٢١٤ - اختلافهم في منكر ونكير ؟
واختلفوا في منكر ونكير هل يأتيان الإنسان في قبره؟
١ - فأنكر ذلك كثير من أهل الأهواء.
٢ - وثبته أهل الاستقامة.
стр. 667
٢١٥ - قولهم في الشفاعة ؟
واختلفوا في شفاعة رسول الله ﷺ : هل هي لأهل الكبائر؟:
١ - فأنكرت المعتزلة ذلك وقالت بإبطاله.
٢ - وقال بعضهم: الشفاعة من النبي ﷺ للمؤمنين أن يزادوا في منازلهم من باب التفضيل.
٣ - وقال "أهل السنة والاستقامة" بشفاعة رسول الله ﷺ لأهل الكبائر من أمته.
стр. 668
٢١٦ - اختلافهم في تخليد الفساق في النار ؟
واختلفوا في تخليد الفساق في النار:
١ - فقالت المعتزلة الخوارج بتخليدهم, وإن من دخل النار لا يخرج منها.
٢ - وقال "أهل السنة والاستقامة": إن الله يخرج أهل القبلة الموحدين من النار ولا يخلدهم فيها.
стр. 669
٢١٧ - اختلافهم في بقاء نعيم الجنة وعذاب النار ؟
القول في دوام نعيم أهل الجنة ودوام عذاب أهل النار:
١ - أجمع أهل الإسلام جميعاً إلا الجهم أن نعيم أهل الجنة دائم لا انقطاع له وكذلك عذاب الكفار في النار.
٢ - وقال جهم بن صفوان: إن الجنة والنار تفنين وتبيدان ويفنى من فيهما حتى لا يبقى إلا الله وحده كما كان وحده لا شيء معه.
٣ - وقال أبو الهذيل: بانقطاع حركات أهل الجنة والنار وأنهم يسكنون سكوناً دائماً.
٤ - وقال قوم: إن أهل الجنة ينعمون فيها وأن أهل النار ينعمون فيها بمنزلة دود الخل يتلذذ بالخل ودود العسل يتلذذ بالعسل؟ وهم البطيخية.
стр. 670
٢١٨ - هل الجنة والنار مخلوقتان ؟
واختلفوا في الجنة والنار: أخلقتا أم لا؟
١ - فقال أهل السنة والاستقامة: هما مخلوقتان.
٢ - وقال كثير من أهل البدع: لم تخلقا.
стр. 671
٢١٩ - هل [الجنة والنار] تفنيان ؟
واختلفوا: هل تفنيان إذا أفنى الله الأشياء؟
١ - فثبت ذلك قوم.
٢ - وأنكره آخرون.
стр. 672
٢٢٠ - قولهم في الإرجاء
واختلفوا في الإرجاء: هل يجوز أن يتعبد الله - سبحانه - به؟
١ - فأجاز ذلك قوم.
٢ - وأنكره آخرون.
стр. 673
٢٢١ - الصغائر
واختلفوا في الصغائر: هل كان يجوز أن يأتي فيها وعيد؟
١ - فأجاز ذلك أبو الهذيل وغيره.
٢ - وقال قائلون: لم يكن يجوز أن يأتي فيها وعيد لأنها مغفورة باجتناب الكبائر باستحقاق.
стр. 674
٢٢٢ - هل يجوز العفو عن الكبائر ؟
واختلفوا: هل كان يجوز أن يعفو عن الكبائر لولا الإخبار؟
١ - فأجاز ذلك قوم.
٢ - وأنكره آخرون.
стр. 675
٢٢٣ - بأي شيء تغفر الصغائر ؟
واختلفوا في غفران الصغائر بأي شيء هو؟
١ - فقال قائلون: يغفرها الله - سبحانه - تفضلاً بغير توبة.
٢ - وقال قائلون: يغفرها لمجتنبي الكبائر باستحقاق.
٣ - وقال قوم: لا يغفرها إلا بالتوبة وقد ذكرنا اختلافهم قبل هذا في ماهية الصغائر.
стр. 676
٢٢٤ - مايقع سهوا أو خطأ هل يكون معصية ؟
واختلفوا فيما يقع من الإنسان على طريق السهو والخطأ هل يكون معصية؟
١ - فقال قائلون: قد يكون ذلك معصية.
٢ - وقال قائلون: لا يكون ذلك معصية إلا أن يقع بقصده.
стр. 677
٢٢٥ - قولهم في وجوب التوبة
واختلفوا في وجوب التوبة
١ - فقال قائلون: التوبة من المعاصي فريضة.
٢ - وأنكر ذلك آخرون.
стр. 678
٢٢٦ - قولهم في إكفار المتأولين
واختلف الناس في إكفار المتأولين وتفسيقهم:
١ - فحكى زرقان أن المرجئة كلها لا تفسق أهل التأويل لأنهم تأولوا فأخطئوا وهذا غلط منه في الحكاية لأن الأكثر من المرجئة يقولون: كل
стр. 679
معصية فسق ويفسقون الخوارج بسفكهم الدماء وسبيهم النساء وأخذ الأموال وإن كانوا متأولين فكيف يحكى عنهم أنهم لا يفسقون أحداً من المتأولين.
٢ - وزعم أكثر المرجئة أنهم لا يكفرون أحداً من المتأولين ولا يكفرون إلا من أجمعت الأمة على إكفاره.
٣ - وزعم الجهم أنه لا كفر إلا الجهل ولا كافر إلا جاهل بالله - سبحانه - وأن قول القائل: ثلاث ثلاثة ليس بكفر ولا يظهر إلا من كافر لأننا وقفنا على أن من قال ذلك فكافر.
٤ - وقال أكثر المرجئة: كل مرتكب معصية بتأويل أو بغير تأويل فهو فاسق.
