Полный текст (198 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الباب الأول من القسم الثاني
في السلطانيات وما يقع في فنونها
غُرَرُ التَّحاميد
الحمدُ للَه الذي لا يُستفتَحُ بأفضلِ من اسمه كلام، ولا يُستنجحُ بأحسن من صنعه مَرام، الحمد للَّه الذي افتتح كلامَهُ الكريم، وفرقانه العظيم، الحمد للَه الذي هو شعار أهل الجنة كما قال وآخر دعواهم: أن الحمد للَّه رب العالمين، الحمد للَّه المستحق الحمد حتى لا انقطاع، وموجب الشكر بأقصى ما يُستطاع، الحمد للَهِ مانحِ الأعلاق، وفاتحِ الأغلاقِ، الحمد لله مُعز الحق وناصره، ومُذل الباطل وقاهره، الحمد للَه معز الدّين وَمُدِيلهِ، ومُذل الباطل ومسيلهِ، الحمد للَه في الحُجَج البوالغ، والنعم السوابغ، والنقم الدوامغ، الحمد لله المبين أيده، المتين كيدهُ، جاعل المعاقبة لحربه، والعاقبة لحزبه، الحمدُ للَه الذي لا يدرَكُ بالأبصار، ولا تحثُه الأقدار، ولا تحويه الأقطار، الحمدُ للَه الذي أقل نعمه يستغرق أكثر الشكر، الحمد للَه حمداً يبلغ الحق ويقضيه ويمتري المزيد ويقتضيه.
ذِكرُ اللَّه تعالى وجميل صنعه وحسن عاداته
عَلام الغيوب، ومن بيده أزِمَة القلوبِ، الخبير بما تُجن الضمائر وتكنُّ السرائر، سميع لراجيه، قريبٌ ممن يُناجيهِ، إن الله تعالى يقضي ما يُريد، وَإن رَغم أنفُ الشيطان المَريد، للَه مَع كل لمحة صُنع حَفيٌ، ولُطفٌ خَفي، صنعُ الله لدينا لطيف، وفضله بنا مُطيف، لا يزال الله يجزينا على أحسن عادَتِه، ويقسم لنا أفضل سَعادَته، نِعَمُ
стр. 2
الله على أحسن ما اعتيد من إحسانِهِ العتيد، إن اللهَ مُنجزُ عِداته وحافظ عاداته ومُهلك عُداته.
الصلاة على محمد
صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم
وصلى الله على محمد خير من افتتحَتْ بذكر الدعوات، واستنجحت به الطلبات، صلى الله على مِفتاح الرحمة، ومصباح الظلمة، وكاشف الغُمة عن الأُمّة، صلى الله على بشير الرحمة والثواب، ونذير الشَطوة محمدٍ الذي أدى الرسالة مُخلصاً، وبلَغ الرسالةَ مُلَخصاً، صلى الله على محمدٍ أتم برَيتهِ خيراً فضلاً، وأطيبهم فرعاً وأصلاً، صلى الله على خيرِ مولودٍ دعا إلى خيرِ معبود، صلى الله على محمدٍ خيرِ نَبيّ ومبعوثٍ، وأفضل وارِثٍ وموروث.
ذكْرُ الآلِ
عليهم الصلاةُ والسلامُ
وَعلى آلهِ الذين عظمهم توقيراً وطهرهم تطهيراً، وعلى آلهِ الذين هم أعلامُ الإسلام، وأيمان الإيمان، وعلى آلهِ الطيبين الأخيار، الطاهرين الأبرار، وعلى آله الذين أذهب عنهم الأرجاسَ وطهّرهم من الأدْناس، وجعل مودَتهم أجراً له على الناس، وعلى آله الذين هم زِينة الحياةِ وسفينة النّجاةِ، وشجرةِ الرَضوان، وعشيرة الإيمان.
ذِكْرُ القرآن
القراَن هو النُور المبين، والحق المستبين، حبل الله الممدود وعهده المعهود، وظِلهُ العَميم، وصِراطه المستقيم، وحجته الكبرى، ومَحَجته الوسطى، هو الضياءُ الساطعُ، والبرهان القاطع، هو الواضح سبيله، الرّاشد دليلهُ، الذي من استضاء بمصابيحه أبصر ونجا، ومن أعرض عنها زَلَ وهوى، فضائل القراَن لا تستقصى في ألفِ قران، حجةُ الله وعهدهُ، ووعيدُهُ ووعده، يتبيّنُ تبيانه من استغلقت دونه المعضلات، ويستضيء بمصابيحه من غم عليه في المشكلات.
стр. 3
ذكرُ الخليفة
قد خَصَه الله بشرفِ الولادة، وجازَ له إرثَ النبوة، وبؤَأهُ محل الخلافة، واسترعاهُ أمر الأمةِ، لا ديناً آلا به ومعه، ولا ديناً إلاّ لمن تولاّه واتبعه، كافل الأمة وراعيها، وسائس الملَة وَحاميها، سليل النبوّة، وعقيد الخِلافة وسيد الأنامِ، والمستنزل بوَجههِ دَرّ الغَمام، إن اللَهَ شفع النبوةَ بالخلافة، إكمالاً للرحمة والرأفة، وقَرَن الرسالةَ بالإمامة، نظراً للخاصة والعامة.
ذِكْرُ السُّلطان
السلطانُ ظِل اللهِ في أرضه، المؤتمنُ على حقه، واليدُ المبسوطةُ في خلقه، السلطان يرحم ما وسعت الناس النعمة، ويعاقب إذا أصلحتهم النقمةُ، عالماً أن الله قَرَنَ وعدَه بوعيده، وثوابَه بعقابه، السلطان زِمام على المِلَة، ونظامٌ للجملة، وجلاء للغُمة، وعماد للذين، وقارعة على المفسدين. تَهيبَ السلطان فرض أكيد، وحتم على من ألقى السمع وهو شهيد، من عَصى السلطان فقد أطاع الشيطانَ، السلطان يدافع عن سَوادِ الأمة، وبياض الدعوة. من شايع السلطان حَمَدَ يومَه وغدَه، ورجا من العيش أرغده، ومن نابذه كان في الأشقين مكتوباً، وللفم واليدين مكبوباً.
محاسنُ أوصافِ الملوك وممادِحُهم
قد أحيا سِيَرَ العدل، وأماتَ سِيَر الجَور، فحِمى الدين منيعٌ، وجنابُ الملك مَريع، قد أنام الأنام في ظل عدلِهِ، ووسعهم بإحسانه وفضله، في يده خاتم عَدْل، وفي حكمه صارم فضلٍ، نفوس الرعية في ظلال السكونِ وادعَة، وفي رِياضِ الأمن راتعَة، دَولتُه على العَذلِ مُؤَسسة، ومن الجورِ مُقدسَة، قد صرَّف الناسَ بين خشونة إيعادهِ، ولينِ مَعادِهِ، وأراهم بَريقَ حُسامِهِ، مشفوعاً ببوارقِ إنعامهِ. مولانا مستقل في ذُروة عِزه، مستقِل بأعباء مُلكه، يَتصرفُ في السياسة بين رِفق من غير ضَعف، وخشونة من غير عُنفِ، هو العَدل متبسماً، والجُود متحسماً، والبحر متكلماً، والليث متكرماً.
стр. 4
التوفيق نتاج آرائه، والنَّصر حليف راياته، والإصابة سهم خطراته، والأقدار خدم عزماتهِ، الدنيا في ظله كالعروس يَتَردد ماء النعمة على نحرها، ويتراءى ابتسام الغِبطة من ثغرها، قد ألقت الدنيا إليه أزِمَتَها، وملكته الأرض أَعنتها، وَطأَ الله لهُ مِهادَ المُلكِ، وأعطاه مفاتيحَ الأرض، أعلى الله كلمته وحكمته ويده، وجنده، وجمع أسباب لسعادةِ عنده، قد ملكه الله أقطار بلادهِ، ونواصي عباده، سعادتُهُ تَدَعُ الدروب صحاصِح، والبُحور ضَحاضِح، ومغالق الدنيا على يده مفاتح، وأيام دولته مناجح، قد ساق الله إليه عِظام المناتِح، وكتب له صحائفَ النَّصْر بأقلامِ الصفائح، السعاداتُ إلى حضرته تتوالى تَوالي الأقطار، وتعمُ رحمتُه كافةَ النواحي والأقطار، توفَّر على الأطراف فَحَرَسها، وعمد لآثارِ السوء فطمَسها، لم يدعْ للباطل عَلماً إلاِّ وضعه، ولا رُكناً للظلم إلا ضَعْضعَه، قد حقَنَ الدِّماء، وساسَ الدَهْماء، وهَذب الأعمال، وثمَر الأموالَ، قد أدركَ الثارَ، وحسم الشر المُثار، وأحسن الآثار.
ذِكْرُ الحَضْرةِ
حضرة مَولانا موقِع الوفود، ومطلع الجُودِ، حضرتُه مَلْقى الرّحالِ، ومُلْتقى الرجالِ، وقِبلة الآمالِ، مَثابة المجدِ، وكعبة المُلكِ، جَناب وسيعٌ، ومزارٌ مَريعٌ، محط رَحلِ الكَرَم، وغاية مبلغ الهِمَم، جنابٌ رَحبٌ، ومَوردٌ عَذبٌ، كعبةُ الآمالِ ومحط الرَحال، وقِبلة الزجال، هي عَرصة العَدل، وساحَةُ الفضل، مفرع الشكر، وَمَصْرَعُ الفَقْر، هي كعبةُ المحتاج، إن لم تكن كعبةَ الحُجاج، ومشعر الكرم، إن لم تكن مشعر الحَرم، ومُنى الضيف إنْ لم تكن مِن الخَيف وقِبلة الصِّلاتِ، إن لم تكن قِبلة الصَّلاة.
стр. 5
حسْنَ آثارِ الوزراء وأولياء الدولة
فلانٌ قدْ سافر رأيهُ وهو دانٍ لم يَنزَح، وسار تدبيره وهو مُقيمٌ لم يبرحْ، النجاحُ مقصورٌ على تدبيرهِ، والصَوابُ مَقرونٌ بإمضائهِ وتقديره، هو بين نُصْحٍ يؤثره، وجميلٍ يؤثره، هو مُدبرَ الأمرِ ومقدره، ومُوْرِدُ الرأي ومُصدِرهُ، ليس قلمُه إلا أوضحَ من السيف عُذراً وأحسن في الذبِّ عن البيضةِ أثراً قلمُه ناسجُ وَشْي المملكة، وناظم عِقد الدولةِ، قد سهَلَ المتَعذر، وذلل المتَوعِّر، وأنال البعيد، وألان الشديد.
ذِكْرُ البَطَر وكُفْران النِّعمة
فلانٌ قَد أثرَى وَبَغى فاستغنى فطغى، أرضتْهُ الموهبة فتسخطها، وشملتهُ النِّعمة فغمطها، انكشف منه حُسْنُ الاصطناع، عن قبيح الامتناع، وكثرة البرِّ عن قليل الشُّكر، لبس ثَوبَ الخِذلان، وجاهَرَ بالكُفر والعصيان، وقابلَ النّعمة بالكُفران.
