على وجه الأرض) (١).وقال عليّ ﵁: (وفار التّنّور؛ أي طلع الفجر) (٢).
وقوله تعالى: ﴿(جاءَ أَمْرُنا)﴾ أي عذابنا، وقوله تعالى: ﴿(قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)﴾ أي احمل في السفينة من كلّ زوجين اثنين، الذكر زوج والأنثى زوج، وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة؛ قالوا: (ذكرا وأنثى).
فلما فار الماء من التّنور أرسل الله السماء بمطر شديد، فأقبلت الوحوش حين أصابها مطر السماء إلى نوح وسخّرت، فحمل في السفينة من كلّ طير زوجين، ومن كلّ وحش زوجين، وكلّ دابّة وبهيمة زوجين، ومن كلّ سبع زوجين، وحمل من البقر والغنم خمسة أزواج.
وبعث الله جبريل فقطع فقار العقرب، وضرب فم الحيّة فحملها في السّفينة، وكانت السماء تمطر، وكان هو عند قومه يحذّرهم حتى ابتلّت أقدامهم، وصار الماء إلى الكعبين، ثم حذرهم حتى صار الماء إلى نصف الساق، ثم حذرهم حتى صار إلى الرّكب وإلى الحقوين، كلّ ذلك يحذّرهم وينذرهم، وكان ينوح ويبكي عليهم. وقال ابن عبّاس: (سمّي نوحا؛ لأنّه كان ينوح على الإسلام حيث لم يقرّ به قومه).
فلمّا بلغ الماء الشّدوة قال: غرق قومي، ثم قال لابنه كنعان: (يا بنيّ اركب معنا) فكثر الماء حتى صار فوق الجبال خمسة عشر ذراعا بالذراع الأول، وكان للسفينة ثلاثة أبواب بعضها أسفل من بعض، حمل في الباب الأسفل السّباع والهوامّ، وفي الباب الأوسط الوحش والبهائم، وفي الباب الأعلى بني آدم، وكانوا ثمانين إنسانا، أربعين رجلا وأربعين امرأة، سوى التي غرقت، وثلاثة بنين: سام وحام ويافث، ونساؤهم واثنان وسبعون إنسانا فيهم الخضر وهو ابن بنت نوح.
واختلفوا في مقدار السفينة، قال الحسن: (كان طولها ألفا ومائتي ذراع، وعرضها ستّمائة ذراع) (٣)،وقال ابن عبّاس: (كان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعا، وارتفاعها ثلاثين) وهو قول قتادة قال: (وكان لها بابان في عرضها).
стр. 1402
وقوله تعالى: ﴿(وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ)﴾ أي واحمل أهلك، يعني ولده وعياله، ﴿(إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ)﴾ يعني امرأته وأهله وابنه كنعان، و ﴿(مَنْ آمَنَ)﴾ يعني واحمل من آمن.
قوله تعالى: ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ (٤٠)؛أي إلا نفر قليل، قيل:
ثمانون إنسانا، وقيل: ثلاثة بنين وثلاث كنائن، الكنائن: زوجات البنين، وقال ابن جريج: (كانوا ثمانية أنفس) (١).
قوله تعالى: ﴿*وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها؛﴾ أي قال لهم نوح: اركبوا في السفينة، وقوله ﴿(بِسْمِ اللهِ)﴾ يجوز أن يكون متّصلا بقوله ﴿(ارْكَبُوا)﴾ أي اركبوا بسم الله، ويجوز أن يكون متّصلا بقوله ﴿(مَجْراها وَمُرْساها)﴾ أي بسم الله إجراؤها وإرساؤها.
وقال الضحّاك: (كانوا إذا أرادوا أن تجري السّفينة قالوا: بسم الله، فجرت، وإذا أرادوا أن يرسوها قالوا: بسم الله، فرست)،ومن قرأها «(مجراها)» بنصب الميم فهو عبارة عن الموضع الذي تجري فيه، ولم يقرأ أحد «(مرساها)» الا بضمّ الميم، ومن قرأ «(مجريها ومرسيها)» فهو نعت (الله)،والمعنى بسم الله المجري لها حيث يشاء، ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤١).
قوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ؛﴾ يعني: السفينة تجري بهم في موج كالجبال العظيمة، ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ؛﴾ كنعان وكان كافرا، ﴿وَكانَ فِي مَعْزِلٍ؛﴾ عنه ولم يركب معه، وقيل: معناه: وكان في معزل من دين أبيه: ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا؛﴾ في السّفينة بشرط الإيمان، ولذلك قال:
﴿وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ﴾ (٤٢)؛أي على دينهم فتغرق معهم، وقال الحسن:
(إنّما دعاه إلى ركوب السّفينة؛ لأنّ ابنه كان يظهر له الإيمان نفاقا، وكان يحس به مؤمنا).
стр. 1403
واختلفت القراءة في قوله ﴿(يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا):﴾ قرأ بعضهم بكسر الياء على الإضافة وهو الأجود؛ لأن الأصل يا بني ثلاث ياءات، ياء التصغير وياء الفعل (١) وياء الإضافة، فحذفت ياء الإضافة، وتركت الكسرة دليلا على الإضافة، وأدغمت إحدى الياءين في الأخرى (٢).وقرأ بعضهم «(يا بنيّ)» بفتح الياء على أن أصلها: يا بنيّا بالألف، كما تقول العرب: يا غلاما أقبل، تريد يا غلامي أقبل، فتبدل الألف من ياء الإضافة على وجه النّدبة والتّفجيع، وكان الأصل يا بنيّا ثم حذفت الألف لسكونها وسكون الراء من قوله (اركب).
قوله تعالى: ﴿قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ؛﴾ أي قال ابن نوح: سأذهب وأرجع إلى مأوى من الجبل حريز يمنعني من آفات الماء، ﴿قالَ؛﴾ له نوح ﵇: ﴿لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ؛﴾ بالنجاة، وتقدير الكلام: لا عاصم اليوم من عذاب الله إلا الله تعالى، وقال بعضهم: لا عاصم اليوم من عذاب الله إلا من ﵀، وهو نوح ﵇ فإنّه قد جعل الله إليه إركاب المؤمنين في السفينة، وقيل: معناه: لا معصوم اليوم إلا من ﵀، كما قال الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسي
المطعوم (٣) المكسوّ، ومنه يقال: سرّ كاتم أي مكتوم.
قوله تعالى: ﴿وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ؛﴾ أي بين كنعان ونوح، وقيل: بين كنعان والجبل، ﴿فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ (٤٣).
стр. 1404
قوله: ﴿وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي؛﴾ أي قيل بعد ما تناهى أمر الطّوفان، وذلك لما روى ابن عبّاس ﵄: (أنّ السّماء مطرت أربعين يوما اللّيل والنّهار، وخرج ماء الأرض أربعين يوما اللّيل والنّهار، وسارت بهم السّفينة فطافت بهم الأرض كلّها في خمسة أشهر لا تستقرّ على شيء حتّى أتت الحرم فلم تدخله، وطافت بالحرم أسبوعا، ورفع البيت الّذي بناه آدم إلى السّماء، وهو البيت المعمور، جعل الحجر الأسود على أبي قبيس، وأودع فيه، ثمّ ذهبت بهم السّفينة في الأرض حتّى انتهت بهم إلى الجوديّ وهو جبل بأرض الموصل، فاستقرّت عليه بعد خمسة أشهر).ويقال: ركب نوح في السفينة لعشر مضين من رجب، وخرج منها يوم عاشوراء، فذلك خمسة أشهر.
فلما استقرّت السفينة على الجوديّ كشف نوح الطبق الذي فيه الطير، فبعث الغراب ليأتيه بالخبر فأبصر جيفة، فوقع عليها وأبطأ على نوح ولم يأته، فأرسل الحدأة على إثره فأبطأت عليه ولم تأته، فدعا على الغراب أن يكون طويل العمر في مخافة وشقاء. ثم أرسل الحمامة بعد الحدأة بسبع فلم تجد موقعا فرجعت، فبسط لها نوح ﵇ كفّه فوقعت عليه، ثم مكث نوح ما شاء الله، ثم أرسلها مرّة أخرى فجاءت بعد ذلك فوقعت على الأرض وغابت رجلاها في الطّين، فعرف نوح أن الأرض قد ظهرت، فدعا بها فقال: كوني آنس طير وأنعمه وأكيسه.
وقوله تعالى: ﴿(وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ)﴾ أي أنشفي الماء الذي خرج منك.
قوله تعالى: ﴿(وَيا سَماءُ أَقْلِعِي)﴾ أي كفّي عن الصّب، يقال: أقلعت السماء إذا استمسك المطر حتى لم يبق له أثر، وأقلعت الحمّى عن فلان إذا تركته. قوله تعالى:
﴿وَغِيضَ الْماءُ؛﴾ أي ونشف الأرض ماؤها، ويقال غاض الماء يغيض إذا غار في الأرض.
قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ؛﴾ أي وقع هلاك الكفار على التّمام، هلك من هلك، ونجا من نجا. قال ابن عبّاس: (نشّفت الأرض ماءها الّذي خرج منها، وذهب ماء السّماء إلى البحور؛ لأنّ الله تعالى قال ﴿(يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ))﴾.
стр. 1405
قوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ؛﴾ أي استوت السفينة على الجوديّ شهرا، وهو جبل بالجزيرة، ﴿وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٤٤)؛يجوز أن يكون معناه:
قال الله تعالى: ﴿(بُعْداً)﴾ أي سخط من رحمة الله للقوم الكافرين، ويجوز أن يكون هذا من قول أهل السفينة حين نجوا من الغرق، وخرجوا من السفينة، قالوا: ﴿(بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ)﴾ أي أبعدهم الله من رحمته في الآخرة أيضا.
