← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 417

روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (676 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ومنزله، فدُلَّت عليه، فقيل له: الملكة جاءت بنفسها تسأل عنك، فلمَّا رآها؛ شهقَ شهقةً، فمات، فسُقِطَ في يدها، فقالت: أمَّا هذا فقد فاتني، أما له من قريب؟ فقيل: بلى! أخوه رجلٌ فقير. فقالت: إنِّي أتزوجك حُبًّا لأخيك. قال: فتزوجته، فولدت له سبعة. وقال يحيى بن عامر التيمي (١): خرج رجلٌ من الحي حاجًّا، فورد بعض المياه ليلًا، فإذا هو بامرأةٍ ناشرةٍ شعرها، فأعرض عنها، فقالت له: هلمَّ إليَّ، فلم تعرض عني؟ فقال: إني أخاف الله رب العالمين! فتجلببت ثم قالت: هبتَ والله مَهابًا، إنَّ أولى من شركك في ا لهيبة لمن أراد أن يشركك في المعصية! ثم ولَّت، فتبعها، فدخلت بعض خيام الأعراب، قال: فلمَّا أصبحتُ؛ أتيت رجلًا من القوم، فسألته عنها، وقلت: فتاةٌ صفتُها كذا وكذا، فقال: هي والله ابنتي! فقلت: هل أنت مُزوِّجي بها؟ قال: على الأكفاء، فمن أنت؟ فقلت: رجلٌ من تيم الله، قال: [١٧١ أ] كُفؤٌ كريمٌ، فما رِمْتُ حتى تزوَّجتها، ودخلتُ بها، ثمَّ قلت: جهزوها إلى قدومي من الحجِّ، فلمَّا قدمنا حملتها إلى الكوفة، وهاهي ذي عندي، ولي منها بنون وبناتٌ. قال: فقلت: ويحك ما كان تعرُّضُك لي حينئذٍ؟! قالت: يا هذا ما للنساء خيرٌ من الأزواج، فلا تعجبنَّ من امرأةٍ تقول: هويتُ، فوالله لو كان عند بعض السُّودان ما تريد من هواها؛ لكان هو هواها!

стр. 632

وقال الحسن بن زيد (١): وَلِيَنَا بديار مصر رجلٌ، فوجد على بعض عُمَّاله، فحبسه، وقيَّده، فأشرفت عليه ابنةُ الوالي، فهويته، فكتبت إليه: أيُّها الرَّامي بعينيـ ... ـه وفي الطَّرف الحتُوف إن تُردْ وصلًا فقد أمْـ ... ـكَنَك الظَّبْيُ الألوفُ فأجابها الفتى: إن تريني زاني العيـ ... ـنين فالفرجُ عفيف ليس إلَّا النظر الفا ... ترُ والشِّعْر الظَّريف فكتبت إليه: قد أردناك فألفيـ ... ـناكَ إنسانًا عفيفا فتأبَّيت فلا زِلـ ... ـتَ لقيديك حليفا فكتب إليها: ما تأبَّيتُ لأنِّي ... كنتُ للظبي عيوفا غير أنِّي خفت ربًّا ... كان بي برًّا لطيفا فذاع الشِّعر، وبلغت القصَّة الواليَ، فدعا به، فزوَّجه إيَّاها، ودفعها إليه.

стр. 633

وذُكر (١): أنَّ رجلًا أحبَّ امرأةً، وأحبَّته، فاجتمعا، فراودته المرأة عن نفسه، فقال: إنَّ أجلي ليس بيدي، وأجلك ليس بيدك، فربما كان الأجل قد دنا، فنلقى الله عاصيين! فقالت: صدقتَ. فتابا، وحسنت حالهما، وتزوجت به. وذكر بكر بن عبد الله المزني (٢): أنَّ قصَّابًا ولع بجاريةٍ لبعض جيرانه، فأرسلها أهلُها إلى حاجة في قرية أخرى، فتبعها، فراودها عن نفسها، فقالت: لا تفعل! لأنَّا أشدُّ حبًّا [١٧١ ب] لك منِّي، ولكنِّي أخاف الله! قال: فأنت تخافينه، وأنا لا أخافه؟! فرجع تائبًا، فأصابه العطش حتى كاد ينقطع عنقُه، فإذا هو برسولٍ لبني إسرائيل، فسأله، فقال: ما لك؟ قال: العطش، فقال: تعال حتى ندعوَ الله حتى تظلَّنا سحابةٌ حتَّى ندخل القرية! قال: ما لي من عملٍ، فأدعوه، قال: فأنا أدعوه، وأمِّن أنت، فدعا، وأمَّن الرَّجل، فأظلتهما سحابةٌ حتى انتهيا إلى القرية، فذهب القصَّاب إلى مكانه، فرجعت السَّحابة معه، فرجع إليه الرسولُ، فقال: زعمت أن ليس لك عملٌ، وأنا الذي دعوتُ، وأنت أمَّنت، فأظلتنا سحابةٌ، ثمَّ تبعتك، لتُخْبرنِّي ما أمرُك؟! فأخبره، فقال الرسول: إنَّ التَّائب إلى الله بمكانٍ ليس أحدٌ من الناس بمكانه.

стр. 634

وقال يحيى بن أيُّوب (١): كان بالمدينة فتًى يُعجب عمر بن الخطاب ــ ﵁ ــ شأنه، فانصرف ليلةً من صلاة العشاء، فتمثَّلت له امرأةٌ بين يديه، فعرَّضت له بنفسها، ففُتِنَ بها، ومضت، فأتبعها حتى وقف على بابها، فأبصر، وجُلِّيَ عن قلبه، وحضرته هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] فخرَّ مغشيًّا عليه، فنظرت إليه المرأة، فإذا هو كالميِّت، فلم تزل هي وجاريةٌ لها يتعاونان عليه حتى ألقياه على باب داره، فخرج أبوه، فرآه مُلقًى على باب الدَّار لمَا به، فحمله، وأدخله، فأفاق، فسأله: ما أصابك يا بنيَّ؟! فلم يخبره، فلم يزل به حتى أخبره، فلما تلا الآية شهق شهقةً، فخرجت نفسه، فبلغ عمرَ ــ ﵁ ــ قصَّته فقال: ألا آذنتموني بموته؟ فذهب حتى وقف على قبره، فنادى: يا فلان: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن/ ٤٦] فسمع صوتًا من داخل القبر: قد أعطاني ربي يا عمر! وذكر الحسن (٢) هذه القصة عن عمر ــ ﵁ ــ على وجهٍ آخر، قال: كان شابٌّ على عهد عمر بن الخطاب ــ ﵁ ــ ملازمًا للمسجد والعبادة، فهويته جاريةٌ، فحدَّث نفسه بها، ثمَّ إنَّه تذكَّر،

стр. 635

وأبصر، فشهق شهقةً، غُشِيَ عليه منها، فجاء عمٌّ له، فحمله إلى [١٧٢ أ] بيته، فلمَّا أفاق؛ قال: يا عمُّ! انطلق إلى عمر، فأقرئه منِّي السلام، وقل له: ما جزاءُ من خاف مقام ربه؟ فأخبر عمر، فأتاه وقد مات، فقال: لك جنَّتان! وفي جامع الترمذي (١) من حديث ابن عمر ــ ﵄ ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «كان ذو الكفل لا يتورَّع من ذنبٍ عمله، فأتته امرأة، فأعطاها ستِّين دينارًا على أن يطأها، فلمَّا قعد منها مقعد الرجل من امرأته؛ أرعدت، وبكت، فقال: ما يبكيك؟ أأكرهتك؟ قالت: لا، ولكن هذا عملٌ لم أعمله قط، وإنَّما حملتني عليه الحاجةُ، قال: فتفعلين هذا وأنت لم تفعليه قط؟ ثمَّ قال: اذهبي والدنانير لك، ثمَّ قال: والله لا يعصي الله ذو الكفل أبدًا! فمات من ليلته، فأصبح مكتوبًا على بابه: قد غفر الله لذي الكفل». قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال أبو هريرة، وابن عباس (٢) ــ ﵃ ــ: خطب رسول الله ﷺ قبل وفاته فقال في خطبته: «ومن قدر على امرأةٍ، أو جاريةٍ حرامًا، فتركها مخافةً من الله آمنه الله يوم الفزع الأكبر، وحرَّمه على النار، وأدخله الجنَّة».