ذكْرُ العُصاة والمخالفين
قد ركبوا أضاليل الهوىَ، وأباطيل المُنى، ورَعَوا مراتِعَ الظنون، ولم يروا مطالِعَ المَنون، ما زال يوهِمُ وفاقاً ويَضْمِرُ نفاقاً، وينشر صِدق طاعة ولاء وينشر خوافي ارتقاءٍ، يظهر المعاضَدة ويُبْطن المعاندةَ، ويُبدي موالاةً، حشوها المماراة والمداهَنَةُ، ويُظْهرُ مُشايعةَ سِرُها المداجاة والمداجنَة، فلان يلقى أولياءنا بوجهه، وأعداءنا بقلبه، ويكثر لهؤلاء عن بغض سره ولهؤلاء عن حبه، استزل الشيطان قدمه، وعَرَض للسفكِ دمَه، وأطال على فعله ندمه، نزغ له شيطانُه، وامتَدَت في البغي أشطانُه، وجَد الشيطانُ بينهم منزغاً، ولصائبِ سهمه فيهم منزعاً، فلان قد عصى، وشق العصا، وخلع رِبقَة الطاعةِ، وفارق ظل الجماعةِ، فلان قد جُنَ، وقَلَب المِجن، قد مَدَ يداً قصيرةً ليتناول غايةً بعيدةً، فضَ خاتمَ العافية بالغَدرِ، وبدَدَ شملَ الخير بقلَةِ الشُكر،
стр. 6
شربَ كأسَ الجَهالةِ، واستوطأ مركب الضلالةِ، ران على قلبهِ الغي، وملك قيادة البغي، عادَ زَنْدُ شرّه قادِحاً، وفتى صَرّه قارحاً، راغ عن المذهب القويم، وزاغ عن السِّراط المستقيم.
التعرضُ للهلاك واستجلابُ سوء العاقبة
ذكرتُ حَديثَ الباحِثِ عن مُدْيَتهِ، الآكلِ لديته، المتبرم بعمره، المنتهي إلى آخر أمرِه، قد تعرض لاجتلاب البليةِ، وتحككَ باجتناب المنيةِ، ما هو إلاّ الفراسة دَنَت من التيار، والفَراش حامَتْ حولَ النارِ، والنملة قربَ اجتياحُها، فنبت جَناحُها، فعل فعلَ الباحثِ عن مُديته المتعجل إلى انقطاع مُدته، قد طار في رأسِه، ما أظنه يُطيره عن جسده، ويقطعه بجهلهِ في يَوْمه وَغدِهِ، أعَماهُ غَليان دمِهِ عن موقع قدمه، وأعْشاه اشتياق الحَتفِ إلى قَبضِهِ عن شمس أرضِهِ، أولئكَ الأغمارُ الذين تناهَت بهم الأعمارُ.
الظلم والظلَمة وسوءُ آثارِهم
ظُلمٌ صريحٌ، وجَورٌ فَسيحٌ، واعتداءٌ قبيح، فلان قد ملكته الهزةُ للظلم، وأخذته الغِرةُ بالإثم، وإذا رأيت ثم رأيت أملاكاً مغصوبةَ منهوبةً، ورَعايا مأكولَةً مشروبةً، رَعية فلانٍ مدفوعونَ إلى فقدِ الرياشِ، وضِيق المعاشِ قد أداهُم الغلا إلى البلا، والبلا إلى الجَلا، والإضاقَة إلى الفاقةِ، وصارَتِ الخَصاصةُ فوضى بين العامة والخاصة، أمراؤهم عَجَزة قَعَدة، وكُتابهم خَوَنة مَرَقَة، فالأستار بينهم مهتوكَة، والدماء مَسفوكَة، والأموالُ مُجتاحة، والديارُ مُستباحة، فلان وُلدَ على أرضِ العِصيان، ونشأ في حِجر الطغيان، وغُذِيَ بلبانِ العدوان، جعلوا يغيرونَ ويبيرون، ويثيرون من الفتن ما ينثرون، لا عن الدماء كَفُوا، ولا عن الفروج عَفُّوا.
стр. 7
التعدَي وثقلَ الوطآة
أنحى عليهِ إنحاءَ النوائب، وَعَنَفَ بهِ عَنَف الحوادث، غمزَ قناتَهُ، وصَدَع صفاتِه، أحل النقمةَ بساحَته، وأجرى الجيشَ باستباحتهِ، كان عزيزاً فأذله، ومَصوناً فأذاله، وفي عِداد من يُرمَق ويُغبَط فأحال عن ذلك حاله، وثَبَ عليه وَثْبَة السّرْحان في ثَلَةِ الضأنِ، وَثَب عليه وَثْبةَ أسَدية، وأنحى عليه إنحاءةً أمَدية.
الهَرَجُ والفِتنة
رَفَعت الفتنَةُ أحيادها، وجمعت للشر أجنادها، وأعلَت قواعدها، وأطالت سواعِدها، نيرانُ الفتنةِ تشتعلُ اشتعالاً وراياتُ الهرج تخفق يميناً وشمالاَ، أضحت تلك البلاد وهي نارٌ تتلظى، وناس يأكلُ بعضُهم بعضاً، في كل دارٍ صرخَة، وفي كل دَرب نعرة، وفي كل زاوية ظالم لا يُنصِف، ومظلوم لا يُنصف، فالنهارُ ليلٌ بالدُخانِ، والليلُ نهار بالنيران، ولم يبقَ من رسومِ الإسلام، غير شهادَةِ الإيمانِ وإقامة الأذانِ، فالمهلكة شاغرة، وأفواه الفتن فاغرة، كشفتِ الفِتنةُ قِناعَها، وخلعت عِذارَها، فتحولتِ الرؤوسُ أذناباً، والغنمُ ذياباً، نواح معالمُ الدينِ فيها مُضاعة، ودواعي الشيطان بها مُطاعة.
الإبراقُ والإرعاد
الأهبَة لاستئصاله مأخوذة، والسُيوفُ لقتاله مشحوذة، سيبلغ في عقابهِ، ما يتأدبُ بهِ كُل جامعٍ في جَنابهِ، وناظر إلى إمكانهِ، وطامحٍ إلى ما ليس من شأنه، سيُراق على الظلال دمهُ، وتتطايرُ على الجِذع رِمَمُهُ، أتدرون وَيحَكُم في أيٌ حَتفٍ تورطتُم، وأي شرِّ تأبطْتُم، أما علمتم أن العزيمة من مَولانا تترك أمثالكم مثلاً وتجعلكم لأهلِ الشقاقِ والعِنادِ مثلاً سيعلم المخذولُ كيف يُرمى بحَجرهِ، ويُخنَق بوترِه، وتشبع الوحوش منه ومن نَفَره.
стр. 8
أحشادُ العدوِّ
حَشرَ وحَشَدَ، واستَمدَّ واستنجَد واستعد، كاشَفَ وبادى، وحَشر فنادى، حَشَدَ وحَشَرَ، وضمَّ ونَشَرَ، وجمع أطرافَه، ولفّ ألفافه، قد استنفدوا قوامهم في تكثير العَدد، وتوفير العُدَد، وتقديم المراصِد وتوكيد المكائدِ، نفضت تلك البلادُ أحرارَها وعبيدَها، وأخرجت عُدَتها وعديدَها، نهض بمن جَمَعَ من فراش النارِ، وأوباش الأمصار.
استهانةُ الأعداء والاستحقار بهم
سَحابةُ صَيفٍ عن قليل تقشع، وعروقُ باطلٍ لا تمهل أن تَقطَعَ، لا يهولنكَ كثرتُهم فإنهم أزوادُ السباع، وأكال الضباع، ومشارع السيوف، ومراتع الحُتوفِ، ما هي إلا صيحةً واحدةَ، وزَجرةً راصِدَه، حتى تراهم كأن لم يَغنوا في ديارهم، ولم تسمع أخبارهم، ما هم إلا فرائس الحِمام، وأهداف السّهام، الحَتْف لهم بمرصادٍ والهلك لهم على مِيعادٍ.
فيمن يسعى بقدَمِهِ إلى مراقِ دمِه
فُلانٌ يمشي إلى حتفهِ بأخمصَيْه، ويبحثُ عن مُديتهِ بيديه، قد طار بجناحه إلى موضع اجتياحِه، تحقره إلى مَصْرعهِ الأضاليلُ، وتعجلهُ إلى مهلكه الأباطيل، استخفهم الحين المتاحُ، واستحثهم القَدرُ المحتاجُ، ساروا وآجالُهم تفسحُ لهم في مطامعهم، ومناياهم تحث مطاياهم إلى مصارعهم، قد نقلهم الله بأقدامهم إلى مصارع حمامهِم، قادَهم الله بخزائم أنوفهم إلى مصارع حُتوفهم.
انخذالُ الأعداء واستيلاءُ الرُعبِ عليهم
تمثل لهُمُ الوَجَلُ فمَلَكهم الأجلُ، واستطارَ بهم الوَهَل، فلن يطول بهم
стр. 9
المُهل، قد سار صباحُهم، وقَرُبَ اجتياحُهم، وتطايَرت فَرَقاً أرْواحُهُم، أشعرت نفوسهم التلاقي فبلغت التراقي، رأوا الأنوار ظُلَماً، والأشخاصَ بهُماً، والآكامَ رِجالاً، والخيالَ خيلاً عجالاً، أحسّ قربَ الموتِ، وضيقَ العيشِ، وضَعْف الجأشِ، واضطراب الجيش، لم يرعْه إلا نذيرُ الجيوشِ قد جاشت فطار جأشهُ، وتخاذلت أوْباشُه، تقدمهم الأدْبارُ وهم يتأخرون، كأنما يُساقون إلى الموتِ وهم ينظرون.
مسيرُ الملك في جنودِه والتفاؤل له
سارَ مَوْلانا والسماءُ تحدُ الأَرضَ بسَيرهِ، والنجوم تودُّ لو جَرت معِ سنابكِ خَيلهِ، أقبل مسعودَ الكواكبِ، منصورَ المواكبِ، تُخرجُ معه الأرضُ أثقالها، وتسيرُ جبالَها، نهض مَوْلانا والسُعودُ تواكبه، والمناجِحُ تصاحبهُ، ومعونَةُ الله تقدمُه، وصوائبُ العَزَماتِ تخدمهُ، جَلل مَولانا هذا الخطب عظم حركته، وعشاه كبر مسيره عن دار مَمْلَكَته، قد كادَتِ السماءُ تَميدُ إعظاماً لنُهوضِهِ، والأرضُ تسير مَعَ خُيولهِ، سارَ مولانا بأسعَدِ الطوالعِ والفواتِح، وأحمد الميامن والمناجِح، سار مولانا فخِلتَ الأرض مائجة، والبحارَ هائجة، والنجوم مُنكدرة، والسماء مُنفطرة، أقبلَ والإقبالُ صاحبهُ، والنصر مُصاحبُه، والظفَرُ يقدُمُهُ أعلامهُ والسعْدُ يخدم أيامَهُ، استقبل بمولانا مع المسير شايماً ببروق العز، مقدماً كتائبَ الرُعب، مُستصحِباً مفاتحَ النَّصر.
وصفُ الجيش بالكثرة والشَّولَة
خَيْلٌ كقِطع الليل، ورجال خُلقوا لقَطْعِ الآَجال، وجيوش تجيش لها الأرض، ويشتجر منها الطُول والعَرْض، جيش كالليل بكثرةِ الخَيل، وكالنهار بوضوحِ الآثارِ، عساكرٌ تتابع أفواجُها، ويتدافع أمواجُها، جيوشٌ تقوى اللهِ زادُها، ونصرُ اللَهِ
стр. 10
عَتادُها، عَسكرٌ وافرُ المَددِ، كثيفُ العَدَد، كثيرُ العُدَد، ما هُم إلا بحارٌ، ماؤها من حديد، وجبال من بأسٍ شَديد.
