← Джавами‘

Джавами‘ · id 4135

الهوامل والشوامل

ابن مسكويه

Полный текст (376 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قراره فَإِن الْمثل والمثل والمماثلة والتمثيل كلَاما رائقاً وَغَايَة شريفة. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن الْأَمْثَال إِنَّمَا تضرب فِيمَا لَا تُدْرِكهُ الْحَواس مِمَّا تُدْرِكهُ. وَالسَّبَب فِي ذَلِك أنسنا بالحواس وإلفنا لَهَا مُنْذُ أول كَونهَا وَلِأَنَّهَا مبادىء علومنا وَمِنْهَا نرتقي إِلَى غَيرهَا. فَإِذا أخبر الْإِنْسَان بِمَا لم يُدْرِكهُ أَو حدث بِمَا لم يُشَاهِدهُ وَكَانَ غَرِيبا عِنْده - طلب لَهُ مِثَالا من الْحس فَإِذا أعطي ذَلِك أنس بِهِ وَسكن إِلَيْهِ لإلفه لَهُ. وَقد يعرض فِي المحسوسات أَيْضا هَذَا الْعَارِض. أَعنِي أَن إنْسَانا لَو حدث عَن النعامة أَو الزرافة والفيل والتمساح لطلب أَن يصور لَهُ ليَقَع عَلَيْهِ وَيحصل تَحت حسه الْبَصْرِيّ وَلَا يقنع فِيمَا طَرِيقه حس الْبَصَر بحس السّمع حَتَّى يردهُ إِلَيْهِ فَهَذَا الْأَمر فِي الموهوبات فَإِن إنْسَانا لَو كلف أَن يتَوَهَّم حَيَوَانا لم يُشَاهد مثله لسأل عَن مثله وكلف مخبره أَن يصور لَهُ مثل عنقاء مغرب فَإِن هَذَا الْحَيَوَان وَإِن لم يكن لَهُ وجود فَلَا بُد لمتوهمه أَن يتوهمه بِصُورَة مركبة من حيوانات قد شَاهدهَا. فَأَما المعقولات فَلَمَّا كَانَت صورها ألطف من أَن تقع تَحت الْحس وَأبْعد من أَن تمثل بمثال الْحس إِلَّا على جِهَة التَّقْرِيب - صَارَت أُخْرَى أَن تكون غَرِيبَة غير مألوفة. وَالنَّفس تسكن إِلَى مثل وَإِن لم يكن مثلا لتأنس بِهِ من وَحْشَة الغربة. فَإِذا ألفتها وقويت على تأملها بِعَين عقلهَا من غير مِثَال سهل حِينَئِذٍ عَلَيْهَا تَأمل أَمْثَالهَا. وَالله الْمُوفق لجَمِيع الْخيرَات.

стр. 247

(مَسْأَلَة كَيفَ قوى الْوَهم على أَن ينقش فِي نفس الْإِنْسَان أوحش صُورَة وأمقت شكل) وأقبح تخطيط وَلم يقو على أَن يصور أحسن صُورَة وألطف شكل وأملح تخطيط أَلا ترى أَن الْإِنْسَان كلما اعْترض فِي وهمه أوحش شَيْء عرته شمأزيزة وعلته قشعريرة ولحقه صدوف ورهقه نفور فَلَو قوى الْوَهم على تَصْوِير أحسن الْحسن تعلل بِهِ الْإِنْسَان عِنْد فرَاغ فَمَا هَذَا وَكَيف هَذَا وَلَا عجب فَلهَذَا الْإِنْسَان من هَذِه النَّفس وَالْعقل والطبيعة أُمُور تستنفد الْعجب وتحير الْقلب. جلّ من أودع هَذَا الْوِعَاء هَذِه الطرائف وَعرضه لهَذِهِ الغايات وزين ظَاهره وَحسن بَاطِنه وَصَرفه بَين امن وَخَوف وَعدل وحيف وحجبه فِي أَكثر ذَلِك عَن لم وَكَيف. الْجَواب: قَالَ أبوعلي مسكويه ﵀: إِن الْحسن هُوَ صُورَة تَابِعَة لاعتدال المزاج وَصِحَّة مناسبات من الْأَعْضَاء بَعْضهَا إِلَى بعض فِي الشكل واللون وَسَائِر الهيئات. وَهَذِه حَال لَا يتَّفق اجْتِمَاع جَمِيع أَجْزَائِهَا على الصِّحَّة وَلذَلِك لَا تقوى الطبيعة نَفسهَا على اتخاذها فِي الهيولى على الْكَمَال لِأَن الْأَسْبَاب لَا تساعد عَلَيْهَا أَعنِي أَنه لَا يتَّفق فِي الهيولى والأشكال وَالصُّورَة والمزاج أَن تقبل الصُّورَة الْأَخِيرَة على غَايَة الصِّحَّة. فَإِذا كَانَت الطبيعة تعجز عَن إِيجَاد هَذَا الِاعْتِدَال وَهَذِه الْمُنَاسبَة الصَّحِيحَة الَّتِي يتبعهَا الْحسن التَّام فكم بالحرى

стр. 248

يكون الْوَهم أعجز عَنهُ وَإِنَّمَا الْوَهم تَابع للحس والحس تَابع للمزاج والمزاج تَابع أثر من آثَار الطبيعة. وَمِثَال ذَلِك أَن الأوتار الْكَثِيرَة إِنَّمَا يطْلب بهَا وبكثرة الدساتين عَلَيْهَا أَن تخرج من بَينهمَا نَغمَة مَقْبُولَة وَتلك النغمة إِنَّمَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا بِجَمِيعِ الْآلَة وأجزائها من الأوتار والدساتين بالقرعات فالنغمة وَإِن كَانَت وَاحِدَة فَإِنَّهَا تتمّ بمساعدة جَمِيع تِلْكَ الْإِجْزَاء. فَإِن خَان وَاحِد مِنْهَا خرجت النغمة كريهة: إِمَّا بعيدَة من الْقبُول وَإِمَّا قريبَة على قدر عجز الْأَسْبَاب وقصور بَعْضهَا. فَكَذَلِك الهيولى فِي حَاجَتهَا إِلَى مزاج مَا بَين اسطقصات وصور أُخْرَى كَثِيرَة تصير بجميعها مستعدة لقبُول صور الْحسن الَّذِي هُوَ اعْتِدَال مَا ومناسبة مَا صَحِيحَة بَين أمزجة وأعضاء فِي الْهَيْئَة الشكل واللون وَغَيرهَا من الْأَحْوَال الَّتِي مجموعها كلهَا هُوَ الْحسن. وَالْحسن وَإِن كَانَ أمرا وَاحِدًا وَصُورَة وَاحِد فَهُوَ مثل النغمة الْوَاحِدَة المقبولة الَّتِي تحْتَاج إِلَى هيئات كَثِيرَة وصور مُخْتَلفَة جمة ليحصل من بَينهَا هَذَا الِاعْتِدَال المقبول. وَالوهم فِي خُرُوجه عَن الِاعْتِدَال سهل الْحَرَكَة. فَأَما فِي حفظه إِيَّاه وتوصله إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى تَعب شَدِيد وَأخذ مقامات كَثِيرَة واستخراج اعْتِدَال بَينهَا. وَهَكَذَا الْحَال فِي كل اعْتِدَال فَإِن حفظه والثبات عَلَيْهِ صَعب. فَأَما

стр. 249

الْخُرُوج عَنهُ فَهُوَ بِأَدْنَى حَرَكَة. فَإِن اتّفق أَن يكون لذَلِك الِاعْتِدَال تمامات من خَارج ومعاونات من أُمُور مُخْتَلفَة كَانَت الصعوبة (مَسْأَلَة لم صَار السرُور إِذا هجم تَأْثِيره أَشد وَرُبمَا قتل) وَقد حُكيَ الثِّقَة من تَأْثِيره أموراً. وَلَقَد خبرت وَالِدَة بعض النَّاس أَن ابْنهَا ولى إمرة فبرقت وانحرفت وَمَا زَالَت تنْتَقض حَتَّى مَاتَت. وَقَالَ لي ابْن الْخَلِيل: الْحيرَة الَّتِي تلْحق وَاجِد الْكَنْز هِيَ من إفراط فرحه وَغَلَبَة سروره وَلذَلِك مَا يبين على شمائله وينم بحركاته ويضيق عطنه عَن كِتْمَانه مابه وسياسته. وَلَا تكَاد تَجِد هَذَا الْعَارِض فِي الْغم والهم النَّازِل الملم وَقل مَا وجد من انشقت مرارته وانتقضت بنيته وانحلت معاقدة ومآسره بِخَبَر سَاءَهُ وناءه ومكروه غشيه وناله. فَإِن كَانَ فَهُوَ أَيْضا قَلِيل وَإِن سَاوَى عَارض السرُور فَذَاك أعجب والسر فِيهِ أغرب. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: قد مر جَوَاب هَذِه الْمَسْأَلَة فِي عرض مَا تكلمنا عَلَيْهِ فِي الْمسَائِل الْمُتَقَدّمَة. وَقُلْنَا: إِن النَّفس تُؤثر فِي المزاج المعتدل عَن الْبدن وكما أَن المزاج يُؤثر فِي النَّفس وَبينا جَمِيع ذَلِك وضربنا لَهُ الْأَمْثَال. ولسنا نشك أَن السرُور يحمر مِنْهُ الْوَجْه. وَأَن الْخَوْف

стр. 250

يصفر مِنْهُ. وَمَا ذَاك إِلَّا لانبساط الدَّم من ذَاك فِي ظَاهر الْبدن وغوره من الآخر إِلَى قَعْر الْبدن. والحرارة الَّتِي فِي الْقلب هِيَ الَّتِي تفعل هَذَا أَعنِي أَنَّهَا تنبسط فترق الدَّم تَارَة وتنقبض فتغلظة أُخْرَى. وَيتبع ذَلِك الْحَال السرُور وَيتبع هَذِه الْغم. فَإِذا كَانَ زَائِد الْمِقْدَار فِي أَي الطَّرفَيْنِ كَانَ - تبعه الْخُرُوج عَن الِاعْتِدَال. وبحسب الْخُرُوج عَن الِاعْتِدَال يكون الْمَوْت الْوَحْي أَو الْمَرَض الشَّديد. (مَسْأَلَة مَا السَّبَب فِي أَن إحساس الْإِنْسَان بألم يَعْتَرِيه أَشد من إحساسه بعافية تكون فِيهِ) حَتَّى لَو شكا يَوْمًا لِأَن أَيَّامًا وَهُوَ يمر فِي لِبَاس الْعَافِيَة فَلَا يجد لَهَا وَقعا وَإِنَّمَا يتبينه إِذا مَسّه وجع أَو دهمه فزع وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِر: والحادثات وَإِن أَصَابَك بؤسها فَهُوَ الَّذِي انباك كَيفَ نعيمها وَمِمَّا يُحَقّق هَذَا أَنَّك تَجِد شكوى الْمُبْتَلى أَكثر من شكر الْمعَافي وَإِنَّمَا لوجدان أَحدهمَا مَالا يجده الآخر. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: السَّبَب فِي ذَلِك أَن الْعَافِيَة إِنَّمَا هِيَ حَال ملائمة مُوَافقَة للْحَال الطبيعي من المزاج المعتدل الْمَوْضُوع لذَلِك الْبدن. والملائمة والموافقة لَا يحس بهما وَإِنَّمَا الْحس يكون للشَّيْء الَّذِي لَا مُوَافقَة فِيهِ. وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن الْحس إِنَّمَا أعطي الْحَيَوَان ليتحرز بِهِ من الْآفَات الطارئة عَلَيْهِ وليكون ألمه بِمَا يُرِيد عَلَيْهِ مِمَّا لَا يُوَافقهُ سَببا لتلافيه وتداركه قبل أَن

