← Адаб

Адаб · id 418

لباب الآداب للثعالبي

أبو منصور الثعالبي

Полный текст (198 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بالذخائر، ويستأثر بالأخائر، هو الدهر لا تتهنى فيهِ المواهبُ حتى تكدِّرها الشوائب، وتخللها المصائب، ولا تصفو فيه المشارب، من عرف الزمان، لم يستشعر منه الأمان، هي الأيام ترتجع العَرِية، وتتلقى بالأمنية المنيَّة. ذِكْرُ الدنيا قد جعل الله الدنيا دارَ قلعة، ومحلَّ نقلةٍ، فمن راحِلٍ ليومِهِ، ومن مدعوٍّ لغدهِ، وكل مستوفٍ لأجله، وجارٍ إلى أمدِهِ، ما الدنيا إلا دار نُقلة، وما المقام فيها إلا لرحلةٍ، على شرطِ الفَناء، خلق اللَهُ الدنيا وقال: " والآخرةُ خيرٌ وأبقى " شرط الدنيا صلة المنائح بالحوائج، وجمع الرغائبِ إلى النوائب، فموهوبها مسلوبٌ، وإن أرخى إلى مَهَل، وممنوحها محروبٌ، وإن أُخِّر إلى أجَل. نحن في الدنيا على أوفازٍ ومجاز، وحذار وانتظار الدنيا عارية مرتجعة، وسحائب منقشعة، قد تنكرتِ الدنيا حتى صار الموتُ أخفَّ خطوبِها، وأصغر ذنوبها، فلينظر المرءُ يَمنةً، هل يرى إلاّ مِحنةً، ثم ليعطف يَسرةً، هل يرى إلاّ حَسرةً. ذِكْرُ الموتِ إنّ الله تعالى سَوّى بين المريَّة، في ورد حوضِ المنيّةِ، معلومٌ أن الموت كُلٌّ شاربٌ بكأسهِ، ومُكْتَسٍ من لبسه، وإنما تقدُّم أيام وتأخر أعوام، الموتُ خَطْبٌ عظيم، عظم حتى هان، وخَشُنَ مسُه حتى لان، قد علمتَ أن الله للعدَمِ أوْجدنا، وللفناءِ خلقنا، المرء يظن أنه مؤخر إلى تمام، ومنسيٌ لأيام وأعوام، والمنونُ تطلبه حثاً وحَضًّا، حتى تدركه خَبَباً ورَكْضاً. في الرِّضا بقضاءِ الله والتسليم لحكمه ما الْحِيلة وَقَدْ حَل القضاء، وفرض العزاء، ونَزَل البلاءُ الجسيم، وكتب الرضى

стр. 37

والتسليم، لا تسخط لقدرِ الله وهو عدل، ولا تكره لقضائه وهو فصلٌ، فإنا للَه وإنّا إليه راجعون، تسليماً لما أمضاهُ، ورضىً بما قضاهُ، قضاء الله ماضي، وهو أعدلُ قاضي فإنا للَّهِ وإنا إليه راجعون، رضىً بقضائهِ الذي لا يراجَعُ في إمضائه، وقدرهِ الذي لا يُغالب في إجرائهِ. في حَمل قضاءِ الله على الأصلح لعباده مولاي يعلم أن الله يحيي ما كانت الحياةُ أنفع، ويميتُ إذا كان الممات أصلح، إنَ الله يُبقي العباد ما دام البقاءُ أعمر لمكانِهم، ويتوفَّاهم ما كانت الوفاة أصلح لأديانهم، إنا لله وإنا إليه راجعون علماً بأنَّ مقادير الله تجري، ولا جري إلاّ على موجباتِ الحكمةِ، وتدبيره لا يخلو من باطن المصلحة أو ظاهر النَعمة، معلومٌ أن الله تعالى يُبقي ما كان البقاءُ أنجح، ويميت إذا كان الممات أصلح، ولذلك قَبض الأنبياء والمرسَلين وأنزل على المصطفى: " إنّك ميِّت وإنهم ميتون ". الأمرُ بالصبرِ والنَّهيُ عن الجَزَعِ عليك عزيمة الصَّبر فإنها في الدين حَتْمٌ، وفي الرأي حَزْمٌ، وليس للحي انتفاعٌ، ولا للميت ارتجاعٌ، أنت أحق من احتسب فاكتسبَ أجراً جزيلاً، وصبر صبراً جميلاً، أنت تعلم أنَّ شوائبَ الدهر لا تُدفع إلاّ بعزائم الصبر، اجعل بين هذهِ اللوعة الغالبةِ. والدمعةِ الساكبة حاجباً من فضلك، وحاجزاً من عقلكَ، ودافعاً من دينك، ومانعاً من يقينِكَ، إنّ المحنَ إذا لم تُعالج بالصبر، كانت كالمنح إذا لم تعاجل بالشكر، المرءُ لا بد سالٍ، ولو بعد أحوالِ وأحوالٍ، فما عليك أن تعجِّل ما تغتنمه البَرَرة، وتقدِّم ما تؤخر الفَجَرة. التسليةُ ببقاءِ الباقي عن الماضي نَعِم الله في فلانٍ عظيمةٌ، وقد جبر الكسر، وأوجب الصَبر وأقيم الظهر ولزم الشكر، فالحمد للَه الذي أولى كما ابتلى، وأعطى بإزاء ما اقتضى لئن كانت المصيبة في فلان عظيمة لقد سيّدها الله من سيدي بأصلح خَلَف لأفضل سَلَف، وأنجبِ فرع لأكرم أصلٍ، في بقاء مولاي ما يجبرُ كل كسيرٍ، ويهوِّن أمر كل عسيرٍ، فيا لها من حادثة

стр. 38

كاذبةِ، وفجيعة قطيعة، لولا أن الله سدَّ ببقائك ثلمَها، وداوى بالدّفاع عند كلّمها، في بقائك ما سدَّ ثلم الرّزيَّةِ، وأغنى عن إطالة التعزية، ما مات من خَلَفك، ولا غاب عن أهله من استخلفَك بقاؤك يهوِّن كثيراً مما يلم فيؤلم، ويعم فيثلم، الحمد للَّه الذي لما ارتجع أكرم العواري، بلّغ أفضل الأماني، ولما امتحن بأعظم الأهوال، تطوَّل بأفضلِ الآمال. إظهارُ المشاركة قد شاركتُ مولاي في هذه المُصيبة مشاركةَ من لا يتميّزُ عينهُ في مِحَنِهِ ولا مِنَحِهِ، وسروره وَحزنهِ، كتابي وأنا لا أعلمُ أعزيك أم نفسي فليس المصاب عندك بأعظم منه عندي، لأن فلاناً وإن كان أخاك ميلاداً، فقد كان أخي إخلاصاً ووداداً، أنا أُقاسمُكَ مصارفَ الأحوالِ ومجاريها، وعوائد الأيام وعواديها، فآخذ مما يشرح صدركَ بخط المبتهج، وممّا يشغل قلبك بنصيبِ المنزَعج. عِظاتُ التَّعْزيَةِ لا مصيبةَ مع الإيمانِ، ولا مُعَزي كالقراَنِ، وكفى بكتابِ الله مُعزياً وبعمومِ الموتِ مسلياً، إنّ الذي يُخفف ثقلَ النوائْبِ، ويحدث السُّلوَّ عند المصائب، تذكُر حُكمِ الله في سيد المرسلين، وخاتم النبيين محمدٍ المصطفى صلوات الله عليه وعلى آله أجمعين، حمداً لإله، تفضَل فيَهب، ويستردّ فيأجُر ويُبقي الثوابَ، ويفني الحزنَ، وكلُّ مصيبةٍ، وإنْ عظُمت فصغيرة في جنبِ ثوابِ الله عليها، ونعم الله قبلها وبعدها، الخلود في الدنيا لا يؤمل، والفناء لا يؤمن، ولا تَسَخط على حكم الله، ولا وحشة مع خلافته، والأُنس بطاعته. الدُّعاءُ للمتَوَفى ﵁ وأرضاه، وجعل الجَنَةَ مأواهُ، غفر الله له ذنبَه، وخفّفَ عليه حسابه، وجعل رحمته حسبه، تَغَمدهُ الله بغفرانِهِ ومَهَدَ له في أعلى جنانِهِ، والله يفسح له في

стр. 39

مثواه، ويجعل آخرته خيراً في أولاه، أكرم الله مرجعه، وبرَّدَ مضجعه، ورحمه الله رحمة الأبرارِ، وحط عنه ثقل الأوزارِ، نوَّرَ الله برهانه وألبسه رضوانه وغفرانه، مَهَدَ الله له في الجَنة المأوى، وأوجب له درجاتِ القربة والزُلفى. الدُعاءُ للمُعزّى رَبطَ الله على قلبِك بالتماسُك، الذي يؤمن من التهالك في القلق والتمالك، الذي يرقع عوادي الحرق، وفَّقك اللَهُ لما يُحصَل الأجْرَ ولا يُحبطُه، ويوفِّر الثوابَ ولا يُسقطه، جَبَر اللَّهُ مصابك، وعظم ثوابك. أطالَ اللَّهُ مدّتك، وجعل الشكر في النعمى مائدتك، والصبر على عُدَّتك، حَرَس الله مُهجتَك، وحَرَّم على الحوادثِ أعزّتك، وجعل ما عرضَ خاتمة الرزايا قبلك، وبلِّغكَ في دينك، ودُنياك أمَلَك، لا نقص الله لك عَدَداً، ولا أثكلَكَ وَلداً، ولا أشمتَ بكَ أحَداً، وقاكَ الله في أعِزَّتك ونفسِكَ، وجَعَل مَسَرَةَ غدك، ماحيةً لِمساآت أمسكَ، لا أصبت إلا بِمَن الخيرة لك في البقاء بعده وله في التقدم قبلك.

стр. 40

الباب الخامس في المَمادحِ والأثنيةِ وما يجري مجراها المدح بشرف الأصل وكرم النَّسب فلانٌ من سِرِّ العنصر الكريم، ومعدن الشريف العميم، أصلٌ راسخٌ، وفرع شامِخ، ومجد باذخٌ، وحَسَبٌ شادِخ، قد ركب الله دَوحته في قرارة المجد، وغرس نبعتهُ في مجل الفضل، فلان كريم الطَرَفين، شريف الجانبين، المجد لسان أوصافه، والشرفُ نسب أسلافهِ، فلان كريمُ الأسلافِ والأطراف، من سروات الأشرافِ، يستوفي شرف الأرومة، بكرم الأبوُّةِ والأمومَةِ، والخؤولة والعمومة، فلان مسترضِعُ ثَدي المجد، مفترِشُ حجر الفضل، مفطوم عن البخل. المدحُ بشرفِ الأصل والنفسِ وفضل الاكتسابِ والأنساب فلانٌ يجمع إلى عز النّصابِ مزيَّةَ فضل الآداب، لا غرو أن يجري الجوادُ على عرقهِ، وتلوح مخائل الليث في شِبلهِ، هلالُ ذلك البَدرِ الزاهِر، وشبل ذلك الليث الخادر، قد جمع شَرَفَ الأخلاق إلى شرف الأعراقِ، وكرم الآداب إلى كرم الأنساب، له في المجد أولٌ وآخرٌ، وفي الفضائل قديم وحديث، وفي الكرم تليدٌ وطريف لا غرو أن يغمر فضلَه وهو نجل الصِّيد الأكارم، أو يغزُر علمه، وهو فيض البحور الخضارم.

