Полный текст (3 082 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
[هذا المقال مضاف لهذه النسخة الإلكترونية وليس في المطبوع]
الاسم الصحيح لتفسير الطبراني .. وتعيين مؤلفه
(نايف بن سعيد بن جمعان الزهراني)
(مجلة بصائر - الرياض - العدد الثاني - رجب ١٤٣٠)
يُشَكِّكُ كثيرٌ من المحققين والمختصين بالدراسات القرآنية في صحة نسبة التفسير المطبوع باسم (التفسير الكبير) إلى لإمام الطبراني المحدث (ت ٣٦٠ هـ) (١)، ويذهبُ أكثرهم إلى عدم صحة نسبته إليه (٢)، ثم اجتهدوا في تحديد مؤلفه في ضوء إشارات من نصوص هذا التفسير وتراجم بعض المفسرين، فمنهم من ينسبه للفقيه عبد الصمد بن محمود الغزنوي الحنفي (ت ٧٢٣ هـ) (٣)؛ صاحب (تفسير الفقهاء وتكذيب السفهاء)، ومنهم من ينسبه لأحد الأحناف المتأخرين بلا تحديد (٤)، وكلاهما حاول واجتهد؛ فأصابا في عدم صحة نسبته إلى الإمام الطبراني، وابتعد عن الإصابة من نسبه للغزنوي، وقارب من نسبه لأحد متأخري الأحناف ولم يُحدِّد.
والصواب الذي نحمد الله على التوفيق إليه هو أن التفسير المطبوع منسوباً إلى الإمام الطبراني ليس إلا نسخة من نسخ تفسير أبي بكر الحدَّاد اليمني الحنفي المتوفى سنة (٨٠٠ هـ)، والموسوم بـ: (كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل) (٥)، وهو ما سأبينه بإذن الله في هذه المقالة.
فبينما كنت أراجع تفسير آياتٍ من سورة النور في عددٍ من التفاسير؛ كان آخرها تفسير الحداد، تذكرت تفسير الطبراني وقد كان يُزّهِّدُني فيه قناعتي بعدم صحة نسبته إليه، فرأيتُ أن أراجعه لعلي أظفر منه بمفيد، ففوجئتُ بنص الكلام الذي قرأته قبلُ في تفسير الحداد، ونسيت بحثي الأول، وصرت أقارن بين أول كلمة في كلا التفسيرين، ثم مقاطع منه، ثم سور مختلفة منه، ثم طالعت نسخ المخطوط التي اعتمدها كلا المُحَقِّقَين فرأيتُ ما يأتي:
اعتمد الدكتور محمد إبراهيم يحيى في تحقيقه لتفسير الحدَّاد على ثلاث نسخٍ خَطيَّة؛ الثالثة منها نسخة مكتبة ستراسبورغ الوطنية الجامعية في فرنسا برقم (٤١٧٤)، وفيها هوامش جانبية تدلُّ على قراءة ومقابلة، وفُرِغَ من نسخها سنة (٩٦٤ هـ) (٦).
وهي النسخة الوحيدة التي اعتمدها هشام البدراني في تحقيقه لتفسير الطبراني، ولم يجد غيرها، واعتمد في نسبتها للإمام الطبراني على ما كتبه الناسخ في رأس الصفحة الأولى منه: (هذا كتاب تفسير فريد دهره وحكيم عصره شيخ الإسلام الهمام الشيخ الطبراني الكبير عن تفسير القرآن العظيم) (٧).
ولا يخفى على محقق أن نشر الكتاب عن نسخة وحيدة فيه ما فيه من مزلّة القدم، ومظنة الخطأ (٨)، وخطأُ الناسخِ في نسبة هذا المخطوط جَرَّ معه المحققَ باستعجاله، ولست الآن في مقام تعداد ما أخطأ فيه المحقق، وإنما أود الإشارة إلى أن الخلل حين يقع في منهجية التحقيق العلمي فإنه يورث جملةً من المجازفات والتناقضات في إخراج تراثنا العلمي، كما يشغل الساحة العلمية زمناً بما لا حاجة إليه من القراءة والرد والتعقيب، والتي تأخذ بحظِّها من أوقات المشاريع العلمية الجادَّة، ومن جهد المتخصصين والمحققين.
ولستُ أُبَرِّئُ أحداً من المُحَقِّقَين من ذلك الخلل:
- فأمَّا محقق تفسير الحدّاد فلم يستوفِ قراءة هذه النسخة الثالثة من المخطوط قراءةً نقديَّة؛ يدفع بها ما قد يؤثر في النسبة، كما لم يستوفِ وصف المخطوط وصفاً صحيحاً؛ فقد أغفل ما كتبه الناسخُ في أوَّل المخطوط وفي مواضع كثيرة منه؛ حين نسب هذا التفسير للطبراني، ولم يُشِر المحقق إلى ذلك بأي إشارة، وهذا وإن كان لا ضرورة له -ربما في اجتهاد المحقق- مع توافر نسخٍ أخرى تقطع بنسبة هذا التفسير للحدَّاد، إلا أنه من أدب التحقيق وهدي المحققين، ولو لم يكن فيه إلا ردّ غائلة من يأخذه على عِلاَّته ويشغل الناس به = لكفى به فضلاً وأهمية.
ومن مظاهر النقص في منهج التحقيق هنا أن المحقق وقد أفرد مجلداً يقع في (٥٠٠ صفحة) وجعله مقدمةً ودراسةً للتفسير ومؤلفه = لم يذكر شيئاً عن مخطوطات الكتاب، وإنما أخبر بقصة وقوفه عليه ورجوعه إلى بعض فهارس الكتب والمخطوطات لإثبات نسبة الكتاب إلى مؤلفه، ثم في مقدمة الجزء الأول من التفسير ذكر باختصار هذه المخطوطات مع صورٍ قليلة منها، وقد اجتنب في تصوير النسخة الثالثة ما يشير إلى اسم الطبراني الذي كتبه الناسخ في مواضع عديدة منه. كما خلا هذا العمل من المقارنة بين النسخ الثلاث، وهي مرحلة لازمة من مراحل التحقيق، وأولى منها وألزم أن يحدِّد أيَّ نسخة منها هي المعتمدة في العمل، والمقدمة في الإثبات، وهذا ممَّا أغفله المحقق أيضاً فظهر أثره في مواضع لم تخلُ من سقط وتصحيف (٩)، ولا أدري ماذا بقي للمحقق ليعمله بعد ذلك؟! فإن أعظم جهد المحقق إنما يصرف في ذلك، وهذا هو معنى اسم "التحقيق".
- وأمَّا محقق تفسير الطبراني فقد ظهر من استعجاله في نسبة هذا المخطوط إلى الطبراني دون تثبتٍ كافٍ، ومن عدم احتفاله بكثير من الإيرادات التي أوردها جملةٌ من الفضلاء على هذه النسبة، ومن التمَحُّل في الإثبات بما لا دليل فيه، ومن القطع في مقام الاحتمال، ومن المغالطة في الرد = ما جعل عمله هذا مثالاً لعدم التوفيق، ولتحقيقٍ يحتاجُ إلى تحقيق.
وفي سقوط هذا العمل من أصله ما يغني عن تعداد المآخذ المنهجية عليه مع كثرتها وظهورها، إلا أن ما لا ينبغي إغفاله من ذلك أمرين:
أولهما: الغفلة الظاهرة عن اعتبار منهج العلم والتأليف في زمن الطبراني، وكذا الغفلة عن منهج الطبراني نفسه في تآليفه، فواقع هذا التفسير لغةً وأسلوباً لا يمكن انطباقه على ذلك الزمن، وعلى تآليف الطبراني المحدِّث على الخصوص. واعتبار زمن التأليف وثقافة المؤلف ومنهج الكتابة في زمنه من الشروط الواجب اعتبارها في التحقيق.
ثانيهما: تجاهل النقول الوافرة عمَّن عاشوا بعد زمن الطبراني بسنين وبعضهم بقرون؛ ففيه النقل عن أبي الطيب سهل بن محمد العجلي الحنفي (ت ٤٠٤ هـ)، والإمام الثعلبي المفسِّر (ت ٤٢٧ هـ)، واللغويّ أبي منصور الثعالبي (ت ٤٣٠ هـ)، والفقيه الحنفي عبدالصمد الغزنوي (ت ٧٢٣ هـ)، وحين حاول المحقق إصلاح ذلك أتى بشرٍّ ممَّا ترك، فجعل من مات بعد الطبراني بخمسين أو سبعين سنة معاصراً له، وجعل من ذُكِرَ بعد ذلك - كالغزنوي - ممَّا أقحمه الناسخُ في النص، فحذفه من النص، وأشار في الحاشية إلى أنه من تَصَرُّف الناسخ؛ لأنه ليس من أسلوب المصنف، وقد بلغ ما حذفه في إحدى المواضع عشرة أسطر (١٠)، وفي موضع آخر حذفه منه فأفسد المعنى، ولم يُشر إلى ما فعل (١١)، واعجب لهذا الصنيع! إذ كيف يأتمنُ المحققُ الناسخَ على اسم المخطوط وهو أجل خطراً، وأعظم أثراً، ولا شيءَ يعضده، ثم لا يأتمنه على النص، ويتهمه بالزيادة فيه بلا دليل؛ إلا أن النص المذكور لا يوافق ما بنى عليه المحقق عمله، فلابد من التصرف فيه ولو بتحميله للناسخ.
إن كُلَّ كلمة في النص المخطوط أمانةٌ بيد المحقق، والمحقق الأمين لا يجرؤ على تضييعها، وإن الرغبة المُلِحَّة في إخراج تراث أئِمَّتنا الجليل، لا تكفي دافعاً ولا شافعاً في الإعراض عن أصول التحقيق وآدابه المعتبره، ومن عانى التحقيق وخبره يعتصره الأسى ممَّا يرى من تتابع من ليس من أهله عليه، وجرأتهم على اقتحامه، وكم لهم في شكوى هذا الصنف من آهات مسطورة (١٢).
على أن ذلك لا يثني الجادين في فن التحقيق وأهل التخصص من أن يؤدوا حقَّ العلم عليهم، ويظهروا ما خفي من آثار أسلافهم، ويبذلوا في ذلك غاية جَهدهم، مُتحَلِّين بأصول هذا الفن وآدابه، فهناك يُحمَد كل جُهد، ويُثمِر كل أَثَر، ويُعذَر من لم يوَفَّق.
وممَّا ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام أن الاستعجال في اعتماد كتب مشكوكٍ في نسبتها لمشاريع علمية بحثية استعجال في غير مَحَلِّه، والذَّمُّ اللاحق بمن استعجل في إخراج الكتاب بلا تحقيق أصيل؛ يلحق أيضاً من يبني عمله على هذا الأصل الذاهب، ولست أعني كتاباتٍ عن منهج الطبراني في تفسيره ونحو ذلك؛ فهذا ممَّا لا يفكر فيه من له أدنى اطلاع على هذا التفسير، وإنما أعني عدداً من المحاولات البحثية التي قامت على الكتاب باعتباره تفسيراً لعبد الصمد الغزنوي الحنفي، وهذا وإن كانت الشبهة فيه أقوى من غيره، إلا أنه دون التثَبُّت الواجب الذي لا يرضى الباحث الجادّ بأقل منه، ولا ينبغي أن تُشغَلَ المؤسساتُ العلميةُ بما دونه.
وفي ختام هذا البيان الموجز أجد من اللازم التذكير بعظم أمانة تحمل العلم ونشره، وأن ذلك من الدين الذي لا يرضى فيه المسلم بما دون الكمال؛ خاصَّة ما كان ذا علاقة بأعظم وأجلِّ كتاب؛ القرآن الكريم، فكيف إذا كان تفسيراً له، فهو أولى بالإجلال والتأني وطلب الكمال من كلِّ وجه، والله الموفق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.
وكتبه:
نايف بن سعيد بن جمعان الزهراني
مرحلة العالمية العالية
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
أستاذ الدراسات القرآنية المشارك في جامعة الباحة
_________
(١) طبع في ستة مجلدات بتحقيق هشام بن عبد الكريم البدراني، عام ١٤٢٩ هـ، عن دار الكتاب الثقافي، الأردن.
(٢) تُنظَر مجموعة مباحثات حول هذا الكتاب في موقع (ملتقى أهل التفسير) على شبكة المعلومات العالمية الانترنت.
(٣) وهو ما ذهب إليه الأستاذ إبراهيم باجس عبد الكريم في بحث له بعنوان: (تفسير الطبراني أم تفسير الغزنوي؟)، ضمن مجلة المخطوطات والنوادر، في المجلد الثاني من العدد الأول، بتاريخ المحرم-جمادى الآخرة عام ١٤١٨.
(٤) وهو رأي الأستاذ الدكتور المحقق بشار عواد معروف، ضمن مقالة له نشرتها جريدة الدستور الأردنية في عددها رقم ١٤٧٢٨، بتاريخ الاثنين ٢٢ جمادى الاولى ١٤٣٠.