وصفُ الأبطالِ وأبناء الحروب
كُل شُجاع قد تعود الإقدام، حيث تزلُ الأقدام، وبَطل يرى الإحْجام عاراً لا تمحوهُ الأيام، سَيفُهُ أمُ الآجال، ورُمحهُ يُتْم الأَطفال، ما لسَيفِهِ غير الرقاب قراب، وقد مَلأَ الأرضَ دماءً، والسماء هباء حجل الخيلَ بدماء أعدائهِ، وجعل هاماتِهم قلانسَ رماحِه، رُمحهُ الطويل يقصِّر آجالَ الرجال، هم كالأسود إقداماً، والنيران اضطراماً، هم أُسود الحربِ في غابة الحديد، حملاتهم أَتيُ السيلِ، ومجيئُهم مجيءُ الليلِ، أبناء الغايات، وليوثُ الغابات، الحروب دأبهُم، والجدُ آدابهُم، والنصر طُعمهم، والعَدو غُنمهم، قلوبُ أسودٍ في صدور رجالٍ، ورياح زعازعٍ في ثياب جبال، هم على الأعداء بلاءٌ واقع، وسُمُ ناقعٌ.
تعبئةُ الجيوشِ وحُسن ترتيبها
رتب مولانا المقاوم عموماً وخصوصاً، وعَبى المقانب بنياناً مَرْصوصاً، أمر بتَسوِيَةِ الصفوف التي لا خلل بها، وانتضى السيوفَ التي لا خَلل لها، عَبى جيوشَه المتصورة ميامَن تضمنت اليُمن، ومياسر شافَهَتِ اليُسر، ووقف في القلب يَسَعُ الزمان، ويرجح الجبال، رَتّبَ فلاناً في ميمنتهِ التي يقاربُها اليمن والنجاح، وفلاناً في مَيسَرته التي يقارنها اليُسر والفلاح، وصار هو وغِلمانهُ قلباً قالباً لما قابله ناكساً لما واجهه.
اشتدادُ الحَربِ وحَمْيُ وطيسها
سارَتِ الجموع إلى الجموع، وبَرَقتِ الأبصارُ بلمعانِ الدُروع، وحمي
стр. 11
وطيسُ المِراس، ودَنتِ التَراسُ من التَراس، دارت كؤوسُ الموت دِهاقاً، وعاد لقاء القرْنِ للقرنِ عِناقاً، بلغتِ القلوبُ الحناجرَ، وشافهتِ السيوفُ المناحِرَ، هاجتِ الهيجاءُ، وعَز النّجاءُ، وصار التلاقي اعتلاقاً، والتراقي أعناقاً، صمتتِ الألسنةُ، ونطقتِ الأسنَة، وأقدمتِ الرّماحُ على الخُطَط الصعابِ، وخطبتِ السيوفُ على منابرِ الرِّقابِ، دارت رحى الحرب، والتهبتْ جمرة الطعنِ والضرب، ضاقَ المجالُ، وتحكمتِ الاَجالُ، ولم يُرَ إلا رؤوسٌ تُبذّرُ، ودماءٌ تُهدَرُ.
تلاقي الجيش وكشف الحرب ساقها
اصطفتَ الخيل والرَّحلُ، وامتلأ الحَزْنُ والسَّهل، وبَرقتِ الأبصارُ بشعاعِ السيوفِ، وسَفرَتْ رُسْلُ الحتوفِ بين الصفوفِ، تراءى الجمعان، وأفضى قربُ العيان إلى قربِ العَنان والتهبت جمرةُ الضراب والطعان، كشفتِ الحربُ عن ساقِها، ومَدت المنيّةُ رواقَها، وألقت أرواقها، دنت العنان من العنان، وأفضى الخَبَرُ إلى العَيانِ.
أعمالُ الأسلحة
رَشْقٌ يشبه فيه ترادُف النبل باتصال الوَبْل، تَجوزُ نبالُهم الدرَقَ إلى الحَدَقِ، وتَنفُذ إلى الحلوق من خلالِ الحَلَق، تمكنت الصوارِمُ من الهامِ مَشْقاً، وتسابقتِ الرماحُ إلى الأكبادِ رَشقاً، طعناً تمكثُ الرماحُ من الدماء فتعثرت في النُحور، وتكسَرَتْ
стр. 12
في الصدورِ، اشتَجرت سُمْرُ الرِّماح، وتصافحَتْ بيضُ الصِّفاح، جعلتِ السِّهام تعتمد العيون، والسيوف تحصدُ الرؤوسَ، والرِّماح تنظمُ القلوبَ والصدورَ.
شِدَّة النَكايَة في الأعداء
زَحَموا الأَعداء من جوانبهم، وتمكنوا من فَض صفوفِهم ومواكبهم، وَطئوهم بسنابك الخيول، وتركوهم كجُفاء السُيول، وثبوا عليهم وثوبَ الأُسُوْد، وتركوهم كالزرعِ المحصود، نكوا فيهم نكاية القضاء والقَدر، وأثروا فيهم تأثير النار في يابسِ الشجر، شربوهم شُربَ الهِيم، وحطموهم حَطمَ الهشيم، وتركوهم كالرميم، تجرّدوا لهم وحطموهُم وهزموهم، أوقعوا بهم وَقعة عظيمةً، ووطئوهم وطأةً أليمة، لما التهبت جمرةُ الحَرب، طحنوهم طَحْنَ الحَب.
هُبوبُ رياحِ النَّصْر
إذا ضاقَ المجالُ، وتحكَّمت أَيْدي الرَّجال، أَهبَّ الله لمولانا ريحَ النصر، وحكم لحزبه بالعلو والقَهر، ولما بَلَغَ كتابَ المهل آخره، أجرى الله للولاءِ المنصور طائره، ما انتصف النهار إلاّ وقد انتصفَ اللَّهُ للحقِّ من الباطل، وكفنا بالأيدِ القاهرِ والنَصر الشامِل، أنجز الله لمولانا وعدَه، وأظهر جندَه، وحفظ عادته عنده، ولما بلغ كتابُ النصر أَجَلَه، واستوفى ميقاتَ الظهرِ مَهَله، مكَن الله لأشياعِ مولانا فاتبعوا أدبار المارقين، وأوردهم دار الفاسقين، وأنجز ميعاده، وأتم إسعاده.
انجلاءُ المعركةِ عن القَتلى والأسرى والهزمى
انجلتِ المعركة، وقد أحاطَتْ بالشقي يدُ الهَلَكَة، واقتسامُ شِيَعِ الطُّغيان
стр. 13
سريع، وقتل ذريع، وأسْر مُوبِق، ونَصْر موثق، انكشفت المعركة عن تفريقِ أعداءِ الله بين قتيل استأثر بهِ الحِمام، وأتى عليه الاصطلام، وجريح قَدْ عايَنَ طرقَ المَنيةِ، دون بلوغ الأمنية، ومنهزم لا يستبقيه الهَرَبُ، إلا بمقدار ما يَنالهُ الطلَب، تَقَسَّم الأعداءُ بين قتيل مُوَسَدٍ، وأسير مُصَفَدِ، وهارِبٍ مُطَرّدٍ، ومُسْتأمَن مُقيّدٍ، تقسَّموا بين قتيل مُرمَّلٍ، وجريحٍ مُجدّلٍ، وأسير مُكبَّل، لم يُرَ فيهم إلا أسيرٌ وكسير، وقتيلٌ عَفير، وجريح وقريح، ومُرْمل ومُرمّل، هم بين أسرى أوثقتهم القُيود، وقتلى زَهت عنهم اللحود، وجَرحى قد صافَحتْها المنايا الشُود، جريح مُرهَقٌ، وأسير موثَقٌ، قتيل مُطْرَح، وشريدٌ مُطوَّح.
طيرانُ المنهزمين بأجنحةٍ وسوءُ حالهم
استطاره الرُعْب فلم يلبث إلا فواقاً، ولم ينتظر رِقاقاً، بل طار بأجنحةٍ وَجِلَة، وطاحَ ببقيةِ أجله، ملكه الرُّعْبُ، فجاز في مَسْراهُ ولم يَعرف يُمناهُ من يُسراه، طاروا بأجنحةِ الرُّعبِ وَجِلَة، وطاحَ بقية أجَلهِ، مَلَكهُ الرعب لأنه ينشأ آباؤهم على أبنائهم، ولا يفق سراعهم لبطائهم، نكصوا على الأعقابِ، وطاروا نحواً في العقاب، وأجفلوا إجفال النَعام، وأقشعوا إقشاع الغَمام، " تشتتوا أَيدي سَبا " وتفرقوا جنوباً وَصبَا، لا يجدون في الخضراءَ مَصْعداً، ولا على الغبراءِ مَقعداً، لم تقلهم الأرض إلا راجفة، ولا طلعَتْ عليهم الشمسُ إلا كاسفةً.
ركوبُ الأولياءِ أكتافَ المنهزمين
ركبَ الأولياءُ أكتافَ الأعداء، يشلُّونهم شَلَّ النعم، ويقدُّونَهم قَدَّ الأَدَم،
стр. 14
ويذبحونهم كهدايا الحَرَم، ركب الأولياء أكتافهم، وعيون المنايا ترصدُهم، وأيدي الحُتوفِ تحصدهم، أمر فلانٌ بأن يُبعَد في آثارِهم فيهينهم، ويجد في طلبهم فلا يرفههم، لتعجلهم صَدمته من التواصل إلى الاستراثة، والتمكن من الاستحاشة، هاموا على وجوههم والطلب من ورائهم على احتشادٍ، وما أعدَّ الله لأمثالِهم بمرصادٍ.
ذِكْرُ الغنائم
غَنِموا أموالَهم التي لم يؤدوا منها حقاً معلوماً، ولم يُغنوا بها سائلاً محروماً، وما غنموا ذلك الحُطام، المجموع من الحرام المثمر من الآثام، المقتطَع من فيء الإسلام، قد صارت أموالُ الأعداء غنائمَ للأولياءَ لا تُحصى كثرةً، وعادت على الفاسقين مظالم وحَسْرَةً.
جَلالةُ شأنِ الفتحِ وعظمُ موقعِهِ وحُسنُ إنشادِه
كتابي والدنيا مُشرقةٌ بالفتح الذي تفتَحَت له عيونُ الزمان، وأشرق بأنوارِه الخافقانِ، كتابي والزمانُ ضاحكُ الثغرِ مُتظاهِرُ البِشْرِ، والخلائِق بين فرائض الحَمْدِ، ولوازم الشُكرِ، للفتح الذي تفتحت له أبوابُ الشَّرفِ والمجدِ، وتفتَّقت أنوارُ المُلك والعَدْلِ، كتبتُ والأرضُ رَيّاً ضاحكةً، والدنيا خضراء ناضرة، والبلدان ملأى تهاني وبِشارات، والأولياءُ شورى بين أفراح ومَسَرات، للفتح الذي نَطَقتْ بهِ ألسنةُ الشكر، وارتاحت له أنديةُ الفَضل، كتابهُ يخبر الفتح الذي أرى الضياء في مَطالِع الملَة، والصفاء في مشارع الأمَة، واستغرق حظوظَ الشّرفِ والمجد، واستوعب شروط الشُكر والحمد، وقد جَل هذا الفتح عن تَطلُب نُعوتِه بتصرُف الأحوالِ، وتفخيم شؤونه بضرب الأمثال، للفَتح الذي أصبحَ الإسلام بهِ مُتَسِعَ النطاقِ والعَدلِ، ممدود الرّواق، والسُلطانُ ساطعُ الإشراقِ، محروساً من عدوهِ المراق، ونزغة الشقاق، للفتح المبسُوطِ بينَ المشرقين شعاعُه، الممدود على الخافقين شِراعه، أهنَي مولانا عن فتح الأرضِ وكريمة المُلك ويتيمةِ الدهر، وواسطة العِقد، للفتح الذي تجاوز الآمال والهِمم، وكشف الغُموم
стр. 15
والغمم، وأحَلَّ بأعداء الله النقم.