قوله تعالى: ﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي؛﴾ أي قومي، ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ؛﴾ بنجاة قومي، ﴿الْحَقُّ؛﴾ الصّدق لا شكّ فيه، ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ﴾ (٤٥)؛في قولك وفعلك، وكان دعاء نوح ﵇ بهذا الدّعاء حين حال الموج بينه وبين ابنه كنعان.
﴿قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ؛﴾ معناه: قال الله: يا نوح إنّه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم، إنما أهلك دينك، وإنّ ابنك كافر ليس على دينك، فانقطعت العصمة بينك وبينه بكفره وإيمانك.
قوله تعالى: ﴿(إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ)﴾ أي إنّ سؤالك إيّاي أن أنجي كافرا عمل غير صالح، قرأ الكسائيّ ويعقوب «(عمل)» بكسر الميم وفتح اللام ﴿(غَيْرُ)﴾ منصوب؛ أي إنه عمل بالشّرك والتكذيب، وقرأ الباقون بالرّفع والتنوين «(غير)» بالرفع؛ أي إنه ذو عمل غير صالح. وقيل: إنّ سؤالك إيّاي نجاة ولدك الذي ليس من أهلك سؤال غير مرض.
قوله تعالى: ﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ؛﴾ قرأ ابن كثير بتشديد النّون وفتحها، وقرأ أهل المدينة والشام بتشديد النون وكسرها، والمعنى واحد؛ أي لا تسألني ما ليس لك به علم أنه صواب وأنا أفصله.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٤٦)؛أي إنّي أعظك أن تسألني سؤال الجاهل، ولكن سلني سؤال العالم بي. والوعظ في اللغة: هو الزّجر عن القبيح، وكان نداء نوح (رب إنّ ابني من أهلي) نداء تعظيم لله تعالى على ظنّ أنّ ابنه من أهل دينه. وقوله تعالى ﴿(إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)﴾ نداء تنبيه على أنه ليس من أهل دينه، ولا من أهل أن يلطف به.
стр. 1406
واختلفوا في هذا الابن، فقالوا: إنه لم يكن ابن نوح لقوله تعالى: ﴿(إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)﴾ أي من ولدك وهو قول مجاهد والحسن، والمعنى على قولهما إنه ولد لغير رشده.
قال قتادة: (وسئل الحسن عنه فقال: (والله ما كان ابنه)،وقرأ ﴿فَخانَتاهُما﴾ (١)! فقلت: إنّ الله تعالى حكى عنه أنّه قال: ﴿(إِنَّ ابْنِي)﴾ وقال: ﴿(وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ)﴾ وأنت تقول: لم يكن ابنه! وإنّ أهل الكتابين لا يختلفون في أنّه كان ابنه، فقال الحسن: (ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب؟! إنّهم يكذبون) (٢).وقال ابن جريج: (وناداه وهو يحسب أنّه ابنه، وكان ولد على فراشه) (٣).وقال بعضهم: إنما كان ابن امرأته، واستدلّوا بقوله ﴿(إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي)﴾ ولم يقل إن ابني منّي، وهو قول أبي جعفر الباقر.
وقال أكثر المفسّرين: إنه كان ولده من صلبه، وقوله تعالى: ﴿(لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)﴾ أي الذي وعدتك أن أنجيهم، قالوا: وما بغت امرأة نبيّ قط، وإنّما خيانتهما في الدّين لا في الفراش، ولأنّ الله تعالى يعصم أنبياءه صلوات الله عليهم أن يقع من نسائهم ما يلحق بهم عيبا في الدّنيا، وإن كان قد يقع منهنّ ما يكون عيبا في أمر الآخرة، وفي الحديث: [ما بغت امرأة نبيّ قطّ، وكانت خيانتها له أنّها كانت تقول للنّاس: إنّه مجنون وكانت تدلّ على الأضياف] وهذا قول ابن عبّاس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحّاك (٤).
وقال أبو معاوية البجلي: (قال رجل لسعيد بن جبير: قوله ﴿(إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي)﴾ هل كان ابن نوح؟ فسبّح الله طويلا، قال: لا إله إلاّ الله، يحدّث الله محمّدا نبيّه ويقول إنّه ابنه وتقول أنت ليس ابنه! كان ابنه ولكن كان مخالفا في النّيّة والعمل
стр. 1407
والدّين، فمن ثمّ قال: ﴿(إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)﴾ (١).وهذا القول أولى بالصواب، وأليق بظاهر الكتاب.
قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ؛﴾ أي قال نوح: إني أمتنع بك أن أسألك ما ليس لي به علم أنه صواب، ﴿وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي﴾ خطيئتي هذه وهي هذا السؤال، ﴿وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٤٧) بالوزر والعقوبة.
قوله تعالى: ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ؛﴾ أي قال الله لنوح: فاهبط من السّفينة إلى الأرض بأمن وسلامة من الآفات، (وبركات) أي وخيرات ثابتة عليك وعلى الذين معك من المؤمنين. قوله تعالى: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤٨)؛أي وأمم سنمتّعهم عليهم بعدك في الدّنيا ثم يمسّهم في الآخرة منّا عذاب أليم، وهم الكافرون وأهل الشّقاوة.
فهبط نوح ومن معه من الجوديّ، ولم يكن لواحد منهم نسل إلا لنوح وأولاده، كما قال الله تعالى: ﴿(وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ)﴾ (٢)،وعن محمّد بن كعب قال: (دخل في السّلام والبركة كلّ مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، ودخل في الإمتاع والعذاب كلّ كافر وكافرة إلى يوم القيامة) (٣).وفي الآية دلالة على ذلك؛ لأن لفظ الأمم يدلّ على الجماعات الكثيرة، ولم يكن مع نوح في السفينة إلا قليل.
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ؛﴾ أي تلك القصّة التي ذكرتها لك يا محمّد قصة نوح من الأمور الغائبة عنك، ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا،﴾ القرآن وهذا منّة من الله تعالى، ﴿فَاصْبِرْ؛﴾ على أذى الكفّار، كما صبر نوح على أذاهم، واصبر على القيام بأمر الله وتبليغ الرّسالة، وما تلقى من أذى قومك كما صبر نوح على أذى قومه، ﴿إِنَّ الْعاقِبَةَ﴾
стр. 1408
﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤٩)؛أي آخر الأمر بالسّعادة والظّفر والنصر للمتقين، كما كانت لنوح ومن آمن به.
قوله تعالى: ﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً؛﴾ أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا في النّسب، ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُفْتَرُونَ﴾ (٥٠)؛أي وحّدوه دون الأصنام فإنّها ليست بآلهة، وما أنتم إلا كاذبون في قولكم إنّها آلهة.
قوله تعالى: ﴿يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً؛﴾ أي لا أسألكم على ما أؤدّي إليكم من الرّسالة مالا فتتّهموني أنّي أبتغي بذلك كسب مال أو تخشون أن ألزمكم غرما في مالكم، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي؛﴾ أي ما ثوابي إلا على الذي خلقني، ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٥١)؛أن الأمر على ما أقوله. وأصل الفطر الشّقّ، وسمي الخلق فطرا لأنه يظهر به المخلوق كما يظهر الشيء بالشّقّ.
قوله تعالى: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ؛﴾ أي استغفروا ربّكم من الكفر والذنوب ثم ارجعوا إليه بالنّدم والعزم على ترك العود في الذّنوب، ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ؛﴾ بالمطر، ﴿مِدْراراً؛﴾ دائما متواترا، ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً؛﴾ في أبدانكم وأموالكم، ﴿إِلى قُوَّتِكُمْ؛﴾ التي لكم، ﴿وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ (٥٢)؛عمّا أدعوكم إليه مذنبين.
قوله تعالى: ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ؛﴾ أي حجّة، وقد جاءهم بمعجزة إلا أنّهم لم يعتقدوها حجّة، قوله تعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ؛﴾ أي قالوا: ما نحن بتاركي عبادة آلهتنا بقولك، ﴿وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٥٣)؛أي بمصدّقين فيما تقوله.
قوله تعالى: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ؛﴾ أي قالوا ما نقول فيك إلا أنه أصابك بعض آلهتنا بجنون فخبل عقلك لسبك إيّاها، وكان القوم يعلمون وكلّ أحد أنّ الذي يعقل ويميّز لو أراد أن يصيب غيره بجنون لم يقدر على ذلك، فكيف تقدر الأصنام التي لا عقل لها ولا تمييز؟! والاعتراء افتعال من عراه يعروه إذا مسّه وأصابه.
стр. 1409
وقوله تعالى: ﴿قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ (٥٤)
﴿مِنْ دُونِهِ؛﴾ أي قال هود: إنّي أشهد الله على نفسي، واشهدوا أنتم أيضا أنّي بريء مما تشركون مع الله في العبادة، ولم يكن إشهاده إيّاهم للاحتجاج بقولهم، وإنما هو للاحتجاج عليهم.
قوله تعالى: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ (٥٥)؛أي إن قدرتم على قتلي أنتم وآلهتكم، أو على إنزال السّوء، فافعلوا ولا تمهلوني طرفة عين، ولم يقل هذا على جهة الأمر لهم، وإنما قال لبيان عجزهم.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ؛﴾ أي فوّضت أمري إلى خالقي وخالقكم متمسّكا بطاعته وتاركا لمعصيته، وهذا هو حقيقة التوكّل على الله.