стр. 251

يتَفَاوَت مزاجه ويسرع هَلَاكه. فأنشئت لذَلِك أعصاب من الدِّمَاغ وَفرقت فِي جَمِيع الْبدن ونسجت بهَا الْأَعْضَاء الَّتِي تحْتَاج إِلَى إحساس كَمَا بَين ذَلِك فِي التشريح وَفِي مَنَافِع الْأَعْضَاء. فَكل مَوضِع من الْبدن فِيهِ عصب فهناك حس وكل مَوضِع خلا مِنْهُ فَلَا حس فِيهِ. وَلم يخل مِنْهُ إِلَّا مَا لَا حَاجَة بِهِ إِلَى حس. وَإِنَّمَا وفرت الأعصاب على الْأَعْضَاء الشَّرِيفَة لتصير أذكى حسا ولتكون بِمَا يرد عَلَيْهَا من الْآفَات أسْرع إحساساً. وكل ذَلِك ليبادر إِلَى إِزَالَة مَا يجده من الْأَلَم بالعلاج وَلَا يغْفل عَنهُ بتوان وَلَا غَيره. وَلَو خلا الْإِنْسَان من الْحس وَمن الْأَلَم ومكانه لَكَانَ هَلَاكه وشيكاً من الْآفَات الْكَثِيرَة. وَأما الْحَال الملائمة فَلَا يحْتَاج إِلَى إحساس بهَا. وَهَذِه حَال جَمِيع الْحَواس الْخمس فِي أحوالها الطبيعية وانها لَا تحس بِمَا يلائمها وَإِنَّمَا تحس بِمَا لَا يُوَافِقهَا. أَقُول: إِن حس اللَّمْس الَّذِي هُوَ مُشْتَرك بِجَمِيعِ الْبدن إِنَّمَا يدْرك مَا زَاد أَو نقص عَن اعتداله الْمَوْضُوع لَهُ فَإِن الْبدن لَهُ اعْتِدَال من الْحَرَارَة مثلا فَإِذا لاقاه من حرارة الْهَوَاء مَا يلائمه وَيُوَافِقهُ لم يحس بِهِ أصلا. فَإِن خرج الْهَوَاء عَن ذَلِك الِاعْتِدَال الَّذِي للبدن إِمَّا إِلَى برد أَو حر أحس بِهِ فبادر إِلَى تلافيه وإصلاحه. وَكَذَلِكَ الْحَال فِي الْبرد والرطوبة واليبوسة. فَأَما سَائِر الْحَواس فَلِكُل وَاحِد مِنْهَا اعْتِدَال خَاص بِهِ لَا يحس بِمَا يلائمه وَإِنَّمَا يحس بِمَا يضاده ويزيله عَن اعتداله كَالْعَيْنِ فَإِنَّهَا لَا تحس بالهواء وَبِكُل مَا لَا لون لَهُ وَلَا كَيْفيَّة تزيلها عَن اعتدالها. وَكَذَلِكَ السّمع وَبَاقِي الْحَواس. وَهَذَا بَاب مستقص فِي

стр. 252

موَاضعه من كتب الْحِكْمَة فَليرْجع إِلَيْهَا. (مَسْأَلَة) قد نرى من يضْحك من عجب يرَاهُ، ويسمعه أَو يخْطر على قلبه، ثمَّ ينظر إِلَيْهِ نَاظر من بعد فيضحك لضحكه من غير أَن يكون شَرِيكه فِيمَا يضْحك من أَجله، وَرُبمَا أربي ضحك النَّاظر على ضحك الأول، فَمَا الَّذِي سرى من الضاحك المتعجب إِلَى الضاحك الثَّانِي؟ (الْجَواب) قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن النَّفس الشخصية تتأثر من النَّفس الشخصية ضروباً من التأثيرات بَعْضهَا سريعة، وَبَعضهَا بطيئة، وَقد مر لنا كَلَام كثير فِي هَذَا الْمَعْنى فَمن تأثيرها السريعة بَعْضهَا فِي بعض: النّوم، والتثاؤب، وَكثير مَا الراحات فَإِنَّهُ قد اشْتهر فِي النَّاس أَن من نَعَسَ أَو تناعس عِنْد المستيقظ الَّذِي لَا فتور بِهِ أنعسه ونَوَّمَهُ، وَكَذَلِكَ المتثائب والمتكاسل عَن عمل. وَقد يعرض قريب من ذَلِك فِي النشيط للْعَمَل أَن ينشط أَولا [فيعدي الآخر] ، وَلَكِن الأول أنشط وَأبين. وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن النَّفس وَإِن كَانَت كَثِيرَة بالأشخاص فَهِيَ وَاحِدَة فِي ذَاتهَا فَلَيْسَ بعجب أَن يتأدَّى من بعض الْأَشْخَاص إِلَى بعض آثَار نفسية سريعة بِلَا زمَان بتة. وَلَيْسَ يحْتَاج هَذَا الْمَعْنى إِلَى شَيْء يسري على طَرِيق النّقْلَة وَالْحَرَكَة الجسمية الَّتِي تقع فِي كل زمَان، بل يَكْفِي فِي ذَلِك أَن تتلاحظ النفسان، فَإِن التَّأْثِير من أَحدهمَا فِي الآخر يَقع بِلَا زمَان.

стр. 253

وَيَنْبَغِي أَن يُتَذَكَّر فِي هَذَا الْمَعْنى اللَّطِيف الْأَثر الَّذِي يقبله النَّاظر من المنظور إِلَيْهِ، فَإِن هَذَا وَإِن كَانَ بوساطة الْجِسْم فَإِنَّهُ يكون بِلَا زمَان بَّتة. فلست تقدر أَن تَقول: إِن النَّاظر إِلَى كَوْكَب من الْكَوَاكِب الثَّابِتَة يكون بَين فَتْحة عينه وَبَين رُؤْيَته إِيَّاه زمَان. (مَسْأَلَة) لم اشْتَدَّ عشق الْإِنْسَان لهَذَا الْعَالم حَتَّى لصق بِهِ وآثره وكدح فِيهِ مَعَ مَا يرى من صروفه وحوادثه ونكباته وَغَيره وزواله بأَهْله وَمن أَيْن اسْتَفَادَ الْإِنْسَان هَذَا الْعرض. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: وَكَيف لَا يشْتَد عشقه إِلَى للْعَالم وَهُوَ طبيعي وجزء لَهُ إِنَّمَا مبدؤه مِنْهُ ومنشؤه فِيهِ وتولده عَنهُ أَلا ترَاهُ يبتدىء وَهُوَ نُطْفَة فينشأ نشوء النَّبَات أَعنِي أَنه يستمد غذاءه بعروق مَوْصُولَة برحم أمه فيستقي الْمَادَّة الَّتِي تُقِيمهُ كَمَا تستقي عروق الشّجر فَإِذا تمّ وَصَارَ خلقا آخر وأنشأه الله - تَعَالَى - حَيَوَان أخرجه من هُنَاكَ فَحِينَئِذٍ يغتذى بفمه ويتنفس فَيصير فِي مرتبَة الْحَيَوَان غير النَّاطِق وَلَا يزَال كَذَلِك إِلَى أَن يقبل صُورَة النُّطْق أَولا فَيصير إنْسَانا ثمَّ يتدرج فِي إنسانيته حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى غَايَة مَا يؤهل لَهُ من الْمَرَاتِب فِيهَا وَلَيْسَ يَنْتَهِي إِلَى الرُّتْبَة الْأَخِيرَة الَّتِي هِيَ غَايَة الإنسانية إِلَّا الْأَفْرَاد من النَّاس وَالْوَاحد بعد الْوَاحِد فِي الْأَزْمِنَة الطوَال والفترات الْكَثِيرَة. وَعَامة الْخلق وَجُمْهُور النَّاس واقفون فِي منزلَة قريبَة من البهيمية وَغَايَة نطقهم وتمييزهم أَن يرتبوا تِلْكَ البهيمية ترتيباً مَا فِيهِ نظامك عَقْلِي. وَأما أَن يفارقوها ويصيروا إِلَى الْحَد الَّذِي طالبت بِهِ فَلَا وَإِنَّمَا يصير إِلَى هُنَاكَ الْحَكِيم

стр. 254

التَّام الْحِكْمَة الَّذِي يَسْتَوْفِي جَمِيع أَجْزَائِهَا علما وَعَملا أَو نَبِي لَهُ تِلْكَ الْمنزلَة بالإلهام والتوفيق ثمَّ لابد من الْمَادَّة البشرية الَّتِي يَأْخُذهَا من هَذَا الْعَالم وَإِن كَانَ بِلَا عشق وَلَا لصوق شَدِيد وَلَا إِيثَار. وَهَذَا الْمَعْنى وَاسع الْبَحْر طَوِيل الميدان قد أَكثر فِيهِ النَّاس وَفِيمَا أَوْمَأت إِلَيْهِ وصرحت بِهِ وَالسَّلَام. (مَسْأَلَة لم قيل لَوْلَا الحمقى لخربت الدُّنْيَا) وَمَا فِي الْحَيَاة الحمقى من الْفَائِدَة على الدّين وَالدُّنْيَا وَهل الَّذِي قَالُوهُ حق. الْجَواب: قَالَ أبوعلي مسكويه ﵀: قد تبين أَن الْإِنْسَان مدنِي بالطبع وَأَنه لَا يعِيش متوحداً كَمَا تعيش الطير والوحش لِأَن تِلْكَ مكتفية بِمَا خلق لَهَا من الرياش وَالْهِدَايَة إِلَى مصالحها وأقواتها وَالْإِنْسَان عَار لَا طَاقَة لَهُ وَلَا هِدَايَة إِلَى قوته ومصلحته إِلَّا بالاحتماع والتعاون هُوَ المدنية. ثمَّ إِن الْمَدِينَة لَهَا حَال تسمى بِالْأولَى عمَارَة وبالإضافة إِلَى الأولى. فَأَما حَال عمارتها فَإِنَّمَا يتم بِكَثْرَة الأعوان وانتشار الْعدْل بَينهم بِقُوَّة السُّلْطَان الَّذِي ينظم أَحْوَالهم ويحفظ مَرَاتِبهمْ وَيرْفَع الغوائل عَنْهُم. وأعني بِكَثْرَة الأعوان تعاون الْأَيْدِي والنيات بِالْأَعْمَالِ الْكَثِيرَة الَّتِي بَعْضهَا ضَرُورِيَّة فِي قوام الْعَيْش، وَبَعضهَا نافعة فِي حسن الْحَال فِي الْعَيْش،

