← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يجري في ذهن المكلف لتوجيه الرّأي والايمان والمعتقدات والأحكام؛ أو إلى ما يفيد مباشرة العمل بإنفاذه على جوارح المرء وبأهليّته الفردية أو الجماعية المجتمعية. لهذا لا يوجد في القرآن الكريم ما لا يعقل المكلف ألفاظه أو لا يفهم معانيه. فعقل الألفاظ وما يحتاجه هذا التعقّل الشرعي من مطلوب خبري على مستوى اللغة والأثر والحديث هو التّفسير؛ وهو بيان معاني ألفاظ القرآن وفهم معانيه واستخراج أحكامه وحكمه؛ باستمداد ذلك من علم اللغة بما تدلّ عليه الألفاظ منها إلى معانيها؛ وبمعرفة علم النّحو والتصريف وعلم البيان الذي يلزم المرء الباحث بأساليب العرب في المخاطبة والتعلّم والإفهام، وعلم القراءات وما تحمله من دلالات السّياق في التعبير عن المراد، وما إلى ذلك مما يعرف بالعلوم الشرعية وما يخدمها من علوم الآلة والعربيّة. أمّا التّأويل؛ فهو معرفة دلالة الخطاب على الواقع باعتباره نصّا مسموعا يخبر عن قصد مراد الشارع من المكلّف، وبوصفه كلاّ متماسكا ووحدة واحدة غير مجزّأة تفيد المستمع بإنشاء الفكر عن الواقع وتكوين معنى يعبر به عنه وتبعث فيه إلى طلب ما يلزمه العمل. ولم يكن عند سلف الأمة تفريق بين التفسير والتأويل في القصد المراد، لأنّ كليهما يلزم الآخر، ولم يكن عندهم تفريق بين الفكر والعمل من حيث أن الفكر للعمل وليس بينهما مفاصلة إلا الصّدق في المباشرة. وليس الحال كما فرّق المتأخرون. فالتأويل عند السلف هو إفادة المستمع أو من في حكمه بإنشاء الفكر في ذهنه وتقصّد العمل به؛ فالتفسير بيان المعنى في الخطاب، والتأويل بيان العمل وتوجيه دلالة الخطاب إليه؛ وأحدهما يقتضي الآخر. لهذا كان التفسير هو بيان المعنى بحسب مقتضى اللغة ودلالة اللسان بمعهود العرب حين إدراكهم للخطاب ووعيهم به، أي بما تدركه العرب وتفهمه على عهد رسول الله ﷺ . والتأويل؛ هو بيان هذا المعنى على وجه يفيد العمل بمقتضى هذا المعهود من لسان العرب ومعهودهم وبمقتضى ما جاء من السّنّة المطهرة في بيانه. لهذا

стр. 37

قال سفيان بن عيينة: (السّنّة هي تأويل الأمر والنّهي) (١)،ولقد جاء الأمر والنهي في القرآن الكريم، وجاءت السّنّة لتبيّن للناس طريقة العمل بهما، فالتأويل هنا؛ توجيه المعنى المراد في دلالة النصّ إلى معهود العرب للعمل بها وفق النسق المخصوص للمكلّف حين مباشرته في الواقع. وعلى هذا يكون التفسير هو النظام المعرفي في إيجاد الفكر وتكوينه في ذهن المكلّف، والتأويل هو الأثر الوظيفيّ للتفسير؛ وكلاهما في حقيقته المعرفية لا ينفصل عن الآخر، فهو لازم له. فالتأويل عند السّلف رضوان الله عليهم، بمعنى التفسير العمليّ للنص بترجمته في سلوك المكلّف وحركته حين ممارسة الحياة؛ فهو إدراك قصد مراد الشارع ووعيه له فكرا وعملا، تفكيرا وتطبيقا لهذا تصف عائشة ﵂ فعل رسول الله ﷺ في ركوعه، بأنه يتأوّل القرآن، فتقول: [كان رسول الله ﷺ يقول في سجوده وركوعه: سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك. يتأوّل القرآن] (٢) أي يفعل ما أمر به في القرآن الكريم من السّجود والركوع والذّكر فيهما على ما أمر به. ويقول جابر ﵁ في خبر حجّة الوداع: [ورسول الله بين أظهرنا ينزل عليه القرآن وهو يعلم تأويله، فما عمل به من شيء عملنا به] (٣) أي تأويل الرسول ﷺ بيان لطريقة العمل بالكتاب؛ وهذا التأويل هو السّنّة والطريقة والتفسير هو العلم الذي تعبر عنه السّنّة وتترجمه بالفعل، ولهذا يقول أبو عبيدة وغيره: (الفقهاء أعلم بالتّأويل من أهل اللّغة)؛قلت: لأن الفقه هو _________ (١) ينظر: الرسالة التدمرية لابن تيمية: ص ٦٠؛طبع المكتب الإسلامي. والصواعق المرسلة على الجهمية والمعطّلة لابن قيم الجوزية: الفصل الرابع: ج ١ ص ٢٠٦ - ٢٠٧. (٢) عن مسروق عن عائشة ﵂؛ قالت: (كان النّبيّ ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك، اللهمّ اغفر لي. يتأوّل القرآن).رواه البخاري في الصحيح: كتاب الأذان: باب التسبيح: الحديث (٨١٧).قال ابن حجر في الفتح: قوله (يتأوّل القرآن) أي يفعل ما أمر به فيه. ومسلم في الصحيح: كتاب الصلاة: باب ما يقال في الركوع: الحديث (٤٨٤/ ٢١٧). (٣) رواه مسلم في الصحيح: كتاب الحج: باب حجة النبي ﷺ : الحديث (١٢١٨/ ١٤٧) وهو شطر حديث طويل.

стр. 38

العلم بالأحكام الشرعية العمليّة المستنبطة من أدلّتها التفصيلية (١).وبهذا يظهر الفرق بين دلالتي التفسير والتأويل. وحقيقة المفسر هو الذي يهتم بدلالة الألفاظ على الواقع فكريا، ولا يغفل الناحية العملية، أي التأويل للنص في مجال القول والعمل. تاريخ نشوء التّفسير وأسبابه: نزل القرآن باللغة العربية، فألفاظه عربية، حتى الألفاظ التي أصلها أعجميّة مثل استبرق، فإنّها عرّبت على أصول العربية، وأصبحت من الألفاظ العربية. وأساليبه هي أساليب العرب في كلامهم، قال تعالى: ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ (٢) وقد كان العرب يقرءونه ويدركون قوّة بلاغته ويفهمون معانيه، إلا أنّ القرآن لم يكن جميعه في متناول العرب جميعا يستطيعون أن يفهموه إجمالا وتفصيلا بمجرّد أن يسمعوه، لأن نزول القرآن بلغة العرب لا يقتضي أن العرب كلّهم يفهمونه من مفرداته وتراكيبه. إذ ليس كلّ كتاب مؤلّف بلغة يستطيع أهل تلك اللغة أن يفهموه. لأن فهم الكتاب لا يتطلّب اللغة وحدها، وإنما يتطلب درجة عقلية من الفهم والإدراك تتفق ودرجة الكتاب في رقيّه، أي أن يكون القارئ بمستوى فهم النص علما. وواقع العرب حين نزل القرآن أنّهم لم يكونوا كلّهم يفهمونه كلّه إجمالا وتفصيلا، وإنما كانوا يختلفون في فهمه حسب رقيّهم العقلي. ومن أجل ذلك تفاوتت مقدرة الصحابة في تفسير القرآن وفهمه، لتفاوت معرفتهم باللغة العربية، وتفاوت ذكائهم وإدراكهم أي بحسب تفاوت قدراتهم العلمية التي يحتاجها الفهم الدقيق للنص الشرعي. على أن ألفاظ القرآن نفسها لم يكن العرب كلهم يفهمون معناها. فقد روي عن أنس قال: قرأ عمر بن الخطاب ﵁ ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى﴾ فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد عرفنا ما الفاكهة! فما الأبّ؟ فقال: لعمرك يا ابن _________ (١) ينظر: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن قيم الجوزية: ج ١ ص ١٧٥ - ٢٠٦، والرسالة التدمرية مجمل اعتقاد السلف: ص ٦٠.والبرهان في علوم القرآن للزركشي: ج ١ ص ١٣ وما بعدها. (٢) يوسف ٢/،وطه ١١٣/،والزمر ٢٨/،وفصلت ٣/،والشورى ٧/،والزخرف ٣/.

стр. 39

الخطاب، إن هذا لهو التكلّف (١) وروي عن عمر أيضا أنّه كان على المنبر فقرأ ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾ ثمّ سأل عن معنى التّخوّف؟ فقال له رجل من هذيل: التّخوّف عندنا التّنقّص (٢). وفوق ذلك ففي القرآن آيات كثيرة لا يكفي في تفهّمها معرفة ألفاظ اللغة وأساليبها، وإنما تحتاج إلى معلومات عن بعض ألفاظها، لأنّ هذه الألفاظ تشير إلى مدلولات معيّنة مثل قوله تعالى: ﴿وَالذّارِياتِ ذَرْواً﴾ (٣) ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً﴾ (٤) ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٥) ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ (٦) إلى غير ذلك من الآيات التي تشير إلى معاني معهودة. وهناك آيات يحتاج فهمها إلى معرفة أسباب النّزول. وفي القرآن آيات محكمة واضحة المعنى، وهي الآيات التي تتعلق بأصول الدّين من العقائد وخاصّة الآيات المكية غالبا، والآيات التي تتعلّق بأصول الأحكام _________ (١) الآية ٣١ من سورة عبس. رواه ابن جرير في التفسير: الرقم (٢٨١٨٧)،قال ابن كثير: إسناده صحيح. ولفظه عند السيوطي في الدر المنثور: قال: مه نهينا عن التكلّف، أو ما كلّفنا هذا أو ما أمرنا بهذا. وقال: أخرجه عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف، وابن مردويه. ينظر: الدر المنثور في التفسير المأثور: ج ٨ ص ٤٢٢.والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج ١٩ ص ٢٢٣. (٢) الآية ٤٧ من سورة النحل. والأثر وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد: الرقم (١٦٣٣٤)،أو أنه عن عمر ﵁، فإنه روي عنه بإسناد مجهول: جامع البيان للطبري: الرقم (١٦٣٣١)،وروي من طريق سعيد بن المسيب: بينما عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر، قال: يا أيّها الناس، ما تقولون في قول الله : أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فسكت الناس؛ فقال شيخ من بني هذيل: هي لغتنا يا أمير المؤمنين؛ التخوّف التنقّص. فخرج فقال: يا فلان ما فعل دينك؟ قال: تخوّفته؛ أي تنقّصته؛ فرجع فأخبر عمر فقال عمر: أتعرف العرب ذلك في أشعارهم، فأنشد الشعر. فقال عمر: يا أيّها الناس عليكم بديوان شعر الجاهلية. فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج ١٠ ص ١١٠ - ١١١.وفتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر: ج ٨ ص ٤٩٢:شرح الباب (١٦) من سورة النحل. (٣) الذاريات ١/. (٤) العاديات ١/. (٥) القدر ١/. (٦) الفجر ١/-٢.