وقوله تعالى: ﴿ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها؛﴾ أي ما من أحد إلا وهو في قهر الله وتحت قدرته، وإنما جعل الأخذ بالناصية كناية عن ذلك؛ لأنّك إذا أخذت بناصية غيرك فقد قهرته وأذللته، والنّاصية مقدم شعر الرأس، قوله تعالى:
﴿إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥٦)؛أي هو في تدبير عباده لا يفعل إلا الحقّ، فإنه عادل لا يجور، ويقال: إن معناه: أن طريق العبادة على الله كما قال تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ؛﴾ أي فإن تولّوا عن الإيمان فما هو تقصير مني في إبلاغ الرسالة، ولكن لسوء اختياركم، ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ؛﴾ أطوع له منكم؛ أي يهلككم بعذاب استئصال، قد يستخلف بهلاككم قوما غيركم أطوع له منكم، ﴿وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً؛﴾ أي لا تقدرون على أن تنقصوا شيئا من ملكه وهو سبحانه لا يجوز عليه المضارّ. قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ؛﴾ (٥٧) أي هو شاهد على أعمال العباد للمجازاة، لا يخفى عليه شيء منها.
стр. 1410
قوله تعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ؛﴾ أي لما جاء أمرنا بعقاب قوم هود بالرّيح العقيم، نجّينا هودا والمؤمنين به من ذلك العقاب، ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ (٥٨)؛يحتمل أن يكون المراد: أن نجّاهم من الريح العقيم، إلا أنه أعاد ذكر النجاة للتأكيد وتفخيم الحال. ويحتمل أن يكون معناه: كما نجّينا المؤمنين ممّا عذّب به عاد في الدّنيا، فكذلك نجّيناهم من عذاب الآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ؛﴾ أي كذبوا بدلائل الله الدالّة على وحدانيّته وصدق أنبيائه، وعصوا هودا ومن قبله ومن بعده؛ لأنه ﵇ أرسل بتصديق من قبله وبالبشارة لمن بعده، فلما كذبوه فقد كذبوا الرّسل كلّهم. قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ (٥٩)؛أي أمر كلّ طاغ عات معرض عن الله،
قوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً؛﴾ أي أتبعوا بعد الهلاك في هذه الدّنيا بالإبعاد عليهم باللّعن، فلعنتهم الملائكة والناس ما دامت الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ أي ويوم القيامة يبعدون من رحمة الله كما أبعدوا في الدّنيا. قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ؛﴾ أي جحدوا، ﴿أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ (٦٠)؛أي أبعدهم الله من رحمته إبعادا. وفي هذا تهديد للكفار، كأنّه تعالى قال: انظروا يا أهل مكّة كيف فعلت عاد وكيف فعل بهم، فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم.
قوله تعالى: ﴿*وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً؛﴾ في النّسب، ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ؛﴾ أي أنشأ آباءكم كما قال في آية أخرى ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ (١)، ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها؛﴾ أي المراد أن تكونوا عمّار الأرض وسكّانها، فمكّنكم من عمارتها وأحوجكم إلى المسكن فيها. وقال مجاهد: (معناه: أعمرها لكم مدّة أعماركم) (٢) من العمرى، وهي الهبة الّتي يهبها الرّجل لغيره على أن تكون للموهوب له مدّة حياته، ثمّ يرجع إلى الواهب.
стр. 1411
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ؛﴾ أي استغفروه من الشّرك والذنوب، ثم دوموا على التوبة، ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ؛﴾ ممن تقرّب إليه، ﴿مُجِيبٌ﴾ (٦١)؛لمن دعاه وأطاعه. وأراد بالقرب الإسراع بالرّحمة والإجابة؛ لا قرب المسافة.
قوله تعالى: ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا؛﴾ أي قد كنّا نرجو فيك الخير قبل هذا اليوم لما كان فيك من الخلائق الحسنة والشمائل المرضيّة، والآن قد دعوتنا إلى غير دين آبائنا قد يئسنا منك، ﴿أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا؛﴾ الألف ألف استفهام بمعنى الإنكار. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (٦٢)؛أي لو أجبناك إلى ما تدعونا إليه لأجبناك على شكّ ظاهر، فإنّا لا نعلم صدقك فيما تقول.
قوله تعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ؛﴾ أخبروني، ﴿إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ؛﴾ برهان وحجّة، ﴿مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً؛﴾ نعمة وهي النبوّة، ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ،﴾ فمن يمنع عذاب الله عنّي إن عصيته مع نعمته عليّ، ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ (٦٣)؛إن عصيت الله في اتّباع دينكم إلا خسران الدّنيا والآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً؛﴾ أي دلالة ومعجزة على صدق قولي حيث أخرجتها لكم بإذن الله ناقة عشراء من صخرة ملساء كما سألتم، ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (٦٥)؛وقد تقدم ذلك في سورة الأعراف.
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا؛﴾ أي لما جاء أمرنا بالعذاب نجّينا صالحا من ذلك، ونجّينا الذين آمنوا معه بنعمة منّا، ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ،﴾ الخزي: هو الذل الذي يستحى منه، وهو ما نزل بهم في كلّ يوم من علامة الأشقياء من اصفرار وجوههم في اليوم الأوّل، واحمرارها في اليوم الثاني، واسودادها في اليوم الثالث، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾
стр. 1412
﴿هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ (٦٦)؛أي هو القادر على أخذ أعدائه، العزيز المنتقم ممّن عصاه.
قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ؛﴾ معناه: الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وقيل: الذين ظلموا الناقة. والصّيحة: جبريل ﵇ صاح بهم صيحة هائلة عند صباح اليوم الرابع، لم تحتملها قلوبهم فهلكوا.
وإنّما قال في هذه الآية: ﴿(وَأَخَذَ)،﴾ وفي آية أخرى: (وأخذت)؛لأنّ الصيحة والصّياح واحد، فردّ الكناية مرّة إلى الصّياح ومرّة إلى الصّيحة.
قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ (٦٧)؛أي ميّتين قد همدوا رمادا جثوما على الرّكب. ويقال: أصبحوا في بلادهم جاثمين على وجوههم على الطّرف.
وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها؛﴾ أي كأن لم يكونوا في الأرض قطّ.
قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ؛﴾ أي بربهم، ﴿أَلا بُعْداً لِثَمُودَ﴾ (٦٨)؛أي أبعدهم الله من رحمته. وقرئ (لثمود) بالكسر لقربها من قوله ﴿(أَلا إِنَّ ثَمُودَ)،﴾ فمن صرفه جعله اسما، ومن لم يصرفه جعله اسما للقبيلة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى؛﴾ قال ابن عبّاس:
(وذلك أنّ جبريل ومن معه اثني عشر ملكا جاءوا إلى إبراهيم ليبشّروه بإسحاق من زوجته سارة).
فلما دخلوا عليه، ﴿قالُوا سَلاماً؛﴾ أي سلّموا عليه سلاما، وقيل: قالوا:
نسلّم سلاما، وهو نصب على المصدر، وقوله: ﴿قالَ سَلامٌ؛﴾ أي أجابهم إبراهيم بأن قال: عليكم سلام. وإنما لم يقل عليكم سلاما بالنصب؛ لأنه لو كان كذلك لكان يتوهّم أن إبراهيم ﵇ حكى قول الملائكة أنّكم سلّمتم سلاما، فخالف بينهما ليكون قوله جوابا لهم. ومن قرأ بكسر السّين، فالسّلم والسّلام بمعنى واحد، كحلّ وحرم مثل حلال وحرام.
стр. 1413
قوله تعالى: ﴿فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ (٦٩)؛أي ما لبث إبراهيم أن جاء بعجل محنوذ؛ أي مشويّ، قال ابن عبّاس: (الحنيذ: النّضيج) (١) وهو قول مجاهد وقتادة (٢)،والحنذ: إشواء اللّحم بالحجارة المحمّاة في شوء من الأرض، وهو من فعل البادية، وقال مقاتل: (إنّما جاءهم بعجل لأنّه كان أكثر ماله البقر) (٣).
وقال الحسن: (إنّما جاءهم بالطّعام لأنّهم جاءوه على صورة الآدميّين، على هيئة الأضياف، ولم يكن شيء أحبّ إليه من الضّيفان، ولو جاءوه على صورة الملائكة لم يكن يقدّم إليهم ذلك لعلمه باستغناء الملائكة عن الطّعام).
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ؛﴾ أي لمّا وضع الطعام بين أيديهم، فرآهم لا يمدّون إليه أيديهم أنكرهم، ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ؛﴾ أضمر في نفسه، ﴿خِيفَةً؛﴾ خوفا منهم، وكان أهل ذلك الزمان إذا لم يأكل بعضهم من طعام بعض خافوا من غائلته. فلما علمت الملائكة خوفه منهم، ﴿قالُوا لا تَخَفْ؛﴾ منّا يا إبراهيم، ﴿إِنّا أُرْسِلْنا،﴾ أي إنّ الله أرسلنا، ﴿إِلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ (٧٠)؛لنهلكهم.
قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ؛﴾ معناه: وامرأته سارة كانت قائمة معه على رءوسهم بالخدمة، ويقال: كانت قائمة من وراء السّتر في حال محاورة إبراهيم مع الملائكة، ويقال: إنّ سارة بنت عمّ إبراهيم.
قوله تعالى: ﴿(فَضَحِكَتْ)﴾ أي ضحكت من سرورها بالسّلام، فزادوها بشارة بإسحاق ﵇، وقال السديّ: (إنّ إبراهيم قال لهم: ألا تأكلون؟! قالوا: إنّا قوم لا نأكل إلاّ بالثّمن، قال: كلوا وأدّوا ثمنه، قالوا: وما ثمنه؟ قال: أن تذكروا اسم الله في أوّله وتحمدوه في آخره. فنظر جبريل إلى من معه من الملائكة وقال: حقّ لهذا أن يتّخذه الله خليلا، فضحكت امرأته وقالت: عجبا لأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا!) (٤).