(٥) طبع في سبعة مجلدات، والثامن دراسة مفردة عن التفسير، بتحقيق محمد إبراهيم يحيى، عن دار المدار الإسلامي سنة ١٤٢٤ هـ، وأصله رسالة دكتوراه تقدم بها المحقق إلى كلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط سنة ١٤١١ هـ.
(٦) ينظر: تفسير الحدّاد ١/ ٦ - ٧.
(٧) ينظر: التفسير الكبير، للطبراني ١/ ٧٩ - ٨٠، وأضيف هنا أن الناسخ في جميع مواضع تسميته للكتاب كان يكتب: للشيخ الإمام (الطبراني الكبير)، وليس هذا الوصف بمعروف في ترجمة الطبراني المحدث، وما كان ينبغي إغفاله خاصة في مقام الشك.
(٨) ينظر: في اللغة والأدب .. دراسات وبحوث، للعلامة المحقق محمود الطناحي ٢/ ٧٩٧.
(٩) ينظر السقط في أثر ابن عباس في أول تفسير ألم من سورة آل عمران ٢/ ٦، وكذا تصحيف (ابن حيَّان) إلى (ابن حِبَّان -بالموحدة التحتانية-) عند آية (٢٠٩) من سورة يوسف ١/ ٣٠٢.
(١٠) تفسير الطبراني ٢/ ٣٤٦، وقارن بتفسير الحداد ٢/ ٣٧١.
(١١) المرجع السابق ٣/ ٤٧١، وقارن بتفسير الحداد ٤/ ١٢.
(١٢) ينظر: في اللغة والأدب .. دراسات وبحوث، لمحمود الطناحي ١/ ٢٩٥، ومقالات العلامة المحقق السيّد أحمد صقر (ص:٣٩٣).
[هذا المقال مضاف لهذه النسخة الإلكترونية وليس في المطبوع]
стр. 2
بسم الله الرّحمن الرّحيم
استهلال
إن الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله.
وبعد: فإنه لا يخفى أنّ علم التفسير من أجلّ العلوم وأسمى المعارف، فهو أحد العلوم الشرعيّة الثلاثة التي أوجبها الشارع الحكيم على جماعة المسلمين، وجعل تعلّمها من فروض الكفاية، والسّعي لها من السّنن المندوبات حين تتوفر الأهلية في الجماعة.
ولقد قطعت الأمة الإسلامية شوطا بعيدا في إنجاز هذه المهمّات على مدار الأزمان وتغيّر الأحوال، فوجد من العلماء الأجلاّء من قام بهذه المهمّة على امتداد العقود من القرون الماضية، في مجال الحديث والفقه والتفسير، فأدى المهمة، ونفع الأمة بمعالجة مختلف الأحوال والمشكلات. ومنهم إمامنا الطبرانيّ الكبير في مجال الحديث والتفسير.
وإذ نقدم هذا التحقيق للتفسير الكبير للإمام الطبرانيّ (تفسير القرآن العظيم) فإننا نقدم مثالا لجهد عالم في حقبة من تاريخ الأمة؛ لينتفع من علمه، ويفاد من ممارسته، وتنضج الخبرة في جيلنا وتزداد الهمّة من تلك الخبرة والعزيمة. فلكلّ زمان رجال يتواصلون مع من سبقهم؛ لينضجوا خبراتهم إلى من يلحق بهم.
نسأل الله أن ينفع بجهد عالمنا الكبير الإمام الطبرانيّ ﵀، وأن ينفع بما قدّمناه في التحقيق والتدقيق والتعليق، وما حاولناه بالضّبط والتنسيق؛ لإخراج هذا الكتاب على أتمّ وجه وأبهى صورة.
стр. 3
فقمنا بكتابة مقدّمة له (مقدّمة في علم التّفسير) أعددناها من قراءاتنا؛ وجمعناها من جهود علمائنا، ونسّقناها بالصّورة التي ستقرؤها أيها الفاضل طالب العلم العامل به إن شاء الله.
ثم أتبعنا ذلك بتحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلّفه، ومن ثمّ ترجمة موجزة للمصنف ﵀. ثم أعقبنا ذلك بإيجاز منهج عملنا في التحقيق. ثم كتبنا ترجمة للمحقّق، ونسأل الله الإنصاف لأهل العلم وطلبته. فما كان فيه من إصابة فهو من الله، وما كان فيه من قصور أو تقصير، فذاك من نفسي، ونسألك أخي المسلم الدعاء.
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
العبد الفقير إلى ربّه الغنيّ به:
هشام بن عبد الكريم بن صالح البدرانيّ الحسينيّ الموصليّ
/١ محرم ١٤٢٧/ من الهجرة
/٣١ كانون الثاني ٢٠٠٦/ ميلادية
стр. 4
مقدّمة
في
علم أصول التّفسير
إعداد المحقّق
هشام البدرانيّ الموصليّ
стр. 5
مقدّمة في علم أصول التّفسير
مفهوم القرآن الكريم:
القرآن في الأصل مصدر قرأ؛ يقرأ؛ وقرآنا؛ وقرأ: جمع، وقراءة: ضمّ الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في التّرتيل؛ وليس يقال ذلك لكلّ جمع، فلا يقال قرأت القوم إذا جمعتهم، ولقد خصّ القرآن بالكتاب المنزّل على سيّدنا محمّد ﷺ فصار كالعلم بالنسبة له. قال ابن عباس ﵄: إذا جمعناه وأثبتناه في صدرك فاعمل به.
والقرآن الكريم: هو الكتاب المنزّل على سيّدنا محمّد النبيّ الرّسول ﷺ وحيا من الله ، بلسان عربيّ مبين، والّذي نقله إلينا بين دفّتي المصحف خلف عن سلف عدول ثقات يمنع جمعهم وكثرتهم وحالهم تواطأهم على كذب أو اختلاف، فقد نقل نقلا متواترا بالتلاوة والكتابة، بالشّفاه والأقلام، محفوظا بالسّطور والصّدور، بالسّماع والرّسم المخطوط الموقوف؛ فأخذته الآذان سماعا ورواية، وتلقّته الأذهان وعيا وحفظا ونطقت به الألسن تلاوة وإسماعا.
نزل القرآن على النبيّ محمّد ﷺ مفرّقا في مدة ثلاث وعشرين سنة. وكان نزوله على أنحاء شتّى، تارة بتتابع، وتارة بتراخي. وإنما نزل منجّما ولم ينزل دفعة واحدة لحكمة ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ (١) أي كذلك انزل مفرّقا لنقوّي بتفريقه فؤادك حتى تعيه وتحفظه. وقال تعالى ﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾ (٢) أي قرآنا جعلنا نزوله مفرّقا منجّما على مكث، أي على مهل
_________
(١) الفرقان ٣٢/.
(٢) الإسراء ١٠٦/.
стр. 6
وتؤدّة وتثبّت، نزلناه تنزيلا حسب الحوادث. فمن أجل تثبيت فؤاد الرسول، ومن أجل قراءته على الناس على مكث وتؤدّة، ومن أجل أن ينزل حسب الحوادث وجوابات السائلين نزل منجّما مفرّقا في ثلاث وعشرين سنة.
وكان القرآن ينزل على رسول الله ﷺ فيأمر بحفظه في الصّدور، وكتابته في الرّقاع، من جلد أو ورق أو كاغد، وفي الأكتاف والعسب واللّخاف، أي على العظم العريض وعسب النّخل والحجارة الرقيقة، عن زيد بن ثابت ﵁؛ لمّا أمّره أبو بكر الصديق ﵁ في جمع المصحف، قال زيد بن ثابت ﵁: فتتبّعت القرآن أجمعه من العسب واللّخاف وصدور الرجال (١).
وكان إذا نزلت الآيات أمر بوضعها موضعها من السّورة فيقول ألحقوا هذه الآية في سورة كذا بعد آية كذا، فيضعونها موضعها من السورة. قال ابن حجر العسقلاني: وأوضح من ذلك ما أخرجه أصحاب السنن الثلاثة وصححه الحاكم وغيره حديث ابن عباس عن عثمان ﵃ جميعا قال: كان النبي ﷺ ينزل عليه الآيات فيقول: [ضعوها في السّورة الّتي يذكر فيها كذا] (٢) وهكذا حتى نزل القرآن كله والتحق الرسول ﷺ بالرفيق الأعلى بعد أن كمل نزول القرآن. ولذلك كان ترتيب آيات كلّ سورة على ما هي عليه الآن في المصحف توقيفا من النبيّ ﷺ عن جبريل ﵇ عن الله تعالى فهو ترتيب توقيفي من الله تعالى.
وعلى ذلك وكما قرأ بين يدي رسول الله ﷺ نقلته الأمة ولا خلاف في ذلك مطلقا. وهذا الترتيب للآيات في سورها على الشكل الذي نراه الآن، هو نفسه الذي أمر به رسول الله ﷺ ، وهو نفسه الذي كان مكتوبا بالرّقاع والأكتاف والعسب واللّخاف ومحفوظا في الصّدور. وعليه فإن ترتيب الآيات في سورها قطعيّ أنه توقيفي عن رسول الله ﷺ ، عن جبريل ﵇، عن الله سبحانه تعالى.
_________
(١) رواه البخاري في الصحيح: كتاب فضائل القرآن: باب جمع القرآن: الحديث (٤٩٨٦) وكتاب التفسير: باب لقد جاءكم رسول: الحديث (٤٦٧٩).والترمذي في الجامع الصحيح: أبواب تفسير القرآن: الحديث (٣١٠٣).والامام أحمد في المسند: ج ١ ص ١٠ وج ٥ ص ١٨٨.
(٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري: ج ٩ ص ١٠:شرح الحديث (٤٩٨٣).
стр. 7
وأما ترتيب السّور بالنسبة لبعضها فإنه كان باجتهاد من الصحابة رضوان الله عليهم، فقد جاء من حديث ابن عبّاس قالوا [قلت لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرّحمن الرّحيم ووضعتموها في السّبع الطّوال؟ فقال عثمان ﵁ كان رسول الله ﷺ كثيرا ما تنزل عليه السّورة ذات العدد، فإذا نزل عليه شيء -يعني منها-دعا بعض من كان يكتب فيقول [ضعوا هؤلاء الآيات في السّورة الّتي يذكر فيها كذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وبراءة من آخر القرآن وكانت قصّتها شبيهة بها فظننت أنّها منها. فقبض رسول الله ﷺ ولم يبيّن لنا أنّها منها] (١).وعن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال [كان النّبيّ ﷺ لا يعرف فصل السّورة حتّى ينزل عليه بسم الله الرّحمن الرّحيم] (٢) وعن ابن عباس قال: [كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السّورة حتّى تنزل بسم الله الرّحمن الرّحيم، فإذا نزلت بسم الله الرّحمن الرّحيم، علموا أنّ السّورة قد انقضت] (٣).
_________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند: ج ١ ص ٥٧ و ٦٩؛ عن يزيد الفارسي عن ابن عباس قال: قلت لعثمان ... الحديث. وأبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب من جهر بها: الحديث (٧٨٦).والترمذي في الجامع الصحيح: كتاب تفسير القرآن: باب ومن سورة التوبة: الحديث (٣٠٨٦)؛وقال: هذا حديث حسن صحيح؛ لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي عن ابن عباس؛ ويزيد الفارسي قد روى عن ابن عباس غير حديث، ويقال هو يزيد بن هرمز؛ ويزيد الرّقاشي هو يزيد بن أبان الرّقاشيّ ولم يدرك ابن عباس، وإنما روى عن أنس بن مالك، وكلاهما من أهل البصرة، ويزيد الفارسي أقدم من يزيد الرّقاشيّ. انتهى. والنسائي في السنن الكبرى: كتاب فضائل القرآن: باب [السورة التي يذكر فيها كذا وكذا]:الحديث (١/ ٨٠٠٧).والحاكم في المستدرك على الصحيحين: كتاب التفسير: ج ٢ ص ٢٢١ وتفسير سورة التوبة: ج ٢ ص ٣٣٠؛وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه؛ وعقب الذهبي وقال: إنه صحيح. وابن حبان في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: كتاب الوحي: باب ذكر ما كان يأمر النبي ﷺ بكتبة القرآن: الحديث (٤٣):ج ١ ص ١٢٥.
(٢) رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب من جهر بها: الحديث (٧٨٨).والطبراني في المعجم الكبير: الحديث (١٢٥٤٤ و ١٢٥٤٥ و ١٢٥٤٦) بألفاظ؛ قال: [ما كان رسول الله ﷺ يعرف خاتمة السّورة حتّى تنزل عليه بسم الله الرّحمن الرّحيم].وفي مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: ج ٢ ص ١٠٩ وج ٦ ص ٣١٠؛قال الهيثمي: رواه البزار بإسناد رجال أحدهما رجال الصحيح.