стр. 40

وهي الآيات المدنيّة غالبا، وخاصّة ما يتعلق منها بالمعاملات والعقوبات والبيّنات. كما أنّ في القرآن آيات متشابهة تشتبه معانيها على كثير من الناس، وخاصّة الآيات التي تحتمل عدّة معاني، أو يتحتّم صرفها عن المعنى الظاهر لها إلى معنى آخر لتناقضه مع العقيدة التّنزيهيّة، أي فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته أو مسائل القدر. ومع أنّ الصحابة رضوان الله عليهم هم أقدر الناس على فهم القرآن لأنّهم من أعلم الناس بالعربية، ولأنّهم شاهدوا الظروف والوقائع التي نزل فيها القرآن، إلا أنّهم اختلفوا في الفهم وتفاوتوا في القدرة على تفسير القرآن حسب تفاوتهم في درجة اطّلاعهم على العربية، وحسب تفاوتهم في ملازمة الرسول ﷺ . وكان من أشهر المفسّرين من الصحابة ﵃ جميعا عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب، وهؤلاء الأربعة أكثر من غذى التفسير في الأمصار الإسلامية المختلفة. والذي مكّن هؤلاء من التبحّر في التفسير قوّتهم في اللغة العربية وإحاطتهم بمناحيها وأساليبها ومخالطتهم للنبيّ ﷺ وملازمتهم له ملازمة مكّنتهم من معرفة الحوادث التي نزلت فيها آيات القرآن وقوّة عقلهم وذكائهم قوة مكّنتهم من ربط المعاني ببعضها أحسن ربط، والخروج بالنتائج الصائبة. ولذلك لم يتحرّجوا عن الاجتهاد في فهم القرآن حسب ما يقتضيه عقلهم، بل اجتهدوا في التفسير، وقالوا فيه برأيهم، وقرّروا ما أدّاهم إليه فهمهم واجتهادهم. ولذلك يعتبر تفسير هؤلاء من أعلى أنواع التفسير. إلا أنه قد كذب عليهم كثيرا، وأدخلت على تفسيرهم أقوال لم يقولوها، ولذلك تجد في تفسيرهم الكثير من الموضوع، وما صحّ عن هؤلاء من التّفاسير برواية الثّقات هو من أقوى التّفاسير. أما ما عداه من الموضوعات فلا يجوز أن يؤخذ إذا لم يثبت أنّهم قالوه. إلا أنه ليس معنى التحذير من أخذ تفسير هؤلاء الأربعة الموضوع هو التحذير من قراءة تفاسيرهم، بل هو تحذير من أخذها والعمل بها باعتبار أنّ هذه الموضوعات لهم. أما قراءتها وتحكيم الفهم الصحيح لغة وشرعا وعقلا بما جاء بها فهو أمر مفيد، لأن في هذه الروايات الموضوعة تفاسير قيّمة من حيث الفهم، وإن كانت ضعيفة السّند من حيث نسبته إلى الصحابة.

стр. 41

وقد جاء بعد الصحابة التابعون، واشتهر بعضهم في الرواية عن الصحابة، عن الأربعة المذكورين وعن غيرهم، ومن أشهر هؤلاء التابعين مجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عبّاس، وسعيد بن جبير. وقد اختلف العلماء في مقدار الثقة بهؤلاء المفسّرين من التابعين. فمجاهد أوثقهم وإن كان أقلّهم رواية، ويعتمد على تفسيره بعض الأئمة والمحدّثين، كالشافعيّ والبخاري. إلا أن بعضهم كان يرى أن مجاهدا يسأل أهل الكتاب، ومن هذه الناحية يتريّثون في أخذ أقواله، وإن كانوا متّفقين على صدقه. وكان كلّ من عطاء وسعيد ثقة صادقا لم يطعن أحد على أيّ منهما. أما عكرمة فإن أكثر العلماء يوثّقه ويصدّقه، والبخاري يروي له، ويرى آخرون أنه جرؤ على التفسير ويزعم أنه يعلم كلّ شيء في القرآن، وذلك لكثرة ما يرويه من التفسير للقرآن عن الصحابة. وكان هؤلاء الأربعة أكثر من يروي عن ابن عبّاس، وهناك من يروي عن بقية الصحابة كمسروق بن الأجدع تلميذ عبد الله بن مسعود، وكان يروي عنه التفسير. واشتهر كذلك في التفسير من التابعين قتادة بن دعامة السّدوس الأكمه (١)، وكان واسع الاطلاع في اللغة العربية ضليعا في الشّعر العربي وأيام العرب وأنسابهم. وبعد أن انتهى عصر التابعين أخذ العلماء يؤلّفون كتب التفسير على طريقة خاصّة هي ذكر الآية ونقل ما روي في تفسيرها عن الصحابة والتابعين بالسند. وأشهر من قام بذلك سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وعبد الرزاق وغيرهم، إلا أن تفاسير هؤلاء العلماء لم تصل إلينا كاملة، وإنما وصل منها أقوال وردت في بعض كتب التفسير كتفسير الطبريّ. ثم جاء بعدهم الفرّاء ثم جاء الطبري، ثم تتابع علماء التفسير في كل عصر حتى عصرنا هذا. _________ (١) قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز بن عمرو بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سدوس. أبو الخطّاب السّدوسي البصريّ ولد أكمه. ترجم له ابن حجر في تهذيب التهذيب: الرقم (٥٧٠٦).

стр. 42

أسلوب المفسّرين في التفسير: فسّر الصحابة آيات من القرآن الكريم إما اجتهادا منهم في التفسير أو سماعا من رسول الله ﷺ ، وشرحوا في كثير من الأحيان أسباب نزول الآية، وفيمن نزلت. وكانوا يقتصرون في تفسير الآية على توضيح المعنى اللغوي الذي فهموه من الآية بأخصر لفظ، مثل قولهم ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ أي غير متعرّض لمعصية (١).ومثل قولهم في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ﴾:كان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم خروجا أخذ قدحا فقال (٢):هذا يأمر بالخروج فإن خرج فهو مصيب في سفره خيرا، ويأخذ قدحا آخر فيقول هذا يأمر بالمكوث فليس يصيب في سفره خيرا، والمنيح بينهما (٣).فنهى الله عن ذلك. فإن زادوا عن ذلك شيئا فما روي عن سبب نزول الآية وفيمن نزلت. مثل ذلك ما روي عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ قال: إلى مكّة (٤). وعن أبي هريرة في قوله تعالى ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ قال نزلت في رسول الله _________ (١) المائدة ٣/. الجنف: الميل؛ والإثم والمعصية والحرام، ومعناه عند اضطراره في المخمصة لا يبعد عن سدّ الرّمق، فلا يميل لحرام متلذّذا به متجاوزا حدّ الرخصة، قال القرطبي؛ (أي غير مائل لحرام، ومنه قول عمر: ما تجانفنا فيه لإثم) وذلك كان قد أفطر الناس في رمضان ثم ظهرت الشمس فقال: نقضيه ما تجانفنا فيه لإثم، أي ما ملنا ولا تعمّدنا ونحن نعلمه، وكلّ مائل متجانف وجنف. انتهى بتصرف وقال النسفيّ: غير مائل لإثم أي غير متجاوز لسدّ الرمق. وقال البيضاوي: غير مائل له ومنحرف إليه بأن يأكلها متلذّذا أو مجاوزا حدّ الرخصة. انتهى. ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج ٦ ص ٦٤،وأنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي: ج ١ ص ٢٥٤،ومدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي: ج ١ ص ٢٧٠. (٢) المائدة ٣/. ينظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل: ج ١ ص ٢٥٤.ومدارك التنزيل وحقائق التأويل: ج ١ ص ٢٧٠.والجامع لأحكام القرآن: ج ٦ ص ٥٨ وما بعدها. (٣) المنيح في اللغة من التّناوح: أي التّقابل ومنه سمّيت النوائح لتقابلهنّ. وكل أمر وسط لأن شأنه وقع بين اثنين فتعادلا به، ومنه كل اسم على ثلاثة أحرف أوسطه ساكن ك (لوط)،لأن خفّته عادلت أحد الثّقلين. ينظر: مختار الصحاح للرازي: ص ٦٨٤. (٤) القصص ٨٥/.والتفسير رواه البخاري في الصحيح: كتاب التفسير: الحديث (٤٧٧٣).

стр. 43

صلّى الله عليه وسلّم حيث يراود عمّه أبا طالب على الإسلام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لعمّه عند الموت: [قل لا إله إلاّ الله، أشهد لك بها يوم القيامة؟] فأبى فأنزل الله ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ القصص:٥٦ (١). ثم جاء بعد الصحابة التابعون فرووا كلّ ما ذكره الصحابة من هذا القبيل، وكان من التابعين أنفسهم من فسّر بعض آيات القرآن الكريم أو ذكر سببا لنزولها، إما اجتهادا منهم في التفسير أو سماعا. ثم جاء من بعد التابعين العلماء فتوسّعوا في التفسير ونقلوا أخبار اليهود والنصارى، ثم تتابع المفسّرون في كلّ عصر وجيل يفسرون القرآن ويتوسّعون في كلّ عصر عما قبله. وأخذ المفسّرون يتعرضون للآيات ليستنبطوا منها الأحكام ويتعرضون للآيات يفسّرون بها مذهبهم من الجبر والاختيار، ويفسّرون الآيات يثبتون بها آراءهم حسب ما يميلون إليه، من تشريع أو علم كلام أو بلاغة أو صرف ونحو أو ما شاكل ذلك. والذي يبدو من تتبّع التفاسير في مختلف العصور منذ عصر الصحابة حتى عصرنا هذا، أن تفسير القرآن كان في كلّ عصر من العصور متأثّرا بالحركة العلمية فيه، وصورة منعكسة لما في العصر من آراء ونظريّات ومذاهب، وقلّما يخلوا تفسير من التأثّر بما كان يسود عصره من آراء وأفكار وأحكام. إلا أن هذه التفاسير كلها لم تؤلّف في كتب من أوّل يوم صار فيه مفسّرون، أي من عصر الصحابة، بل انتقلت من حال إلى حال في مختلف العصور. فقد كان التفسير في أوّل أمره جزءا من الحديث وبابا من أبوابه، وكان الحديث هو المادة الواسعة التي تشمل جميع المعارف الإسلامية، فراوي الحديث كما يروي حديثا فيه حكم فقهي، يروي حديثا فيه تفسير لآية من القرآن. _________ (١) رواه مسلم في الصحيح: كتاب الإيمان: باب على صحة إسلام من حضره الموت: الحديث (٢٥/ ٤٢).والترمذي في الجامع: كتاب التفسير: (٣١٨٨).والإمام أحمد في المسند: ج ٢ ص ٤٣٤ و ٤٤١.

стр. 44

ثم أخذ المؤلفون في أوائل العصر العباسيّ وأواخر العصر الأموي، أي في أوائل القرن الثاني للهجرة يجمعون الأحاديث المتشابهة المتعلّقة في موضوع واحد ويفصلونها عن غيرها. ففصلت المعارف التي يتضمّنها الحديث من تفسير وفقه عن بعضها، ونشأ من العلوم ما نشأ من حديث وسيرة، وفقه، وتفسير، فكان علم التفسير، وأصبح علما مستقلا يدرس وحده. إلاّ أن التفاسير في أوّل أمرها لم تتّخذ شكلا منظّما بأن تذكر آيات القرآن مرتّبة كترتيب المصحف ثم تتبع بتفسيرها، بل كانت التفاسير تروى منثورة هنا وهناك، تفسيرا لآيات متفرّقة كما هو الشأن في الحديث، وظلّ الحال كذلك إلى أن تم انفصال التفسير عن الحديث وصار علما قائما بنفسه، ووضع التفسير لكلّ آية من القرآن أو جزء من آية مرتّبة هذه الآيات حسب ترتيب المصحف. وأوّل من تعرّض لتفسير القرآن آية آية وفسّرها على التتابع هو الفرّاء المتوفى سنة ٢٠٧ هجرية. فقد روى ابن النديم في كتابه الفهرست قال (إن عمر بن بكير كتب إلى الفرّاء أن الحسن بن سهل ربما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن فلا يحضرني فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولا، أو تجعل في ذلك كتابا أرجع إليه فعلت، فقال الفرّاء لأصحابه اجتمعوا حتى أملّ عليكم كتابا في القرآن، وجعل لهم يوما، فلما حضروا خرج إليهم، وكان في المسجد رجل يؤذّن ويقرأ بالناس في الصلاة، فالتفت إليه الفرّاء فقال له: اقرأ بفاتحة الكتاب نفسّرها ثم نوفّي الكتاب كلّه، فقرأ الرجل وفسّر الفراء فقال أبو العباس: لم يعمل أحد قبله مثله ولا أحسب أن أحدا يزيد عليه). ثم جاء بعده ابن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هجرية فكتب تفسيره المشهور. وقد اشتهر قبل تفسير ابن جرير جملة من التفاسير، منها تفسير ابن جريج. وكان شأنه شأن المحدّثين الأولين يجمعون ما وصلوا إليه من غير فرق بين الصحيح وغير الصحيح، وقد ذكروا (أن ابن جريج لم يقصد الصحّة وإنما روى ما ذكر في كلّ آية من الصحيح والسقيم).ومنها تفسير السّدّيّ المتوفى سنة ١٢٧ هجرية، ومنها تفسير مقاتل المتوفى سنة ١٥٠ هجرية، وقد قال عبد الله بن المبارك عن تفسير مقاتل