حُسنُ حالِ البلدة المفتوحَةِ والتخفيف عن رعيتِها
طهَرَها مولانا من شوائب الفَساد، وأطلع فيها كواكب السَّدادِ، أرخى من خناق الرَّعِيّة، واستنقذَها من أنياب العَسْف والأَذية، ابتسمت تلك البلادُ المفتوحَة عن ثغور الأمَنة، وطالت فيها أنواع النَّصَفة، وجمع الله أهلَها على مسالمةٍ كَشفتِ المحن وأَزالتِ الإحَن، أَطْلَعَ فيها كَوكبَ العَدْلِ وكان خافياً، وأوضح لهم منهج الأمن وكان عافياً، استبدَلَتِ الرَّعية بشِدة الوَجَل، قوة الأمل، وبانبساط الأنواع، والأيدي التي عليها انقباض الأطماع، والعوادي عنها.
الأَدْعية السُّلطانية عند الفتوح وغيرها
أدامَ الله أيامَ مولانا مُصرَفاً أزمَّة الأرضِ، مالكاً أعِنَّة البَسْط والقبض، والله يديم له الفتوح يميناً ويَساراً، ويزيد لأعدائه ذُلاً وخساراً، عَرّفه اللَهُ بركةَ ما أفاءَهُ عليه وهنأه النعمةَ فيهِ، ويسَرَ له الفتوحَ شرقاً وغرباً، ومكَنَه من أعدائه سِلماً وحَرْباً، أبقاهُ الله نافذ المكائد والعزائم، ماضي الآراء والصوارم، عَليّ اليدِ والرَّاية، شامل الملك والولاية، لا زال النصر يَقْدمُه والدهر يخدُمُه، والفتوح تصافحه، والمناجح تغاديه وتراوحه لا زالت الأرضُ تحت تصريفِه وتَدبيره، والناسُ بين تقديمِه وتأخيره، أَدام الله له النجم صاعداً، والزمان مساعداً، أبقاه اللَّهُ للدنيا والدين، وأخذ رايةَ المجدِ باليمين، لا زال واطئاً بسنابكِ خيلهِ قِممَ منابذيه، معمداً سُيوفَهُ في رِقابِ مخالفيه، لا زال أولياؤه صنائعَ دولته، وأعداؤه حصائد صولَتهِ، موصول السلطانِ بالدَّوام، مكنوف الراية بالنَصر والانتقام.
استقرارُ الدارِ بالسُّلطان
أقبل مولانا إلى دار قراره، فأقبلتِ الدنيا المولية، وانجلتِ الظُّلمة المستولية، كان
стр. 16
حلولُه بمركز عِزِّه، ومقر مُلكِهِ حُلول الدِّيمة الهطلاء عَقيبَ السنةِ الشَهباء، والنور المنتشر بَعْدَ الظلام المعتكِر، عاد إلى سرير مُلكه، ومقر عِزه، على الطائر الأسعَدِ، والجَدِّ الأصْعَدِ، فانحسرتِ الغُمَّة بلألاء جبينه، ودرَّت النَّعم من سَحَاب يمينه، أتتِ البشائرُ بعودِ مولانا إلى دارِ سلطانِهِ، المعمورة بنظارة أيامه، عاد مولانا إلى السرير مستقراً على غاربِهِ، حامياً لجوانبه، قد دانت له الطوائْفُ، وأمِنَ به الخائفُ.
стр. 17
الباب الثاني
في الإخوانيات وما يتصِل بها
ذِكْرُ المودَّة
مَوَدّةٌ طالت بها المُدة فاستحكم غَرسُها، وتمهَّد أُسُّها، مَوَدَّةٌ تلوحُ عليها غُرَرُ الخلوص، وتبدو فيها آثار الخصوص، قد وقعت على مَودَتِه أجزاء نفسي، وفَرَشتُ لمحبتهِ جوانب صدري، وأمسكتُ على مُوالاتِه بيدي إنابة مُتحقِّق، وبعروة ودِّه متعلق بيننا مَودَّة تتصل مدًّتها، ولا تنقطع مادتُها، قد اتخذنا المودَة بيننا ديناً وخَليقةً، ورأيناها بين الناس مجازاً فأعدناها حقيقة، وُدٌّ انتهى الصفاء إليهِ، وقد بلغ أقصاهُ، وعَهْدٌ خَيَّمَ الوفاءُ عليه فألقى عصاه.
حُسْنُ المُخالَطة
لا أحولُ عن عهدِك، وإنْ حالتِ النجومُ من ممارِّها، ولا أزول عن وُدَك، وإنْ زالتِ الجبالُ عن مَقارَها، بيننا عِصَمٌ لا تُنقَض، وذِمَمٌ لا ترفض، لي قلبٌ قريحٌ، حَشْوُه وُدُّ صَحيحٌ، وكبدٌ دامية، كلُّها محبَّةٌ نامِيَة، مودَتك شعارُ ضميري، ومخالصتُك أغلبُ الأحوالِ على قلبي، بيننا محبة لا تتميزُ معها الأرواح، إذا ميزتِ الأشباح، ومُخالصَةٌ لا تتباين بها النفوسُ والمُهَج، وإن تباينتِ الأشخاصُ والصُّوَر، نحن في المساعدة نحيا بروح واحدةٍ، حال هي القربى أو أخَصّ، وامتزاجٌ هو النفوس أو أمَس، هو الأخُ بل وُدُه أًرسَخُ، والعم بل اشتراكه أعمُّ.
стр. 18
التودّدُ والإفصاح عن صِدقِ المحبَّة
أنا أَودكَ بأجزاء قلبي، وأُحبك من سواءَ نفسي، لا مرحباً بعيشٍ أنفردُ به عنك، ويوم لا أكتحل فيه بك، لا أزال يا سيدي أحِنُ إليك، وأحنو عليك، يا ليت قلبي يتراءى لك فتقرأ فيه سطورَ وُدَي لك، وتقف منها على امتزاجي بك. يعزّ عليّ أن ينوبَ في خدمتك قلمي دون قدمي، وخطي دون خَطوي، ويَسْعَد برؤيتك رَسولي قبلَ وصولي، ويَرِد مشرع الأنس بكَتابي قبل رِكابي، قد مِلتُ إليك فما أعتدل، ونزلتُ عليك فما أرتحل، ووقفتُ عليك فما أنتقل، أنسى الأنام وأذكرك وأطوي العالم وأنشرك، مَسكنُك الشَغافُ، وحبةُ القلب وخِلْب الكبد، وسواد العين، أنا أَعُدّ نفسي بعضَ أخوانِكَ في العدد، وأفوقهم في التودّدِ، أنا والله أجتني قربك، وأجتوي بعُدَك، والله ما تُظل الخضراء ولا تقِل الغبراء، عبداً هو أشد مني لك مُحالفة، وأقل مخالفة، عهدي لك من أكرمِ العهودِ، ووفائي لك وفاء العِرق للعودِ.
التَّفْدِيَةُ
فداك من عاداك، أفديك بالأعزين الأهلِ والولد، وبالأنصرين الساعدِ والعَضُد، بل بالعُمدتَين القلب والكبد، بل بالنفس كلها، والمُهجةِ بأسرِها، لا زلت مفدًّى بأنفس العبيد، ممداً بأمداد التأييد.
ذِكْرُ العَهدِ والعُمدةِ والعدَّة
هو لي كالنَّابِ والظُّفر، والجُنَّةِ من نوائب الدَّهرِ، هو مَن عليه أعتمدُ، إليه أستنِدُ، وبه أعتضِدُ، هو من استضيء في ظُلَم الخُطوب برأيه، وأستجنُ من سهامِ النوائب بولائهِ، هو الكهفُ والوَزرُ، والسَّمع والبصر، والشمس والقمرُ، واليد
стр. 19
اليمنى، والعروة الوثقى، هو العين الناظرة، واليد الناصرَة، هو الركن الوثيق هو الشقيق الشفيق، هو العين البصيرة، والجارحة النفيسة.
المناسَبَةُ بالعلمِ والأدبِ والمذاهبِ
كلمةُ الأدبِ جمعتنا، ولحمةُ العلِمِ نظمتنا، قد اشتركنا في العقيدة، واستهمنا بالسريرة، الأَدب نسَبٌ واشِجٌ والعلم نسَبٌ ممازج، الأدب أقربُ الأنساب، والعلم أوكدُ الأسبابِ، الشُّكول أقاربُ، وإن تباعدَتْ بهم المناسبُ، فرحة الأديب بالأديب كفَرحة المحبِّ بالحبيب والعليل بالطبيب.
تقاربُ الضمائرِ والاستشهاد بالقلوب
النيات تتقابل، والقلوبُ تتعارَفُ، والضمائر تتناصف، كفانا ما نرجع إليه من تصافح القلوبِ بالذكرى، وانطواء الضمائرِ على الحُسنى إنّ على القلوبِ من القلوب شواهد لا تُعرفُ، وأدلة لا تكْذبُ، لي من علمك وضميرك شاهدان لا تجرح عدالتهما، ولا تُخشى جهالتهما لَسْتَ تخبرني من ودكَ إلا بما سبق إليه علمي، وشهد عليه قلبي، الضمائر الصحاحُ أبلغُ من الألسنةِ الفِصاح، القلوبُ متكافئة، والنيات كافية.
وَصْفُ الشوقِ والحنين
الشوق إليك سَهير ذكري، ونَديم فكري، شوقي إليك زادي في سَفري، وعتادي في حَضَري، شوقي إليك لا يُعدى عليه صبرٌ، ولا يَستقل به صدرٌ، شوقٌ يكادُ يكون لِزاماً، وحنين يُعدُّ غَراماً، الشوق إليك أمامي وورائي، وحشو ثوبي وردائي، شوقٌ لا يفيق سقيمه، ولا يرحل مقيمهُ، شوق مقيم لا يَريمُ، وحنين لا ينام ولا ينيم، شوقٌ جَرَح جوارحي، وجَنَح جوانحي، شوقٌ براني بَري الخِلال، ومحقني مَحقَ الهلال شَوقٌ يفض الفؤادَ، ويقضُ المِهاد، نارُ الشوق حَشو ضُلوعي، وماءُ الصبابةِ ملء جُفوني، شوقي إليك شوق الرَّوْض إلى الغيثِ، والملهوف إلى الغَوثِ، عندي شوقٌ لو قسم على أهل الأرض لما كان فيهم إلا متيمٌ، ولم يُر فيهم إلا مُغرمٌ، شوقٌ يهتك
стр. 20
الحياء، ويمري من العين الماء.
سوءُ أثرِ الفراق والاشتياق
حالي بَعْدَكَ حالُ غُصنٍ ذوى بعد ارتوائه، ونجمٍ هوى عند اعتلائهِ، ما حالُ ذاوي نَبْتٍ أمسك مَطَرُهُ، وساري ليلٍ غاب قمرُه، قد تركني فراقُك، قتيل اشتياقِك، وغادرني بَعدَك أقاسي بُعدكَ قد تحملتُ مع يسير الفرقةِ عظيم الحرقَةِ، ومَعَ قليل البعد، كثرة الوجدِ، فارقتني ففرقت جميعَ صبري، واسْتصحَبْتَ فريقاً من قلبي ما فارقتك بعيداً، حتى استصحَبْتَ من نفسي فريقاً، ولا سرت مِيلاً حتى سرت بقلبي جميعاً، فارقتَني ففرقتَ بين جنبي والمهادِ، وجمعتَ بين عيني والسُّهادِ، لولا حصانةُ الأجلِ، لخرجت روحي على عَجَل.
ذِكْرُ الوَداع
ودّعَتني فأودعتني شوقاً يجور حكمُه، وقلقاً ينفذُ سَهْمُهُ، قد وَدَعت بوادعِكَ العافية، والعيشة الراضية، ودعتُ بوداعِك الدّعة، وفارقت بفراقِكَ الرَّوْحَ والسّعَة، وَدعتُ يوم وداعِكَ دُنيايَ التي كنتُ أستمتع بها، وحياتي التي كنت أنتفع بعوائد النِّعَم فيها.