стр. 41

ذكرَ المجدِ والشرَفِ مَجْدٌ يلحظ الجَوزاءَ من عالٍ، ويطول النجوم كُلَّ مَطالٍ، نَسَبُ المجد به عريق، وروض الشَّرف به أنيق، مَجْدٌ يشير إليهِ النجم الثاقب، ويشرف بحفظ طرفيه المناقب، فَلَكُ المجدِ عليه يَدور، ويد العُلى إليهِ تُشيرُ، مُتوَقّلٌ في جبال المجد مُتَرقٍّ في دَرجاتِ الفضل، فلانٌ شهاب المجد، ومنار الحمد، مَحلُىُ سامقٌ، ومجدهُ باسق، وشرفُه مَجْدٌ طارق. الجُودُ وَالكَرَمُ فلانٌ رفيقُ الجودِ وخليلُه، وزميلُ الكرم ونزيلُهُ، وغُرَّة الدهر وتحجيلهُ، ما هو إلاّ بحرٌ لا يظمأُ واردهُ، ولا يمنع بارده، غوثه موقوفٌ على اللهيفِ، وعونه مبذولٌ للضعيفِ، كأنه ضامنُ أرزاقِ العبادِ، وكأنّه وَصَّى آدم على الأولادِ، فلانٌ يوجب الصِّلات، كوجوب الصلاةِ بابُهُ غير مُرْتَجٍ، عن كل مرتجي، ينابيع الجُودِ تتفجَّرُ من أنامِلِه، وربيعُ السَّماحِ يضحك عن فواضِلهِ، هو واحدٌ في الكرم، وغُرّة في وجه العالم، وتاريخ حسن الشِّيَم، هو الكرم أُنشىء نفساً، والفضل تمثل شخصاً، لو أن البحر مددهُ، والسحاب يَدهُ، والجبال ذهبُهُ، لقصَّرَتْ عما يهبه، إن طلبت كريماً في وجوده متّ قبل وجوده، أو ماجداً في أخلاقه، فنيت ولم تلاقه، صدرهُ بَحْر، ووجهه بَدْرٌ، ووعده نزْرٌ، قد امتزج الكرم بطبعه، وجرى منه مجرى دمِهِ. العِلْمُ والأدَبُ هو للعلم مجمع، وللدين مَفْزَعٌ، هو في العلماءِ عَلَمٌ، وفي الكمالِ عالمٌ، العلم حشو ثيابهِ، والعقل ملء إهابهِ، فلان مِلحُ الأرض، ودرع المِلَّة، ولسان الشريعة، وحصن الأمّة، هو عالَم في ثوب عالِم، هو شخص الأدب ماثلاً، ولسانُ العلم قائلاً، هو قرارةُ الأدبِ والعلم، ومجمع الدِّراية والفَهم، شجرةُ فضلٍ، عودُها أدبٌ، وأغصانُها عِلم، وثمرتُها عقلٌ، وعروقها شرف، تسقيها سماءُ الحرثة، وتغذيها أرضُ المروءة.

стр. 42

الجمالُ وحُسنُ الصُورَةِ هو قمري التصوير، شَمسيُ التأثير، ذو صورة قمريّةٍ بشريّةٍ، ما أحوجَه إلى عيب يصرف عنه عين كماله، عن جمالهِ، خلقة سويّة صحيحة، وصورةٌ مقبولة صبيحة، طلعةٌ يطلعِ منها النيران، ويسجد لها القمران، للعيون في محاسن وجهه مَرتعٌ، وللأرواحِ بهِ مُسْتمتع. البشْرُ والبَشاشَةُ طلعةٌ عليها للبشاشة ديباجةٌ خسروانية، وفيها للطَّلاقة روضةٌ ربيعيّة، يجول فيها ماءُ الكرم، ويقرأ منها صحيفة حسن الشِّيَم، وَجْهٌ يكاد يقطر منه ماء البشْرِ، وتبشِّر ملاحظته بالأمان من الدهر، وَجْهٌ كَأنَ بشرته قِشر البشر، شِمتُ من وجهه بارقة المجدِ، ورأيت في بِشره تباشيرَ النُجْح. حُسْنُ الخُلُق لهُ خُلُقٌ لو مُزِج به البَحْر لنفى مُلوحتَهُ، وصفا كدورتهُ، خلقٌ كالرحيق مِزاجه التَسنيم، خُلُق كنسيمِ الأسحارِ، على صفحات الأنوارِ، أخلاق أحسن من الدّر والعقيان، في نحور الحِسان، وأذكى من حركاتِ الريح بين الريحان، شمائل كالشمول، هبَّتْ عليها الشمال، وقرن بها الماءُ الزلال، أخلاق جَمَعَتِ المروءةُ أطرافها وحَرَستِ الحرية أكنافَها، سقى الله أخلاقَه أشباهها من سيل القطْرِ ورَياها من طيب البِشر. الظّرفُ واللباقَةُ وحُسْن العِشرة ما هوَ إلا غِذاءُ الحياة ونسيم العيش، وقوَة النفس، ومادّة الأنس، فلان حُلوُ المذاقِ، عذب السماعِ، طيب المُساغ، أعلا الناس في جَدِّ وأحلاهم في هَزْلٍ، يتصرف في القلوب كتصرُّفِ السَّحابِ مع الجنوب، ذو جدِّ كعلوِّ الجدِّ، وهزلٍ كحديقة الوردِ، عاشرته فطابت عشرتهُ ولانت قشرته، وواصلتهُ فاستحسنتُ وِصالَه، وأحمدت

стр. 43

خصالهُ فلان شمّامَةُ الظرفاءِ، وريحانَة الندماء، فلان يخرج من القشرة في العِشرة، عشرته ألطف من نسيم الشمالِ، على أديم الماء الزُلال. طِيب الخَبَرِ أخباره ذكيّة، وآثاره ركيَّة، أخبارهُ تأتينا كما وشّي بالمسكِ ريّاهُ، ونمَّ على الصُّبح مُحَيَّاهُ، قد حَسُنَ خَبَرهُ، وسافر أثره، أخباره متضوّعة كالمسكِ الأذفَر، ومشرقة كالفجر الأنوَر، إن لم أره فقد سمعت خبره، ورأيت أثره، أخباره راحةٌ، وآثاره بهجةٌ. إصابَةُ الرَّأيِ لَهُ الرأيُ الثاقِبُ الذي تخفى مكائدُه، وتظهر عوائدُه، والتدبير النافذ تنجح مبادئه، وتبهج تواليه، رأيه فلكٌ يحيط بجوامع الصواب، ويدور بكواكب السّداد، يهتِكُ أغطيَةَ الستور، عن مبهمات الأمور، له تحصيلٌ، ورأيٌ أصيلٌ، عجباً لرأيهِ الذي يستنبط دفائن القلوب، ويستخرج ودائع الغيوب، له رأيٌ مُضيءٌ إذا أظلمتِ الخطوبُ، وعزمٌ قويٌ إذا ضَعُفَتِ القلوبُ. الحِنكًةُ والتَّجْرِبَةُ قد وضعت كثرة التجارب، في يده مِرآَةَ العواقب، قد نَجذَتْهُ مصارفُ الدهور، وحنكتهُ معارفُ الأمورِ، فلانٌ قد صحب الأيام، وتولَّى النقضَ والإبرام، قد أدبه الليل والنهار، ودارت على رأسِه الأدوار " قد حَلَبَ الدهرُ أشطرَه "، وعَرَفَ حلوهُ ومُرّهُ، ومارسَ نفعَه وضَرَّه. التقى والزُّهد فلانٌ عَذْبُ المَشربِ، عَفّ المطلب، نقيّ الساحَة من المآثم، برَيّ الذمَّة من الجرائم، يمشي في أقصد الطريق والطرق، ويأخُذُ بأرشدِ الخلق، يرجع إلى نفسٍ أمارَةٍ

стр. 44

بالخير، بعيدة من الشّر، مَدْلولةٍ على سبيل البِرّ، قد أتاهُ الله قوة بصيرةٍ، وحُسن سريرةٍ، أعرض عن الدنيا، وقد أعرضت له بزينتها، وصَدَّ عنها، وقد قصدت له في تحليتها، فلانٌ نقيُّ الجَيبِ، سليم الغَيْبِ، عديم العَيبِ. الكمالُ والانفرادُ عن النُّظَراء فلانٌ مولودٌ في طالِع الكمال، عُذْرٌ للزمان المذنب، قد أصبح عين الكامل، وزين المحافل، هو الجمالُ بجُملته، والكمال بكليته، والعالم في برُدته، فلانٌ فرد دهرهِ، وشمسُ عَصرِهِ، وغرّة مِصرِه، ما هو إلا فذّ فَرْدٌ، وأسدٌ وَرْدٌ. التفضيل والتَّرْجيحُ فلانٌ يزيد عليهم زيادةَ الشمس على البدر، والبحر على القَطْرِ، هو صدرهم وبدرهم، ومن عليه يدور أمرهم، كأنهم فلكٌ هو قطبُه، وجسدٌ هو قلبهُ، ومملوكٌ هو رَبّهٌ، هو مَشهورٌ بسيادتهم، وواسطة قلادَتِهِمْ. هو بيت القصيدة، وأوّل الجريدة، وعَيْنُ الكتيبة، وواسطة القِلادة وإنسان الحَدَقة، ودرّةَ التاج، ونقش الفصِّ.