стр. 45

هذا (ما أحسن تفسيره لو كان ثقة).ومنها تفسير محمّد بن اسحاق، وقد كان ينقل عن اليهودية والنصرانية ويذكر في تفسيره أقوالا لوهب بن منبه وكعب الأحبار وغيرهما ممن يروون عن التوراة والإنجيل وشروحهما، وهذه التفاسير لم تصل إلينا. إلا أن ابن جرير الطبري جمع أكثرها وأدخلها في كتابه. ثم تتابع المفسرون يفسّرون القرآن كاملا مرتّبا في كتب كاملة مرتبة. إلا أن الناظر في التفاسير التي دوّنت يجد أن المفسرين سلكوا في التفسير وجوها شتّى. منهم من عني بالنظر في أساليب الكتاب ومعانيه وما اشتمل عليه من أنواع البلاغة ليعرف به علوّ الكلام وامتيازه عن غيره من القول فغلبت على تفاسيرهم الناحية البلاغية، ومن هؤلاء محمّد بن عمر الزمخشري في تفسيره المسمى بالكشّاف. ومنهم من نظر في أصول العقائد ومقارعة الزائفين ومحاجّة المخالفين مثل فخر الدين الرازي في تفسيره المشهور بالتفسير الكبير. ومنهم من نظر في الأحكام الشرعية واعتنى في استنباطها من الآيات فوجّه عنايته لآيات الأحكام وذلك مثل أبو بكر الرازي المعروف بالجصّاص في تفسيره المشهور أحكام القرآن. ومنهم من تتبّع القصص وزاد في قصص القرآن ما شاء من كتب التاريخ والإسرائيليات، وأخذ يجمع جميع ما يسمعه من غثّ وسمين من غير تنقيح لما يخالف الشرع ولا يطابق العقل ويتنافى مع الآيات القطعية الدلالة ومن هؤلاء علاء الدين علي بن محمّد البغدادي الصوفي المعروف بالخازن في تفسيره باب التأويل في معاني التّنزيل. ومنهم من عني في تأييد مذهبه وتفسير الآيات حسب ما يؤيّد فرقته مثل تفسير البيان للشيخ الطبرسي، وتفسير التبيان للشيخ الطوسي، فإنّهما يؤيّدان آراء الشيعة ومذهبهم في العقائد والأحكام. ومنهم من عني بالتفسير لشرح معاني القرآن وأحكامه من غير نظر إلى ناحية من النواحي، وهؤلاء هم المفسّرون الذين تعتبر تفاسيرهم من أمّهات كتب التفسير، ويعتبرون من الأئمّة في التفسير وغيره، وذلك مثل تفسير ابن جرير الطبري، وتفسير أبي عبد الله محمد القرطبي، وتفسير النّسفي وغيرهم. ومنهم أيضا تفسير الإمام الطبراني الذي بين يدينا اليوم نخرجه مطبوعا والحمد لله رب العالمين.

стр. 46

مصادر التفسير: لا يقصد من كلمة مصادر التفسير ما اعتمد عليه المفسّرون في تفسير كلّ منهم للقرآن حسب الفكرة التي يحملها كالتوحيد والفقه والبلاغة والتاريخ وما شاكل ذلك، فهذه ليست مصادر التّفسير، بل هي الأمور التي أثّرت على المفسّر فنحا نحوا معيّنا في التفسير. وإنما المقصود من مصادر التفسير المراجع التي نقل عنها المفسرون، ووضعوا ما نقلوه عنها في تفسيرهم، بغضّ النظر عن الاتجاه الذي اتجهوه في تفسيرهم. وإذا تتبّعنا مصادر التفسير نجدها تنحصر في ثلاثة مصادر هي: أولا-تفسير نقل عن رسول الله ﷺ : مثل الذي روي أن الرسول ﷺ قال: [الصّلاة الوسطى صلاة العصر] (١).ومثل ما روي عن علي ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن يوم الحجّ الأكبر فقال: [يوم النّحر] (٢) وما روي أيّ الأجلين قضى _________ (١) رواه الترمذي في الجامع: كتاب الصلاة: باب ما جاء في الصلاة الوسطى أنّها العصر: الحديث (١٨١) عن عبد الله بن مسعود، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والحديث (١٨٢) عن سمرة بن جندب، وقال: وفي الباب عن عليّ وزيد بن ثابت وعائشة وحفصة وأبي هريرة وأبي هشام بن عتبة. وقال: حديث الحسن عن سمرة حديث صحيح؛ لأن الحسن سمع من سمرة، قال: حديث سمرة حسن. وهو قول أكثر العلماء من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم. وينظر لحديث علي ﵁: الرقم (٢٩٨٤).والمصنف لابن أبي شيبة: باب في قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى: الرقم (٨٦٠٨):ج ٢ ص ٢٤٥.وفي الباب عن أم سلمة وأبيّ بن كعب. وحديث عبد الله بن مسعود رواه مسلم في الصحيح: كتاب المساجد: باب مواضع الصلاة؛ وابن ماجة في السنن: كتاب الصلاة: باب المحافظة على صلاة العصر. والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصلاة: باب من قال هي صلاة العصر: من الرقم (٢١٩٨ - ٢٢٠٧). (٢) رواه الترمذي في الجامع: كتاب تفسير القرآن: الحديث (٣٠٨٨) مرفوعا؛ والحديث (٣٠٨٩) موقوفا على عليّ ﵁، وهو الأصح؛ جاء من غير وجه. والطبري في جامع البيان في تفسير القرآن: ج ١٠ ص ٩٠:الحديث (١٢٧٤٤) وإسناده صحيح. وعن عبد الله بن عمر قال: وقف رسول الله ﷺ يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع، فقال: [هذا يوم الحجّ الأكبر]: الحديث (١٢٧٦٨) عن ابن عمر؛ وذكره البخاري في الصحيح معلقا: الحديث (١٧٤٢).

стр. 47

موسى قال: [أوفاهما وأبرّهما] (١).إلا أن هذا النوع لا يجوز الاعتماد عليه كمصدر للنقل إلاّ ما ورد منه في الكتب الصحاح، لأن القصّاص والوضّاع زادوا فيه كثيرا. ولذلك يتحرّى في هذا النوع من مصادر النقل لكثرة الكذب فيه على رسول الله ﷺ . وقد بلغ من تحري السّلف في هذا النوع من التفسير حدّا أنكره كثير منهم إنكارا كليّا ... وقالوا لم يرو عن رسول الله تفسير. وقد روي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال (ثلاثة ليس لها أصل: التّفسير والملاحم والمغازي).ولذلك نجد أن المفسّرين لعدم ثقتهم بما ورد، لم يقفوا عند حدّ ما ورد، بل اتّبعوا ذلك بما أدّاهم إليه اجتهادهم. ولم يقفوا عند حدود النصّ. وقد أضيف إلى ما ورد عن رسول الله، ما ورد عن الصحابة من تفسير، وصار من التفسير المنقول، وكذلك ما ورد عن التابعين من تفسير. وقد تضخّم هذا النوع من التفسير المنقول وصار يشمل ما نقل عن رسول الله وما نقل عن الصحابة، وما نقل عن التابعين، وصار وحده كافيا لأن يكون وحده تفسيرا. وتكاد كتب التفسير المؤلّفة في العصور الأولى تكون مقصورة على هذا النحو من التفسير. ثانيا-من مصادر التفسير الرّأي، وهو ما يطلق عليه الاجتهاد في التفسير. ذلك أن المفسّر يعرف كلام العرب ومناحيهم في القول، ويعرف الألفاظ العربية ومعانيها بالوقوف على ما ورد مثله في الشعر الجاهلي والنثر ونحوهما، ويقف على ما صحّ عنده من أسباب نزول الآية مستعينا بهذه الأدوات، ويفسّر الآيات القرآنية حسب ما أداه إليه فهمه واجتهاده. ولم يكن التفسير بالرأي يعني أن يقول في الآية ما يشاء وما تتطلبه رغبته، وإنما كان الرأي الذي يجري التفسير بحسبه يعتمد على الأدب الجاهليّ من شعر ونثر وعادات العرب ومحاوراتها، ويعتمد في نفس الوقت على الأحداث التي حصلت في أيام الرسول ﷺ ، وما لقي النبيّ من عداء ومنازعات وهجرة وحروب وفتن، وما حدث في أثناء ذلك مما استدعى أحكاما واستوجب نزول القرآن. _________ (١) عن مجاهد: أن النبي ﷺ سأل جبريل: [أيّ الأجلين قضى موسى؟] فقال: [أبرّهما وأوفاهما]. رواه الطبري في جامع البيان: تفسير سورة القصص/الآية ٢٩:الحديث (٢٠٨٧٦).

стр. 48

وإذن فالمراد من التفسير بالرأي هو فهم الجمل بواسطة فهم مدلولاتها التي تدلّ عليها المعلومات الموجودة عند المفسّر من لغة وحادثة. وأما ما اشتهر على الألسنة عن سيدنا عليّ بن أبي طالب ﵁ من قوله: [القرآن حمّال أوجه] (١) فليس المراد منه أن القرآن يحمل أيّ وجه تريد تفسيره منه، بل المراد أنّ اللفظة الواحدة أو الجملة الواحدة تحتمل عدّة أوجه من التفسير، ولكن الأوجه محصورة بالمعاني التي تحتملها اللفظة أو الجملة فقط ولا يخرج عن ذلك. ومن هنا كان التفسير بالرأي عبارة عن فهم للجملة في حدود ما تحتمله ألفاظها من معاني. ولذلك أطلقوا عليه أنه تفسير بالاجتهاد. وقد كان جمهرة المفسّرين من الصحابة يفسرون بالرّأي ويعتمدون بالدرجة الأولى عليه في التفسير، وكانوا يختلفون في التفسير حتى في تفسير الكلمة الواحدة، مما يدلّ على اعتمادهم على فهمهم الخاصّ مثل كثير مما ورد عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وغيرهم. فمثلا يفسّر المفسرون الطّور في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ بتفسيرات مختلفة. فمجاهد يفسّر الطّور بالجبل، وابن عباس يفسر الطور بجبل بعينه، وآخر يقول إن الطور ما انبثّ من الجبال. فأما ما لم ينبث فليس بطور. فهذا الاختلاف في التفسير نتيجة للاختلاف في الرأي، لا نتيجة للاختلاف في المنقول، مع أن اللفظة لغوية، فما بالك حين يكون الرأي لمدلول الجملة لا لمعنى لفظة، ولذلك اختلفوا أيضا في معاني الآيات خلافهم في معاني الألفاظ. والظاهر من تتبّع تفسير الصحابة لا سيما المفسّرين المشهورين، أنّهم في جملتهم يعتمدون على الرأي في التفسير. وأما ما نقل عن بعضهم من التحرّج عن التفسير بالرأي والاقتصار على التفسير بالمنقول، فإنه يحمل على رأي من لم يستكمل أدوات التفسير وهي العلم باللفظة العربية المراد تفسيرها، وبالحوادث _________ (١) عن ابن عبّاس: (القرآن ذو وجوه، فاحملوه على أحسن وجوهه).الفردوس بمأثور الخطاب للديلمي: الرقم (٤٦٧٢).