ذِكْرُ أيامِ اللقاء ووصفها
يا أسفا على عقلاتِ العَيش إذ ظهائرنا أسحار، وليالينا أنهار، وشهورنا أيام، وسنوننا قصار، والدَّهر غافل وَباع الفراق قاصرٌ، ورَبع التلاقي عامرٌ، ورَوْض الأنس ناضرٌ، حين الزمان غلامٌ، والحلم حرامٌ، كانت تلك الأيام من غُرر العُمْر، وغُرر الدهر، تذكرتُ أيامنا فتذكرتُ سحراً ونسيماً، وعَيشاً سليماً، ورَوْحاً وريحاناً وَنعيماً، وخيراً عميماً، وابتهاجاَ مقيماً، أيامٌ حَسُنَتْ فكأنها أعراسٌ، وَقَصُرت فكأنها أنفاسٌ.
стр. 21
الدعاءُ بتيسير اللقاء
أعادَنا الله للالتقاء فما أرقَّ نسيمَه، وَألذَّ نَعِيمَهُ، أسأل الله أن ينتقم من أيام الوداع، برَدِّ أيام الاستمتاع بالاجتماع، أعانَ الله على تعجيل الأَوْبة، وتخفيف أيام الغَيبة، جمعَ اللَّهُ شمل سُروري بِكَ، وعَمُرَ عمري بالنظر إليك، والله يطيل مدتك، ويَحرسُ مودَّتك، جعل الله باقي عيشي مَعَكَ، وأهَلَني للنظر إلى لألاءِ غُرّتِكَ.
الجوابُ عن وَصفِ الشَّوق
شكوتُ الشَّوْقَ فكأنما عًبّرت عن قَلبي، وقرأتُ وَصفَه من صحيفةِ صَدري، ذكرتُ الشوقَ فهيجت ما يهيجهُ تغريدُ الأطيارِ بالأسحار، والوقوف بَعْدَ الأحباب على الديارِ، أما شكوى الشوق فقد شكوت إلى شاكٍ، وتوجَّعت إلى مُتَوجِّع باكٍ، أما وَصفُك الشوق فهو عبارة عن أحشائي لو نطقتْ، وتعبير رُؤياي لو صَدَقتْ.
إهداءُ السلامِ
أهدي السلام غضاً طَريّاً، وَوَرداً جنياً، أحمِل سلامي عليه أنفاسَ الشمالِ، وطالما تردَّدَت بين مُحِبِّ ومحبوبٍ، واستودعتهُ نسيمَ الصَّبا، فنِعم السفير بين شائقِ ومشوق، وسلام كأنفاسِ الأحباب بل كأيام الشبابِ، فلان مخصوص بالمحاسن، أخُصه من السلام، بأوفرِ الأقسامِ، فَأجزل السّهام، واستديم الله مُدته بقاءَ الليالي والأيام، أخصه من السلام بما يضاهي محاسنه كثرةً، وأشكو قلقاً لفراقه وحَسْرةً، سلامي عليه كأيامي عنده نضرة، وأياديه عندي كثرة.
حُسنُ الخَطّ
خط يجري مجرى السِّحر، ويرتفع حُسنُهُ عن النعت، رأيت من خطِّهِ يواقيتَ في نظام، وصفحاتِ نورِ عليها سُطور ظلام، خط أحسنَ من عطفةِ الأصداغ، وبلاغَة كالأمَل آذَنَ بالبلاع، خَط كالرَّوْضِ الممطور، والوَشي المنشور، والدُّرِّ المنثور، خط
стр. 22
كأنّهُ خُطوط العَوالي في خدود الغواني، خط أمْلحُ من بنفسج الخط وأحسن من الدرِّ في السِّمط، خط كالتبر المسبوك، والوشْي المحبوكُّ، خط أملح من صَولجان المِسكِ في ميدان الوَرْد، فلان يَغرس في أرض القراطيس، وينشر عليها أجنحة الطواويس. خَطهُ خُطةُ الحُسن، والروض غب المُزن، خطه حديقة الأحداق، خط كالرِّياض والحَدَق المراض، والإقبال بعد الإعراض.
وَصْفُ النَّثْر
ألفاظ كغمزاتِ الأَلحاظِ، ومعانِ كأنها فَكُّ عانٍ، ألفاظ قد اسْتعارت حلاوةَ العِتابِ، بين الأحبابِ، واستَرقَتْ تشاكي العُشاق بعد الفراق، ألفاظاً كالتّباشير مَسْموِعةً، وأزاهير الرياض مجموعةً، ومعانٍ كأنفاسٍ تَعبق بالراح والريحان، ألفاظ كما نوَّرَتِ الأشجارُ، ومعانٍ كما تنفَّسَتِ الأسحارُ، كلامٌ يسر المحزون، ويسهل المحُزون، ويعطل الدُرَ المكنون والمخزون، كلام كما تنفَّسَ السحرُ عن نسيمه، وتبَسَّم الدُر عن نظيمه، ألفاظٌ تأنق الخاطِرُ في تذهيبها، ومعانٍ عُني الطَّبْع بتهذيبها، كلام كالبشرى بالوَلدِ الكريم، قرع بها سمعَ الشيخِ الموسِرِ العقيم، كلامٌ حَسَنُ الدِّيباجَة صافي الزُجاجةِ، قرأتُ لفظاً جَلياً، حوى مَعْنى خفياً سديداً، وكلاماً قريباً رمى غَرضاً بعيداً، كلامٌ يجمعُ أوصافَ المُدام، بماء الغمام، ألفاظُهُ أنوارٌ، ومعانيه ثمار، كلامٌ يُشبع الغَرثان، ويَروي الظمآن.
وَصفُ البُلغاءِ
فلانٌ يعبث بالكلام، ويقودُه بألين زِمام، فلان يَجرُّ مفاصِل الكلام، ويسبق
стр. 23
فيها إلى دَرْك المرام، كأنه أوحي بالتوفيق إلى صَدره، وحُبسَ الصَّوابُ بين طبعِه وفكره، يوجزُ فلا يُخِل، ويُطنِبُ فلا يُمل، كأنما جُمع الكلامُ حولَه حتى انتقى منه وانتخب، وتناول منهُ ما طلَبَ، وترك بعد ذلك أذناباً لا رؤوساً، وأجساداً لا نفوساً، له كلامٌ يشتد مرةً حتى تقول الصخر الأملس، ويلين تارةً حتى تقول الماء وأسلسُ، ألفاظُهُ دُرَرٌ، وأضدادها دُرَرٌ، كأن الكلام قد سَهُلَتْ له حُزونه، ولانت متونُه، وطاعت عيونه، ودانت له أبكارُه وعُونُهُ.
وَصْفُ النَّظْم والنثر معاً
نثرٌ كنثر الوردِ، ونظمٌ كنظم العِقدِ، نثرٌ كالسِّحر أو أدق، ونظمَ كالماء أو أرق، ورسالة كالروضة الأنيقةِ، وقصيدةٍ كالمخدَّرة الرَّشيقةِ، رسالة كالروضةِ تقطر ظرفاً، وقصيدة تمزج بالراح لطفاً، نثر كالحديقةِ تفتحت أحداقُ وَردها، ونظمٌ كالخَريدةِ، تَوَرَّدت أشجارُ خَدِّها نثراً أنسى حلاوةَ الأولادِ بحلاوتهِ، وطلاوةُ الربيع بطلاوته، وشعرٌ من حُلَة الشَباب مسروق، ومن طِيبه الوِصالُ مخلوق.
وَصْفُ الشِّعرِ
قصيدة، في فنَها فريدة، عروس كسوتُها القوافي، وحِليتها المعاني، شِعرٌ رَوَيْتُهُ لما رأيتُهُ، وحفظتُه لما لحظتُه، شعرٌ مع قُربِ لفظهِ بعيد المرام، مستمرُ النِّظام، شعر يختلط بأجزاء النفس لنفاسته، ويكادُ يُفتن كاتبُه من سَلاسَته، شِعرٌ هو عين البديع، يجمع حُسْن التَّصريع، ولطف التَّرصيع، كل بيت شعر، خيرٌ من بيت تِبر.
وَصْفُ الشعراء
لِلّه دَرّهُ، ما أحلى شعره، وأنقى درَّهُ، وأصفى قَطرهُ، وأعجب أمرَهُ، قد أخذ
стр. 24
برقاب القوافي، وملك رِقَّ المعاني، فضلُه برهانُ حَق، وشعرهُ لسان صِدقٍ فلان يُغْرِبُ فيما يجلب، ويبدع فيما يبضع، شاعر شعارُهُ أشعارُهُ، ودأبه آدابهُ، هو يبتدىء فيبتَدعُ طبعُهُ يُملي عليه بما لا تمَل آذانُ الاستماع إليه، لبيد عنده بيدٌ، وعَبيد له من جُملة العبيد، الفرزدق عنده أقل من فرزْدَقةِ خمير، وجَريرٌ يُقاد إليه بجرير.
وَصْفُ الكُتبِ الغريبة البليغة وحُسن مواقعها
كتابٌ كتب لي أماناً من الدَّهر، وهنأني في أيام العُمْر، كتاب يسحر العقول، ويملك القلوب، ويشرح الصدور، ويثقل الظهور، كتابٌ الظفرُ به نعيمٌ، والنَّظَر فيه فتح عظيم، كتابٌ أهدى الهدوء إلى قلبي، والمسرَّةَ إلى نفسي، كتابٌ ارتحتُ لعيانهِ، واهتززتُ لعُنوانِهِ، كتابٌ من الكتب الميامين التي تأتي من قِبَل اليمين، كتابٌ هو أنفسُ طالعٍ، وأكرم مُتطلِّع، وأحسنُ واقع، وأجلُّ مُتوقع، كتاب أبليتهُ طياً ونشراً، وقبلتهُ ألفاً وَيَدَ حامله عشراً، كتابٌ كتب لي أماناً من الزمانِ، ووقَعَ مَوْقع الماء من العَطشانِ، كتابٌ هو سَمَرٌ بلا سَهَرٍ، وصَفوٌ بلا كَدَرٍ، وَصَل كتابك فتمتعتُ منه بالعيشِ الأبيضِ، واستلمتُهُ استلامَ الحَجَر الأسودِ، وَصَل كتابك فتناولتهُ كما يُتناول الكتابُ المرقوم، وفضضتُهُ كما يُفض الرّحِيقُ المختوم، وصلَ كتابك فتمتعتُ منه بالعيش منه بالسرور، وحصلتُ منه على اللذةِ والحُبورِ، وصل كتابك بريدَ المُخ، وبشيرَ النعم، وتحفةَ السَّمع، ومتعةَ البصر، فوردتُ منه مُطرباً بلا كَدَرٍ، وسمعت سَمَراً بلا سَهَرٍ.
ألفاظ العيادَةِ
مرِضَ فلحقتْني رَوْعَةٌ، وملكتْني لَوْعَةٌ، وَجَدتُ في نفسي ألماً مِمّا مَسَّهُ، وتَخَوِّنَ أُنسَهُ، بلغني من شِكايَته ما أوحش جنابَ الأنس، وأراني الظلمة في مَطلع الشمس،
стр. 25
بلغني ما عرض له من المرض، وألمَّ به من الأَلَم فلعبَتْ بيَ الظنون، واختل نظام السرور، قلبي ينقلب على جمر الغضا، وحلَّ السيفُ إلى أن أعرف انكشافَ العارض وزواله، وأتحقق انحسارَه وانتقاله، أنهى إليَ خبر العارض، حسم الله مادَتَهُ، وقصر مُدّته، ما أراني الأفقَ مظلماً وطريقَ العيشِ مُبهماً، لبستُ نكايةَ السَّفل في قلبي بأقلْ من السُّقْمِ في جسدك، ولا استيلاء القلقِ على نفسي بأيسر من اعتراض المرض لبدنك ما كنت أعلمُ أن عافيتي مقرونة بعافيتِكَ، حتى تحققت ذلك من مشاركتي إياك في علتِكَ، علتُكَ لو أمكنني نقلها لما أدى ثقلها، فتحمل السقم عمَن هو أحبُّ إلى نفسي من العافية، معدودٌ في النعمة الوافية، أنا والله مُنزعج لشكاتك، مبتهج لمعافاتك، بلغني شكاتُك فارتعتُ شديداً، ثم عرفت خفتها فارتحت كثيراً.