стр. 255

وَبَعضهَا نافعة فِي تَزْيِين الْعَيْش فَإِن اجْتِمَاع هَذِه هِيَ الْعِمَارَة. فَأَما إِن فَاتَ المدنية وَاحِدَة من هَذِه الثَّلَاث فَإِنَّهَا خراب. وَإِن فاتها اثْنَتَانِ - أَعنِي حسن الْحَال والزينة جَمِيعًا - فَهِيَ غَايَة فِي الخراب وَذَلِكَ أَن الْأَشْيَاء الضرورية فِي قوام الْعَيْش إِنَّمَا يتبلغ بهَا الزهاد الَّذين لَا يعمرون الدُّنْيَا وَلَيْسوا فِي عدد الْعمار. وَعمارَة الدُّنْيَا التَّامَّة وقوامها بِثَلَاثَة أَشْيَاء هِيَ كالأجناس الْعَالِيَة ثمَّ تَنْقَسِم إِلَى أَنْوَاع كَثِيرَة. وَأحد الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة إثارة الأَرْض وفلاحتها بالزرع وَالْغَرْس وَالْقِيَام عَلَيْهَا بِمَا يصلحها ويستعد لما يُرَاد مِنْهَا اعني الْآلَات المستخرجة من الْمَعَادِن كالحجارة وَالْحَدِيد المستعملة فِي إثارة الْحَرْث والطحن وإساحة المَاء على وَجه الأَرْض من الْعُيُون والأنهار والقنى والدوالى وَغير ذَلِك. وَالثَّانِي آلَات الْجند والأسلحة المستعملة لَهُم فِي ذب الْأَعْدَاء عَن أُولَئِكَ الَّذِي وصفناهم ليتم لجماعتهم الْعَيْش ويقام غرضهم فِيمَا اجْتَمعُوا لَهُ بالمعاونة. وللجند أَيْضا صناع وَأَصْحَاب حرف فهم يعدون لَهُم الْخَيل بالرياضة والجنن للوقاية وَسَائِر الأسلحة للدَّفْع والذب. وَالثَّالِث الجلب والتجهيز الَّذِي يتم بِنَقْل مَا يعز فِي أَرض إِلَى أَرض،

стр. 256

وَمَا يكون فِي بَحر إِلَى بر. وَلها أَصْحَاب يختصون بِجُزْء جُزْء من أَقسَام الْأَحْوَال الثَّلَاثَة الَّتِي ذَكرنَاهَا. وَيَنْبَغِي أَن تعلم أَن الْعَيْش غير جودة الْعَيْش وَحسن الْحَال فِي الْعَيْش لتعلم أَن الْعِمَارَة مُتَعَلقَة بجودة الْعَيْش وَحسن حَاله. وَقد عرف أَن هَذِه الْأُمُور لَا تتمّ إِلَّا بالمخاطرات الْكَثِيرَة وركوب الْأَهْوَال وَاحْتِمَال المشاق والتعرض للمخاوف. وَلَو تبلغ النَّاس بضروراتهم وطرحوا فضول الْعَيْش وَعمِلُوا بِمَا يَقْتَضِيهِ مُجَرّد الْعقل لصاروا كلهم زهاداً وَلَو كَانُوا كَذَلِك لبطل هَذَا النظام الْحسن والزين الَّذِي فِي الْعَالم وعاشوا عيشة قشفة كعيشة أهل الْقرى الضعيفة القليلة الْعدَد أَو كعيشة سكان الخيم وبيوت الشّعْر وأظلال الْقصب. وَهَذِه هِيَ الْحَال الَّتِي تسمى خراب المدن. فَأَما قَوْلك: هَل يُسمى القوام بعمارة الدُّنْيَا حمقى فَأَقُول: إِنَّه لَا يجوز أَن يسميهم بذلك كل أحد وَذَلِكَ ان الَّذين وَصفنَا أَحْوَالهم من سكان الْقرى وأطراف الأَرْض وَالَّذين لَا يكملون لتحسين مَعَايشهمْ هم اولى بِهَذَا النبز من الَّذين اسْتخْرجُوا بعقولهم وصفاء أذهانهم ودقة نظرهم - هَذِه الصناعات الْكَثِيرَة الجميلة العائدة بمنافع النَّاس. وَإِنَّمَا يسوغ ذَلِك لمن أطلع على جَمِيع الْعُلُوم والمعارف وميزها ونزلها منازلها فَترك مَا ترك مِنْهَا عَن خبر وَعلم وآثر مَا آثر مِنْهَا على روية وَبعد يَقِين فَإِن الْحُكَمَاء إِنَّمَا تركُوا النّظر فِي عمَارَة الدُّنْيَا لِأَنَّهَا عَائِدَة بعمارة

стр. 257

الْأَبدَان وَلما اطلعوا على شرف النَّفس على الْبدن وَرَأَوا لَهَا عَالما آخر وجمالاً يَلِيق بذلك الْعَالم وصناعات وعلوماً ومسالك ركُوبهَا أشق وأعسر من ركُوب مخاطرات الدُّنْيَا وَلُزُوم محجتها والدءوب فِيهَا بِالنّظرِ وَالْعَمَل أصعب وَأكْثر تعباً من الدءوب وَالْعَمَل فِي الدُّنْيَا - آثروا التبلغ وتبلغوا بالقوت الضَّرُورِيّ من الدُّنْيَا على أَنهم هم الَّذين عمِلُوا لهَؤُلَاء أصُول الصناعات والمهن وتركوهم وَإِيَّاهَا لما لم يكملوا لغَيْرهَا ثمَّ اشتغلوا وشغلوا من جالسهم بِالْأَمر الْأَعْلَى الْأَفْضَل. مَسْأَلَة مَا السَّبَب فِي قلق من تأبط سوأه واحتضن رِيبَة واستسر فَاحِشَة حَتَّى قيل - من أجل مَا يَبْدُو على وَجهه وشمائله -: كَاد الْمُرِيب يَقُول خذوني وَمَا هَذَا الْعَارِض وَمن أَيْن مثاره وَبِأَيِّ شَيْء زَوَاله. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: هَذِه الْمَسْأَلَة إِنَّمَا تعترض الْحيرَة فِيهَا لمن لَا يعْتَرف بِالنَّفسِ وَأَن حركات الْبدن الاختيارية كلهَا إِنَّمَا تكون بهَا وَمِنْهَا. فَأَما من علم أَن النَّفس هِيَ الْمُدبرَة لبدن الْحَيّ وَلَا سِيمَا الْإِنْسَان الْمُخْتَار الَّذِي مدبره النَّفس المميزة الْعَاقِلَة فَلَا أعرف لحيرته وَجها. وَذَاكَ ان النَّفس إِذا عرفت شَيْئا واستعملت ضد مَا يَلِيق بِتِلْكَ الْمعرفَة لحقها من الِاضْطِرَاب مَا يلْحق الطبيعة إِذا كَانَت حركتها يمنة فحركت يسرة بِقُوَّة دون قوتها أَو مُسَاوِيَة لَهَا.

стр. 258

فَإِن الِاضْطِرَاب يظْهر هُنَاكَ مثل مَا يظْهر هَهُنَا. (مَسْأَلَة لم إِذا كَانَ الْوَاعِظ صَادِقا نجع كَلَامه ونفع وعظه وَسَهل الِاقْتِدَاء بِهِ) وَخفت الطَّاعَة لَهُ وَالْأَخْذ بِمَا قَالَه وَلم إِذا كَانَ بِخِلَاف ذَلِك لم يُؤثر كَلَامه وَإِن راق وَلَا ينفع وعظه وَإِن بلغ وَمَا فِي انسلاخه من حَقِيقَة مَا يَقُول مَعَ حَقِيقَة القَوْل وَصِحَّة الدّلَالَة وسطوع الْحجَّة وَكَيف صَار فعله مشيداً لقَوْله وخلافه موهناً لدلالته أَلَسْت الْحِكْمَة قَائِمَة فِي نَفسهَا مُسْتَقلَّة بِصِحَّتِهَا وَلِهَذَا قيل: الموعظة إِذا خرجت من الْقلب وَقعت فِي الْقلب وَإِذا خرجت من اللِّسَان لم تجَاوز الآذان. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: لِأَن المواعظ إِنَّمَا يَأْمر بِمَا عِنْده أَنه الأصوب فَإِذا خَالف نَفسه أوهم غَيره أَنه كذب وغش وَإِنَّمَا نهى عَن الدُّنْيَا لتترك لَهُ وتوفر عَلَيْهِ. وَظن من عجز عَن رتبته وَسقط عَن بُلُوغ دَرَجَته فِي النّظر أَنه إِنَّمَا يقتدر على الْوَعْظ بِحسن اقتداره على التلبيس وَإِظْهَار المموه فِي صُورَة الْحق. وَلَو اعْتقد مَا يظْهر بِلِسَانِهِ لعمل بِحَسبِهِ فَهَذَا وأشباهه يعرض فِي قلب المستمع لوعظ من لَا يعْمل بوعظه. هَذَا. وَرُبمَا كَانَ أَكثر من ترَاهُ من الواعظين هُوَ بِالْحَقِيقَةِ غير مُعْتَقد لما يظهره وَإِنَّمَا غَايَته أَن يشغل النَّاس عَمَّا فِي أَيْديهم أَو لتتم لَهُ

стр. 259

رئاسة باجتماع النَّاس إِلَيْهِ أَو لأرب لَهُ من الدُّنْيَا. فَأَي موقع لكَلَام مثل هَذَا إِذا عرف الموعوظ غَايَته وأشرف على نِيَّته ومذهبه. وَالْأَمر بالضد فِيمَن عمل واجتهد وأخلص سره وَوَافَقَ عمله علمه وَقَوله نِيَّته فَإِنَّهُ يصير إِمَامًا يقْتَدى بِهِ ويوثق بِكَلَامِهِ وَيكثر اتِّبَاعه والناظرون فِيمَا ينظر فِيهِ والمصدقون بِحكمِهِ. (مَسْأَلَة لم عظم نَدم الْإِنْسَان على مَا قصر فِيهِ من إكرام الْفَاضِل) وتعظيمه واقتباس الْحِكْمَة مِنْهُ بعد فَقده وَلم كَانَ يعرض لَهُ الزّهْد فِيهِ مَعَ التَّمَكُّن مِنْهُ والانقطاع إِلَيْهِ وَقد كَانَ فِي الْوَقْت الأول أفرغ قلباً وأوسع مذهبا. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: هَذِه مَسْأَلَة قد أُجِيب عَنْهَا فِيمَا تقدم وَلَا معنى لتكرير الْكَلَام فِيهَا. (مَسْأَلَة لم اعتزت الْعَرَب والعجم فِي مَوَاقِف الحروب) وَأَيَّام الْهياج والاعتزاء هُوَ الانتساب إِلَى الْآبَاء والآجداد وَإِلَى أَيَّام مَشْهُورَة وأفعال مَذْكُورَة. وَمَا الَّذِي حرك أحدهم من هَذِه الْأَشْيَاء حَتَّى ثار وَتقدم وبارز وأقدم وأخطر نَفسه واقتحم وَرُبمَا سمع فِي ذَلِك الْوَقْت بَيْتا أَو تذكر مثلا أَو رأى من دونه فِي الْبَيْت والمنصب والعرق والمركب دون مَا يقدر - يفعل فَوق مَا يفعل فَتَأْتِيه الأنفة فتقوده بِأَنْفِهِ إِلَى مُبَاشرَة حتفه مَا هَذِه الغرائب المبثوثة والعجائب المدفونة فِي هَذَا الْخلق عَن هَذَا الْخلق جلّ من هَذَا بِعِلْمِهِ وبأمره وَمن فعله وَهُوَ الْإِلَه الَّذِي انقادت لَهُ