стр. 45

الباب السادس في المقابح والمساوئ وما يدانيها ذكْرُ لُؤم الأصلِ والنَّفْس فلان عُصارةَ لُؤْمٍ، في قرَارة خُبْثٍ، أَلأَمُ مُهْجَةٍ، في أخسِّ جُثةٍ، خَبيثُ الطعَمَةِ، حديث النِّعمة، هو كالكَمأةِ، لا أصلٌ ثابِتٌ، ولا فرعٌ نابِتٌ، فلانٌ خبيثُ المركب، لئيم المَنْسَب، يكادُ من لؤمهِ يُعْدي من يتسمّى باسمه، أو يجلس إلى جَنْبِهِ، قَدْ أُرضع بلبان اللؤم وربي في حِجر الشر، وفُطم عن ثدي الخير، ونشأ في عَرْصَة الخُبْث، لا أمس ليومهِ، ولا قديم لقومه، فلانٌ قصير الشبر، صغير القِدر، قاصر القَدرِ، ضيّق الصَّدرِ. البُخْلُ وما يجري مَجراه سائلهُ مَحْرومٌ، وماله مكتوم، لا يحين إنفاقهُ، ولا يُحل خناقهُ، خُبزُهُ كأوى، يُسْمع بهِ ولا يُرى، غَناؤهُ فقْرٌ، ومَطبخه قَفْرٌ، يملأُ بطنهُ والجارُ جائع، ويحفظ ماله والعِرْضُ ضائعٌ، قَدْ جعل ميزانه وكيلهُ، وأسنانه أكيلهُ، ورغيفهُ أليفهُ، ويمينه أمينه، وخاتمهُ خادمه، وصندوقه صديقه، وكيسهُ أنيسه. القُبحُ والدّمامَةُ وَجْهٌ كَهَوْلِ المُطلع، وزوال النعمة، وقضاء السوءِ، وموت الفجاءة، ما هو

стр. 46

إلاّ قَذى العين، وشجى الصدر، وأذى القلب، وَحُمى الروحِ، كأنّ النَّحْسَ يطلع من جبهته، والخَلّ يقطر من وَجْنَته، وَجْهٌ مُسترق الحسن، مُتنقِّبٌ بالقبحِ، وجْهُه يَشُقُّ على العين، وكلامُة لا يسوغ في الأُذن، وَجْهُهُ لحضور الغريم، وحصول الرقيب، وكتاب العزلِ، وفراق الحبيب، خُلْفَةُ الشيطانِ، وغَفل الصبيان. الثِّقل والبُغْضُ والبَرْدُ فلانٌ ثقيل الطلعة، بغيض التفصيل والجُملةِ، بارد السُّكون والحركة لا أدري كيف لم تحمل الأمانة أرض حملتهُ، وكيف اجتاحت إلى الجبال بعدما أقلتهُ، فلان يحكي ثِقَلَ الحَديث المُعاد، ويمشي على العيون والأكباد، كأنَ وجهه أيامُ المصائب، وليالي النوائب، وكأنّ قُربهُ فَقْد الحبائب، وسوء العواقب، وكأنما وَصَلُةُ عدمُ الحياةِ وموتُ الفجاءةِ، وكأنّما هجره قوّةُ المِنَة، وريح الجَنّة، يا عَجبي من جسمٍ كالخيالِ، وروح كالجبال، كأنّه ثقل الدّين، على وجه العين، هو بين الجفن والعين قذاة، وبين النعل والأخمص حصاةٌ، أثقل من خراجٍ بلا غلّةٍ، ودواءً من غير عِلّةٍ، أبرَدُ من الزمهريرِ، بالعبوس القَمْطَرير. الجَهْلُ والسُّخْفُ والخُرق هناك جَهلٌ كثيفٌ، وعقلٌ سخيفٌ، قالب جهل مسبوق، بثوب جاهل لا يُميِّز، وأهوج لا يتحرَّز، أخرقُ مختلف، وأهوج متعجرفٌ لا يستر من العقل بسَجْفٍ، ولا يشتمل إلاّ على سُخْفٍ، أتى ما دَلَّ على خُرْقه ورَكاكة خُلقِه، قد ضل يتعثر في فضول جهلِهِ، ويَتَساقَطُ في ذيول خرقهِ. القلَّةُ والذِّلَّةُ ريحُ صَيفٍ، وطارقُ ضَيفٍ، فوته غنيمه، والظفَرُ بهِ هزيمة، يقل عن الذكر، ويزلّ

стр. 47

عن الفكر، " أقلّ من تِبنة في لبنة " و" أَذَلُ من قُلامة في قمامة "، هوَ ولا شيء. خُبْثُ الطَوِيّة ومخالفةُ الباطن للظاهر قلب فلانٍ نَغْل، وصدره دَغلٌ، طوية مَعْلولَة، وعقيدة مغلولة، وعقيدة مدْخولة، صفوه رَنَقٌ، وبِرُّه لَمَقٌ، وودُّه مُزَأبقٌ، خبيث النّية، واكدُ الطويَّة، موجود عند الرخاء، مفقود عند البلاءَ، يَبثُّ حَبائل الزور، وينصب أشراك الغرور، يدَّعي ضروب الباطل، ويتحلّى بما هو عاطِلٌ، يُبدي وجه المطابق الموافق، ويخفي نظرَ المسارق المنافق، ضمير قلبه خبيث، ويمينه حنث، وعهده نكث، أظهر وَرعه، ليخفي طمعه، وقَصَّرَ سبالَه ليطيل يده، يبرز في ظاهِر السَّمْت، وباطن أصحاب السَّبْت. الكَذِب وخُبْثُ اللسان فلانٌ منغمسٌ في عَيْبِهِ، يكذبُ لذَيلهِ على جيبهِ، يقول بهتاً، وزوراً بحتاٌ، قد مُلىءَ قلبه رَيْناً وقوله مَيْناً، الفاختة عنه أبو ذَرّ، لسانهُ مقراضُ الأعراض، يأكل خبزه بلحومِ الناسِ، عرضٌ دنيء، وفم بذيءٌ. خبثُ الفعل والاستهدافُ للعَيب هو مقصورُ الهِمَّة على ما يُسْتهجَن ذكره، فكيف فعلهُ، قَدْ عَدَلَ عن الجميل

стр. 48

جملةً، وأخلَّ بسواء السبيلِ دُفعة، لزمه عارٌ لا يحمي رسمه، ولزمهُ شنانٌ لا يزول وَسْمُه، فلان لسهام العائبين مُسْتَهدَفٌ، ولعصا الفاسقين متلقَّفٌ، فلان يخبىء العصا في الدّهليز الأقصى، قد تقلّدَ عاراً لا يغسلُه الاعتذارُ، ولا يمحوه الليل والنهارُ، قد أصبح نقل كل لسانٍ وضحكة كل إنسانِ، وحملت أمهاته سفاتج إلى البلدان، صار بذلة الألسن، ومثلة الأعين، عرض عِرضه لسهام العائبين، وألسنة القاذفين، عِرضه منديل الأيدي، وعِلك الألسنة. التِّيهُ والكِبْرُ قد أسكرته خَمْرَةُ الكِبْرِ، واستهوته غُرّة التِّيهِ، يتكبَّرُ على مستصغرين، ويتعاظم على مستحقرين، كأنّ كسرى حاملُ غاشيته، وقارونَ وكيلُ نفقته، وبلقيسَ إحدى داياته، وكأنّ يوسفَ ﵇ لا ينظر إلاّ بمقلَتِه، ولقمان لم ينطق إلا بحكمته، كأنّ الشمس تطلعُ من جبينه، والغَمام يندى من يمينه، كأنّهُ امتطى السِّماكين، وانتعل الفرقدين، ومَلَك الخافقين، واستعبَد الثَّقَلين، وتناول النيِّرين بيدين. الحَسَدُ فلانٌ جَسدٌ كُلُهُ حَسَدٌ، وعِقْدٌ كله حِقد، الحاسِدُ يعمى عن محاسن الصبح، بعينٍ تدرك دقائق القُبح، الحَسود لا يَسود، الحَسَد آفة الجسد، فلانٌ معجون من طينة الحَسدِ والمنافسة، مضروبٌ في قالبِ الضيق والمناقشة. دناءَةُ النَّفْسِ مع شَرَف الأبوّة فلانٌ من الطاووس رجلُهُ، ومن الورد شوكُه، ومن الماء زَبَدُهُ، ومن الأسد نكهتهُ، ومن السَّحابِ ظُلمته، ومن النار دُخانها، ومن الخَمر خمارُها، ومن الدارِ مُستراحُها.

стр. 49

الجُبْنُ فلانٌ تمثالُ الجُبن، وصورةُ الخَوف، ومقرُّ الرُّعب، ومن لو سمّيَتْ له الحرب لخاف لفظها قبل معناها، وذكرها قبل فحواها، هو من تخوَّفه أضغاث أحلامٍ فكيف مسموعُ الكلام وإذا ذكرتِ السيوفُ لمَسَ رأسَه هل ذهب، وإذا ذكرتِ الرماحُ لمس جنبه هل نُقِب. خُلْفُ الوعْدِ وكثرة المَطْلِ خُلفُ الوَعد، خُلُق الوَغْد، فلانٌ يُرسل برقَهُ، ولا يُسيل وَدْقَهُ، ويقدّم رعده ولا يمطر بعده، وعده برقٌ خُلَّبٌ، ورَوَغان ثَعلب، غيمُ وعدِه جُهامٌ، وسيفٌ بذله كَهامٌ، وعدُه مُقرمَطٌ، وتسويفه مفَرَّط قد حرمه نضرة الوعد، وجَرّهُ على شوك المَطْلِ، لا وعد نجيحٌ، ولا يأسٌ مريحٌ. ذَمُّ الخَطّ خَطّ مضطربُ الحرفِ، مُضاعَف الضَعْفِ، خطٌّ مُمَجْمَجٌ، ولفظٌ مُلَجْلجٌ خط سقيم، وخاطر عقيم، كأن قلمه لا يستجيب برَيهُ، والمدادُ لا يساعِدُ جريهُ خط يقذي العين، ويشجي الصدر، خط منحطٌّ، كأنه أرْجلُ البط على الشط، وأنامل السرطانِ على الحيطانِ، خط مجنون، لا يُدْرى أألِف هو أم نون، وسطورٌ فيها شطور. ذَمُ الكلامِ كلام تنبو عن قبوله الطِّباع، وتتجافى عن استماعِه الأسماع، ألفاظٌ تنبو عنها

стр. 50

الآذان فتمجُّها، وتنكرها الطباعُ فترجُّها، كلامٌ لا يرفع السَّمْعُ له حِجاباً، ولا يفتح القلبُ لوفوده باباً، كلامٌ يُصدي الريَّان، ويصدىءُ الأفهام، كلام تُعمَل فيه حتّى تبدَّل، وتكلِّفَ حتى تعسَّف، طبع جاسٍ ولَفْظٌ فاشٍ، كلام كأنّهُ ثَمرٌ قُطِفَ قبل أوانِهِ، وشرابٌ بزُلَ قبل إبّانِهِ، كلامٌ بمثلهِ يتسلّى الأخرَسُ عن كلمِهِ، ويفرحُ الأصم بِصَمَمِهِ، بمثل ذلك الكلام رزق الصَّمْتَ المحبة، وأعطى الإنصات الفضيلة، لفظٌ رَثٌّ، ومعنىً غَثّ، كلام لا طائل فيهِ، ولا طلاوة عليهِ. ذَمُّ الكاتِب قد صدىء فَهْمُهُ، وتبلَّدَ طَبْعهُ، وتكدَّرَ خاطِرُهُ، الخرس أَحْسنُ من كلامه، والعيّ أبلغ من بيانِهِ، خاطره ينبو، وقلمه يكبو، فلانٌ كليلُ شَفرة الكلامِ، سريعُ وقع الأقلام، قصير رِشاءِ اللسان، قريب غَوْر البيان، يسهو ويغلط، ويخطىء ويسقط، هو في الأدب دَعى النَسَب، وهو في الكتابة ضَيِّق المضطرب، سَيّىءُ المنقَلَب، فلان قاصِرُ سعيِ البلاغةِ، قصيرُ باعِ الكِتابة. ذَم الشِّعر والشاعر أبيات لَيستْ من محكم الشَعْرِ وحكمه، ولا من أحرار الكلام وغرره، شِعْر ضعيف الصِّيغة، رديء الصَّنعةِ، قد جمع فيه بين إقواءٍ وأخطاءٍ وإبطاءٍ، لو شعر بالنقص ما شَعَرَ، ما قطع شِعْرُهُ شَعَرَه، ولا سقى قطره، هو من بين الشعراء، منبوذٌ بالعراءِ، شاعِرٌ باردُ العبارةِ، ثقيلُ الاستعارة، بَغِيضُ الإشارةِ، شعرُه لم يلبس حُلّة الحلاوة، ولم يُطل بالطلاوة.

