قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلماتٍ، فقال: «إن الله لا ينامُ، ولا ينبغي له أن ينام، يخفضُ القسط، ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابُهُ النُّور لو كشفه لأحرقت سُبُحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه».
وقال عبد الله بن مسعود ــ ﵁ ــ: ليس عند ربكم ليلٌ، ولا نهار، نور السموات من نور وجهه، وإنَّ مقدار كل يوم من أيامكم عند الله اثنتا عشرة ساعة، فتُعرضُ عليه أعمالُكم بالأمس أول النهار أو اليوم، فينظرُ فيها ثلاث ساعات، فيطَّلع منها على بعض ما يكره، فيغضبه ذلك، فأوّلُ من يعلمُ بغضبه الذين يحملون العرش، يجدونه يثقُل عليهم فيُسبِّحه الذين [١٦٠ أ] يحملون العرش، وسرادقات العرش، والملائكة المقرَّبون، وسائرُ الملائكة، وينفخ جبريلُ في القرن، فلا يبقى شيءٌ إلَّا سمعه إلَّا الثقلين: الجنَّ والإنس، فيسبحونه ثلاث ساعات، حتى يمتلئ الرَّحمن رحمةً، فتلك ستُّ ساعاتٍ، ثم يُؤْتَى بما في الأرحام، فينظر فيها ثلاث ساعات، فيصوركم في الأرحام كيف يشاء، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، فتلك تسع ساعات، ثم ينظر في أرزاق الخلق كلهم ثلاث ساعات، فيبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيءٍ عليم، ثم قرأ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن/ ٢٩]. ثم قال عبد الله: هذا من شأنكم، وشأْن ربِّكم ﵎.
стр. 597
رواه عثمان بن سعيد الدارمي (١): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة عن الزبير بن عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله الفهري، عن ابن مسعودٍ ــ ﵁ ــ، ورواه الحسن بن إدريس عن خالد بن الهيَّاج، عن أبيه عن عبّاد بن كثير، عن جعفر بن الحارث، عن معدان، عن ابن مسعود ــ ﵁ ــ قال: إنَّ ربكم ليس عنده نهار ولا ليلٌ، وإن السموات مملوءاتٌ نورًا من نور الكرسي، وإن يومًا عند ربك اثنتا عشرة ساعةً، فتُرفعُ فيها أعمال الخلائق في ثلاث ساعات، فيرى فيها ما يكره، فيغضبه ذلك، وإن أوّل من يعلم بغضبه حملةُ العرش، يرونه يثقُل عليهم فيسبّحون له، ويسبح له سُرادقاتُ العرش في ثلاث ساعات من النَّهار، حتى يمتلئ ربنا رضًا، فتلك ستُّ ساعاتٍ من النهار، ثم يأْمر بأرزاق الخلائق، فيعطي من يشاء ويقتر على من يشاء في ثلاث ساعات من النهار، فتلك تسع ساعاتٍ، ثم تُرفع إليه أرحام كل دابة، فيخلق فيها ما يشاء، ويجعل المدة لمن يشاء في ثلاث ساعات من النهار، فتلك اثنتا عشرة ساعةً، ثم تلا ابن مسعود ــ ﵁ ــ هذه الآية: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن/ ٢٩] هذا من شأن ربنا ﵎.
وفي دعاء النبي ﷺ الذي دعا به يوم الطائف: «أعوذُ بنور [١٦٠ ب] وجهك الذي أشرقت له الظُّلماتُ، وصلح عليه أمرُ الدنيا والآخرة أن
стр. 598
يحلَّ عليَّ غضبُك، أو ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» (١).
فإذا جاء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده تشرق لنوره الأرض كلُّها، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الزمر/ ٦٩] وقولُ عبد الله بن مسعود ــ ﵁ ــ: نورُ السموات والأرض من نور وجهه، تفسيرٌ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور/ ٣٥].
وفي الصحيحين من حديث أبي بكر (٢) ــ ﵁ ــ في استفتاح النبي ﷺ قيام الليل: «اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن».
وفي سنن ابن ماجه (٣)، وحرب الكرماني من حديث الفضل بن عيسى الرَّقاشيِّ، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ــ ﵄ ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «بينا أهل الجنة في نعيمهم؛ إذْ سطع لهم نورٌ، فرفعوا رُؤُوسهم، فإذا الربُّ قد أشرف عليهم من فوقهم،
стр. 599
فيقول: السلام عليكم يا أهل الجنة! وذلك قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس/ ٥٨] فيرفعون رؤوسهم، فينظرون إليه، وينظر إليهم، ولا يلتفتون إلى شيءٍ من النعيم حتى يحتجب عنهم، فيبقى نوره وبركته عليهم وعلى ديارهم ومنازلهم». لفظ حديث حرب: «فما ظنُّ المُحبين بلذّة النظر إلى وجهه الكريم في جنات النعيم؟».
وقد كان من دعاء النبي ﷺ : «أسألُك لذَّة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك». ذكره الإمام أحمد، والنسائيُّ، وابنُ حبان في صحيحه (١).
فاسمع الآن شأن أوليائه وأحبائه عند لقائه، ثم اختر لنفسك (٢):
أنت القتيلُ بكل من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي
قال هشامُ بن حسَّان عن الحسن: إذا نظر أهل الجنة إلى الله تعالى؛ نسوا نعيم الجنة.
وقال هشام بن عمَّار (٣): حدثنا محمد بن شعيب بن شابور، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان، حدثنا سعيد بن عبد الله [١٦١ أ] الجرشي
стр. 600
القاضي: أنه سمع أبا إسحاق الهمدانيَّ يحدث عن الحارث الأعور، عن عليِّ بن أبي طالب ــ ﵁ ــ رفعه قال: «إن الله إذا أسكن أهل الجنة الجنةَ، وأهل النار النار، بعث إلى أهل الجنة الروح الأمين فيقول: يا أهل الجنة! إن ربكم يقرئكم السلام، ويأمركم أن تزوروه إلى فناء الجنة، وهو أبطح الجنة، تُربته المسك، وحصباؤُه الدُّرُّ والياقوت، وشجرهُ الذهب الرطب، وورقه الزُّمُرُّد، فيخرج أهل الجنة مستبشرين مسرورين، فثَمَّ يجمعهم، وثَمَّ كرامةُ الله، والنظر إلى وجهه، وهو موعد الله أنجزهُ لهم، فيأذن الله لهم في السماع، والأكل، والشرب، ويكسون حلل الكرامة، ثم ينادي منادٍ: يا أولياء الله! هل بقي مما وعدكم ربكم شيء؟ فيقولون: لا، وقد أنجزنا ما وعدنا، فما بقي شيءٌ إلا النظر إلى وجهه، فيتجلى لهم الربُّ في حجبٍ، فيقول: يا جبريل! ارفع حجابي لعبادي؛ كي ينظروا إلى وجهي. قال: فيرفع الحجاب الأوَّل، فينظرون إلى نور من نور الرب، فيخرون له سجدًا، فيناديهم الرب: يا عبادي! ارْفعوا رؤوسكم؛ فإنها ليست بدار عملٍ، إنما هي دارُ ثوابٍ، فيرفع الحجاب الثاني، فينظرون أمرًا هو أعظم وأجلُّ، فيخرون لله حامدين ساجدين، فيناديهم الربُّ: ارفعوا رؤوسكم، إنها ليست بدار عمل، إنما هي دارُ ثوابٍ، ونعيم مُقيمٍ.
فيرفع الحجاب الثالث، فعند ذلك ينظرون إلى وجه رب العالمين، فيقولون حين ينظرون إلى وجهه: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك، فيقولُ: كرامتي أمكنتكم من النظر إلى وجهي وأحلتْكم داري. فيأذنُ الله للجنَّة أن تتكلم، فتقول: طوبى لمن سكنني!
стр. 601
وطوبى لمن يخلد فِيَّ! وطوبى لمن أُعددتُ له! وذلك قول الله تعالى: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد/ ٢٩] وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة/ ٢٢ ــ ٢٣].