стр. 49

التي نزلت في شأنها الآيات. ولا يحمل على التحرّج من فهم القرآن لأنه أنزل ليفهمه الناس لا ليقتصروا على حدّ ما نقل من تفسير. وبالرجوع إلى النصوص التي وردت في ذلك يتبيّن منها سبب هذا التحرج. فقد روي عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن شيء من القرآن يقول: أنا لا أقول في القرآن شيئا. فهو ينفي عن نفسه القول بالقرآن، ولا ينفي القول بالقرآن بالرأي. وقال ابن سيرين: سألت أبا عبيدة عن شيء من القرآن فقال: (اتّق الله وعليك بالسّداد، فقد ذهب الّذين يعلمون فيم أنزل القرآن) (١). ومعلوم أن أبا عبيدة من كبار الصحابة وهو يطلب لزوم السداد ومعرفة فيم أنزل القرآن. فهذا التورّع والتحرّج من القول بالقرآن قد بيّن أبو عبيدة سببه بقوله (وعليك بالسّداد فقد ذهب الّذين يعلمون فيم أنزل القرآن) (٢).فإذا وجد من يتحرّى السداد ومن يعلم فيم أنزل القرآن فلا شكّ أنه أهل لأن يقول فيه برأيه واجتهاده؛ لأنه منضبط بأصول علم التفسير وقواعده. وعلى ذلك لا نستطيع أن نقول إن الصحابة كانوا منقسمين إلى قسمين، قسم يتورّع عن أن يقول بالقرآن برأيه، وقسم يقول بالقرآن برأيه. وإنما كانوا يقولون بالقرآن برأيهم. وكانوا يتورّعون أن يقول أحد بالقرآن برأيه عن غير علم متأكّد منه في اللفظة التي تفسّر والجملة التي تبيّن من آيات القرآن، وكان كذلك التابعون. إلا أنه جاء من بعدهم من اطّلعوا على هذه الأقوال وفهموها أنّها تحذير من القول بالقرآن بالرأي فتورّعوا أن يقولوا فيه. وجاء من اطّلعوا على تفسير الصحابة بالرأي فقالوا بالتفسير بالرأي. _________ (١) الموفقات في أصول الشريعة للشاطبي: ج ٣ ص ٣٥٠:لا بد في علم القرآن من معرفة أسباب التّنزيل. أخرجه سعيد بن منصور في سننه: ج ١ ص ١٨٥ الرقم (٤٤).وابن أبي شيبة في المصنف: ج ١٠ ص ٥١١،وأبو عبيد في فضائل القرآن: الرقم (٨٣٠)،وابن جرير في التفسير: الرقم (٩٧):ج ١ ص ٨٦.والبيهقي في شعب الإيمان: الرقم (٢٠٨٥).والتوحيدي في أسباب النزول: ص ٥٠٤.والسيوطي في الإتقان: ج ١ ص ٤١،وبعض أسانيده صحيحة. (٢) مصنف عبد الرزاق: ج ١ ص ٥١١.والطبري: ج ١ ص ٨٩.

стр. 50

ولذلك انقسم العلماء فيما بعد في التفسير إلى قسمين: قسم يتحرّج عن القول بالرأي ويقتصر على المنقول، وقسم يقول فيه بالرأي. أما الصحابة والتابعون فلم يكونوا قسمين بل كانوا يقولون بالقرآن بما يعلمون من رأي ومنقول، ويتحرّجون عما لا يعلمون ويحذّرون من القول في القرآن بالرأي من غير اعتماد على علم. ثالثا-الإسرائيليّات: ذلك أنه دخل في الإسلام بعض اليهود والنصارى، وكان بين هؤلاء علماء في التوراة والإنجيل، وكان اليهود منهم، أكثر ما دخلوا غير صادقين، لأن اليهود أكثر حقدا وبغضا للمسلمين من النّصارى. فتسرّب من هؤلاء العلماء إلى المسلمين كثير من الأخبار الإسرائيلية، دخلت في تفسير القرآن ليستكملوا بها شرح الآيات. ذلك أن شغف العقول وميلها للاستقصاء دعاها عند سماع كثير من آيات القرآن أن تتساءل عما حولها، فإذا سمعوا قصّة كلب أصحاب الكهف قالوا ما كان لونه؟ (١) وإذا سمعوا ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ تساءلوا ما ذلك البعض الذي ضربوا به؟ (٢) وإذا قرءوا ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً﴾ تساءلوا من هذا العبد الصالح الذي لقيه موسى وطلب منه أن يعلّمه؟ (٣) ومن هنا تأتي قصّة الخضر. وهكذا كانت تتوارد عليهم قصص وأخبار فيسألون عنها. وتجدهم يسألون عن الغلام الذي قتله العبد الصالح، وعن السفينة التي خرقها، وعن القرية التي لم تضيّفه. وتساءلوا عن قصّة موسى وشعيب وعن مقدار سفينة نوح إلى غير ذلك. وكان الذي يجيبهم على هذه الأسئلة ويسدّ طمعهم في هذه المعلومات هي _________ (١) وفيها يقول الله : قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً [الكهف ٢٢/].والقليل الذين يعلمون ذلك من مثل ابن مسعود وابن عبّاس ﵃ فهما يقولان: [أنا من القليل].والمسألة لا يبتنى عليها عمل، والانشغال بالأسماء والعدد يصرف المرء عن العبرة في الذكر من القصة. والله أعلم. ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج ١٠ ص ٣٨٤ والدر المنثور للسيوطي: ج ٥ ص ٣٧٥ وما بعدها. (٢) البقرة ٧٣/. (٣) الكهف ٦٥/.

стр. 51

التوراة وما علّق عليها من حواش وشروح، وما أدخل عليها من أساطير، ينقلها إليهم اليهود الذين دخلوا في الإسلام عن حسن نيّة، أو عن سوء نيّة سواء. وكان قد أدخل بعض النصارى ممن أسلموا بعض القصص والأخبار عن الإنجيل، إلا أن ذلك قليل بالنسبة لما أدخله اليهود. وهكذا تضخّم الشيء الكثير من القصص والأخبار تضخّما كبيرا حتى زاد عما روي من التفسير المنقول، وحتى شحنت كثير من كتب التفسير بهذا المقدار الضخم من الإسرائيليّات والقصص والأخبار الأخرى. وكان من أكثر من أدخل هذه الإسرائيليات وأشهرهم كعب الأحبار، ووهب بن منبّه، وعبد الله ابن سلام، وهناك غيرهم كثير، وبهذا صارت هذه الإسرائيليات والقصص والأخبار الأخرى مصدرا من مصادر التفسير عند قسم من المفسّرين. حاجة الأمّة اليوم إلى مفسّرين: علم التفسير باعتبار كونه معرفة من المعارف الشرعية الهامّة هو من أجلّ العلوم الشرعية فهو أحد العلوم الشرعية الثلاثة المعتبرة. ولذلك لا بدّ من العناية به في كلّ عصر وفي كلّ جيل. والأمة اليوم في حاجة إلى مفسّرين، لأنه جدّت أشياء لم تكن، فلا بدّ من معرفتها إذا كانت تندرج تحت كليّات عامّة ذكرت في القرآن، أو يمكن انطباق أحكام جزئية عليها. على أن أسلوب التفاسير القديمة باعتباره جمعا للتفسير، هو نوع من أنواع التّأليف من حيث الشّكل والعرض، وهو كأسلوب المؤلّفات القديمة لا يجد أبناء هذا الجيل رغبة وشغفا بقراءة التّفاسير إلاّ لمن تعوّد على قراءة المؤلّفات القديمة، وقليل ما هم. ولهذا كان لا بدّ من أسلوب يبعث الرّغبة والشّغف في المسلمين فضلا عن غيرهم، لقراءة التّفاسير ككتاب فكريّ عميق الفكر مستنيره. وفوق ذلك فإن ما سار عليه المفسّرون في العصر الذي جاء بعد وجود ترجمة الكتب الفلسفية والتأثّر بها، وفي العصر الهابط الذي جاء بعد الحروب الصليبيّة، قد أدّى إلى وجود تفاسير صرفت جهدا كبيرا نحو العناية بأشياء ليست من التفسير ولا علاقة لآيات القرآن بها، فضلا عما تراكم فيها من الإسرائيليّات، حتى أصبحت عند

стр. 52

المفسّرين مصدرا ثالثا من مصادر التفسير. فكان لا بدّ من تفسير للقرآن يجري على سنن تفسير الصّحابة من حيث الاجتهاد في فهم القرآن والاستعانة بما نقل من تفسير عن الصّحابة. أما ما نقل من تفسير عن الرسول ﷺ فإنه إن صحّ يعدّ جزءا من الحديث، ولا يعدّ تفسيرا، إذ يكون حينئذ نصّا تشريعيا كالقرآن فلا يدخل في عداد التفسير. أما الأسلوب الذي ينبغي أن يسير عليه المفسّر فذلك راجع لإبداعه هو، لأنه شكل من الأشكال، وهو من نوع التأليف يختار كلّ واحد حسب ما يرى من وسيلة لأداء هذا التفسير من حيث الترتيب والتبويب والعرض، ولذلك لا يصحّ أن يبيّن أسلوب التأليف في التفسير. أما طريقة التّفسير فهي التي تحتاج إلى بيان. وقد وجدنا بعد الدراسة والبحث والفكر طريقة للتفسير نعرضها هنا ليجري تفسير القرآن على منهجها (١)،وهي الطريقة التي يقتضيها واقع القرآن. وإنما قلنا طريقة أي أمرا مقرّرا دائميا ولم نقل أسلوبا، لأنّها كطريقة الاجتهاد التي فهمت من واقع النصوص ومن الأدلة التي أرشد إليها القرآن الكريم، وكذلك التفسير سواء بسواء. فهي طريقة من حيث الالتزام بها لا من حيث كونها حكما شرعيا. لأنّها ليست من قبيل الأحكام، أمّا هذه الطّريقة الّتي نرى السّير عليها في تفسير القرآن الكريم فتتلخّص فيما يلي: تفسير القرآن هو بيان معاني مفرداته في تراكيبها، ومعاني تراكيبه من حيث هي تراكيب. وحتى تعرف طريقة تفسيره لا بد أولا: من عرض واقع القرآن أوّلا ودراسته دراسة إجماليّة تبرز حقيقة هذا الواقع، ثم يدرس ما ينطبق عليه هذا الواقع من حيث ألفاظه ومعانيه، ثانيا: ثمّ يفهم ما هو الموضوع الذي جاء به. وبهذه المعرفة للواقع وما ينطبق عليه، ولموضوع البحث الذي جاء به القرآن يتبيّن المرء الطريقة التي تسلك في تفسير القرآن، فيهتدي إلى السبيل القويم الذي يجب أن يجري التفسير على نهجه. _________ (١) اقتبسنا غالب هذه المقدمة من كتاب الشخصية الإسلامية للشيخ الإمام محمّد تقي الدين النبهاني ﵀. مع التصرف حسب مقتضى موضوعنا في التقديم.

стр. 53

أوّلا-عرض واقع القرآن: أمّا واقع القرآن فهو كلام عربي فيجب أن يفهم واقعه باعتباره كلاما عربيا. إذ يجب أن تدرك مفرداته من حيث كونها مفردات عربيّة، وأن تدرك تراكيبه من حيث كونها تراكيب عربيّة تحتوي ألفاظا عربية، وأن يدرك واقع التصرّف في المفردات في تراكيبها، وواقع التصرف في التراكيب بوصفها تراكيب فحسب، من حيث كونه تصرّفا عربيا في مفردات عربية في تراكيب عربية أو تصرّفا عربيا في تراكيب عربية من حيث التركيب جملة. وأن يدرك فوق ذلك الذوق العالي في أدب الخطاب، وأدب الحديث في القرآن من حيث النهج العربي في الذوق العالي في أدب الخطاب وأدب الحديث في كلام العرب. فإذا أدرك ذلك كله، أي إذا أدرك واقع القرآن على هذا الأساس العربي إدراكا تفصيليّا أمكن تفسيره وإلا فلا. لأن القرآن كله يمضي في ألفاظه وعباراته على ألفاظ العرب وعباراتهم ومعهودهم في كلامهم، ولا يخرج عن ذلك قيد شعرة، فلا يمكن تفسيره إلا بهذا الإدراك وعلى هذا الواقع. وما لم يتوفر ذلك فإنه لا يمكن تفسيره تفسيرا حقيقيّا بحال من الأحوال. وعليه فإنه يتوقف تفسير القرآن بوصفه كلاما عربيا ونصّا من النصوص العربية على إدراك واقعه العربي من حيث اللغة: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ (١) ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا﴾ (٢).هذا من حيث واقعه، وما ينطبق عليه الواقع من حيث ألفاظه ومعانيه، أي من حيث اللغة. ثانيا-موضوع القرآن الكريم: أمّا من حيث الموضوع الذي جاء به فإن موضوعه رسالة من الله لبني الإنسان يبلّغها رسول من الله. ففيه كلّ ما يتعلق بالرسالة من العقائد والأحكام والبشارة والإنذار والقصص، للعظة والذكرى، والوصف لمشاهد يوم القيامة والجنّة والنار، للزجر وإثارة الشّوق، والقضايا العقليّة، للإدراك، والأمور الحسية والأمور الغيبية المبنيّة على أصل عقلي، للإيمان والعمل، وغير ذلك مما تقتضيه الرسالة العامة لبني _________ (١) طه ١١٣/. (٢) الرعد ٣٧/.