стр. 260

الْأَشْيَاء طَوْعًا وَكرها وأشارت إِلَيْهِ تعريضاً وَتَصْرِيحًا. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: الْغَضَب فِي الْإِنْسَان يكون بِالْقُوَّةِ إِلَى أَن يُخرجهُ إِلَى كَذَلِك سَائِر قوى النَّفس. وَمَا يُخرجهُ إِلَى الْفِعْل يَنْقَسِم قسمَيْنِ: إِمَّا من خَارج وَإِمَّا من دَاخل. فَالَّذِي يكون من خَارج فَهُوَ مثل انتهاك الْحُرْمَة وَشتم الْعرض وَمَا أشبه ذَلِك. وَالَّذِي يكون من دَاخل فَهُوَ تذكر الذُّنُوب والأحقاد وَجَمِيع الْأَحْوَال الَّتِي من شَأْنهَا قدح هَذِه الْقُوَّة. وَمن شَأْن النَّفس إِذا كَانَت سَاكِنة وَالتَّمْر الْإِنْسَان فعلا قَوِيا مِنْهَا لم تستجب لَهُ الْأَعْضَاء عَمَّا يلْتَمس فَحِينَئِذٍ يضْطَر إِلَى تَحْرِيك النَّفس وإثارتها. وبحسب تِلْكَ الْحَرَكَة من النَّفس تكون قُوَّة ذَلِك الْفِعْل. وَأَنت تتبين ذَلِك من المسرور إِذا أَرَادَ أَن يظْهر غَضبا أَو يفعل فعل الغضوب كَيفَ تتخاذل أعضاؤه وَيظْهر عَلَيْهِ أثر التَّكَلُّف فَرُبمَا أضْحك من نَفسه وَضحك هُوَ أَيْضا فِي أحْوج مَا كَانَ إِلَى قُوَّة الْغَضَب فَيحْتَاج فِي تِلْكَ الْحَال إِلَى إثارة الْقُوَّة الغضبية بتذكر أَمر يهيج تِلْكَ الْقُوَّة حَتَّى يصدر فعله على مَا يَنْبَغِي. وَهَذِه الْحَال تعرض فِي الْحَرْب إِذا لم يخص الْمُحَارب أمرهَا. وأعني بذلك أَن الْمُحَارب رُبمَا حضر الْحَرْب الَّتِي لَا يَخُصُّهُ أمرهَا بل لمساعدة غَيره أَو لأجرة وَهُوَ تذكر لأحوال شجاعات ظَهرت لأولين ليَكُون ذَلِك قدحاً لَهُ،

стр. 261

وإثارة لشجاعته وسبباً لحركة قَوِيَّة من نَفسه. فَإِذا ثارت هَذِه الْقُوَّة كَانَ مثلهَا مثل النَّار الَّتِي تبتدىء ضَعِيفَة وتقوى بِمُبَاشَرَة الْأَفْعَال وبالإمعان فِيهَا حَتَّى تصير تِلْكَ الْأَفْعَال لَهَا بِمَنْزِلَة الْمَادَّة للنار تتزيد بهَا إِلَى أَن تلتهب وتستشيط وَيصير بِمَنْزِلَة السَّكْرَان فِي قلَّة الضَّبْط والتمييز. وَهِي الْحَال الَّتِي يلتمسها الْمُحَارب من نَفسه. (مَسْأَلَة مَا السَّبَب فِي أَن النَّاس يَقُولُونَ هَذَا الْهَوَاء أطيب من ذَلِك الْهَوَاء) وَذَلِكَ المَاء أعذب من ذَلِك المَاء وتربة بلد كَذَا وَكَذَا أَصْلَب من تربة كَذَا وطين مَكَان كَذَا أنعم من طين مَكَان كَذَا وأعفن وأسبخ ثمَّ لَا يَقُولُونَ فِي قِيَاس هَذَا: بلد كَذَا ناره أَجود وَأحسن وأصفى أَو أَشد حرا وإحراقاً وَأعظم لهيباً بل يصرفون هَذِه الصِّفَات على اخْتِلَاف الْموَاد كَأَنَّهَا فِي الْحَطب الْيَابِس أبين سُلْطَانا وَفِي الْقطن المنفوش أسْرع نفوذاً. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن الْأَركان الْأَرْبَعَة وَإِن اشتركت فِي ان بَعْضهَا يَأْخُذ قُوَّة بعض الْأَقَل وَالْأَكْثَر حَتَّى يكون بَعْضهَا أخْلص فِي صورته ونوعه من بعض فَإِن النَّار من بَينهَا خَاصَّة أقل قبولاً لقُوَّة غَيرهَا وأعسر ممازجة وَذَلِكَ أَن صُورَة النَّار غالبة على مادتها. وَبَيَان هَذَا أَن الأَرْض تقبل من ممازجة المَاء والهواء مَا تستحيل بِهِ عَن صورتهَا الْخَاصَّة بهَا حَتَّى تصير مِنْهَا الحمأة وَالْملح وضروب الْأَشْيَاء الَّتِي تخْتَلف بهَا الترب. وَكَذَلِكَ المَاء يقبل من الأَرْض الَّتِي يجاوره والهواء الَّذِي يَلِيهِ ضروب

стр. 262

الطعوم والأراييح والصفاء والكدر حَتَّى يخرج من صورته الْخَاصَّة بِهِ خُرُوجًا بَينا وَهَذِه حَال الْهَوَاء فِي قبُول الْآثَار من الأَرْض وَالْمَاء حَتَّى يصير بعضه غليظاً وَبَعضه رطبا ويابساً ومعتدلاً. فتظهر فِي هَذِه الثَّلَاثَة آثَار بَعْضهَا فِي بعض حَتَّى تتبين للحس بَيَانا ظَاهرا وتنقص آثَار بَعْضهَا عَن بعض حَتَّى يحكم كل إِنْسَان بِخُرُوجِهِ عَن اعتداله وَخُرُوجه عَن اعتداله سَبَب الاستضرار الْبَين فِي الْأَبدَان. فَأَما النَّار فَإِن صورتهَا الْخَاصَّة بهَا غالبة على مائيتها حَتَّى لَا تقبل من المزاج مَا يظْهر للحس مِنْهُ نُقْصَان أثر من الإحراق الَّذِي هُوَ فعلهَا أَو الضَّوْء الَّذِي هُوَ خاصتها. وعَلى ان النَّار أَيْضا قد تقبل من المزاج ومجاورة مَا تليه أثرا مَا وَلكنه - بِالْإِضَافَة إِلَى الْآثَار مِثَال ذَلِك أَن النَّار الَّتِي مادتها النفط الْأسود والكبريت الصّرْف لَوْنهَا بِخِلَاف لون النَّار الَّتِي مادتها الزَّيْت الصافي ودهن البنفسج الْخَالِص لِأَن تِلْكَ حَمْرَاء وَهَذِه بَيْضَاء. وَلَكِن الْفِعْل الْمَطْلُوب من النَّار لِلْجُمْهُورِ غير نَاقص أَعنِي الإحراق والضوء. وَأَن نقص بِحَسب الْموَاد فَإِن تِلْكَ الْحَال مِنْهَا مُشْتَركَة فِي الْبلدَانِ كلهَا لَا تخص بَعْضهَا دون بعض. وَإِذا حصل النَّاس أغراضهم من أَفعَال النَّار تبلغوا بِهِ إِلَى حاجاتهم وَلم ينْظرُوا

стр. 263

فِي الْموَاد الَّتِي تخص الْبلدَانِ لَا سِيمَا والمواد متفقة فِيهَا وَلَيْسَت هَكَذَا أَخَوَات النَّار. (مَسْأَلَة لم فَرح الْإِنْسَان بنيل مَال وإصابة خير من غير احتساب لَهُ) وتوقع أَكثر من فرحه بدرك مَا طلب ولحوق مَا زَوَال الأنه فِي أحد الطَّرفَيْنِ يَنْبَغِي طلب شَيْء متخير أم لغير ذَلِك. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن جَمِيع مَا يُصِيب الْإِنْسَان مِمَّا يخص نَفسه أَو جِسْمه إِذا وصل إِلَيْهِ بتدريج قل إحساسه بِهِ وَضعف ظُهُور أَثَره عَلَيْهِ. أما مِثَال ذَلِك فِي الْجِسْم فَإِن الْأَمْرَاض الَّتِي يخرج بهَا عَن الِاعْتِدَال على تدريج فَلَيْسَ يشْعر بهَا إِلَّا شعوراً يَسِيرا وَرُبمَا لم يشْعر بهَا أَلْبَتَّة. فَإِن خرج بهَا على غير تدريج تألم مِنْهَا جدا كالحال فِي الدوي وأشباهه من الْأَمْرَاض فَإِن الْإِنْسَان يخرج عَن الِاعْتِدَال بهَا إِلَى

стр. 264

الطّرف الْأَقْصَى الَّذِي يَلِيهِ الْمَوْت فَلَا يحس بألمه لِأَنَّهُ على تدريج. وَلَو خرج دون ذَلِك الْخُرُوج ضَرْبَة للحقه من الْأَلَم مَا لَا قوام لَهُ بِهِ. وَكَذَلِكَ الْحَال فِي اللَّذَّات لِأَن اللَّذَّة إِنَّمَا هِيَ عود الْإِنْسَان إِلَى اعتداله ضَرْبَة. فاللذة والألم حالان يستويان فِي انهما يردان دفْعَة بِلَا تدريج فيستويان فِي بَاب شدَّة الإحساس. وَهَذِه الْمَسْأَلَة أحد الْآثَار الَّتِي ترد على الْإِنْسَان مرّة بتدريج وَمرَّة بِغَيْر تدريج فَتَصِير حَال الْإِنْسَان بِمَا لم يحتسبه وَلم يتدرج بالمزاولة حَال مَا يُصِيبهُ ضَرْبَة وَاحِدَة مِمَّا ضربنا مِثَاله فيكثر إحساسه بِهِ وَظُهُور أَثَره عَلَيْهِ. (مَسْأَلَة لم صَار الْبُنيان الْكَرِيم وَالْقصر المشيد إِذا لم يسكنهُ النَّاس تداعى عَن قرب) وَمَا هَكَذَا هُوَ إِذا سكن لَعَلَّك تظن أَن ذَلِك لِأَن السكان يرْمونَ مِنْهُ مَا استرم ويتلافون مَا تداعى وتهدم ويتعهدونه بالتطرية والكنس فَاعْلَم ان هَذَا لَيْسَ لذاك لِأَنَّك تعلم انهم يؤثرون فِي الْمسكن بالمثنى والاستناد وَأخذ القلاعة وَسَائِر الحركات الْمُخْتَلفَة مَا إِن