стр. 51

الباب السابعُ في الإستماحاتِ والشفاعات وما يشاكلها التشبيبُ بمدحِ المسؤول سَيدي أوّلُ المحاسنِ واَخرها، ومورد المكارم وَمَصدرُها، فعافيه مُسْتغنٍ عن الوسائل أن يمهِّدها، غير محتاج إلى الذرائع أن يؤكَدَها، لفواضل مولايَ موادٌّ لا تتقطع، وسحائب لا تتقشّع. فالله يحرس أيامه ولا يُعدم منتجعيه إنعامه، من خدم الأمير يوماً من عُمره بل ساعةً من دهره، فقد اعتصم بالعروة الوثقى، وأصبح من النوائب في حِمَى الأمير، مَلْجأ العُفاةِ الذي إليه يفزعون، وفناه ينتجعونَ، فهم فيه بين جاهٍ لا يبخل ببَذْلِهِ، ومالٍ يسمح بفضله، مولاي عَلَمٌ في المكارم يقف عليه الطالع وتشير إليه الأَصابعُ، معهود النيل مألوف الفضل، عذب الورد، قريب الشرب فالاَمال كيف تصرفت انتهت إليه، ووقفت عليها فيتلقاها بتحقيقٍ، ويقابلها بتصديق مولاي قبلة كرم يصلّي إليها أبناءُ الرغائب، وكعبة يحجها ذَوو المطالب، الجميل من مولاي مُعتادٌ، وتفضّله مبدأ ومَعاد، جوارُ مولاي حرم، وقِرى أضيافهِ كَرَمٌ، من طلب الرّيَّ من الفرات لم يخش الظمأ في وِرْدِهِ، ومن قصد الكريم برَجائه، لم يحاذر الخيبة في قَصْدِهِ، الوارد على البحارِ لا يخشى عطشاً، والوافد على الكرام لا يعدم منتعشاً، الحاجة إليه فقد عرضَت لبعضي إلى كُلي قد مَهّدَ الله حالي ومحلّي مولاي.

стр. 52

الانبساطُ والاسترسال قد لاح عليَّ من مِيْسَم مودتِكَ، ما ينقبض معه العذر في ترك مباسَطتك، فضلك قد أنشطني من عِقَالِ الحشمةِ، وبسَطَني من انقباض الوحْشهِ، مولاي يعلم أني لا أنبسط الانبساطَ الذي ربما صافحَ الإفراط، ولا أسترسل الاسترسال الذي يقارب الإهمال، انبساطي إليك انبساط الواثق منك بأحسن الجواب المتوقع بأسرع الإيجاب. التَّلطُّف للاستماحَةِ والتماس الحاجة قد صار سؤالي وإيجابكَ لقاحاً، نتجا سماحةً ونجاحاً، أنا السَّحبُ على شيمتك، وأتقلب على مِهاد كرمك، وأنت ممن تشفع به الإخوان إلى الزمان، من عرضت له أمداد البحار، استغنى عن ثماد الأنهار، لا أستمد النهر، وأنا جار البحر، ولا أحتاج إلى ضَوء النجمِ، وأنا أسري في ضوءِ البدر، من عَظُمَتِ النِّعمة لديه، كثرت الرغبةُ إليه، فاستجلب بالإنعام منك إنعام الله عليك، إن رأيت أن تغرس لي من عنايتك غَرْساً ألوذُ بظله، وأستمتع بثمرته، مولاي لا يرى منِّي إكثار المسرفِ، ولا إملال المُلحِف، ما أعُدّ خزانة مولاي إلا معدنٌ ذُخر لي، من كان كله لك، كان كله عليك، قد وَرَدْتُ بحرَك الغائض، وفارقت احتشامي القابض، إن رأيت أن تجعل لمن كُلّهُ لك جزءاً من زمانك، ونصيباً من أوان نشاطِكَ. الأدعيةُ للمسؤول أبقاه الله لمجدٍ يتسم غاربه، وكرم يملك مشارقه ومغاربه، أبقاه الله شمساً للمحاسن لا يمحقها الكسوف، ولا يرخي دونها السُّجوف، لا زال يُحمّلُ أولياءَهُ من طَوْله ما يثقل الظهور، ويُخلِق الدهور، لا زال مُمَتّعاً بشرفِ سجاياه وشيمه، مستمدًّا من أغراس نِعمه، لا زال ظِلُّهُ مألوفاً، ومعروفُه معروفاً، واللَّهُ يديم أيامَه لإحسانٍ إلى قاصيته، وإنعام يقود بناصيته، جعل البركة غذاء مدته، وفقأ نواظِرَ الأيامِ من عرصَته.

стр. 53

الشّكوى والاستغاثة هذه لُمْعَةٌ من الشكوى، تنبىء عما أكابده من البلوى، ومن كان وراءه مثل عناية سَيّدنا فيدُ الظلم تقصِّر عنه، وصرف الدهر لا يتجاسَر عليه، قد التوى عليَّ أمري وثقل بما دفعت إليه ظهري، وحرمة سيدنا تضمن لي عند إقامة الأَود، وإزالة الخلل ما تُلمُ بي ملمة، إلا كان لمولاي بإزائها، يد تغل غربها وتكفُّ خَطْبَها، وتأسو كَلْمَها، وتجبر ثلْمها، تضاعف هذه المِحن، تقتضي مضاعفة تُطَوّقنيه من المِنن، لم يبق وقتٌ للانتظار، ولا موضع للاصطبار، ما أمسَّ الحاجة إلى عُجالة من معونتهِ، وطليعةٍ من مغوثته، إن مدّ الدهر إلى استضامَتي كفّاً باطنة باطشةً، بسطَ مولاي لقبضها يداً ناعشةً، أنا أتوقع من دَهْري العُتبى، وأُؤمل بجميل نظر الأمرِ لي حُسن العُقبى. استبذالُ الجَاه مولاي يبذل لي جاهَه، الذي هو فوق ماله، وَيَصونُ ماءَ وجهي، الذي هو فوق دَمي، أنا أستمطر سَحاب جاهكَ، وأستدرُّ حلوبة كَرَمِكَ، إنما هو لقطة من لقطاتك بل لحظةٌ من لحطاتِك، ينتظم بها مُرادي، معها أن ينادي، إن جدّدتَ لي من جاهي ما أخلق، حققتَ من أملي ما أخْفَق، بجاه مولاي أتمكن من إظهارِ ما نويت والاستظهار على ما ناويت، أنا من مولاي بين إنعام ضافٍ، وجاهٍ مُضافٍ، إن أعارني مولاي شعبةً من جاهه، وشَغَل بي ساعةً من أيامه، أعادَ إليّ ما نَضَب من ماء وجهي ورونقِ حاجتي لا يتجاوز فضل الجاه وزكاتَهُ. طلبُ حاجَة يَسيرَةٍ الصغير إذا احتيج إليه كبيرٌ، كما أن الكبير إذا استُغني عنه صغيرٌ، الصديق لا يصغر عن صغير صديقه، ولا يصغر عن كبيره، أنا أثق منك بالإسعاف، وإن قرنت المسألةَ بالإلحاف، فكيف لحاجةٍ وطأتها خفيفة عليك، ومنَّتُها ثقيلةٌ لك.

стр. 54

الحث على الإتمام والإنعام وإعادة الإحسان أولُ الإحسانِ مُرْتَهَن بآخره، وماضيه مَوْقوفٌ على غابره، لا يكاد الحمد يحصلُ بالفواتح إلاّ عند إحماد الخواتم، مولاي يسقي ما غرس، ويشيد ما أسَّسَ، ويتبع الفرسُ لجامَهُ، والبعير زمامَه، فَيَستَتم إنعامه، وهو أعلى همّةً وعيناً، من أن لا يرى الصنيعة دَيناً قريباً، ومولاي ينبت ما أنجم، ويسدي ما ألحم، مولاي يلبس المروءَة تمامها، ويتبع الناقةَ زمامَها، في ضمان مولاي الطلّ من إحسانه أن يصير وابلاً والهلال من إنعامه أن يكون بدراً كاملاً، ما الإنعام إلا بالتمام. الهَز واستنجازُ الوعدِ والتلويح بالاستبطاء أنا أَهُزّ مولاي هَز الحسام، وأستسقيه سُقيا الغمام، أنا أهزّهُ للجودِ كما يُهزُّ السيفُ وإن كان جوهرُه خالصاً، وحدُّه ناقصاً، أنا أهرُّ عطفَ كرمك، وأستمطر سحابَ شيمكَ، وعد الكريم، ألزمُ من دين الغريم، من وعَدَ وَعْداً، فقد عهِد عهداً، ومن أعطى من لسانه وثيقة، لزم شرائطها على الحقيقة، قضاءُ الدَّيْنِ غُنمٌ، ومَطْلُ الغني ظلمٌ، خيرُ البرِّ ما صَفا وضفا، وشره ما تأخرَ وتكدَّر، ربما كان التقاضي في التغاضي، كنت سألت مولاي حاجة فأجاب، ووعد الإيجاب، وقد حان ميقاتهٌ، وحضر سعادُه، إنما سألته، يوم أملته، واستمحتهُ حين مدحته، واقتضيته وقت أتيته، وانتجعت سحابَه، لما أتيت بابه. أنا ومولاي على ميعادٍ، ونحرُه لي بمرصادٍ، غيره من حَرَّرَ سنن المطاولة، وجرى على سنين المماطلة. الانتظارُ والتّرقب انتظارٌ شديدٌ، وطرفي حديد، أنا أكتحل السُّهاد لتطلعِهِ، وأفترش القَتاد مع توقُّعه، أنا أنتظر انتظار المعسر للميسر، والصائم للمفطر، والساهر لطلوع الفجر، والمجدِب لوقوع القَطْرِ، أنا أتوقعه توقع الظمآن للماء الزلال، والصَوَّام لهلال شوال، الأعين إليه ممدودة، والساعات عليه معدودة.