стр. 54

الإنسان. فالوقوف على هذا الموضوع وقوفا صحيحا لا يمكن أن يكون إلا عن طريق الرسول الذي جاء به، لا سيما وقد بيّن الله تعالى أن القرآن أنزل على الرسول ليبيّنه للناس، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١).وطريق الرسول هي سنّته، أي ما روي عنه رواية صحيحة من أقوال وأفعال وتقارير. ومن هنا كان من المحتّم أن يجري الاطلاع على سنّة الرسول قبل البدء بتفسير القرآن وعند تفسيره، إذ لا يمكن فهم موضوع القرآن إلا بالاطلاع على سنّة الرسول ﷺ . إلاّ أنّ هذا الاطّلاع يجب أن يكون اطّلاع وعي لمتن السّنّة الصّحيحة، أي يجب أن يكون اطّلاع تدبّر لأفكارها باعتبارها مفاهيم، لا اطّلاع حفظ لألفاظها، أي لا يضير المفسّر أن لا يهتمّ بحفظ الألفاظ أو معرفة السّند والرواة ما دام واثقا من صحّة الحديث من مجرّد تخريج الحديث، بل المحتّم عليه إدراك مدلولات الحديث. لأن التفسير متعلّق بمدلولات السّنة لا بألفاظها وسندها ورواتها. وعليه يجب توفر الوعي على السّنة حتى يتأتّى تفسير القرآن. ومن هنا يتبيّن أنه لا بد لتفسير القرآن أوّلا وقبل كل شيء من (دراسة واقع القرآن تفصيليّا، ودراسة ما ينطبق عليه هذا الواقع من حيث الألفاظ والمعاني)،ثمّ ثانيا: إدراك موضوع بحثه. ويجب أن يعلم أنه لا يكفي الإدراك الإجمالي بل لا بد من الإدراك التفصيليّ للكليات والجزئيات ولو بشكل إجمالي. ولأجل تصوّر هذا الإدراك التفصيليّ نعرض لمحة أو إشارة عن كيفية هذا الإدراك التفصيلي لواقع القرآن من حيث مفرداته وتراكيبه وتصرفه في المفردات والتراكيب، ومن حيث الأدب العالي في الخطاب والحديث من الناحية العربية، من حيث لغة العرب ومعهودهم في كلامهم. أما واقع القرآن من حيث مفرداته فإنا نشاهد فيه مفردات ينطبق عليها المعنى اللغويّ حقيقة، والمعنى اللغوي مجازا. وقد يبقى استعمال المعنى اللغويّ والمجازي معا، ويعرف المعنى المراد بالقرينة في كلّ تركيب. وقد يتناسى المعنى اللغوي ويبقى المعنى المجازي، فيصبح هو المقصود، لا المعنى اللغوي. ونشاهد فيه مفردات ينطبق عليها المعنى _________ (١) النحل ٤٤/.

стр. 55

اللغويّ فقط، ولم تستعمل في المعنى المجازي، لعدم وجود أيّ قرينة تصرفها عن المعنى اللغوي. وتوجد فيه مفردات ينطبق عليها المعنى اللغوي وينطبق عليها معنى شرعي جديد غير المعنى اللغوي حقيقة، وغير المعنى اللغوي مجازا وتستعمل في المعنى اللغويّ والمعنى الشرعي في آيات مختلفة، والذي يعيّن أيّ معنى يراد منهما هو تركيب الآية. أو ينطبق عليها المعنى الشرعي فحسب، ولا تستعمل في المعنى اللّغوي. فمثلا كلمة قرية استعملت بمعناها اللغوي فقط، قال تعالى: ﴿حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ (١) ﴿أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ (٢).واستعملت بمعناها المجازي، وقال تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ (٣) والقرية لا تسأل بل المراد أهل القرية، وهذا المعنى مجازيّ. قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها﴾ (٤) والمراد أهل القرية. ومثل قوله تعالى ﴿أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ﴾ (٥).فالغائط هو المكان المنخفض، استعملت في قضاء الحاجة مجازا، لأن الذي كان يقضي الحاجة يذهب إلى مكان منخفض، فغلب استعمال المعنى المجازي وتنوسي المعنى الحقيقي. ومثل قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (٦) وقوله ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ (٧) فإن المراد معناها اللغوي ولم يرد لها معنى آخر. ومثل قوله تعالى: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٨) فإن المراد معناها اللغوي، وهو تطهير الثّياب من النّجاسة، لأن طهّر في اللغة طهارة ضدّ نجس، وطهّر الشيء بالماء غسله، وتطهّر واطّهّر تنزّه عن الأدناس. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ (٩) ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١٠) فالمعنى اللغوي هنا وهو إزالة النّجاسة غيرممكن لأن المؤمن لا ينجس، فلم يبق إلا معنى آخر وهو إزالة الحدث. فاطّهّروا: أزيلوا _________ (١) الكهف ٧٧/. (٢) النساء ٧٥/. (٣) الطلاق ٨/. (٤) يوسف ٨٢/. (٥) النساء ٤٣/،والمائدة ٦/. (٦) المائدة ٤٢/. (٧) الرحمن ٩/. (٨) المدثر ٤/. (٩) المائدة ٦/. (١٠) الواقعة ٧٩/.

стр. 56

الحدث. والمطهّرون: المتنزّهون عن الحدث، لأن إزالة الحدث الأكبر والحدث الأصغر يقال له شرعا طهارة، قال ﵊: [لا يقبل الله صلاة بغير طهور] (١) أي إزالة الحدث. ومثل قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلّى﴾ (٢) فإنّ المراد معناها الشرعيّ. وقوله تعالى: ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٣) المراد المعنى اللغوي وهو الدّعاء. ومثل قوله تعالى: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ (٥).وجميع الآيات التي ذكرت فيها الصلاة لم تستعمل إلا بمعناها الشرعيّ. هذا من حيث المفردات. أما واقع القرآن من حيث التّراكيب فإن اللغة العربية من حيث هي، ألفاظ دالة على معان، وإذا تقصّينا هذه الألفاظ من حيث وجودها في تراكيب، سواء أكانت من حيث معناها الإفرادي في التركيب، أم من حيث معنى التركيب جملة، فإنّها لا تخرج عن نظرتين اثنتين: إحداهما أن ينظر إليها من جهة كونها ألفاظا وعبارات مطلقة دالة على معاني مطلقة، وهي الدلالة الأصلية. والثّاني من جهة كونها ألفاظا وعبارات دالّة على معان خادمة للألفاظ والعبارات المطلقة، وهي الدلالة التابعة. أمّا بالنّسبة للقسم الأوّل وهو كون التراكيب ألفاظا وعبارات مطلقة دالّة على معاني مطلقة، فإن في اللغة من حيث المفردات ألفاظ مشتركة مثل كلمة العين وكلمة القدر وكلمة الرّوح وما شاكل ذلك، وفيها ألفاظ مترادفة مثل كلمة جاء وأتى، وكلمة أسد وقسورة وكلمة ظنّ وزعم، إلى غير ذلك. وفيه ألفاظا مضادة مثل كلمة _________ (١) رواه النسائي في السنن: كتاب الطهارة: باب فرض الوضوء: ج ١ ص ٨٧ - ٨٨.والطبراني في المعجم الكبير: ج ١٨ ص ١٧٢:الرقم (٥٠٩) ورجاله رجال الصحيح. (٢) العلق ٩/-١٠. (٣) الأحزاب ٥٦/. (٤) الجمعة ١٠/. (٥) لقمان ١٧/.

стр. 57

قرء للحيض، والطّهر، وكلمة عزر للإعانة والنصرة؛ وكذلك للوم والتنكيل وما شابه ذلك. ويحتاج فهم المعنى المراد من الكلمة فهم التركيب، ولا يمكن أن يفهم معناها بمجرّد مراجعة قواميس اللغة، بل لا بد من معرفة التركيب الذي وردت فيه هذه الكلمة، لأن التركيب هو الذي يعيّن المعنى المراد منها. وكما نقول ذلك في المفردات بالنسبة للتراكيب نقوله بالنسبة للتراكيب نفسها، فإنّها من حيث هي ألفاظ وعبارات مطلقة دالة على معان مطلقة، وهذه هي دلالتها الأصلية، وما لم ترد قرينة دالة على غير ذلك، فإن معناها المطلق هو المراد، وهذا كثير في القرآن لا يحتاج إلى تمثيل لأنه الأصل. وأمّا بالنّسبة للقسم الثّاني وهو كون التراكيب ألفاظا وعبارات دالّة على معاني خادمة للألفاظ والعبارات المطلقة، فإن كلّ خبر يقال في الجملة يقتضي بيان ما يقصد في الجملة بالنسبة لذلك الخبر. فتوضع الجملة على وضع يؤدّي ذلك القصد بحسب المخبر، والمخبر عنه، ونفس الإخبار، في الحال التي وجد عليها، وفي المساق الذي سيقت به الجملة، وفي نوع الأسلوب من الإيضاح والإخفاء والإيجاز والاطناب وغير ذلك. فإنك تقول في ابتداء الإخبار: قام زيد، إن لم تكن عناية بالمخبر عنه بل بالخبر. فإن كانت العناية بالمخبر عنه قلت: زيد قام. وفي جواب السؤال أو هو منزّل منزلة السؤال قلت: إنّ زيدا قام. وفي جواب المنكر: والله إنّ زيدا قام، وفي إخبار من يتوقع قيام زيد: قد قام زيد، إلى غير ذلك من الأمور التي يجب أن تلاحظ في النصوص العربية. وقد جاء القرآن مستوفيا هاتين النظرتين، فجاءت الألفاظ والعبارات المطلقة الدالّة على معان مطلقة، وجاءت فيه الألفاظ والعبارات المقيّدة الدالة على معان خادمة للمعاني المطلقة، في وجوه متعددة من البلاغة. ومن أروع ما روعي فيه وجود المعاني الخادمة، التي هي الدلالة التابعة، الآيات وأجزاء الآيات التي تتكرّر في القرآن في السّورة الواحدة والسور المختلفة، وكذلك القصص والجمل التي تتكرر في القرآن، وما جاء فيه من تقديم المحمول على الموضوع، ومن التأكيد بأنواع التأكيد أو بنوع واحد حسب مساق الجملة، ومن الاستفهامات الإنكارية وغير ذلك، مما يتضمّن أعلى أنواع الدلالة التابعة. فإنك تجد الآية أو جزء الآية أو الجملة أو القصة، تأتي في مساق على وجه في بعض السور، وتأتي على وجه آخر في سورة أخرى، وتأتي على

стр. 58

وجه ثالث في موضع آخر وهكذا ... ولا تجد تعبيرا حوّل عن وضعه الأصلي كتقديم الخبر على المبتدأ، وكتأكيد الخبر، وكالاكتفاء بذكر البعض عن البعض الآخر مما يذكر عادة، وغير ذلك، إلا وجدت لهذا نكتة بلاغية كانت لإيجاد معنى يخدم المعاني المطلقة التي تتضمّنها الألفاظ والعبارات في الآية. هذا من حيث أسس الكلام في اللغة العربية من حيث هي ألفاظ دالة على معان، ومن حيث أسس الكلام في القرآن من حيث هي ألفاظ دالّة على معان، سواء أكانت من حيث النظرة إلى المفردات في تراكيبها، أو من حيث التراكيب جملة. أمّا من حيث التّصرّف في المفردات وهي في تراكيبها، أو التصرف في التراكيب، فإن القرآن سائر فيها على معهود العرب الذين نزل القرآن بلسانهم. ومع إعجاز القرآن للعرب، فإنه لم يحصل فيه العدول عن العرف المستمر لهم في التصرّف بالقول، وواقعه من هذه الجهة هو عينه واقع معهود العرب في ذلك. وبالرجوع إلى واقع معهود العرب نجد أن العرب لا ترى الألفاظ حتميّة الالتزام حين يكون المقصود المحافظة على معنى التراكيب، وإن كانت تراعيها. وكذلك لا ترى جواز العدول عن الألفاظ بحال من الأحوال بل تلتزمها حين يكون المقصود أداء المعاني التي تقتضي الدقّة في أدائها التزام اللفظ الذي يكون أداؤها به أكمل وأدقّ، فليس أحد الأمرين عندهم بملتزم، بل قد تبنى المعاني على التركيب وحده مع عدم الالتزام بالألفاظ، وقد تبنى المعاني على الألفاظ. في التركيب. فمن شأن العرب الاستغناء ببعض الألفاظ عما يرادفها أو يقاربها إذا كان المعنى المقصود على استقامته، فقد حكى ابن جني عن عيسى بن عمر قال: سمعت ذا الرّمّة ينشد: وظاهر لها من يابس الشخت واستعن ... عليها الصبا واجعل يديك لها سترا (١) _________ (١) الخصائص لابن جني: باب في إيراد المعنى المراد بغير اللفظ المعتاد: ج ٢ ص ٤٦٧.

