته)

стр. 312

حِين زعم أَن الله - تَعَالَى - لم يزل نَاظرا إِلَى الدُّنْيَا رائياً لَهَا مدْركا فَإِن شغبه وشغب ناصريه وَأَصْحَابه قد كثر بَين الْعلمَاء. فَمَا وَجه باطله إِن كَانَ قد أبطل وَمَا وَجه الْحق إِن كَانَ قد حقق. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: أما شُبْهَة صَاحب هَذِه الْمقَالة فمركبة وَذَلِكَ أَنه لحظ إدارك الْحَيّ منا فَوَجَدَهُ بنوعين: أَحدهمَا عَقْلِي وَالْآخر حسي. والحسي مِنْهُ وهمي وَمِنْه بَصرِي. فَأَما الْحسي الْبَصْرِيّ فَإِنَّمَا يدْرك المبصر بِآلَة ذَات طَبَقَات ورطوبات وقصبة مجوفة ذاتية من بطن الدِّمَاغ وَيحْتَاج إِلَى جرم مستشف يكون بَينه وَبَين المبصر وَإِلَى ضوء معتدل ومسافة معتدلة وَألا يكون

стр. 313

بَينهمَا حاجز وَلَا مَانع. وَأما الْوَهم فقد ذكرنَا من أمره أَنه يتبع الْحس فَلَا يجوز أَن يتَوَهَّم مَا لَا يدْرك أَو يدْرك لَهُ نَظِير. وَأما الْإِدْرَاك الْعقلِيّ فَلَيْسَ يحْتَاج إِلَى شَيْء من الْحَواس بل لِلْعَقْلِ نَفسه قُوَّة ذاتية بهَا يدْرك الْأَشْيَاء المعقولة. وَالْكَلَام على هَذَا الْإِدْرَاك ألطف وأغمض من الْكَلَام فِي الْإِدْرَاك الْحسي. وَلما اخْتلطت على صَاحب الْمَسْأَلَة هَذِه الإدراكات وَعلم أَن الْبَارِي - جلت عَظمته - عَالم بالأمور الكائنة سمي هَذَا الْعلم إدراكاً وظنه من جنس إدراكنا وعلومنا الوهمية فتركبت الشُّبْهَة لَهُ من الظنون الكاذبة. وَتَحْقِيق هَذِه الإدراكات وتمييزها حَتَّى يعلم مَا يخْتَص بِهِ الْحَيّ منا ذُو الْعقل والحس وَكَيف تكون إدراكاته للأمور الْمَوْجُودَة وتنزيه الْبَارِي - جلّ اسْمه - عَن جَمِيعهَا إِذْ كَانَت هَذِه كلهَا منا انفعالات أَعنِي الْعُلُوم والمعارف كلهَا وَأَنه لَا يجوز أَن نعلم شَيْئا محسوساً وَلَا معقولاً بِغَيْر انفعال وَأَن الله تقدس وَتَعَالَى ذكره - لَيْسَ بمنفعل وَإِنَّمَا يعلم الْأَشْيَاء بِنَوْع أَعلَى وَأَرْفَع مِمَّا نعلمهُ - أَمر صَعب يحْتَاج فِيهِ إِلَى تقدمة عُلُوم كَثِيرَة. وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة فِي إِيضَاح وَجه شُبْهَة لهَذَا الرجل فِيمَا ذهب إِلَيْهِ. (مَسْأَلَة حَدثنِي عَن ولوع الشَّاعِر بالطيف وتشبيبه بِهِ واستهتاره بِذكرِهِ وَهَكَذَا تَجِد أَصْنَاف النَّاس)

стр. 314

وَهَذَا مَعْرُوف عِنْد من عبثت بِهِ الصبابة وَلَحِقتهُ الرقة وألفت عينه حلية شخص ومحاسنه وعلق فُؤَاده هَوَاهُ وحبه. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: الطيف هُوَ اسْم لصورة المحبوب إِذا حصلته النَّفس فِي قوتها المتخيلة حَتَّى تكون تِلْكَ الصُّورَة نصب عينه وتجاه وهمه كلما خلا بِنَفسِهِ. وَهَذِه حَال تلْحق كل من لهج بِشَيْء فَإِن صورته ترتسم فِي قوته هَذِه الَّتِي تسمى المتخيلة وَتَكون بِبَطن الدِّمَاغ الْمُقدم. فَإِذا تَكَرَّرت هَذِه الصُّورَة على المحبوب على هَذِه الْقُوَّة انتقشت فِيهَا ولزمها. فَإِذا نَام الْإِنْسَان أَو اسْتَيْقَظَ لم تخل من قيام تِلْكَ الصُّورَة فِيهَا ويجد المشتاق فِي النّوم خَاصَّة إنسانه لِأَن النّوم يتخيل فِيهِ أَشْيَاء مِمَّا فِي نَفسه فَرُبمَا رأى فِي النّوم أَنه قد وصل إِلَيْهِ الْوُصُول الَّذِي يهواه فَيكون من ذَلِك الِاحْتِلَام واستفراغ الْمَادَّة الَّتِي تحركه إِلَى الشوق والاجتماع مَعَ المحبوب فيزول عَنهُ أَكثر ذَلِك الْعَارِض وَيصير سَببا لبرء تَامّ فِيمَا بعد. (مَسْأَلَة مَا السَّبَب فِي ترفع الْإِنْسَان عَن التَّنْبِيه على نَفسه بنشر فَضله وَعرض حَاله) وَإِثْبَات اسْمه وإشاعة نَعته وَلَيْسَ بعذ هَذَا إِلَّا إِثْبَات الخمول. والخمول عدم مَا وَهُوَ إِلَى النَّقْص مَا هُوَ لِأَن الخامل مَجْهُول والمجهول نقيض الْمَعْدُوم.