(٣) ينظر: المستدرك على الصحيحين للحاكم: ج ١ ص ٢٣٢،وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
стр. 8
(فهذا يدلّ على أن ترتيب الآيات في كلّ سورة كان توقيفيا. ولمّا لم يفصح النبيّ ﷺ بأمر براءة أضافها عثمان إلى الأنفال اجتهادا منه ﵁. ونقل صاحب الإقناع أن البسملة لبراءة ثابتة في مصحف ابن مسعود) (١)،وروى أن الصحابة كانوا يحتفظون بمصاحف على ترتيب في السور مختلف مع عدم الاختلاف في ترتيب الآيات، فمصحف ابن مسعود على غير تأليف العثماني من حيث ترتيب السور، وكان أوّله الفاتحة ثم البقرة، ثم النساء ثم آل عمران، بعكس العثماني فترتيبه الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران ثم النساء. ولم يكن أيّ منهما على ترتيب النّزول. ويقال إنّ مصحف عليّ كان على ترتيب النّزول أوله (اقرأ) ثم (المدثر) ثم (ن والقلم) ثم (المزمل) ثم (تبت) ثم (التكوير) ثم (سبح،) وهكذا إلى آخر المكّي ثم المدنيّ.
وهذا كله يدلّ على أن ترتيب السّور بالنسبة لبعضها كان باجتهاد من الصحابة (٢).ولذلك كان ترتيب السّور في القراءة ليس بواجب في التلاوة ولا في الصلاة ولا في الدرس ولا في التعليم، بدليل أنّ النبي ﷺ قرأ في صلاته في الليل بسورة النساء قبل آل عمران، عن صلة بن زفر عن حذيفة ﵁ قال: صلّيت مع النّبيّ ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة؛ فقلت يركع عند المائة، ثمّ مضى؛ فقلت: يصلّي بها في ركعة؛ فمضى. فقلت: يركع بها؛ ثمّ افتتح النّساء، فقرأ ثمّ افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلا، إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوّذ تعوّذ، ثمّ ركع فجعل يقول: [سبحان ربي العظيم] فكان ركوعه نحوا من قيامه، ثمّ قال:
_________
(١) ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري: ج ٩ ص ٥١؛شرح الحديث (٤٩٩٤) من كتاب فضائل القرآن، وفيه: (قال: ولا يؤخذ بها).
(٢) ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري: ج ٩ ص ٥٠.قال الزركشي في البرهان في علوم القرآن: ج ٢ ص ٢٦٢:وهذا الترتيب بين هذه السور الأربع المدنيات: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة من أحسن الترتيب؛ وهو ترتيب المصحف العثماني، وإن كان مصحف عبد الله بن مسعود قدّمت فيه سورة النساء على آل عمران؛ وترتيب بعضها بعد بعض ليس هو أمرا أوجبه الله، بل أمر راجع إلى اجتهادهم واختيارهم؛ ولهذا كان لكل مصحف ترتيب، ولكن ترتيب المصحف العثماني أكمل.
стр. 9
[سمع الله لمن حمده].ثمّ قام طويلا قريبا ممّا ركع، ثمّ سجد؛ فقال: [سبحان ربي الأعلى] فكان سجوده قريبا من قيامه (١).
وأما ما ورد من النهي عن قراءة القرآن منكوسا فإن المراد قراءة الآيات في السورة الواحدة منكوسة لا قراءة السّور منكوسة. قال موفق الدين بن قدامة: وقد روي عن ابن مسعود أنه سئل عمّن يقرأ القرآن منكوسا قال: ذلك منكوس القلب. وفسّره أبو عبيدة: بأن يقرأ سورة ثم يقرأ بعدها أخرى هي قبلها في النّظم (٢).وقال النوويّ في شرح الحديث السابق لحذيفة ﵁ من صحيح مسلم: قال أبو بكر الباقلاني ... :ولا خلاف أنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى، وإنما يكره ذلك في ركعة ولمن يتلو في غير صلاة، قال: وقد أباحه بعضهم وتأوّل نهي السلف عن قراءة القرآن منكوسا على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها (٣).
ومتأوّل قول السلف على ما يبدو هو ابن بطّال، قال ابن حجر: قال ابن بطال:
لا نعلم أحدا قال بوجوب ترتيب السّور في القراءة لا داخل الصلاة ولا خارجها، بل يجوز يقرأ الكهف قبل البقرة والحجّ قبل الكهف مثلا، وأما ما جاء عن السّلف من النهي عن قراءة القرآن منكوسا، فالمراد به أن يقرأ من آخر السورة إلى أولها، وكان جماعة يصنعون ذلك في القصيدة من الشعر مبالغة في حفظها وتذليلا للسانه في سردها، فمنع السلف ذلك في القرآن فهو حرام فيه (٤).
وهذا الرأي نقله ابن كثير في فضائل القرآن: بتصرّف؛ قال أي ابن بطّال: وأما ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنّهما كرها أن يقرأ القرآن منكوسا، وقالا: إنما
_________
(١) رواه مسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: باب استحباب تطويل القراءة: الحديث (٧٧٢/ ٢٠٣).
(٢) ينظر: المغني: مسألة: قال: ثم يقرأ في سورة في ابتدائها بسم الله الرحمن الرحيم: الفصل الأخير منها: ج ١ ص ٥٣٧.
(٣) المنهاج: شرح صحيح مسلم بن الحجاج: ج ٥ - ٦ ص ٣٠٨.
(٤) ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري: ج ٩ ص ٤٨.
стр. 10
ذلك منكوس القلب؛ فإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسة فيبتدئ بآخرها إلى أولها، فإن ذلك حرام محظور (١).
وقد كان جبريل يقرأ جميع ما نزل من القرآن على الرسول ﷺ مرّة في كلّ سنة.
وفي السّنة التي توفّي فيها رسول الله ﷺ قرأ جبريل القرآن كله على الرسول مرّتين.
عن عائشة ﵂ عن فاطمة ﵍ [أسرّ إليّ النّبيّ ﷺ أنّ جبريل يعارضني بالقرآن كلّ سنة وأنّه عارضني العام مرّتين ولا أراه حضر إلاّ أجلي] (٢) وعن أبي هريرة قال: [كان يعرض على النّبيّ ﷺ القرآن كلّ عام مرّة فعرض عليه مرّتين في العام الّذي قبض] (٣).
فعرض جبريل القرآن على الرسول ﷺ كلّ عام مرّة معناه عرض ترتيب آياته بالنسبة لبعضها، وترتيب آياته في سورها، لأن عرض الكتاب معناه عرض جمله وكلماته وترتيبه، وعرضه مرّتين في العام الذي توفّي فيه الرسول ﷺ ، معناه كذلك عرض ترتيب آياته بالنسبة لبعضها. وترتيب آياته في سورها ويمكن أن يفهم كذلك من الحديث عرض ترتيب سوره بالنسبة لبعضها.
_________
(١) فضائل القرآن: ص /٤٢ دار الأندلس/الطبعة الرابعة.
(٢) عن أم المؤمنين عائشة ﵂، قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأنّ مشيتها مشي النبيّ ﷺ ، فقال النبي ﷺ : [مرحبا يا ابنتي] ثم أجلسها عن يمينه ثمّ أسرّ إليها حديثا، فبكت! فقلت لها: لم تبكين؟ ثمّ أسرّ إليها حديثا فضحكت، فقلت: ما رأيت اليوم فرحا أقرب من حزن، فسألتها عمّا قال. فقالت: [ما كنت لأفشي سرّ رسول الله ﷺ ]،حتّى قبض النبيّ ﷺ ، فسألتها. فقالت: [أسرّ إليّ أنّ جبريل كان يعارضني القرآن كلّ سنة مرّة، وإنّه عارضني العام مرّتين، ولا أراه إلاّ حضر أجلي، وإنّك أوّل أهل بيتي لحاقا بي] فبكيت. فقال: [أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء أهل الجنّة! أو نساء المؤمنين!] فضحكت لذلك. رواه البخاري في الصحيح: كتاب المناقب: الحديث (٣٦٢٣ و ٣٦٢٤).وفي الحديث (٦٢٨٥ و ٦٢٨٦) فيه تفصيل.
(٣) عن أبي حصين عن ذكوان عن أبي هريرة قال: كان يعرض على النّبيّ ﷺ القرآن كلّ عام مرّة، فعرض عليه مرّتين في العام الّذي قبض فيه، وكان يعتكف في كلّ عام عشرا، فاعتكف عشرين في العام الّذي قبض فيه. رواه البخاري في الصحيح: كتاب فضائل القرآن: باب كان جبريل يعرض القرآن: الحديث (٤٩٩٨).
стр. 11
إلا أنه وردت أحاديث صحيحة أخرى صريحة في ترتيب الآيات، فإنّها تنصّ على ترتيب الآيات بالنسبة لبعضها وترتيب الآيات في سورها [ضعوا هذه الآيات في سورة كذا بعد آية كذا] [وضعوا هؤلاء الآيات في السّور الّتي ذكر فيها كذا].
وكانت السورة تختم ويبدأ بسورة غيرها بتوقيف من الله بواسطة جبريل. عن ابن عبّاس قال: [كان النّبيّ ﷺ لا يعلم ختم السّورة حتّى ينزل بسم الله الرّحمن الرّحيم] وفي رواية [فإذا أنزلت بسم الله الرّحمن الرّحيم علموا أنّ السّورة قد انقضت].
فهذا كله يدلّ قطعا على أنّ ترتيب الآيات في سورها وشكل السّور بعدد آياتها ووضعها، كل ذلك توقيفي من الله تعالى. وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيّها ﷺ وثبت ذلك تواترا.
أما ترتيب السّور بالنسبة لبعضها فإنه وإن كان يمكن أن يفهم من أحاديث عرض القرآن، ولكن يمكن أن يفهم غيره من حديث آخر. عن عائشة أمّ المؤمنين ﵂ إذ جاءها عراقيّ فقال: أيّ الكفن خير؟ قالت: ويحك وما يضرّك؟ قال: يا أمّ المؤمنين أريني مصحفك. قالت: لم؟ قال: لعلّي أؤلّف القرآن عليه، فإنّه يقرأ غير مؤلّف.
قالت: وما يضرّك أيّه قرأت قبل، إنّما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصّل فيها ذكر الجنّة والنّار حتى إذا أثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزّنا أبدا، لقد نزل بمكّة على محمّد ﷺ وإنّي لجارية العب ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ (١).وما نزلت سورة البقرة والنّساء إلاّ وأنا عنده. قال فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السّور] (٢).
_________
(١) القمر ٤٦/.
(٢) رواه البخاري في الصحيح: كتاب فضائل القرآن: باب تأليف القرآن: الحديث (٤٩٩٣).
стр. 12
فهذا الحديث يدل على أن القرآن لم يكن مجموعا فإذا أضيف إلى ذلك اختلاف ترتيب مصاحف الصحابة، دلّ على أن ترتيب السّور بالنسبة لبعضها كان باتفاق من الصحابة.
جمع القرآن:
لقد ثبت بالدليل اليقينيّ الجازم أن النبيّ ﷺ حين التحق بالرفيق الأعلى كان القرآن كله مكتوبا في الرّقاع والأكتاف والعسب واللّخاف، وكان كله محفوظا في صدور الصحابة رضوان الله عليهم. فقد كانت تنزل الآية أو الآيات فيأمر حالا بكتابتها بين يديه، وكان لا يمنع المسلمين من كتابة القرآن غير ما كان يمليه على كتّاب الوحي.
عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: [لا تكتبوا عنّي، من كتب عنّي غير القرآن فليمحه، وحدّثوا عنّي ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار] (١).
وكان ما يكتبه كتّاب الوحي مجموعا في صحف قال تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً﴾ (٢) أي يقرأ قراطيس مطهّرة من الباطل فيها مكتوبات مستقيمة قاطعة بالحقّ والعدل، وقال الله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ (٣) أي إنّ هذه التذكرة مثبتة في صحف مكرّمة عند الله مرفوعة المقدار منزّهة عن أيدي الشياطين، قد كتبت بأيدي كتبة أتقياء.
_________
(١) رواه مسلم في الصحيح: كتاب الزهد: باب التثبت في الحديث وحكم كتاب العلم: الحديث (٣٠٠٤/ ٧٢).والإمام أحمد في المسند: ج ٣ ص ٥٦ وبلفظ [سوى القرآن]:ج ٣ ص ٢١ و ٣٩.والدارمي في السنن: باب من لم ير كتابة الحديث من المقدمة: الحديث (٤٥٠) بلفظ [إلاّ القرآن].
(٢) البيّنة ٢/.
(٣) عبس ١١/-١٥.
стр. 13
وقد ترك ﷺ جميع ما بين دفّتي المصحف مكتوبا قد كتب بين يديه، عن عبد العزيز بن رفيع قال: دخلت أنا وشدّاد بن معقل على ابن عبّاس ﵄ فقال له شدّاد بن معقل: أترك النبيّ ﷺ من شيء؟ قال: ما ترك إلا ما بين الدفّتين.
قال: ودخلت على محمّد بن الحنفية فسألناه فقال: [ما ترك إلاّ ما بين الدفّتين] (١) فالإجماع منعقد على أن جميع آيات القرآن في سورها قد كتبت بين يدي الرسول ﷺ حين كان ينزل بها الوحي مباشرة، وأنّها كتبت في صحف. وتوفّي الرسول الأعظم وهو قرير العين على القرآن معجزته الكبرى التي قامت حجّة على العرب وعلى العالم. ولم يكن يخشى على آيات القرآن الضياع لأن الله حفظ القرآن بنصّ صريح ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (٢) ولأنه كان قد ثبّت هذه الآيات كتابة بين يديه وحفظا في صدور الصحابة وأذن للمسلمين أن يكتبوا القرآن.