стр. 59

فقلت: أنشدتني (من بائس) فقال يابس وبائس واحد. وعن أحمد بن يحيى قال: أنشدني ابن الأعرابي، قال: وموضع زبن لا أريد مبيته ... كأنّي به من شدّة الرّوع آنس فقال له شيخ من أصحابه: ليس هكذا أنشدتنا، وإنما أنشدتنا: وموضع ضيق. فقال: سبحان الله؛ تصحبنا منذ كذا وكذا ولا تعلم أن الزبن والضيق واحد (١). وقد حصل ذلك في القرآن في الاستغناء ببعض الألفاظ عما يرادفها أو يقاربها مثل القراءات في القرآن ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ «ملك يوم الدّين» (٢) ﴿وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ﴾ «وما يخادعون إلاّ أنفسهم» (٣) ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً﴾ «لنثوينّهم من الجنّة غرفا» (٤) وغير ذلك من الآيات بحسب القراءات. ومن شأن العرب الالتزام بالألفاظ بعينها حين يكون هنالك قصد من التعبير بها. فإنه يروى أن أحد الرواة حين أنشد: لعمرك ما دهري بتأبين مالك ... ولا جزع ممّا أصاب فأوجعا فوضع كلمة هالك بدل مالك فقال (لعمرك ما دهري بتأبين هالك) غضب وقال: الرواية مالك وليس بهالك والمرثيّ هو مالك لا مطلق شخص هالك. _________ (١) الخصائص: ج ٢ ص ٤٦٧. (٢) الفاتحة ١/.القراءتان مرويتان عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وأم سلمة ذكرها الترمذي في الجامع الصحيح. أما قراءة ملك يوم الدّين فعن أم سلمة، وقال الترمذي هذا حديث غريب وليس بمتصل: الحديث (٢٩٢٧).أما قراءة مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ: الحديث (٢٩٢٨) عن أنس. ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج ١ ص ١٤٠. (٣) البقرة ٩/. قرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر يَخْدَعُونَ وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو يُخادِعُونَ. الجامع لأحكام القرآن: ج ١ ص ١٩٦. (٤) العنكبوت ٥٨/. في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج ١٣ ص ٣٥٩؛ قال القرطبي: وقرأ ابن مسعود والأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي لنثوينّهم بالثاء مكان الباء من الثوى وهو الإقامة؛ أي لنعطينهم غرفا يثوون فيها.

стр. 60

والقرآن الكريم وردت فيه ألفاظ ملتزمة لا يمكن أن يؤدّى المعنى بدونها، فقوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ (١) فإن كلمة ضيزى هنا لا يمكن أن تؤدّي معناها أيّة كلمة مرادفة أو مقاربة، لا قسمة ظالمة، ولا جائرة، ولا غير ذلك مما هو في معناها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (٢) فإن كلمة الحمير لا يمكن أداء المعنى بغيرها، ومن أجل ذلك روعي لفظها في التركيب محافظة على المعنى. هذا من حيث المحافظة على التعبير بنفس اللفظ أو عدم المحافظة. أما من حيث المحافظة على المعنى الإفرادي بتبيانه أو عدم المحافظة، فإن من معهود العرب أن يكون الاعتناء بالمعاني المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم، بناء على أن العرب إنما كانت عنايتها بالمعاني، وإنما اصطلحت الألفاظ من أجلها. إلا أنه إذا كان مقصود الجملة المعنى الإفرادي فيجب أن توجّه العناية إلى معنى المفردات مع معاني الجملة، وإذا كان مقصود الجملة المعنى التركيبي، فإنه يكتفى بالمعنى الإفرادي لئلا يفسد على القارئ فهم المعنى التركيبي للجملة. وقد جاء القرآن الكريم على هذا المعهود، وسار عليه في مختلف الآيات. ولذلك قال عمر بن الخطاب حين سئل عن معنى قوله تعالى: ﴿وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ نهينا عن التّكلّف والتّعمّق، عن أنس قال: كنا عند عمر فقال: [نهينا عن التّكلّف] (٣)،أي في المعنى الإفرادي في مثل هذه الجملة المراد منها المعنى التركيبي. إلا أنه إذا كان المعنى الإفرادي يتوقف عليه المعنى التركيبي فيجب بذل العناية للمعنى الإفرادي. ولهذا نجد عمر بن الخطاب نفسه سأل وهو على المنبر عن المعنى الإفرادي لكلمة التخوّف حين قرأ ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾ فقال له رجل من هذيل التخوّف عندنا التنقّص وأنشده: تخوّف الرّحل منها تامكا قردا ... كما تخوّف عود النّبعة السّفن _________ (١) النجم ٢٢/. (٢) لقمان ١٩/. (٣) عبس ٣١/،أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: الحديث (٧٢٩٣).

стр. 61

(والسّفن: الحديدة التي يبرد بها خشب القوس، والقرد: الكثير القردان، والتّامك: العظيم السّنام: أي أن الرحل تنقص الناقة وتبرد ظهرها كما تنقص الحديدة خشب القسي). وحين أنشد الهذيلي بيت الشعر وفسّر لعمر التخوّف قال عمر (أيّها النّاس تمسّكوا بديوان شعركم في جاهليّتكم فإنّ فيه تفسير كتابكم) (١). وفوق ذلك فإن القرآن يراعي عند الكلام تعبيرات يقصد منها مراعاة الأدب العالي، فإنه أتى بالنداء من الله تعالى للعباد، ومن العباد لله تعالى، إما حكاية وإما تعليما. فحين أتى بالنداء من قبل الله للعباد جاء بحرف النداء المقتضي للبعد ثابتا غير محذوف ليشعر العبد ببعده كقوله تعالى: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ﴾ (٢) ﴿*قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ (٣) ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ (٤) ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٥). هذا بالنسبة لنداء الله للعباد. أما بالنسبة لنداء العباد لله فقد أتى بالنداء مجرّدا من الياء كقوله تعالى: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ (٦) ﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ﴾ (٧) ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا﴾ (٨) ﴿قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ (٩) فهذه كلّها مجردة من الياء المشعرة بالبعد ليشعر العبد أن الله قريب منه ولأن الياء تفيد التنبيه فالعبد في حاجة _________ (١) النحل ٤٧/؛ ينظر: الجامع لأحكام القرآن: ج ١٠ ص ١١٠ - ١١١ وجامع البيان في تفسير القرآن: ج ٨ ص ١٥٠:النص (١٦٣٣٠ و ١٦٣٣١).التامك (تمك) السنام يتمك ويتمك تمكا وتموكا؛ أي طال وارتفع. والقرد: المتراكم بعضه فوق بعض من السمن. والنبعة: شجرة من أشجار الجبال يتخذ منها القسيّ. والسّفن كما قال: ما ينجر به من الخشب. وللشاهد من الشعر ألفاظ مكان (الرّحل) عند القرطبي (الرّجل) وعند الطبري (السّير). (٢) العنكبوت ٥٦/. (٣) الزمر ٥٣/. (٤) الأعراف ١٥٨/. (٥) النساء ٢٩/ وفي غيرها كثير. (٦) البقرة ٢٨٦/. (٧) آل عمران ١٩٣/. (٨) آل عمران ٨/. (٩) المائدة ١١٤/.

стр. 62

بالبعد ليشعر العبد أن الله قريب منه ولأن الياء تفيد التنبيه فالعبد في حاجة للتنبيه عند النداء، والله تعالى ليس كذلك. وأيضا فإن مراعاته التعبيرات التي يقصد منها مراعاة الأدب العالي قد سار فيها القرآن بالإتيان بالكناية عن التصريح في الأمور التي يستحى من ذكره والتصريح به، كما كنّى عن الجماع باللّباس والمباشرة قال تعالى ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ (١) ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ﴾ (١) وكنّى عن قضاء الحاجة بقوله ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ (٢). ومن ذلك أيضا قد أتى القرآن بالالتفات الذي ينبئ في القرآن عن أدب الإقبال من الغيبة إلى الحضور بالنسبة إلى العبد إذا كان مقتضى الحال يستدعيه كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣) ثم عدل عن الغيبة إلى الخطاب فقال: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وكقوله تعالى ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ (٤) فعدل عن الخطاب إلى الغيبة وقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى﴾ (٥) فجرى العتاب على حال تقتضيه الغيبة مع أن الآية نزلت عليه وهو المخاطب بها، ثم توجّه الخطاب له فقال تعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ (٦). فهذا العدول من الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى الخطاب إنما هو لمراعاة الأدب العالي، لما في الخطاب بعد الغيبة من تقوية للمعنى الثاني، أو تخفيف للمعنى الأول على النفس حين إلقائها إليه. ألا ترى في الشّكر لله والثناء عليه، كان الأدب يقتضي الغيبة، وحين العبادة وإظهار الضّعف كان الخطاب أليق بأدب الخطاب؟ ولعل العتاب أخفّ على المعاتب بلفظ الغيبة والاستفهام أليق به أن يكون من مخاطب. _________ (١) البقرة ١٨٧/. (٢) المائدة ٧٥/. (٣) الفاتحة ١/-٣. (٤) يونس ٢٢/. (٥) عبس ١/-٢. (٦) عبس ٣/.

стр. 63

ومن ذلك أيضا ما علّمنا الله تعالى في ترك التنصيص على نسبة الشرّ إلى الله تعالى وإن كان هو الخالق لكل شيء كما قال تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ (١) واكتفى بذلك واستغنى بها عن ذكر الشرّ فلم يقل (وبيدك الشر)،وذلك بعد قوله: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. مع أن السياق أن يقول وبيدك الشرّ. لأن ما نصّ على فعل الله له خير وشرّ باعتبار إطلاق الإنسان، فإتيان الملك وعزّة الشخص هي خير بالنسبة للإنسان، ونزع الملك وذلّة الشخص هي شرّ بالنسبة للإنسان، وقد نسبها الله لنفسه بأنه هو الذي فعلها، وقال في ختام الآية ﴿إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهو أيضا يشمل الشرّ كما يشمل الخير. ومع ذلك قال بيدك الخير واكتفى بذلك عن ذكر الشر ولم يقل وبيدك الشر، تعليما لنا بأن نتأدّب بأدب الخطاب. وهذا كله، وهو التعبير بتعبيرات يقصد منها مراعاة الأدب العالي، هو من معهود العرب في كلامهم، ورد في الشعر وفي الخطب. وهكذا يمضي القرآن في ألفاظه وعباراته على ألفاظ العرب وعباراتهم ومعهودهم في كلامهم لا يخرج عن ذلك شعرة، ويحيط بكل ما هو في أعلى مرتبة من بليغ القول مما ساروا عليه. فواقعه أنه عربي محض، لا مدخل للألسن الأعجمية به، فكان حتما على من أراد تفهّم القرآن أن يأتيه من جهة اللسان العربي، ولا سبيل إلى تطلّب فهمه من غير هذه الجهة. ولذلك كان من المحتّم أن يفسّر القرآن من حيث ألفاظه وعباراته، ومن حيث مدلولات هذه الألفاظ والعبارات، مفردات وتراكيب، في اللغة العربية فحسب. فما ترشد إليه اللغة العربية وما يقتضيه معهودها يفسّر به القرآن، ولا يجوز أن يفسّر من هذه الناحية إلا حسب ما تقتضيه اللغة العربية ليس غير. وطريق ذلك النقل الموثوق به من طريق الرواية التي يرويها الثقة الضابط لما يقول عن فصحاء العرب الخالصة عربيّتهم. _________ (١) آل عمران ٢٦/.