٥ - وزعم أبو شمر أن المعرفة بالله وبما جاء من عنده والإقرار بذلك ومعرفة التوحيد والعدل - يعني قوله في القدر لأنه كان قدرياً - ما كان من ذلك منصوصاً عليه أو مستخرجاً بالعقول مما فيه إثبات عدل الله - سبحانه - ونفي التشبيه عنه كل ذلك إيمان والشاك فيه كافر.
٦ - وقال أبو الهذيل: من شبه الله - سبحانه - بخلقه أو جوره في حكمه أو كذبه في خبره فهو كافر.
стр. 680
٢٢٧ - هل يعد خلاف أهل الأهواء خلافا ؟
واختلف الناس: هل يعد خلاف أهل الأهواء إذا خالفوا في الأحكام خلافاً؟
١ - فقال قائلون أنهم يكونون خلافا. ً
٢ - وقال قائلون: لا يكونون خلافاً.
стр. 681
٢٢٨ - مانصنع إذا اختلفت الأمة ثم أجمعت
واختلفوا في الأمة تختلف في الشيء في وقت وتجتمع عليه بعد الإختلاف.
١ - فقال قائلون: جائز أن نأخذ بالأمر الأول إذا كان مردوداً إلى أصل وجائز أن نأخذ بالإجماع.
٢ - وقال قائلون: نأخذ بما أجمعوا عليه.
стр. 682
٢٢٩ - هل يجوز الإجماع على ما يختلف في مثله ؟
واختلفوا في الأمة هل يجوز أن تجتمع على أمر تختلف في مثله أم لا؟
١ - فقال أكثر الناس: ذلك جائز.
٢ - وقال عباد: لا يجوز أن تجمع الأمة على أمر تختلف في مثله كما لا يجوز أن تجتمع على شيء تختلف فيه.
стр. 683
٢٣٠ - هل يكون النسخ في الأخبار ؟
واختلف الناس في الناسخ والمنسوخ: هل يجوز أن يكون في الأخبار ناسخ ومنسوخ أم لا يجوز ذلك؟
١ - فقال قائلون: الناسخ والمنسوخ في الأمر والنهي.
٢ - وغلت الروافض في ذلك حتى زعمت أن الله - سبحانه - يخبر بالشيء ثم يبدو له فيه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً!
стр. 684
٢٣١ - هل تنسخ السنة بالقرآن ؟
واختلفوا في القرآن: هل ينسخ بالسنة أم لا؟ على ثلاث مقالات:
١ - فقال قائلون: لا ينسخ القرآن إلا قرآن وأبوا أن تنسخه السنة.
٢ - وقال قائلون: السنة تنسخ القرآن والقرآن لا ينسخها.
٣ - وقال قائلون: القرآن ينسخ السنة والسنة تنسخ القرآن.
стр. 685
٢٣٢ - هل يكون لفظ: افعلوا أمرا بظاهره ؟
واختلفوا هل يكون قول الله : ﴿وَافْعَلُوا﴾ أمراً بنفس ظاهره أم لا؟
١ - فثبت ذلك مثبتون.
٢ - وقال قائلون: لا حتى يدل على أنه فرض ذلك الشيء.
стр. 686
٢٣٣ - من يجوز له أن يجتهد ؟
القول فيمن له أن يجتهد:
١ - قال أهل الاجتهاد: لا يجوز الاجتهاد إلا لمن علم ما أنزل الله في كتابه من الأحكام وعلم السنن وما أجمع عليه المسلمون حتى يعرف الأشياء والنظائر ويرد الفروع إلى الأصول.
وقالوا في المستفتي: إن له أن يفتي فيقلد بعض المفتين.
٢ - وقال بعض أهل القياس: ليس للمستفتي أن يقلد وعليه أن ينظر ويسأل عن الدليل والعلة حتى يستدل بالدليل ويتضح له الحق.
стр. 687
٢٣٤ - هل يكون ما علم بالاجتهاد دينا ؟
القول فيما يعلم بالاجتهاد: هل يكون دينا؟ ً
١ - قال قائلون: هو دين.
٢ - وقال قائلون: ليس بدين.
стр. 688
٢٣٥ - قولهم في حد البلوغ
واختلف الناس في البلوغ؟
١ - فقال قائلون: لا يكون البلوغ إلا بكمال العقل, ووصفوا العقل فقالوا: منه
стр. 689
علم الاضطرار الذي يفرق الإنسان به بين نفسه وبين الحمار وبين السماء وبين الأرض وما أشبه ذلك ومنه القوة على اكتساب العلم.
وزعموا أن العقل الحس نسميه عقلاً بمعنى أنه معقول وهذا قول أبي الهذيل.
٢ - وقال قائلون: البلوغ هو تكامل العقل والعقل عندهم هو العلم وإنما سمي عقلاً لأن الإنسان يمنع نفسه به عما لا يمنع المجنون نفسه عنه وأن ذلك مأخوذ من عقال البعير وإنما سمي عقاله عقالاً لأنه يمنع به.
وزعم صاحب هذا القول أن هذه العلوم كثيرة منها اضطرار وأنه قد يمكن أن يدركه الإنسان قبل تكامل العقل فيه بامتحان الأشياء واختبارها والنظر فيها وفي بعض ما هو داخل في جملة العقل كنحو تفكر الإنسان إذا شاهد الفيل أنه لا يدخل في خرق إبرة بحضرته فنظر في ذلك وفكر فيه حتى علم أنه يستحيل دخوله في خرق إبرة وإن لم يكن بحضرته فإذا تكاملت هذه العلوم في الإنسان كان بالغاً ومن لم يمتحن الأشياء فجائز أن يكمل الله - سبحانه - له العقل ويخلقه فيه ضرورة فيكون بالغاً كامل العقل مأموراً مكلفاً.