ولذلك لم يشعر الصحابة بعد وفاة الرسول أنّهم في حاجة لجمع القرآن في كتاب واحد أو في حاجة إلى كتابته، حتى كثر القتل في الحفّاظ في حروب الرّدّة، فخشي عمر من ذلك على ضياع بعض الصّحف وموت القرّاء، فتضيع بعض الآيات، ففكّر في جمع الصّحف المكتوبة، وعرض الفكرة على أبي بكر وحصل جمع القرآن.
عن عبيد بن السباق أن زيد بن ثابت ﵁ قال: [أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطّاب عنده. قال أبو بكر ﵁ إنّ عمر أتاني فقال: إنّ القتل قد استحر يوم اليمامة بقرّاء القرآن وإنّي أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هو والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتّى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنّك رجل شاب عاقل لا نتّهمك، وكنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبّع القرآن
_________
(١) رواه البخاري في الصحيح: كتاب فضائل القرآن: باب من قال: لم يترك النبي إلا ما بين الدفتين: الحديث (٥٠١٩).والإمام أحمد في المسند: ج ١ ص ٢٢٠ بلفظ: [إلاّ ما بين هذين اللّوحين] وإسناده صحيح.
(٢) الحجر ٩/.
стр. 14
فاجمعه. فو الله لو كانوا كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ ممّا أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال أبو بكر: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتّى شرح الله صدري للّذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄. فتتبّعت القرآن أجمعه من العسب واللّخاف وصدور الرّجال حتّى وجدت آخر سورة التّوبة مع أبي خزيمة الأنصاري ولم أجدها مع أحد غيره. ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ حتى خاتمة براءة. فكانت الصحف عند أبي بكر حتّى توفّاه الله ثمّ عند عمر حياته ثمّ عند حفصة بنت عمر ﵄] (١).
ولم يكن جمع زيد للقرآن كتابة له من الحفّاظ، وإنما كان جمعه له جمعا لما كتب بين يدي رسول الله ﷺ ، وكان لا يضع صحيفة مع صحيفة أخرى ليجمعها إلا بعد أن يشهد لهذه الصحيفة التي تعرض عليه شاهدان يشهدان أن هذه الصحيفة كتبت بين يدي رسول الله ﷺ .
وكان فوق ذلك لا يأخذ الصحيفة إلاّ إذا توفّر فيها أمران:
أحدهما: أن توجد مكتوبة مع أحد من الصحابة.
والثّاني: أن تكون محفوظة من قبل أحد الصحابة، فإذا طابق المكتوب والمحفوظ للصحيفة التي يراد جمعها أخذها وإلاّ فلا. ولذلك توقّف عن أخذ آخر سورة براءة حتى وجدها مكتوبة عند أبي خزيمة فأخذها؛ لأن شهادة ابن خزيمة بشهادة رجلين، مع أن زيدا كان يستحضرها هو ومن ذكر معه.
_________
(١) رواه البخاري في الصحيح: كتاب تفسير القرآن: سورة (٩) التوبة: باب لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ: الحديث (٤٦٧٩).وكتاب فضائل القرآن: باب جمع القرآن: الحديث (٤٩٨٦). وباب كان النبي ﷺ : الحديث (٤٩٨٩) وكتاب الأحكام: باب يستحب للكاتب أن يكون أمينا عاقلا: الحديث (٧١٩١).والترمذي في الجامع: كتاب تفسير القرآن: باب تفسير سورة التوبة: الحديث (٣١٠٢).والنسائي في السنن الكبرى: كتاب التفسير: الحديث (٧٩٩٥) والإمام أحمد في المسند: ج ١ ص ١٠.
стр. 15
روي من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قام عمر فقال: من كان تلقّى من رسول الله ﷺ شيئا من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك في الصّحف والألواح والعسب، قال: وكان لا يقبل من أحد شيئا حتّى يشهد شاهدان (١).
قال ابن حجر: (هذا يدل على أن زيدا كان لا يكتفي بمجرّد وجدانه مكتوبا حتى يشهد من تلقّاه سماعا مع كون زيد كان يحفظه وكان يفعل ذلك مبالغة بالاحتياط) (٢).
فالجمع لم يكن إلاّ جمع الصّحف التي كتبت بين يدي رسول الله ﷺ في كتاب واحد بين دفّتين، فقد كان القرآن مكتوبا في الصّحف، لكن كانت مفرّقة فجمعها أبو بكر في مكان واحد. وعلى ذلك لم يكن أمر أبي بكر في جمع القرآن أمرا بكتابته في مصحف واحد بل أمرا بجمع الصّحف التي كتبت بين يدي الرسول ﷺ مع بعضها في مكان واحد والتأكّد من أنّها هي بذاتها بتأييدها بشهادة شاهدين على أنّها كتبت بين يدي رسول الله ﷺ وأن تكون مكتوبة مع الصحابة ومحفوظة من قبلهم. وظلّت هذه الصّحف محفوظة عند أبي بكر حياته، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر أمّ المؤمنين حسب وصيّة عمر.
ومن هذا يتبين أن جمع أبي بكر للقرآن إنما كان جمعا للصّحف التي كتبت بين يدي رسول الله ﷺ وليس جمعا للقرآن وإنّ الحفظ إنّما كان لهذه الصّحف أي للرّقاع التي كتبت بين يدي رسول الله ﷺ وليس حفظا للقرآن. ولم يكن جمع الرّقاع والمحافظة عليها إلاّ من قبيل الاحتياط والمبالغة في تحرّي الحفظ لعين ما نقل عن رسول الله ﷺ .
أما القرآن نفسه فإنه كان محفوظا في صدور الصحابة ومجموعا في حفظهم، والاعتماد في الحفظ كان على جمهرتهم لأن الذين كانوا يحفظونه كليّا وجزئيا كثيرون.
هذا بالنسبة لجمع أبي بكر، أما بالنسبة لجمع عثمان فإنه في السّنة الثالثة أو الثانية من خلافة عثمان، أي في سنة خمس وعشرين للهجرة قدم حذيفة ابن اليمان
_________
(١) أخرجه ابن أبي داود السجستاني في كتاب المصاحف: ص ١٧.
(٢) قاله ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري: ج ٩ ص ١٧.
стр. 16
على عثمان في المدينة وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينيّة وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في قراءة القرآن.
فإنه رأى أهل الشام يقرءون بقراءة أبيّ بن كعب فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، ورأى أهل العراق يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهل الشام، فيكفّر بعضهم بعضا. وأن اثنين اختلفا في آية من سورة البقرة، قرأ هذا:
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ،﴾ وقرأ هذا: وأتمّوا الحجّ والعمرة للبيت فغضب حذيفة واحمرّت عيناه، وروي عن حذيفة قال: يقول أهل الكوفة قراءة ابن مسعود ويقول أهل البصرة قراءة أبي موسى، والله لئن قدمت على أمير المؤمنين لآمرنّه أن يجعلها قراءة واحدة، فركب إلى عثمان (١).
وقد حدّث ابن شهاب أن أنس بن مالك حدّثه [أنّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشّام في فتح ارمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنّصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصّحف ننسخها في المصاحف ثمّ نردّها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزّبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث ابن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرّهط القرشيّين الثلاثة:
إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء ما من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنّما نزل بلسانهم ففعلوا. حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كلّ صحيفة أو مصحف أن يحرق] (٢) وقد كان عدد النّسخ التي نسخت سبع نسخ، فقد
_________
(١) أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف: اتفاق الناس مع عثمان على جمع المصاحف: ص ١٨ ونقله ابن حجر العسقلاني في الفتح عن ابن أبي داود من كتاب (المصاحف).ينظر: فتح الباري: ج ٩ ص ٢١ - /٢٢ الطبعة الأولى لدار الكتب العلمية.
(٢) أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب فضائل القرآن: باب جمع القرآن: الحديث (٤٩٨٧) والسنن الكبرى للنسائي: كتاب فضائل القرآن: الحديث (٧٩٨٨).
стр. 17
كتبت سبعة مصاحف إلى مكّة وإلى الشام وإلى اليمن وإلى البحرين وإلى البصرة وإلى الكوفة وحبس بالمدينة واحد.
قال ابن حجر: (واختلفوا في عدّة المصاحف التي أرسل بها عثمان إلى الآفاق؛ فالمشهور أنّها خمسة؛ وأخرج ابن أبي داود في (كتاب المصاحف) من طريق حمزة الزيات قال: أرسل عثمان أربعة مصاحف وبعث منها إلى الكوفة بمصحف فوقع عند رجل من مراد، فبقي حتى كتبت مصحفي عليه.
قال ابن أبي داود: سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: كتبت سبعة مصاحف إلى مكة وإلى الشام وإلى اليمن وإلى البحرين وإلى البصرة وإلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحدا. وأخرج بإسناد صحيح إلى إبراهيم النخعي قال: قال لي رجل من أهل الشام مصحفنا ومصحف أهل البصرة اضبط من مصحف أهل الكوفة؛ قلت: لم؟ قال:
لأنّ عثمان بعث إلى الكوفة لما بلغه من اختلافهم بمصحف قبل أن يعرض، وبقي مصحفنا ومصحف أهل البصرة حتى عرض) (١).
وفي فضائل القرآن لابن كثير القرشي الدمشقي: قال: (وأما المصاحف العثمانية الأئمة، فأشهرها اليوم الذي بجامع دمشق عند الرّكن، شرقي المقصورة بذكر الله، ولقد كان قديما بمدينة طبرية، ثم نقل منها إلى دمشق في حدود ثماني عشرة وخمسمائة، ولقد رأيته كتابا عزيزا جليلا عظيما ضخما بخطّ حسن مبين قوي بحبر محكم، في رقّ أظنه من جلود الإبل، والله أعلم؛ زاده الله تشريفا وتعظيما وتكريما) (٢).
وعلى هذا لم يكن عمل عثمان جمعا للقرآن وإنما هو نسخ ونقل لعين ما نقل عن رسول الله ﷺ كما هو. فإنه لم يصنع شيئا سوى نسخ سبع نسخ عن النسخة المحفوظة عند حفصة أمّ المؤمنين، وجمع الناس على هذا الخطّ وحده ومنع أيّ خط أو إملاء غيرها. واستقرّ الأمر على هذه النسخة خطا وإملاء، وهي عين الخط والإملاء الذي كتبت به الصّحف التي كتبت بين يدي رسول الله ﷺ حين نزل الوحي بها،
_________
(١) فتح الباري: ج ٩ ص ٢٤.
(٢) ينظر منه ص /٢٦ طبعة دار الأندلس/الطبعة الرابعة.
стр. 18
وهي عينها النسخة التي كان جمعها أبو بكر. ثم أخذ المسلمون ينسخون عن هذه النّسخ ليس غير، ولم يبق إلاّ مصحف عثمان برسمه. ولمّا وجدت المطابع صار يطبع المصحف عن هذه النسخة بنفس الخطّ والإملاء.
والفرق بين جمع أبي بكر وبين جمع عثمان أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته، لأنه وإن كان مكتوبا في صحف ولكنه لم يكن مجموعا في موضع واحد ككتاب واحد، فجمعه في صحائف. وجمع عثمان كان لمّا كثر الاختلاف في وجوه القرآن حين قرأه بلغاتهم على اتّساع اللّغات فأدّى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض، فخشي من تفاقم الأمر فنسخ تلك الصّحف في مصحف واحد.
فالمصحف الذي بين أيدينا هو عينه الذي نزل على رسول الله ﷺ وهو عينه الذي كان مكتوبا في الصّحف التي كتبت بين يدي رسول الله ﷺ ، وهو عينه الذي جمعه أبو بكر حين جمع الصّحف في مكان واحد، وهو عينه الذي نسخ عنه عثمان النّسخ السبعة وأمر أن يحرق ما عداها، وهو عينه القرآن الكريم في ترتيب آياته بالنسبة لبعضها وترتيبها في سورها وفي رسمه وإملائه. وأما النسخة التي أملاها رسول الله ﷺ عن الوحي وجمعت صحفها وجرى النسخ عنها، فإنّها ظلّت محفوظة عند حفصة أمّ المؤمنين إلى أن كان مروان واليا على المدينة فمزّقها، إذ لم يعد لها لزوم على حدّ تقديره بعد أن انتشرت نسخ المصاحف في كلّ مكان. عن ابن شهاب قال:
أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر قال: [كان مروان يرسل إلى حفصة-يعني حين كان أمير المدينة من جهة معاوية-يسألها الصّحف الّتي كتب منها القرآن فتأبى أن تعطيه، قال سالم فلمّا توفيّت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر ليرسلنّ إليه تلك الصّحف فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر فأمر بها مروان فشقّقت، وقال: إنّما فعلت هذا لأنّي خشيت إن طال بالنّاس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصّحف مرتاب] (١).