стр. 64

وعلى هذا فتفسير المفردات والتراكيب ألفاظا وعبارات محصور في اللغة العربية وحدها وممنوع أن يفسّر بغيرها مطلقا. هذا ما يقتضيه واقعه من هذه الجهة. أما واقعه من حيث المعاني الشرعيّة كالصلاة والصيام، والأحكام الشرعية كتحريم الرّبا، وحلّ البيع، والأفكار التي لها واقع شرعي كالملائكة والشياطين، فإن الثابت أن القرآن جاء في كثير من آياته مجملا، وجاء الرسول وفصّله، وعامّا وجاء الرسول وخصّصه. ومطلقا وجاء الرسول وقيّده. وبيّن الله فيه أن الرسول هو الذي يبيّنه، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) فالقرآن من هذه الجهة يحتاج فهمه إلى الاطّلاع على ما بيّنه الرسول من معاني مفردات القرآن وتراكيبه، سواء أكان هذا البيان تخصيصا، أو تقييدا أو تفصيلا، أو غير ذلك. ولهذا كان لا بدّ لفهم القرآن من الاطلاع على السّنة المتعلقة بالقرآن، أي على السّنّة مطلقا، لأنّها بيان للقرآن، حتى يعرف من هذه السّنة ما في القرآن من معان وأحكام وأفكار. ولهذا كان الاقتصار على فهم القرآن من حيث هو فهما كاملا لا يكفي فيه الاقتصار على اللغة العربية، بل لا بد أن يكون مع معرفة اللغة العربية معرفة السّنة، وإن كانت اللغة العربية وحدها هي التي يرجع إليها لفهم مدلولات المفردات والتراكيب، من حيث ألفاظها وعباراتها. ولكن لفهم القرآن كله لا بد من جعل السّنة واللغة العربية أمرين حتميّين، وحتميّ أن يسيرا معا لفهم القرآن، وأن يتوفرا لمن يريد أن يفسّر القرآن. وأن يجعلا الواسطة لفهمه وتفسيره. أما القصص الواردة فيه عن الأنبياء والرّسل والحوادث التي قصّها عن الأمم الغابرة، فإنه إن ورد فيها حديث صحيح أخذ، وإلا فيقتصر عند ما ورد عنها في القرآن في مجموع الآيات، ولا يصحّ أن تعرف عن غير هاتين الطريقين. لأنّها من ناحية المفردات والتراكيب لا سبيل إلى التوراة والإنجيل لفهم المفردات والتراكيب التي روت القصص، ولا علاقة للتوراة والإنجيل في فهم هذه المفردات والتراكيب. _________ (١) النحل ٤٤/.

стр. 65

وأما من ناحية المعاني فإن الذي يبيّنها هو الرسول بصريح القرآن، وليس التوراة والإنجيل. ولذلك لا سبيل إلى التوراة والإنجيل في فهم معاني القرآن، لأن الله أمرنا بالرجوع إلى الرسول، وبيّن لنا أن الرسول بيّن القرآن، ولم يأمرنا بالرجوع إلى التوراة والإنجيل. فلا يجوز أن نرجع إلى التوراة والإنجيل لفهم قصص القرآن وأخبار الأمم الماضية. وكذلك لا سبيل إلى غير التوراة والإنجيل من كتب التاريخ وغيرها، لأن الموضوع ليس شرح قصّة يقال إن هذا مصدر أوسع على فرض صدقه، وإنما الموضوع هو شرح نصوص معيّنة نعتقد أنّها كلام رب العالمين. فيجب الوقوف عند مدلولات هذه النصوص من حيث اللغة التي جاءت بها وما تقتضيه هذه اللغة، ومن حيث الاصطلاح الشرعي من صاحب الاصطلاح، وهو الرسول الذي قال الله إنّ القرآن أنزل عليه ليبيّنه هو للناس. ومن هنا يجب أن ينفى من التفسير كلّ قول جاء من التوراة أو الإنجيل أو كتب التاريخ وغيرها. ويكون من الافتراء على الله أن نزعم أن هذه هي معاني كلام الله ولا توجد شبهة دليل أن لها علاقة بمعاني كلام رب العالمين. وأما ما يزعمه الكثير من الناس قديما وحديثا من أنّ القرآن يحوي العلوم والصناعات والاختراعات وأمثالها، فيضيفون إلى القرآن كلّ علم يذكر للمتقدمين والمتأخرين، من علوم الطبيعيات والكيمياء، والمنطق، وغير ذلك، فإنه لا أصل له، وواقع القرآن يكذّبهم. فإن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا. وكلّ آياته إنما هي أفكار للدلالة على عظمة الله، وأحكام لمعالجة أعمال العباد. وأما ما حدث من العلوم فإنه لم ترد فيه لا آية، ولا جزء آية، فضلا عن آيات فيها أدنى دلالة على أيّ علم من العلوم. وما ورد فيه مما يمكن أن يطبق على نظريات أو حقائق علمية، كآية: ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً﴾ (١) الآية فإنما جاء للدلالة على قدرة الله، لا لإثبات النواحي العلمية. وأما قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢) فالمراد منه لكلّ شيء من التكاليف والتعبّد _________ (١) الروم ٤٨/. (٢) النحل ٨٩/.

стр. 66

وما يتعلق بذلك، بدليل نصّ الآية. فإنّها متعلقة في موضوع التكاليف التي بلّغها الرّسل للناس ونص الآية هو ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ فكون الله جاء بالرسول شهيدا على أمّته معناها شهيدا عليها بما بلّغها، وكونه نزّل القرآن ليبيّن كلّ شيء، ويكون هدى ويكون رحمة ويكون بشرى للمسلمين، يحتّم أن الشيء ليس علم الطبيعة ولا المنطق ولا الجغرافيا ولا غير ذلك، بل هو شيء يتعلّق بالرسالة، فهو أي الكتاب تبيان للأحكام والتعبّد والعقائد، وهدى يهدي الناس، ورحمة لهم ينقذهم من الضّلال، وبشرى للمسلمين بالجنة ورضوان الله، ولا علاقة لغير الدّين وتكاليفه بشيء من ذلك. فتعيّن أن يكون معنى تبيانا لكل شيء: أي من أمور الإسلام. وأما قوله تعالى: ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) فالمراد بالكتاب اللّوح المحفوظ وهو كناية عن علم الله تعالى. وكلمة كتاب من الألفاظ المشتركة يفسّرها التركيب الذي وردت فيه. فحين يقول الله: ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٢) يراد منها القرآن. وحين يقول: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ﴾ (٣) أي ما الكتابة. ولكن حين يقول: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ (٤) ويقول: ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ (٥) ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ﴾ (٦) ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾ (٧) ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٨) ﴿كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٩) ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ (١٠) فالمراد منها جميعا علم الله. فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (١١) أي اللّوح المحفوظ كناية عن علمه، وقوله: ﴿فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ (١٢) أي اللوح المحفوظ كناية عن علمه، وقوله: ﴿فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ (١٣) أي اللوح المحفوظ كناية عن علمه، وقوله: ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) جاءت صريحة بأنّها علم الله، إذ الآية _________ (١) الأنعام ٣٨/. (٢) البقرة ٢/. (٣) الشورى ٥٢/. (٤) الرعد ٣٩/. (٥) الإسراء ٥٨/. (٦) الأنعام ٣٨/. (٧) الأنفال ٦٨/. (٨) الأنعام ٥٩/ ويونس ٦١/ والنمل ٧٥/. (٩) هود ٦/. (١٠) فاطر ١١/. (١١) الرعد ٤٣/. (١٢) الإسراء ٨٥/. (١٣) الإسراء ٥٨/.

стр. 67

﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) جاءت صريحة بأنّها علم الله، إذ الآية كلها تقول: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ على غرار قوله: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ (٢) بدليل الآية الثانية التي جاءت في نفس السورة-بسورة الأنعام-وهي ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ فقد جاءت الآية ﴿*وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٣). فهذا كلّه يدل على أنه ليس المراد في هذه الآية من كلمة الكتاب القرآن، بل المراد اللوح المحفوظ وهو كناية عن علم الله. وإذن لا دلالة في الآية على أنّ القرآن يحوي العلوم وأمثالها. فيكون القرآن خاليا من بحث العلوم، لأن مفرداته وتراكيبه لا تدلّ عليها، ولأن الرسول لم يبيّنها، فلا علاقة لها به. هذا هو واقع القرآن، وهو يدلّ دلالة صريحة واضحة أنه نصوص عربية جاء بها رسول من عند الله، لا تفسّر بغير اللغة العربية وسنّة رسول الله. ولما كان الصحابة أقرب الناس جميعا إلى الصواب في تفسير القرآن لعلوّ كعبهم في اللغة العربية، ولملازمتهم للذي أنزل عليه القرآن، كانوا فيما اتّفقوا على سلوكه، من جعل العربية كالشعر الجاهليّ، والخطب الجاهلية وغيرها الأداة الوحيدة لفهم مفردات القرآن وتراكيبه، ومن وقوفهم عند حدّ ما ورد عن الرسول، ومن إطلاق عقلهم في فهم القرآن على ضوء هاتين الأداتين، خير طريقة تسلك لفهم القرآن. ولذلك فإنا نرى أن طريقة تفسير القرآن أن تتخذ اللغة العربية ومعهود العرب في الخطاب، والسّنة النبوية، الأداة الوحيدة لفهم القرآن وتفسيره من حيث مفرداته وتراكيبه، ومن حيث المعاني الشرعية، والأحكام الشرعية، والأفكار التي لها واقع شرعي، وأن يطلق للعقل أن يفهم النصوص بقدر ما يدلّ عليه كلام العرب ومعهود تصرفهم في القول، وما تدلّ عليه الألفاظ من المعاني الشرعية الواردة بنصّ شرعي من قرآن أو سنّة، غير مقيّدة بما فهم الأوّلون السابقون، لا العلماء، ولا التابعون، حتى _________ (١) الأنعام ٣٨/. (٢) الكهف ٤٩/. (٣) الأنعام ٥٩/.

стр. 68

ولا الصحابة، فإنّها كلّها اجتهادات قد تخطئ وتصيب، وربما أرشد العقل إلى فهم آية برز واقعها للمفسّر من خلال كثرة مطالعاته للعربية والشريعة، أو برز من خلال تجدّد الأشياء، وتقدّم الأشكال المدنيّة، والوقائع، والحوادث، فبإطلاق العقل في الإبداع، بالفهم لا بالوضع، يحصل الإبداع في التفسير في حدود ما تقتضيه كلمة تفسير، مع الحماية من ضلال الوضع لمعان لا تمتّ إلى النصّ المفسر بصلة من الصّلات. وهذا الانطلاق في الفهم وإطلاق العنان للعقل بأقصى ما يفهمه من النصّ دون التقيّد بفهم أيّ إنسان ما عدا من أنزل عليه القرآن، يحتّم أن ينفي الإسرائيليّات كلها مقتصرا في القصص على ما ورد به القرآن عنها، وأن ينفي ما يزعمون من علوم تضمّنها القرآن، واقفا عند حدّ ما تعنيه تراكيب القرآن من الآيات الباحثة في الكون، وما قصد منها من بيان عظمة الله. هذه هي طريقة تفسير القرآن التي يجب أن يلتزمها المفسّر، وأن يقوم بأعبائها من يريد تفسير القرآن.

стр. 69

مقدمة التحقيق لمخطوط التّفسير الكبير تفسير القرآن العظيم للإمام الحافظ العلاّمة أبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيّوب الطّبرانيّ (٢٦٠ - ٣٦٠) من الهجرة

стр. 70

ترجمة المصنّف اسم المصنّف ومولده ونسبه: الإمام، العلاّمة، الحافظ الثّبت، العلم الكبير، مسند العصر، أبو القاسم سليمان ابن أحمد بن أيّوب بن مطير اللّخميّ، الشّامي، الطبرانيّ، صاحب المعاجم الثلاثة، العالم المعمّر، صاحب التصانيف العديدة. ولد أبو القاسم الطبراني بمدينة عكّا في شهر صفر سنة (٢٦٠) من الهجرة، وكانت أمّة عكّاوية، والراجح أنه ولد بطبريّة، وإليها نسبته. ولعل من أرّخ لمولده بعكا باعتبار أنّ أمّه عكاوية؛ ولا يضرّ الاختلاف في مكان مولده، فقد اتفق الغالب على أنه ولد بطبرية. شيوخه وتلاميذه: كان والد الإمام الطبراني صاحب حديث، حرص على إعداد ولده سليمان في طلب العلم، فرحل به منذ حداثة سنّه بعد أن أخذ عن علماء طبريّة وسمع منهم، قال ابن الدمياطيّ: (سمع بالشام ومصر والحجاز واليمن والعراق فأكثر، وسكن أصبهان إلى حين وفاته. سمع بدمشق أبا زرعة عبد الرحمن بن عمرو، وأحمد بن المعلّى، وأحمد ابن أنس بن مالك. وببيت المقدس أحمد بن مسعود الخياط، وبمصر يحيى بن أيوب العلاّف، وأحمد بن رشدين، وأحمد بن إسحاق بن نبيط بن شريط الأشجعيّ. وببرقة أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي. وباليمن اسحاق بن إبراهيم الدّبري، والحسن ابن عبد الأعلى البوسي. وبالعراق أبا مسلم الكجي، وأبا خليفة الجمحيّ، والحسن ابن سهل المحوز. وببغداد بشر بن موسى الأزدي في آخرين؛ وحدّث كثيرا) (١). _________ (١) المستفاد من ذيل تاريخ بغداد للحافظ ابن النجار البغدادي، انتقاء الحافظ أحمد بن أيبك المعروف بابن الدمياطي: ج ٢١ ص ٩١.