ومنع صاحب هذا القول أن تكون القوة على اكتساب العلم عقلاً غير أنه وإن لم تكن عنده عقلاً فليس بجائز أن يكلف الإنسان حتى يتكامل عقله ويكون مع تكامل عقله قوياً على اكتساب العلم بالله.
وزعم صاحب هذا القول أنه لا يجب على الإنسان التكليف ولا يكون كامل العقل ولا يكون بالغاً إلا وهو مضطر إلى العلم بحسن النظر وأن التكليف لا يلزمه حتى يخطر بباله أنك لا تأمن إن لم تنظر أن يكون للأشياء صانع يعاقبك بترك النظر أو ما يقوم مقام هذا الخاطر من قول ملك أو رسول أو ما أشبه ذلك فحينئذ يلزمه التكليف ويجب عليه النظر والقائل بهذا القول محمد بن عبد الوهاب الجبائي.
٣ - وقال قائلون: لا يكون الإنسان بالغاً كاملاً داخلاً في حد التكليف إلا مع الخاطر والتنبيه وأنه لا بد في العلوم التي في الإنسان والقوة التي فيه على اكتساب العلوم من خاطر وتنبيه وإن لم يكن مضطراً إلى العلم بحسن النظر وهذا قول بعض البغداديين.
٤ - وقال قائلون: لا يكون الإنسان بالغاً إلا بأن يضطر إلى علوم الدين فمن اضطر إلى العلم بالله وبرسله وكتبه فالتكليف له لازم والأمر عليه واجب
стр. 690
ومن لم يضطر إلى ذلك فليس عليه تكليف وهو بمنزلة الأطفال وهذا قول ثمامة بن أشرس النميري.
٥ - وأكثر المتكلمين متفقون على أن البلوغ كمال العقل.
٦ - وقال كثير من المتفقهة: لا يكون الإنسان بالغاً إلا بأحد شيئين إما أن يبلغ الحلم مع سلامة العقل أو تأتي عليه خمس عشرة سنة وذهب ذاهبون إلى سبع عشرة سنة.
٧ - وقد شذ عن جملة الناس شاذون فقالوا: لا يكون الإنسان بالغاً ولو أتت عليه ثلاثون سنة وأكثر منها مع سلامة العقل حتى يحتلم.
стр. 691
اختلاف الناس في الأسماء والصفات
وهذا ذكر اختلاف الناس في الأسماء والصفات:
الحمد لله الذي بصرنا خطأ المخطئين وعمى العمين وحيرة المتحيرين الذين نفوا صفات رب العالمين وقالوا أن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه لا صفات له وأنه لا علم له ولا قدرة ولا حياة له ولا سمع له ولا بصر له ولا عز له ولا جلال له ولا عظمة له ولا كبرياء له وكذلك قالوا في سائر صفات الله التي يوصف بها لنفسه وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعاً لم يزل ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير ولا قديم وعبروا عنه بأن قالوا: نقول عين لم يزل ولم يزيدوا على ذلك غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره فأظهروا معناه بنفيهم أن يكون للبارئ علم وقدرة وحياة وسمع وبصر ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره من ذلك ولأفصحوا به غير أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك.
وقد أفصح بذلك رجل يعرف بابن الإيادي كان ينتحل قولهم فزعم أن البارئ - سبحانه - عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة.
ومنهم رجل يعرف بعباد بن سليمان يزعم أن البارئ عالم قادر سميع بصير حكيم جليل في حقيقة القياس.
стр. 692
٢٣٦ - هل الصفات هي الله تعالى ؟
وقد اختلفوا فيما بينهم اختلافاً تشتتت فيه أهواؤهم واضطربت فيه أقاويلهم:
١ - فقال شيخهم أبو الهذيل العلاف: إن علم البارئ - سبحانه - هو هو
стр. 693
وكذلك قدرته وسمعه وبصره وحكمته وكذلك كان قوله في سائر صفات ذاته.
وكان يزعم أنه إذا زعم أن البارئ عالم فقد ثبت علماً هو الله ونفى عن الله جهلاً ودل على معلوم كان أو يكون.
وإذا قال أن البارئ قادر فقد ثبت قدرة هي الله ونفى عن الله عجزاً ودل على مقدور يكون أو لا يكون وكذلك كان قوله في سائر صفات الذات على هذا الترتيب.
وكان إذا قيل له: حدثنا عن علم الله - سبحانه - الذي هو الله أتزعم أنه قدرته أبى ذلك فإذا قيل له: فهو غير قدرته أنكر ذلك وهذا نظير ما أنكره من قول مخالفيه: إن علم الله لا يقال هو الله ولا يقال غيره. وكان إذا قيل له: إذا قلت: إن علم الله هو الله فقل أن الله تعالى علم ناقض ولم يقل أنه علم مع قوله أن علم الله هو الله.
وكان يسأل الثنوية فيقول لهم: إذا قلتم إن تباين النور والظلمة هو هما وأن امتزاجهما هو هما فقولوا: إن التباين هو الامتزاج.
وكان يسأل من يزعم أن طول الشيء هو هو وكذلك عرضه: هل طوله هو عرضه؟ وهذا راجع عليه في قوله: إن علم الله هو الله وأن قدرته هي هو لأنه إذا كان علمه هو هو وقدرته هي هو فواجب أن يكون علمه هو قدرته وإلا لزم التناقض كما لزم أصحاب الاثنين.
وهذا أخذه أبو الهذيل عن أرسطاطاليس وذلك أن أرسطاطاليس قال في بعض كتبه أن البارئ علم كله قدرة كله حياة كله سمع كله بصر كله فحسن اللفظ عند نفسه وقال: علمه هو هو وقدرته هي هو.