وفي الصحيحين (١) من حديث أبي موسى ــ ﵁ ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «جنتان من [١٦١ ب] ذهب، آنيتُهما، وحليتُهُما، وما فيهما، وجنتان من فضةٍ، آنيتهما، وحليتهما، وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلَّا رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدنٍ».
وذكر عثمان بن سعيد الدَّارميُّ (٢): حدثنا أبو الرَّبيع، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن كعب، قال: ما نظر الله إلى الجنة إلا قال: طيبي لأهلك! فزادت طيبًا على ما كانت، وما من يوم كان عيدًا في الدنيا إلا يخرجون في مقداره إلى رياض الجنة، ويبرزُ لهم الربُّ ﵎، فينظرون إليه، وتسفي عليهم الريح بالطيب، والمسك، فلا يسألون ربهم ــ ﵎ ــ شيئًا إلا أعطاهم، فيرجعون إلى أهلهم وقد ازدادوا على ما كانوا عليه من الحسن والجمال سبعين ضعفًا.
стр. 602
وقال عبد بن حميد (١) أخبرني شبابةُ عن إسرائيل، حدثنا ثُوير بن أبي فاختة: سمعت ابن عمر ــ ﵄ ــ يقول: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ أدنى أهل الجنة منزلةً من ينظرُ إلى خدمه، ونعيمه، وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوةً، وعشيَّةً» ثم تلا هذه الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة/ ٢٢ ــ ٢٣] رواه الترمذي (٢) في جامعه عنه.
وذكر عثمان بن سعيد الدارميُّ (٣) عن ابن عمر ــ ﵄ ــ رفعه إلى النبي ﷺ قال: «إن أهل الجنة إذا بلغ منهم النعيمُ كلَّ مبلغ، وظنُّوا أن لا نعيم أفضلُ منه؛ تجلَّى لهم الربُّ ــ ﵎ ــ فنظروا إلى وجه الرحمن، فنسوا كلَّ نعيمٍ عاينُوهُ حين نظروا إلى وجه الرحمن».
وقال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة/ ٢٢ ــ ٢٣] قال: حسَّنها ﵎ بالنظر إليه ــ سبحانه ــ
стр. 603
وحقَّ لها أن تنضَر وهي تنظر إلى ربها .
قال أبو سليمان الدَّارانيُّ: لو لم يكن لأهل المحبَّة ــ أو قال: المعرفة ــ إلا هذه الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة/ ٢٢ ــ ٢٣] لاكتفوا بها.
وذكر النسائي (١) من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، [١٦٢ أ] عن أبي هريرة ــ ﵁ ــ قال: قلنا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: «هل تُضامُون في رُؤية الشمس في يوم لا غيم فيه،، وفي القمر ليلةَ البدر لا غيمَ فيها؟» قلنا: لا! قال: «فإنكم سترون ربكم حتَّى إن أحدكم ليُحاضرُهُ مُحاضرةً، فيقولُ: عبد ي! هل تعرفُ ذنب كذا وكذا؟ فيقول: ربِّ! ألم تغفر لي؟ فيقول: بمغفرتي صِرتَ إلى هذا».
وفي الصحيحين (٢) من حديث مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار، عن أبي سعيد الخُدري ــ ﵁ ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا، وسعديك، والخير في يديك! فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تُعط أحدًا من خلقك! فيقولُ: ألا أُعطيكُمْ
стр. 604
أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا ربِّ! وأيُّ شيءٍ أفضلُ من ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رضواني، فلا أسخطُ عليكُم أبدًا».
وفي الصحيح، والسُّنن، والمسانيد (١) من حديث ثابت البُناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب ــ ﵁ ــ عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة؛ نادى مناد: يا أهل الجنَّة! إنَّ لكم عند الله موعدًا يُريد أن يُنجزَكُمُوهُ. فيقولون: ما هو؟! ألمْ يُبَيِّضْ وُجُوهنا، ويُثقِّلْ موازِيننا، ويُدْخِلْنَا الجنَّة، ويُجِرْنَا من النَّارِ؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله! ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقرَّ لأعْيُنِهمْ».
وفي صحيح البخاري (٢) من حديث جرير بن عبد الله، قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: «إنكم سترون ربَّكم كما ترون هذا القمر لا تُضامُّون في رُؤيتِهِ، فإن استطعتُم ألَّا تُغْلبوا على صلاةٍ قبْل طُلوعِ الشمس، وقبْل غُروبها؛ فافعلوا».
وفي الصحيحين (٣) من حديث الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة ــ ﵁ ــ: أنَّ الناس قالوا: يا رسول الله! هل نرى
стр. 605
ربَّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : «هل تضارُّون [١٦٢ ب] في القمر ليلة البدر؟» قالوا: لا يا رسول الله! قال: «فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله! قال: «فإنكم ترونه كذلك» وفي لفظٍ: «فإنكم لا تُضارُّون في رُؤية ربكم إلَّا كما تُضارُّون في رؤْيتهما».
وقال الترمذيُّ (١): حدَّثنا قُتيبة، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ــ رضي لله عنه ــ: أن رسول الله ﷺ قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيدٍ واحدٍ، ثم يطلع عليهم ربُّ العالمين ــ ﵎ ــ فيقول: ألا ليتَّبع كلُّ إنسانٍ ما كان يعبد، فيمثَّل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار ناره، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون، فيطلع عليهم ربُّ العالمين ــ ﵎ ــ فيقولُ: ألا تتبعون الناس؟ فيقولون: نعوذ بالله منك! نعوذ بالله منك! نعوذ بالله منك! الله ربُّنا! هذا مكانُنا حتى نرى ربَّنا، ثم يأمرهم ويُثبِّتُهم. ثم يتوارى، ثم يطلع عليهم، فيقول: ألا تتبعون الناس؟ فيقولون: نعوذ بالله منك! نعوذ بالله منك! الله ربنا، وهذا مكاننا حتَّى نرى ربنا، وهو يأمرهم ويُثبِّتُهُم». قالوا: وهل نراهُ يا رسول الله؟! قال: «وهل تُضارُّون في رُؤيةِ القمرِ ليلةَ البدر؟» قالوا: لا يا رسول الله! قال: «فإنكم لا تُضارُّون في رُؤيته تلك
стр. 606
الساعة». قال: «ثُمَّ يتوارى، ثم يطلعُ، فيُعرِّفهم نفسه فيقول: أنا ربكم فاتبعوني! فيقوم المسلمون، ويوضع الصراطُ، فيمرون عليه مثل جياد الخيل، والركاب، وقولهم عليه: سلِّم سلِّم، ويبقى أهل النار فيطرح منهم فيها فوجٌ، فيقالُ: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد؟ ثم يطرح فيها فوجٌ فيقال: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد؟ حتى إذا أوعَبُوا فيها؛ وضع الرحمن ــ ﵎ ــ فيها قدمهُ. فانزوى بعضُها إلى بعض، وقالت: قط قطْ.
فإذا أدخل الله أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار؛ أُتي بالموت مُلبيًا، فيُوقفُ على السُّور؛ الذي بين أهل الجنة وأهل النار، ثم يقالُ: يا أهل [١٦٣ أ] الجنَّة! فيطلعون خائفين، ثم يُقالُ: يا أهل النار! فيطلعون مستبشرين، يرجون الشفاعة، فيُقالُ لأهل الجنة وأهل النار: هل تعرفون هذا؟ فيقولون هؤلاء وهؤلاء: قد عرفناهُ، هو الموت الذي وُكل بنا، فيضجع، فيُذبحُ ذبْحًا على السُّور. ثمَّ يُقالُ: يا أهل الجنة! خلودٌ، ولا موتٌ، ويا أهل النَّار! خُلودٌ، ولا موتٌ».
قال التِّرمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأصله في الصحيحين، لكن هذا السياقُ أجمع وأخصر. وفي لفظٍ للترمذي (١): «فلو أن أحدًا مات فرحًا؛ لمات أهلُ الجنة، ولو أن أحدًا مات حزنًا؛ لماتَ أهلُ النَّار».