стр. 636

وقال مالك بن دينار (١): جنات النعيم بين جنات الفردوس وبين جنَّات عدن، فيها جوارٍ خُلِقْنَ من ورد الجنَّة، يسكنها الَّذين همُّوا بالمعاصي، فلمَّا ذكروا الله ؛ راقبوه، فانثنتْ رقابُهم من خشية الله . قال ميمون بن مهران (٢): الذكر ذكران: فذكر الله ــ ــ باللسان حسن، وأفضل منه أن تذكر الله ــ ــ عندما تُشرِف على معاصيه. وقال قتادة (٣) ــ ﵁ ــ: ذُكِرَ لنا أنَّ نبيَّ الله ﷺ كان يقول: «لا يقدر رجلٌ على حرام؛ ثمَّ يدعه، ليس به إلَّا مخافة الله ــ ــ إلَّا أبدلَه الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خيرٌ له من ذلك». وقال عبيد بن عمير (٤): صِدْقُ الإيمان وبرُّه أن يخلو الرَّجل بالمرأة الحسناء، فيدعها، لا يدعها [١٧٢ ب] إلَّا لله . وقال أبو عمران الجَوني (٥): كان رجلٌ من بني إسرائيل لا يمتنع من شيءٍ، فجهد أهل بيت من بني إسرائيل، فأرسلوا إليه جاريةً منهم،

стр. 637

تسأله شيئًا، فقال: لا، أو تمكِّنيني من نفسك، فرجعت، فجهدوا جهدًا شديدًا فرجعت إليه، فقالت: أعطنا! فقال: لا، أو تمكنيني من نفسك، فرجعت، فجهدوا جهدًا كثيرًا، فأرسلوها إليه، فقال لها ذلك، فقالت: دونك! فلمَّا خلا بها؛ جعلت تنتفض، كما تنتفض السَّعَفَة. فقال لها: ما لك؟! قالت: أخاف الله هذا شيءٌ لم أصنعه قطُّ! قال: أنتِ تخافين الله، ولم تصنعيه، وأفعلُه؟ أُعاهد الله أنِّي لا أرجع إلى شيءٍ ممَّا كنتُ فيه! فأوحى الله إلى نبيٍّ من أنبيائهم: أنَّ كتاب فلان أصبح في كتب أهل الجنَّة! وذُكِر (١): أنَّ شابًّا في بني إسرائيل لم يكن فيهم شابٌّ أحسن منه، كان يبيع المكاتل، فبينا هو ذات يوم يطوف بمكاتله، إذ خرجت امرأة من دار ملكٍ من ملوك بني إسرائيل، فلما رأته رجعت مبادرة فقالت لابنة الملك: إني رأيت شابًّا بالباب يبيع المكاتل، لم أرَ شابًّا قطُّ أحسن منه، قالت: أدخليه! فخرجت، فقالت: ادخل، فدخل، فأغلقت الباب دونه، ثمَّ قالت: ادخل، فدخل، فأغلقت بابًا آخر دونه، ثمَّ استقبلته بنتُ الملك كاشفةً عن وجهها، ونحرها، فقال لها: استتري، عافاك الله! فقالت: إنَّا لم ندعُك لهذا! وإنَّما دعوناك لكذا، وراودته عن نفسه، فقال لها: اتقي الله! فقالت: إنَّك إن لم تطاوعني على ما أريد؛ أخبرت الملك أنَّك إنَّما دخلت تكابدني على نفسي، فقال لها: فضعي لي وضوءًا،

стр. 638

فقالت: أعليَّ تتعلَّل؟ يا جارية! ضعي له وضوءًا فوق الجَوسَق ــ مكانًا لا يستطيع أن يفرَّ منه ــ فلمَّا صار في أعلى الجوسق؛ قال: اللَّهم إنِّي دُعِيْتُ إلى معصيتك، وإنِّي أختار أن أُلقي نفسي من هذا الجوسق، ولا أركب معصيتك! ثمَّ قال: باسم الله، وألقى نفسه من أعلاه، فأهبط الله ملكًا أخذ بضَبْعَيه، فوقع قائمًا على رجليه، [١٧٣ أ] فلمَّا صار في الأرض؛ قال: اللَّهم إن شئت رزقتني رزقًا يغنيني عن بيع هذه المكاتل! فأرسل الله عليه رِجلًا من جراد من ذهبٍ، فأخذ منه حتى ملأ ثوبه، فلمَّا صار في ثوبه؛ قال: اللهم إن كان هذا رزقًا رزقتنيه من الدُّنيا؛ فبارك لي فيه! وإن كان ينقصني ممَّا لي عندك في الآخرة فلا حاجة لي فيه! فنودي: إنَّ هذا الَّذي أعطيناك جزءٌ من خمسة وعشرين جزءًا لصبرك على إلقائك نفسك! فقال: اللهم لا حاجة لي فيما ينقصني ممَّا لي عندك في الآخرة! فرُفِعَ الجراد. وذكر أبو الفرج ابن الجوزي (١) عن رجل من بعض المياسير قال: بينا أنا يومًا في منزلي؛ إذ دخل عليَّ خادمٌ لي، فقال لي: رجلٌ بالباب معه كتاب، فقلت: أدخله، أو خذ كتابه. فأخذ الكتاب منه، فإذا فيه: تجنَّبك الرَّدى ولقيتَ خيرًا ... وسلَّمك المليك من الغموم شكونَ بناتُ أحشائي إليكم ... وما إن يشتكين إلى ظلوم

стр. 639

وسالتْني الكتابَ إليك فيما ... يخامرها ــ فدتك ــ من الهموم وهُنَّ يقلن يا ابن الجُود إنَّا ... برِمنا من مراعاة النُّجوم وعندك لو مننت شفاءُ سُقْم ... لأعضاءٍ دَمِيْنَ من الكُلُوم قال: فلمَّا قرأت الأبيات؛ قلت: عاشقٌ. فقلت للخادم: أدخله، فخرج، فلم يره، فارتبت في أمره، وجعل الفكر يتردَّد في قلبي، فدعوت جواريَّ كلَّهُنَّ، فجمعتهنَّ، ثمَّ قلت لهنَّ: ما قصة هذا الكتاب؟ فحلفن لي، وقلن: يا سيدنا ما نعرف لهذا الكتاب سببًا فمن جاءك به؟ قلت: قد فاتني وما أردت سؤالكنَّ إلَّا أنِّي ظننتُ له هوًى في بعضكنَّ، فمن عرفت منكنَّ أنَّها صاحبته؛ فهي له، فلتذهب إليه، ولتأخذ كتابي إليه، وكتبتُ كتابًا أشكره على فعله، وأسأله عن حاله، ووضعت الكتاب في موضع من الدار، فمكث الكتاب [١٧٣ ب] في موضعه حينًا لا يأخذه أحد، ولا أرى الرَّجل، فاغتممتُ غمًّا شديدًا، ثمَّ قلت: لعلَّه بعض فتياننا، ثمَّ قلت: إنَّ هذا الفتى قد أخبر عن نفسه بالورع، وقد قَنِعَ ممَّن يحبُّه بالنظر، فدبَّرت عليه، فحجبت جواريَّ عن الخروج، فما كان إلَّا يومٌ وبعض الآخر؛ إذ دخل عليَّ الخادم، ومعه كتابٌ، قال: أرسل به إليك فلانٌ، وذكر بعض أصدقائي، ففضضته، فإذا فيه: ماذا أردتَ إلى روح معلَّقةٍ ... عند التَّراقي وحادي الموت يحدوها حثثتَ حاديَها ظُلمًا فجدَّ بها ... في السَّير حتَّى تولَّت عن تراقيها حجبتَ من كان تحيا عند رؤيتها ... رُوحي ومن كان يشفيني ترائيها

стр. 640

فالنَّفس تجنح نحو الظلم جاهلةً ... والقلبُ منِّي سليمٌ ما يواتيها والله لو قيل لي تأتي بفاحشةٍ ... وإن عُقباك دنيانا وما فيها لقلت لا والَّذي أخشى عقوبته ... ولا بأضعافها ما كنتُ آتيها لولا الحياء لبُحنا بالَّذي كتمت ... بنتُ الفؤادِ وأبدينا تمنِّيها قال: فبهتُّ، وقلتُ: لا أدري ما أحتال في أمر هذا الرَّجل، وقلت للخادم: لا يأتيك أحدٌ بكتابٍ إلَّا قبضت عليه، حتى تدخله عليَّ، ثمَّ لم أعرف له خبرًا بعد ذلك، فبينا أنا أطوف بالكعبة؛ إذا فتًى قد أقبل نحوي، وجعل يطوف إلى جنبي، ويلاحظني، وقد صار مثل العود، فلمَّا قضيت طوافي؛ خرجت، واتَّبعني، فقال: يا هذا! أتعرفني؟ قلت: لا أنكرك لسوءٍ! قال: أنا صاحب الكتابين، فما تمالكتُ أن قبَّلت رأسه، وبين عينيه، وقلت: بأبي أنت وأمِّي! والله قد شغلت قلبي، وأطلت غمِّي بشدَّة كتمانك لأمرك! فهل لك فيما سألت وطلبت؟ قال: بارك الله لك، وأقرَّ عينك، إنَّما أتيتك أستحلُّك من نظرةٍ كنت نظرتها على غير حكم الكتاب والسنَّة، والهوى داعٍ إلى كلِّ بلاء، [١٧٤ أ] وأستغفر الله العظيم! فقلت: يا حبيبي! أحب أن تصير معي إلى منزلي، فآنس بك، وتجري الحرمة بيني وبينك، قال: ليس إلى ذلك سبيل! فقلت: غفر الله لك ذنبك، وقد وهبتُها لك، ومعها مائة دينار، ولك في كلِّ سنة كذا وكذا! قال: بارك الله لك فيها، فلولا عهودٌ عاهدت الله عليها، وأشياء أكدتُها عليَّ؛ لم يكن في الدنيا شيءٌ أحبُّ إليَّ من هذا الَّذي تعرضه عليَّ، ولكن ليس إلى