وكان يقول أن لمقدورات الله ومعلوماته مما يكون ومما لا يكون كلاً وغاية وجميعاً كما أن لما كان كلاً وجميعاً وأن أهل الجنة تنقطع حركاتهم فيسكنون سكوناً دائماً لا يتحركون وكان يقول بانقطاع الأكل والشرب والنكاح.
وكان أبو الهذيل إذا قيل له: أتقول أن لله عالماً قال: أقول أن له علماً هو هو وأنه عالم بعلم هو هو وكذلك كان قوله في سائر صفات الذات فنفى أبو الهذيل العلم من حيث أوهم أنه ثبته وذلك أنه لم يثبت إلا البارئ فقط.
وكان يقول: معنى أن الله عالم معنى أنه قادر ومعنى أنه حي أنه قادر وهذا له لازم إذا كان لا يثبت للبارئ صفات لا هي هو ولا يثبت إلا البارئ فقط.
стр. 694
وكان إذا قيل له: فلم اختلفت الصفات فقيل عالم وقيل قادر وقيل حي قال: لاختلاف المعلوم والمقدور.
وحكى عنه جعفر بن حرب أنه كان لا يقول أن الله - سبحانه - لم يزل سميعاً ولا بصيراً لا على أن يسمع ويبصر لأن ذلك يقتضي وجود المسموع والمبصر.
٢ - فأما النظام فإنه كان ينفي العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وصفات الذات ويقول: إن الله لم يزل عالماً حياً قادراً سميعاً بصيراً قديماً بنفسه لا بعلم وقدرة وحياة وسمع وبصر وقدم وكذلك قوله في سائر صفات الذات.
وكان يقول: إذا ثبت البارئ عالماً قادراً حياً سميعاً بصيراً قديماً أثبت ذاته وأنفي عنه الجهل والعجز والموت والصمم والعمى وكذلك قوله في سائر صفات الذات على هذا الترتيب.
فإذا قيل له: فلم اختلف القول عالم والقول قادر والقول حي وأنت لا تثبت إلا الذات فما أنكرت أن يكون معنى عالم معنى قادر ومعنى حي قال: لاختلاف الأشياء المتضادات المنفية عنه من الجهل والعجز والموت فلم يجب أن يكون معنى عالم معنى قادر ولا معنى عالم معنى حي.
وكان يقول: إن قولي: عالم قادر سميع بصير إنما هو إيجاب التسمية ونفي المضاد.
وكان إذا قيل له: تقول إن لله علماً؟ قال: أقول ذلك توسعاً وأرجع إلى تثبيته عالماً وكذلك أقول: لله قدرة وأرجع إلى إثباته قادراً.
وكان لا يقول: له حياة وسمع وبصر لأن الله - سبحانه - أطلق العلم فقال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] وأطلق القوة فقال: ﴿أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] ولم يطلق الحياة والسمع والبصر.
وكان يقول: إن الإنسان حي قادر بنفسه لا بحياة وقدرة كما يقول في البارئ - سبحانه - ويقول: إنه عالم بعلم وأنه قد يدخل في الإنسان آفة فيصير عاجزاً ويدخل عليه آفة فيصير ميتاً.
٣ - وأما ضرار بن عمرو فكان يقول: أذهب من قولي أن الله - سبحانه - عالم إلى نفي الجهل ومن قولي قادر إلى نفي العجز وهو قول عامة المثبتة.
٤ - وأما معمر فحكى عنه محمد بن عيسى السيرافي النظامي أنه كان يقول: إن البارئ عالم بعلم وأن علمه كان علماً له لمعنى وكان المعنى لمعنى لا إلى
стр. 695
غاية وكذلك قوله في سائر صفات الذات فقال في الله بالمعاني وأنه عالم لمعان لا نهاية لها قادر حي سميع بصير لمعان لا غاية لها أخبرني بذلك عن محمد بن عيسى أبو عمر الفراتي.
٥ - وقال هشام بن عمرو الفوطي أن الله لم يزل عالماً قادراً حياً وكان إذا قيل له: أتقول أن الله لم يزل عالماً بالأشياء أنكر ذلك وقال: أقول أنه لم يزل عالماً أنه واحد ولا أقول بالأشياء لأن قولي بالأشياء إثبات أنها لم تزل وقولي أيضاً بأن ستكون الأشياء إشارة إليها ولا يجوز أن أشير إلا إلى موجود.
وكان يقول: إن ما عدم وتقضى شيء ولا أقول أن ما لم يكن ولك يوجد شيء.
وكان لا يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل ولا يقول: إن الله يعذب بالنار.
وهذه العلة التي اعتل بها هشام في العلم أخذها عن بعض الأزلية لأن بعض الأزلية يثبت قدم الأشياء مع بارئها وقالوا: قولنا لم يزل الله عالماً بالأشياء يوجب أن تكون الأشياء لم تزل فلذلك قلنا بقدمها فقال الفوطي: لما استحال قدم الأشياء لم يجز أن يقال لم يزل عالماً بها وكان لا يثبت لله علماً ولا قدرة ولا حياة ولا سمعاً ولا بصراً ولا شيئاً من صفات الذات.
٦ - وأنكر أكثر الروافض أن يكون الله - سبحانه - لم يزل عالماً وكانت أقيس لقولها من الفوطي فقالت بحدث العلم.
٧ - وقالت عامة الروافض إلا شرذمة قليلة: إن الله - سبحانه - لا يعلم ما يكون قبل أن يكون.
٨ - وفريق منهم يقولون: لا يعلم الشيء حتى يؤثر أثره والتأثير عندهم الإرادة فإذا أراد الشيء علمه وإذا لم يرده لم يعلمه ومعنى أنه أراد عندهم تحرك حركة فإذا تحرك تلك الحركة علم الشيء وإلا لم يجز الوصف له بأنه عالم به وزعموا أنه لا يوصف بالعلم بما لا يكون.