стр. 55

التثبيتُ للشفاعَةِ الشفاعاتُ زكواتُ المروات، شفيع الثقة، أوجه من شفيع الحُرمَة، والتوسُّلُ بحسن الظنّ أوكَدُ أسبابِ الخدمة، شفيع الثقة، وجيه الشفاعة، وسلطان الإخلاص، مفترض الطاعة، بزَند الشفيع تُورَى نارُ النجاح، ومن كف المفيض ينتظر فور القداح، حضرة مولاي للكرم مَعطفٌ، وللمجد مَألفٌ ومعرَفٌ، وللفضائل مُناخٌ ومجمعٌ وللفواضل مَصْيفٌ ومَربع، الكريم لا يَردُّ ولا يُرَد، والعَظيمُ يُسأَلُ في العظيم، العلم رَحِم والأدبُ نَسَبٌ، ولولا الوسائل لبطلت الشَّفاعات، المرءُ في منافعِ نفسه كَرَمٌ معلومٌ، فأما عن مصالح إخوانه فلومٌ. وَصْفُ المشفوع لَهُ فلانٌ يَحلّ مني محل الشفيق الأثير، وعلق المظنة الخطير، فلانٌ يَمتٌّ إليّ بوَكيدِ حرمة، وقديم خدمةٍ، شاب عليها، ولم يُشبها بسواها، له محل السوادين من قلبي وعيني، فلان يختص بي اختصاصَ العُضوِ بالجُثة، والبعض بالجُملة، قد جمعتنا من الوُدّ حلقة، ونظمتنا في السَّفَر رِفقة، فلانٌ تامّ في آلته، ناقصٌ في حالته، جديدُ ثوبِ الجمال، خَلَقُ ثوبِ الحال، خالٍ من الأدب، عاطل من النَشَب. فضائلُة وَوَسائلهُ حقُّه حق مثله، وعليّ قدْر فضله، فلانٌ شديد الاحتشام، إلاّ إذا اتفق له بعض الكرام، فلانٌ ممن يزيد حُسن أثره، على طيب خبره، وأقوى شُفعائِه، بسوءِ الحال، وشِدَة الاختلال.

стр. 56

سائرُ ألفاظِ الشّفاعة والوصاة من تزوَّد كتابي إلى مولاي فقد قَدّم العتاد، وحصل الراحلة والزاد، فلانٌ قد وَرَدَ منك حراً، وقد عقد مني جسراً، وما عَثُرَ وَعْدٌ أنت منجزُه، ولا بعد من أنت مشهرهُ، قد ضمنتُ لِفلان على كرمك حاجة مقضيّة، ووثقت بأنك لا تكذب لساني، ولا تخفر ضماني، ولا تخيب رجائي، الأجرُ في أمرِ فلانٍ مضمونٌ، والشكرُ بهِ مقرون، قد حال من بلدٍ شاسعٍ، بأملٍ واسع.

стр. 57

الباب الثامن في الأزمنةِ والأمكنة وأحوالِ الإنسان من لدُن صغره ونمائه إلى كبره وانتهائه وصفُ الربيعِ وحُسن نظره ولطف موقعه أقبل الربيع بأحسنِ حالِهِ، والحسنُ والطيبُ في إقبالهِ، أقبل الربيع يَتَبسَّمُ، ويكادُ من الحسن يتكلم، تنفس الربيعُ عن أنفاس الأحباب، وأعاد للأرضِ أثواب الشباب، تنفس فنفَّس عن المكروب، وأهدى الروحَ والراحة للكفور، جاء الربيع يجرُّ أذيالَ العرائس، وينثرُ أجنحة الطواوس، تبلَّجَ عن وجهٍ بَهجٍ، وجَو غَنجِ، وروضٍ أرج، وطير مزدوجٍ، أقبل برائحة الجنان وروح الجَنان، وأسفر عن ظلّ سَجْسَج، وماء سلْسَل، وروض مُدبَّجٍ، مَرحَباً بالفضل الجامعِ لأنواع الفَضْل، زائر من القلوب قريب، وكُلهُ حُسنٌ وطيبٌ، زائر لباسه حَريرٌ، وأنفاسه عبير، سحاب ماطرٌ، وتُرابٌ عاطر، زائر وجهه وسيم، وفضله جَسيمٌ، وريحُه نسيم، الأرض زُمرُّدة، والأشجار وشْيٌ، والماءُ سيوفٌ، والطير قيانٌ. ذِكْرُ النَّسيم هبَّ النسيمُ من الكَرى، فهَبَّ عليَّ الورى، وعَطَر الثرى نسيم الروحِ، قد سَفَر الربيع عن خُلقِ الكريم، ونطقَ بلسانِ النسيم، وأفاضَ ماءَ النعيم، ركضت خيولُ النسيم في ميادين الرياضِ قد حلَت يدُ المطر أزرارَ الأنوار، وأذاعَ لسانُ النسيمِ أسرارَ الأزهار.

стр. 58

ذكْرُ الرّياضِ رَوْضَةٌ رقت حواشيها، وتأنقَ واشيها، روضةٌ كالعقود المنظَّمة على البُرُود المنَمنمة، روضة قد نَشَرتْ طرائفَ مطارفها، ولطائف زخارفها، فطوي لها الدِّيباج الخسرواني، ونفي معها الوشي الإسكندراني، أخرجت الأرضُ أسرارَها، وأظهرت يدُ العبث آثارَها، وأطلعت الرياضُ أزهارها، روضةٌ قد تحلَت بحليتها، وأخذت زخرفها، وتوشَحَت بنورها، الرياض كالعرائس في حليها وزخارفها، والقيان في وشْيها ومطارِفها باسطة زرابيها، وأنماطها ناشرة حبرها ورياطها، كأنما احتفلت لوفدٍ، أو هي من حبيب على وَعْدٍ. وَصْفُ البساتين بُستان رَق نوره النضِيد، وراق ورقه النضير، بُستانٌ عصيُّه خُضر، ونوره نصر، وربعه خصب، وماؤه حصر، بستانٌ كأنّهُ أنموذج الجَنّة لا يحل الأديب أن لا يحل به، أرضه النَّفْل والريحان، وسماؤه النخل والرُّمّان، بستانٌ أنهاره مَفروزة بالأزهار، وأشجاره موقرة بالثمارِ، أشجارٌ كالعَذارى يسرِّحنَ الضفائر، وينشرنَ الغدائرَ، أشجارٌ كأن الحُورَ أعارتْها قدودَها، وكستْها بُرودَها وحلتها عقودَها. الورد والنَّرجسُ والشقائق زَمَنُ الورْدِ مرقوقٌ موموقٌ، كأنّهُ من الجَنَة مَسْروقٌ، قد وردَ كتابُ الوَرْدِ بإقباله إلى أهل الودّ، إذا وردَ الوَرْدُ، صَدَر الوَرْدُ، مَرحباً بأشرف الزَّهرِ، في أطراف الدَّهرِ، عين النرجس عَيْنٌ، وورقه وَرقٌ، نزهة الطَرَف، وطَرَف الظرف، وغذاء الرُّوحِ، ومادة الرَّوْحِ، شقائقّ كتِيجان العقيقِ على الزنوج، تجارحتْ فسالت دماؤها وصنعت فنقي دماؤها، كأنها أصداغُ المسكِ على الخُدودِ المُورَّدة.

стр. 59

غناءُ الطير الأرضُ زُمُرُّدة، والأشجارُ وشْي، والماءُ سيوف، والطير قِيان، قد غرّدَتْ خطباء الأطيار، على منابر الأنوارِ والأزهار، إذا صدح الحمام، صدع قلبُ المُستَهام، انظر إلى طرب الأشجار، لغناء الأطيار بالأسحار، ليس للبلابل، كخمر بابل، على غناء البلابل. وَصْفُ أيامِ الربيعِ يَوْمٌ سماؤه فاختيةٌ، وأرضه طاووسيةٌ، يومٌ جلابيبُ غيومِه صفاقٌ، وأرديةُ نسيمِه رقاق، يَوْمٌ مُعَصْفرُ السماء، ممسَّكُ الهواءِ، مُعَنْبَرُ الرياضِ، مصندَل الماء، يومٌ سماؤه كالخزِّ الأدكن، وأرضُه كالدّيباجٍ الأخضر، يومٌ تبسمَ عنه الربيع، وتبرج فيه الروض المريع، كأنَ سماءه مَأْتمٌ وأرضه عرس. مُقدِّمة المَطَرِ لَبست السماءُ جلبابَها، سَحبَ السحابُ أذيالَهُ، احتججتِ الشمس في سُرادقِ الغيم، ولبس الجوُ مطَرفه الأدكن، ناجتِ الريحُ بأسرارِ الندى، ضربت خيمة الغمام، ورشّ خَيش النسيمِ بالنَدى، ابتل قميصُ النّسيم. وَصْفُ الرَّعْد والبرق قام خطيبُ الرعدِ، ونبضَ عِرق البَرْق، سحابةٌ رعدُها يصم الأذن، وبَرْقُها يخطُف العَيْن، الرعد ذو صَخَبٍ، والبَرْق ذو لهبٍ، ابتسم البَرق عن قهقهة الرعد، زأرَتْ أُسود الرَّعد، ولمَعَتْ سُيوفُ البرق، كأنَ البرقَ قلبٌ مَشوق، بين التهابٍ وخُفُوقٍ. ذِكْرُ السَّحاب والمَطرِ انحلّ عَقْدُ السماءِ، وَوَهَى عِقْدُ الأنواءِ، انحل سلكُ القَطْرِ، عن درَّ البَحْرِ

стр. 60

استعار السحابُ جُفونَ العُشَاقِ، ولفَّ الأجواد. انقطع شريان عرق الغمام، سحابٌ حَكى المحب في انسكابِ دموعِهِ، والتهابِ النار بين ضُلوعه، مَطرٌ كأفواه القِرَب، وَوَحْلٌ إلى الركب، سحابُه يضحك من بكائها الرَّوْضُ، وتخضرُّ من سَوادِها الأرضُ. وَصفُ الماءِ وما يتصل به ماءٌ كالزجاج الأزرقِ، غديرٌ كعينِ الشمس، مواردُ كالمباردِ، ماءٌ كلسانِ الشَّمعة، أصفى من الدَّمعة، ماءٌ إذا مَسّتهُ مدُّ النسيم، حكى سلاسلَ الفضَّة، كأن الغدير لبنات الماء، رداءٌ مُصَنْدلٌ مُطيَّرٌ، بِركةٌ كأنها مرآةُ السماء، بركة مفروزة بالخضرة كأنها مرآةٌ مَجْلوّة على ديباجةٍ خضراء، ماءٌ أرقُّ من دموعي فيك وأعذب من أخلاقك، وأبرد من فعل الزمان حيث رماني بجفائك. ذكْرُ الصَّيفِ ووصفُ الحر قَوِيَ سلطان الحرَ، وبسط بساطَ الجمر، حَرُّ الصيف كحدِّ السيف، حَزٌ يلفح حُرَّ الوَجْهِ، حرٌّ يشبهُ قلبَ الصَّبِّ، ويُذيبُ دماغ الضّّبِّ، هاجرة تحكي نارَ الهَجْرِ، وتذيبُ قلبَ الصََّخر، أيامٌ كأيام الفراقِ امتداداً، وحَرٌّ كحرِّ الشوقِ اشتداداً، حرّ لا يَطيب مَعه عيش، ولا ينفع فيه ثلج ولا خَيش. ذكْرُ الخَريف انحسر قناعُ الصيف، خَبَتْ جَمْرَةُ الهواجرِ، جاشت جيوشُ الخريف، وردت رايات المصيف، قد أخذ البردُ يجمّشنا بلواحظه ويقرصنا بأنامِلِه، أخذت عواصفه تهبٌّ، وأقبلت عقاربه تدبُّ قد حَلّتِ الشمس الميزان، وعُدِّل الزمان بالميزان. ذِكْرُ الشتاءِ وَوَصْفُ أيّامِ الثلج والبرد ألقى الشتاء كلاكِلَه، وأحلَّ بنا أثقالَهُ، مَدَ الشتاء رُواقه، وحلَ البرد نطاقَه،