стр. 607
وفي مسند الحارث بن أبي أُسامة (١) من حديث أبي قرَّة عن مالك، عن زياد بن سعد، حدثنا أبو الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله ــ ﵄ ــ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كان يوم القيامة جُمعت الأممُ، ودُعي كُلُّ أُناسٍ بإمامهم، فجئنا آخر النَّاس، فيقولُ قائلٌ من الناس: من هذه الأمة؟ قال: فيشرف إلينا الناس، فيقال: هذه الأمة الأمينة، هذه أُمة محمدٍ، وهذا محمدٌ في أُمَّتِهِ. فيُنادي مُناد: إنكم الآخرون الأوَّلون. قال: فنأْتي، نتخطى رقاب الناس حتى نكون أقرب الناس إلى الله تعالى منزلة، ثم يدعى الناس كل أُناس بإمامهم، فيُدعى اليهود، فيقال: من أنتم؟ فيقولون: نحن اليهود. فيقال: من نبيكم؟ فيقولون: نبينا موسى. فيقول: ما كتابكم؟ فيقولون: كتابنا التوراة. فيقول: ما تعبدون؟ فيقولون: نعبد عزيرًا، ونعبدُ الله. فيقول للملأ حوله: اسلُكُوا بهم في جهنم! ثم يُدعى النصارى، فيقول: من أنتم؟ فيقولون: نحن النصارى. فيقول: من نبيكم؟ فيقولون: نبينا عيسى. فيقول: ما كتابكم؟ فيقولون: كتابنا الإنجيل. فيقول: ما تعبدون؟ فيقولون: نعبد عيسى، وأمه، والله. فيقول للملأ حوله: اسلكوا بهؤلاء في جهنم. فيُدعى عيسى، فيقول لعيسى: يا [١٦٣ ب] عيسى! ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة/ ١١٦] فيقول: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ
стр. 608
مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة/ ١١٦] إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة/ ١١٨].
ثم يدعى كل أُناس بإمامهم، وما كانوا يعبدون، ثم يصرخُ الصارخُ: أيُّها الناس! من كان يعبد إلهًا؛ فليتبعه، تقدمهم آلهتُهُمْ، منها: الخشب والحجارة، ومنها: الشمس والقمر، ومنها: الدَّجَّال، حتى يبقى المسلمون، فيقف عليهم، فيقول: من أنتم؟ فيقولون: نحن المسلمون! قال: خيرُ اسمٍ، وخيرُ داعيةٍ، فيقول: من نبيكم؟ فيقولون: محمدٌ! فيقول: ما كتابكم؟ فيقولون: القرآن! فيقول: ما تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله وحده لا شريك له. قال: سينفعكم ذلك إن صدقتم، قالوا: هذا يومنا الذي وعدنا، فيقول: أتعرفون الله إن رأيتُموه؟ فيقولون: نعم! فيقول: وكيف تعرفونه، ولم تروه؟ فيقولون: نعم أنه لا عدل له. قال: فيتجلَّى لهم ﵎، فيقولون: أنت ربنا تباركت أسماؤُك، ويخرُّون لهُ سجدًا، ثم يمضي النُّور بأهله».
وفي مسند الإمام أحمد (١) ــ ﵁ ــ من حديث أبي الزبير، قال: سألت جابرًا عن الورود، فأخبرني: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «نجيء يوم القيامة على كوم فوق الناس، فتدعى الأمم بأوثانها، وما كانت تعبد، الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول: ما تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا، فيقول: أنا ربكم! فيقولون: حتى ننظر إليك، قال
стр. 609
فيتجلى لهم يضحك، فيتَّبعونهُ».
وذكر عثمان بن سعيد الدارمي (١) أن أبا بردة بن أبي موسى الأشعري أتى عمر بن عبد العزيز، فقال: حدثنا أبو موسى الأشعري
ــ ﵁ ــ: أن رسول الله ﷺ قال: «يجمع الله الأمم يوم القيامة في صعيد واحد، فإذا بدا له أن يصدع بين خلقه؛ مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون، فيتبعونهم حتى يُقحمُوهم النار، ثم يأتينا ربُّنا؛ ونحن في مكانٍ، فيقول: من أنتم؟ فنقول: نحن المؤمنون! فيقول: ما تنتظرون؟ [١٦٤ أ] فنقول: ننتظر ربنا! فيقول: من أين تعلمون أنه ربُّكم؟ فنقول: حدثتنا الرسل ــ أو جاءتنا الرسل ــ فيقول: هل تعرفونه؟ فنقول: نعلم أنه لا عدل له، فيتجلى لنا ضاحكًا، ثم يقول: أبشروا معشر المسلمين! فإنه ليس منكم أحدٌ إلا وقد جعلت مكانه في النار يهوديًا، أو نصرانيًا» فقال عمر لأبي بردة: آلله، لقد سمعت أبا موسى يحدث بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ ؟! قال: إي والله الذي لا إله إلَّا هو لقد سمعت أبي يذكره عن رسول الله ﷺ غير مرَّةٍ، ولا مرَّتين، ولا ثلاثًا! فقال عمر بن عبد العزيز: ما سمعت في الإسلام حديثًا هو أحبُّ إليَّ منه.
стр. 610
وفي الترمذي (١) من حديث الأوزاعي: حدثني حسانُ بن عطية، عن سعيد بن المسيب: أنه لقي أبا هريرة ــ ﵁ ــ فقال أبو هريرة: أسأل الله تعالى أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنَّة، فقال سعيد: أَوَ فيها سوق؟! فقال: نعم، أخبرني رسول الله ﷺ : «أن أهل الجنَّة إذا دخلوها؛ نزلوا فيها بفضل أعمالهم، فيُؤذنُ لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون الله ﵎، فيبرز لهم عرشه، ويتبدَّى لهم في روضةٍ من رياض الجنة، فيوضع لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من ياقوت، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم ــ وما فيهم دنيءٌ ــ على كُثبانِ المسكِ والكافور، ما يرون أنَّ أهل الكراسي أفضلُ منهم مجلسًا».
قال أبو هريرة: قلتُ: يا رسول الله! وهل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: «نعم! هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟» قلنا: لا، قال: «كذلك لا تمارون في رؤية ربكم، ولا يبقى في ذلك المجلس أحدٌ إلَّا حاضرهُ الله تعالى محاضرةً، حتى يقول للرجل منهم: يا فلان بن فلان! أتذكرُ يوم كذا، عملت كذا، وكذا؟ فيُذكره ببعض غدراته في الدنيا، فيقول: يا رب ألم تغفر لي؟! فيقولُ: بلى! فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه. قال: [١٦٤ ب] فبينا هُمْ على ذلك غشيتهم سحابةٌ من فوقهم،
стр. 611
فأمطرت عليهم طيبًا، لم يجدوا مثل ريحه شيئًا قطُّ، ثم يقولُ: قوموا إلى ما أعددتُ لكم من الكرامة، فخذوا ما اشتهيتُم! فنأتي سوقًا قد حفَّت به الملائكة، فيه ما لم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذانُ، ولم يخطر على القلوب، فيُحمل إلينا ما اشتهينا، ليس يُباعُ فيه شيءٌ، ولا يُشترى، وفي ذلك السُّوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضًا، فيُقبلُ الرَّجُل ذو المنزلة الرَّفيعة، فيلقى من هو دونهُ ــ وما فيهم دنيٌّ ــ فيروعه ما يرى عليه من اللباس، فما ينقضي آخرُ حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه، وذلك: أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يحزن فيها، ثم ننصرفُ إلى منازلنا، فتتلقانا أزواجنا، فيقلن: مرحبًا وأهلًا! لقد جئت، وإن بك من الجمال والطيب أكثر مما فارقتنا عليه، فيقول: إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار، ويحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا».