أدعيَةُ العيادَةِ
أغناك الله عن الطِّبِّ والأْطباءِ، بالسلامةِ والشِّفاءَ، كفاكَ اللَهُ وشفاكَ بألطافه الخاصة والعامة، جعل اللَهُ علَّتك هذه تمحيصاً لا تنغيصاً، وتذكيراً لا تنكيراً، وأدباً لا غضباً، شفاك الله وكفاك وعافاك، ولا أذاك، أوصل الله إليك من برد الشفاء ما يكفيك حرّ الأدواءَ.
ذِكْرُ الإقبال وَحَمد الله عليه والدعاء عنده
قد قارب الإقبال والإبلال، وشارَفَ النهوض والاستقلال، المرض قد انحسرَ المرض قد انحسَمَ، الحمد للَّه الذي حرس جسمك وعافاهُ، ومحى عنه أثر السقم وعَفاه، الحمد للَه الذي أعفاك من معاناة الألم، وعافاك للفضل والكرم، لا زالتِ العافية شعارَكَ، والسلامةُ دِثارَكَ، ما واصلَ الله ليلَك بنهارِك.
الجواب عن العيادَةِ
كتابك أدّى رَوْحَ السلامةِ في أعضائي، وأوصل برَدَ العافية إلى حشايَ، تركني كتابُك، والظليم ينتسب إلى صحتي بعد أمراضٍ انكشفت، وأسقام اختلفت، قد استبق كتابك والعافيةُ إلى جسمي، حتى كأنهما فرسا رِهانٍ تباريا، ورسيلا مضمارٍ
стр. 26
تَجارَيا، أبدلني كتابي من حُزون الشكايَةِ سهول المعافاةِ، ومن شدّة التألم، رَخاءَ التَنعُّمِ، لا أريد الصحة إلا لخدمتك، وشكر نعمتك، ولا أنزعج من السقم، إلا لما أعجز عنه من فرائض طاعتك.
ألفاظُ المعاتباتِ
قد رُميتُ بسِهام أغراضكَ، ونصبني جفاؤُك أقرب أغراضك، صرتُ عندك ممن محى النسيانُ صورته من صدرك، واسمه من صحيفة حفظك، نسيتني وما كان حقي أن أنسى، وطويتني في صُحف إبراهيم وموسى، قلبي والله طافح من سوءِ عشرتك، وقلة إنصافِك وكثرة نَبوتِك، أظنُّ الدهر قد فطن لصفائِك فكدَّره، واهتدى لإخائك فأفسده، طويتني طيَّ الرّداءِ، وألقيتني إلقاء الحذاءَ، قد هجرتني هجرةً مُرّةً، وقطعتني قطيعةً فظيعةً، أنت تتذكر إخوانَك مع أهلّة الأعوامِ، وتظهر لأصدقائِك ظهورَ الإمامِ في كل عام، أنزلت عليك في الصََّدّ آية أم رُفعَتْ لك في النّبو رايةٌ. فلان على قدرِ علوّ سِنّه انخفاض قدرِهِ، وبحسب عبالة جسمه نحافة عهده، قد تركني بدار اتضاع، ومدرجةِ ضياعٍ، لا غَرو إن بعتَ مَودَّتي بوكسٍ، فقد بيع بعضُ أنبياءِ الله بثمن بَخْسٍ، صَدعني صدود المحمودٍ عن الخمر، وأعرض إعراض الغواني عن بياض الشَعر، أراني كلما بَعدتُ صحبة، رَجعتُ رُتبةً، وكلما طالت خدمه، قصرت حَشَمه، حَزُ شوقي إليك لا يصبرُ إلا على برد جفائك ورِقّةِ قلبي لا تقاوم غِلظة إعراضك، قد بعتَني بَيع الخَلَق، وتركتني أسير القَلَق.
العِتاب على قطع الكتاب
لا يكاد خيالك يغبُّني نوماً، فما لكتابك لا يسرُّني يوماً، أنت سخيٌّ بمالِكَ على من يطالبك، بخيل بكتابك على من يكاتبُك، تتوسع في ألوفٍ، وتتضايق في حروفٍ، قد كاتبته فما أجابني، وخطبت إليه مودَّتي فما زوّجني، أظنكَ لو كتبت بأجنحة الملائكةِ
стр. 27
المقرّبين، مستمدّاً من أحداقِ الحُور العِين، جوازاً على الصِّراط المستقيم إلى جنات النعيمِ، لما جاز أنْ تبخلَ بكتابك هذا البخلَ وتمنع هذا المنع.
تحريشُ القولِ عند العتابِ
كأنَّ الزمان يَسْتملي أنواع الجفوة من طبعك، ويستسقي أصنافَ القسوة من بحرِكَ، إنْ لم يكن لنا مطمع في دَرَكِ دَرِّكَ فاعفنا من شَرَكِ شَرَّكَ، في الأرض مجال إنْ ضاقتْ ظلالُكَ، وفي الناسِ واصِلٌ، إن رَثتْ حبالُك، وأنا أؤول من ودّك إلى شرّ ماَلٍ، وأحصل من عَهدِكَ على تخيل آلٍ، لا أدري أشكوك إلى الدهر أم أشكوه إليك، فإنكما في قطيعة الصديق رَضيعا لبان، وفَرَسا رِهَان، وشريكا عِنان.
وَصْفُ العِتاب عند الجوابِ عنهُ
عِتابٌ سماؤه تمور، ومراجلُهُ تفور، عِتابٌ يَهدُّ الفوارع، وتقريعٌ يحكي القوارعَ، قد قرع سَمعي من عذله ما جاوز خَفْق البُنودِ، ووصل إلى قلبي من توبيخه ما أَنْسَى زئير الأسودِ، وصل كتابك بعتَب كالعَضبِ ومَلام كالحُسام، وكلام كالسِّهامِ، في غَلس الظلام، وصلَ كتابك الذي كلُهُ عَتَب، وليس ذنبٌ، وعَذْلُ وليس عدلٌ، وتقريعٌ وليس تضجيع، وتظلُّم وليس تألُّم، وشِكايةٌ وليس نِكاية.
الاعتذارُ والاستصفاحُ
الكريم إذا قَدَرَ غَفر، وإذا أوثق أطْلَق، وإذا أَسَرَ أعتق، الأصاغر يهفون، والأكابر
стр. 28
يَعفون، الحُرُّ كريم الظفر إذا نال أقال، واللئيم لئيم القَدْرِ إذا طال استطال، قد هابك من استَتَرَ، ولم يذنب إليك من اعتذَرَ، تكلّفُ الاعتذار بلا زَلَّةٍ، كتكلُفِ الدَّواء بلا عِلَّةٍ، لا يضيقنّ عنّي سعة خلقك، ولا تكدّرنّ عنّي صفو ودِّك، مولاي يوجبُ الصَفْح عن الزَلةِ، كما يلتزم البَذْل عن الخُلَّةِ، مولاي يوليني صفحة صَفحِهِ، ويوليني العفو عَن عَفْوِهِ، ما لي ذنبٌ يضيقُ عنه عفوك، لا جُرْم يتجافى عنه تجاوزك وصفحك، زللت وقد يَزلُّ العالم الذي لا أساويه، وعثرتُ وقد يعثر الجوادُ الذي لا أجاريه، عندي اعتذارات بالغةٌ، توفي على اعتذارات النابغة.
стр. 29
الباب الثالث
في التهادي والتهاني
وما يقاربهما من المعاني
ألفاظُ التهنئة بالمولودِ
مرحباً بالفارس المحققِ للظنونِ، المقرِّ للعيون، المقبل بالطالعِ الميمون السعيد والخيرِ العتيد، أنجَب الأبناء لأكرمِ الآباء، قد طَلَع في أفق الحرية أسعد نجمٍ، ونَجَم في حدائق المروءةِ أزكى نَبْت، يا بشرايَ بطلوع الفارسِ الميمونِ جَدُّه، المضمونِ سَعْده الحمدُ للَّه على طلوع هذا الهلالِ الني نراه إن شاء الله بَدْراً، قد علا الأقران قدراً، مرحباً بالمولود الني بشّرَتْ قوابلهُ بالإقبال وعُلُوِّ الجَد، واقترن وُفودُهُ بوُفودِ الفضل والطائر السَّعْد، بشَرَتْ قوابلهُ بالنورِ الساطع في أفق النَجَابة والبدْر الطالع في فَلكِ السَّعادَة.
ما يختص بهناء الملوك
أنا أحمد الله على المِنحة التي قرَّت بها عينُ المجد، وانشرح لها صدر الملك أتتني بشُرى البشائر، والنُّعمى المحروسة عن النظائر في سُلالةِ العز وسليله، وابن منبر الملك وسريره، الأمير القادم، بعز المكارم، قد طلع في أفق الملك الفارس المأمول لشدِّ الظهور، وسد الثغور، أما الأمير المولود، فالتاج بجبينهِ يبهى، والركابُ بقدمه يزهى، الحمد للَّه الذي شدَّ الله به أزْر الدولة، ونظم قلادةَ المملكة بالقدر السعد وشبل الأسد الورد، قد طلع في أفق الملكِ كوكبٌ تباشرت به أفلاكُهُ.
الأدعية للمولودِ والولادِ في هذه التهنئة
عرَّف الله مَوْلايَ بركَةَ المولودِ المسعود، وعضد الفضل بالزيادة في عدده، وأقر
стр. 30
عين السيادَةِ والمجد في ولده، عرفه الله من سعادة مقدمه، ما يجمع أعداءَهُ تحت قدمه، متعك الله بالولد، وجعله من أقوى العدد، ووصله بأخوة متوافري العدد، شافي الأزرِ والعضد، هناكَ الله مولده، وقَرَن باليُمن مَوْردَهُ، والله يُمتّع به ويرزق الخير منه، ويحقق فيه، عَرَّفكَ الله من بركَته ما يبشر بالعزَ الزائدِ، والنجم الصاعِدِ، والجد المُساعِد، عمرك الله حتى ترى زيادة الله منه كما رأيتها بهِ، هَناك الله ما منح، وجعله من أيمن ما تَجدد وسَنَح.
أدعية التهنئة بالملاك
بارك الله لمولاي في الأمر الذي عقده، وأحمد أباه وأسعده، وجعله موصولاً بنماء العدد، وزكاء الوَلَدِ، واتصال الحَبْل، وتكثير النسل، خارَ الله لك في الوصلة الكريمة، وقرنها بالمنحة الجسيمة، لا زالت النعمة بك محفوفةً، والمسارُّ إليك مزفوفةً، عظم الله لك بركة هذا الأمر ويُمنهِ، ما يتابع موادّ طَوْله ومنهِ، وجعله أحمد عقدٍ، وأدلّهُ على نجح وسعدٍ، جعل الله هذه الوصلة وكيدة العقدة، طويلة المدة، سابغة البركةِ والفضل، طيبة الذرية والنسل، عرفك الله تعجيل الخيرات، وتوالي البركاتِ، ولا أخلاك في هذه الوُصلة من التهاني بنجباءِ الأولادِ، وَكَبَتَ بكثرةِ عددِك جميعُ الحسادِ، وهنّأك الله هذه الوُصلة لتتصل بكثرة العدد، ووفور الوَلَدِ، وانبساط اليدِ وعلوّ الجد.