стр. 315

وَلَا تبارى فِي الْمَعْدُوم وَلَا تمارى فِي الْمَوْجُود. وَكَانَ منشأ هَذِه الْمَسْأَلَة عَن حَال هَذَا وصفهَا: عرض بعض مَشَايِخنَا كتابا لَهُ صنفه علينا فَلم نجده ذكر على ظَهره: تأليف فلَان وَلَا تصنيفه وَلَا ذكر اسْمه من وَجه الْملك. فَقُلْنَا لَهُ: مَا هَذَا الرأى. فَقَالَ: هُوَ شَيْء يُعجبنِي لسر فِيهِ. ثمَّ أخرج لنا كتبا قد كتبهَا فِي الحداثة فِيهَا اسْمه وَقَالَ: هَذَا أثر أَيَّام النَّقْص. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن الْفضل يُنَبه على نَفسه وَلَيْسَت حَاجَة إِلَى تَنْبِيه الْإِنْسَان عَلَيْهِ من نَفسه. وَذَاكَ أَن الْفَضَائِل الَّتِي هِيَ بِالْحَقِيقَةِ فَضَائِل تشرق إشراق الشَّمْس وَلَا سَبِيل إِلَى إخفائها لَو رام صَاحبهَا ذَلِك. وَأما الشَّيْء الَّذِي يظنّ أَنه فَضِيلَة وَلَيْسَ كَذَلِك فَهُوَ الَّذِي يخفى. فَإِذا تعاطى الْإِنْسَان مدح نَفسه وَإِظْهَار فضيلته بِالدَّعْوَى تصفحت الْعُقُول دَعْوَاهُ فَبَان عواره وَظهر الْموضع الَّذِي يغلط فِيهِ من نَفسه. فَإِن اتّفق أَن يكون صَادِقا وَكَانَت فِيهِ تِلْكَ الْفَضِيلَة فَإِنَّمَا يدل بتكلف إظهارها على أَنه غير واثق بآراء النَّاس وتصفحهم أَو هُوَ واثق وَلكنه يتبجح عَلَيْهِم ويفخر. فَأَما الْإِنْسَان الْكَبِير الهمة فَإِنَّهُ يسْتَقلّ لنَفسِهِ مَا يكون فِيهِ من الْفَضَائِل لسموه إِلَى مَا هُوَ أَكثر مِنْهُ وَلِأَن الْمرتبَة الَّتِي تحصل للْإنْسَان من الْفضل وَإِن كَانَت عالية فَهِيَ نزر يسير بِالْإِضَافَة إِلَى مَا هُوَ أَكثر مِنْهُ. وَهُوَ متعرض لطباع الْإِنْسَان مبذول لَهُ وَإِنَّمَا يمنعهُ الْعَجز الموكَّل