стр. 61

عادَتْ هاماتُ الجبالِ شيباً، ولبست من الثلجِ مُلاءً قشيباً. قد صار البَردُ حجاباً، والثلج حِجاناً، بَرْدٌ يزوي الوجوه، ويُعمِّشَ العيون، ويُسيل الأنوفَ، ويغير الألوان، ويقشف الأبدان، نحن من هذا الشتاءِ الكَلِبِ بين لَثِق وَزلِقٍ ودَمِقٍ. وَصْفُ الأيام الشتويّةِ يومٌ كأنَّ الأرض شابتِ لهوله، يومٌ عبوسٌ قمطريرٌ، يكشف عن أنياب الزمْهرير، ويفترش بالقوارير، يومٌ أخذت الأرض زِمامه، وكساه الصِّر ثيابه، يومٌ كأن الدنيا فيه كافورة، والأرض قارورة، والسماء بلّورة، يومٌ يثقل فيه الخفيف إذا هَجمَ ويخف الثقيل إذا مجر، يوم أرضُه كالقوارير اللامعةِ وهواؤهُ كالزنابير اللاسعة. إقبالُ الليلِ وانتشارُ الظلمةِ وطلوعُ الكواكب أقبلتْ عساكرُ الليل، خفقتْ راياتُ الظلام، أرخى الليل سدولَه، وسحبَ الظلامُ ذيولَهُ، أقبلتْ وفودُ النجومِ، تفتَّحت أزاهيرُ الكواكب، نوّرَتْ حدائقُ الجَوِّ، أذكى الفَلَكُ مصابيحَه، طَغَت النجومُ في بحر الدُّجى. وَصْفُ اللّيالي المُظلمة ليلةٌ كغُراب الشباب، وحدق الحسان، وذوائب العذارى، ولباس بني عباس، ليلةٌ كأنها من الغَبَش، في موكبٍ من الحَبَش، ليلةٌ حالِكٌ إهابُها، وكأن الفجر يهابُها. الليلةُ الطَّلْقة الطّيِّبة المشكورة ليلةٌ سحرٌ كلُّها، ليلة هواها صحيح، ونسيمُها عليل، ليلةٌ كأنها نهار، ليلةٌ من حسناتِ الدهر، ليلةٌ فضيَّةُ الأديم، مِسكيَّةُ النسيم، ليلة باكورةُ العمر، وبِكر الدَّهر، ليلة

стр. 62

وَقَدَ الدهرُ عنها، وطلعَتْ سُعودُها، وغاب عُذالُها. في ضِدِّها وذِكْرُ طولِ الليل لَيلَةٌ من غُصَص الصَّدْر، ونِقم الدّهرِ، ليلةُ غُموم وغيوم، ليلة كما شاءَ الحسود، وساء الودود، ليلةٌ قصَّ جناحُها، وضل صياحُها، ليلةُ كأنَّ أول الحشر اَخرها، ليلٌ كأنَ نجومَه نجوم الشيب، ليل كلَيلِ الأعمى. انتصافُ الليل قد تنصفنا عُمُرَ الليل، واستغرقنا شبابه، مضى من الليل صَدْرُهُ، وانقضى شطرُه، اكتهل الظلامُ، شابَ رأسُ الليل، كأديم النسيمِ بالسحر. تناهِي الليل وتَصرّمُهُ انكشفَ غطاءُ الليل، انهتَكَ سترُ الدّجى، رفع سَجْفُ الظلام، رقَّ ثوبُ الدُّجى، قُوضَت خِيامُ الظلامِ، خلعَ الأفق ثوبَ الدُّجى، انتقب الليلُ بالصُّبح، أعرضَ الظلام، وتولى، وتدلى عُنقودُ الثريا، طرَّز الصبحُ قميصَ الليل، باحَ الصبَاحُ بأسرارِ الرياحين. إقبالُ الصُّبح وانتشارُ النُّور لاحت تباشيرُ الصُّبح، افتر الصُّبح عن نواجذه، ضَرب الصٌّبح بعموده وتبسم عن نوره، بَشَر الدّيك بالصُّبح، سلَّ سيوفَ الصبح من غمْدِ الظلامِ، أطار بازي الصبح غُرابَ الليل، نَعَر الصبحُ في قنا الظلامِ، عزلتْ نوافج المِسك شمامات الكافور، وانهزمَ جُندُ الظلامِ من عَسكر النور. طلوعُ الشمسِ وانتشارُ الضوء دَرَّ قَرنُ الشَّمْسِ، ارتفع الحجابُ عن حاجبِ الشمسِ، لمعتِ الشمسُ في أجنحةِ

стр. 63

الطير، كشفتِ الشمسُ قناعَها، ونشرت شعاعَها، ارتفع سُرادقُها، وأضاءت مشارقُها، انتشر جناحُ الضَّوءِ في أفق الجَوِّ، ذهبَتِ الشمسُ أطارف الجُدران. مُتوعُ النَّهارِ أيفع النهارُ وارتفع، ترجَّلَتِ الشمسُ، استوى شبابُ النهارِ، فُرشتِ الأرض بالذهبِ. انتصافُ النَّهارِ بلغتِ الشمسُ كَبدَ السماءِ، انتعل كُل شيء ظلَّه، قامَ قائمُ الهاجرة، رمتِ الشمسُ بجمراتِ الظهيرة. اصفرارُ الشمسِ وغروبُها اصفرَّتْ غلالةُ الشمس، نثرَت تِبراً على الأصيل وشَدّ رحلها، بقَلَ وَجْه النهار وَطرَّ شاربهُ، استروحت الشَمسِ بالنّقاب، وتوارتْ بالحجابِ. وَصْفُ البلاد بلدةٌ كأنها صورةُ الجنَةِ منقوشَةٌ على الأرض، بلدة ترابُها عَنْبر، وحَصاها عقيق، وهواؤها نسيم، وماؤها رَحيق، بلدةٌ معشوقَةُ السُّكنى، رحيبةُ المثوى، كوكبُها يقظان، وجَوّها عُرْيانٌ، نسيمُها مُعَطّرٌ، وترابُها مِسْكٌ أذفَرُ، ويومُها غَداة، وليلُها سَحَرٌ، بَلْدةٌ واسعةُ الرُّقعة، طيبة البُقعة، كأن محاسنَ الدنيا فيها مَفروشة، وصورةُ الجنَّةِ فيها منقوشةٌ. في ضِدِّ ذلك بلدٌ متضايقُ الحدودِ والأفنيةِ، متراكِبُ المنازلِ والأبنيةِ، بلدة حَرُّها مؤذي،

стр. 64

وماؤها موبٍ، بلدة وَسِخَةُ السماءِ، وَهدة الهواءِ، جوُّها غبارٌ، وأرضها خَبارٌ، وماؤها طين، وترابُها سِرجِين، أرضها نَزوز، وتشرينُها تموز، فكم في شمسِها من محترق، وفي ظلِّها من غرِق، بلدةٌ حيطانُها أجصاص، وبيوتُها أقفاص. وَصْفُ الحصونِ والقلاع حِصْنٌ كأنِّهُ على مَرْقبِ النجم، ومجير منِ القدر الحَتْم، حِصنٌ يَحْسُرُ دونه الناظِرُ، ويقْصُرُ عَنْه العقابُ الكاسِرُ، حِصنٌ تمنطق بالجوزاءِ، وناجَت بُروجُه بروجَ السماء، قلعةٌ قد خلقت في الجوِّ كأنها سَحابةٌ، وكأنَّ الغمامةَ لها عمامة، وكأنها تناجي السماءَ بأسرارها، قد جاوزتِ الجوزاءَ سَمتاً، وأعزلت السِّماك الأعزل سُمْكاً. في القصور قصرٌ كأنَ شرفاتِه بين النَّسْر والعَيُّوق، قصرٌ اكتستْ له الشِّعرى العَبور، أثوابَ الغيور، قصرٌ طال مبناهُ، وطابَ مَغْناهُ، كأنّهُ في الحَصانةِ جبلٌ مَنيعٌ، وفي الحسنِ ربيعٌ مَريع، قصر أقرَّت له القصور بالقصور عنه. في الدّورِ السَّريَّةِ دارٌ قوراءُ، توسع العين قرةً، والنفس مَسرَّةً، كأنّ بانيها، استلَف الجنّة فعجلَتْ له، دار تخجل منها الدور، وتتقاصر لها القصور، الجسوم منها في حَضَرٍ، والعيون على سفرٍ، دار هي دائرة الميامن، ودارة المحاسن، دار دارَ بالسعد نجمُها،

стр. 65

وفاز في الحُسنِ سَهمُها، دارٌ هي مَرْتَعُ النواظر، ومتنفسُ الخواطر، بَهْوٌ بَهيِّ، ورواقٌ رائقٌ. وَصفُ صِبيةٍ صِغارٍ صبيةٌ كفراخ العُشوش، وأولادِ الخفافيش، صِبيةٌ يَسَعُهُم قفير، وأولاد جُلُّهم صِبيان، كبارُهم أصاغِرُ، كاتبُهم أفراخ زَغَبٍ صبيان، طفلٌ قريبُ العَهْدِ بالمَهد. ذِكْرُ الغُلامِ الأَمْرَدِ ووصفُ محاسنِه زادَ جمالُهُ، وأقمر هلالُهُ، يترقرقُ ماءُ الحُسن في وجهِه، غُلامٌ تأخذهُ العين، ويقبلُه القَلب، وترتاح له الرُّوحُ، تكادُ العيونُ تأكُلُة، والقلوبُ تشربه، لبس ديباجةَ المَلاحة، جرى ماءُ الشَباب في عُودِه، فتمايل كالغُصن، واستوفى أقسامَ الحُسْنِ، شادِنٌ، منتقبٌ بالبدر، مكتحلٌ بالسِّحر ما هو إلا نُزهة الأبصار، وبدعةُ الأمصارِ، كأنَّ قدّهُ سكرانٌ من خمر طرفِهِ، وبغداد مسروقةٌ من حسنه وظرفه، أعجمَتْ يَدُ الجمالِ نُونَ صُدْغِهِ بخالٍ، السحر في ألفاظِه، والشَّهدُ من ألفاظِهِ. الصُّدْغُ والشارِبُ والعِذار زرافين صُدغهِ معاليقُ القلوبِ، كأن صُدغَه قرطٌ من المِسكِ على عارضِ البدر، أصداغُهُ قد أخذتْ شكلَ العقاربِ، وظلمت ظلمَ الأقاربِ، كأنَّ شاربَه زئبَرُ الخَزِّ الأخضرِ، وعذارُهُ طِراز المسكِ الأذفر، على الوردِ الأحمر، إذا تكلّم تكشَّفَ حجابُ الزمُرّدِ والعقيق، عن سمطِ الدُّرِّ الأنيق، قد هَمَّ أو نَمَّ الشَعَرُ على شاربِهِ، وَرْدُ خَدِّهِ أَحمرُ، قد كان شاربُه أخضر، قد كادَتْ يَدُ الحُسن تعلقُه، كادَ العِذارُ ينقشُ فَصَّ وجهِه، ويحرقُ فِضّةَ خَدَّهِ. خُروج اللِّحيَةِ نَسَخَ الشعر آية حُسنهِ، ومحا محاسِنَ وَجْهِهٍ، كسفَ الشعَرُ هلالَه، وأكسف بالَه،