стр. 641

ذلك سبيل، والدنيا منقطعةٌ. فقلت له: فإذا أبيت أن تقبل منِّي ذلك، فأخبرني من هي حتَّى أكرمها لأجلك ما بقيتُ! فقال: ما كنت لأذكرها لأحدٍ! ثمَّ قام، وتركني. وذكر عبد الملك بن قُرَيب (١)، قال: هويَ رجلٌ من النُّساك جاريةً، فاشتدَّ حبُّه لها، فبعث إليها يخطبها، فامتنعت وأجابته إلى غير ذلك، فأبى، وقال: لا إلَّا ما أحلَّ الله! ثمَّ إنَّ محبَّته ألقيت في قلبها، فبذلت له ما سأل، فقال: لا والله، لا حاجة لي بمن دعوتها إلى طاعة الله، ودعتني إلى معصيته! وحكى المُبرِّدُ (٢) عن شيخه أبي عثمان المازنيِّ: أنَّه قصده بعض أهل الذِّمَّة؛ ليقرأ عليه «كتاب سيبويه» وبذل له مائة دينار، فامتنع وردَّه، فقلت له: أترُدُّ هذا القدر مع شدَّة فاقتك؟ فقال: إنَّ هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة وكذا وكذا آيةً من كتاب الله، ولست أرى تمكين هذا الذِّمِّي منها غيرةً على القرآن. فاتَّفق أن غنَّت جاريةٌ بحضرة الواثق بقول

стр. 642

العَرْجيِّ (١): أظلومُ إنَّ مصابكم رجلًا ... أهدى السَّلام تحيَّةً ظُلْم فاختلف أهل مجلسه في إعراب «رجل»، فمنهم من قال: هو نصبٌ، وجعله اسم إنَّ، ومنهم من رفعه على أنَّه خبرها، والجارية أصرَّت على النَّصب، وقالت: لقَّنني إيَّاه كذلك شيخي أبو عثمان المازنيُّ، فأمر الواثق بإحضاره إلى بين يديه، قال: فلمَّا مثلتُ بين يديه؛ قال: ممَّن الرَّجل؟ قلت: من [١٧٤ ب] بني مازن، قال: أيُّ الموازن؟ أمازن تميم، أم مازن قيس، أم مازن ربيعة؟ قلت: من مازن ربيعة، فكلَّمني بكلام قومي، فقال: بَا اسمُك؟ وقومي يقلبون الميم باءً والباء ميمًا، فكرهت أن أواجهه بلفظة مكر فقلت: بكر يا أمير المؤمنين! ففطن لما قصدتُه، وأعجب به، فقال: ما تقول في قول الشاعر: أظلومُ إنَّ مصابكم رجلًا ... أهدى السَّلام تحيَّةً ظُلْم أترفع رجلاً أم تنصبه؟ فقلت: الوجه النَّصبُ يا أمير المؤمنين! فقال: ولم ذاك؟ فقلت: لأنَّ مصابكم مصدرٌ بمعنى إصابتكم. فأخذ اليزيديُّ في معارضتي، فقلت: هو بمنزلة قولك: إنَّ ضربك زيدًا ظُلْمٌ،

стр. 643

فرَجُلًا مفعول مصابكم، ومنصوبٌ به، والدَّليل عليه أنَّ الكلام معلَّقٌ إلى أن تقول: ظُلم، فيتمَّ. فاستحسنه الواثق، وقال: هل لك من ولد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين! بُنيَّة. قال: فما قالت لك عند مسيرك إلينا؟ قلت: أنشدَتْ قول الأعشى (١) حيث يقول: أيا أبتا لا تَرِمْ عندنا ... فإنَّا بخير إذا لم ترِمْ ترانا إذا أضمرتك البلا ... دُ نُجفَى وتقطع منَّا الرَّحِمْ قال: فما قلتَ لها؟ قلتُ: قولَ جرير (٢): ثقي بالله ليس له شريكٌ ... ومن عند الخليفة بالنَّجاح فقال: عليَّ النجاح إن شاء الله! ثمَّ أمر لي بألف دينار، وردَّني إلى البصرة مُكرَّمًا. قال أبو العباس المبرِّد: فلمَّا عاد إلى البصرة، قال لي: كيف رأيت يا أبا العباس؟! رددنا لله مائة دينار، فعوَّضنا ألفًا.

стр. 644

الباب الثامن والعشرون فيمن آثر عاجل العقوبة والآلام على لذَّة الوصال الحرام هذا بابٌ إنَّما يدخل منه رجلان: أحدهما: من تمكَّن من قلبه الإيمان بالآخرة، وما أعدَّ الله فيها من الثواب والعقاب لمن عصاه، فآثر أدنى الفوتين، واختارَ أسهل العقوبتين. والثاني: رجلٌ غلب عقله على هواه، فعلم ما في الفاحشة من المفاسد، وما في العدول عنها من المصالح، فآثر الأعلى على الأدنى. وقد جمع [١٧٥ أ] الله ــ ــ ليوسف الصِّدِّيق ــ صلواتُ الله وسلامه عليه ــ بين الأمرين، فاختار عقوبة الدُّنيا بالسجن على ارتكاب الحرام، فقالت المرأة: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف/ ٣٢ ــ ٣٣] فاختار السِّجن على الفاحشة، ثمَّ تبرأ إلى الله من حوله وقوَّته، وأخبر أنَّ ذلك ليس إلَاّ بمعونة الله له، وتوفيقه، وتأييده، لا من نفسه، فقال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف/ ٣٣]. فلا يركن العبد إلى نفسه، وصبره، وحاله، وعفَّته، ومتى ركن إلى ذلك تخلَّت عنه عصمة الله، وأحاط به الخذلان. وقد قال تعالى لأكرم الخلق عليه، وأحبِّهم إليه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا

стр. 645

قَلِيلًا﴾ [الإسراء/ ٧٤] ولهذا كان من دعائه: «يا مقلِّب القلوب! ثبِّت قلبي على دينك» (١)، وكانت أكثر يمينه: «لا ومقلِّب القلوب!» (٢). كيف وهو الَّذي أُنزِل عليه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال/ ٢٤]. وقد جرت سنَّةُ الله تعالى في خلقه: أنَّ من آثر الألم العاجل على الوصال الحرام؛ أعقبه الله ذلك في الدنيا المسرَّة التامَّة، وإن هلك؛ فالفوز العظيم، والله تعالى لا يضيع ما يتحمل عبده لأجله. وفي بعض الآثار الإلهية يقول الله : «بعيني ما يتحمَّل المتحمِّلون من أجلي». وكلُّ من خرج عن شيءٍ منه لله؛ حفظه الله عليه، أو أعاضه الله ما هو أجلّ منه، ولهذا لما خرج الشُّهداء عن نفوسهم لله؛ جعلهم الله أحياء عنده يرزقون، وعوَّضهم عن أبدانهم التي بذلوها له أبدان طير خضرٍ، جعل الله أرواحهم فيها تسرح في الجنَّة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل معلَّقة بالعرش، ولمَّا تركوا مساكنهم له؛ عوَّضهم مساكنَ طيبةً في جنات عدن، ذلك الفوز العظيم. وقال وهب بن منبه: [١٧٥ ب] كان عابدٌ من عباد بني إسرائيل يتعبد في صومعته، فجاء رجلٌ من العُتَاة إلى امرأة بغيٍّ، فبذلَ لها مالاً، وقال:

стр. 646

لعلَّك أن تفتنيه، فجاءته في ليلة مطيرةٍ، فنادته، فأشرف عليها، فقالت: آوِني إليك! فتركها، وأقبل على صلاته، فقالت: يا عبد الله! آوني إليك! أما ترى الظلمة والمطر؟! فلم تزل به حتى آواها، فاضطجعت قريبًا منه، فجعلت تريه محاسنها، حتى دعته نفسه إليها، فقال: لا والله حتى أنظر كيف صبرك على النَّار، فتقدَّم إلى المصباح، فوضع أصبعًا من أصابعه حتى احترقت، ثمَّ عاد إلى صلاته، فدعته نفسه إليها، فعاود المصباح، فوضع أصبعه الأخرى حتى احترقت، فلم تزل تدعوه نفسه، وهو يعود إلى المصباح حتى احترقت أصابعه جميعًا وهي تنظر، فصعقت، وماتت. وقال الإمام أحمد (١): حدَّثنا إبراهيم بن خالد، حدَّثنا أميَّة بن شبل، عن عبد الله بن وهب، قال: لا أعلمه إلَّا ذكره عن أبيه: أنَّ عابدًا من بني إسرائيل كان في صومعته يتعبَّد، فإذا نفرٌ من الغُواة قالوا: لو استنزلناه بشيءٍ، فذهبوا إلى امرأةٍ بَغيٍّ، فقالوا لها: تعرَّضي له! قال: فجاءته في ليلةٍ مظلمة مطيرة، فقالت: يا عبد الله! آوني إليك! وهو قائم يصلِّي، ومصباحُه ثاقب، فلم يلتفت إليها، فقالت: يا عبد الله! الظُّلمة، والغيث! آوني إليك! فلم تزل به حتى أدخلها إليه، فاضطجعت، وهو قائمٌ يصلِّي، فجعلت تتقلَّب، وتريه محاسن خلقها، حتى دعته نفسه إليها. فقال: لا

стр. 647

والله! حتى أنظر كيف صبرك على النَّار. فدنا من المصباح، فوضع أصبعًا من أصابعه فيه، حتى احترقت، قال: ثمَّ رجع إلى مصلَّاه. قال: فدعته نفسه أيضًا، فعاد إلى المصباح، فوضع أصبعه أيضًا حتى احترقت ثمَّ رجع إلى مصلَّاه فدعته نفسه أيضًا، فعاد إلى المصباح حتى احترقت أصابعه، وهي تنظر إليه، فصعقت، فماتت، فلمَّا أصبحوا؛ غدوا؛ لينظروا ما صنعت، فإذا بها ميتة، [١٧٦ أ] فقالوا: يا عدو الله! يا مُرائي! وقعت عليها، ثم قتلتها! قال: فذهبوا به إلى ملكهم، فشهدوا عليه، فأمر بقتله، فقال: دعوني حتى أصلِّي ركعتين. قال: فصلَّى، ثمَّ دعاه، فقال: أي ربِّ! إنِّي أعلم أنك لم تكن لتؤاخذني بما لم أفعل، ولكن أسألك ألا أكون عارًا على القراء بعدي! قال: فردَّ الله عليها نفسَها، فقالت: انظروا إلى يده، ثمَّ عادت ميتةً. وقال أحمد ــ رحمه الله تعالى ــ: حدثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة عن منصور، عن إبراهيم، قال: بينما رجلٌ عابدٌ عند امرأةٍ؛ إذ عمد، فضرب بيده على فخذها، فأخذ يده، فوضعها في النار حتى نشَّت. وقال حُصَين بن عبد الرحمن (١): بلغني أنَّ فتًى من أهل المدينة كان يشهد الصلوات كلَّها مع عمر بن الخطاب ــ ﵁ ــ وكان عمر يتفقَّده إذا غاب، فعشقته امرأةٌ من أهل المدينة، فذكرت ذلك لبعض نسائها، فقالت: أنا أحتال لك في إدخاله عليك، فقعدت له في الطريق،

стр. 648

فلمَّا مرَّ بها قالت له: إنِّي امرأةٌ كبيرةُ السنِّ، ولي شاةٌ ولا أستطيع أن أحلبها، فلو دخلت، فحلبتها لي ــ وكانوا أرغب شيءٍ في الخير ــ فدخل، فلم يرَ شاةً، فقالت: اجلس حتى آتيك بها، فإذا المرأة قد طلعت، فلمَّا رأى ذلك، عمدَ إلى محراب في البيت، فقعد فيه، فأرادته عن نفسه، فأبى، وقال: اتقي الله أيتها المرأة! فجعلت لا تكفُّ عنه، ولا تلتفت إلى قوله. فلما أبى عليها؛ صاحت عليه، فجاؤوا، فقالت: إنَّ هذا دخل عليَّ يريدني عن نفسي، فوثبوا عليه، وجعلوا يضربونه، وأوثقوه، فلمَّا صلَّى عمر الغداة فقده، فبينا هو كذلك؛ إذ جاؤوا به في وثاق، فلمَّا رآه عمر قال: اللَّهم لا تُخلف ظنِّي به. قال: ما لكم؟ قالوا: استغاثت امرأةٌ بالليل، فجئنا، فوجدنا هذا الغلام عندها فضربناه، وأوثقناه! فقال له عمر ــ ﵁ ــ: اصدقني! فأخبره بالقصَّة على وجهها. فقال له عمر ــ ﵁ ــ: أتعرف العجوز؟ فقال: نعم، إن رأيتُها عرفتُها، فأرسل عمر إلى نساء جيرانها، وعجائزهنَّ، فجاء بهنَّ، فعرضهنَّ، فلم يعرفها فيهنَّ، حتى مرَّت [١٧٦ ب] به العجوز، فقال: هذه يا أمير المؤمنين! فرفع عمر عليها الدِّرَّةَ، وقال: اصدُقيني، فقصَّت عليه القصَّة، كما قصَّها الفتى، فقال عمر: الحمدُ لله الَّذي جعل فينا شبيه يوسف. وقال أبو الزِّناد (١): كان راهبٌ يتعبَّد في صومعة، فأشرف منها،

стр. 649

فرأى امرأةً، ففتن بها، فأخرج رجلَه من الصَّومعة؛ لينزل إليها، فنزلت عليه العصمة، فقال: رِجلٌ خرجت من الصومعة؛ لتعصي الله، والله لا تعود معي في صومعتي! فتركها معلقةً خارج الصومعة، يسقط عليها الثلوج والأمطار، حتى تناثرت وسقطت، فشكر الله ذلك من صنيعه، ومدحه في بعض كتبه بذي الرِّجل. وقال مصعب بن عثمان (١): كان سليمان بن يسار من أحسن الناس وجهًا، فدخلت عليه امرأةٌ بيته، فسألته نفسه، فامتنع عليها، فقالت: إذًا أفضحك، فخرج هاربًا عن منزله، وتركها فيه. وقال جابر بن نوح (٢): كنت بالمدينة جالسًا عند رجلٍ في حاجةٍ، فمرَّ بنا شيخٌ حسنُ الوجه، حسنُ الثياب، فقام إليه ذلك الرَّجل، فسلَّم عليه، وقال: يا أبا محمد! أسأل الله أن يُعْظمَ أجرك، وأن يربطَ على قلبك بالصَّبر، فقال الشَّيخ: وكان يميني في الوغى ومساعدي ... فأصبحت قد خانت يميني ذراعها وقد صرت حيرانًا من الثُّكل تائهًا ... أخا كَلفٍ ضاقَت عليَّ رباعُها فقال له الرجل: أبشر؛ فإنَّ الصبر مُعوَّل المؤمن، وإنِّي لأرجو ألَّا

стр. 650

يحرمك الله الأجر على مصيبتك! فقلت له: من هذا الشيخ؟ فقال: رجلٌ منَّا من الأنصار. فقلت: وما قصَّته؟ فقال: أصيب بابنه، وكان به بارًّا، قد كفاه جميعَ ما يعنيه، وميتته عَجَبٌ! قلت: وما كانت؟ قال: أحبَّته امرأةٌ، فأرسلت إليه تشكو حبَّه، وتسأله الزِّيارة، وكان لها زوج، فألحَّت عليه، فأفشى ذلك إلى صديقٍ له، فقال له: لو بعثت إليها بعض أهلك، فوعظها، وزجرها رجوتُ أن تكُفَّ عنك، قال: فأمسك، وأرسلت إليه إمَّا أن تزورني، وإمَّا أن أزورك، [١٧٧ أ] فأبى، فلمَّا يئست منه؛ ذهبت إلى امرأةٍ كانت تعمل السِّحْر، فجعلت لها الرَّغائب في تهييجه، فعملت لها في ذلك، فبينا هو ذات ليلةٍ مع أبيه؛ إذ خطر ذكرُها بقلبه، وهاج منه أمرٌ لم يكن يعرفه، واختلط، فقام مسرعًا، فصلى، واستعاذ، والأمر يشتدُّ، فقال: يا أبت! أدركني بقيدٍ. فقال: يا بنيَّ ما قصَّتُك؟ فحدَّثه بالقصَّة، فقام، وقيَّده، وأدخله بيتًا، فجعل يضطرب، ويخور، كما يخور الثَّور، ثمَّ هدأ، فإذا هو ميِّتٌ، والدَّمُ يسيل من منخره. فصل وهذا ليس بعجيب من الرجال، ولكنَّه من النِّساء أعجب! قال أبو إدريس الأودي (١): كان رجلان في بني إسرائيل عابدان، وكانت جاريةٌ جميلةٌ، فأحبَّاها، وكتم كلٌّ منهما صاحبه، واختفى كلٌّ