٩ - وفريق منهم يقولون: لا يعلم الله الشيء حتى يحدث له إرادة فإذا أحدث له الإرادة لأن يكون كان عالماً بأنه يكون وإن أحدث الإرادة لأن لا يكون كان عالماً بأنه لا يكون وإن لم يحدث الإرادة لأن لا يكون ولا لأن يكون لم يكن عالماً بأنه يكون ولا عالماً بأنه لا يكون.
١٠ - ومنهم من يقول: معنى يعلم هو معنى يفعل فإن قلت لهم: تقولون أنه لم
стр. 696
يزل عالماً بنفسه؟ اختلفوا, فمنهم من يقول: لم يكن يعلم نفسه حتى خلق العلم لأنه قد كان ولما يفعل ومنهم من يقول: لم يزل يعلم نفسه فإن قلت لهم: فلم يزل يفعل؟ قالوا: نعم ولا نقول يقدم الفعل.
١١ - ومنهم من يقول: العلم صفة لله - سبحانه - في ذاته وأنه عالم في نفسه غير أنه لا يوصف بأنه عالم حتى يكون الشيء فإذا كان قيل: عالم به وما لم يكن الشيء لم يوصف بأنه عالم به لأن الشيء ليس وليس يصح العلم بما ليس وهذا قول يحكى عن السكاكية.
١٢ - وفريق يقولون: لم يزل الله عالماً والعلم صفة له في ذاته ولا يوصف بأنه عالم بالشيء حتى يكون كما أن الإنسان موصوف بالبصر والسمع ولا يقال أنه بصير بالشيء حتى يلاقيه الشيء ولا سميع له حتى يرد على سمعه وكما يقال عاقل ولا يقال عقل الشيء ما لم يرد عليه.
١٣ - وحكى الجاحظ أن هشام بن الحكم قال: إن الله - سبحانه - إنما علم ما تحت الثرى بالشعاع المنفصل منه الذاهب في عمق الأرض فلولا ملامسته لما هناك بشعاعه لما درى ما هناك فزعم أن بعضه مشوب وهو شعاعه وأن الشوب محال على بعضه.
١٤ - وطائفة يقولون: أن معبودهم لا يوصف بأنه لم يزل قادراً ولا إلهاً ولا رباً ولا عالماً ولا سميعاً ولا بصيراً حتى يحدث الأشياء لأن الأشياء التي كانت قبل أن تكون ليست بشيء ولن يجوز أن يوصف بالقدرة على غير شيء.
١٥ - وحكى حاك أن قائلا من المشبهة: إن البارئ لم يزل حيا ثم صار حيا.
١٦ - وعامة الروافض يصفون معبودهم بالبداء ويزعمون لأنه تبدو له البدوات ويقول بعضهم: قد يأمر ثم يبدو له وقد يريد أن يفعل الشيء في وقت من الأوقات ثم لا يفعله لما يحدث له من البداء وليس على معنى النسخ ولكن على معنى أنه لم يكن في الوقت الأول عالماً بما يحدث له من البداء.
١٧ - وسمعت شيخاً من مشايخ الرافضة وهو الحسن بن محمد بن جمهور يقول: ما علمه الله - سبحانه - أن يكون ولم يطلع عليه أحداً من خلقه فجائز أن يبدو له فيه وما اطلع عليه عباده فلا يجوز أن يبدو له فيه.
١٨ - وقالت طائفة: أن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون إلا أعمال العباد فإنه لا يعلمها إلا في حال كونها لأنه لو علم من يعصي ممن يطيع حال بين العاصي وبين المعصية.
стр. 697
١٩ - وقالت طائفة من المعتزلة: إن الوصف لله بأنه سميع من صفات الذات غير أنه لا يقال يسمع الشيء في حال كونه وقد ذهب إلى هذا القول محمد بن عبد الوهاب الجبائي وزعم أنه يقال: إن الله لم يزل سميعاً ولا يقال: لم يزل سامعاً ولا يقال: لم يزل يسمع فيلزمه إذا لم يقل البارئ لم يزل سامعاً أن يقول: لم يزل لا سامعاً وإذا لم يقل: لم يزل يسمع أن يقول: لم يزل لا يسمع وإذا لم يقل: لم يزل مبصراً مدركاً أن يقول: لم يزل لا مبصراً ولا مدركاً كما ألزم من لم يقل أن الله لم يزل عالماً أن يقول: لم يزل لا عالما.
وكذلك يلزم عباداً في إنكاره القول: إن الله لم يزل سميعاً بصيراً أن يقول: إن الله غير سميع ولا بصير كما ألزم من لم يقل: إن الله لم يزل عالماً قادراً أن يقول: لم يزل غير عالم ولا قادر.
ويقال له: أليس لا تقول: إن الله لم يزل سميعاً ولا تلزم نفسك أن يكون له سمع محدث؟ فما الذي تنفصل به من مخالفيك إذا أنكروا القول: إن القديم لم يزل عالماً ولم يقولوا: إنه ذو علم محدث؟
٢٠ - وقال شيطان الطاق وكثير من الروافض: أن الله عالم في نفسه ليس بجاهل ولكنه إنما يعلم الأشياء إذا قدرها وأرادها فأما من قبل أن يقدرها ويريدها فمحال أن يعلمها لا لأنه ليس بعالم ولكن الشيء لا يكون شيئاً حتى يقدره وينشئه بالتقدير والتقدير عندهم الإرادة.
٢١ - وحكى أبو القاسم البلخي عن هشام بن الحكم أنه كان يقول: محال أن يكون الله لم يزل عالماً بنفسه وأنه إنما يعلم الأشياء بعد أن لم يكن بها عالماً وأنه يعلمها بعلم وأن العلم صفة له ليست هي هو ولا غيره ولا بعضه ولا يجوز أن يقال في العلم: إنه محدث أو قديم لأنه صفة والصفة عنده لا توصف. قال: ولو كان لم يزل عالماً لكان المعلوم لم يزل لأنه لا يصح عالم إلا بمعلوم موجود.