стр. 66

وأحال حالَه، ومَسَخَ جماله، استحالَ نورُ خدّه دُجَى، وزُمُرُّدُ خطِّهِ سَجا، وَقَد ذَبل وَرْدُ خدّهِ، وتشوك زعفرانُ خَطَهِ، فارقنا فلانٌ خشفاً، ووافانا جلفاً فارقنا هلالاً وغزالاً، وعاوَدَنا نكالاً وَوَبالاً. وَصْفُ محاسنِ الجواري هي روضةُ الحُسْنِ، وصورةُ الشمس، وبَحْرُ الأرضِ، كأنّها فلقةُ قَمَرٍ، على بُرجِ فِضةٍ، قد أثمرَ خَدُّها التفَّاح، وصدرُها الزُمّان، لَها عُنق كإبريق اللجين، وسرّةٌ كمدهن العاجِ، هي من وجهِها في نهارٍ شامس، ومن شعرِها في ليلِ دامس، مطلعُ الشمس من وجهِها، ومنبتُ الدُرِّ في ثغرِها، وملقط الوَردِ من خدِّها، ومنبع السِّحر من طرفِها، ومبادي الليل في شعرِها، ومَغرس الغُصنِ في قدِّها، سُريّةٌ سَرّيةٌ، الحسنُ في خَلقها، والطيبُ في خُلقِها. وَخَطُ الشيْبِ وانتشاره شَعَر الشيبُ بشَعرهِ، عرضَ البياضُ بعارضهِ، نَوَّرَ غُصن شبابهِ، ضحِك المشيبُ برأسه، لمعتْ نجومُ الشيب ليلَ شبابهِ، مَدّ الشيب طراراً على وجهه، طَرَّر الشيبُ بُردَ شبابهِ، ألَمَّ وفدُ الشيب بفَودَيْه، لاحَ أقحوانُ الشيب في بنفسَج شبابهِ، دَرَّتْ يَدُ الزمانِ كافوراً على مسكِهِ، وأقمرَ ليلُ شبابهِ، ألجَمَه الشيبُ بلجامِهِ، وقادَه بزِمامِهِ، بينما هو راقدٌ في ليلِ شبابِهِ، إذ أيقظَ صبح المشَيب. الاكتهالُ والاحتفال والارعواءُ عن مجاهل الشباب قضى باكورةَ الشباب، وأنفقَ عمرَه بغير حساب، أخلق بُردةَ الصِّبا ونهتهُ النُهى عن الهوى، التفت إلى الأَربعين، وشارفَ طلاع الخمسين، انتهى شبابهُ، وشابَ أترابُهُ، استبدل بالأدهم الأبلق، وبالغُداف العَقْعَق، فل الدَّهر شَبا شبابهِ، ومحا محاسنَ

стр. 67

رؤياه، قرع ناجذَ الحِلم، ارتاضَ بلجام الدَّهر، عصى شياطين الشباب، وأطاع ملائكة الشيب. استحكامُ الشَّيبِ وبلوغُ الشيخوخة عرفَ الستين فأنكر نفسَه، صار في مَعرك المنايا، تضاعفتْ عقودُ عمرِه، وأخذتِ الأيام من جسمِهِ، فُلانٌ أحدٌ ذوو الأسنانِ العالية، والصُّحبةِ للأيام الخالية. الهَرَمُ ومشارفَةُ الفناء شيخ قد تراخى مَداهُ، وذهب أطيباهُ، همّ هَرِمٌ، قد أخذَ الزمانُ من عقلِه كما أخذَ من عمرهِ، حتى قوّسه الكِبَرُ، ثقلتْ عليه الحَرَكة، وأخذته السَنُّ العالية، اختلفت إليه رسل المَنيةِ، ما هو إلا شمسُ العصرِ على القَصْرِ، أركانه قد وَهَتْ، ومُدّته قد تناهتَ، هل بعد الغاية منزلَةٌ، أم بعدَ المشيب غَيرَ الموت مَرْحلةٌ، ليس بعد الخرف إلا التَّلَف، قد أخلَق عمرُه، وانطوى عَيشُهُ، وبلَغَ ساحلَ الحياةِ، ووقفَ على ثنية الوداع، وأشرفَ على دارِ المقام، وشَدَّ رحلَه للرحيل، وللَحاق باللطيف الخبير.

стр. 68

الباب التاسع في الطّعام والشّراب وما ينضاف إليهما من الفواكه والثمار عنبٌ كأنَّه مخازنُ البلّور، وظروفُ النُّور، وأوعيةِ السرور، أمهات الرحيق، في مخازنِ العقيقِ، وطْبٌ كأنّه شهدة بالعقيق مقنعاً، وبالعقيان مُقَمّعَةَ، رُمّانة كأنها صُرَّة ياقوت سفرجلٌ له زَبيرُ الخَزّ الأخضر، على الديباجِ الأصفر، تفاحٌ يجمع وَصْفَ العاشقِ الوَجل والمعشرق الخَجِل، نسيم العنبر، وطعْمُ السّكّر، رسول المحب، وتشبيه الحبيَب، تينٌ كأنه سُفرة مضمومةٌ على شَهْدٍ أو سُكر. وَصْفُ القُدورِ قد قامتْ خُطباء القُدور، فاحت القدور بأطيبِ من المسكِ الأذفر، وريح العنبر، قدورٌ أبكارٌ، بحواتيم النار، قدرٌ طاب غَرْفُها، وطابَ عَرْفُها، دَهماء تهدرُ كالفنِيق، وتفوح كالمِسك الفَتيق. وَصْفُ الموائدِ مائدة مثل عَروس مائلةٍ، لطيفَة محفوفةٌ، بكل طريقة، مائدةٌ كالعروش مجلوّة، ومن الطيبات مَملّوءة، مائدةٌ قَدْ زخرفت رياضُها ومُلئت حياضُها، مائدةٌ كأن قد عملها صُناع صنعاء.

стр. 69

ذكْرُ الألوانِ والولائم رُغْفانٌ كالبحورِ المنقَّطة بالنجوم، أحسنُ ما يكون الخِوان إذا حضَرتْ سوارب الرُغفانِ، جَدي كأنما نُدف على جنبه القَزّ، حَمَلٌ ذهبيُّ الدِّثار، فضِّي الشِّعار، أطيب ما يكون الحمل، إذا حَلَّت الشمس الحَمَل، زيرباجَة هي للمائدة ديباجَةٌ، زيرباجة تشفي السَّقام، ولونُها لونُ السقيم، وسكباجةٌ تفتق الشهوة، وطُباهجَة يتفكه بها، وخبيصٌ يختم بخَيْرٍ، مَضيرة تُثني على الحضارَة، وتترجرجُ في الغَضارة، وتؤذِن بالسلامة، وتشهدُ لمعاوية بالإمامة، طباهَجة من شروط الملوك، كأعراف الديوك، هريسة نفيسةٌ كأنها خيوط قز مشتبكةٌ، كأنها قمرٌ بالشمس ملتحفٌ، كأن المرقَ عليها عُصارة المسك على السبيكة الفضةِ، أرزة مَلْتُوتَة، في الطبرزد مدفونَة، دجاجة مشويَّة، لها من الفضة جسم، ومن الذهب قشر، دجاجة دينارية ثمناً ولوناً، لا فراش للبذيذ، كالحَمَل الحنيذ. ذِكْرُ أنواع الحلوى فالوذَج معمول بلُباب البرّ، ولُعَاب النحل، فالوذَج كأنّما اللوز فيه كواكب، درٌ في سماءِ عقيق، قطايفٌ لطايفٌ، عصيدة تجمع جنى النحل والنخل، خبيصٌ كأنه نعمة مجموعةَ، ولذةٌ معجونة، يؤدي طعم العافية، ويختم بحسن العاقبة، لوزينج كيليّ العُمر، يَوْميّ النشْو، رقيق القشر، كثير الحَشْوِ، لوليّ الدهر، كوكيّ اللَّون. وَصْفُ مَجالس الأنسٍ وآلات اللهو مجلسٌ راحُهُ ياقوت، ونورُهُ دُرّ، ونَارَنْجُهُ ذهب، ونرجسُه دينارُ، ودِرهَم

стр. 70

يحملها زَبَرجَد، عندنا أُترج كأنه من خلقكَ خُلِقَ، ومن شمائلك سُرقَ، ونارَنج كَكُراتٍ من سفرة ذُهّبَتْ، أو ثدي عذارى حُلِّقَتْ، مَجْلِسٌ أخذت فيه الأوتاد تتجاوب، والأقدام تتناوب، أعلامُ الأنس خافقة، وألسنُ الملاهي ناطقة، مجلسٌ قد فرُش بساطُهُ، وبُسِطَت أنماطهُ، ومُدَّ سِماطهُ، بين آس مخضود، وَورد مَنضود، ودَنٍّ مفصود، وناي وعود، في مجلس تحفنا بدور، والكّاسات بيننا تدور، قد نشأت غمامة اليد، على بساط الوَرْدِ، مَجلسٌ قد تفتَّحتْ فيه عيونُ النّرْجس، وفاحت مجامرُ الأُترج، وفتقت فارات النارَنج، ونطقتْ ألسنُ العيدان، وقامت خُطباء الأطيارِ، وهبت رياح الأقداح، وامتدّت سماءُ النَد، وطلعت كواكبُ النّدمان، قد امتطينا مراكبَ الفَرَح، وقدحنا نارَ السرورِ بالقدح. ما يتصل به من الألفاظِ في الاستزادة نحن في مجلسٍ قد أبتْ راحُه أن تصفو إلا أن تتناولها يُمناك، وأقسم غناؤه، لا يطيبُ إلا أنْ تَعيه أذناك، فأما خدودُ نارَنْجه فقد احمرَّت خَجَلاً من إبطانك، وعيونُ نرجسه، فقد حدقت تأميلاً للقياك، فبحياتي ألا تعجلت، وما تمهلت نحن لغَيْبَتِك، كعقدٍ غُيِّبت واسطتهُ، وشبابٍ أخذت جذته، إذ غابَتْ شمسُ السماء عنّا، فلا بدَّ أن تدنو شمس الأرضٍ منّا، أنت ممّن ينتظَم به شمل الطَرَب، وبلقياه يبلغ كل إرب ثب إلينا وَثْبَة الغزالِ، واطلع علينا طلوعَ الهلالِ في غرة شوال، جشم إلينا قدمَك، واخلع علينا كَرَمك. وصفُ الشرابِ مُدامة تُوردُ رِيحَ الورد، وتحكي نارَ إبراهيم في اللونِ والبردِ، أرحيق أم حريق، أم شقيق، أم عقيق، كأسٌ كأنَ الديوكَ قد صبَّت أحداقَها فيها شرابٌ أصفى من مودَّتي لك، وأحسن من نعمةِ الله عندي فيك، وأطيب من إسعافِ الزمانِ بلقائك، كأسٌ