стр. 651

منهما خلف شجرةٍ ينظر إليها، فبصُر كلٌّ منهما بالآخر، فأفشى كلٌّ منهما سرَّه إلى صاحبه، فاتفقا على أن يراوداها، فلما قربت منهما؛ قالا لها: قد عرفت منزلتنا في بني إسرائيل، وإنَّك إن لم تؤاتينا، وإلَّا قلنا إذا أصبحنا: إنَّا أصبنا معكِ رجلًا، وإنَّه أفلتنا، وإنَّا أخذناك. فقالت: ما كنتُ لأطيعكما في معصية الله، فأخذاها، وقالا: إنَّا أصبنا معها رجلًا فأفلتنا وأقبل نبيٌّ من أنبيائهم، فوضعوا له كرسيًّا، فجلس عليه، وقال: أقضي بينكم؟ فقالا: نعم! اقضِ بيننا، ففرَّق بين الرَّجلين، وقال لأحدهما: خلف أي شجرةٍ رأيتَها؟ قال: شجرة كذا وكذا. وقال للآخر، فقال: شجرة كذا وكذا ــ غير الَّذي ذكر صاحبه ــ ونزلت نارٌ من السماء، فأحرقتهما، وأَفلتتِ المرأة. وقال عبد الله بن المبارك (١): عشق هارون الرشيد جاريةً من جواريه، فأرادها، فقالت: إنَّ أباك مسَّني، فشُغِفَ بها، وقال: أرى ماءً وبي عطشٌ شديدٌ ... ولكن لا سبيل إلى الوُرود أما يكفيك أنَّك تملكيني ... وأنَّ النَّاس عندي كالعبيد وأنك لو قطعتِ يدي ورجلي ... لقلتُ من الرضا أحسنتِ زيدي فسأل أبا يوسف [١٧٧ ب] عن ذلك، فقال: أو كلَّما قالت جاريةٌ شيئًا تصدِّق؟ قال ابنُ المبارك: فلا أدري ممَّن أعجب، من هارون حيث

стр. 652

رغب فيها، أو منها حيثُ رغبت عنه، أو من أبي يوسف حيث سوَّغ له إتيانها؟! وقال أبو عثمان التَّيميُّ (١): مرَّ رجل براهبةٍ من أجمل النساء، فافتُتن بها، فتلطَّف في الصُّعود إليها، فراودها عن نفسها، فأبت عليه، وقالت: لا تغترَّ بما ترى، فليس وراءه شيء، فأبى حتى غلبها على نفسها، وكان إلى جانبها مجمرة، فوضعت يدها فيها، حتى احترقت، فقال لها بعد أن قضى حاجته منها: ما دعاك إلى ما صنعت؟ قالت: إنَّك لمَّا قهرتني على نفسي؛ خفت أن أشاركك في الَّلذة، فأشاركك في المعصية، ففعلت ما رأيت! فقال الرجل: والله لا أعصي الله أبدًا! وتاب مما كان عليه. وذكر الحسين بن محمد الدامغاني (٢): أن بعض الملوك خرج يتصيدُ، وانفرد عن أصحابه، فمرَّ بقريةٍ، فرأى امرأةً جميلة، فراودها عن نفسها، فقالت: إنِّي غيْرُ طاهر، فأتطهَّر، وآتيك، فدخلت بيتها، وخرجت إليه بكتاب، فقالت: انظر في هذا حتَّى آتيك، فنظر فيه، فإذا فيه ما أعدَّ الله للزَّاني من العقوبة، فتركها، وذهب، فلمَّا جاء زوجُها؛ أخبرته الخبر، فكره أن يقربَها مخافةَ أن يكون للملك فيها حاجةٌ، فاعتزلها، فاستعدى عليه أهل الزوجة إلى الملك، وقالوا: إنَّ لنا أرضًا في يد هذا الرجل، فلا

стр. 653

هو يعمرُها، ولا هو يردُّها علينا، وقد عطَّلها! فقال الملك: ما تقول؟ فقال: إنِّي رأيت في هذه الأرض أسدًا، وأنا أتخوَّف دخولَها منه! ففهم الملك القصَّة، فقال: اعمر أرضك، فإنَّ الأسد لا يدخلها، ونعم الأرض أرضُك! وكانت بعض النساء المتعبِّدات (١) وقعت في نفس رجل موسر، وكانت جميلةً، وكانت تُخْطَب فتأبى، فبلغ الرَّجل أنَّها تريد الحجَّ، فاشترى ثلاثمائة بعيرٍ، ونادى: من أراد الحج؛ فليكتر من فلان، فاكترت منه المرأة، فلمَّا كان [١٧٨ أ] في بعض الطريق؛ جاءها، فقال: إمَّا أن تزوجيني نفسك، وإمَّا غير ذلك! فقالت: ويحك، اتقِ الله! فقال: ما هو إلَّا ما تسمعين، والله ما أنا بجمَّالٍ! ولا خرجت إلَّا من أجلك. فلمَّا خافت على نفسها قالت: ويحك! انظر أبقيَ في الرِّجال عينٌ لم تنم؟ فقال: لا، ناموا كلُّهم، قالت: أفنامت عينُ ربِّ العالمين؟ ثمَّ شهقت شهقةً خرَّت ميتةً، وخرَّ الرجلُ مغشيًّا عليه. فلمَّا أفاق؛ قال: ويحي! قتلت نفسًا، ولم أبلغ شهوتي. وقال وهب (٢): كان في بني إسرائيل رجلٌ متعبِّدٌ شديد الاجتهاد، فرأى يومًا امرأة، فوقعت في نفسه بأوَّل نظرة، فقام مسرعًا حتَّى لحقها،

стр. 654

فقال: رويدك يا هذه! فوقفت، وعرفته، فقالت: ما حاجتك؟ قال: أذاتُ زوجٍ أنت؟ قالت: نعم! فما تريد؟ قال: لو كان غير هذا؛ لكان لنا رأيٌ، قالت: وما هو؟ قال: عرض بقلبي من أمرك عارضٌ. قالت: وما يمنعك من إنفاذه؟ قال: وتتابعيني على ذلك؟ قالت: نعم! فخلت به في موضع، فلمَّا رأته مُجِدًّا في الَّذي سأل؛ قالت: رويدك يا مسكين! لا تُسقِط جاهك عنده! فانتبه لها، وذهب عنه ما كان يجد، فقال: لا حرمك الله ثواب فعلك! ثمَّ تنحَّى ناحيةً، فقال لنفسه: اختاري إمَّا عمى العين، وإمَّا الجَبَّ، وإمَّا السِّياحة مع الوحوش، فاختارت السياحة مع الوحوش، فكان كذلك إلى أن مات. وأحبَّ رجل (١) جاريةً من العرب، وكانت ذات عقل وأدب، فما زال يحتال في أمرها حتَّى اجتمع معها في ليلةٍ مظلمة شديدة السَّواد، فحادثها ساعة، ثمَّ دعته نفسه إليها، فقال: يا هذه! قد طال شوقي إليك! قالت: وأنا كذلك! فقال: هذا الليل قد ذهب، والصُّبح قد اقترب، قالت: هكذا تفنى الشهوات، وتنقطع اللَّذَّات! فقال: فما لو دنوتِ منِّي، فقالت: هيهات! أخاف البعد من الله. قال: فما الَّذي دعاك إلى الحضور معي؟ قالت: شِقوتي، وبلائي! قال: فمتى أراك؟ قالت: ما أنساك! وأمَّا الاجتماع معك فما أراه يكون. ثمَّ تولَّت. قال: فاستحييت ممَّا [١٧٨ ب]

стр. 655

سمعت منها، وأنشد: توقَّت عذابًا لا يطاق انتقامه ... ولم تأت ما تخشى به أن تُعذَّبا وقالت مقالًا كدتُ من شدَّة الحَيَا ... أهيمُ على وجهي حيًا وتعجُّبا ألا أُفِّ للحبِّ الذي يورث العَمَى ... ويورد نارًا لا تملُّ التَّلهُّبا فأقبل عودي فوق بدئي مفكِّرًا ... وقد زال عن قلبي العمى فتسرَّبا وقال ابن خلف (١): أخبرني أبو بكر العامري [عن غيث بن عبد الكريم] (٢) قال: عشق عاتكة المُرِّيَّةَ ابنُ عمٍّ لها، فأرادها عن نفسها، فامتنعت عليه، وقالت (٣): فما طعمُ ماءٍ من سحاب مروَّقٍ ... تحدَّر من غُرٍّ طِوال الذوائب بمنعرجٍ أو بطن وادٍ تطلَّعت ... عليه رياح الصَّيف من كلِّ جانب ترقرق ماء المزن فيهنَّ والتقت ... عليهنَّ أنفاس الرِّياض الغرائب نفتْ جريةُ الماء القذى عن متونه ... فليس به عيبٌ تراه لشارب بأطيب مما يقصر الطَّرف دونه ... تقى الله واستحياءُ تلك العواقب