قال: ولو كان عالماً بما يفعله عباده لم يصح المحنة والاختبار.
وليس قول هشام في القدرة والحياة قوله في العلم إلا أنه لا يقول بحدثهما ولكنه يزعم أنهما صفتان لله لا هما الله ولا هما غيره ولا هما بعضه وإنما نفى أن يكون عالماً لما ذكرناه وحكى حاك أن قول هشام في القدرة كقوله في العلم.
стр. 698
٢٢ - وقال جهم: إن علم الله محدث هو أحدثه فعلم به وأنه غير الله وقد يجوز عنده أن الله يكون عالماً بالأشياء كلها قبل وجودها بعلم يحدثه قبلها.
وحكى عنه حاك خلاف هذا فزعم أن الذي بلغه عنه أنه كان يقول: إن الله يعلم الشيء في حال حدوثه ومحال أن يكون الشيء معلوماً وهو معدوم لأن الشيء عنده هو الجسم الموجود وما ليس بموجود فليس بشيء فيعلم أو يجهل فألزمه مخالفوه أن لله علماً محدثاً إذ زعم أن الله قد كان غير عالم ثم علم ويجب على أصله أن يقول في القدرة والحياة كقوله في العلم.
стр. 699
٢٣٧ - اختلاف آخر لهم في العلم
واختلفوا في العلم من وجه آخر
١ - فقال كثير منهم: إن الله لم يزل عالماً أنه يعذب الكافر إن لم يتب وأنه لا يعذبه إن تاب.
٢ - وأنكر ذلك هشام الفوطي ومن ذهب مذهبه وعباد ومن قال بقوله فقال هؤلاء: لا يجوز لما فيه من الشرط والله تعالى لا يوصف بأنه يعلم على شرط والشرط في المعلوم لا في العالم.
٣ - وكان عباد بن سليمان صاحب الفوطي يقول: إن الله لم يزل عالماً قادراً حياً وأنه لم يزل عالماً بمعلومات قادراً على مقدورات عالماً بأشياء وجواهر وأعراض وأفعال.
فإذا قيل له: تقول: إن الله لم يزل عالماً بالمخلوقات وبالأجسام وبالمؤلفات؟ أنكر ذلك.
وكان يقول: أن الأشياء أشياء قبل كونها وأن الجواهر جواهر قبل كونها وأن الأعراض أعراض قبل كونها والمخلوقات كانت بعد أن لم تكن ولا أن حقيقته أنه لم يكن ثم كان كما يقول سائر الناس وكان يأبى ذلك ويقول أن حقيقة المحدث أنه مفعول.
وكان إذا قيل له: تقول: إن البارئ عالم بنفسه أو يعلم؟ أنكر القول بنفسه أو بعلم وقال: قولكم عالم صواب وقولكم بنفسه خطأ وقولكم بعلم خطأ وكلك القول بذاته خطأ.
стр. 700
وكان ينكر قول من قال: إن لله وجهاً وينكر القول وجه الله ونفس الله وينكر القول ذات الله وينكر أن يكون الله ذا عين وأن يكون له يدان هما يداه.
وكان يقول: إن الله غير لا كالأغيار ولا يقول إنه معنى.
وكان إذا قيل له: تقول: إن الله عالم قادر حي سميع بصير عزيز عظيم جليل في حقيقة القياس؟ أنكر ذلك ولم يقله.
وكان لا يقول: أن البارئ قبل الأشياء ولا يقول: إنه أول الأشياء ولا يقول أن الأشياء كانت بعده.
وكان لا يقول: أن الله لطيف وحكى لي حاك أنه كان يطلق ذلك مقيداً فيقول لطيف بعباده.
وكان إذا قيل له: أتقول: إن لله علماً؟ قال: خطأ أن يقال: له علم وأنه ذو علم وأنه عالم بعلم فإذا قيل له: تقول: إنه لا علم لله؟ قال: خطأ أن يقال: لا علم له وكذلك في سائر ما سمي به البارئ.
وكان يقول: إن القديم لم يزل في حقيقة القياس لأن ما لم يزل فقديم والقديم لم يزل وليس يقال في حقيقة القياس لأن هذا يوجب أنه لا عالم قادر إلا هو.
وكان لا يقول: إن الله لم يزل سميعاً بصيراً ولا يقول: لم يزل السميع البصير ويقول: إن الله السميع البصير لم يزل ويقول: إن الله سميع بصير لم يزل.
وكان إذا سئل عن معنى القول: إن الله عالم قال: إثبات اسم لله - سبحانه - ومعه علم بمعلوم والقول: قادر إثبات اسم لله - سبحانه - ومعه على بمقدور والقول: سميع إثبات اسم لله ومعه علم بمسموع والقول: بصير إثبات اسم لله - سبحانه - ومعه علم بمبصر.
وكان لا يقول: إن له سمعاً, ولا يقول: إنه ذو سمع قديم ولا أنه ذو سمع محدث وكذلك جوابه إذا سئل عن القول: بصير ومعنى القول: حي إثبات اسم لله عنده ومعنى القول في الله: إنه قديم أنه لم يزل.
وكان يقول: معنى حي معنى قادر ولا معنى عالم معنى قادر ولا يقول: معنى سميع بصير معنى عالم بالمسموعات والمبصرات كما يقول ذلك البغداديون.