стр. 1414
وقال قتادة: (ضحكت لغفلة قوم لوط، وقرب العذاب منهم) (١).وقيل:
ضحكت سرورا بالأمن منهم لمّا قالوا: لا تخف، وقال عكرمة: (ضحكت أي حاضت) (٢).
قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ؛﴾ (٧١) قرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب بالنصب على معنى: ووهبنا لها من وراء اسحاق يعقوب، وقيل: بنزع الخافض؛ أي وبشّرناها من وراء اسحاق بيعقوب، فلما حذفت الباء نصب.
وقال الزجّاج: (لا يجوز أن يكون ذلك في موضع الخفض على ذلك؛ لأنّه لا يجوز الفصل بين الجارّ والمجرور وبينهما واو العطف إلاّ بإعادة حرف الجرّ؛ لأنّه لا يجوز أن يقال: مررت بزيد في الدّار والبيت وعمرو، حتّى يقول: وبعمر) (٣).
وقوله ﴿(فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ)﴾ قال المفسّرون: كان إبراهيم قد ولد له من هاجر وكبر وشبّ، فتمنّت سارة أن يكون لها ابن وآيست من ذلك لكبر سنّها، فبشّرت على كبر السنّ بولد يكون نبيّا.
قوله تعالى: ﴿(وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ)﴾ قال الزجّاج: (بشّروها أنّها تلد اسحاق، وأنّها تعيش إلى أن ترى ولد ولده، ووراء ههنا بمعنى بعد).
قوله تعالى: ﴿قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً؛﴾ لا يجوز أن يكون هذا على جهة الإنكار، فإن ﴿(يا وَيْلَتى)﴾ كلمة تستعملها النساء عند وقوع
стр. 1415
أمر فظيع، فاستعملتها في هذا الموضع على جهة التعجّب، ولهذا قالت: ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (٧٢).وأصله: يا ويلتي فأبدل من الياء الألف لأنه أخفّ من الياء والكسر.
قال ابن عبّاس: (كانت سارة بنت ثمان وتسعين سنة، وكان زوجها ابن مائة وعشرين، فتعجّبت بأن يكون بين شيخين كبيرين ولد) (١)،قوله تعالى: ﴿(وَهذا بَعْلِي شَيْخاً)﴾ أي هذا الذي يعرفونه بعلي، ثم قالت (شيخا) أي انتبهوا له في حال شيخوخته فهو نصب على الحال، وذهب الكوفيّون إلى أنه نصب على القطع عن المعرفة إلى النّكرة كما يقال: خرج زيد راكبا.
قوله تعالى: ﴿قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ؛﴾ أي قالت الملائكة: أتعجبين من قدرة الله وأنت عارفة أنّ الله قادر على كلّ شيء؟ قال السديّ: (أخذ جبريل عودا يابسا فدلكه بين إصبعيه فإذا هو أخضر يهتزّ، فعرفت أنّه من الله).
قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ؛﴾ معناه: نعمة الله عليكم في الدّين والدنيا وخيراته التامّة عليكم يا أهل البيت بيت إبراهيم ﵇، ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ؛﴾ لأعمالكم، ﴿مَجِيدٌ﴾ (٧٣)؛أي كريم يكرمكم بالنّعم، الكريم هو الذي يبتدئ بالنعمة قبل الاستحقاق، والمجيد الماجد وهو ذو الشّرف والمجد والكرم.
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ؛﴾ أي الخوف والفزع، ﴿وَجاءَتْهُ الْبُشْرى؛﴾ بإسحاق جعل، ﴿يُجادِلُنا،﴾ يجادل رسلنا، ﴿فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ (٧٤).
واختلفوا في هذه المجادلة، فقال بعضهم: سأل عن سبب تعذيب الله لهم سؤال مستقص حتى قال: إنّ الله أمر باستئصالهم وبتخويفهم بالعقاب، وحتى قال: إنّ فيها لوطا. وقال بعضهم: أراد بالمجادلة الدّعاء والتضرّع وشدة الحرص على نجاة القوم رجاء إيمانهم.
стр. 1416
كما روي أنّ إبراهيم ﵇ قام من الليل يصلّي وهو يقول: يا رب أتهلك قوم لوط؟ قيل: يا إبراهيم ليس فيهم مؤمنون، قال: يا رب فإن كان فيهم خمسون أهل بيت مؤمنون أتهلكهم؟ قيل: لا، قال: فأربعون؟ قيل: لا، فلم يزل يردّد حتى قيل:
إن كان فيهم خمسة أبيات مؤمنين رفعنا عنهم البلاء (١).يقول الله تعالى: ﴿فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢).
قيل: لمّا جادلهم إبراهيم ﵇ قالت له الرّسل: يا إبراهيم أعرض عن هذا الجدال، إنه قد جاء أمر ربك بعذابهم، وإنّهم آتيهم عذاب غير مردود،
قوله: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ؛﴾ أي وقور بطيء الغضب، والحليم: المحتمل للأذى مع قدرته على العقوبة والمكافأة، ﴿أَوّاهٌ؛﴾ بالدعاء، ويقال: الرحيم، ويقال: المتأوّه خوفا وأسفا على الذّنوب، و ﴿مُنِيبٌ﴾ (٧٥)؛هو الراجع إلى الله.
قوله تعالى: ﴿يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا؛﴾ أي عن جدالك، ﴿إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ بهلاكهم، ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ (٧٦)؛غير منصرف عنهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً؛﴾ يعني لمّا جاءت الملائكة لوطا ساءه مجيئهم، وضاق بهيأتهم قلبه (٣)؛فإنّهم جاءوه في صورة الغلمان المرد الحسان، وكان قد علم عادة قومه، فخاف عليهم من صنع قومه، ﴿وَقالَ؛﴾ في نفسه: ﴿هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ (٧٧)؛أي شديد لازم شرّه كالمعصوب بالعصبة، كأنّه قال: هذا يوم التفّ الشرّ فيه بالشرّ، وأما ضيق الذرع فيوضع موضع ضيق الصّدر، يقال: ضاق فلان بأمره ذرعا إذا لم يجد من المكره في ذلك مخلصا.
стр. 1417
قيل: معناه: ضاق بهم وسعا. وكان لوط ضاق وسعه بهم أن يحفظهم. وفي الخبر: أنه جعلهم فيما بين مواشيهم، فلما كان في وقت غفلة الناس حملهم إلى داره، فذهبت امرأته الخبيثة وأخبرتهم، وقالت لهم: إنه قد نزل عند لوط أضياف لم ير قط أحسن وجوها منهم، ولا أطيب ريحا، ولا أنظف ثيابا.
قوله تعالى: ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ وذلك أنّ امرأة لوط لمّا أخبرتهم بأضيافه، جاءوا إلى داره يسرعون إليه، ويهرولون هرولة، والإهراع: مشي بين مشيتين، ومن قبل ذلك كانوا يعملون المعاصي، وهي ما كانوا يعملون من الفاحشة مع الذّكور، فإنّهم كانوا يعملون ذلك من دون أن يخفي بعض عن بعض.
﴿قالَ:﴾ لهم لوط ﵇: ﴿يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ؛﴾ عرض عليهم بناته نكاحا، وأظهر من نفسه في صونهم ما لا شيء أبلغ منه، أظهر الكرامة في باب الأضياف، فذكر بناته ليدلّ بذلك على التشديد في دفعهم عمّا أرادوا.
فكان يجوز في ذلك الوقت تزويج المسلمة من الكافر، كما كان يجوز في شريعتنا في ابتداء الإسلام، فإنّ النبيّ ﷺ زوّج ابنته من ابن العاص بن الرّبيع. ويقال: أراد بقوله (بناتي) بنات قومه؛ لأن النبيّ يكون للقوم بمنزلة الوالد.
قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي؛﴾ أي اتّقوا عقاب الله، ولا تلزموني عيبا في ضيفي، ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (٧٨)؛في نفسه فينزجر عن هذا الأمر، ويزجركم عنه.
قوله تعالى: ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ (٧٩)؛أي ميلنا إلى الغلمان دون النّساء،
قوله تعالى: ﴿قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً؛﴾ أدفعكم بها عن أضيافي، ويمكنني، ﴿أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (٨٠)؛إلى قبيلة أستغيث بها على دفعكم لمنعتكم أشدّ المنع عما تحاولون.
стр. 1418
وعن رسول الله ﷺ قال: [رحم الله أخي لوط لقد آوى إلى ركن شديد] (١) أي التجأ إلى الله وملائكته، وقال ابن عبّاس: (فلمّا علم جبريل والملائكة خوف لوط من تهديد قومه، وقد كان لوط أغلق الباب على نفسه وعلى الملائكة وهو يناشد قومه، قال له جبريل: يا لوط إنّ ركنك لشديد، وإنّهم آتيهم عذاب غير مردود) (٢).
قوله تعالى: ﴿قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ؛﴾ فافتح الباب ودعنا وإيّاهم، ففتح الباب فدخلوا، فقام جبريل في الصّورة التي يكون فيها في السّماء، فنشر جناحه وضرب به وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم، فصاروا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم.
فقال لوط ﵇ متى موعد هلاكهم؟ قالوا: الصّبح، قال: أريد أسرع من ذلك، فقالوا: أليس الصّبح بقريب؟ وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ﴾ (٣).
ثم قالوا له: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ؛﴾ وفيه قراءتان «(فأسر)» بالهمز والوصل، يقال سرى وأسرى بمعنى واحد، قوله تعالى: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ؛﴾ أي في آخر الليل عند السّحر والهدوء، وقال الضحّاك: (بقطع أي ببقيّة)،وقال قتادة: (بعد ما مضى صدره)، ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو «(امرأتك)» رفعا على الاستثناء من الالتفات؛ أي ولا يلتفت أحد إلا امرأتك، فإنّها تلتفت فتهلك. وقرأ الباقون بالنصب على الاستثناء من الإسراء؛ أي فاسر بأهلك إلا امرأتك فلا تسر بها وخلّفها مع قومها. قوله تعالى:
﴿إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ؛﴾ ظاهر المعنى.