стр. 656

الباب التَّاسع والعشرون في ذم الهوى وما في مخالفته من نيل المنى قد تقدَّم ذكرُ الآيات في ذلك، وبعض ما ورد في السنَّة. الهوى: ميلُ الطبع إلى ما يلائمه. وهذا الميل خلق في الإنسان لضرورة بقائه. فإنَّه لولا ميله إلى المطعم، والمشرب، والمنكح؛ ما أكل، ولا شرب، ولا نكح. فالهوى مستحبٌّ له لما يريده، كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذيه، ف لا ينبغي ذم الهوى مطلقًا، ولا مدحه مطلقًا ، كما أنَّ الغضب لا يُذَمُّ مطلقًا، ولا يحمد مطلقًا، وإنما يُذَمُّ المفرط من النوعين، وهو ما زاد على جلب المصالح، ودفع المضار. ولمَّا كان الغالب ممن يطيع هواه وشهوته وغضبه: أنَّه لا يقف فيه على حدِّ المنتفع [١٧٩ أ] به؛ أُطلِق ذمُّ الهوى، والشهوة، والغضب؛ لعموم غلبة الضَّرر؛ لأنَّه يندر من يقصد العدل في ذلك، ويقف عنده، كما أنَّه يندر في الأمزجة المزاج المعتدل من كل وجه، بل لا بدَّ من غلبة أحد الأخلاط والكيفيات عليه، فحرص النَّاصح على تعديل قُوَى الشَّهوة والغضب من كلِّ وجهٍ، كحرص الطَّبيب على تعديل المزاج من كلِّ وجه، وهذا أمرٌ يتعذَّر وجودُه إلَّا في حقِّ أفرادٍ من العالم، فلذلك لم يذكر الله الهوى في كتابه إلَّا ذمَّه، وكذلك في السُّنَّة لم يجئ إلَّا

стр. 657

مذمومًا، إلَّا ما جاء منه مُقَيَّدًا، كقوله ﷺ : «لا يؤمنُ أحدكم حتَّى يكون هواه تبعًا لما جئت به» (١). وقد قيل: الهوى كمينٌ لا يُؤْمَن. قال الشَّعْبي: وسمِّي هوًى؛ لأنَّه يهوي بصاحبه، ومطلقُه يدعو إلى اللَّذَّة الحاضرة من غير فكرٍ في العاقبة، ويحثُّ على نيل الشَّهوات عاجلًا، وإن كانت سببًا لأعظم الآلام عاجلًا وآجلًا، فلِلدُّنيا عاقبةٌ قبل عاقبة الآخرة، والهوى يعمي صاحبه عن ملاحظتها، والمروءة، والدِّين، والعقل ينهى عن لذَّة تعقبُ ألمًا، وشهوة تورثُ ندمًا، فكلٌّ منها يقول للنَّفس إذا أرادت ذلك: لا تفعلي! والطَّاعة لمن غلب، ألا ترى أنَّ الطفل يُؤثر ما يهواه؛ وإن أدَّاه إلى التَّلف؛ لضعف ناهي العقل عنده؟! ومن لا دين له يؤثر ما يهواه؛ وإن أدَّاه إلى هلاكه في الآخرة؛ لضعف ناهي الدِّين، ومن لا مُروءَة له يُؤثر ما يهواه وإن ثَلَمَ مُرُوءته، أو هدمها؛ لضعف ناهي المروءة، فأين هذا من قول الشافعي ــ رحمه الله تعالى ــ: لو علمتُ أنَّ الماء البارد يثلم مروءتي لما شربته. ولمَّا امتُحِنَ المكلَّف بالهوى من بين سائر البهائم، وكان كل وقت يحدث عليه حوادث؛ جعل فيها حاكمان: حاكم العقل، وحاكم الدِّين ؛ وأُمِرَ أن يرفع حوادثَ الهوى دائمًا إلى هذين الحاكمين، وأن ينقاد

стр. 658

لحكمهما، وينبغي أن يتمرَّن على دفع الهوى المأمون العواقب؛ ليستمرَّ بذلك على ترك ما تؤذي عواقبُه. وليعلم اللَّبيبُ أن مدمني [١٧٩ ب] الشَّهوات يصيرون إلى حالةٍ لا يلتذُّون بها، وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها؛ لأنَّها قد صارت عندهم بمنزلة العيش الَّذي لا بُدَّ لهم منه، ولهذا ترى مدمن الخمر والجماع لا يلتذُّ به عشر معشار التذاذ من يفعله نادرًا في الأحيان، غير أنَّ العادة مقتضيةٌ ذلك، فيلقي نفسه في المهالك؛ لينل ما تطالبه به العادة، ولو زال عنه رَيْنُ الهوى لعلم أنَّه قد سعى من حيث قدَّر السَّعادة، واغتمَّ من حيث ظنَّ الفرح، وألم من حيث أراد اللَّذَّة. فهو كالطائر المخدوع بحبَّة الفخ، لا هو يأكل الحبَّة، ولا هو يخلُص ممَّا وقع فيه. فإن قيل: فكيف يتخلَّص من هذا مَن قد وقع فيه؟ قيل: يمكنه التَّخلُّص بعون الله وتوفيقه له بأمور (١): أحدها: بعزيمة حرٍّ يغار لنفسه وعليها. الثاني: جُرْعةُ صبر تصبر نفسه على مرارتها تلك الساعة. الثالث: قوَّة نفس تشجِّعه على شرب تلك الجُرعة، والشَّجاعة كلُّها صبر ساعةٍ، وخير عيشٍ أدركه العبد بصبره.

стр. 659

الرَّابع: ملاحظته حسنَ موقع العاقبة، والشفاء بتلك الجُرعة. الخامس: ملاحظته الألم الزَّائد على لذَّة طاعة هواه. السَّادس: إبقاؤه على منزلته عند الله تعالى، وفي قلوب عباده، وهو خيرٌ وأنفع له من لذَّة مواقعة الهوى. السَّابع: إيثارُه لذَّةَ العفَّة، وعزَّتها، وحلاوتها على لذَّة المعصية. الثامن: فرحه بغلبة عدوِّه، وقهره له، وردِّه خاسئًا بغيظه، وغمِّه، وهمِّه حيث لم ينل منه أُمنيَّته، والله تعالى يحبُّ من عبده أن يُراغم عدوَّه، ويغيظه، كما قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة/ ١٢٠]، وقال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح/ ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء/ ١٠٠] أي: مكانًا يراغم فيه أعداء الله. وعلامة المحبَّة الصَّادقة مغايظةُ أعداء المحبوب، ومراغمتُهم. التاسع: التفكر في أنَّه لم يخلق للهوى، وإنَّما هُيِّئ لأمرٍ عظيم، [١٨٠ أ] لا يناله إلَّا بمعصيته للهوى، كما قيل (١): قد هيَّؤوك لأمرٍ لو فطنتَ له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهَمَل

стр. 660

العاشر: ألَّا يختار لنفسه أن يكون الحيوان البهيمُ أحسن حالًا منه، فإنَّ الحيوان يميِّز بطبعه بين مواقع ما يضرُّه وما ينفعه، فيؤثر النافع على الضارِّ، والإنسان أُعطي العقل لهذا المعنى، فإذا لم يميِّز به بين ما يضرُّه وما ينفعه، أو عرف ذلك، وآثر ما يضرُّه؛ كان حال الحيوان البهيم أحسنَ منه، ويدُلُّ على ذلك: أنَّ البهيمة تصيب من لذة المطعم، والمشرب، والمنكح ما لا يناله الإنسان مع عيش هنيءٍ خالٍ عن الفكر، والهَمِّ، ولهذا تُساق إلى منحرها، وهي منهمكةٌ على شهواتها؛ لفقدان العلم بالعواقب، والآدمي لا يناله ما يناله الحيوان لقوَّة الفكر الشَّاغل، وضعف الآلة المستعملة، وغير ذلك، فلو كان نيل المشتهى فضيلةً؛ لما بُخِسَ منه حقُّ الآدمي الَّذي هو خلاصة العالم، ووفرَ منه حظُّ البهائم، وفي توفير حظِّ الآدميِّ من العقل، والعلم، والمعرفة عوضٌ عن ذلك. الحادي عشر: أن يسير بفكره في عواقب الهوى، فيتأمَّل كم أفاتت طاعته من فضيلة، وكم أوقعت في رذيلة، وكم أكلةٍ منعت أكلات، وكم من لذَّة فوَّتت لذَّات، وكم من شهوةٍ كسرت جاهًا، ونكَّست رأسًا، وقبَّحت ذكرًا، وأورثت ذمًّا، وأعقبت ذلًّا، وألزمت عارًا لا يغسله الماء، غير أنَّ عين صاحب الهوى عمياء. الثاني عشر: أن يتصوَّر العاقلُ انقضاء غرضه ممَّن يهواه، ثمَّ يتصوَّر حالَه بعد انقضاء الوطر، وما فاته، وما حصل له (١).