وقال يعقوب بن سفيان في مسنده (١): حدثنا ابن المصفى، حدثنا سويد بن عبد العزيز، حدثنا عمرو بن خالد، عن زيد بن عليٍّ، عن أبيه، عن جدِّه، عن عليِّ بن أبي طالب ــ ﵁ ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «يزور أهل الجنة الربَّ ﵎ في كل يوم جمعة» وذكر ما يعطون. قال: ثم يقول الله تعالى: اكشفوا الحجب! فيكشفون حجابًا، ثم حجابًا، حتى يتجلى لهم عن وجهه ــ ﵎ ــ وكأنهم لم يروا نعمة قبل ذلك، وهو قول الله : ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق/ ٣٥].
стр. 612
وذكر عثمان بن سعيد الدارمي (١) من حديث الحسن ــ ﵁ ــ عن النبي ﷺ مرسلًا: أنه قال: «يأتينا ربُّنا يوم القيامة ونحن على مكان رفيع، فيتجلى لنا ضاحكًا» مرسل صحيح.
وقال عثمانُ الدارميُّ (٢): حدثنا أبو موسى، حدثنا أبو عوانة، حدثنا الأجلحُ، حدثنا الضحاك بن مزاحم، قال: إن الله يأمر السماء يوم القيامة، فتنشقُّ بمن فيها، فيحيطون بالأرض ومن فيها، ثم يأمرُ السماء الثانية
ــ حتى ذكر سبع سموات ــ [١٦٥ أ] فيكونون سبعة صفوف قد أحاطوا بالناس، ثم ينزل الملك الأعلى ــ ﷻ ــ في بهائه وجماله، ومعه ما شاء من الملائكة.
وقال عثمان بن سعيد (٣): حدثنا هشام بن خالد الدمشقي ــ وكان ثقةً ــ حدثنا محمد بن شعيب بن شابور، حدثنا عمر بن عبد الله مولى غُفرة، عن أنس بن مالك ــ ﵁ ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «جاءني جبريل، وفي كفه مرآةٌ، فيها نُكتةٌ سوداءُ، فقلت: ما هذه
стр. 613
ياجبريل؟! قال: هذه الجمعة، أرسل بها إليك ربك، فتكون هدًى لك ولأمتك من بعدك. فقلت: وما لنا فيها؟ قال: لكم فيها خيرٌ كثيرٌ، أنتم الآخرون السابقون يوم القيامة، وفيها ساعةٌ لا يُوافقُها عبد مؤمنٌ، يصلي، يسأل الله خيرًا هُو له قسم إلَّا أتاهُ، ولا خيرًا ليس له بقسمٍ إلَّا ذُخرَ لهُ أفضلُ منه، ولا يستعيذُ بالله من شر ما هو مكتوب عليه إلَّا دُفع عنه أكثرُ منه. قلت: ماهذه النكتةُ السوداء؟ قال: هذه الساعةُ يوم تقوم القيامة، وهو سيدُ الأيام، ونحن نُسميه عندنا يوم المزيد.
قلت: ولم تُسمونه يوم المزيد يا جبريل؟! قال: لأنَّ ربك اتَّخَذَ في الجنَّة واديًا أفْيح من مسكٍ أبيض، فإذا كان يوم الجمعة من أيام الآخرة؛ هبط الجبارُ عن عرشه إلى كرسيه إلى ذلك الوادي، وقد حفَّ الكرسي بمنابر من نور، يجلس عليها الصديقون، والشهداء يوم القيامة، ثم يجيءُ أهل الغُرف، حتى يُحْفوا بالكثيب، ثم يبدو لهم ذو الجلال والإكرام ــ ﵎ ــ فيقول: أنا الذي صدقتكم وعدي، وأتممتُ عليكم نعمتي، وأحللتكم دار كرامتي، فسلوني! فيقولون بأجمعهم: نسأل الرضا عنا! فيشهد لهم على الرضا، ثم يقول لهم: سلوني! فيسألونه حتى تنتهي نهمةُ كل عبد منهم، ثم يقول: سلوني! فيقولون: حسبنا ربنا! رضينا! فيرجع الجبارُ ــ ﷻ ــ إلى عرشه، فيُفتحُ لهم بقدر إشراقهم من يوم الجمعة ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، [١٦٥ ب] ولا خطر على قلب بشر، ويرجع أهل الغُرف إلى غُرفهم، وهي غُرفةٌ من لُؤلؤةٍ بيضاء، وياقوتة حمراء، وزمرُّدةٍ خضراء، ليس فيها قصمٌ، ولا وصمٌ، مطرِدةٌ فيها أنهارُها، مُتدليةٌ فيها
стр. 614
ثمارُها، فيها أزواجها، وخدمها، ومساكنها، فليسوا إلى يوم أحوج منهم إلى يوم الجمعة؛ ليزدادوا فضلًا من ربهم ورضوانًا».
رواه عن أنسٍ جماعةٌ، منهم: عثمان بن عمير أبي اليقظان، ومن طريقه رواه الشافعي في مسنده (١)، وعبد الله بن الإمام أحمد في «السنة» (٢)، ومنهم: أبو صالح، والزُّبير بن عديٍّ، وعليُّ بن الحكم البناني، وعبد الملك بن عمير، ويزيد الرَّقاشيُّ، وعبد الله بن بريدة، كلُّهم عن أنسٍ، وصححه جماعةٌ من الحفَّاظ، وزاد الشافعي في مسنده في آخره: «وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش». وساقه عثمان بن أبي شيبة من طرقٍ، وقال في بعضها: «ثم يتجلى لهم ربهم ﵎، فيقول: أنا الذي صدقتكم وعدي، وأتممتُ عليكم نعمتي، وهذا محلُّ كرامتي» إلى أن قال: «ثمَّ يرتفعُ على كرسيه، ويرتفع معه النبيُّون، والصديقون، والشهداء، ويرجع أهل الغُرفِ إلى غُرَفِهِم».
وروى محمَّد بن الزِّبرقان (٣)، عن مقاتل بن حيَّان، عن أبي الزُّبير، عن جابر ــ ﵁ ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ أهلَ الجنَّة ليحتاجون إلى العلماء في الجنَّة، كما يحتاجون إليهم في الدنيا، وذلك
стр. 615
أنَّهم يزورون ربهم في كلِّ جمعة، فيقول لهم: تمنَّوا! فيقولون: وما نتمنَّى، وقد أدخلتنا الجنَّة، وأعطيتنا ما أعطيتنا؟ فيقال لهم: تمنَّوا فيلتفتون إلى العلماء» وذكر الحديث في قصَّة الجمعة.
وروى ابنُ منده (١) من حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة
ــ ﵁ ــ عن النَّبي ﷺ قصَّة الجمعة بطولها، وفيها يقول: «سلوني! فيقولون: أرنا وجهك ربَّ العالمين ننظرُ إليك! فيكشفُ الله ﵎ تلك الحُجُب، ويتجلَّى لهم، فينظرون إليه».
وذكر عثمان الدارمي (٢) عن محمد بن كعب القُرَظيِّ: أنَّه حدَّث عمر بن عبد العزيز، قال: إذا فرغ [١٦٦ أ] الله من أهل الجنَّة والنار؛ أقبل في ظللٍ من الغمام والملائكة، فيسلِّم على أهل الجنَّة في أوَّل درجةٍ، فيردُّون ﵇. قال القُرظي: وهذا في القرآن: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس/ ٥٨] فيقولُ: سلوني! يفعل بهم ذلك في درجهم حتى يستويَ على عرشه، ثمَّ تأتيهم التُّحفُ من الله، تحملها الملائكة إليهم.
وقال عبد الواحد بن زيدٍ عن الحسن: لو علم العابدون أنَّهم لا يرون ربَّهم في الآخرة، لذابت أنفسهم في الدنيا. وقال هشام بن حسَّان
стр. 616
عنه: أنَّه ﵎ يتجلَّى لأهل الجنَّة، فإذا رأوه نَسُوا نعيمَ الجنَّة.