стр. 265

لم يُضعفهُ على رمهم ولمهم كَانَ بإزائه وَمُقَابِله. فقد بقيت الْعلَّة على هَذَا وستسمعها فِي عرض الْجَواب عَن جَمِيع مسَائِل هَذَا الْكتاب. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن مُعظم آفَات الْبُنيان يكون من تشعيث الأمطار وانسداد مجاري الْمِيَاه بِمَا تحصله الرِّيَاح فِي وَجه المآزيب ومسالك الْمِيَاه الَّتِي ترد الْمِيَاه إِلَى أصُول الْحِيطَان من خَارج الْبناء وداخله وَبِمَا يتثلم من وُجُوه الْبُنيان الْكَرِيمَة بالآفات الَّتِي تعرضها لحركات الْهَوَاء والأمطار وَالْبرد والثلوج. وَرُبمَا كَانَ سَبَب ذَلِك قَصَبَة أَو هشيم من تبن الطين الَّذِي تطيره الْأَرْوَاح إِلَى مَسْلَك المَاء فتعطف المَاء إِلَى غير جِهَته فَيكون بِهِ خراب الْبُنيان كُله. فَأَما ظُهُور الْهَوَام فِي أصُول الْحِيطَان والعناكب فِي سقوفه وَأَخذهَا من الْجَمِيع مَا يتَبَيَّن أَثَره على الْأَيَّام فشيء ظَاهر وَذَلِكَ أَن هَذَا الضَّرْب من الخراب قَبِيح الْأَثر جدا ينبو الطّرف عَنهُ ويسمج بِهِ الْبناء الشريف. وَرُبمَا أغفل السكان بَيْتا من عرض الْبناء إِمَّا بِقصد وَإِمَّا بِغَيْر قصد فَإِذا فتح عَنهُ يُوجد فِيهِ من آثَار الدبيب من الفأر والحيات وضروب الحشرات الَّتِي تتَّخذ لنَفسهَا أكنة بالنقب وَالْبناء كالأرصنة والنمل وَمَا تجمعه من أقواتها وَمن نسج العنكبوت وتراكم الغبرة على النقوش - مَا يمْنَع من دُخُوله. هَذَا إِن سلم من الوكف وتطرق الْمِيَاه وهدمها لما تسيل عَلَيْهِ

стр. 266

من حَائِط وسقف ورضه بِمَا يثقله من طين السطوح وتقصف جَمِيع الْخشب والسنادات والعمد. وَإِذا كَانَ فِيهَا السكان منعُوا هَذِه الْأَسْبَاب الْعَظِيمَة فِي الخراب وَكَانَ مَا يشعثونه بعد هَذِه الْأَشْيَاء يَسِيرا بِالْإِضَافَة إِلَيْهَا فَكَانَ الْبناء إِلَى الْعمرَان أقرب وَمن الخراب أبعد. (مَسْأَلَة لم صَار الْكَرِيم الْمَاجِد النجد يلد اللَّئِيم السَّاقِط الوغد) وَهَذَا يلد ذَاك على تبَاين مَا بَينهمَا فِي أغراض النَّفس وأخلاقها مَعَ قرب مَا بَينهمَا فِي أُصُولهَا وأعراقها. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن أَخْلَاق النَّفس وَإِن كَانَت تَابِعَة لمزاج الْبدن فَإِن التَّأْدِيب والسياسة تصلح مِنْهَا إصلاحاً كثيرا. وَرُبمَا كَانَ مزاج الابْن بَعيدا من مزاج الْأَب وانضاف إِلَى ذَلِك سوء تَأْدِيب ورداءة سياسة، وَيَكْفِي أَحدهمَا فِي الْفساد فتختلف الشيمتان والمذهبان.

стр. 267

(مَسْأَلَة لم إِذا كَانَ الْإِنْسَان بَعيدا عَن وَطنه ومسقط رَأسه وملهى عَنهُ) ومضطجع جنبه ومطرب نَفسه ومعدن أنسه - يكون أخمد شوقاً وَأَقل قلقاً وأطفأ نائرة وأسلى نفسا وألهى فؤاداً حَتَّى إِذا دنت الديار من الديار وقوى الطمع فِي الْجوَار نفد الصَّبْر وَذهب الْقَرار وَحَتَّى قَالَ الشَّاعِر وَأعظم مَا يكون الشوق يَوْمًا إِذا دنت الديار من الديار. وَهل هَذَا معنى يعم أَو يخص وَمَا علته وَهل لَهُ عِلّة. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: هَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي الْأَشْيَاء الطبيعية أَيْضا مُسْتَمر فِيهَا وَذَاكَ أَنَّك لَو أرْسلت حجرا من مَوضِع عَال مركزه لَكَانَ يبتدىء بحركته وَكلما قرب من مركزه احتدت الْحَرَكَة وَصَارَت أسْرع إِلَى أَن تصير عِنْد قربه من الأَرْض على أحد مَا تكون وأسرعه. وَكلما كَانَ الْموضع الَّذِي يُرْسل مِنْهُ الْحجر أَعلَى كَانَ هَذَا الْمَعْنى فِيهِ أبين وَأظْهر. وَكَذَلِكَ حكم النَّار والعناصر الْبَاقِيَة إِذا أرْسلت من غير أمكنتها الْخَاصَّة بهَا فَإِنَّهَا كلما قربت من مراكزها اشتدت حركتها ونزاعها. وَمثل هَذِه الْمَوَاضِع لَا يسْأَل عَنْهَا بلم لِأَنَّهَا أَوَائِل طبيعية وغايتنا فِيهَا أَن نعرفها ونعلم أَنَّهَا كَذَلِك وَكَذَلِكَ حَال النَّفس فِي أَنَّهَا إِذا كَانَت بعيدَة من مألفها كَانَ نزاعها أيسر فَكلما دنت مِنْهُ اشْتَدَّ نزاعها وحركتها الَّتِي تسمى شوقاً. وَإِنَّمَا

стр. 268

قلت: إِن هَذِه الْمَوَاضِع لَا يبْحَث عَنْهَا بلم لِأَن لم إِنَّمَا يبْحَث بهَا عَن طلب عِلّة ومبدأ. وَهَذِه مبادىء فِي أَنْفسهَا وَلَيْسَ عِلّة أَكثر من أَن الْأُمُور أَنْفسهَا كَذَلِك أى مبادئها هِيَ أَنْفسهَا وَلم تكن كَذَلِك لعِلَّة أُخْرَى مِثَال ذَلِك: لَو ان قَائِلا قَالَ: لم صَارَت الْعين تبصر بِهَذِهِ الطَّبَقَات من الْعين وَلم صَارَت ترى الشَّيْء بِحَسب الزاوية الَّتِي بَينهَا وَبَين المبصر: إِن كَانَت كَبِيرَة فكبيرة وَإِن كَانَت صَغِيرَة فصغيرة أَو سَأَلَ: لم صَارَت الْأذن تحس باقتراع الْهَوَاء على هَذَا الشكل - لم يلْزم الْجَواب عَنهُ لِأَن الْأَشْيَاء الْوَاضِحَة الَّتِي هِيَ أَوَائِل إنياتها هِيَ لمياتها. (مَسْأَلَة لم قيل الرأى نَائِم والهوى يقظان وَلذَلِك غلب الْهوى الرأى) يرْوى هَذَا عَن حَكِيم الْعَرَب عَامر بن الظرب. أَلَيْسَ الرأى من حزب الْعقل،

стр. 269

وأوليائه فَكيف غلب مَعَ علو مَكَانَهُ وَشرف مَوْضِعه وَمَا معنى قَول الآخر من الْأَوَائِل: الْعقل صديق مَقْطُوع والهوى عَدو متبوع مَا سَبَب هَذِه الصداقة مَعَ هَذَا العقوق وَمَا سَبَب تِلْكَ الْعَدَاوَة مَعَ تِلْكَ الْمُتَابَعَة وَهل يرى هَذَا حقائق الْأُمُور معكوسة منكوسة فَإِن الظَّاهِر خَارج عَن حكم الْوَاجِب جَار على غير النظام الرَّاتِب. الْجَواب: قَالَ أَبُو على مسكويه ﵀: هَذَا كَلَام خرج فِي معرض فصاحة وخطابة. فَأَما مَعْنَاهُ فَهُوَ أَن الْهوى فِينَا قوى جدا والرأى ضَعِيف وَسبب ذَلِك أَنا - معشر النَّاس - طبيعيون وجزء الطبيعة فِينَا أغلب من جُزْء الْعقل لأَنا فِي عَالم الطبيعة وَالْعقل غَرِيب عندنَا ضَعِيف الْأَثر فِينَا وَلذَلِك نكل عِنْد النّظر فِي المعقولات وَلَا نكل عِنْد النّظر فِي الطبيعيات ذَلِك الكلال. وَالْعقل وَإِن كَانَ فِي نَفسه شريفاً عالى الرُّتْبَة فَإِن أَثَره عندنَا يسير. والطبيعة وَإِن كَانَت ضَعِيفَة بِالْإِضَافَة إِلَى الْعقل منحطة الرُّتْبَة - فَإِنَّهَا قَوِيَّة فِينَا لأَنا فِي عالمها وَنحن أَجزَاء مِنْهَا ومركبون من عناصرها وَفينَا قواها أجمع. وَهَذَا وَاضح غير مُحْتَاج إِلَى الإطناب فِي الشَّرْح.

стр. 270

مَسْأَلَة حضر أَبُو بشر مَتى صَاحب شرح الْمنطق مَجْلِسا، فَقَالَ لَهُ أَبُو هَاشم الْمُتَكَلّم عائباً للمنطق: هَل الْمنطق إِلَّا فِي وزن مفعل من النُّطْق فَحَدثني: أأنصف أَبُو هَاشم وحز الْحق أم تشيع وَقَالَ مَا لَا يجوز ان يسمع مِنْهُ هَذَا مَعَ مَحَله وَشدَّة توقيه فِي مقَالَته فَإِن الْبَيَان عَن هَذَا الْقدر يَأْتِي على كنائن الْعلم ويوضح طرق الْحِكْمَة. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: أما من طَرِيق الْوَزْن فقد صدق فِيهِ أَبُو هَاشم وَأما من طَرِيق الازدراء وَالْعَيْب - إِن كَانَ قصد ذَلِك - فقد ظلم لِأَنَّهُ لَا عيب على الْعلم إِلَّا من جِهَة خطأ المخطىء فِيهِ لَا من جِهَة اسْمه. وَلَو كايله أَبُو بشر مكايلة فَقَالَ لَهُ: وَهل الْمُتَكَلّم إِلَّا فِي وزن متفعل من الْكَلَام وتصفح سَائِر الْعُلُوم فَقَالَ فِيهَا مثل هَذَا وَقَالَ هَل التفقه إِلَّا نَفْعل من قَوْلك فقهت الشَّيْء وَهل النَّحْو إِلَّا مصدر قَوْلك نحوت الشي أى قصدته - لَكَانَ هَذَا مستمراً وَمَا أَكثر مَا يُسمى من الْعلم لما لَا يسْتَحقّهُ رتبته وَمَا أَكثر مَا يُسمى بِمَا يحط من رتبته فَلَا ذَاك ينفع فِي ذَلِك الْعلم وَلَا هَذَا يضر فِي هَذَا الْعلم. وَقد عرفت قوما سموا أنفسهم المدركين وَسموا