ألفاظُ التهاني بالولاياتِ والأعمال
عَرفتُ خبَرَ البلد الذي أحسن الله إلى أهلِهِ، وعَطَفَ عليهم بفضلِهِ إذْ أُضيفَ إلى ما يلاحِظهُ، مولاي بعين كفايته، وينفي خلله بفضل رجاحَتِه، فلزمتني فروض شكرٍ، أسأل الله المعونةَ على أدائها، والتوفيق لتحمل أعبائها، سيدنا يوفي على أعلى الرُّتب يهنأ ببلوغها، ويزيد على المنازل التي يدعى له بحلولها، فهنيئاً يجملها بولايته، ويحليها بكفايته، سيدي أرفع قدراً، وأنبَه ذِكراً، من أن نهنئه بولايةٍ وإن جل أمرها، وعظم قدرها، لأن الواجب تهنئة الأعمال بفائض عدله، والرعايا بمحمود فعله، عرف سيدي من سعادة عمله، أفضل ما ترقاه بأمله، ولقاه من مناجح أمره، أبلغ ما انتحاه بفكره، وخار لمولاي فيما تولاهُ وتطوقه، وبلغه في كل حالِ أمله وحققه، عرف الله
стр. 31
مولاي من يمن ما باشره تدبير الخير والخيَرة، والبركات الحاضرة والمنتظرة. هنأ الله مولاي الموهبة التي حَلَّت منه محلَّ الاستيجاب لا الإيجاب، والاستحقاق لا الاتفاق.
التهنئة بالخِلَع والأحْبية ووصفها
أهنأ الله سيدي بمزيد الرفعة، وجديدِ الخِلعة، التي تخلع قلوبَ المنازعين، واللواء الذي يَلوي أيدي المنابذين، بلغني خبر ما تطوَّعتْ به سماء المجد وجادتْ به أنواءُ المُلكِ، فنظمن من الخِلَعِ أسناها، ومن السيوف أمضاها، ومن الأفراس أجراها، ومن المراكب أبهاها، مرحباً بالخِلعة التي لو أفيضت على الشمس، ما طلعت كبراً على الإنس، بلغني خبر ما أكرم به من الخلعة التي يخلع بها قلب من خلع ربقة الطاعةِ، والحسام الذي يُحسَم به شرّ من نَدَّ عن الجماعة، والحُملان الذي يجوز الجوزاء براكبه، واللواء الذي يستولي النصرُ على مواكبهِ.
التهنئة بإقبالِ شهر رمضان
ساقَ الله إليك سعادة إهلالِه، وعرّفك بركة كمالِه، أسهم الله لك في فضله، ووفَقك لفرضه ونفله، جعل الله ما أظلك من هذا الشهر مقروناً بأفضل القبول، مؤذناً بدرَكِ البُغيةِ والمسؤول، مشعراً عن نجح المأمول. لا أخلاك اللَهُ في هذا الشهر المبارك من بِر مرفوع، ودُعاءً مسموع، قابل الله بالقبول صيامك، وبعظيم المثوبة قيامك، عرّفك الله من بركة هذا الشهر ما يُرْبي على عدد الصائمين، ووفقك لتحصيل أجر المتهجدين والمجتهدين، أعاد اللهُ لمولاي أمثالَه، وتقبل فيه أعماله وأصلح له في الدين والدنيا أعماله، وبلَّغه منهما آماله.
التهنئة بالعيدين
عاودتك السُّعود، ما عاد عيد، واخضرَّ عودٌ، تقبَّلَ الله منكَ الفَرْض والسُّنة، واستقبل بكَ الخير والنعمة، عاد السرور إليك في هذا العيد، وجعله مبشراً بالجد السعيد، والخير العتيد، والعمر المزيد، جعلك الله من كل ما دعي ويدعى بهِ في الأعياد، آخذاً بأكمل الحظوظ، وأوفر الأعداد، أفطَر وأكبادُ الحُشاد تنفطر والدنيا بعينك
стр. 32
تنظر، وبالسعود تبشر، كيف نهنئك بالعيد وأيامك كلها أعياد، ولياليك أعراس، وساعاتك تواريخ، وأوقاتُك مواقيت، يا أكرمَ من أمسى وأضحى، سعدت بهذا الأضحى، عرَّفك الله من السَّعادات ما يُرْبي على عَدَدِ من حَجَ واعتَمَر، وسعى ونَحَر، جعل الله أعاديك كأضاحيك.
التهنئةُ بالنّيروزِ وفصلِ الربيع
هذا اليوم في الأيام، كسيدنا في الأنام، هذا اليوم غُرَّة في وجه الدَّهرِ وتاجٌ على مفرقِ العَصْرِ، أسعدَ الله سيدنا بالنيروز الطالع عليه ببركاته، وأيمن طائره في جميع أيامه متصرفاته، أقبل النيروز إلى سيدنا ناشراً حلله التي استعارها من شيمته، ومبدياً حليته، التي أخذها من سجيَّتِه، أسعدَ الله بهذا الربيع، المتشبه بخلقه الجاري في طرْقه، ثم أسعده الله بالفصل الجديد، والنيروز الحميد، سعادة متصلة المادة، حافظة لجميل العادة، من هنأ سيدنا بيوم جديدٍ، وعيدٍ سعيدٍ، فإني أهنَىء الفصولَ والأعوام، الشهور والأيام ببقائه، وأسألُ الله أن يؤنس الدنيا بدوام نعمائه.
التهنئة بالمَهْرَجان
عَرَّف الله سيدنا بركة المهرجانِ، وأسعده في كل أَوانٍ وزمان، عَرَّفهُ اللَهُ بركةَ المهرجان الذي هو من أعياد المروءة، ومواقيت الفتوَّة، المهرجان من غُرر الدهور، ومواسِم السُّرور، فعظَّم الله بركتهُ، ولقاه يُمنه وسعادته، وجعل أيامه كلها محفوفة بالمواهِبِ، مكنوفةً بالعطايا والرغائب.
إقامة رسم الهديةِ في النَّوروز والمهرجان
لليوم رسم إن أخل الأولياء عُدَّ هفوةً، وإن مُنع به الرؤساء حُسب جفوةً، قد سلكتُ مع مولاي في إقامة رسمِ هذا اليوم سُلوك العبيدِ مع الساداتِ، والأتباع مع الأرباب، لمثل هذا اليوم سُنَة على مثلي فيها أن يهدي ويلاطف، وعلى مثل سيدنا ولا مثيل له أن يقبل ويشرِّف، قد خدمت سيدنا في هذا اليوم الجديد، والأوان السعيد، بقليل يوفرهُ خلوص شكري، ويسير يكثره واضح عُذري، قد نقل من إحدى
стр. 33
ذراعيك إلى الأخرى، ما هو تحفة الملاطفِ لا هدية المحتفل، والنفس لك، والمال منكَ، حضرة سيدنا تجل عَنْ أن يُهدى إليها غير الكُتُب التي لا يترفع عنها كبيرٌ، ولا يمتنعُ منها خطيرٌ.
ذِكْرُ وُصولِ الهديّةِ
وحَمَدتُ ما بعثته متجاوزاً حَدَّ الألطافِ، إلى طرف من أطراف الإشْراف. خيرُ الهدايا ما لم يتعب الباذل، ولم يهَجّن القابل، ما من هداياكَ إلا عقيلة كريمة ودرّة يتيمة، أما الهديّة فقد وصلت، والمِنَّة فقد حصلت، لا زِلْتَ مُهدي مسرَّة ومُسْدِي مَبرّةٍ.
стр. 34
الباب الرابع
في التعازي والمراثي وما يشاكلهما
وصفُ الخبر المزعج والهائل
خَبرٌ عَزّ على الأذن مَسْمَعُهُ، وأثر في القَلْبِ مَوْقعهُ، خَبر يهز الرواسي، ويصَدَع الحجر القاسي، خَبرٌ تسقط منه الحُبالى، وتصحو له السكارى، خبرٌ ما تتلقى شفتاي بذكره، ولا يثبتُ بالي بخطره، خبرٌ كادَتْ له القلوب تطيرُ، والعقول تطيشُ، والنفوس تطيح، خَبَرٌ أسخن العين، وأخرج الصَّدْرَ، وأحلَّ الجزع، وحَرّم الصَّبرَ، خَبرٌ يُشيبُ الوليد، ويُذيب الحديد.
النكاية عند موتِ الرؤساء والأعزَّة
انقضت أيامهُ استأثر الله بهِ، خانه عُمرهُ، أَجاب داعي رَبِّهِ، نفذ قضاءُ الله تعالى فيه، قبضه الله إليه، أسعده الله بجوارِهِ، فارَقَ دُنياهُ، انتقل إلى جوار رَبِّهِ، كُتبت له سعادة المختص، وانتهى به الأمرُ إلى الأجلِ المنتظر، ترامَتْ به عِلّته إلى انقضاء نحبه ولقاء ربّه، انتقل إلى دارِ القرارِ، ومثوى الأبرارِ.
نَعي الأَجِلاّءِ
أَتى الناعي بانهدادِ الطَود المنيع، وزوالِ الجبلِ الراسي الرفيع، نَعي من لا أسَمِّيه إكباراً، ولا أكنيه إعظاماً، فحقيق هو بأن يخرس نُعاة فقدهِ، وتحرم رسوم التعازي من بعدِهِ، أتى الناعي فهُدمت المعالي، ونُدِبَتِ المساعي، وقامت بواكي المجدِ،
стр. 35
وكَسَفَت شمس الكرم المحضِ، قد نُعي من غَرَبَ بموته، نجم الفَضْل، وكَسُدَتْ سوق المجدِ، ووَقفَ فلك الكرم، وانثلم حَدُّ السيفِ والقلم، نعيَ فلانٌ، فسكرَ وجهُ الدهرِ، وقُبضتْ مُهجة الفخر، ونطقت نوادبُ المجدِ، وأقيمت مآتِمُ الفضل.
ذِكْرُ البُكاءِ
كتبتُ والأحشاءُ محترقةٌ، والأجفانُ بمائها غَرِقة، كتبتُ والدمْعُ واكف، والحُزن عاكفٌ، كتبتُ عن عَيْن تدمع، وقلبٍ يخشع، ونفسٍ تَهلَعُ، قد مَدَّ الهم إلى جسمي يدَ السَّقم، وجَرَّ الدمع على خلّي ذيول الدّمِ، مُصابٌ أذاب الدموع الجامدة، وألهبَ الهموم الخامدة، بلْ ما يستقر بي مُضْطَجَع، ولا يجفُّ لي مَدْمَعٌ.
عِظَمُ المُصيبة وثقل وطأتها
مُصيبةٌ أضعفت العزائم القوية، وأبكت العيون البكية، مُصيبَة سكبت الأجفان كراها، والأْبدان قُواها، مُصيبةٌ أَلمَّتْ فَأَلَمَتْ، وثلمَتْ فكَلَمت، المُصابُ عظيم، والخَطْب جسيم، والكبد حَرّى، والعين عَبْرى، والنفس حَيْرى، الهم واردٌ، والأنسُ شاردٌ، والناس مأتمهم عليه واحدٌ.
التَّأبينُ والنُّدْبَةُ
ما أعظَمهُ مَفقوداً، وأكرمهُ ملحوداً، إني لأنوح عليه بنَوْحِ المناقب، وأرثيه مَعَ النجوم الثواقب، وأبكيه مع البكاء المعالي والمحاسنِ قَدْ رزئنا من فلانٍ عالماً في شخصٍ، وأُمَّة في نَفْسٍ، مضى والمعالي تبكيه، والمحاسن تُعزى فيه، ما أقبح العيش من بعده، وما أنكد العمر مع بُعده، عجبت للجبالِ كيف لم تنهدّ لفقده، والأيام كيف لم تسود من بعدِه.