أعجب الصبر صبرُ المحبين، قال الشاعر (١):
والصَّبر يُحمدُ في المواطن كلِّها ... إلَّا عليك فإنه لا يحمد
وقف رجل على الشِّبليِّ، فقال: أيُّ الصَّبر أشدُّ على الصابرين؟ قال: الصبر في الله. فقال السَّائل: لا! فقال: الصَّبر لله. قال: لا! قال: فالصَّبر مع الله. قال: لا! قال: فما هو؟ قال: الصبرُ عن الله. فصرخَ الشبليُّ صرخةً كادت روحهُ تزهقُ. قال الشاعر (٢):
والصبرُ عنك فمذمومٌ عواقبهُ ... والصبرُ في سائر الأشياء محمودُ
الخوفُ يبعدك عن معصيته، والرَّجاء يحركك إلى طاعته، والحبُّ يشوقك إليه شوقًا. لمَّا علم الله ــ سبحانه ــ أنَّ قلوب المشتاقين إليه لا تهدأ إلَّا بلقائه؛ ضرب لهم أجلًا لِلِّقاء؛ سكنًا لقلوبهم، فقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥].
يا من شكا شوقه من طول فرقته ... اصبر لعلَّك تلقى من تحب غدا (٣)
وسِرْ إليه بنار الشوقِ مجتهدًا ... عساك تلقى على نار الغرام هُدَى
المحبُّ الصادق كلَّما قرب من محبوبه؛ زاد شوقًا إليه.
وأعظمُ ما يكون الشوقُ يومًا ... إذا دنت الخيامُ من الخيام (٤)
стр. 617
كلَّما وقع بصرُ [١٦٦ ب] المحبِّ على محبوبه، أحدثت له رؤيته شوقًا على شوقه.
ما يرجعُ الطرفُ عنه حين يُبْصره ... حتَّى يعود إليه الطرف مشتاقا (١)
المحبُّ الصادقُ إذا سافر طرفُه في الكون؛ لم يجد له طريقًا إلَّا على محبوبه، فإذا انصرفَ بصره عنه؛ رجع إليه خاسئًا وهو حسير.
ويَسْرح طرفي في الأنام وينثني ... وإنسانُ عيني في الدموع غريق
فيرجعُ مردودًا إليك وما لَه ... على أحدٍ إلَّا عليكَ طريقُ
أقرُّ شيءٍ لعين المحبِّ خلوته بسرِّه مع محبوبه. حدَّثني من رأى شيخنا عُنْفُوان أمره، خرج إلى البريَّة بكرةً، فلمَّا أصحر؛ تنفَّس الصُّعداء، ثمَّ تمثَّل بقول الشاعر (٢):
وأخرجُ من بين البيوت لعلَّني ... أُحَدِّثُ عنك القلبَ بالسرِّ خاليا
الشوق يحمل المحبَّ على العَجَلة في رضا محبوبه، والمبادرة إليها على الفور، ولو كان فيها تَلَفُه. ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه/ ٨٣ ــ ٨٤] قال
стр. 618
بعضهم: أراد شوقًا إليك، فستره بلفظ الرِّضا (١).
ولو قلت طَأْ في النار أعلمُ أنَّه ... رضًا لك أو مُدنٍ لنا من وصالكِ
لقدَّمتُ رجلي نحوها فوطئتها ... هدًى منك لي أو ضلَّةً من ضلالك
لِيَهْنِك إمساكي بكفِّي على الحَشَا ... ورقراقُ عيني خشيةً من زيالك
وإن ساءني أن نلتني بمساءةٍ ... لقدْ سرَّني أنِّي خطرتُ ببالك
من علامات المحبَّة الصَّادقة أنَّ المحبَّ لا يتمُّ له سرورٌ إلَّا بمحبوبه، وما دام غائبًا عنه غيبته؛ فعيشُه كلُّهُ مُنغَّصٌ (٢).
نحن في أكمل السُّرور ولكنْ ... ليسَ إلَّا بكم يتمُّ السُّرورُ [١٦٧ أ]
عيبُ ما نحنُ فيه يا أهلَ وُدِّي ... أنَّكم غُيَّبٌ ونحنُ حضور
وقال آخر (٣):
من سرَّه العيدُ الجَديـ ... ـدُ فقد عدمتُ به السُّرورا
كان السُّرورُ يتمُّ لي ... لو كان أحبابي حُضُورا
стр. 619
لو قيل للمُحبِّ على الدَّوام: ما تتمنَّى؟ لقال: لقاء المحبوب (١).
ولمَّا نزلنا منزلًا طلَّه الندى ... أنيقًا وبستانًا من النَّور حاليا
أجدَّ لنا طيبُ المكان وحسنُه ... مُنىً فتمنَّينا فكنت الأمانيا
قال الجنيد: سمعت السَّريَّ يقول: الشوق أجلُّ مقام العارف؛ إذا تحقَّق فيه، وإذا تحقَّق بالشوق؛ لها عن كلِّ ما يشغله عمَّن يشتاق إليه.
وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود ــ ﵇ ــ: قل لِشبَّان بني إسرائيل: لم تشغلون نفوسكم بغيري، وأنا مشتاقٌ إليكم؟ ما هذا الجفاء؟ ولو يعلم المدبرون عنِّي كيف انتظاري لهم، ورفقي بهم، ومحبَّتي لترك معاصيهم؛ لماتوا شوقًا إليَّ، وانقطعت أوصالهم من محبَّتي. هذه إرادتي للمدبرين عنِّي، فكيف إرادتي للمقبلين عليَّ؟!
وسئل الجنيد: من أي شيءٍ يكون بكاءُ المحبِّ إذا لقيَ المحبوب؟ فقال: إنَّما يكون ذلك سرورًا به، ووجدًا من شدَّة الشوق إليه. قال: ولقد
стр. 620
بلغني: أنَّ أخوين تعانقا، فقال: أحدهما: واشوقاه! وقال الآخر: واوجداه!
وكانت عجوزٌ لها غائبٌ، فقدم من السَّفر، فأظهر أهلُها الفرحَ والسُّرورَ به، فجعلت تبكي، فقيل لها: ماهذا البكاء؟ فقالت: ذكَّرني قدومُ هذا الفتى يوم القدوم على الله.
وقال بعض المحبِّين: قلوبُ المشتاقين منوَّرةٌ بنور الله، فإذا تحرَّك اشتياقهم؛ أضاء النُّورُ مابين السماء والأرض، فيعرضهم الله ــ ــ على الملائكة، فيقول: هؤلاء المشتاقون إليَّ، أشهدكم [١٦٧ ب] أنِّي إليهم أشوق!
فصل
قال ابن أبي الحواري (١) ــ ﵀ ــ: سئل أبو سليمان الدَّارني
ــ ﵀، وأنا حاضرٌ ــ: ما أقربُ ما يُتقرَّب به إلى الله ــ ــ؟ فبكى، ثمَّ قال: مثلي يُسْأل عن هذا؟ أقربُ ما يُتَقرَّب به إليه: أن يطَّلع على قلبك وأنت لا تريد من الدُّنيا والآخرة إلَّا هو.
وقال يحيى بن معاذ: النُّسكُ: هو العناية بالسَّرائر، وإخراج ما سوى الله من القلب.
стр. 621
وقال سهل بن عبد الله: ما من ساعةٍ إلَّا والله ــ سبحانه ــ يطَّلع فيها على قلوب العباد، فأي قلب رأى فيه غيره سلط عليه إبليس. وقال سهل: من نظر إلى الله ــ ــ قريبًا منه؛ بَعُد عن قلبه كل شيء سوى الله، ومن طلب مرضاته أرضاه الله ــ ــ ومن أسلم قلبه إلى الله؛ تولى الله جوارحه. وقال سهل أيضًا: حرامٌ على قلبٍ أن يَشُمَّ رائحةَ اليقين؛ وفيه سكونٌ إلى غير الله، وحرامٌ على قلبٍ أن يدخله النُّورُ؛ وفيه شيءٌ ممَّا يكره الله. وسئل بعضهم عن أفضل الأعمال؛ فقال: رعايةُ السِّرِّ عن الالتفات إلى شيءٍ سوى الله ــ ــ. وقال سلم: تركتموه، وأقبل بعضكم على بعض، لو أقبلتم عليه؛ لرأيتم العجائب.