стр. 71

ولقد حدّث الطبراني عن أكثر من ألف شيخ، سمع منهم وروى عنهم، منفردا أو مع آخرين، هذا فضلا عن مشائخه الذين درس عليهم وعرف بهم. ولا غرابة في ذلك لبدئه في طلب العلم وعمره ثلاث عشرة سنة؛ ثم لطول عمر حيث عاش أكثر من مائة سنة، فعمر مبارك بدأه بطلب العلم من السّنة، وختمه بتفسير القرآن الكريم على ما يترجّح عندنا، حيث النضوج في التعامل مع النص، والخبرة المستفادة، وسعة الاطلاع. قال ابن الدمياطي: (قال أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الرحمن: سليمان بن أحمد الطبرانيّ أشهر من أن يدلّ على فضله وعلمه، حدّث بأصبهان ستين سنة. فسمع منه الآباء ثم الأبناء ثم الأسباط حتى لحقوا بالأجداد؛ وكان واسع العلم، كثير التصانيف. وقيل: ذهبت عيناه في آخر أيامه، فكان يقول: الزنادقة سحروني) (١). وسمع منه خلق كثير، وحدّث عنه بعض شيوخه، منهم أبو خليفة وهو الفضل ابن الحبّاب الجمحي، قال الذهبيّ: (مسند عصره بالبصرة، وكان ثقة عالما. مات سنة (٣٠٥) من الهجرة) (٢).ومنهم أيضا ابن عقدة وهو أبو العبّاس أحمد بن محمد بن سعيد الكوفيّ، حافظ العصر، والمحدّث البحر. كما حدّث عنه من تلامذته الكثير، منهم الحافظ أبو بكر بن مردويه، وأبو نعيم الحافظ الكبير، صاحب الحلية، وأبو الفضل أحمد بن محمد الجارودي، وأبو الحسين بن فادشاه المعتزليّ. وأبو بكر محمد بن عبد الله الأصبهاني التاجر بن ريذة مسند أصبهان، وهو راوية أبي القاسم الطبراني، وآخر من روى عنه وأخذ الإجازة منه، قال يحيى بن منده: (ثقة أمين، كان أحد وجوه الناس، مكرما لأهل العلم، حسن الخط، يعرف طرفا من النحو واللغة، توفي في شهر رمضان (٤٤٠) من الهجرة). _________ (١) الذيل: ج ١١ ص ٩١. (٢) ميزان الاعتدال: ج ٣ ص ٣٥٠.وتذكرة الحفاظ: ج ٢ ص ٦٧٠.

стр. 72

سعة علم المصنّف وأقوال العلماء فيه: قال الذهبي: (الطبرانيّ مسند الدّنيا) وقال السيوطي: (مسند الدنيا وأحد فرسان هذا الشأن).وقال ابن عساكر: (أحد الحفّاظ المكثرين والرحّالين).وقال ابن عبد الهادي الحنبليّ: (الإمام العلاّمة الحافظ الكبير الثّبت، مسند الدنيا ... من فرسان هذا الشأن مع الصّدق والأمانة).وقال ابن منده: (أحد الحفّاظ المذكورين). وقال الحافظ أحمد بن منصور الشيرازي: (وكتبت عن الطبراني في ثلاثمائة ألف حديث، وهو ثقة، إلا أنه كتب عن شيخ وكان له أخ فسماه باسمه غلطا).وأجاب عليه الحافظ ابن حجر قال: (ذلك أنه وهم وحدّث بالمغازي عن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، وإنما أراد عبد الرحيم أخاه، فتوهّم أنّ شيخه عبد الرحيم اسمه أحمد، واستمرّ على هذا يروي عنه ويسميه أحمد. وقد مات أحمد قبل دخول الطبراني مصر بعشر سنين أو أكثر) (١). قال الذهبيّ: (وكان ثقة صدوقا، واسع الحفظ، بصيرا بالعلل والرجال والأبواب، كثير التصانيف).وقال ابن العميد: (ما كنت أظنّ أن في الدنيا حلاوة ألدّ من الرئاسة، والوزارة التي أنا فيها. حتى شهدت مذاكرة سليمان ابن أحمد الطبراني وأبي بكر الجعابيّ بحضرتي، فكان الطبرانيّ يغلب الجعابيّ بكثرة حفظه، وكان الجعابيّ يغلب الطبرانيّ بفطنته وذكاء أهل بغداد حتى ارتفعت أصواتهما ولا يكاد أحدهما يغلب صاحبه، فقال الجعابيّ: عندي حديث ليس في الدنيا إلاّ عندي، فقال الطبرانيّ: هاته. فقال: حدّثنا أبو خليفة حدثنا سليمان بن أيّوب، وحدّث بالحديث. فقال الطبرانيّ: أنا سليمان بن أيوب، ومتى سمع أبو خليفة فاسمع منّي حتى يعلو إسنادك، فإنك تروي عن أبي خليفة عني. فخجل الجعابي وغلبه الطبراني. قال ابن العميد: فوددت في مكاني أن الوزارة والرئاسة ليتها لم تكن لي، وكنت الطبرانيّ، وفرحت مثل الفرح الذي فرحه الطبراني لأجل الحديث) (٢). _________ (١) لسان الميزان: ج ٣ ص ٧٣. (٢) المعجم الكبير: ج ٢٥ ص ٣١٢.تحقيق حمدي السّلفي.

стр. 73

ومن خصائص الطبرانيّ ﵀ وفضائله: ترك الكبر في طلب العلم مع جلال قدره، ووفور علمه، وتوقير مشائخه له، وبتبجيلهم إياه واحترامهم له في كلّ المحافل والمجالس (١). وفاته: توفّي الإمام الطبراني ﵀ لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة، وله مائة سنة وعشرة أشهر، فهو من المعمّرين، دفن إلى جنب قبر الصحابيّ الشهيد حممة ابن أبي حممة الدوسي بباب المدينة من أصبهان، وحضر الحافظ أبو نعيم الأصبهاني الصلاة عليه (٢). مؤلفاته: للطبرانيّ أكثر من مائة كتاب في الحديث والتفسير، وأشهرها المعاجم الثلاثة، ودلائل النبوة، وحديث الشاميّين، والدعاء، وقد ذكرها المحقق السّلفي في نهاية كتابه المعجم الكبير: (ومنها تفسير القرآن العظيم) (٣). وقال السيوطي: (وأشياء كثيرة جدا-أي من مؤلفاته-وقد ذكر ابن منده أشياء أخرى).وقال الذهبي: (وأشياء لم نقف عليها). فرحم الله إمامنا الطبرانيّ. _________ (١) قاله يحيى بن عبد الوهاب بن منده في مناقب الإمام الطبراني في ذيل المعجم الكبير: ج ٢٥ ص ٣١٢. (٢) أخبار أصبهان: ج ١ ص ٧١. (٣) ينظر: المعجم الكبير: ج ٢٥ ص ٣٢٥،التسلسل (١٢).

стр. 74

مقدّمة التّحقيق توصيف المخطوط ونسبته إلى مؤلّفه: اتفق كلّ من ترجم للإمام الطبرانيّ أنّ له كتابا في التفسير (١).ووجد هذا الكتاب مخطوطا في المكتبة الوطنية والجامعيّة في (ستراسبورغ) في فرنسا، تحت الرقم (٤١٧٤).وعلى صفحته الأولى كتب الناسخ: (هذا كتاب تفسير فريد دهره وحكيم عصره شيخ الإسلام الإمام الهمام الشيخ الطبرانيّ الكبير عن تفسير القرآن العظيم). تتألف المخطوطة من (٥٣٠) ورقة موزعة على (١٠٦٠) صفحة بحجم (٣١* ٥،٢١) سم. ومتوسط عدد السطور (٣٥) سطرا. كتبها الناسخ بخطّ قريب من خط النّسخ. ورسم آيات القرآن باللون الأحمر، وسائر التفسير باللون الأسود، وأرّخ لانتهاء عمله أنه فرغ منه يوم الثلاثاء قبيل العصر بافتتاح شهر رجب الفرد سنة (٩٦٤) من الهجرة. ولم يكتب اسمه، وإنما أشار إلى أنه نسخ لقاضي القضاة، ويحتمل أنه عبد الصّمد، هكذا ورد اسمه في هامش المخطوط في صفحات متفرقة. واستثنى الناسخ الورقة الأولى من التسلسل المذكور، حيث جعلها فهرسا لمحتويات التفسير، يذكر اسم السّورة ومبتدأها في الصفحة رقما مذكورا، فمثلا: جعل (سورة الفاتحة ١/) أي في الورقة (١) و (سورة البقرة ٣/) أي في الورقة (٣) وهكذا ضبط تسلسل السّور بأرقام الورقات، لا بأرقام الصفحات. قسّم الكتاب على أربعة أجزاء، يبدأ الجزء الأول بسورة الفاتحة، وينتهي بآخر تفسير سورة المائدة الورقة (١٦٨)،ليبدأ الجزء الثاني الورقة (١٦٩) وكتب في أوّله: (هذا الجزء الثاني من تفسير القرآن العظيم إلى فريد دهره ووحيد عصره شيخ الإسلام الشيخ الطبرانيّ الكبير). _________ (١) انظر: معجم مصنفات الحنابلة: ج ١،ص ٣٥٦،تأليف أ. د. عبد الله الطريقي الطبعة الأولى.

стр. 75

وينتهي الجزء الثاني بآخر تفسير سورة الإسراء الورقة (٢٩١) ويبدأ الجزء الثالث بأوّل سورة الكهف الورقة (٢٩٢).ويؤكد الناسخ نسبة الكتاب لمؤلّفه الإمام الطبرانيّ ﵀. وينتهي الجزء الثالث بآخر تفسير سورة القصص الورقة (٣٧٠) ويبدأ الجزء الرابع بأوّل تفسير سورة العنكبوت الورقة (٣٧١).وينتهي الجزء الرابع بآخر تفسير سورة الناس الورقة (٥٣٠). نسبة المخطوط إلى مؤلّفه: للإمام الطبراني أكثر من تأليف في التفسير، فله (تفسير الحسن) ذكره له الذهبي في تذكرة الحفاظ، وقال: (جزءان)،والسيوطي في طبقات الحفاظ (١).وله أيضا (كتاب مسانيد تفسير بكر بن سهل) ذكره له يحيى بن مندة في جزء الطبراني (٢).قال الذهبي: (وغير ذلك، وقد سماها الحافظ يحيى بن مندة، وأكثرها أسانيد حفاظ وأعيان، ولم نرها) (٣). أما التفسير الكبير، فذكره له يحيى بن مندة في جزء الطبراني، والذهبي في سير أعلام النبلاء، وقال: (كتاب التفسير كبير جدا) (٤).وذكره له أيضا ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة والسيوطي في طبقات الحفاظ، والداودي في طبقات المفسرين، وغيرهم (٥). وعلى الرغم من البحث المتواصل عن نسخة أخرى للتفسير الكبير للإمام الطبراني غير النسخة التي أشار إليها الأستاذ الدكتور عبد الله الطريقي في كتابه معجم مصنفات الحنابلة، لم نجد ضالتنا هذه. وكنت بعد أن انتهيت من تحقيق الكتاب على ما _________ (١) انظر: معجم مصنفات الحنابلة: ج ١ ص ٣٦٣. (٢) انظر: المعجم الكبير: ج ٢٥ ص ٣٦٠.ومعجم مصنفات الحنابلة: ج ١ ص ٣٧٢. (٣) سير أعلام النبلاء: ج ١٠ ص ٦٩،مكتبة الصفا، تحقيق محمد بن عيادي. (٤) انظر: المعجم الكبير: ج ٢٥ ص ٣٦٠.وسير أعلام النبلاء: ج ١٠ ص ٦٩. (٥) انظر: معجم مصنفات الحنابلة: ج ١ ص ٣٥٦.
следующие страницы →