وصْفُ الدَّهر
هو الدهرُ فلا تعجب من طوارقه، ولا تنكر هجوم بوائقه، الدهر يُفجعُ
стр. 36
بالذخائر، ويستأثر بالأخائر، هو الدهر لا تتهنى فيهِ المواهبُ حتى تكدِّرها الشوائب، وتخللها المصائب، ولا تصفو فيه المشارب، من عرف الزمان، لم يستشعر منه الأمان، هي الأيام ترتجع العَرِية، وتتلقى بالأمنية المنيَّة.
ذِكْرُ الدنيا
قد جعل الله الدنيا دارَ قلعة، ومحلَّ نقلةٍ، فمن راحِلٍ ليومِهِ، ومن مدعوٍّ لغدهِ، وكل مستوفٍ لأجله، وجارٍ إلى أمدِهِ، ما الدنيا إلا دار نُقلة، وما المقام فيها إلا لرحلةٍ، على شرطِ الفَناء، خلق اللَهُ الدنيا وقال: " والآخرةُ خيرٌ وأبقى " شرط الدنيا صلة المنائح بالحوائج، وجمع الرغائبِ إلى النوائب، فموهوبها مسلوبٌ، وإن أرخى إلى مَهَل، وممنوحها محروبٌ، وإن أُخِّر إلى أجَل. نحن في الدنيا على أوفازٍ ومجاز، وحذار وانتظار الدنيا عارية مرتجعة، وسحائب منقشعة، قد تنكرتِ الدنيا حتى صار الموتُ أخفَّ خطوبِها، وأصغر ذنوبها، فلينظر المرءُ يَمنةً، هل يرى إلاّ مِحنةً، ثم ليعطف يَسرةً، هل يرى إلاّ حَسرةً.
ذِكْرُ الموتِ
إنّ الله تعالى سَوّى بين المريَّة، في ورد حوضِ المنيّةِ، معلومٌ أن الموت كُلٌّ شاربٌ بكأسهِ، ومُكْتَسٍ من لبسه، وإنما تقدُّم أيام وتأخر أعوام، الموتُ خَطْبٌ عظيم، عظم حتى هان، وخَشُنَ مسُه حتى لان، قد علمتَ أن الله للعدَمِ أوْجدنا، وللفناءِ خلقنا، المرء يظن أنه مؤخر إلى تمام، ومنسيٌ لأيام وأعوام، والمنونُ تطلبه حثاً وحَضًّا، حتى تدركه خَبَباً ورَكْضاً.
في الرِّضا بقضاءِ الله والتسليم لحكمه
ما الْحِيلة وَقَدْ حَل القضاء، وفرض العزاء، ونَزَل البلاءُ الجسيم، وكتب الرضى
стр. 37
والتسليم، لا تسخط لقدرِ الله وهو عدل، ولا تكره لقضائه وهو فصلٌ، فإنا للَه وإنّا إليه راجعون، تسليماً لما أمضاهُ، ورضىً بما قضاهُ، قضاء الله ماضي، وهو أعدلُ قاضي فإنا للَّهِ وإنا إليه راجعون، رضىً بقضائهِ الذي لا يراجَعُ في إمضائه، وقدرهِ الذي لا يُغالب في إجرائهِ.
في حَمل قضاءِ الله على الأصلح لعباده
مولاي يعلم أن الله يحيي ما كانت الحياةُ أنفع، ويميتُ إذا كان الممات أصلح، إنَ الله يُبقي العباد ما دام البقاءُ أعمر لمكانِهم، ويتوفَّاهم ما كانت الوفاة أصلح لأديانهم، إنا لله وإنا إليه راجعون علماً بأنَّ مقادير الله تجري، ولا جري إلاّ على موجباتِ الحكمةِ، وتدبيره لا يخلو من باطن المصلحة أو ظاهر النَعمة، معلومٌ أن الله تعالى يُبقي ما كان البقاءُ أنجح، ويميت إذا كان الممات أصلح، ولذلك قَبض الأنبياء والمرسَلين وأنزل على المصطفى: " إنّك ميِّت وإنهم ميتون ".
الأمرُ بالصبرِ والنَّهيُ عن الجَزَعِ
عليك عزيمة الصَّبر فإنها في الدين حَتْمٌ، وفي الرأي حَزْمٌ، وليس للحي انتفاعٌ، ولا للميت ارتجاعٌ، أنت أحق من احتسب فاكتسبَ أجراً جزيلاً، وصبر صبراً جميلاً، أنت تعلم أنَّ شوائبَ الدهر لا تُدفع إلاّ بعزائم الصبر، اجعل بين هذهِ اللوعة الغالبةِ. والدمعةِ الساكبة حاجباً من فضلك، وحاجزاً من عقلكَ، ودافعاً من دينك، ومانعاً من يقينِكَ، إنّ المحنَ إذا لم تُعالج بالصبر، كانت كالمنح إذا لم تعاجل بالشكر، المرءُ لا بد سالٍ، ولو بعد أحوالِ وأحوالٍ، فما عليك أن تعجِّل ما تغتنمه البَرَرة، وتقدِّم ما تؤخر الفَجَرة.
التسليةُ ببقاءِ الباقي عن الماضي
نَعِم الله في فلانٍ عظيمةٌ، وقد جبر الكسر، وأوجب الصَبر وأقيم الظهر ولزم الشكر، فالحمد للَه الذي أولى كما ابتلى، وأعطى بإزاء ما اقتضى لئن كانت المصيبة في فلان عظيمة لقد سيّدها الله من سيدي بأصلح خَلَف لأفضل سَلَف، وأنجبِ فرع لأكرم أصلٍ، في بقاء مولاي ما يجبرُ كل كسيرٍ، ويهوِّن أمر كل عسيرٍ، فيا لها من حادثة
стр. 38
كاذبةِ، وفجيعة قطيعة، لولا أن الله سدَّ ببقائك ثلمَها، وداوى بالدّفاع عند كلّمها، في بقائك ما سدَّ ثلم الرّزيَّةِ، وأغنى عن إطالة التعزية، ما مات من خَلَفك، ولا غاب عن أهله من استخلفَك بقاؤك يهوِّن كثيراً مما يلم فيؤلم، ويعم فيثلم، الحمد للَّه الذي لما ارتجع أكرم العواري، بلّغ أفضل الأماني، ولما امتحن بأعظم الأهوال، تطوَّل بأفضلِ الآمال.
إظهارُ المشاركة
قد شاركتُ مولاي في هذه المُصيبة مشاركةَ من لا يتميّزُ عينهُ في مِحَنِهِ ولا مِنَحِهِ، وسروره وَحزنهِ، كتابي وأنا لا أعلمُ أعزيك أم نفسي فليس المصاب عندك بأعظم منه عندي، لأن فلاناً وإن كان أخاك ميلاداً، فقد كان أخي إخلاصاً ووداداً، أنا أُقاسمُكَ مصارفَ الأحوالِ ومجاريها، وعوائد الأيام وعواديها، فآخذ مما يشرح صدركَ بخط المبتهج، وممّا يشغل قلبك بنصيبِ المنزَعج.
عِظاتُ التَّعْزيَةِ
لا مصيبةَ مع الإيمانِ، ولا مُعَزي كالقراَنِ، وكفى بكتابِ الله مُعزياً وبعمومِ الموتِ مسلياً، إنّ الذي يُخفف ثقلَ النوائْبِ، ويحدث السُّلوَّ عند المصائب، تذكُر حُكمِ الله في سيد المرسلين، وخاتم النبيين محمدٍ المصطفى صلوات الله عليه وعلى آله أجمعين، حمداً لإله، تفضَل فيَهب، ويستردّ فيأجُر ويُبقي الثوابَ، ويفني الحزنَ، وكلُّ مصيبةٍ، وإنْ عظُمت فصغيرة في جنبِ ثوابِ الله عليها، ونعم الله قبلها وبعدها، الخلود في الدنيا لا يؤمل، والفناء لا يؤمن، ولا تَسَخط على حكم الله، ولا وحشة مع خلافته، والأُنس بطاعته.
الدُّعاءُ للمتَوَفى
﵁ وأرضاه، وجعل الجَنَةَ مأواهُ، غفر الله له ذنبَه، وخفّفَ عليه حسابه، وجعل رحمته حسبه، تَغَمدهُ الله بغفرانِهِ ومَهَدَ له في أعلى جنانِهِ، والله يفسح له في
стр. 39
مثواه، ويجعل آخرته خيراً في أولاه، أكرم الله مرجعه، وبرَّدَ مضجعه، ورحمه الله رحمة الأبرارِ، وحط عنه ثقل الأوزارِ، نوَّرَ الله برهانه وألبسه رضوانه وغفرانه، مَهَدَ الله له في الجَنة المأوى، وأوجب له درجاتِ القربة والزُلفى.
الدُعاءُ للمُعزّى
رَبطَ الله على قلبِك بالتماسُك، الذي يؤمن من التهالك في القلق والتمالك، الذي يرقع عوادي الحرق، وفَّقك اللَهُ لما يُحصَل الأجْرَ ولا يُحبطُه، ويوفِّر الثوابَ ولا يُسقطه، جَبَر اللَّهُ مصابك، وعظم ثوابك. أطالَ اللَّهُ مدّتك، وجعل الشكر في النعمى مائدتك، والصبر على عُدَّتك، حَرَس الله مُهجتَك، وحَرَّم على الحوادثِ أعزّتك، وجعل ما عرضَ خاتمة الرزايا قبلك، وبلِّغكَ في دينك، ودُنياك أمَلَك، لا نقص الله لك عَدَداً، ولا أثكلَكَ وَلداً، ولا أشمتَ بكَ أحَداً، وقاكَ الله في أعِزَّتك ونفسِكَ، وجَعَل مَسَرَةَ غدك، ماحيةً لِمساآت أمسكَ، لا أصبت إلا بِمَن الخيرة لك في البقاء بعده وله في التقدم قبلك.
стр. 40
الباب الخامس
في المَمادحِ والأثنيةِ وما يجري مجراها
المدح بشرف الأصل وكرم النَّسب
فلانٌ من سِرِّ العنصر الكريم، ومعدن الشريف العميم، أصلٌ راسخٌ، وفرع شامِخ، ومجد باذخٌ، وحَسَبٌ شادِخ، قد ركب الله دَوحته في قرارة المجد، وغرس نبعتهُ في مجل الفضل، فلان كريم الطَرَفين، شريف الجانبين، المجد لسان أوصافه، والشرفُ نسب أسلافهِ، فلان كريمُ الأسلافِ والأطراف، من سروات الأشرافِ، يستوفي شرف الأرومة، بكرم الأبوُّةِ والأمومَةِ، والخؤولة والعمومة، فلان مسترضِعُ ثَدي المجد، مفترِشُ حجر الفضل، مفطوم عن البخل.
المدحُ بشرفِ الأصل والنفسِ وفضل الاكتسابِ والأنساب
فلانٌ يجمع إلى عز النّصابِ مزيَّةَ فضل الآداب، لا غرو أن يجري الجوادُ على عرقهِ، وتلوح مخائل الليث في شِبلهِ، هلالُ ذلك البَدرِ الزاهِر، وشبل ذلك الليث الخادر، قد جمع شَرَفَ الأخلاق إلى شرف الأعراقِ، وكرم الآداب إلى كرم الأنساب، له في المجد أولٌ وآخرٌ، وفي الفضائل قديم وحديث، وفي الكرم تليدٌ وطريف لا غرو أن يغمر فضلَه وهو نجل الصِّيد الأكارم، أو يغزُر علمه، وهو فيض البحور الخضارم.
следующие страницы →