فصل
فإن تقاصرت همتك الدَّنيَّة عن ترك الفواحش؛ محبةً لهذا المحبوب الأعلى، ولست هناك؛ فاترُكها محبةً للنِّساء اللَّاتي وصفهنَّ الله في كتابه، وبعث رسوله داعيًا إلى وصالهن في جنَّة المأوى، وقد تقدَّم ذكر بعض صفاتهن، ولذَّة وصالهنَّ. فإن تقاصرت همتُك عنهنَّ، ولم تكن كفؤًا لخطبتهن، ودعتك نفسك إلى إيثار ما هاهنا عليهنَّ؛ فكن من عقوبته العاجلة والآجلة على حذر. واعلم أنَّ العقوبات تختلف، فتارةً تُعَجَّل، وتارة تؤخَّر، وتارةً يجمعُ الله على العاصي بينهما.
و أشدُّ العقوبات العقوبة بسلب الإيمان ، ودونها: العقوبة بموت القلب، ومحو لذَّة الذِّكر، والقراءة، [١٦٨ أ] والدُّعاء، والمناجاة منه،
стр. 622
وربما دبَّت عقوبة القلب فيه دبيبَ الظلمة إلى أن يمتلئ القلب بها، فتعمى البصيرة، وأهون العقوبة ما كان واقعًا بالبدن في الدُّنيا، وأهونُ منها ما وقع بالمال، وربَّما كانت عقوبة النظر في البصيرة، أو في البصر، أو فيهما.
قال الفضيل: يقول الله تعالى: ابنَ آدم! إذا كنتُ أُقلِّبك في نعمتي، وأنت تتقلَّب في معصيتي، فاحذر لئلا أصرعك بين معاصيك. ابن آدم! اتّقني، ونم حيث شئت، إنَّك إن ذكرتني ذكرتك، وإن نسيتني نسيتك، والسَّاعة التي لا تذكرني فيها عليك، لا لك.
وقال الفضيل أيضًا: ما يؤمنك أن تكون بارزت الله تعالى بعمل مقتك عليه، فأغلقَ عنك أبواب المغفرة؛ وأنت تضحك؟ وقال علقمة بن مرثد: بينا رجلٌ يطوف بالبيت؛ إذ برق له ساعدُ امرأة، فوضع ساعدَه على ساعدها، فالتذَّ به، فلصقت ساعداهما، فأتى بعض أولئك الشيوخ، فقال: ارجع إلى المكان الَّذي فعلت هذا فيه، فعاهد ربَّ البيت ألَّا تعود، ففعل، فخلِّي عنه.
وقال ابن عباس، وأنسٌ ــ ﵃ ــ: إنَّ للحسنة نورًا في القلب، وزينًا في الوجه، وقوَّة في البدن، وسعةً في الرزق، ومحبةً في قلوب الخلق. وإنَّ للسيئة ظلمة في القلب، وشينًا في الوجه، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرِّزق، وبغضةً في قلوب الخلق.
وقال الحسن: ما عصى الله عبدٌ إلَّا أذلَّه. وقال المعتمر بن سليمان:
стр. 623
إنَّ الرَّجل ليصيب الذنبَ في السرِّ، فيصبح وعليه مذلَّته.
وقال الحسن: هانوا عليه، فعصوه، ولو عزُّوا عليه؛ لعصمهم.
وكان شيخ من الأعراب يدور على المجالس، ويقول: من سرَّه أن تدوم له العافية؛ فليتَّق الله.
وقال أبو سليمان الداراني (١): من صفا صُفِيَ له، ومن كدَّر كُدِّرَ عليه، ومن أحسن في ليله، كُفِيَ في نهاره، ومن أحسن في نهاره؛ كُفِيَ في ليله، ومن ترك لله شهوةً من قلبه؛ فالله أكرمُ أن يُعَذِّب بها قلبَه.
وكتبت [١٦٨ ب] عائشة أم المؤمنين ــ ﵂ ــ إلى معاوية (٢): أمَّا بعد، فإنَّ العامل إذا عمل بمعصية الله؛ عاد حامدُه من الناس ذامًّا.
وقال محارب بن دثار (٣): إنَّ الرَّجل ليذنب الذنبَ، فيجد له في قلبه وهنًا.
وقال الحسين بن مُطَير (٤):
ونفسَكَ أكرِمْ عن أمورٍ كثيرةٍ ... فما لك نفسٌ بعدها تستعيرها
стр. 624
ولا تقرب الأمر الحرام فإنَّما ... حلاوته تفنى ويبقى مريرُها
وكان سفيان الثوري يتمثَّل بهذين البيتين (١):
تفنى اللَّذاذةُ ممن نال صفوتَها ... من الحرامِ ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوءٍ في مغبَّتها ... لا خيرَ في لذَّةٍ من بعدها النَّار
فصل
واعلم أنَّ الجزاء من جنس العمل، والقلب المعلَّق بالحرام كلَّما همَّ أن يفارقه، ويخرج منه؛ عاد إليه، ولهذا يكون جزاؤه في البرزخ وفي الآخرة هكذا.
وفي بعض طرق حديث سمرة بن جندب الَّذي في صحيح البخاري (٢): أنَّ النَّبي ﷺ قال: «رأيت الليلة: رجلان أتياني، فأخرجاني، فانطلقت معهما، فإذا بيتٌ مبنيٌّ على مثل بناء التَّنُّور، أعلاهُ ضيِّقٌ، وأسفلُهُ واسع، يوقد تحته نار، فيه رجالٌ ونساءٌ عُراة، فإذا أوقدت النار؛ ارتفعوا حتَّى يكادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، فقلت: ما هؤلاء؟ قال: هم الزُّناة». فتأمَّل مطابقة هذا العذاب لحال قلوبهم في الدنيا، فإنَّه كلَّما همُّوا بالتوبة والإقلاع، والخروج من تنُّور نار الشهوة إلى فضاء التوبة؛ أُركسوا فيه، وعادوا بعد أن كادوا يخرجون.
стр. 625
ولمَّا كان الكفار في سجن الكفر والشرك وضيقه، وكانوا كلَّما همُّوا بالخروج منه إلى فضاء الإيمان وسعته وروحه؛ رجعوا على حوافرهم؛ كانت عقوبتهم في الآخرة كذلك، قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة/ ٢٠] وقال في موضع آخر: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج/ ٢٢] فالكفرُ والمعاصي، والفسوق [١٦٩ أ] كلُّه غموم، وكلَّما عزم العبد أن يخرج منه؛ أبت عليه نفسه وشيطانه ومألفُه، فلا يزالُ في غمِّ ذلك حتَّى يموت، فإن لم يخرج من غمِّ ذلك في الدنيا؛ بقي في غمِّه في البرزخ، وفي القيامة، وإن خرج من غمِّه، وضيقه هاهنا؛ خرج منه هناك، فما حبس العبد عن الله في هذه الدَّار حبسه عنه بعد الموت، وكان معذَّبًا به هناك كما كان قلبه معذبًا به في الدنيا، فليس الفسَّاق والفجرة والظَّلمة في لذَّةٍ في هذه الدار، وإنَّما هم مُعذبون فيها وفي البرزخ وفي القيامة، ولكن سكر الشَّهوة وموت القلوب حال بينهم وبين الشعور بالألم، فإذا حيل بينهم وبين ما يشتهون؛ أحضرت نفوسُهم الألمَ الشديد، وصار يعمل فيها بعد الموت نظير ما يعمل الدود في لحومهم. فالآلام تأكل أرواحهم، غيرَ أنَّها لا تفنى، والدُّودُ يأكل جسومهم.