стр. 271

علومهم الْإِدْرَاك الْحَقِيقِيّ وَهُوَ فِي غَايَة الْبعد من حقائق الْأُمُور وَقد سمى قوم أنفسهم الْمُسْتَحقّين وَأهل الْحق وَمَا أشبه ذَلِك فَكَانُوا فِيهِ مدعين بَاطِلا. (مَسْأَلَة) رَأَيْت رجلا يسْأَل شَيخا من أهل الْحِكْمَة فَقَالَ لَهُ: الْعَرَب تؤنث الشَّمْس وتذكر الْقَمَر فَمَا الْعلَّة فِي ذَلِك وأى معنى عنوا بِهَذَا الإطباق فَإِنَّهُ إِن خلا من الْعلَّة جرى مجْرى الِاصْطِلَاح على غير غَرَض مَقْصُود. فَلم يُورد ذَلِك الشَّيْخ شَيْئا وَلِهَذَا لم أُسَمِّهِ فَإِن فِي ذكره مَعَ إِظْهَار عَجزه تعريضاً بِهِ وتحقيراً لشأنه وَمَا يسْتَحق بِهَذَا الْيَسِير ان يجْحَد مَا يُصِيب فِيهِ الصَّوَاب الْكثير. فَقَالَ السَّائِل: فَإِن المنجمين يذكرُونَ الشَّمْس ويؤنثون الْقَمَر. وَهَذَا أَيْضا من المنجمين اتِّفَاق. فَأجَاب هَهُنَا وَقَالَ مَا قَالُوهُ وَلم يعجز عَن الْمَسْأَلَة الْأُخْرَى لقصر بَاعه فِي الْأَدَب وَلَكِن لم يحفظ فِيهَا جَوَابا عَن اهل الْعَرَبيَّة. وَالْمعْنَى فِيهِ خَافَ لَيْسَ من شَأْن المتمسحين فِي الْعلم بل من شَأْن المتبحرين فِيهِ الخائضين فِي غماره الْبَالِغين إِلَى قراره وهيهات ذَلِك الْعلم عميق الْبَحْر عالى الْفلك وَلَيْسَ كل قلب وعَاء لكل سانح وَلَا كل إِنْسَان ناطقاً بِكُل

стр. 272

لفظ وَلَا كل فَاعل آتِيَا بِكُل عمل. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: أما النحويون فَلَا يعللون هَذِه الْأُمُور ويذكرون أَن الشَّيْء الْمُذكر بِالْحَقِيقَةِ رُبمَا أنثته الْعَرَب والمؤنث بِالْحَقِيقَةِ رُبمَا ذكرته الْعَرَب فَمن ذَلِك أَن الْآلَة من الْمَرْأَة بِعَينهَا الَّتِي هِيَ سَبَب تَأْنِيث كل مَا يؤنث هِيَ مُذَكّر عِنْد الْعَرَب واما آلَة الرجل فلهَا أَسمَاء مُؤَنّثَة. فَأَما الْعقَاب وَالنَّار وَكثير من الْأَسْمَاء الَّتِي هِيَ أولى الْأَشْيَاء بالتذكير وَهِي مُؤَنّثَة وأمثالها فكثير. وَلَكِن الشَّمْس الَّتِي قصد السَّائِل قَصدهَا بِعَينهَا فَإِنِّي أَظن السَّبَب فِي تَأْنِيث الْعَرَب إِيَّاهَا أَنهم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِي الْكَوَاكِب الشَّرِيفَة أَنَّهَا بَنَات الله - تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا - وكل مَا كَانَ مِنْهَا أشرف عِنْدهم عبدوه. وَقد سموا الشَّمْس خَاصَّة باسم الْآلهَة فَإِن اللاة اسْم من اسمائها فَيجوز أَن يَكُونُوا أنثوها لهَذَا الِاسْم ولاعتقادهم أَنَّهَا بنت من الْبَنَات بل هِيَ أعظمهن عِنْدهم. (مَسْأَلَة هَل يجوز لإِنْسَان أَن يعي الْعُلُوم كلهَا على افتنانها وطرقها وَاخْتِلَاف اللُّغَات والعبارات عَنْهَا) فَإِن كَانَ يجوز فَهَل يجب وَإِن وَجب فَهَل يُوجد وَإِن كَانَ وجد فَهَل عرف وَإِن كَانَ جَائِزا فَمَا وَجه جَوَازه وَإِن كَانَ الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: أحد الْحُدُود الَّتِي حدت بهَا الفلسفة أَنَّهَا علم الموجودات كلهَا بِمَا هِيَ موجودات. وَلَكِن لَيْسَ على الشَّرَائِط الَّتِي ذكرتها فِي مسألتك أَعنِي قَوْلك: على افتنانها وطرقها وَاخْتِلَاف اللُّغَات بهَا والعبارات عَنْهَا فَإِن علما وَاحِدًا من بَين الْعُلُوم لَا يجوز أَن يحتوي على جَمِيع هَذِه الشَّرَائِط فِيهِ لِأَن جزئيات الْعُلُوم بِلَا نِهَايَة وَمَا لَا نِهَايَة لَهُ لَا يخرج إِلَى

стр. 273

الْوُجُود. وَلَكِن الْمَطْلُوب من كل علم هُوَ الْوُقُوف على كلياته الَّتِي تَشْمَل على جَمِيع أَجْزَائِهِ بِالْقُوَّةِ. مِثَال ذَلِك أَن الطِّبّ إِذا تعلمت أُصُوله وقوانينه الَّتِي بهَا يسْتَخْرج نوع الْمَرَض وَنَوع العلاج فقد كفي فِيهِ ذَلِك. فَأَما أَن يعرف مِنْهُ جَمِيع أَجزَاء الْأَمْرَاض فَذَلِك محَال. وَكَذَلِكَ تَجِد كتب جالينوس وَغَيره من الْأَطِبَّاء فَإِنَّهَا تعلمك أصُول الْأَمْرَاض والعلاجات فَإِذا باشرت الصِّنَاعَة ورد عَلَيْك من أَجزَاء مرض وَاحِد مَا لَا يمكنك إحصاؤه وَيبقى من أَجْزَائِهِ مَا لَا يُمكن أحصاؤه أحدا بعْدك. وَإِذا كَانَ الْأَمر على ذَلِك فَالْجَوَاب عَن مسألتك يكون مُقَيّدا على مَا ذكرته. فَأَما اخْتِلَاف الطّرق والعبارات فَلَا معنى لتعاطي مَعْرفَتهَا فَإِن الْمَقْصُود من الْعُلُوم هِيَ ذواتها وَأما قَوْلك: هَل يجب فَأَقُول: إِنَّه وَاجِب لِأَن التفلسف وَاجِب من أجل أَنه كَمَال الإنسانية وبلوغ أقْصَى درجتها. وكل شَيْء كَانَ كَمَال فَإِن غَايَته الْبلُوغ إِلَى ذَلِك الْكَمَال. وَمن قصر من النَّاس عَن بُلُوغ كَمَاله مَعَ حُصُول الْأَسْبَاب وارتفاع الْمَوَانِع عَنهُ فَهُوَ غير مَعْذُور فِيهِ. وَأما قَوْلك: هَل يُوجد فَإِنَّهُ مَوْجُود لِأَن الفلسفة مَوْجُودَة وَهِي صناعَة الصناعات وَمَا تب شَيْء من أَجْزَائِهَا كَمَا رتبت هِيَ نَفسهَا فَإِنَّهُ قد بدىء من أدنى دَرَجَة يبتدىء بهَا المتعلم إِلَى أقْصَى مرتبَة يجوز أَن يبلغهَا. وَهَذَا لجميعه أصُول وشروح على غَايَة الْأَحْكَام وَهِي مَعْرُوفَة مَوْجُودَة غير مَمْنُوع مِنْهَا وَلَا مضنون بهَا على من يطْلبهَا وَفِيه منَّة لتعلُّمها.

стр. 274

(مَسْأَلَة مَا غضب الصَّارِف على المصروف) هَكَذَا تنشأ هَذِه الْمَسْأَلَة وَصورتهَا أَنَّك تولى إمرة بلد أَو قَضَاء مَدِينَة فَترد الْبَلَد وَبِه أَمِير قبلك صرف بك فتعنف بِهِ وتغضب عَلَيْهِ وتكلح وَجهك فِي وَجهه وَهُوَ مَا أغضبك وَلَا وَمن جنس هَذَا الْغَضَب غضب الجلاد والسياف. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: لما كَانَ الصَّارِف يستشعر من المصروف أَنه يبغضه ويكرهه لَا محَالة وَفِي الطباع أَن يكره الْإِنْسَان من يكرههُ وببغض من يبغضه - عرض هَذَا الْعَارِض لكل صَارف على كل مَصْرُوف. وَرُبمَا انضاف إِلَى ذَلِك أَشْيَاء أخر مِنْهَا أَن المصروف رُبمَا صرف عَن خِيَانَة أَو جِنَايَة كَثِيرَة يعرض فِي مثلهَا الْغَضَب بِالْوَاجِبِ. وَرُبمَا انضاف إِلَى ذَلِك أَن يُؤمر الصَّارِف بِالْقَبْضِ على المصروف وموافقته على جناياته واستصفاء مَاله. وَهَذِه أَشْيَاء تثير الْغَضَب وتزيد فِي مادته لَا سِيمَا والمصروف يحْتَج لنَفسِهِ وَيدْفَع عَنْهَا كل مَا نسب إِلَيْهِ من الْقَبِيح ويدافع عَن مَاله بِمَا أمكنه. فَأَيْنَ يذهب الْغَضَب عَن هَذَا الْمَكَان وَهل هُوَ إِلَّا فِي حَقِيقَة مَوْضِعه الْخَاص بِهِ؟

стр. 275

فَأَما الجلاد والسياف فَلَهُمَا وَجه آخر من الْعذر وَهُوَ أَنَّهُمَا إِنَّمَا يأخذان أُجْرَة على صناعتهما وَإِن لم يوفياها حَقّهَا خشيا اللائمة وَالِاسْتِخْفَاف وَلَيْسَ يمكنهما تَوْفِيَة صناعتهما حقوقهما إِلَّا بإثارة الْغَضَب. (مَسْأَلَة لم كَانَ الْيُتْم فِي النَّاس من قبل الْأَدَب وَفِي سَائِر الْحَيَوَان من قبل الْأُم) فَإِن قلت: لِأَن الْأُم هَهُنَا كافلة فَإِن الْأَمر فِي النَّاس كَذَلِك وَفِيه سر غير هَذَا وَنظر فَوْقه. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن الْإِنْسَان من حَيْثُ هُوَ حَيَوَان مشارك للبهائم فِي هَذَا الْمَعْنى مُحْتَاج إِلَى مَا يقيمه من الأقوات الَّتِي تحفظ عَلَيْهِ حيوانيته. وَمن حَيْثُ هُوَ إِنْسَان مشارك للفلك فِي هَذَا الْمَعْنى يحْتَاج إِلَى مَا يبلغهُ هَذِه الدرجَة بالتعليم والتأديب لِأَن الْأَدَب يجْرِي من النَّفس مجْرى الْقُوت من الْبدن وَالَّذِي يقوم بِالْحَال الأولى وَهِي الْأُم وَالَّذِي يقوم لَهُ بِالْحَال الثَّانِيَة هُوَ الْأَب. وَلما كَانَت الْحَالة الثَّانِيَة أشرف أَحْوَاله وَهِي الَّتِي بهَا يصير هُوَ مَا هُوَ اعني أَن يصير إنْسَانا - وَجب أَن يكون يتمه من قبل أَبِيه. وَلما كَانَ سَائِر الْحَيَوَانَات كَمَا حيوانيتها فِي الْقُوت البدني وَجب أَن يكون يُتمهَا من قبل الْأُم. وَلَعَلَّ الْإِنْسَان قبل أَن يبلغ حد التَّعَلُّم من الْأَب وَفِي حَال حَاجته إِلَى