стр. 1419
قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ؛﴾ أي قالت الملائكة: إن وقت هلاكهم، ﴿الصُّبْحُ؛﴾ فقال لوط: الآن يا جبريل، وإنما ذلك لضيق صدره منهم وشدّة غيظه، فقال جبريل: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (٨١)؛وفي هذا بيان أنّ الله لا يهلك أحدا قبل انقضاء مدّته، وإن ضاقت صدور أوليائه عنه.
وعن ابن عبّاس: (أنّ جبريل لمّا قال للوط: فاسر بأهلك بقطع من اللّيل، قال لوط: يا جبريل كيف أصنع وأبواب المدينة قد أغلقت، فجمع له جبريل أهله وبقره وغنمه وماله، واحتملهم على جناحه حتّى أخرجهم من المدينة، فانطلق بهم متوجّها إلى صغر، وهي على أربعة فراسخ من مدائن لوط، وهي إحدى القرى الخمس:
سدوم وداد وماو وعامورا وصغر، ولم يكن أهل صغر يعملون عملهم، وكان في كلّ مدينة ألف مقاتل، فما سار لوط فرسخين حتّى سمع الصّيحة) (١).
كما روي أنّ جبريل ﵇ جعل جناحه في أسفلها فرفعها من الأرض السّابعة إلى السّماء حتى سمع أهل السّماء نباح الكلاب وصياح الدّيكة، ثم قلبها وجعل أسفلها أعلاها، وأعلاها أسفلها، وأقبلت تهوي من السّماء إلى الأرض، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ؛﴾ قال وهب: (لمّا رفعت إلى السّماء أمطر الله عليها حجارة الكبريت بالنّار، ثمّ قلبت عليهم).
قوله تعالى: ﴿(وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ)﴾ قيل: أمطر الله الحجارة على شذاذهم ومسافريهم. واختلفوا في السّجّيل، فقيل: هو فارسية معرّبة، وفيه بيان أن تلك الحجارة كانت شديدة صلبة، نحو ما يطبخ من الطّين فيصير كالآجرّ وأصلب منه، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ﴾ (٢).وقال بعضهم: هو من سجيل وهو الإرسال، فيكون معناه: حجارة مرسلة، ويقال: السّجّيل: سماء الدنيا، وقيل: السجّيل والسّجّين: الشديد من الحجر.
стр. 1420
قوله تعالى: ﴿مَنْضُودٍ﴾ (٨٢)؛أي بعضهم فوق بعض.
وقوله:
﴿مُسَوَّمَةً؛﴾ أي معلّمة بعلامة المعاقبين، وكانت مخطّطة بالسّواد والحمرة والبياض. وقيل: كان مكتوب على كلّ حجر اسم من هلك به. وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ؛﴾ أي أعلمتها الملائكة في السّماء بأمر الله.
وقوله تعالى: ﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (٨٣)؛أي وما تلك الحجارة من ظالمي أمّتك ببعيد. وعن ابن عبّاس أنه قال: (لا والله لا تذهب اللّيالي والأيّام حتّى تستحلّ هذه الأمّة أدبار الرّجال كما استحلّوا النّساء، ولا تذهب الأيّام واللّيالي حتّى يصيب طوائف من هذه الأمّة حجارة من عند ربك).
قوله تعالى: ﴿*وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً؛﴾ أي وإلى ولد مدين بن إبراهيم أخاهم في النّسب، ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ؛﴾ أي ولا تنقصوا حقوق الناس عند الكيل والوزن عليهم بالتّطفيف، ﴿إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ؛﴾ أي إنّي أراكم في الخصب والرّخص ما أوفيتم للناس حقوقهم. وقيل: معناه: إنّي أراكم في كثرة الأموال، وأنتم مستغنون عن نقصان الكيل والوزن، ﴿وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ (٨٤) أي عذابا يحيط بكم فلا يفلت منكم أحد.
قوله تعالى: ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ؛﴾ أي بالعدل، ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ؛﴾ أي ولا تنقصوهم حقوقهم، ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٨٥)؛أي لا تضطربوا في الأرض بالقبيح مفسدين بالمعاصي.
قوله تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما؛﴾ معناه: ما أبقاه الله خير لكم من الحلال بعد إتمام الكيل والوزن خير لكم مما حرّم عليكم من البخس والتطفيف إن كنتم مصدّقين ما أقوله لكم. ويقال: أراد بالبقيّة طاعة الله، فإنّها هي التي يبقى ثوابها. قوله تعالى: ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (٨٦)؛أي لم أوكّل بحفظكم فأقاتلكم وأمنعكم.
стр. 1421
قوله تعالى: ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا؛﴾ أي قالوا يا شعيب: أكثرة صلواتك التي تفعلها تأمرك أن نترك عبادة ما يعبد آباؤنا، وتأمرك أن تأمرنا بأن لا نفعل في أموالنا ما نشاء، وقال عطاء: (معنى قوله: أصلاتك؛ أي دينك يأمرك، فكنّى عن الدّين بالصّلاة؛ لأنّها من أمر الدّين، وكان شعيب كثير الصّلاة، فلذلك قالوا هذا).
قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (٨٧)؛السفيه الجاهل، فذكروا الحليم الرشيد على جهة الاستهزاء، هكذا روي عن ابن عبّاس، ويقال: قالوا ذلك على جهة التحقيق إنك لأنت الحليم الرشيد في قومك، فكيف تنهانا عن عبادة ما يعبد آباؤنا وعن أن نفعل في أموالنا ما نشاء من البخس والتّطفيف، كأنّهم استبعدوا أن يكون آباؤهم قد أخطئوا في دينهم ورباهم.
قوله تعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي؛﴾ أي قال لهم شعيب: أخبروني إن كنت على دلالة واضحة من ربي، ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً؛﴾ قيل: أراد النبوّة فإنّها أعظم رزق الله تعالى. وقيل: أراد به المال الحلال.
قال ابن عبّاس: (كان شعيب ﵇ كثير المال كثير الصّلاة)،وقيل: معنى قوله ﴿(رِزْقاً حَسَناً)﴾ أي علما ومعرفة. وأما جواب قوله ﴿(إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي)﴾ المال الحلال اتبعه الضلال فأبخس وأطفّف، أشوب الحلال بالحرام كما تفعلون به.
قوله تعالى: ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ؛﴾ أي ما أريد أن تتركوا ما نهيتكم عنه لأعمل أنا به فانتفع، والمعنى لست أنهاكم عن شيء ثم أدخل فيه، ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ؛﴾ أي ما أريد إلا الإصلاح في أمر الدين والمعاش بقدر استطاعتي، ﴿وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ؛﴾ أي ما توفيقي للصّلاح إلا من الله، والتوفيق من الله: هو كلّ فعل يتّفق مع العبد عند اختيار الطّاعة والصّلاح، ولولاه لكان يختار خلاف ذلك. قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ؛﴾ أي فوّضت أمري إلى الله، وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٨٨)؛أي أرجع.
قوله تعالى: ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ؛﴾ أي يا قوم لا يكسبنّكم عداوتي أن لا تؤمنوا فيصيبكم مثل ما أصاب قوم
стр. 1422
نوح من الغرق، ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ؛﴾ من الرّيح العقيم، ﴿أَوْ قَوْمَ صالِحٍ؛﴾ من الصّيحة، ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ (٨٩)؛أي قد بلغكم ما أصابهم وهم أقرب إليكم ممن تقدّمهم. يجوز أن يكون المراد بذلك قرب زمانهم، ويجوز أن يكون المراد به قرب ديارهم منهم، وكلّ ذلك أقرب إلى الاعتبار.
قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ؛﴾ اي استغفروه من الشّرك والذنوب، ثم توبوا إليه بإخلاص، ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ بعباده، ﴿وَدُودٌ﴾ (٩٠) متودّد بالنّعم وقبول التوبة.
قوله تعالى: ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّا تَقُولُ؛﴾ أي ما نفهم كثيرا مما تقول، قال ابن الأنباريّ: (معناه ما نفقه صحّة كثير ممّا تقول، يعنون من التّوحيد والبعث، وما يأمرهم به من الزّكاة وترك البخس، والفقه في اللّغة هو استدراك معنى الكلام).
قوله تعالى: ﴿وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً؛﴾ قال ابن عبّاس: (أرادوا بالضّعف أنّه ضرير البصر) (١)،وقال ابن جبير: (معناه إنّا لنراك أعمى) (٢)،وقد روي أنه كان قد ذهب بصره من كثرة بكائه من خشية الله تعالى. وفي بعض الرّوايات: أنه عمي ثلاث مرّات، وكان الله تعالى يردّ عليه بصره حتى أوحى إليه: يا شعيب ما هذا البكاء؟ قال: شوقا إليك يا رب. وسئل النّبيّ ﷺ عن شعيب قال: [ذاك خطيب الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين] (٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ؛﴾ أي ولولا عشيرتك لقتلناك بالحجارة، ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ (٩١)؛أي إنا لا ندع قتلك لعزّتك علينا، ولكن لأجل قومك. والمعنى: لست تمتنع علينا أن نقتلك لولا ما نراعي من حقّ عشيرتك.