قال الإمام أحمد (١) ــ ﵁ ــ: حدَّثنا إسماعيل بن عبدالكريم،
стр. 626
قال: حدَّثني عبد الصَّمد بن معقل، حدَّثني وهب بن مُنبِّه، قال: كان حزقيل قائمًا، فأتاه ملكٌ، فذكر حديثًا طويلًا، وفيه: أنَّه مرَّ بقومٍ أمواتٍ، فقيل له: ادعهم! فدعاهم، فأحياهم الله له، فقال: سَلْهم فيم كنتم؟ فقالوا: لمَّا فارقنا الحياة لقينا ملكًا، يقال له: ميكائيل فقال: هلموا أعمالكم، وخذوا أجوركم، فذلك سُنتنا فيكم وفيمن كان قبلكم، وفيمن هو كائنٌ بعدكم، فنظروا في أعمالنا، فوجدونا نعبد الأوثان، فسُلِّطَ الدُّود على أجسادنا، وجعلت الأرواح تألمُ، وسُلِّط الغمُّ على أرواحنا، وجعلت الأجساد تألم، فلم تزل كذلك معذبة حتى دعوتنا.
стр. 627
الباب السابع والعشرون فيمن ترك محبوبه حرامًا، فبُدِّل له حلالًا أو أعاضه الله خيرًا منه
عنوانُ هذا الباب، وقاعدتُه: أنَّ من ترك لله شيئًا؛ عوَّضه الله خيرًا منه ، كما ترك يوسف الصِّديقُ ــ ﵇ ــ امرأة العزيز لله، واختارَ السِّجن على الفاحشة، فعوَّضه [١٦٩ ب] الله: أن مكَّنه في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، وأتته المرأة صاغرةً، سائلةً، راغبةً في الوصل الحلال، فتزوَّجها، فلمَّا دخل بها قال: هذا خيرٌ ممَّا كنتِ تريدين.
وتأمَّل كيف جزاه الله ــ سبحانه ــ على ضيق السجن: أن مكَّنه في الأرض ينزل منها حيث يشاء، وأذلَّ له العزيز، وامرأته، وأقرَّت المرأة والنِّسوة ببراءته، وهذه سُنَّته تعالى في عباده قديمًا وحديثًا إلى يوم القيامة.
ولمَّا عقر سليمان بن داود ــ عليهما الصلاة والسلام ــ الخيلَ التي شغلته عن صلاة العصر حتى غابت الشمس غضبًا لله، أعاضه الله عنها الريحَ يركب هو و عسكره على متنها حيث أراد.
ولمَّا ترك المهاجرون ديارَهم لله، وأوطانهم التي هي أحبُّ شيءٍ إليهم أعاضهم الله أن فتح عليهم الدُّنيا، وملَّكهم شرقَ الأرض وغربَها.
ولو اتقى الله السَّارقُ، وترك سرقة المال المعصوم لله؛ لآتاه الله مثلَه
стр. 628
حلالًا. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ ــ ٣] فأخبر ــ ــ: أنَّه إذا اتقاه بترك ما لا يحلُّ له؛ رزقه من حيث لا يحتسب، وكذلك الزاني لو ترك ركوبَ ذلك الفرج حرامًا لله؛ لأثابه الله بركوبه، أو ركوب ما هو خيرٌ منه حلالًا.
قال الإمام أحمد (١): حدثنا هشيم، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن محارب بن دثار، عن صلة، عن حذيفة بن اليمان ــ ﵄ ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «النظرُ إلى المرأة سهمٌ من سهام إبليس مسمومٌ، من تركه خوف الله؛ أثابه الله إيمانًا يجد حلاوته في قلبه».
وقال عمر بن شبَّة (٢): حدَّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدَّثنا عنبسة بن عبد الرحمن، حدَّثنا أبو الحسن المزنيُّ، عن علي ــ ﵁ ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «نظرُ الرَّجلِ في محاسن المرأة سهم من سهام إبليس مسموم، فمن أعرض عن ذلك السهم أعقبه الله عبادة [١٧٠ أ] تسرُّه».
وقال أبو الفرج ابن الجوزي (٣) ــ رحمه الله تعالى ــ: بلغني عن بعض الأشراف: أنَّه اجتاز بمقبرة، وإذا بجارية حسناءَ عليها ثيابُ سوادٍ،
стр. 629
فنظر إليها، فعلقت بقلبه، فكتب إليها:
قد كنتُ أحسب أنَّ الشمس واحدة ... والبدر في منظر بالحسن موصوف
حتَّى رأيتُك في أثواب ثاكلة ... سودٍ وصدغُك فوق الخَدِّ معطوف
فرحتُ والقلبُ منِّي هائمٌ دنِفٌ ... والكبد حرَّى ودمعُ العين مذروف
رُدِّي الجواب ففيه الشكر واغتنمي ... وصل المحبِّ الَّذي بالحُبِّ مشغوفُ
ورمى بالرقعة إليها، فلمَّا قرأتها كتبت:
إن كنت ذا حسبٍ زاكٍ وذا نسبٍ ... إنَّ الشريف بغضِّ الطرف معروف
إنَّ الزُّناةَ أُناسٌ لا خلاقَ لهم ... فاعْلم بأنَّك يوم الدين موقوف
واقطع رجاك لحاك الله من رجلٍ ... فإنَّ قلبي عن الفحشاء مصروف
فلمَّا قرأ الرُّقعة؛ زجر نفسه، وقال: أليس امرأةٌ تكون أشجع منك؟ ثمَّ تاب، ولبس مدرعةً من الصُّوف، والتجأ إلى الحرم، فبينا هو في الطَّواف يومًا؛ وإذا بتلك الجارية عليها جبَّة من صوفٍ، فقالت له: ما أليق هذا بالشريف، هل لك في المباح؟ فقال: قد كنت أروم هذا قبل أن أعرف الله، وأُحبَّه، والآن فقد شغلني حبُّه عن حبِّ غيره، فقالت له: أحسنت! والله ما قلتُ لك هذا إلَّا لاختبارك؛ لأعلم حدَّ ما انتهيت إليه،
стр. 630
ثمَّ طافت، وأنشدت:
فطفنا فلاحت في الطواف لوائحٌ ... غنينا بها عن كل مرأًى ومسمع
وقال الحسن البصري (١): كانت امرأةٌ بغيٌّ قد فاقت أهل عصرها في الحسن، لا تمكِّن من نفسها إلَّا بمائة دينار، وإنَّ رجلًا أبصرها فأعجبته، فذهب فعمل بيديه، وعالج، فجمع مائة دينار، فجاء، فقال: إنَّك قد أعجبتني، فانطلقت، فعملت [١٧٠ ب] بيدي، وعالجت حتى جمعت مائة دينار. فقالت: ادفعها إلى القهرمان حتى ينقدها، ويزنها. فلمَّا فعل، قالت: ادخل! وكان لها بيتٌ منجَّدٌ، وسريرٌ من ذهب، فقالت: هلمَّ لك! فلمَّا جلس منها مجلس الخائن؛ تذكَّر مقامه بين يدي الله، فأخذته رِعدةٌ، وطفئت شهوتُه، فقال: اتركيني لأخرج، ولك المائة دينار! فقالت: ما بدا لك، وقد رأيتني كما زعمت، فأعجبتك، فذهبت، فعالجتَ، وكددت حتى جمعت مائة دينار، فلمَّا قدرتَ عليَّ فعلت الَّذي فعلت؟! فقال: ما حملني على ذلك إلَاّ الفرقُ من الله، وذكرت مقامي بين يديه! قالت: لئن كنت صادقًا؛ فما لي زوجٌ غيرُك. قال: ذريني لأخرج! قالت: لا؛ إلَاّ أن تجعل لي عهدًا أن تتزوَّجني. فقال: لا، حتى أخرج. قالت: فلي عليك عهد الله إن أنا أتيتك أن تتزوجني، قال: لعلَّ. فتقنَّع بثوبه، ثمَّ خرج إلى بلده، وارتحلت المرأةُ بدنياها نادمةً على ما كان منها حتى قدمت بلده، فسألت عن اسمه،
стр. 631
ومنزله، فدُلَّت عليه، فقيل له: الملكة جاءت بنفسها تسأل عنك، فلمَّا رآها؛ شهقَ شهقةً، فمات، فسُقِطَ في يدها، فقالت: أمَّا هذا فقد فاتني، أما له من قريب؟ فقيل: بلى! أخوه رجلٌ فقير. فقالت: إنِّي أتزوجك حُبًّا لأخيك. قال: فتزوجته، فولدت له سبعة.