_________
(١) أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف: ص ٣٢. ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري: ج ٩ ص ٢٤:شرح الحديثين (٤٩٨٧ و ٤٩٨٨) وقد سبق ابن كثير في فضائل القرآن ص ٢٤ فقال: رواه أبو بكر بن أبي داود-أي في كتاب المصاحف-وقال: (إسناده صحيح).
стр. 19
رسم المصحف:
ورسم المصحف توقيفيّ لا تجوز مخالفته. والدليل على ذلك أن النبيّ ﷺ كان له كتّاب يكتبون الوحي. وقد كتبوا القرآن فعلا بهذا الرّسم وأقرّهم الرسول على كتابتهم.
وأول من كتب الوحي للرسول ﷺ بمكة من قريش هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثم ارتدّ ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح؛ وممن كتب له في الجملة الخلفاء الأربعة، والزبير بن العوام، وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص بن أمية، وحنظلة بن الرّبيع الأسدي، ومعيقيب بن أبي فاطمة وعبد الله بن الأرقم الأزهري وشرحبيل بن حسنة وعبد الله بن رواحة. وكان ألزم الصحابة لكتابة الوحي زيد بن ثابت الأنصاري، وقبله أبي بن كعب وهو أول من كتب لرسول الله ﷺ الوحي بالمدينة، ولكن زيد لكثرة تعاطيه الكتابة أطلق عليه (الكاتب) بلام العهد؛ ولكنه ربما غاب فكتب غيره. وكان لكتّاب الوحي منزلة وشرف، لهذا أراد أبو سفيان أن ينال من هذا الشرف لابنه معاوية، فطلب من الرسول سيدنا محمّد ﷺ أن يجعل ابنه معاوية كاتبا للوحي وكان رسول الله ﷺ لا يردّ من طلب حاجة منه؛ فأجابه. حتى كان للنبيّ ﷺ كتّاب متخصّصون، ومنقطعون للكتابة له، بلغوا أكثر من أربعين كاتبا (١).
ومضى عهده ﷺ والقرآن على هذه الكتبة لم يحدث فيه تغيير ولا تبديل، مع أن الصحابة قد كتبوا القرآن، ولم يرو عن أحد أنه خالف هذه الكتبة، إلى أن جاء عثمان في خلافته فاستنسخ الصحف المحفوظة عند حفصة أمّ المؤمنين في مصاحف على تلك الكتبة، وأمر أن يحرق ما عداها من المصاحف.
وأيضا فإنما ورد في رسم القرآن من رسم غير رسم الكتابة العربية التي لغيره والعدول عن تلك الكتبة لا تظهر فيها أيّة علّة لهذا العدول سوى أن كتابتها توقيفية وليست اصطلاحا. ولذلك لا يقال لماذا كتبت كلمة [الربا] في القرآن بالواو والألف [الربوا] ولم تكتب بالياء أو الألف. ولا يقال ما هو سبب زيادة الألف في [مائة]
_________
(١) ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري: ج ٩ ص ٢٧:شرح الحديث (٤٩٩١).
стр. 20
دون [فئة] وزيادة الياء في [بأييديكم] و [بأييكم] وزيادة الألف في [سعوا] بالحجّ ونقصانها من [سعو] بسبإ، وزيادتها في [عتوا] حيث كان ونقصانها من [عتو] في الفرقان وزيادتها في [أمنوا] وإسقاطها من [باءو] [جاءوا] [فاءو] بالبقرة، وزيادتها في [يعفوا الذي] ونقصانها من [يعفو عنهم] في النساء. ولا يقال كذلك ما هو وجه حذف بعض أحرف من كلمات متشابهة دون بعض. كحذف الألف من [قرءنا] بيوسف والزخرف وإثباتها في سائر المواضع. وإثبات الألف بعد واو [سماوات] في فصّلت وحذفها من غيرها. وإثبات الألف في الميعاد مطلقا وحذفها من الموضع الذي في الأنفال. وإثبات الألف في [سراجا] حيثما وقع وحذفها من موضع الفرقان. فهذا الاختلاف في كتابة الكلمة الواحدة بين سورة وسورة من حيث الرسم مع عدم اختلاف المعنى واللفظ دليل على أنه فعل مردّه إلى السّماع لا إلى الاجتهاد والفهم، وكلّ ما كان مرده إلى السّماع فهو توقيفيّ.
وأيضا فإنه قد نقل الاختلاف في ترتيب السّور ولكنه لم ينقل خلاف في رسم المصحف على هذه الكتبة التي كتبت بين يدي الرسول، كما لم ينقل خلاف في ترتيب الآيات، مما يدلّ على أن الرسم توقيفيّ. فإقرار الرسول على هذه الكتبة، وإجماع الصحابة عليها، وواقع الاختلاف في رسم الكلمة الواحدة بين سورة وسورة مع اتحاد اللفظ والمعنى، كلّ ذلك دليل واضح على أن هذا الرسم الذي عليه المصحف هو رسم توقيفي يجب أن يلتزم وحده، ويحرم أن يكتب المصحف على رسم غير هذا الرسم، فلا يجوز العدول عنه مطلقا.
ولا يقال إن الرسول كان أمّيا فلا يعتبر تقريره لها، فإنّ له كتّابا يعرفون الخطوط فكانوا يصفونها له، وذهب بعضهم إلى أنه كان يعرف أشكال الحروف كما ورد في بعض الأحاديث. وفي هذا القول نظر، بل هو غير مستساغ.
على أن كتابة كتّابه للكتب التي كان يرسلها للملوك والرؤساء كانت على رسم الكتابة العاديّة، وعلى غير الرسم الذي كانوا يكتبون به الصّحف التي يكتبون فيها القرآن حين نزوله، مع أنّ المملي واحد والكتّاب هم هم. على أن التزام الرسم العثماني للقرآن، إنما هو خاصّ بكتابة المصحف كله، أما كتابة القرآن استشهادا، أو
стр. 21
كتابته على اللوح للتعليم أو غير ذلك مما يكتب في غير المصاحف، فهو جائز لأن الإقرار من الرسول والإجماع من الصحابة حصل في المصحف وحده دون غيره، ولا يقاس عليه لأنه أمر توقيفي لغير علّة، فلا يدخله القياس.
فصل منه: أنّ الرّسول محمّدا ﷺ لم يكن يكتب:
الجزم أو التأكيد بأن الرسول سيدنا محمّدا ﷺ كان يعرف أشكال الحروف لا يستساع، لأن الأحاديث التي جاءت في الباب ضعيفة لا تقوّي لمدّع حجة، ثم لاختلاف العلماء في تأويل الأحاديث التي جاءت في كتابة الرسول ﷺ ، وفهمها على وجه أنه لم يكتب أقوى وأكثر حجّة. ثم لورود الخبر بأنه لا يحسن الكتابة؛ والأمر مثار جدل لمن يريد، والأخذ مع مراد دلالات الخطاب الشرعي في الباب أولى وأسلم.
قال القاضي عياض: وردت آثار تدلّ على معرفة حروف الخط وحسن تصويرها كقوله لكاتبه: [ضع القلم على أذنك فإنّه أذكر لك] وقوله لمعاوية: [ألق الدّواة وحرّف القلم وأقم الياء وفرّق السّين ولا تعور الميم] وقوله [لا تمدّ بسم الله].وهذا وإن لم يثبت أنه كتب فلا يبعد أن يرزق علم وضع الكتابة، فإنه أوتي علم كل شيء. وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث (١).ونقل القرطبيّ؛ قال: قال القاضي عياض: وهذا وإن لم تصحّ الرواية أنه ﷺ كتب فلا يبعد أن يرزق علم هذا، ويمنع من القراءة والكتابة (٢).قلت: وفي هذا تفصيل والتفات نباهة للعلماء ﵏.
١.حديث زيد بن ثابت قال: دخلت على رسول الله ﷺ وبين يديه كاتب فسمعته يقول: [ضع القلم على أذنك فإنّه أذكر للمملي] قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهو إسناد ضعيف، وعنبسة بن عبد الرحمن ومحمد بن زاذان يضعّفان في الحديث (٣).
_________
(١) فتح الباري: ج ٧ ص ٦٤١:شرح الحديث ٤٢٥٢.
(٢) الجامع لأحكام القرآن: ج ١٣ ص ٣٥٣.
(٣) الجامع الصحيح للترمذي: كتاب الاستئذان: باب (٢١):الحديث (٢٧١٤).
стр. 22
٢.أما حديث معاوية، أنه كان يكتب بين يدي النبي ﷺ فقال له: [يا معاوية ألق الدّواة وحرّف القلم وانصب الباء وفرّق السّين ولا تغوّر الميم وحسّن الله ومدّ الرّحمن وجوّد الرّحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنّه أذكر لك] (١).
٣.لعل توجيه القاضي عياض لهذه الأحاديث، حين يغضّ النظر عن سندها، هو الأصحّ في المسألة، بقوله: (وهذا وإن لم تصحّ الرواية أنه ﷺ كتب، فلا يبعد أن يرزق علم هذا، ويمنع القراءة والكتابة) (٢).
بمعنى أن وصف الرسول سيدنا محمّد ﷺ بجري القلم على يد الكاتب في رسم الحروف، وخطّ شكلها، مأمور به من الله، فيأتي به الوحي ليعلّم الكاتب رسم الحرف وخط شكله، وهذا يتفق وأن رسم حرف القرآن توقيف من الله، وتفسير لسبب تغاير خطّ القرآن عن خط رسائل المصطفى ﵊ للملوك والرؤساء، مع أن الكتّاب أنفسهم من كتبة الوحي بين يديه ﷺ ستة وعشرون كاتبا أو أكثر.
تمسّك الفقيه الأندلسي أبو الوليد الباجي، بظاهر حديث مسلم في صلح الحديبية، فادعى أن النبيّ ﷺ كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن الكتابة. فشنّع عليه علماء الأندلس في زمانه ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله يخالف القرآن. فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة وقال للأمير: هذا لا ينافي القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن لأنه قيّد النفي قبل ورود القرآن فقال: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ (٣).وبعد أن تحقّقت أمّيته وتقررت بذلك معجزته وأمن الارتياب في ذلك لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم فتكون معجزة أخرى.
_________
(١) أخرجه الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب: الرقم (٨٥٣٣).قال في الفتح: وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث.
(٢) حكاه القرطبي في الجامع: ج ٣ ص ٣٥٣.
(٣) العنكبوت ٤٨/.
стр. 23
وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجي في ذلك. ومنهم شيخه أبو ذرّ الهروي وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء أفريقية وغيرها، واحتجّ بعضهم بما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شيبة من طريق مجاهد عن عوف بن عبد الله قال:
[ما مات رسول الله ﷺ حتّى كتب وقرأ] قال مجاهد: ذكرته للشعبي فقال: صدق قد سمعت من يذكر ذلك ومن طريق يونس بن ميسرة عن أبي كبشة السّلولي عن سهل ابن الحنظلية: أن النبيّ ﷺ أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعيينة، فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة المتلمّس؟ فأخذ رسول الله ﷺ الصحيفة فنظر فيها فقال: [قد كتب لك بما أمر لك] قال يونس: فترى رسول الله ﷺ كتب بعد ما أنزل عليه.
قلت: وهذا فيه نظر:
١.إن أحاديث عوف بن عبد الله والشعبي وسهل بن الحنظلية؛ لا تصحّ، قال القرطبي:
قال ابن عطية: وهذا كله ضعيف، وقول الباجي منه (١).
٢.أما حديث مسلم فهو بما وقع في الصحيح من حديث البراء أن النبي ﷺ قال لعلي: [أكتب الشّرط الّذي بيننا بسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا ما قاضى عليه محمّد رسول الله] فقال المشركون: لو نعلم أنّك رسول الله تابعناك، ولكن اكتب محمّد بن عبد الله. فأمر عليّا أن يمحاها! فقال عليّ: لا والله لا أمحاها. فقال رسول الله ﷺ : [أرني مكانها فأراه مكانها فمحاها وكتب ابن عبد الله] (٢).فأخذ بعض العلماء بظاهر النص، وأوّلوا الآية من سورة ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٣)،وفهموا نصّا عند البخاري فيه؛ [فأخذ رسول الله الكتاب فكتب، وليس يحسن يكتب] (٤).وليس كما تأوّلوا أو فهموا؛ من وجوه:
الأوّل: قول الراوي [فكتب] حكاية عن أمره للكاتب أن يكتب، أي فيه حذف
_________
(١) ينظر: مجمع الزوائد للهيثمي: ج ٨ ص ٢٧١.
(٢) كتاب الجهاد والسير: باب صلح الحديبية: الحديث (١٧٨٣/ ٩٢).
(٣) العنكبوت ٤٨/.
(٤) ينظر: صحيح البخاري: كتاب المغازي: باب عمرة القضاء: الحديث (٤٢٥١).
стр. 24
تقديره فمحاها وأعادها لعليّ فكتب، أي أمره بالكتابة، وهو كثير كقوله:
كتب إلى قيصر، وكتب إلى كسرى، فلا يلزم أنه هو الذي يكتب، بل يملي على كاتبه، فعدّ إملاؤه كتابة.