стр. 316

بطبيعة الْبشر عَن استيعابه وبلوغ أقصاه أَو يشْغلهُ عَنهُ بنقائص تعوقه عَن التمَاس الْغَايَة القصوى من الْفَضَائِل البشرية. (مَسْأَلَة سَأَلَ سَائل عَن النّظم والنثر وَعَن مرتبَة كل وَاحِد مِنْهُمَا) ومزية أَحدهمَا وَنسبَة هَذَا إِلَى هَذَا وَعَن طَبَقَات النَّاس فيهمَا فقد قدم الْأَكْثَرُونَ النّظم على النثر وَلم يحتجوا فِيهِ بِظَاهِر القَوْل وأفادوا مَعَ ذَلِك بِهِ وجانبوا خفيات الْحَقِيقَة فِيهِ وَقدم الأقلون النثر وحاولوا الْحجَّاج فِيهِ. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن النّظم والنثر نَوْعَانِ قسيمان تَحت الْكَلَام وَالْكَلَام جنس لَهما. وَإِنَّمَا تصح الْقِسْمَة هَكَذَا: الْكَلَام يَنْقَسِم إِلَى المنظوم وَغير المنظوم. وَغير المنظوم يَنْقَسِم إِلَى المسجوع. وَمِثَال ذَلِك مِمَّا جرت بِهِ عادتك أَن تَقول: الْكَلَام بِمَا هُوَ جنس يجْرِي مجْرى قَوْلك الْحَيّ. فَكَمَا أَن الْحَيّ يَنْقَسِم إِلَى النَّاطِق وَغير النَّاطِق. ثمَّ إِن غير النَّاطِق يَنْقَسِم إِلَى الطَّائِر وَغير الطَّائِر. وَلَا تزَال تقسمه حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى آخر أَنْوَاعه. وَلما كَانَ النَّاطِق والطائر يَشْتَرِكَانِ فِي الْحَيّ الَّذِي هُوَ جنس لَهما ثمَّ ينْفَصل النَّاطِق عَن الطَّائِر بِفضل النُّطْق - فَكَذَلِك النّظم والنثر يَشْتَرِكَانِ فِي الْكَلَام الَّذِي هُوَ جنس لَهما ثمَّ ينْفَصل النّظم عَن النثر بِفضل الْوَزْن الَّذِي بِهِ صَار المنظوم منظوماً. وَلما كَانَ الْوَزْن حلية زَائِدَة وَصُورَة فاضلة على النثر صَار الشّعْر أفضل من النثر من جِهَة الْوَزْن. فَإِن اعْتبرت الْمعَانِي مُشْتَركَة

стр. 317

بَين النّظم والنثر. وَلَيْسَ من هَذِه الْجِهَة تميز أَحدهمَا من الآخر بل يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا صدقا مرّة وكذباً مرّة وصحيحاً مرّة وسقيماً أُخْرَى. وَمِثَال النّظم من الْكَلَام مِثَال اللّحن من النّظم فَكَمَا أَن اللّحن يكتسي مِنْهُ النّظم صُورَة زَائِدَة على مَا كَانَ لَهُ كَذَلِك صفة النّظم الَّذِي يكتسى مِنْهُ الْكَلَام صُورَة زَائِدَة على مَا كَانَ لَهُ. هِيَ جَوْهَر نثر فَإِن ألفته بالنظم صَار قلائداً وعقوداً. (مَسْأَلَة لم صَار الْحَظْر يثقل على الْإِنْسَان) وَكَذَا الْأَمر إِذا ورد أَخذ بالمخنق وسد الكظم.

стр. 318

وَقد علمت أَن نظام الْعَالم يَقْتَضِي الْأَمر وَالنَّهْي وَلَا يتمان إِلَّا بآمر وناه ومأمور ومنهي. وَهَذِه أَرْكَان ودعائم. وَلَكِن هَهُنَا مكتومة بالإشراف عَلَيْهَا يكمل الْإِنْسَان فَيعرف الملتبس من المتخلص. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن الْأَمر الَّذِي أَوْمَأت إِلَيْهِ والحظر إِنَّمَا يقعان فِي جنس الشَّهَوَات الَّتِي تجمح بالإنسان إِلَى القبائح وبلزوم الْأَعْمَال الَّتِي فِيهَا مشقة وتؤدى إِلَى الْمصَالح. وَلما كَانَ الْإِنْسَان ميله بالطبع إِلَى تعجل الشَّهَوَات غير نَاظر فِي أعقاب يَوْمه وَإِلَى الهويني والراحة فِي عَاجل الْيَوْم دون مَا يكْسب الرَّاحَة طول الدَّهْر - ثقل عَلَيْهِ حظر شهواته وَالْأَمر الَّذِي يرد عَلَيْهِ بِالْأَعْمَالِ الَّتِي فِيهَا مشقة. وَهَذِه حَال لَازِمَة للْإنْسَان مُنْذُ الطفولة فَإِن أثقل الْأَشْيَاء عَلَيْهِ منع وَالِديهِ مأربه وَأَخذهمَا إِيَّاه بلف الْأَعْمَال النافعة ثمَّ إِذا كمل صَار أثقل النَّاس عَلَيْهِ طبيبه ومعالجه ونصيحه فِي المشوره وسلطانه الَّذِي يَأْخُذهُ بمنافعه ومصالحه. وَهَذِه حَال النَّاس المنقادين لشهواتهم المتبعين لأهوائهم. وَقد يَقع فيهم الْجيد الطَّبْع الصَّحِيح الروية القوى الْعَزِيمَة فَلَا يَأْتِي من الْأُمُور إِلَّا أجملها قامعاً لهواه متحملاً ثقل مئونة ذَلِك لما ينتظره من حسن الْعَاقِبَة وإحمادها. وَمثل هَذَا قَلِيل بل أقل من الْقَلِيل وَلَيْسَ إِلَى أَمْثَاله يُوَجه الْخطاب بِالْأَمر والنهى وَلَا إِيَّاه خوف بالوعد والوعيد وأنذر الْعَذَاب الْأَلِيم.