وقال يحيى بن عامر التيمي (١): خرج رجلٌ من الحي حاجًّا، فورد بعض المياه ليلًا، فإذا هو بامرأةٍ ناشرةٍ شعرها، فأعرض عنها، فقالت له: هلمَّ إليَّ، فلم تعرض عني؟ فقال: إني أخاف الله رب العالمين! فتجلببت ثم قالت: هبتَ والله مَهابًا، إنَّ أولى من شركك في ا لهيبة لمن أراد أن يشركك في المعصية! ثم ولَّت، فتبعها، فدخلت بعض خيام الأعراب، قال: فلمَّا أصبحتُ؛ أتيت رجلًا من القوم، فسألته عنها، وقلت: فتاةٌ صفتُها كذا وكذا، فقال: هي والله ابنتي! فقلت: هل أنت مُزوِّجي بها؟ قال: على الأكفاء، فمن أنت؟ فقلت: رجلٌ من تيم الله، قال: [١٧١ أ] كُفؤٌ كريمٌ، فما رِمْتُ حتى تزوَّجتها، ودخلتُ بها، ثمَّ قلت: جهزوها إلى قدومي من الحجِّ، فلمَّا قدمنا حملتها إلى الكوفة، وهاهي ذي عندي، ولي منها بنون وبناتٌ. قال: فقلت: ويحك ما كان تعرُّضُك لي حينئذٍ؟! قالت: يا هذا ما للنساء خيرٌ من الأزواج، فلا تعجبنَّ من امرأةٍ تقول: هويتُ، فوالله لو كان عند بعض السُّودان ما تريد من هواها؛ لكان هو هواها!
стр. 632
وقال الحسن بن زيد (١): وَلِيَنَا بديار مصر رجلٌ، فوجد على بعض عُمَّاله، فحبسه، وقيَّده، فأشرفت عليه ابنةُ الوالي، فهويته، فكتبت إليه:
أيُّها الرَّامي بعينيـ ... ـه وفي الطَّرف الحتُوف
إن تُردْ وصلًا فقد أمْـ ... ـكَنَك الظَّبْيُ الألوفُ
فأجابها الفتى:
إن تريني زاني العيـ ... ـنين فالفرجُ عفيف
ليس إلَّا النظر الفا ... ترُ والشِّعْر الظَّريف
فكتبت إليه:
قد أردناك فألفيـ ... ـناكَ إنسانًا عفيفا
فتأبَّيت فلا زِلـ ... ـتَ لقيديك حليفا
فكتب إليها:
ما تأبَّيتُ لأنِّي ... كنتُ للظبي عيوفا
غير أنِّي خفت ربًّا ... كان بي برًّا لطيفا
فذاع الشِّعر، وبلغت القصَّة الواليَ، فدعا به، فزوَّجه إيَّاها، ودفعها إليه.
стр. 633
وذُكر (١): أنَّ رجلًا أحبَّ امرأةً، وأحبَّته، فاجتمعا، فراودته المرأة عن نفسه، فقال: إنَّ أجلي ليس بيدي، وأجلك ليس بيدك، فربما كان الأجل قد دنا، فنلقى الله عاصيين! فقالت: صدقتَ. فتابا، وحسنت حالهما، وتزوجت به.
وذكر بكر بن عبد الله المزني (٢): أنَّ قصَّابًا ولع بجاريةٍ لبعض جيرانه، فأرسلها أهلُها إلى حاجة في قرية أخرى، فتبعها، فراودها عن نفسها، فقالت: لا تفعل! لأنَّا أشدُّ حبًّا [١٧١ ب] لك منِّي، ولكنِّي أخاف الله! قال: فأنت تخافينه، وأنا لا أخافه؟! فرجع تائبًا، فأصابه العطش حتى كاد ينقطع عنقُه، فإذا هو برسولٍ لبني إسرائيل، فسأله، فقال: ما لك؟ قال: العطش، فقال: تعال حتى ندعوَ الله حتى تظلَّنا سحابةٌ حتَّى ندخل القرية! قال: ما لي من عملٍ، فأدعوه، قال: فأنا أدعوه، وأمِّن أنت، فدعا، وأمَّن الرَّجل، فأظلتهما سحابةٌ حتى انتهيا إلى القرية، فذهب القصَّاب إلى مكانه، فرجعت السَّحابة معه، فرجع إليه الرسولُ، فقال: زعمت أن ليس لك عملٌ، وأنا الذي دعوتُ، وأنت أمَّنت، فأظلتنا سحابةٌ، ثمَّ تبعتك، لتُخْبرنِّي ما أمرُك؟! فأخبره، فقال الرسول: إنَّ التَّائب إلى الله بمكانٍ ليس أحدٌ من الناس بمكانه.
стр. 634
وقال يحيى بن أيُّوب (١): كان بالمدينة فتًى يُعجب عمر بن الخطاب ــ ﵁ ــ شأنه، فانصرف ليلةً من صلاة العشاء، فتمثَّلت له امرأةٌ بين يديه، فعرَّضت له بنفسها، ففُتِنَ بها، ومضت، فأتبعها حتى وقف على بابها، فأبصر، وجُلِّيَ عن قلبه، وحضرته هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] فخرَّ مغشيًّا عليه، فنظرت إليه المرأة، فإذا هو كالميِّت، فلم تزل هي وجاريةٌ لها يتعاونان عليه حتى ألقياه على باب داره، فخرج أبوه، فرآه مُلقًى على باب الدَّار لمَا به، فحمله، وأدخله، فأفاق، فسأله: ما أصابك يا بنيَّ؟! فلم يخبره، فلم يزل به حتى أخبره، فلما تلا الآية شهق شهقةً، فخرجت نفسه، فبلغ عمرَ ــ ﵁ ــ قصَّته فقال: ألا آذنتموني بموته؟ فذهب حتى وقف على قبره، فنادى: يا فلان: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن/ ٤٦] فسمع صوتًا من داخل القبر: قد أعطاني ربي يا عمر!
وذكر الحسن (٢) هذه القصة عن عمر ــ ﵁ ــ على وجهٍ آخر، قال: كان شابٌّ على عهد عمر بن الخطاب ــ ﵁ ــ ملازمًا للمسجد والعبادة، فهويته جاريةٌ، فحدَّث نفسه بها، ثمَّ إنَّه تذكَّر،
стр. 635
وأبصر، فشهق شهقةً، غُشِيَ عليه منها، فجاء عمٌّ له، فحمله إلى [١٧٢ أ] بيته، فلمَّا أفاق؛ قال: يا عمُّ! انطلق إلى عمر، فأقرئه منِّي السلام، وقل له: ما جزاءُ من خاف مقام ربه؟ فأخبر عمر، فأتاه وقد مات، فقال: لك جنَّتان!
وفي جامع الترمذي (١) من حديث ابن عمر ــ ﵄ ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «كان ذو الكفل لا يتورَّع من ذنبٍ عمله، فأتته امرأة، فأعطاها ستِّين دينارًا على أن يطأها، فلمَّا قعد منها مقعد الرجل من امرأته؛ أرعدت، وبكت، فقال: ما يبكيك؟ أأكرهتك؟ قالت: لا، ولكن هذا عملٌ لم أعمله قط، وإنَّما حملتني عليه الحاجةُ، قال: فتفعلين هذا وأنت لم تفعليه قط؟ ثمَّ قال: اذهبي والدنانير لك، ثمَّ قال: والله لا يعصي الله ذو الكفل أبدًا! فمات من ليلته، فأصبح مكتوبًا على بابه: قد غفر الله لذي الكفل». قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وقال أبو هريرة، وابن عباس (٢) ــ ﵃ ــ: خطب رسول الله ﷺ قبل وفاته فقال في خطبته: «ومن قدر على امرأةٍ، أو جاريةٍ حرامًا، فتركها مخافةً من الله آمنه الله يوم الفزع الأكبر، وحرَّمه على النار، وأدخله الجنَّة».