الثاني: جاء في نصّ الحديث سؤال الرسول سيدنا محمّد ﷺ لكاتبه أن يريه مكانها، فقال: [أرني مكانها] فلو كان يعرف شكل الحرف أو الكتابة أو القراءة لما احتاج السؤال ولو كانت من ضروب المعجزة والأمر الخارق للعادة ما احتاج السؤال أيضا. لهذا لا يصحّ مثل هذا الفهم، فهو بعيد جدا.
الثالث: أنه جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ احتاج تعلّم لغة قوم أعداء، فطلب من كتّابه فعل ذلك وكفايته أمرهم، عن زيد بن ثابت قال:
أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم له كتابة يهود، قال: [إنّي والله لا آمن يهود على كتاب]،قال زيد: فما مرّ بي نصف شهر حتى تعلّمته له. قال:
فلمّا تعلّمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم] (١).
الرابع: إن الكتابة من الأمور الإدارية والتراتيب الفنية التي لا يحتاجها الأمير لنفسه، وله أن يوكّل من ينوب بها عنه ويقرّ شأنها وينفذه بعد أن يطلع عليه؛ فهي تراتيب إدارية ومدنية. وليس مطلب المعجزة فيها بمكان متميّز بل غير مطلوب، لهذا من هذا الوجه يستبعد التأويل بأن الرسول سيدنا محمّدا ﷺ كان يعرف الكتابة أو شكل الحروف. قال القرطبي: قلت: وقال بعض المتأخّرين من قال هي آية خارقة، فيقال له: كانت تكون آية لا تنكر لولا أنّها مناقضة لآية أخرى وهي كونه أميّا لا يكتب، وبكونه أميّا في أمّة أمّيّة قامت الحجّة؛ وأفحم الجاحدون، وانحسمت الشبهة فكيف يطلق الله يده فيكتب وتكون آية. وإنما الآية ألاّ يكتب، والمعجزات يستحيل أن يدفع
_________
(١) الجامع الصحيح للترمذي: كتاب الاستئذان، باب ما جاء في علم السريانية: الحديث (٢٧١٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 25
بعضها بعضا. وإنما معنى كتب وأخذ القلم، أي أمر من يكتب به من كتّابه، وكان من كتبة الوحي بين يديه ﷺ ستّة وعشرون كاتبا (١).
٣.الصحيح في الباب أن الرسول ﷺ ما كتب ولا حرفا واحدا، ولا قرأ. وإنما أمر أن يكتب الكتاب، وهذا مقتضى فهم النصوص على السجية من غير تكلّف، قال القرطبي: هذا هو الصحيح في الباب أنه ﷺ ما كتب ولا حرفا واحدا، وإنما أمر من يكتب وكذلك ما قرأ ولا تهجّى.
فإن قيل: فقد تهجّى النبي ﷺ حين ذكر الدجّال، فقال: [مكتوب بين عينيه كافر] (٢) وقلتم إنّ المعجزة قائمة في كونه أميّا؛ قال الله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ﴾ الآية وقال-أي النبي ﷺ : [إنّا أمّة أمّيّة لا نكتب ولا نحسب] (٣) فكيف هذا؟ فالجواب ما نصّ عليه ﷺ في حديث حذيفة، والحديث
_________
(١) الجامع لأحكام القرآن: ج ١٣ ص ٣٥٣.
(٢) عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إنّه مكتوب بين عيني الدّجال كافر يقرؤه كلّ مؤمن]. مسند الإمام أحمد: ج ٣ ص ٣٢٧.وعن عمر بن ثابت الأنصاري أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال يوم حذر الناس الدجال: [إنّه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه من كره عمله أو يقرؤه كلّ مؤمن] صحيح مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة: الحديث (١٦٩/ ٩٥) من أحاديث الدجال. ولفظ التهجي جاء عند أنس بن مالك [مكتوب بين عينيه ك ف ر أي كافر] وفي لفظ [مكتوب بين عينيه كافر ثمّ تهجّاها كافر يقرؤه كلّ مسلم] ولربما كان المتهجّي هو أنس بن مالك وليس رسول الله ﷺ . لأن الحديث في طرقه عن جابر بن عبد الله وعمر بن ثابت الأنصاري وعبد الله بن عمر عن أبيه ليس فيه ذكر التهجي والله أعلم. ينظر: مسند الإمام أحمد: ج ٥ ص ٤٣٣ وفي ج ٦ ص ١٣٩ عن أم المؤمنين عائشة بلفظ [مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كلّ مؤمن] من حديث طويل تفرد به الإمام أحمد. وعن حذيفة أخرجه مسلم والطبراني في المعجم الكبير: الحديث (٣٠١٨):ج ٣ ص ١٦٧.
(٣) صحيح البخاري: كتاب الصوم: باب قول النبي ﷺ لا نكتب ولا نحسب: الحديث (١٨١٣) وصحيح مسلم: كتاب الصيام: الحديث (١٠٨٠/ ١٥) وسنن أبي داود: الحديث (٢٣١٩) وسنن النسائي: كتاب الصوم: ج ٢ ص ١٣٩ - ١٤٠.
стр. 26
كالقرآن يفسّر بعضه بعضا. ففي حديث حذيفة [يقرؤه كلّ مؤمن كاتب وغير كاتب] (١)؛فقد نصّ في ذلك على غير الكتّاب ممن يكون أمّيّا. وهذا من أوضح ما يكون.
ثم قلت: من المقطوع به أمّيّة النبي الرسول سيدنا محمّد ﷺ بما وصفه به ربّ العالمين فقال الله : ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ﴾ (٢) وتقرير الله لمحاججة أهل الكتاب ووصفهم المسلمين بالأمّيين قال الله : ﴿قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (٣) وقوله ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ (٤)،فعموم الأمّية في الأمة التي بعث فيها الرسول خصوص لتقرير أمّيته ﷺ . ولقد نهينا عن تكلّف ما لم يكلّفنا به الله. ولهذا كله لا يستساع التسليم أو الجزم بأن الرسول ﷺ كان يعرف أشكال الحروف.
إعجاز القرآن:
القرآن هو اللّفظ المنزّل على سيّدنا محمّد ﷺ بما يدلّ عليه من معانيه، فالقرآن هو اللفظ والمعنى معا. فالمعنى وحده لا يسمّى قرآنا، واللفظ وحده لا يتأتّى أن يكون دون معنى مطلقا، لأن أصل الوضع في اللفظ إنما هو للدلالة على معنى معيّن.
ولذلك وصف القرآن بوصف لفظه، فقال الله عنه إنه عربيّ حيث قال ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ (٥) وقال ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ (٦) وقال ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ (٧) ﴿أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ (٨) ﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ (٩).
_________
(١) مسند الإمام أحمد: ج ٥ ص ٣٨٦ وصحيح مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة: باب ذكر الدجال: الحديث (٢٩٣٤/ ١٠٥).ولفظه: [مكتوب بين عينيه كافر؛ يقرؤه كلّ مؤمن كاتب وغير كاتب].
(٢) الأعراف ١٥٨/.
(٣) آل عمران ٧٥/.
(٤) الجمعة ٢/.
(٥) يوسف ٢/.
(٦) فصلت ٣/.
(٧) الزمر ٢٨/.
(٨) الشورى ٧/.
(٩) الزخرف ٣/.
стр. 27
والعربية وصف للفظ القرآن لا لمعانيه لأن معانيه معاني إنسانيّة وليست معاني عربيّة، وهي لبني الإنسان وليست للعرب. وأما قوله تعالى ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا﴾ (١) فإن معناها حكمة مترجمة بلسان العرب، وليس معناه حكمة عربية.
فالعربية وصف للفظه ليس غير. ولفظه لا يوصف إلاّ بالعربية فحسب، وهو لا اسم له على مسمّاه غير العربية لا حقيقة ولا مجازا ولذلك لا يصحّ أن يقال عن كتابة بعض معانيه بغير اللغة العربية إنّها قرآن. فعربية القرآن حتميّة وهي عربية لفظه فحسب.
والقرآن هو معجزة للنبي محمّد ﷺ . وإنه وإن كانت هنالك معجزات أخرى للنبي ﷺ . قد جرت على يده غير القرآن، كما ورد ذلك في القرآن نفسه وفي صحاح السّنة، فإن النبيّ ﷺ لم يتحدّ بها، بل كان التحدّي بالقرآن وحده. ولذا نقول إنّ القرآن هو معجزة النبي محمّد ﷺ التي بها ثبتت رسالته منذ نزول القرآن عليه إلى يوم القيامة. وقد أعجز القرآن العرب عن أن يأتوا بمثله وتحدّاهم أن يأتوا بمثله، فقال تعالى في تحدّيه لهم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢) وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٣) وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤) وقد بلغ من تحديه لهم أنه قال لهم لا تستطيعون أن تأتوا بمثله، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (٥).فعجز الذين خوطبوا بالقرآن عن أن يأتوا بمثله، وعجزهم هذا ثابت بطريق التواتر ولم يعرف التاريخ ولا روى أحد أنّهم أتوا بمثله.
_________
(١) الرعد ٣٧/.
(٢) البقرة ٢٣/.
(٣) يونس ٣٨/.
(٤) هود ١٣/.
(٥) الإسراء ٨٨/.
стр. 28
وهذا التحدي ليس خاصّا بالذين خوطبوا بل هو تحدّ عام إلى يوم القيامة. لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فالقرآن متحدّ البشر كلهم منذ نزوله إلى يوم القيامة أن يأتوا بمثله. ولذلك ليس القرآن معجزا للعرب الذين كانوا في أيّام الرسول فقط، ولا للعرب وحدهم في كلّ مكان وزمان، بل هو معجز للناس أجمعين، لا فرق في ذلك بين قبيل وقبيل، لأن الخطاب به للناس أجمعين. قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ﴾ (١) ولأن آيات التحدي عامّة تقول: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وهو يشمل الناس جميعا، ولأن القرآن أخبر عن عجز الإنس والجنّ قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾.
وعجز العرب عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وعجز الناس جميعا عن أن يأتوا بمثله، إنما هو لأمر ذاتي في القرآن نفسه. فإن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن أقبلوا عليه مأخوذين بقوة بلاغته، حتى أن الوليد بن المغيرة ليقول للناس: وقد سمع النبيّ ﷺ يقرأ القرآن [والله ما منكم رجل أعرف بالأشعار منّي ولا أعلم برجزه وقصيده منّي، والله ما يشبه الّذي يقوله شيئا من هذا، والله إنّ لقوله الّذي يقوله لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة، وإنّه لمورق أعلاه مغدق أسفله، وإنّه ليعلو ولا يعلى عليه] (٢) مع أن الوليد هذا لم يؤمن وأصرّ على كفره. فالإعجاز آت من ذات القرآن، لأن الذين سمعوه والذين يسمعونه إلى يوم القيامة يشهدون ويتحيّرون من قوّة تأثيره وقوّة بلاغته، بمجرّد
_________
(١) سبأ ٢٨/.
(٢) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام: ج ١ ص ٢٨٩ وفيه تفصيل قصة (تحيّر الوليد بن المغيرة فيما يصف فيه القرآن).والمستدرك على الصحيحين للحاكم: كتاب التفسير: باب مدح كلام الله من لسان الكافر: ج ٢ ص ٥٠٧ عن أبي سعيد الخدري: وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص. ودلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للبيهقي: باب اعتراف مشركي قريش بما في كتاب الله من الإعجاز وأنه لا يشبه شيئا من لغتهم: ج ٢ ص ١٩٨.والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج ١٩ ص ٧٤. وأسباب النّزول للواحدي: ص ٢٩٥.والبرهان في علوم القرآن للزركشي: ج ٢ ص ١٧. ولباب النقول في أسباب النّزول: ص ٢٢٣.
стр. 29
سماعهم له ولو جملة واحدة ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ﴾ (١) ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ (٢) ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ (٣) ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ (٤).
وهكذا تتلى آية من القرآن أو آيات، فإن ألفاظها وأسلوبها ومراميها تستغرق أحاسيس الإنسان وتستولي عليه.
وإعجاز القرآن أظهر ما يظهر في فصاحته وبلاغته وارتفاعه إلى درجة مدهشة.
ويتجلّى ذلك في أسلوب القرآن المعجز، فإنّ ما في أسلوبه من الوضوح والقوة والجمال ما يعجز البشر عن أن يصلوا إليه.
والأسلوب هو معاني مرتّبة في ألفاظ منسقة. أو هو كيفيّة التعبير لتصوير المعاني بالعبارات اللغوية، ووضوح الأسلوب يكون ببروز المعاني المراد أداؤها في التعبير الذي أدّيت به ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٥).وقوة الأسلوب تكون باختيار الألفاظ التي تؤدّي المعنى بما يتلاءم مع المعنى. فالمعنى الرقيق يؤدّى باللفظ الرقيق، والمعنى الجزل يؤدى باللفظ الجزل، والمعنى المستنكر يؤدى باللفظ المستنكر وهكذا ... ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (١٧) عَيْناً فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلاً﴾ (٦) ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً﴾ (٧) ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ (٨) ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (٩).