стр. 319

(مَسْأَلَة مَا السَّبَب فِي أَن الْخَطِيب على الْمِنْبَر وَبَين السماطير وَفِي يَوْم المحفل) - يَعْتَرِيه من الْحصْر والتتعتع والخجل فِي شَيْء قد حفظه وأتقنه ووثق بحسنه ونقائه أتراه مَا الَّذِي يستشعر حَتَّى يضل ذهنه ويعصيه لِسَانه ويتحير باله وَيملك عَلَيْهِ الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن انصراف النَّفس بالفكر إِلَى جِهَة من الْجِهَات يعوقه عَن التَّصَرُّف فِي غَيرهَا من الْجِهَات وَلذَلِك لَا يقدر أحد أَن يجمع بَين الْفِكر فِي مَسْأَلَة هندسية وَأُخْرَى نحوية أَو شعرية. بل لَا يتَمَكَّن أحد من تَدْبِير أَمر دُنْيَوِيّ وَآخر أخروي فِي حَال وَاحِدَة. وَمن تعاطى ذَلِك فَإِنَّمَا يقطع لكل وَاحِد جُزْءا من الزَّمَان وَإِن قل. فَأَما أَن يكون زمَان هَذَا هُوَ بِعَيْنِه زمَان هَذَا فَلَا. وَإِنَّمَا عرض لنا هَذَا - معاشر النَّاس - لأجل التباسنا بالهيولى وَاسْتِعْمَال النَّفس للمادة والآلة. وَالْأَمر فِي ذَلِك وَاضح بَين مشَاهد بِالضَّرُورَةِ. وَلما كَانَ الْفِكر يَوْم الحفل منصرفاً إِلَى مَا ينْصَرف إِلَيْهِ من النَّاس عيب إِن وجدوا وتقصير إِن حفظوا - اشْتغل الْإِنْسَان بتخوف هَذِه الْحَال وَأخذ الحذر مِنْهَا فَكَانَ هَذَا عائقاً عَن الْأَفْعَال الَّتِي تخص هَذَا الْمَكَان. وَهَذَا الِاضْطِرَاب من النَّفس هُوَ الَّذِي يَجْعَل الْآلَات مضطربة حَتَّى تحدث فِيهَا حركات مُخْتَلفَة على غير نظام أَعنِي التتعتع وَمَا أشبهه وَذَلِكَ أَن مُسْتَعْمل الْآلَة.

стр. 320

إِذا اضْطربَ تبعه اضْطِرَاب آلَته لَا محَالة. مَسْأَلَة مَا السَّبَب فِي خجل النَّاظر إِلَيْهِ، وحياء الْوَاقِف عَلَيْهِ ، خَاصَّة إِذا كَانَ مِنْهُ بِسَبَب وضمهما نسب ورجعا إِلَى حَال جَامِعَة وَمذهب مُشْتَرك وَمَا الْفَاصِل من المنظور إِلَيْهِ إِلَى النَّاظر وَمَا الْوَاصِل من الْمُتَكَلّم إِلَى السَّامع حَتَّى يغضي طرفه حياله ويسد أُذُنه. هَذَا شَيْء قد شاهدته بل قد دفعت إِلَيْهِ. وَإِنَّمَا التأمت الْمَسْأَلَة بالحادثة لِأَن التَّعَجُّب تمكن والاستطراف ثَبت إِلَى أَن وقف على السَّبَب الجالب وَالْأَمر الْغَالِب. وَعند ظُهُور الْعلَّة يثبت الحكم وبانكشاف الغطاء يَنْقَطِع ولوع المستكشف. فسبحان من لَهُ هَذِه اللطائف المطوية وَهَذِه الخبيئات الملوية عَن الْعُقُول الزكية والأذهان الذكية. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: يَنْبَغِي أَن نعيد ذكر السَّبَب فِي الْحيَاء والخجل ذكرا مُجملا فَنَقُول: إِن الْحيَاء هُوَ انحصار يلْحق النَّاس خوفًا من قَبِيح. فَإِذا كَانَ هَذَا هُوَ الْحيَاء فَإِن الْإِنْسَان إِذا كَانَ بِسَبَب من الْمُتَكَلّم
следующие страницы →