стр. 1423
قوله تعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ؛﴾ أي إنّكم تزعمون أنّكم تتركون قتلي إكراما لرهطي والله تعالى أولى بأن يتّبع أمره؛ أي إنّكم تركتم قتلي لأجل عشيرتي، ولا تتركونه لأجل الله، قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا؛﴾ أي نبذتم أمر الله وراء ظهوركم، والظّهريّ: ما نبذه الإنسان وراء ظهره، ﴿إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٩٢)؛أي عليم، لا يعزب عنه علم شيء.
قوله تعالى: ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ؛﴾ أي اعملوا على دينكم إنّي عامل على ديني، وهذا على سبيل التّهديد والوعيد، والمكانة والمكان بمعنى واحد. قوله تعالى: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ؛﴾ أي يذلّه ويهينه، وتعلمون ﴿وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ،﴾ على الله، ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ (٩٣)؛أي انتظروا إنّي منتظر معكم.
قوله تعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ أي نجّينا شعيبا من ذلك العذاب، ونجّينا الذين آمنوا معه برحمة منّا، ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ؛﴾ يعني من قوم شعيب.
يقال: إنّ جبريل صاح بهم صيحة، فخرجت أرواحهم من أجسادهم، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ (٩٤)؛أي ميّتين ساقطين صرعى. وقيل: بل واقفين على ركبهم،
﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها؛﴾ أي كأن لم يكونوا في الأرض قطّ.
قوله تعالى: ﴿أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ (٩٥)؛معناه: ألا سحقا وهلاكا لقوم شعيب كما هلكت ثمود، وإنما شبّههم بثمود؛ لأن الصيحة كانت سببا في هلاك الفريقين جميعا.
قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ مدين أصابهم حرّ شديد، ولم تتحرّك الرّيح ليلا ولا نهارا، فكان يحرقهم باللّيل حرّ القمر، وبالنّهار حرّ الشّمس، فنشأت لهم سحابة كهيئة الظّلّة فيها عذابهم، فأتوها يستظلّون تحتها ويطلبون الرّوح، فسال عليهم العذاب من فوقهم، ورجفت الأرض من العذاب وأحرقتهم السّحابة، وذلك قوله
стр. 1424
تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١)).
قال: (ولم يعذب أمّتان بعذاب واحد إلاّ قوم شعيب وصالح، فأمّا قوم صالح فأخذتهم الصّيحة من تحتهم، وأمّا قوم شعيب فأخذتهم الصّيحة من فوقهم).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (٩٦)؛أي أرسلنا موسى بدلائلنا، والآية العلامة التي فيها العبرة، وقوله تعالى: ﴿(وَسُلْطانٍ مُبِينٍ)﴾ أي وحجّة بيّنة مسلّطة على إبطال الفاسد.
وقوله تعالى: ﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ؛﴾ وأشراف قومه، ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ؛﴾ أي اتّبعوا قوله وتركوا أمر الله، ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (٩٧)؛أي ما هو بصائب، إلا أنّهم اتبعوا وخالفوا أمر موسى.
قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ؛﴾ أي يمشي أمام قومه يوم القيامة حتى يهجم بهم على النار، وإنما يمشي أمام قومه يوم القيامة لأنّهم اتبعوه في الدنيا حتى هداهم إلى طريق النار، فكذلك يمشي بهم في الآخرة حتى يدخل بهم النار.
وأما عطف الماضي الذي هو ﴿(فَأَوْرَدَهُمُ)﴾ على المستقبل فهو على معنى فهو إذا قدمهم أوردهم النار. وإنما تقدّمهم ولم يقل يسبق؛ لأن قوله يسبق قومه لا يدلّ على أنه يمشي بين أيديهم.
قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ (٩٨) فيه إلى النار، والورد في الحقيقة إنما يستعمل في الماء كما قال تعالى: ﴿(وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ)﴾ (٢)،ولكن لمّا كان فرعون وقومه في الآخرة يكونون عطاشى ويردون على ما بهم من العطش استعمل فيهم هذه اللّفظة.
قوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ أي وأتبعهم الله في الدنيا لعنة بإبعادهم عن الرّحمة بالغرق ﴿(وَيَوْمَ الْقِيامَةِ)﴾ لهم لعنة أخرى وهي النار،
стр. 1425
﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ (٩٩)؛بئست اللعنة على إثر اللعنة، ترادفت عليهم اللّعنات الغرق في الدنيا والنار في الآخرة.
والرّفد في اللغة: هو العون في الأمر إلا أن العطية تسمّى رفدا لما فيها من العون، كأنّه قال: بئس العطاء ما أعطى. وقال بعضهم: هذا من المقلوب؛ أي بئس الرّدف المردوف، فالرّدف: لعنة الله إياهم، والمردوف لعنة الأنبياء والمؤمنين.
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ؛﴾ أي ذلك الذي ذكرت يا محمّد من أخبار الأمم الماضية ينزل به عليك جبريل ﵇ نقصصهم عليك مرّة بعد مرة، مأخوذ من إتباع الشيء الشيء.
قوله تعالى: ﴿مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ (١٠٠) أي منها قائم الأبنية وقد باد أهله كما قال تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ (١)،والحصيد ما هلك بأهله فلا يبقى له مكان ولا أثر نحو مدائن قوم لوط حصدت من الأرض السّفلى. والمعنى منها قائم بقيت حيطانه ومنها حصيد مخسوف به قد أمحي أثره، قال ابن عبّاس: (قائم ينظرون إليه وإلى ما بقي من أثره، وحصيد قد خرب ولم يبق له أثر شبيه بالزّرع إذا حصد).
قوله تعالى: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ؛﴾ أي ما ظلمناهم بإهلاكهم، ولكن ظلموا أنفسهم بسوء اختيارهم، ﴿فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ؛﴾ أي فما نفعتهم آلهتهم، ﴿الَّتِي يَدْعُونَ؛﴾ التي كانوا يعبدونها، ﴿مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (١٠١)؛أي تخسير ومنه: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٢) أي خسرت يداه وخسر هو.
قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ؛﴾ معناه:
كما أخذ ربّك فرعون ومن تقدّمه من الكفار، فكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي كافرة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (١٠٢)؛ظاهر المعنى. وقوله تعالى:
﴿(وَهِيَ ظالِمَةٌ)﴾ من صفة القرى وهي في الحقيقة لأهلها وسكانها، ونحو هذا قوله ﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً﴾ (٣).
стр. 1426
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ؛﴾ أي إنّ في ذلك لعبرة لمن خاف عذاب الآخرة فلا يقتدى بهم، وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ؛﴾ معناه: إن يوم القيامة يوم يجمع فيه الأوّلون والآخرون، قوله تعالى:
﴿وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (١٠٣)؛أي يشهده أهل السموات والأرض.
قوله تعالى: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ (١٠٤)؛وقد عدّه الله، وعلم أن صلاح الخلق في إدامة التكليف عليهم إلى ذلك ذلك الأجل.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ؛﴾ من قرأ «(يأتي)» بإثبات الياء فعلى الأصل، ومعناه: يوم يأتي ذلك اليوم لا تكلّم نفس في الشّفاعة إلا بأمر الله، ويقال: لا يجبر أحد أن يتكلّم بالاحتجاج وإقامة العذر من مشيئة الله إلا بإذنه، ومن قرأ «(يأت)» بغير ياء فهي لغة هذيل، وهكذا في مصحف عثمان، ومنه يقول العرب: لا أدر ولا أمض، فيحذف الياء ويجتزئ بالكسر، قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (١٠٥)؛أي من الناس شقيّ وسعيد.
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ؛﴾ أي فأمّا الذين كتبت عليهم الشقاوة ففي النار، وقال بعضهم: شقوا بفعلهم، وقال بعضهم: شقوا في بطون أمّهاتهم، فما شقي أحد بفعل إلا بعد ما شقي في بطن أمه، وما شقي في بطن أمه إلا بعد سابق علم الله فيه، وإنما يلحقه اللّوم بالشقاوة المحتومة لا بالشقاوة المعلومة، وكذلك السعادة على هذه الجملة.
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ (١٠٦)؛الزفير شدّة الأنين في الصّدر، والشهيق الأنين الشديد المرتفع نحو الزّعقة التي تكون من شدّة الكرب والحزن، وربّما يتبعها الغشية، ومن هذا قالوا: إن الزفير أوّل صوت نهيق الحمار، والشهيق آخر صوت نهيقه، وسمي رأس الجبل شاهقا لارتفاعه.
قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها؛﴾ أي دائمين في النار. قوله تعالى: ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ؛﴾ قال بعضهم: أراد بذلك مقدار سماء الدّنيا وأرضها، وذلك أنّ العرب إذا أرادت تأكيد التأكيد والتبعيد قالت: ما دامت السموات
стр. 1427
والأرض، وما لاح كوكب، وما أضاء القمر، وما اختلف الجديدان، لا يريد بذلك الشرط، وإنما يريد بذلك التأكيد والتبعيد.
قوله تعالى: ﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ؛﴾ أي سوى ما شاء ربّك من الخلود بعد مضيّ مقدار سماء الدّنيا وأرضها. وقال بعضهم: معنى الآية: ما دامت سماء الدّنيا وأرضها، وسماء الجنّة وأرضها، وقوله: ﴿(إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ)﴾ مذكور على وجه التأبيد أيضا. قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ (١٠٧)؛أي يفعل ما شاء.
قوله تعالى: ﴿*وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا؛﴾ من قرأ «(سعدوا)» بضمّ السين فمعناه: رزقوا السعادة، وممّن قرأ ذلك أهل الكوفة، قوله: ﴿فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (١٠٨)؛أي أعطاهم النعيم عطاء غير مجذوذ أي غير مقطوع.