أما جمال الأسلوب فيكون باختيار أصفى العبارات وأليقها بالمعنى الذي أدّته، وبالألفاظ والمعاني التي معها في الجملة والجمل ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ﴾
_________
(١) غافر ١٦/.
(٢) الزمر ٦٧/.
(٣) الأنفال ٥٨/.
(٤) الحج ١/-٢.
(٥) فصلت ٢٦/.
(٦) الإنسان ١٧/-١٨.
(٧) النبأ ٢١/-٢٣.
(٨) النجم ٢٢/.
(٩) لقمان ١٩/.
стр. 30
﴿كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (١).
والمتتبع للقرآن يجد الارتفاع الشامخ الذي يتّصف به أسلوبه وضوحا وقوّة وجمالا. اسمع هذا الوضوح والقوة والجمال ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ (٢) ﴿*هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ (٣) ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (٤).
والقرآن طراز خاص من التعبير، ونظمه ليس على منهاج الشعر الموزون المقفّى، ولا هو على منهاج النثر المرسل، ولا هو على منهاج النثر المزدوج أو النثر المسجوع، وإنما هو منهاج قائم بذاته لم يكن للعرب عهد به ولا معرفة من قبل.
وكان العرب لفرط تأثّرهم بالقرآن لا يدرون من أيّ ناحية وصل إلى هذا الإعجاز. فصاروا يقولون ﴿إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٥) ويقولون إنه قول شاعر وإنه قول كاهن. ولذلك ردّ عليهم الله فقال: ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ (٦).
وكون القرآن طراز خاص ونسيج منفرد واضح فيه كل الوضوح. فبينما تجده يقول: ﴿وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (٧) ويقول:
_________
(١) الحجر ٢/-٣.
(٢) الحج ٨/.
(٣) الحج ١٩/-٢٢.
(٤) الحج ٧٣/.
(٥) يونس ٧٦/.
(٦) الحاقة ٤١/-٤٢.
(٧) التوبة ١٤/.
стр. 31
﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ (١) مما هو نثر قريب من الشعر، إذ لو نظمت الآيتان لكانتا بيتين من الشعر هكذا:
ويخزهم وينصركم عليهم ... ويشف صدور قوم مؤمنين (¬*)
لن تنالوا البرّ حتّى ... تنفقوا ممّا تحبّون (¬**)
ولكنهما ليسا شعرا وإنما هو نوع من النثر فريد. وفي الوقت الذي تجد القرآن يقول هذا النوع من النثر تجده يقول: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ (٢) مما هو نثر بعيد عن الشعر كلّ البعد. وبينما تجده يقول: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً﴾ (٣) ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٤) فيطيل الفقرة والنّفس في النثر، وتجده يقول: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤)﴾ (٥) فيقصر الفقرة والنّفس في النثر. مع أن كلاّ منهما نثر في فقرات فقرات. وبينما تجده يبدع في النثر المرسل فيرسل في القول فيقول: ﴿*يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي﴾
_________
(١) آل عمران ٩٢/.
стр. 32
﴿الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١) تجده يبدع في النثر المسجّع ويسجع فيقول: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (٢).
وتجده يتسامى في الازدواج ويزدوج فيقول: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ (٣) وتجده يطيل الازدواج فيقول:
﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٢٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (٤) وبينما يسير في سجعة معينة إذا هو يعدل عنها إلى سجعة أخرى، فبينما يكون سائرا بالسّجع هكذا ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ إذا هو يعدل في الآية التي بعدها مباشرة فيقول:
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلاّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ ثم يعدل عن هذه السّجعة إلى غيرها في الآية التي بعدها مباشرة فيقول:
﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ (٥).
وهكذا تتبع جميع القرآن لا تجده ملتزما شيئا مما في أسلوب العرب من شعر أو نثر على مختلف أنواعهما ولا يشبه أيّ قول من أقوال العرب، ولا يشبهه أيّ قول من أقوال البشر.
ثم إنك تجد أسلوبه واضحا قويّا جميلا يؤدّي المعاني بكيفيّة من التعبير تصوّر المعاني أدقّ تصوير. فتجده حين يكون المعنى رقيقا يقول: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً﴾ (٢١)
_________
(١) المائدة ٤١/.
(٢) المدثر ١/-٧.
(٣) التكاثر ١/-٦.
(٤) عبس ١٧/-٣١.
(٥) المدثر ٨/-١٠.
стр. 33
﴿حَدائِقَ وَأَعْناباً (٢٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٢٣) وَكَأْساً دِهاقاً﴾ (١) من الألفاظ الرقيقة والجمل السّلسة. وحين يكون المعنى جزلا يقول: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاّ حَمِيماً وَغَسّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً﴾ من الألفاظ الفخمة والجمل الجزلة. وحين يكون المعنى محبّبا يأتي باللفظ المحبّب فيقول: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ (٢).
وحين يكون المعنى مستنكرا يأتي باللفظ المناسب لهذا المعنى فيقول: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ (٣) فيقول: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (٤).وقد صاحب تأدية المعاني بهذه الكيفية من التعبير التي تصوّر المعاني مراعاة للألفاظ ذات الجرس الذي يحرّك النفس عند تصوّرها لهذه المعاني وإدراكها لها. ولذلك كانت تبعث في السامع المدرك لعمق هذه المعاني وبلاغة التعبير خشوعا عظيما حتى كاد بعض المفكّرين العرب من البلغاء أن يسجدوا لها مع كفرهم وعنادهم.
ثم إن المدقّق في ألفاظ القرآن وجمله يجد أنه يراعي عند وضع الحروف مع بعضها، الأصوات التي تحدث منها عند خروجها من مخارجها فيجعل الحروف المتقاربة المخارج متقاربة الوضع في الكلمة أو الجملة. وإذا حصل تباعد بين مخارجها فصل بينها بحرف يزيل وحشة الانتقال. وفي نفس الوقت يجعل حرفا محبّبا من مخرج خفيف على الأذن يتكرّر كاللازمة في الموسيقى، فلا يقول [كالباعق المتدفق] وإنما يقول: ﴿كَصَيِّبٍ﴾ (٥) ولا يقول [الهعخع] وإنما يقول ﴿سُندُسٍ خُضْرٌ﴾ (٦) وإذا
_________
(١) النبأ ٢١/-٢٦.
(٢) يوسف ١٠٠/.
(٣) النجم ٢١/-٢٢.
(٤) لقمان ١٩/.
(٥) البقرة ١٩/.الباعق من ب ع ق: البعاق: شدّة الصّوت. ومن المطر: الذي يفاجئ بوابل. والسّيل الدّفاع، ويثلّث فيهما، كالباعق. وفي الكلام الانصباب فيه بشدة، ورويّ: [أنّ الله تعالى يكره الانبعاق في الكلام فرحم الله عبدا أوجز في كلامه].ينظر مختار الصحاح للرازي، والقاموس المحيط للفيروزآبادي: مادة: (ب ع ق).
(٦) الإنسان ٢١/.
стр. 34
لزم أن يستعمل الحروف المتباعدة وضعها في المعنى الذي يليق بها ولا يؤدّي المعنى غيرها مثل كلمة ﴿ضِيزى﴾ (١) فإنه لا ينفع مكانها كلمة ظالمة ولا جائرة مع أنّ المعنى واحد. ومع هذه الدقة في الاستعمال، فإن الحرف الذي يجعله لازمة يرد في الآيات واضحا في التردّد، فآية الكرسي مثلا تردّدت اللام فيها ثلاثا وعشرين مرة بشكل محبّب يؤثّر على الأذن حتى ترهف للسّماع وللاستزادة من هذا السّماع.
وهكذا تجد القرآن طرازا خاصا، وتجده ينزل كلّ معنى من المعاني في اللفظ الذي يليق به، والألفاظ التي حوله، والمعاني التي معه، ولا تجد ذلك يتخلّف في أيّة آية من آياته. فكان إعجازه واضحا في أسلوبه من حيث كونه طرازا خاصا من القول لا يشبه كلام البشر ولا يشبهه كلام البشر. ومن حيث إنزال المعاني في الألفاظ والجمل اللائقة بها، ومن حيث وقع ألفاظه على أسماع من يدرك بلاغتها ويتعمق في معانيها فيخشع حتى يكاد يسجد لها، وعلى أسماع من لا يدرك ذلك فيأسره جرس هذه الألفاظ في نسق معجز يخشع له السامع قسرا ولو لم يدرك معانيه. ولذلك كان معجزة وسيظل معجزة حتى قيام السّاعة.
التفسير والتّأويل:
التّفسير تفعيل من الفسر وهو البيان، تقول فسرت الشّيء بالتخفيف أفسّره فسرا، وفسّرته بالتشديد أفسّره تفسيرا إذا بيّنته. والفرق بين التفسير والتأويل أن التفسير هو بيان المراد باللفظ، والتأويل هو بيان المراد بالمعنى. وقد اختصّت كلمة التفسير عند الإطلاق ببيان آيات القرآن، وكلمة التأويل بتوجيه الفهم إلى العمل وأداءه في الفعل على الوجه المقصود شرعا.
قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ (٢) والتفسير هو التفصيل بالمثال وما يقرّب المعنى إلى الأذهان؛ بإظهار المعنى المعقول على قصد مراد الشّارع بما يزيل الإيهام الذي ربما علق في أذهانهم عند ما سمعوا الخطاب؛
_________
(١) النجم ٢٢/.
(٢) الفرقان ٣٣/.
стр. 35
فيرتبط التفسير بتكوين المعنى في الذهن بما يخدم في فهم النصّ ووعيه له. والتأويل هو ردّ الشيء إلى الغاية المرادة منه علما كان أو عملا؛ أي إرجاعه إلى أصله؛ فالتأويل عملا بالطاعة لله ورسوله، والتأويل علما بإرجاع محلّ التنازع والاختلاف إلى مظانّه من كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (١).
والتأويل على ضربين: الأول: تأويل شرعي للنصّ، والآخر: تأويل عقلي.
وإذا علم أن المراد بالتأويل-على وجه العموم-ما يفيد في توجيه المعنى في دلالة الخطاب إلى طريقة القيام بالعمل وإنفاذه على وجهه الشرعيّ؛ أو بما يخدم فكرة الموجّه للدلالة إلى مقاصده وغاياته. والأول منهما؛ وهو التأويل الشرعي للنصّ؛ وهو المطلوب من المكلّفين لفهم خطاب الشارع على قصد مراد الله ؛ ويثمر للمكلّف عند الله الأجر والثواب وتتحقّق العبادة في إنجازه. والثاني: هو التأويل العقلي؛ فهو تحكّم في توجيه دلالة النصّ إلى ما يفيد غرض المكلّف وبما يخدم غاياته وأهدافه على قصد مراده البشري أو الشخصي أو المذهبيّ أو الطائفي؛ وهذا ليس مرادا في عرف الشارع كما سيظهر إن شاء الله. وعلى ما يبدو أن هذا النوع من التأويل وقع به غالب المتكلّمين، ولإظهار المعنى بما يبني فكرة التأويل ومفهومه في عقليّة المسلم نقول:
خاطب الله الناس، بكلامه في القرآن الكريم، وبما أمر به رسوله سيّدنا محمّد ﷺ أن يبيّن لهم ما أجمل في الكتاب أو عمّ أو أطلق. وجاء الخطاب بلسان عربيّ مبين، فصيح يحمل في دلالاته معاني تفهم منه من سياق النصّ مباشرة، أو من مفردات ألفاظ النصّ، أي تفهم المعاني المرادة بإدراك دلالة اللفظ باللّغة العربية، أو بإدراك دلالة السّياق بمعهود العرب وعرف لسانهم وخطابهم، أو تدرك المعاني من معرفة أسباب نزول النصّ وأسباب ورود البيان السّنّي للكتاب. فيدرك المرء دلالة النص من تفسير ألفاظه ومرامي معانيه على الواقع، أو تأويله إلى ما يفيد العمل الفكري الذي
_________
(١) النساء ٥٩/.
стр. 36
يجري في ذهن المكلف لتوجيه الرّأي والايمان والمعتقدات والأحكام؛ أو إلى ما يفيد مباشرة العمل بإنفاذه على جوارح المرء وبأهليّته الفردية أو الجماعية المجتمعية. لهذا لا يوجد في القرآن الكريم ما لا يعقل المكلف ألفاظه أو لا يفهم معانيه. فعقل الألفاظ وما يحتاجه هذا التعقّل الشرعي من مطلوب خبري على مستوى اللغة والأثر والحديث هو التّفسير؛ وهو بيان معاني ألفاظ القرآن وفهم معانيه واستخراج أحكامه وحكمه؛ باستمداد ذلك من علم اللغة بما تدلّ عليه الألفاظ منها إلى معانيها؛ وبمعرفة علم النّحو والتصريف وعلم البيان الذي يلزم المرء الباحث بأساليب العرب في المخاطبة والتعلّم والإفهام، وعلم القراءات وما تحمله من دلالات السّياق في التعبير عن المراد، وما إلى ذلك مما يعرف بالعلوم الشرعية وما يخدمها من علوم الآلة والعربيّة.