стр. 701
وكان يقول: إن صفات البارئ هي الأقوال كنحو القول: يعلم ويقدر ويسمع ويبصر وأن الأسماء هي الأقوال كنحو القول: عالم قادر حي سميع بصير وكان يقول: أسماء الله - سبحانه - ما أجمعت الأمة على تخطئة نافيه وكل اسم أجمعوا على تخطئة نافيه فهو من أسمائه كالقول: عالم أجمعت الأمة على تخطئة من قال: إن الله - سبحانه - ليس بعالم وكالقول قادر أجمعت الأمر على تخطئة من قال: ليس بقادر وكذلك سائر أسمائه وما لم يجمعوا على تخطئة نافيه فليس من أسمائه.
وكان عباد لا يقول: إن الله - سبحانه - متكلم ويقول: هو مكلم.
وكان لا يقول: أن البارئ لم يزل قادراً على أن يخلق ولا يقول: لم يزل قادراً على الأجسام والمخلوقات ولا يقول: إن البارئ لم يزل جواداً محسناً عادلاً ولا منعماً متفضلاً خالقاً مكلماً صادقاً مختاراً مريداً راضياً ساخطاً موالياً معادياً ويقول: هذه أسماء يسمى بها البارئ - سبحانه - لفعله.
وزعم أن الأسماء على وجوه منها ما يسمى به البارئ لا لفعله ولا لفعل غيره كالقول: عالم قادر حي سميع بصير قديم إله ومنها ما يسمى به لفعله كالقول خالق رازق بارئ متفضل محسن منعم ومنها ما يسمى به لفعل غيره كالقول معلوم ومدعو.
وكان إذا قيل له: فتقول: إن الله - سبحانه - لم يزل غير خالق وغير رازق وغير منعم وغير متفضل؟ أنكر ذلك ولم يقل لم يزل خالقاً ولم يقل: لم يزل غير خالق وقد حكي عنه أنه قال: لم يزل رحماناً.
وكان لا يستدل بالشاهد على الغائب ولا يستدل بالأفعال على أن البارئ عالم حي قادر وكان ينكر دلالة مجيء الشجرة وكلام الذئب وسائر الأعراض على نبوة رسول الله ﷺ ويقول: لا أقول ذلك يدل ولا أقول لا يدل وكان لا يستدل على البارئ بالأعراض.
وكان لا يقول: أن الله فرد وينكر القول بذلك وكان يقول ما حكينا عنه من أنه لا يستدل بالأعراض. وإذا قيل له: من كم وجه يعرف الحق قال: من كتاب الله وإجماع المسلمين وحجج العقول وهذا نقض قوله: لا أقول أن الأعراض تدل على الحق.
٤ - وكان الناشي لا يستدل بالأفعال المشتقة في الحكمة من البارئ على أن
стр. 702
فاعلها عالم قادر لأنها قد تظهر من الإنسان وليس بعالم في الحقيقة ولا قادر.
وكان يزعم أن البارئ عالم قادر سميع بصير حكيم عزيز عظيم جليل كبير في الحقيقة والإنسان يسمى بهذه الأسماء على المجاز.
وكان يقول: أن الاسم إذا وقع على المسميين لم يخل من أربعة أقسام: إما أن يكون وقع عليهما لاشتباه ذاتيهما كقولنا جوهر وجوهر وإما أن يكون وقع عليهما لاشتباه ما احتملته الذاتان كقولنا: متحرك ومتحرك وأسود وأسود أو يكون وقع عليهما لمضاف أضيفا إليه وميزا منه لولاه ما كانا كذلك كقولنا: محسوس ومحسوس ومحدث ومحدث أو يكون وقع عليهما وهو في أحدهما بالمجاز وفي الآخر بالحقيقة كقولنا للصندل المجتلب من معدنه: صندل وهو واقع عليه في الحقيقة وقولنا للإنسان صندل وهو تسمية له على المجاز.
قال: فإذا قلنا أن البارئ عالم والإنسان عالم والإنسان قادر والبارئ قادر وكذلك حي وحي فليس هذا واقعاً عليهما لاشتباه ذاتيهما ولا لاشتباه ما احتملته الذاتان ولا لمضاف أضيفا إليه وميزا منه وإنما يقع ذلك عليهما وهو في البارئ - سبحانه - بالحقيقة وفي الإنسان بالمجاز.
وكان يقول: إن البارئ - سبحانه - غير المحدثات في الحقيقة وهي غيره في الحقيقة وهذا نقض دليله هذا. وكان لا يقول أن الإنسان فاعل في الحقيقة ولا محدث في الحقيقة ولا يقول أن البارئ - سبحانه - أحدث كسبه وفعله.
٥ - وأما أبو الحسن محمد بن مسلم المعروف بالصالحي فإنه كان يقول: إن البارئ - سبحانه - لم يزل عالماً بمعلومات وأجسام مؤلفات ومخلوقات في أوقاتها ولم يزل يعلم موجوداً في وقت كذا ولم يزل عالماً بأن إذا كان وقت كذا فالمخلوق مخلوق فيه ولا يثبت المعلومات قبل كونها معلومات ولا مقدورات ولا أشياء قبل كونها.
وكان ينفي العلم والقدرة وسائر الصفات ويقول: معنى أن البارئ شيء لا كالأشياء أنه قادر لا كالقادرين ومعنى: إنه حي لا كالأحياء هو معنى أنه عالم لا كالعلماء وكذلك كان يقول في سائر الأسماء والصفات للذات وإنما هذا بمنزلة قول القائل أقبل وهلم وتعال والمعنى واحد.
٦ - وبلغني أن ابن النجراني كان يقول: لا معلوم إلا موجود فقيل له: فكيف
стр. 703
تقول في المقدور؟ فقال: لا أقول أن مقدوراً في الحقيقة لأنه كان يحيل القدرة على الموجود.
وكان الصالحي يقول: القدرة على الشيء في وقته وقبل وقته ومعه وكان يثبته مقدوراً موجوداً في حال كونه.