стр. 71

كأنها نورٌ، ضميره نارٌ، راحٌ كالنور والنار أصفىَ من البلور، ومن دَمع المهجور أرقّ من نسيم الصَّبا، وأطيب من عهد الصِّبا، أرق من دَمْع محبٍّ، وشكوى صَبٍّ، الكأسُ بلّورة، والخمر ياقوتة، الراحُ ترياقُ سمّ الهمّ. ساقٍ كأن الراح من خدِّه مَعْصور، وملاحة الصورة عليه مقصورٌ، دبت الكؤوس فيهم، دبيب النار في الفحم، والبُرء في السقم، أشربَت الراح عُقولهم، وملكت قلوبهم، تَمشَت الصَّهباء في عظامهم، وتمرقت إلى هامِهم، وماست في أعطافِهم، ومالَت بأطرافهم، بلغوا حَدّاً يوجب الحَدَّ. الغناء والمُغنّي غناء كالغِنى بعد الفقر، وهو عُذرٌ، للسكر غناءٌ يبسط أسرّة الوجه، ويرفع حجاب الأذن، ويأخذ بمجامع القلب، ويمتزج بأجزاءِ النفس، غناءٌ يحرّك النفوس، ويرقص الرؤوس، ويُحرِّضُ الكؤوس، قد سمعنا غناءً، يُعيد الأموات أحياءً، فلانٌ طبيب القلوب والأسماع، ومُحْيي موات الخواطر والطباع، القلوب من غنائه، على خطر فكيف الجبوب، وكأنه خلق من كلّ نفس فهو يغني كُلاَّ بما يشتهيهِ، تهيئة السكر على صوته، شهادة لغنائه في القلب، موضع القطر في الجَدْبِ. في استهداءِ الشراب قد تألّف لي شمل إخوانٍ، كاد يفترق بعوز المشروب فاعتمدنا فضلك المعهود، وردنا بحرك المورود، قد انتظمت مع نفرٍ من إخواني، في سمط الثريا، فإن لم تحافظ علينا النّظام، بإهداء المدام، صُرنا كبنات نَعْشٍ والسَّلام، فرأيك في إرواء غُلتنا بما ينفعها، والتطوّل على جماعتنا بما يجمعُها.

стр. 72

الباب العاشر في فنونٍ مختلفةٍ، وشوارد وفوارد السرور والاهتزاز كِدتُ أهيم فَرحاً، وأطير بجناح السُّرور مَرَحاً، ملكتني المَسرَّة حتى استفزتني، واشتملت عليَّ حتى هَزّتني، حالي حال من حُكم في مُناه، وأُعطي كتابه بيمناه، المَسرّة اَتيةٌ، والبَهجة مُؤاتيةٌ، والغِبطةُ مُستوليَةٌ، والوَحْشَة متولَية، أنا في ثوب المسرَّة رافل، ونجمُ الوحشة عنّي آفلٌ. في ضد ذلك في نفسه بلابل تَدورُ، ومرِاجل تفورُ، مضجعٌ ولا يَجفُّ له مَدْمَعٌ بالهُ كاسِفٌ، وقلبه واجفٌ، لا أقول غمَّه، ولكن أعماهُ وأصمّه، نهاره للفِكَر، وليله للسَّهَرِ، يرى ضياء الدنيا ظلاماً، ويتصَوّر نورَ الشمسِ قَتاماً، مغضوضَ الجفونِ على قذى، منطوي الجوانحِ على أذى. ذِكْرُ الأمن قد أبدله اللَّهُ بحرِّ الخوف بَرْدَ الأمن، لا يلتفت وراءهُ مخافةً، ولا يخشى أمامه آفةً، قد آمن سربهُ، وعذب شربُهُ، وزال استيحاشُهُ، قد سكن رَوْعُهُ، وأمن رُوعُهُ.

стр. 73

في ضِدّ ذلك إذا نام هالَه طيفٌ، وإذا انتبَهَ راعه سَيفٌ، طار قلبُه بجناحِ الوجَل، وتصوَّر له شخصُ الأَجَل، لا سماءٌ تُظلُهُ، ولا أرض تُقِلُهُ، لا يجد في الخضراءِ مَصعداً، ولا في الغبراءِ مَقعداً، لا يجد في الأرضِ نفقاً، ولا في السماء مُرْتَقًى، كادت نفسُه تطيح، وروحُه تسري بها الريح. الأسْر والحبسُ فلان في جوامع الأسْر مُوثَق، وبمضائق الجيش مُرهَق، هو في قعر حَبْسٍ يحجب عنه ضياء الشمس، هو أسير حَبْس، قد غُلق رِتاجهُ وسَمير قَيدٍ قد صَعُب علاجُهُ، أحاطت به رِبقة الأسرِ، وملكته ذِلة القهر. ذِكْرُ الإطلاقِ الحمد للَهِ حَمدَ الإخلاصِ، على صدق الخلاص، قد أفضى فلان من ذِلّةِ رِقٍّ إلى عِزّة عِتق، ومن تَصلية الجحيم، إلى جَنة النعيم، خرج من العقال، خروجَ السيفِ من الصِّقال، خرج من إساره، خروجَ البدر من سرارهِ، الحمد للَه الذي فكَّ أسراً، وجعل من بَعْد عُسرٍ يُسراً. وَصفُ الغِنى والثروة فلانٌ قد فاز برغائبِ النعم، وغرائبِ القَسَم، خاض بحرَ الغنى، وركض في ميدانِ المنى، وردت له إخلاص الدنيا، وهطلته سحائبُ الغنى، اتّسعت مواردُ مالِه، وتقرَّعَت شُعب حالهِ، رأت عيناهُ، ما لم تبلغهُ مناهُ، واتّسعَتْ نعمته، بحيث لم تنله همّته، عنده من العين ما تقر به العين.

стр. 74

في ضِدِّ ذلك قد زالت عنه الآلاءِ، وانثالَتْ عليه اللأواء، قد أحلّت له الضرورة، ما حرَّم الله عليه، يده صِفر، ومنزلُه قفرٌ، قد حصل على إضاقةٍ، وَتكشف عن فاقة، ليس معه عقد على نقدٍ، لو بلغ الرزق فاه، لوَلَّى قَفَاه. ذِكْرُ الشُكر الشُّكر ترجمان النيّةِ، ولسانُ الطويَّة، وشاهدُ الإخلاص، وعنوانُ الاختصاص، الشكر نسيم النعمِ، وسبب الزيادة، والطريق إلى السعادة، الشكر قيد النعمة، ومفتاح المزيد، وثمر الجنة، من شَكَر قليلاً، استحق جزيلاً، شكر المولى، هو الأَوْلَى، اشكرْ لمن أنعمَ عليك، وأنعِم على من شَكرك. حُسن الإفصاح عن الشكر والثناء شكره شكر الأسير لمن أطلقه، والمملوك لمن أعتقه، شكره شكر البلد القَفْر، لإلمام القطر، أثنى عليه ثناء الروضِ المُمحل، على الغَيثِ المسبل، أثنى عليه ثناء العَطشان الواردِ على الزّلال البارد، ملأ الأرض ثناءً، والسماء دُعاء. ذِكْرُ الأيام المَشهورَةِ يَومٌ هو عيدُ العمر، وموسم الدَّهر، وميسم الدهر الفخر، يَومٌ من أعياد دهري، وأعيان عُمري، يومٌ من الدنيا، ضاحِكُ السِّن، طلْق الوجه، شريفُ الصَيت، رخيص الدرهم والدينار، كثيرُ الفرح والاستبشار، يومٌ تكاثرت فيه النظارة، حتّى حُمل فيه الصّبيّ، ودَلَف الشيخُ، ودَبَت العجوز وخرجتِ العروس، وخَلَتِ الدُّور. وَصْفُ الكَثْرَة أكثر من المدَّ إذا سال، والرمل إذا أهال، يُحصى رَملُ عالج قبله، ولا

стр. 75

تستطيع الحَفَظة حِفظه، يُحصي الحصى قبل أن يُخصى، قد استغرقت القرطاسَ قبل الأنفاس، وأفنيت الأعمار قبل الأعصار، ولم تبلغ المِعشار، واستنفدت الأقلام قبل الكلام، ولم تبلغِ التمام. وَصْفُ القلَة ووصفُ قليلٍ من كثرة لو كان ذلك شَظيّة في قلم الكاتب، لما غيَّرت خطه، أو قذى في عين النائم، لما أنبه جَفنه، ذاك أقل من لا ولا، ومن الجزء الذي لا يتجزى قطرة من سَحّ، وغَيض من فَيض، ورَذاذ من وَبْل ورَشَاش من سَجْل، وشَررَة من نار، وقراضة من دينار، ذاك قطرة من نَهَر، ووَشَل من بَحْرٍ. وَصفُ الجدِّ والهزلِ جميعاً جدّ كعُلوّ الجدّ، وهَزْلٌ كحديقةِ الوردِ، جدهُُ كحدِّ الصارم، وَهَزلهُ كزورة الحبيب الصارم، جدّهُ كجدِّ الحازمِ الموقورِ، وهَزْلُه تساقط اللؤلؤِ المنثور، جدُّهُ عنوانُ الحِكمة، وهَزْلُهُ جلاءُ المودَّة، جدُّهُ يروق، وهزله يشوق. ذِكْرُ الشيءِ المتعذر الوجود قَدْ عَز وأعوز وأعجز، ذاك أبعد من النجم مَرْقباً، وأصعب من كل صَعْبٍ مَطلباً، ذاك صعبٌ مرامُهُ، دَحض مُقامُه، ذاك معجز عمر النشور، وإلى يومِ النُّشور. قد أعوز حتى كأنه الوفاءُ والكرمُ، والغرابُ الأعصمُ، ناطَه بالعَيوق، ووضعه موضع بيضِ الأنوق دون ذلك شيب الغراب، وإرواء الشَراب.
следующие страницы →