أمّا التّأويل؛ فهو معرفة دلالة الخطاب على الواقع باعتباره نصّا مسموعا يخبر عن قصد مراد الشارع من المكلّف، وبوصفه كلاّ متماسكا ووحدة واحدة غير مجزّأة تفيد المستمع بإنشاء الفكر عن الواقع وتكوين معنى يعبر به عنه وتبعث فيه إلى طلب ما يلزمه العمل.
ولم يكن عند سلف الأمة تفريق بين التفسير والتأويل في القصد المراد، لأنّ كليهما يلزم الآخر، ولم يكن عندهم تفريق بين الفكر والعمل من حيث أن الفكر للعمل وليس بينهما مفاصلة إلا الصّدق في المباشرة. وليس الحال كما فرّق المتأخرون.
فالتأويل عند السلف هو إفادة المستمع أو من في حكمه بإنشاء الفكر في ذهنه وتقصّد العمل به؛ فالتفسير بيان المعنى في الخطاب، والتأويل بيان العمل وتوجيه دلالة الخطاب إليه؛ وأحدهما يقتضي الآخر.
لهذا كان التفسير هو بيان المعنى بحسب مقتضى اللغة ودلالة اللسان بمعهود العرب حين إدراكهم للخطاب ووعيهم به، أي بما تدركه العرب وتفهمه على عهد رسول الله ﷺ . والتأويل؛ هو بيان هذا المعنى على وجه يفيد العمل بمقتضى هذا المعهود من لسان العرب ومعهودهم وبمقتضى ما جاء من السّنّة المطهرة في بيانه. لهذا
стр. 37
قال سفيان بن عيينة: (السّنّة هي تأويل الأمر والنّهي) (١)،ولقد جاء الأمر والنهي في القرآن الكريم، وجاءت السّنّة لتبيّن للناس طريقة العمل بهما، فالتأويل هنا؛ توجيه المعنى المراد في دلالة النصّ إلى معهود العرب للعمل بها وفق النسق المخصوص للمكلّف حين مباشرته في الواقع. وعلى هذا يكون التفسير هو النظام المعرفي في إيجاد الفكر وتكوينه في ذهن المكلّف، والتأويل هو الأثر الوظيفيّ للتفسير؛ وكلاهما في حقيقته المعرفية لا ينفصل عن الآخر، فهو لازم له.
فالتأويل عند السّلف رضوان الله عليهم، بمعنى التفسير العمليّ للنص بترجمته في سلوك المكلّف وحركته حين ممارسة الحياة؛ فهو إدراك قصد مراد الشارع ووعيه له فكرا وعملا، تفكيرا وتطبيقا لهذا تصف عائشة ﵂ فعل رسول الله ﷺ في ركوعه، بأنه يتأوّل القرآن، فتقول: [كان رسول الله ﷺ يقول في سجوده وركوعه:
سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك. يتأوّل القرآن] (٢) أي يفعل ما أمر به في القرآن الكريم من السّجود والركوع والذّكر فيهما على ما أمر به. ويقول جابر ﵁ في خبر حجّة الوداع: [ورسول الله بين أظهرنا ينزل عليه القرآن وهو يعلم تأويله، فما عمل به من شيء عملنا به] (٣) أي تأويل الرسول ﷺ بيان لطريقة العمل بالكتاب؛ وهذا التأويل هو السّنّة والطريقة والتفسير هو العلم الذي تعبر عنه السّنّة وتترجمه بالفعل، ولهذا يقول أبو عبيدة وغيره: (الفقهاء أعلم بالتّأويل من أهل اللّغة)؛قلت: لأن الفقه هو
_________
(١) ينظر: الرسالة التدمرية لابن تيمية: ص ٦٠؛طبع المكتب الإسلامي. والصواعق المرسلة على الجهمية والمعطّلة لابن قيم الجوزية: الفصل الرابع: ج ١ ص ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٢) عن مسروق عن عائشة ﵂؛ قالت: (كان النّبيّ ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك، اللهمّ اغفر لي. يتأوّل القرآن).رواه البخاري في الصحيح: كتاب الأذان: باب التسبيح: الحديث (٨١٧).قال ابن حجر في الفتح: قوله (يتأوّل القرآن) أي يفعل ما أمر به فيه. ومسلم في الصحيح: كتاب الصلاة: باب ما يقال في الركوع: الحديث (٤٨٤/ ٢١٧).
(٣) رواه مسلم في الصحيح: كتاب الحج: باب حجة النبي ﷺ : الحديث (١٢١٨/ ١٤٧) وهو شطر حديث طويل.
стр. 38
العلم بالأحكام الشرعية العمليّة المستنبطة من أدلّتها التفصيلية (١).وبهذا يظهر الفرق بين دلالتي التفسير والتأويل. وحقيقة المفسر هو الذي يهتم بدلالة الألفاظ على الواقع فكريا، ولا يغفل الناحية العملية، أي التأويل للنص في مجال القول والعمل.
تاريخ نشوء التّفسير وأسبابه:
نزل القرآن باللغة العربية، فألفاظه عربية، حتى الألفاظ التي أصلها أعجميّة مثل استبرق، فإنّها عرّبت على أصول العربية، وأصبحت من الألفاظ العربية.
وأساليبه هي أساليب العرب في كلامهم، قال تعالى: ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ (٢) وقد كان العرب يقرءونه ويدركون قوّة بلاغته ويفهمون معانيه، إلا أنّ القرآن لم يكن جميعه في متناول العرب جميعا يستطيعون أن يفهموه إجمالا وتفصيلا بمجرّد أن يسمعوه، لأن نزول القرآن بلغة العرب لا يقتضي أن العرب كلّهم يفهمونه من مفرداته وتراكيبه. إذ ليس كلّ كتاب مؤلّف بلغة يستطيع أهل تلك اللغة أن يفهموه. لأن فهم الكتاب لا يتطلّب اللغة وحدها، وإنما يتطلب درجة عقلية من الفهم والإدراك تتفق ودرجة الكتاب في رقيّه، أي أن يكون القارئ بمستوى فهم النص علما. وواقع العرب حين نزل القرآن أنّهم لم يكونوا كلّهم يفهمونه كلّه إجمالا وتفصيلا، وإنما كانوا يختلفون في فهمه حسب رقيّهم العقلي. ومن أجل ذلك تفاوتت مقدرة الصحابة في تفسير القرآن وفهمه، لتفاوت معرفتهم باللغة العربية، وتفاوت ذكائهم وإدراكهم أي بحسب تفاوت قدراتهم العلمية التي يحتاجها الفهم الدقيق للنص الشرعي.
على أن ألفاظ القرآن نفسها لم يكن العرب كلهم يفهمون معناها. فقد روي عن أنس قال: قرأ عمر بن الخطاب ﵁ ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى﴾ فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد عرفنا ما الفاكهة! فما الأبّ؟ فقال: لعمرك يا ابن
_________
(١) ينظر: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن قيم الجوزية: ج ١ ص ١٧٥ - ٢٠٦، والرسالة التدمرية مجمل اعتقاد السلف: ص ٦٠.والبرهان في علوم القرآن للزركشي: ج ١ ص ١٣ وما بعدها.
(٢) يوسف ٢/،وطه ١١٣/،والزمر ٢٨/،وفصلت ٣/،والشورى ٧/،والزخرف ٣/.
стр. 39
الخطاب، إن هذا لهو التكلّف (١) وروي عن عمر أيضا أنّه كان على المنبر فقرأ ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾ ثمّ سأل عن معنى التّخوّف؟ فقال له رجل من هذيل: التّخوّف عندنا التّنقّص (٢).
وفوق ذلك ففي القرآن آيات كثيرة لا يكفي في تفهّمها معرفة ألفاظ اللغة وأساليبها، وإنما تحتاج إلى معلومات عن بعض ألفاظها، لأنّ هذه الألفاظ تشير إلى مدلولات معيّنة مثل قوله تعالى: ﴿وَالذّارِياتِ ذَرْواً﴾ (٣) ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً﴾ (٤) ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٥) ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ (٦) إلى غير ذلك من الآيات التي تشير إلى معاني معهودة. وهناك آيات يحتاج فهمها إلى معرفة أسباب النّزول.
وفي القرآن آيات محكمة واضحة المعنى، وهي الآيات التي تتعلق بأصول الدّين من العقائد وخاصّة الآيات المكية غالبا، والآيات التي تتعلّق بأصول الأحكام
_________
(١) الآية ٣١ من سورة عبس. رواه ابن جرير في التفسير: الرقم (٢٨١٨٧)،قال ابن كثير: إسناده صحيح. ولفظه عند السيوطي في الدر المنثور: قال: مه نهينا عن التكلّف، أو ما كلّفنا هذا أو ما أمرنا بهذا. وقال: أخرجه عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف، وابن مردويه. ينظر: الدر المنثور في التفسير المأثور: ج ٨ ص ٤٢٢.والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج ١٩ ص ٢٢٣.
(٢) الآية ٤٧ من سورة النحل. والأثر وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد: الرقم (١٦٣٣٤)،أو أنه عن عمر ﵁، فإنه روي عنه بإسناد مجهول: جامع البيان للطبري: الرقم (١٦٣٣١)،وروي من طريق سعيد بن المسيب: بينما عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر، قال: يا أيّها الناس، ما تقولون في قول الله : أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فسكت الناس؛ فقال شيخ من بني هذيل: هي لغتنا يا أمير المؤمنين؛ التخوّف التنقّص. فخرج فقال: يا فلان ما فعل دينك؟ قال: تخوّفته؛ أي تنقّصته؛ فرجع فأخبر عمر فقال عمر: أتعرف العرب ذلك في أشعارهم، فأنشد الشعر. فقال عمر: يا أيّها الناس عليكم بديوان شعر الجاهلية. فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج ١٠ ص ١١٠ - ١١١.وفتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر: ج ٨ ص ٤٩٢:شرح الباب (١٦) من سورة النحل.
(٣) الذاريات ١/.
(٤) العاديات ١/.
(٥) القدر ١/.
(٦) الفجر ١/-٢.
стр. 40
وهي الآيات المدنيّة غالبا، وخاصّة ما يتعلق منها بالمعاملات والعقوبات والبيّنات. كما أنّ في القرآن آيات متشابهة تشتبه معانيها على كثير من الناس، وخاصّة الآيات التي تحتمل عدّة معاني، أو يتحتّم صرفها عن المعنى الظاهر لها إلى معنى آخر لتناقضه مع العقيدة التّنزيهيّة، أي فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته أو مسائل القدر.
ومع أنّ الصحابة رضوان الله عليهم هم أقدر الناس على فهم القرآن لأنّهم من أعلم الناس بالعربية، ولأنّهم شاهدوا الظروف والوقائع التي نزل فيها القرآن، إلا أنّهم اختلفوا في الفهم وتفاوتوا في القدرة على تفسير القرآن حسب تفاوتهم في درجة اطّلاعهم على العربية، وحسب تفاوتهم في ملازمة الرسول ﷺ . وكان من أشهر المفسّرين من الصحابة ﵃ جميعا عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب، وهؤلاء الأربعة أكثر من غذى التفسير في الأمصار الإسلامية المختلفة. والذي مكّن هؤلاء من التبحّر في التفسير قوّتهم في اللغة العربية وإحاطتهم بمناحيها وأساليبها ومخالطتهم للنبيّ ﷺ وملازمتهم له ملازمة مكّنتهم من معرفة الحوادث التي نزلت فيها آيات القرآن وقوّة عقلهم وذكائهم قوة مكّنتهم من ربط المعاني ببعضها أحسن ربط، والخروج بالنتائج الصائبة. ولذلك لم يتحرّجوا عن الاجتهاد في فهم القرآن حسب ما يقتضيه عقلهم، بل اجتهدوا في التفسير، وقالوا فيه برأيهم، وقرّروا ما أدّاهم إليه فهمهم واجتهادهم. ولذلك يعتبر تفسير هؤلاء من أعلى أنواع التفسير. إلا أنه قد كذب عليهم كثيرا، وأدخلت على تفسيرهم أقوال لم يقولوها، ولذلك تجد في تفسيرهم الكثير من الموضوع، وما صحّ عن هؤلاء من التّفاسير برواية الثّقات هو من أقوى التّفاسير. أما ما عداه من الموضوعات فلا يجوز أن يؤخذ إذا لم يثبت أنّهم قالوه. إلا أنه ليس معنى التحذير من أخذ تفسير هؤلاء الأربعة الموضوع هو التحذير من قراءة تفاسيرهم، بل هو تحذير من أخذها والعمل بها باعتبار أنّ هذه الموضوعات لهم. أما قراءتها وتحكيم الفهم الصحيح لغة وشرعا وعقلا بما جاء بها فهو أمر مفيد، لأن في هذه الروايات الموضوعة تفاسير قيّمة من حيث الفهم، وإن كانت ضعيفة السّند من حيث نسبته إلى الصحابة.
следующие страницы →