٧ - وكان ابن الراوندي يقول: إن المعلومات معلومات قبل كونها وأنه لا شيء إلا موجود وأن المأمور به والمنهي عنه وكذلك كل ما تعلق بغيره يوصف به الشيء قبل كونه وكل ما كان رجوعاً إلى نفس الشيء لم يسم ولم يوصف به قبل كونه.
وكان الصالحي يخطئ من قال: إذا ثبت الله عالماً نفيت جهلاً وإذا ثبته قادراً نفيت عجزاً.
وكان يجيز أن يقدر الله الميت فيفعل وهو ميت غير حي وإذا جاز أن يقدر منا من ليس بحي ويظهر الفعل منا ممن ليس بحي فقد بطلت دلالة أفعال البارئ على أنه حي وبطل أن يدل أنه حي على أنه قادر إذا جاز أن يقدر عنده من ليس بحي.
وبلغني أن سائلاً سأله مرة فقال: من أين علمت أن البارئ حي؟ فلم يأت بجواب مقنع وأن سائلاً سأله فقال: إذا كان معنى أسماء الله لذاته أنه شيء لا كالأشياء فهل يجوز أن يسمي نفسه جاهلاً بدلاً من تسميته عالماً واللغة بحالها إذا كان لا يرجع بقوله لا كالعلماء إلا إلى معنى أنه شيء لا كالأشياء؟ فأجاز ذلك فقال له: وكذلك يسمي نفسه عاجزاً ومواتاً ويسمي نفسه إنساناً ويسمي نفسه حماراً ويسمي نفسه فرساً ومعنى ذلك أنه لا كالأشياء؟ فأجاز ذلك نعوذ بالله من الخذلان المتهور ومن الحور بعد الكور١ ومن الكفر بعد الإيمان.
وبلغني أن أبا الحسين سأله سائل فقال له: إذا قلت أن البارئ متكلم بكلام في غيره فقل: يسكت بسكوت في غيره! فقال: كذلك أقول فوصف الله - سبحانه - بالسكوت.
٨ - وأما البغداديون فيقولون أن البارئ لم يزل عالماً كبيراً قادراً حياً سميعاً بصيراً إلهاً قديماً عزيزاً عظيماً غنياً جليلاً واحداً أحداً فرداً سيداً مالكاً رباً قاهراً رفيعاً عالياً كائناً موجوداً أولاً باقياً رائياً مدركاً سامعاً مبصراً بنفسه لا بعلم
стр. 704
وحياة وقدرة وسمع وبصر وإلهية وقدم وعزة وعظم ولا بجلال وكبرياء وعنى ولا سؤدد وقهر وربوبية وبقاء وكذلك سائر صفات الذات وهم ينفون صفات الذات أجمع ويقولون: البارئ شيء لا كالأشياء وأنه لم يزل عالماً بالأشياء قبل كونها أجسامها وأعراضها وأن الجسم جسم قبل كونه مؤلف قبل كونه.
٩ - وغلا بعضهم حتى قال: مؤمن في الصفة قبل كونه كافر في الصفة وأنه ملعون في الصفة ومثاب في الصفة ومعاقب في الصفة قبل كونه وأنه يصرخ ويستغيث من العذاب في الصفات وأن في الصفات مثل هذا العالم عوالم لا يحصيها إلا الله تتحرك وتسكن.
وبلغني أن بعضهم أجاب إلى أن المخلوق مخلوق قبل كونه وهذا من غريب التجاهل.
١٠ - وقال بعض الحوادث منهم: إن المعلوم معلوم قبل كونه وكذلك المقدور وكل ما كان متعلقاً بغيره كالمأمور به والمنهي عنه وأنه لا شيء إلا موجود ولا جسم إلا موجود.
١١ - ومن البغداديين من يقول: إن المعلومات معلومات قبل كونها والأشياء أشياء قبل كونها ويمنع أجساماً وجواهر وأعراضاً.
١٢ - وبعض البصريين وهو الشحام وطوائف من البغداديين يقولون: ما استحال أن يوصف الشيء به في حال وجوده فمستحيل أن يوصف به قبل كونه كالقول: متحرك ومؤمن وكافر فأما جسم مؤلف فقد يوصف به في حال كونه فألزم هؤلاء أن يقولوا: موجود قبل كونه فأبوا ذلك.
وأنكروا أن يكون البارئ - سبحانه - لم يزل مريداً متكلماً راضياً ساخطاً موالياً معادياً جواداً حكيماً عادلاً محسناً صادقاً خالقاً رازقاً وزعموا أن هذا أجمع من صفات الأفعال وزعموا أن الصفات على وجوه فمنها ما يوصف به البارئ لنفسه كالقول عالم قادر حي سميع بصير وشيء يوصف به لفعله كالقول: خالق رازق محسن منعم متفضل عادل جواد حكيم متكلم صادق آمر ناه مادح ذام محي مميت ممرض مصح وما أشبه ذلك وشيء يوصف به البارئ لذاته وقد يوصف به لفعله كالقول حكيم بمعنى عليم من صفات النفس والقول حكيم على طريق الاشتقاق من فعله الحكمة من صفات الفعل وكالقول صمد بمعنى سيد يوصف به لذاته وقد يوصف به بمعنى أنه مصمود إليه في النوائب فيوصف به من طريق
стр. 705
الاشتقاق من الفعل ومعنى أن الله عالم عندهم أنه متبين للأشياء وأنه لا يخفى عليه شيء ومعنى أنه قادر أنه يمكنه الفعل ويجوز منه.
وزعم أكثرهم أن معنى القول: إنه حي أنه قادر ومعنى أنه سميع أنه لا يخفى عليه الأصوات والكلام ومعنى أنه بصير أنه لا يخفى عليه المبصرات ومعنى أن الله راء عندهم أنه عالم.
١٣ - وكان الإسكافي يقول: إن الله لم يزل سامعاً مبصراً ببصر وسمع وأنه لم يزل مدركاً.