стр. 661

فأفضل النَّاس من لم يرتكب سببًا ... حتَّى يميز ما تجني عواقبُهُ الثالث عشر: أن يتصوَّر ذلك في حقِّ غيرهِ حقَّ التَّصوُّر، ثمَّ ينزل نفسه تلك المنزلة، فحكم الشَّيء حكمُ نظيره. الرَّابع عشر: أن يتفكَّر فيما تطالبه به نفسه من ذلك، ويسأل عنه عقلَه، ودينَه يُخبرانه بأنَّه [١٨٠ ب] ليس بشيءٍ. قال عبد الله بن مسعود ــ ﵁ ــ: «إذا أعجب أحدكم امرأةٌ؛ فليذكر مناتنها»، وهذا أحسن من قول أحمد بن الحسين (١): لو فكَّر العاشِقُ في منتهى ... حُسنِ الَّذي يَسبيه لم يَسْبِه لأنَّ ابن مسعود ــ ﵁ ــ ذكر الحال الحاضرة اللازمة، والشاعر أحال على أمر متأخر. الخامس عشر: أن يأنفَ لنفسه من ذُلِّ طاعة الهوى، فإنَّه ما أطاع أحدٌ هواه قطُّ إلَّا ووجد في نفسه ذُلًّا، ولا يغترَّ بصولة أتباع الهوى، وكبرهم، فهم أذلُّ النَّاس بواطن، قد جمعوا بين فضيلتي الكبر، والذُّلِّ. السَّادس عشر: أن يُوازن بين سلامة الدِّين، والعرض، والمال، والجاه، ونيل اللَّذَّة المطلوبة، فإنَّه لا يجد بينهما نسبةً ألبتَّة، فليعلم أنَّه من أسفه النَّاس ببيعه هذا بهذا.

стр. 662

السَّابع عشر: أن يأنف لنفسه أن يكون تحت قهر عدوه، فإنَّ الشيطان إذا رأى من العبد ضعف عزيمةٍ وهمةٍ، وميلًا إلى هواه؛ طمع فيه، وصرعه، وألجَمَه بلجام الهوى، وساقه حيث أراد. ومتى أحسَّ منه بقوَّة عزم، وشرف نفسٍ، وعلوِّ همَّةٍ؛ لم يطمع فيه إلَّا اختلاسًا، وسَرِقَةً. الثامن عشر: أن يعلم أنَّ الهوى ما خالط شيئًا إلَّا أفسده، فإن وقع في العلم؛ أخرجه إلى البدعة، والضَّلالة، وصار صاحبُه من جملة أهل الأهواء. وإن وقع في الزهد؛ أخرج صاحبه إلى الرِّياء، ومخالفة السُّنَّة. وإن وقع في الحكم؛ أخرج صاحبَه إلى الظُّلم، وصدَّه عن الحقِّ. وإن وقع في القسمة خرجت عن قسمة العدل إلى قسمة الجَوْر. وإن وقع في الولاية، والعزل؛ أخرج صاحبه إلى خيانة الله، والمسلمين حيث يُوَلِّي بهواه، ويعزل بهواه. وإن وقع في العبادة؛ خرجت عن أن تكون طاعةً وقربةً. فما قارن شيئًا إلَّا أفسده. التاسع عشر: أن يعلم أنَّ الشيطان ليس له مدخلٌ على ابن آدم إلَّا من باب هواه، فإنَّه يطيف به، من أين يدخل عليه، حتَّى يفسد عليه قلبَه وأعماله، فلا يجد مدخلًا إلَّا من باب الهوى، فيسري معه سرَيان السُّمِّ في الأعضاء. العشرون: [١٨١ أ] أنَّ الله ــ ــ جعل الهوى مضادًّا لما أنزله على رسوله، وجعل اتِّباعه مقابلًا لمتابعة رُسُله، وقسم النَّاس إلى قسمين: أتباع الوحي، وأتباع الهوى، وهذا كثيرٌ في القرآن، كقوله تعالى:

стр. 663

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص/٥٠]. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة/ ١٢٠] ونظائره. الحادي والعشرون: أنَّ الله ــ ــ شبَّه أتباع الهوى بأخسِّ الحيوانات صورةً ومعنًى، فشبَّههم بالكلب تارةً كقوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف/ ١٧٦]، وبالحمر تارة كقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر/ ٥٠ ــ ٥١] وقلب صورهم إلى صورة القِردة والخنازير تارةً. الثاني والعشرون: أنَّ متَّبع الهوى ليس أهلًا أن يطاع ، ولا يكون إمامًا، ولا متبوعًا، فإنَّ الله ــ ــ عزله عن الإمامة، ونهى عن طاعته. أما عزله فإن الله قال لخليله إبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة/ ١٢٤] أي: لا ينال عهدي بالإمامة ظالمًا. وكلُّ من اتَّبع هواه فهو ظالمٌ، كما قال الله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الروم/ ٢٩]. وأمَّا النَّهيُ عن طاعته؛ فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف/ ٢٨]. الثالث والعشرون: أنَّ الله ــ ــ جعل متَّبع الهوى بمنزلة عابد الوثن ، فقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان/ ٤٣] في موضعين من كتابه، قال الحسن: هو المنافق، لا يهوى شيئًا إلَّا

стр. 664

ركبه. وقال أيضًا: المنافق عبد هواه لا يهوى شيئًا إلَّا فعله. الرَّابع والعشرون: أنَّ الهوى هو حِظار جهنَّم المحيطُ بها حولها، فمن وقع فيه؛ وقع فيها، كما في الصحيحين (١) عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: «حُفَّت الجنَّة بالمكاره، وحُفَّت النَّارُ بالشَّهواتِ». وفي الترمذي (٢) من حديث أبي هريرة ــ ﵁ ــ يرفعه: «لمَّا خلق الله الجنَّة؛ أرسل إليها جبريل، فقال: انظر إليها، وإلى ما [١٨١ ب] أعددتُ لأهلها فيها، فجاء، فنظر إليها، وإلى ما أعدَّه الله لأهلها فيها، فرجع إليها، وقال: وعزَّتك لا يسمع بها أحدٌ من عبادك إلَّا دخلها، فأمرَ بها، فحجبت بالمكاره، وقال: ارجع إليها فانظر إليها، فرجع، فإذا هي قد حُجِبَت بالمكاره، فقال: وعزَّتك! لقد خشيتُ ألَّا يدخلها أحد قال: اذهب إلى النَّار، فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فجاء، فنظر إليها وإلى ما أعدَّ الله لأهلها فيها، فإذا هي يركب بعضها بعضًا، فرجع إليه فقال: وعزَّتك! لا يسمع بها أحدٌ فيدخلها، فأمر بها، فحُفَّت بالشَّهوات، فقال: ارجع، فانظر إليها، فرجع إليها، فإذا هي قد حُفَّت بالشَّهوات، فرجع إليها وقال: وعزَّتك! لقد خشيت ألَّا ينجو منها أحد». قال الترمذي: هذا حديث حسنٌ صحيح.

стр. 665

الخامس والعشرون: أنَّه يخاف على من اتَّبع هواه أن ينسلخ من الإيمان وهو لا يشعر، وقد ثبت عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: «لا يؤمن أحدُكُم حتَّى يكون هواهُ تَبَعًا لِمَا جئتُ به» (١). وصحَّ عنه: أنَّه قال: «أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغيِّ في بُطُونكم، وفروجكم، ومُضِلَّات الهوى» (٢). السادس والعشرون: أنَّ اتباع الهوى من المهلكات. قال ﷺ : «ثلاثٌ منجيات، وثلاثٌ مهلكاتٌ: فأمَّا المُنجياتُ؛ فتقوى الله ــ ــ في السرِّ والعلانية، والقولُ بالحقِّ في الرِّضا والسَّخَط، والقصد في الغنى والفقر، وأمَّا المهلكات؛ فهوًى مُتَّبَعٌ، وشُحٌّ مُطاعٌ، وإعجابُ المرءِ بنفسه» (٣). السَّابع والعشرون: أنَّ مخالفة الهوى تورث العبد قوَّةً في بدنه، وقلبه، ولسانه. قال بعض السلف: الغالب لهواه أشدُّ من الَّذي يفتح المدينة وحدَه. وفي الحديث الصَّحيح (٤) المرفوع: «ليس الشديد بالصُّرعة ولكن الشديد الَّذي يملك نفسه عند الغضب» وكلَّما تمرَّن على مخالفة هواه؛ اكتسب قوَّةً إلى قوَّته.