стр. 276

الرَّضَاع إِذا فقد أمه سمي يَتِيما من قبل الْأُم وَلم يمْتَنع إِطْلَاق ذَلِك عَلَيْهِ. مَسْأَلَة قَالَ الْمَأْمُون: إِنِّي لأعجب من أَمْرِي: أدبر آفَاق الأَرْض وأعجز عَن رقْعَة - يَعْنِي الشطرنج وَهَذَا معنى شَائِع فِي النَّاس فَمَا السَّبَب فِيهِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا عجب من خَفَاء السَّبَب. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن الصناعات لَا يَكْتَفِي فِيهَا بِالْعلمِ الْمُتَقَدّم والمعرفة السَّابِقَة بهَا حَتَّى يُضَاف إِلَى ذَلِك الْعَمَل الدَّائِم والارتياض الْكثير وَإِلَّا لم يكن الْإِنْسَان ماهراً. والصانع هُوَ الماهر بصناعته. وَمِثَال ذَلِك الْكِتَابَة فَإِن الْعَالم بأصولها وَإِن كَانَ سَابق الْعلم غزير الْمعرفَة إِذا اخذ الْعلم وَلم تكن لَهُ دربة انْقَطع فِيهَا وَلم يَنْفَعهُ جَمِيع مَا تقدم من علمه بهَا. وَكَذَلِكَ حَال الْخياطَة وَالْبناء. وَبِالْجُمْلَةِ كل صناعَة مهنية كقيادة الْجَيْش ولقاء الأقران فِي الحروب لَيْسَ تَكْفِي فِيهَا الشجَاعَة وَلَا الْعلم بكيفيتها حَتَّى يحصل فِيهَا الارتياض والتدرب فَحِينَئِذٍ تصير صناعَة. وَلما كَانَ الشطرنج أحد الْأَشْيَاء الْجَارِيَة هَذَا المجرى من الصناعات لم يكتف فِيهِ بِالتَّدْبِيرِ وَلَا حسن التخيل وَلَا جودة الرأى حَتَّى تنضاف إِلَى ذَلِك مُبَاشرَة الْأَمر والدربة فِيهِ فَإِن لكل ضَرْبَة يتَغَيَّر بهَا شكل الشطرنج ضَرْبَة من الرسيل مُقَابلَة لَهَا إِمَّا على غَايَة الصَّوَاب وَإِمَّا بِخِلَافِهِ. وَيحْتَاج إِلَى ضبط جَمِيع ذَلِك وتخيل تِلْكَ الأشكال كلهَا ضَرْبَة بعد

стр. 277

ضَرْبَة على وُجُوه تصاريفها وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا مَعَ دربة ورياضة. (مَسْأَلَة مَا السَّبَب فِي استيحاش الْإِنْسَان من نقل كنيته أَو اسْمه) فقد رَأَيْت رجلا غير كنيته لضَرُورَة لحقته وَحَال دَعَتْهُ فَكَانَ يتنكر ويقلق وَكَانَ يكنى أَبَا حَفْص فاكتنى أَبَا جَعْفَر وَكَانَ سَببه فِي ذَلِك أَنه قصد رجلا يتشيع فكره أَن يعرفهُ بِأبي حَفْص. وَكَيف صَار بعض النَّاس يمقت الشَّيْء لاسمه دون عينه أَو للقبه دون جوهره. وَمَا النفور الَّذِي يسْرع إِلَى النَّفس من النبز واللقب. وَمَا الشكون الَّذِي يرد على النَّفس من النَّعْت وَمَا هما إِلَّا متقاربان فِي الظَّاهِر متدانيان فِي الْوَهم. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن الْمعَانِي تلزمها الْأَسْمَاء ويعتادها أهل اللُّغَات على مر الْأَيَّام حَتَّى تصير كَأَنَّهَا هِيَ وَحَتَّى يشك قوم فيزعمون أَن الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى وَحَتَّى زعم قوم أفاضل أَن الأسامى بالطباع تصير إِلَى مُطَابقَة الْمعَانِي كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِن الْحُرُوف الَّتِي تؤلف لِمَعْنى الْقيام أَو الْجُلُوس أَو الْكَوْكَب أَو الأَرْض لَا يصلح لغَيْرهَا من الْحُرُوف أَن تسمى بِهِ لِأَن تِلْكَ بالطبع صَارَت لَهُ. واضطر لأجل هَذِه الدَّعْوَى أَن يشْتَغل كبار الفلاسفة فِي بمناقضتهم وَوضع الْكتب فِي ذَلِك فَلَيْسَ بعجب أَن يألف إِنْسَان اسْم نَفسه حَتَّى إِذا غير ظن أَنه إِنَّمَا يُغير هُوَ وَإِذا دعى بِغَيْر اسْمه فَإِنَّمَا دعى غَيره بل يرى كَأَنَّمَا بدل بِهِ نَفسه. وَلَقَد سَمِعت بعض المحصلين يستشير طَبِيبا وَيخَاف فِيمَا يشكوه أَنه قد أَصَابَهُ الماليخوليا.

стр. 278

فَقلت لَهُ: وَمَا الَّذِي أنْكرت من نَفسك. قَالَ: يخيل لي أَن يَمِيني قد تحول شمالاً وشمالي يَمِينا لست أَشك فِي ذَلِك. فَلَمَّا امْتَدَّ بِي النّظر فِي مساءلته وجدته كَانَ قد تختم فِي يَمِينه مُدَّة للتقرب إِلَى بعض الرؤساء من أصدقائه ثمَّ لما فَارقه لسفره اتّفقت لَهُ إِعَادَة إِلَى التَّخَتُّم الْيَسَار فَعرض لَهُ من الإلف وَالْعَادَة هَذَا الْعَارِض. فأعتبر بذلك يسهل جَوَاب مسألتك وَتعلم مَا فِي الْعَادة من المشاكلة لما فِي الطَّبْع. فَأَما كَرَاهَة النَّاس الشَّيْء لأسمه أَو للقبه ونبزه فَالْجَوَاب عَنهُ قريب من الْجَواب عَن هَذِه الْمَسْأَلَة وَذَلِكَ أَن الْأَسْمَاء والألقاب أَيْضا تكره لكَرَاهَة مَا تدل عَلَيْهِ للْعَادَة الأولى فَلَو أَنَّك نقلت اسْم الفحم إِلَى الكافور فِيمَا بَيْنك وَبَين آخر لَكَانَ مَتى ذكر الفحم تصور السوَاد وَلم يمنعهُ مَا انْتقل فِيمَا بَينه وَبَيْنك إِلَى مُسَمّى آخر أَبيض طيب الرَّائِحَة وَذَلِكَ لأجل الْعَادة اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون تركيب الْحُرُوف تركيباً قبيحاً والحروف أَنْفسهَا مستهجنة فَإِن الْجَواب عَن ذَلِك قد مر فِي صور هَذِه الْمسَائِل مستقصى. (مَسْأَلَة قَالَ أَبُو حَيَّان لم صَار صَاحب الْهم وَمن غَلَبَة عَلَيْهِ الْفِكر فِي ملم يولع بِمَسّ لحيته وَرُبمَا نكت الأَرْض بإصبعه وعبث بالحصى) . وَقد يخْتَلف الْحَال فِي ذَلِك حَتَّى إِنَّك لتجد وَاحِدًا يحب عِنْد صدمة الْهم ولوعه الْحزن جمعا وناساً ومجلساً مزدحماً يريغ بذلك تفريحاً ويجد

стр. 279

خفا. وَآخر يفزع إِلَى الْخلْوَة ثمَّ لَا يَقع إِلَّا بمَكَان موحش وَنشر ضيق وَطَرِيق غامض. وَآخر يُؤثر الْخلْوَة وَلَكِن الْخلْوَة يحن إِلَى بُسْتَان حَال وَروض مزهر ونهر جَار. ثمَّ تخْتَلف الْحَال بَين هَؤُلَاءِ حَتَّى إِنَّك لتجد وَاحِدًا عِنْد غاشية ذَلِك الْفِكر أصفى طبعا وأذكى قلباً وأحضر ذهناً وَحَتَّى يَقُول القافية النادرة ويضنف الرسَالَة الفاخرة وَحَتَّى يحفظ علما جماً وَيسْتَقْبل أَيَّامه نصحاً وَآخر يذهل ويعله وَيَزُول عَنهُ الرأى ويتحير حَتَّى لوهدي مَا اهْتَدَى وَلَو أَمر لما فقه وَلَو نهى لما وَبِه. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن النَّفس لَا تعطل الْجَوَارِح إِلَّا عِنْد النّوم الْأَسْبَاب لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكرهَا. وَالْعقل يستهجن البطالة وَلَا بُد من تَحْرِيك الْأَعْضَاء فِي الْيَقَظَة إِمَّا بِقصد وإدارة وبصناعة ولأغراض مَقْصُودَة وَإِمَّا بعبث وَلَهو وَعند غَفلَة