стр. 666

الثامن والعشرون: أنَّ أغزر النَّاس مروءةً أشدُّهم مخالفةً لهواه. قال معاوية: [١٨٢ أ] المروءة ترك الشَّهوات، وعصيان الهوى. فاتِّباع الهوى يُزمن المُرُوءة، ومخالفته تُنعشها. التَّاسع والعشرون: أنَّه ما من يوم إلَّا والهوى والعقلُ يعتلجان في صاحبه، فأيُّهما قويَ على صاحبه؛ طرده، وتحكَّم، وكان الحكم له. قال أبو الدرداء: إذا أصبح الرجل؛ اجتمع هواه وعقله، فإن كان عقله تبعًا لهواه فيومه يوم سوء، وإن كان هواه تبعًا لعقله فيومُه يومٌ صالح. الثلاثون: أنَّ الله ــ ــ جعل الخطأ، واتِّباع الهوى قرينين، وجعل الصواب ومخالفة الهوى قرينين، كما قال بعض السلف: إذا أشكل عليك أمران، لا تدري أيهما أرشدُ؛ فخالف أقربهما من هواك، فإنَّ أقرب ما يكون الخطأ في متابعة الهوى. الحادي والثلاثون: أنَّ الهوى داءٌ، ودواؤه مخالفته ، كما قال بعض العارفين: إن شئت؛ أخبرتك بدائك، وإن شئت؛ أخبرتك بدوائك، داؤك هواك، ودواؤك ترك هواك، ومخالفته. وقال بشر الحافي ــ ﵀ ــ: «البلاء كلُّه في هواك، والشِّفاء كله في مخالفتك إيَّاه». الثاني والثلاثون: أنَّ جهاد الهوى إن لم يكن أعظم من جهاد الكفار؛ فليس بدونه. قال رجلٌ للحسن البصري ــ رحمه الله تعالى ــ: يا أبا سعيد! أيُّ الجهاد أفضل؟ قال: جهادك هواك، وسمعت شيخنا

стр. 667

يقول: جهادُ النفس والهوى أصلُ جهاد الكفَّار والمنافقين، فإنَّه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسَه وهواه أولًا، حتَّى يخرج إليهم. الثالث والثلاثون: أنَّ الهوى تخليطٌ، ومخالفته حِمْيَةٌ ، ويُخاف على من أفرط في التخليط، وجانبَ الحِمْية أن يصرعه داؤه. قال عبد الملك ابن قُرَيب: مررتُ بأعرابيٍّ به رمدٌ شديد، ودموعه تسيل على خدَّيه، فقلت: ألا تمسح عينيك؟ قال: نهاني الطَّبيبُ عن ذلك، ولا خير فيمن إذا زُجر، لا ينزجر، وإذا أمر، لا يأتمر! فقلتُ: ألا تشتهي شيئًا! فقال: بلى! ولكنِّي أحتمي، إنَّ أهل النَّار غلبت شهوتُهم حِمْيَتَهُم، فهلكوا. الرَّابع والثلاثون: أنَّ اتباع الهوى يغلقُ [١٨٢ ب] عن العبد أبو ابَ التَّوفيق، ويفتح عليه أبوابَ الخِذْلان، فتراه يَلْهج بأنَّ الله لو وفَّق لكان كذا وكذا، وقد سدَّ على نفسه طُرُق التوفيق باتباعه هواه. قال الفُضيل بن عياض: من استحوذَ عليه الهوى واتِّباع الشَّهواتِ؛ انقطعت عنه موارد التَّوفيق. وقال بعض العلماء: الكفر في أربعة أشياء: في الغضب، والشهوة، والرَّغبة، والرَّهبة، ثمَّ قال: رأيت منهنَّ اثنتين: رجلًا غضب فقتل أمَّه، ورجلًا عَشِقَ فتنصَّر. وكان بعض السَّلف يطوفُ بالبيت، فنظر إلى امرأةٍ جميلةٍ، فمشى إلى جانبها، ثمَّ قال (١):

стр. 668

أهوى هوى الدِّين واللَّذَّاتُ تُعجبني ... فكيفَ لي بهوى اللَّذَّات والدِّين؟ فقالت: دعْ أحدَهما؛ تنل الآخر. الخامس والثلاثون: أنَّ من نصر هواه فسد عليه رأيه وعقله؛ لأنَّه قد خان الله في عقله، فأفسده عليه، وهذا شأنه سبحانه في كلِّ من خانه في أمرٍ من الأمور، فإنَّه يفسده عليه. قال المعتصم يومًا لبعض أصحابه: يا فلان! إذا نُصر الهوى؛ ذهب الرَّأي. وسمعتُ رجلًا يقول لشيخنا: إذا خان الرجل في نقد الدَّراهم؛ سلبه الله معرفة النَّقد ــ أو قال: نسيه ــ فقال الشيخ: هكذا من خان الله ورسوله في مسائل العلم. السَّادس والثلاثون: أنَّ من فسح لنفسه في اتباع الهوى ضُيِّق عليها في قبره ويوم معاده، ومن ضيَّق عليها بمخالفة الهوى وُسِّع عليها في قبره ومعاده، وقد أشار تعالى إلى هذا في قوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان/ ١٢]. فلمَّا كان في الصَّبْر ــ الَّذي هو حبس النفس عن الهوى ــ خشونةٌ وتضييقٌ؛ جازاهم على ذلك نعومة الحرير، وسعة الجنَّة. قال أبو سليمان الدَّارانيَّ ــ رحمه الله تعالى ــ في هذه الآية: وجزاهم بما صبروا عن الشهوات. السَّابع والثلاثون: أنَّ اتباع الهوى يصرع العبد عن النُّهوض يوم

стр. 669

القيامة عن السَّعي مع الناجين، كما صرع قلبه في الدُّنيا عن مرافقتهم. قال محمد بن أبي الورد (١): إنَّ لله ــ ــ يومًا لا ينجو من شرِّه منقادٌ [١٨٣ أ] لهواه، وإنَّ أبطأ الصَّرعى نهضةً يوم القيامة صريعُ شهوته، وإنَّ العقول لمَّا جرت في ميادين الطَّلب؛ كان أوفرُها حظًّا من يُطالبها بقدر ما صحبه من الصَّبر. والعقل معدنٌ، والفكر معوَّل. الثامن والثلاثون: أنَّ اتباع الهوى يحلُّ العزائم، ويوهنها، ومخالفته تشدُّها وتقويها، والعزائم هي مركب العبد الَّذي يسيره إلى الله والدَّار الآخرة، فمتى تعطَّل المركوب؛ أوشك أن ينقطع المسافر. قيل ليحيى ابن معاذ (٢): من أصحُّ الناس عزمًا؟ قال: الغالب لهواه. ودخل خلف بن خليفة (٣) على سليمان بن حبيب بن المهلَّب، وعنده جاريةٌ يقال لها: البدر، من أحسن النَّاس وجهًا، فقال له سليمان: كيف ترى هذه الجارية؟ فقال: أصلح الله الأمير! ما رأت عيناي أحسنَ منها قطُّ! فقال له: خذ بيدها! فقال: ما كنت لأفجعَ الأمير بها، وقد رأيت شدَّة عجبه بها! فقال: ويحك! خذها على شدَّة عجبي بها؛ ليعلم هوايَ أنِّي له غالبٌ. وأخذ بيدها، وخرج وهو يقول: لقد حباني وأعطاني وفضَّلني ... عن غير مسألةٍ منه سليمان

стр. 670

أعطاني البدر خودًا في محاسنها ... والبدر لم يعطه إنسٌ ولا جان ولستُ يومًا بناسٍ فضله أبدًا ... حتى يغيِّبني لحدٌ وأكفان التاسع والثلاثون: أنَّ مثل راكب الهوى كمثل راكب فرس حديدٍ صعب جموحٍ، لا لجام له، فيوشك أن يصرعه فرسه في خلال جريه به، أو يسير به إلى مهلكٍ. قال بعض العارفين (١): أسرعُ المطايا إلى الجنَّة الزُّهد في الدُّنيا، وأسرعُ المطايا إلى النَّار حبُّ الشهوات، ومن استوى على متن هواه؛ أسرع به إلى وادي الهلكات. وقال آخر (٢): أشرف العلماء من هرب بدينه من الدُّنيا، واستصعب قيادُه على الهوى. وقال عطاء (٣): من غلب هواه عقله، وجزعُه صبره، افتُضح. الأربعون: أنَّ التَّوحيد واتِّباع الهوى متضادَّان ، فإنَّ الهوى [١٨٣ ب] صنمٌ، ولكلِّ عبد صنمُ في قلبه بحسب هواه، وإنَّما بعث الله رسله بكسر الأصنام، وعبادته وحده لا شريك له، وليس مرادُ الله ــ سبحانه ــ كسرَ الأصنام المجسَّدة، وترك الأصنام التي في القلب، بل المراد كسرها من القلب أوَّلًا. قال الحسن بن علي المطَّوِّعي: صنمُ كلِّ إنسانٍ هواه، فمن كسره
следующие страницы →