стр. 280

وسهو، وَلأَجل ذَلِك نهت الشَّرِيعَة عَن الْغَفْلَة وَنهى الْأَدَب عَن الكسل وَأمر النَّاس وسواس المدن بترك العطلة واشتغال النَّاس بضروب الْأَعْمَال. ولقباحة العطلة ونفور الْعقل عَنْهَا اشْتغل الْفَرَاغ بلعب الشطرنج والنرد على سخافتهما وَأَخذهمَا من الْعُمر وذهابهما بِالزَّمَانِ فِي غير طائل فَإِن الْجُلُوس بِلَا شغل وَلَا حَرَكَة بِغَيْر ضَرُورَة أَمر يأباه النَّاس كَافَّة لما ذَكرْنَاهُ. فَصَاحب الْفِكر والهم لَا تتعطل جوارحه وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يتعود الْإِنْسَان بالتأديب حركات جميلَة مثل الْقَضِيب الَّذِي وضع الْمُلُوك وَقد ذكره ذَلِك أَيْضا وَنسب إِلَى النزق وَجعل فِي جنس الولع بالخاتم. فَأَما مس اللِّحْيَة وَقلع الزئبر من الثَّوْب فمعدود من الْمَرَض لأنة حَرَكَة غير منتظمة وَلَا جَارِيَة على سنة الْأَدَب بل هُوَ عَبث يدل على أَن صَاحبه قد احْتمل حَتَّى عزب عقله وَذهب تَمْيِيزه دفْعَة. وَلَا يَنْبَغِي ذَلِك لمن لَهُ تَمْيِيز وَبِه مسكة أَن يَفْعَله بل يُنَبه عَلَيْهِ من نَفسه ويتركه إِن كَانَ عَادَته. فَأَما اخْتِلَاف الْحَال فِي النَّاس فِيمَن الِاجْتِمَاع مَعَ النَّاس أَو يحب الْخلْوَة وَغير ذَلِك مِمَّا حكيته وَذكرت أقسامه فَإِن ذَلِك تَابع للمزاج وَذَاكَ أَن صَاحب السَّوْدَاء والفكر السوداوي يحب الْخلْوَة والتفرد ويأنس بذلك. وَأما صَاحب الْفِكر الدموي فَإِنَّهُ يحب الِاجْتِمَاع وَالنَّاس وَرُبمَا آثر النزهة والفرجة. وَأما مَا حكيت عَمَّن يصنع الشّعْر ويصنف الرسَالَة ويشغل نَفسه بالعلوم فَجَمِيع ذَلِك إِنَّمَا يكون بِحَسب عَادَة من يطرقه الْفِكر فَإِن كَانَ قبل ذَلِك مِمَّن يرتاض بِبَعْض هَذِه الْأَشْيَاء أَو يكثر الْفِكر فِيهَا فَإِنَّهُ بعد وُرُود الْعَارِض يلجأ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَيعود إِلَى عَادَته بِنَفس ثائرة مضطرة إِلَى الْفِكر فَينفذ فِيمَا كَانَ فِيهِ.

стр. 281

وَلَا بُد أَن يصير ذَلِك الْفِكر من جنس مَا دهمه أَعنِي أَنه يَقُول القافية ويصنف الرسَالَة فِي ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي طَرَأَ عَلَيْهِ لَكِن يَسْتَعِين عَلَيْهِ بفكر كَأَن يتَصَرَّف فِي شعر آخر فَيردهُ إِلَى الأهم الَّذِي وَأما الَّذِي يذهل ويعله ويتحير فَهُوَ الَّذِي لم يكن قبل وُرُود ذَلِك الشّغل عَلَيْهِ مِمَّن لَا يرتاض بِشعر وَلَا ترسل وَلَا عَادَته أَن يلجأ إِلَى فكره ويستعمله فِي اسْتِخْرَاج الخبايا واللطائف فَإِذا طرقه عَارض يحْتَاج فِيهِ إِلَى فكر لم يجده وأصابه من الوله والدهش مَا ذكرت. (مَسْأَلَة مَا بَال أَصْحَاب التَّوْحِيد لَا يخبرون عَن الْبَارِي إِلَّا بِنَفْي الصِّفَات) فَقيل لَهُ: بَين قَوْلك وابسط فِيهِ إرادتك. قَالَ: إِن النَّاس فِي ذكر صِفَات الله - تَعَالَى - على طريقتين: فطائفة تَقول: لَا صِفَات لَهُ كالسمع وَالْعلم وَالْبَصَر والحياة وَالْقُدْرَة لكنه مَعَ نفي هَذِه الصِّفَات مَوْصُوف بِأَنَّهُ سميع بَصِير حَيّ قَادر عَالم. وَطَائِفَة قَالَت: هَذِه أَسمَاء لموصوف بِصِفَات هِيَ الْعلم وَالْقُدْرَة والحياة. وَلَا بُد من إِطْلَاقهَا وتحقيقها. ثمَّ إِن هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ تطابقته على أَنه عَالم لَا كالعالمين وقادر لَا كالقادرين وَسميع لَا كالسامعين ومتكلم لَا كالمتكلمين. وَكَانَت الطائفتان فِي ظَاهر الرأى مثبتة نَافِيَة معطية آخذه إِلَّا أَن يبين مَا يزِيد على هَذَا.

стр. 282

هَذَا آخر الْمَسْأَلَة. وَالْجَوَاب عَنْهَا حرفان مَعَ الإيجاز إِن ساعد فهم وتبسيط مَعَ الْبَيَان إِن احْتِيجَ إِلَيْهِ فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: أما قَوْلك: الْجَواب عَنْهَا حرفان مَعَ الإيجاز فَهُوَ قريب مِمَّا قلت وَذَاكَ أَن كل صفة وموصوف يَقع عَلَيْهِ وهم وينطلق بِهِ لِسَان فَهُوَ جود من الله تَعَالَى وإبداع لَهُ وَمن مِنْهُ امتن بِهِ على خلقه وَلَيْسَ يجوز أَن يُوصف الله - تَعَالَى - بِمَا هُوَ مبدع ومخلوق لَهُ. فَهَذَا مَعَ الإيجاز كَاف. وَلَا بُد من أدنى بسط وَبَيَان فَنَقُول: إِن الْبُرْهَان قد قَامَ على أَن الْبَارِي الأول الْوَاحِد هُوَ - عز اسْمه - مُتَقَدم الْوُجُود على كل مَعْقُول ومحسوس وَأَنه أول بِالْحَقِيقَةِ أَي لَيْسَ لَهُ شَيْء يتقدمه على سَبِيل عِلّة وَلَا سَبَب وَلَا غَيرهمَا. وَمَا لَيْسَ لَهُ عِلّة تتقدمه فوجوده أبدا وَمَا وجوده أبدا فَهُوَ وَاجِب الْوُجُود وَمَا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ لم يزل وَمَا لم يزل فَلَيْسَ لَهُ عِلّة فَلَيْسَ بمتركب وَلَا متكثر لِأَنَّهُ لَو كَانَ مركبا أَو كَانَ متركباً لَكَانَ وَقد قُلْنَا إِنَّه أول لم يتقدمه شَيْء فَإِذن لَيْسَ بمركب وَلَا متكثر. والأوصاف الَّتِي يثبتها لَهُ من يثبتها لَيْسَ تَخْلُو من أَن تكون قديمَة مَعَه أَو محدثة بعده. وَلَو كَانَت قديمَة مَعَه مَوْجُودَة بِوُجُودِهِ لَكَانَ هُنَاكَ كَثْرَة وَلَو كَانَت كَثْرَة لكَانَتْ - لَا محَالة - متركبة من آحَاد. وَلَو كَانَت الْآحَاد مُتَقَدّمَة أَو الْوحدَة - سِيمَا الَّتِي تركبت مِنْهَا الْآحَاد - وَالْكَثْرَة مُتَقَدّمَة، لم

стр. 283

يكن أَولا وَقد قُلْنَا إِنَّه أول. وَلَو كَانَت أَوْصَافه بعده لَكَانَ خَالِيا مِنْهَا فِيمَا لم يزل وخلصت لَهُ الْوحدَة. وَإِنَّمَا حدث لَهُ مَا حدث عَن سَبَب وَعلة - تَعَالَى الله وَجل عَمَّا يَقُولُونَ المبطلون - وَقد قُلْنَا إِنَّه لَا سَبَب لَهُ وَلَا عِلّة. وَأما أطلاقنا مَا نطلقه عَلَيْهِ من الْجُود وَالْقُدْرَة وَسَائِر الصِّفَات فَلِأَن الْعقل إِذا قسم الشَّيْء إِلَى الْإِيجَاب وَالسَّلب أَو إِلَى الْحسن والقبيح أَو إِلَى الْوُجُود والعدم - وَجب أَن ينظر فِي كل طرفين فينسب الْأَفْضَل مِنْهُمَا إِلَيْهِ إِن كُنَّا لَا محَالة مشيرين إِلَيْهِ بِوَصْف مثلا كأنا سمعنَا بِالْقُدْرَةِ وَالْعجز وهما طرفان فَوَجَدنَا أَحدهمَا مدحاً وَالْآخر ذماً فَوَجَبَ أَن ننسب إِلَيْهِ مَا هُوَ مدح عندنَا. وَمَعَ ذَلِك فَيَنْبَغِي أَلا نقيس على هَذَا الْقدر أَيْضا إِلَّا إِذا كَانَ مَعنا رخصَة فِي شَرِيعَة أَو إِطْلَاق فِي كتاب منزل لئلانبتدع لَهُ من عندنَا مَا لم تجربه سنة أَو فَرِيضَة ونحذر كل الحذر من الْإِقْدَام على هَذِه الْأُمُور. ولأنا ضمنا ترك الإطالة فِي جَمِيع أجوبة هَذِه الْمسَائِل فلنقتصر على هَذَا النبذ. وَمن أَرَادَ الإطالة والتوسع فِيهِ فليقرأه من مَوْضِعه الْخَاص بِهِ من كتَابنَا الَّذِي سميناه الْفَوْز أَو من كتب غَيرنَا المصنفة فِي هَذَا الْمَعْنى إِن شَاءَ الله.

стр. 284

(مَسْأَلَة لم صَار الْإِنْسَان فِي حفظ الصَّوَاب أنفذ مِنْهُ فِي حفظ الْخَطَأ) شَاهد هَذَا أَنَّك لَو سمت الغفل أَن يتَعَلَّم الْأَدَب ويعتاد الصَّوَاب فِي اللَّفْظ كَانَ أُخْرَى بذلك وأجرأ عَلَيْهِ من قَاض أَو عدل أَو أديب عَالم تسوم وَاحِدًا مِنْهُم ان يتخلق بِخلق بعض الْعَامَّة أَو يَقْتَدِي بِلَفْظِهِ فِي خطابه وفساده وَلِهَذَا تَجِد مائَة ينشدونك لأبي تَمام والبحتري وَلَا تَجِد ثَلَاثَة ينشدونك للطرمي وَأبي العبر.

стр. 285

الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن الصَّوَاب شَيْء وَاحِد وَله سمت يُشِير إِلَيْهِ فَأَما الانحراف عَن ذَلِك السمت وَالْخَطَأ فِيهِ وَعنهُ فَأمر لَا نِهَايَة لَهُ فَلذَلِك لَا يُمكن ضَبطه. وَإِن انحرف عَنهُ منحرف فَإِنَّمَا يكون ذَلِك مِنْهُ كَمَا جَاءَ وَاتفقَ لَا بِإِشَارَة من فهم وَلَا دَلِيل من عقل. وَحفظ مثل هَذَا عسير جدا إِذْ كَانَ الْحِفْظ إِنَّمَا هُوَ تذكر لصورة قيدها الْعقل وَتلك الصُّورَة هِيَ مُقْتَضى الْعقل أَو رسم من رسوم قوى الْعقل. فالإنسان معَان على هَذَا الرَّسْم بالفطرة وَمَعَان على تذكره - أَيْضا - بالفطرة. فَأَما الْعُدُول عَنهُ فَهُوَ كالعدول عَن نقطة الدائرة الَّتِي تسمى مركزاً فَإِن النقطة فِي الدائرة - الَّتِي لَيست مركزاً - هِيَ كَثِيرَة بِلَا نِهَايَة وَإِنَّمَا المحدودة مِنْهَا على نقطة وَاحِدَة أَعنِي الَّتِي بعْدهَا من جَمِيع مُحِيط الدائرة بالسَّواء.
следующие страницы →