قوله تعالى: ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ؛﴾ أي فلا تكن أيّها الشاكّ في مرية، ﴿مِمّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ؛﴾ من دون الله أنه باطل، والمرية هي الشكّ مع ظهور دلائل التّهمة، وقوله تعالى: ﴿ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ؛﴾ معناه: ما يعبدون إلا على جهة التقليد لآبائهم. قوله تعالى: ﴿وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ (١٠٩)؛أي حظّهم من العذاب غير منقوص عن مقدار ما استحقّوا؛ آيسهم الله بهذا القول عن العفو، وقيل: أراد بالنصيب الأرزاق والآجال، وما قدّر لهم في دنياهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ؛﴾ أي ولقد أعطينا موسى الكتاب، فصدّق به بعضهم، وكذب به بعضهم، ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ؛﴾ أي لولا وعد الله سبق بإبقاء التكليف عليهم إلى ذكر الوقت لقضى بتعجيل العقاب لمن استحقّ العقاب في الدّنيا، وبتعجيل الثواب لمن استحقّ الثواب في الدنيا. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ (١١٠)؛ أي وإنّهم لفي شكّ من القرآن يريبهم أمره.
стр. 1428
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ؛﴾ معناه: وإنّ كلاّ من الفريقين المصدّق والمكذّب يجتمعان يوم القيامة فيوفّيهم ربّك، ﴿أَعْمالَهُمْ؛﴾ على التمام، ﴿إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١١١)؛وبما يستحقّون من الجزاء خبير.
قرأ ابن كثير ونافع ﴿(وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا)﴾ كلاهما بالتخفيف، وقرأ أبو بكر عن عاصم «(وإن)» مخفّفة «(لمّا)» مشدّدة، والباقون كلاهما بالتشديد، فحجة أبو عمرو والكسائي أن اللام في قوله (لمّا) لام التأكيد دخلت في خبر إن، واللام التي في ﴿(لَيُوَفِّيَنَّهُمْ)﴾ لام القسم، تقديره: والله ليوفّينّهم، دخلت (ما) للفصل بين اللاّمين.
وأما حجة نافع وابن كثير في نصبه (كلا) ما قال سيبويه: إنّه سمع من العرب من يقول: إن عمرا لمنطلق، فيخفّفون إن ويعملونها، وأنشده الشاعر (١):
ووجه حسن النّحر ... كأن ثدييه حقّان
والمعنى على قراءة أبي عمرو «(وإنّ كلا)» من السعيد والشقيّ ليوفّينّهم ربّك أعمالهم، و (ما) زائدة في قوله (لمّا)،ومن خفّف (إن) كان معناه معنى المشدّدة، تقول: إن زيدا لقائم، وإنّ زيدا لقائم، تريد إثبات قيامه، فإذا قلت: إن زيد قائم، فمعناه: ما زيد قائم، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ (٢) بتخفيف (لما)،تقدير لعلّها حافظ، ومن خفّف (إن) وشدّد (لمّا) فتأويله الجحد والتحقيق؛ أي ما كلّ إلا ليوفينّهم، ونصب (كلاّ) على هذا التأويل ب ﴿(لَيُوَفِّيَنَّهُمْ)﴾ لا ب (أن).
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ؛﴾ أي استقم يا محمّد في التمسّك بطاعة الله تعالى كما أمرت وليستقم، ﴿وَمَنْ تابَ مَعَكَ؛﴾ من الشّرك، ﴿وَلا تَطْغَوْا؛﴾ بمجاوزة أوامر الله تعالى، ﴿إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ؛﴾ من الخير والشرّ، ﴿بَصِيرٌ﴾ (١١٢).
стр. 1429
قوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا؛﴾ أي لا تميلوا إلى الذين ظلموا بالأنس بهم والمحبّة والرضا بفعلهم، قال السديّ: (ولا تداهنوا الظّلمة)،وقال أبو العالية: (لا ترضوا بأعمالهم) (١)،وقال عكرمة: (هو أن يحبّهم)،وقال قتادة: (ولا تلحقوا المشركين) (٢).
قوله تعالى: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ أي فتصيبكم كما تصيبهم، ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ؛﴾ من أعوان يدفعون عنكم عذاب الله، ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ (١١٣)؛على أعدائكم؛ لأنّ الله تعالى إنما ينصر المطيعين.
قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ؛﴾ أي وقت الغداة والعصر، ﴿وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ؛﴾ أي ساعة بعد ساعة من الليل، يعني صلاة المغرب والعشاء.
والزّلفى جمع الزّلفة؛ وهي الساعة القريبة من أوّل الليل.
ويقال: إن صلاة الظّهر داخلة في قوله ﴿(طَرَفَيِ النَّهارِ)؛﴾ لأنّها لا تقام إلا بعد الزوال، فإذا زالت الشمس فقد دخل الطرف الآخر خصوصا إذا اعتبر النهار من طلوع الفجر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ؛﴾ أي إن الصلوات الخمس يذهبن الصغائر، كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [الصّلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفّارة لما بينهنّ ما اجتنبت الكبائر] (٣).وقيل: إنّ التوبة تكفّر عقاب السيّئات، وقيل: أراد بالحسنات: سبحان الله؛ والحمد لله؛ ولا إله إلا الله؛ والله أكبر. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١١٥)؛أي ذلك الخطاب تذكير للذاكرين الذين يذكرون أوامر الله ويأخذون بها، ويذكرون نواهيه فيجتنبون معاصيه.
стр. 1430
وعن ابن عبّاس قال: (نزلت هذه الآية في رجل يقال له عمر بن عرفة الأنصاريّ، أتته امرأة تبتاع تمرا فأعجبته، فقال: إنّ في البيت تمرا أجود منه، فانطلقي معي حتّى أعطيك منه.
فانطلقت معه، فلمّا دخلت البيت وثب عليها، فلم يترك شيئا ممّا يفعله الرّجل بالمرأة إلاّ وقد فعله، إلاّ أنّه لم يجامعها-يعني أنّه ضمّها وقبّلها وحذف شهوته- فقالت له: اتّق الله، فتركها وندم، ثمّ اغتسل وأتى إلى رسول الله. فقال: يا رسول الله ما تقول في رجل راود امرأة عن نفسها، ولم يبق شيئا من ما يفعله الرّجل بالنّساء غير أنّه لم يجامعها؟
فقال عمر: لقد سترك الله لو سترت على نفسك! ولم يردّ عليه رسول الله ﷺ شيئا، فقال: [ما أدري، ما أدري عليك حتّى يأتي فيك شيء] فحضرت صلاة العصر، فلمّا فرغ رسول الله ﷺ من الصّلاة، نزل جبريل ﵇ ينبئه بهذه الآية، فقرأها رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله أخاصّ له أم عامّ؟ فقال: [بل عامّ للنّاس كلّهم] (١).
قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ؛﴾ أي فهلاّ كان من القرون الماضية، وقيل: ما كان من القرون من قبلكم ذو تمييز، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ؛﴾ عن المعاصي؛ أي ولماذا أطبقوا كلّهم على المعصية حتى استحقّوا بذلك عذاب الاستئصال، والبقيّة في اللغة: ما يمدح به الإنسان، يقال: فلان في بقيّة، وفي بني فلان بقيّة.
قوله تعالى: ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ؛﴾ كانوا ينهون عن الفساد، وهم الأنبياء ﵈ والصالحون، فأنجيناهم من العذاب. قوله تعالى:
﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ؛﴾ أي أقبلوا على ما خوّلوا من دنياهم،
стр. 1431
واستغنوا بذلك عن طاعة الله، فلم ينهوا عن الفساد، وعتوا عن أمر الله، وآثروا الدّنيا وبطروا، ﴿وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (١١٦)؛أي وكانوا مذنبين بترك الأمر بالمعروف.
قوله تعالى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ (١١٧) أي لم يكن ليهلك أهل القرى بظلم منه عليهم إذا كان أهلها مصلحين، ولكن إنّما كان أهلكهم بظلمهم لأنفسهم. وعن ابن عبّاس ﵁ أنّ معناه: (ما كان ليهلك أهل القرى بشركهم وهم مصلحون، يتعاطون الحقّ بينهم، أي ليس من سبيل الكفّار إذا قصدوا الحقّ في المعاملة، وترك الظّلم أن ينزل الله بهم عذابا يهلكهم).والمعنى: ما كان الله ليهلكهم بشركهم، وهم مصلحون ما بينهم لا يتظالمون ويتعاطون الحقّ بينهم، وإنما يهلكهم إذا تظالموا؛ لأنّ مكافأة الشّرك النار؛ أي إنما يهلكهم بزيادة المعصية على الشّرك، كما في قوم لوط وقوم صالح وقوم موسى وغيرهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً؛﴾ أي لجعلهم كلّهم على دين الإسلام، ولكن علم أنّهم كلّهم ليسوا بأهل لذلك، وقيل: لو شاء لألجأهم إلى الإيمان لآمنوا كلّهم ضرورة، ولكن لو فعل ذلك لزال التكليف.
قوله تعالى: ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (١١٨)؛أي في الدّين على أديان شتّى من يهوديّ ونصرانيّ ومجوسي وغير ذلك.
قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ؛﴾ إلا من عصمه الله من الباطل والأديان المخالفة بأن لطف به، ووفّقه للإيمان المؤدّي إلى الثواب، فهو ناج من الاختلاف بالباطل.
قوله تعالى: ﴿وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ؛﴾ أي وللرّحمة خلقهم؛ أي لكي يؤمنوا فيرحمهم. وقيل: معناه وللاختلاف خلقهم، فتكون اللام في هذا لام العاقبة. قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١١٩)؛ أي من كفّار الجنّ وكفار الإنس.
قوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ؛﴾ أي كلّ القصص وكلّ ما يحتاج إليه نبيّنه لك من أخبار الرّسل ما يطيب ويسكن به قلبك ويزيدك يقينا ويقوّي قلبك. وذلك أنّ النبيّ ﷺ كان ضاق صدره بما يكون من أذى قومه في الله، فقصص الله عليه شيئا من أخبار الرّسل المقدّمين مع أممهم لنثبت به
стр. 1432
فؤادك. قوله تعالى: ﴿وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ؛﴾ أي في هذه السّورة الصّدق من أقاصيص الأنبياء وللوعظ وذكر الجنّة والنار.
وخصّت هذه السورة بمجيء الحقّ فيها تشريفا لها ورفعا لمنزلتها. وقيل: أراد بقوله ﴿(فِي هذِهِ)﴾ الدّنيا، والموعظة: تعريف القبيح للزّجر عنه، وتعريف الحسن للترغيب فيه، و؛ هي؛ ﴿وَذِكْرى؛﴾ الذّكرى، ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٢٠).
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنّا عامِلُونَ﴾ (١٢١) أي اثبتوا على ما أنتم عليه كثبات الرّجل على مكانه، وهذا على وجه التهديد،
﴿وَانْتَظِرُوا؛﴾ ما يعدكم الشيطان، ﴿إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (١٢٢)؛ما وعد الله بنا ونزول ما وعد الله بكم.
قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي له ما غاب عن البلاد في السّماوات والأرض، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ؛﴾ أمر العباد، كلّه؛ فأطعه وفوّض أمرك إليه، ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (١٢٣) أي يجزي المحسنين بإحسانه، والمسيء بإساءته. وقرأ «(يعملون)» بالياء على معنى قل لهم ذلك.
عن رسول الله ﷺ قال: [من قرأ سورة هود أعطي من الأجر بعدد من صدّق نوحا وهودا وشعيبا ولوطا وصالحا وإبراهيم وموسى، ومن كذبهم عشر حسنات، وكان عند الله يوم القيامة من السّعداء].
تم تفسير سورة (هود) والحمد لله رب العالمين.
стр. 1433
سورة يوسف
سورة يوسف ﵇ مائة وإحدى عشرة آية، وألف وتسعمائة وستّة وستّون كلمة، وتسعة آلاف وسبعمائة وستّ وسبعون حرفا، وعن أبيّ بن كعب ﵁ أنّه قال:
[علّموا أرقّاءكم سورة يوسف، فأيّها مسلم قرأها وعلّمها أهله أو ما ملكت يمينه، هوّن الله عليه سكرات الموت، وأعطاه من القوّة أن لا يحسد مسلما] (١) وبالله التّوفيق.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الر؛﴾ قد تقدّم تفسيره، قوله: ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ (١)؛ قيل: معناه: هذه الآيات الكتاب المبين، وقيل: معناه: سورة يوسف آيات الكتاب على القول الذي يقول: إن (الر) اسم السورة. وقوله تعالى: ﴿(الْمُبِينِ)؛﴾ لأنه يبيّن الهدى والرّشد، وقيل: البيّن حلاله وحرامه وحدوده وأحكامه.
قوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا؛﴾ أي أنزلنا القرآن على مجاري كلام العرب في مخاطباتهم، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢)؛أي لكي يدركوا معناه ويفهموا ما فيه، ولو نزل بغير لغة العرب لم يعلموه.
قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ؛﴾ أي نحن نبيّن لك أحسن البينات، والقاصّ هو الذي يأتي بالقصة على حقيقتها.
стр. 1434
واختلف العلماء لم سميت بأحسن القصص من بين الأقاصيص، فقيل:
سماها أحسن القصص؛ لأنه ليس قصّة في القرآن تتضمّن من العبرة والحكم والنكت ما يتضمّن هذه القصة. وقيل: سماعا أحسن القصص لامتداد الأوقات في ما بين مبتدئها إلى منتهاها. قال ابن عبّاس: (كان بين رؤيا يوسف ومسيراته وإخوانه أربعون سنة).
وقيل: سمّاها أحسن القصص؛ لأنّ فيها ذكر الأنبياء والملائكة والصالحين، والإنس والجنّ والأنعام والطير، والملك والمماليك والبحار، والعلماء والجهّال، والرجال والنساء وحيلهنّ ومكرهن، وفيها أيضا ذكر التوحيد والفقه والسير، وتعبير الرّؤيا والسياسة والمعاشرة والتدبير والمعايش، فصارت أحسن القصص لما فيها من المعاني الجزيلة والفوائد الجليلة التي تصلح للدنيا. وقيل: أحسن القصص بمعنى أعجب (١).
وقيل: أراد بأحسن القصص جميع القصص التي في القرآن، فإنّ الله تعالى ذكر في القرآن أخبار الأمم الماضية، وحال رسلهم عليهم الصّلاة والسّلام، وذكر جميع ما يحتاج العباد إليه إلى يوم القيامة بأعذب لفظ في أحسن نظم وترتيب.
قوله تعالى: ﴿(بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ)﴾ أي أوحينا إليك هذا القرآن. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ (٣)؛أي وقد كنت من قبل نزول جبريل عليك بالقرآن غافلا عن قصّة يوسف وعن الحكمة فيها.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً؛﴾ الآية متّصلة بما قبلها، فإنّ معناه: نحن نقصّ عليك أحسن القصص، إذ قال يوسف لأبيه. قرأ طلحة بن مصرف «(يوسف)» بكسر السين، ثم قرأ ابن عبّاس «(يا أبت)» بفتح التاء في جميع القرآن، وأصله على هذا يا أبتا، ثم حذفت الألف، وأبقى فتحة دلالة عليها، قال رؤبة:
تقول بنتي قد أنى أناكا ... يا أبتا علّك أو عساكا
стр. 1435
وقرأ الباقون «(يا أبت)» بالكسرة على الإضافة يقدّرها بعدها، وقيل: كسرت؛ لأنّها أجريت مجرى التأنيث.
قوله تعالى: ﴿(إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً)﴾ قال المفسّرون: رأى يوسف ﵇ هذه الرّؤيا وهو ابن اثنى عشر سنة، قال ابن عبّاس: (وذلك أنّه قال لأبيه: يا أبت إنّي رأيت في المنام أحد عشر كوكبا نزلت من أماكنها فسجدت لي، ورأيت ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ؛﴾ نزلا من أماكنهما فسجدا لي، وأراد بذلك سجدة التّحيّة والعبادة لله ، كما يقوم الملائكة بالسّجود لآدم ﵇.
قال: (وكانت الرّؤيا ليلة القدر ليلة الجمعة، وكان تأويل رؤياه عند يعقوب:
أنّ الشّمس والقمر هو في حالته، وأنّ أمّ يوسف وهي راحيل كانت قد ماتت، وأنّ الأحد عشر كوكبا إخوة يوسف وكانوا أحد عشر أخا، وإنّهم كلّهم سيخضعون ليوسف).وإنّما تأوّلها يعقوب على ذلك؛ لأنّه لا شيء أضوأ من الشّمس والقمر، ويهتدي بضوئهما أهل الأرض، ثمّ لا شيء بعدهما أضوأ من الكواكب، فدلّت رؤياه على أنّ الّذي يخضعون له أئمّة الهدى الّذين يهتدي النّاس بهم.
قوله تعالى: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ (٤)؛ثانيا ليس بتكرار؛ لأنه أراد بالرّؤية الثانية رؤية سجودهم له، وإنما حملت الآية على الرؤيا لا على رؤية العين؛ لأنا نعلم أن الكواكب لا تسجد حقيقة للآدميّين، ولهذا قال يعقوب: (لا تقصص رؤياك على إخوتك).
وعن ابن عبّاس أنّه قال: (لمّا قصّ يوسف رؤياه على أبيه نهره وزجره لئلاّ يفطن إخوته، وقال له في السّرّ: إذا رأيت رؤيا بعدها لا تقصص رؤياك على إخوتك).فذلك قوله تعالى: ﴿قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً؛﴾ لأن رؤيا الأنبياء وحي، يعلم يعقوب أن الإخوة إذا سمعوا بها حسدوه فأمره بالكتمان، وإنما كان قصّها على يعقوب فقط، وهذا القول أقرب إلى ظاهر الآية، أي لا تخبرهم بذلك لئلاّ يحملهم الحسد إلى قصدك بسوء، ومن الخضوع له على إنزال التثريب عليه والاحتيال لهلاكه، والكيد: هو طلب الشرّ بالإنسان على جهة الغيظ عليه.
стр. 1436
اختلف فيما عناه في هذه اللام التي في قوله تعالى: ﴿(فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً)﴾ قال بعضهم: معناه: فيكيدوك واللام صلة كقوله تعالى: ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (١)،وقال بعضهم: هو مثل قولهم: نصحتك ونصحت لك وأشباهه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٥)؛أي إنّ الشيطان عدوّ ظاهر العدوان لبني آدم، فلا تذكر رؤياك لإخوتك؛ لئلا يحملهم الشيطان على الحسد وإنزال الضّرّ بك.
وهذا أصل في جواز ترك إظهار النّعمة عند من يخشى حسده وكيده، وإن كان الله تعالى قال: ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٢)،وعن رسول الله ﷺ أنّه قال:
[استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإنّ كلّ ذي نعمة محسود] (٣).
قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ؛﴾ أي مثل ما رأيت من سجود الشمس والقمر والكواكب، كذلك يصطفيك ربّك ويختارك، ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ؛﴾ قيل: معناه: من تأويل الرّؤيا لأنّ فيه أحاديث الناس عن رؤياهم.
وقيل: معناه: أفهمك عواقب الأمور والحوادث. ويقال: يعلّمك الشرائع التي لا تعلم إلا من قبل الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ؛﴾ أي يتمّ نعمته عليك بالنبوّة كما أتمّ النعمة؛ قوله تعالى: ﴿كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ؛﴾ أي يتمّ النعمة أيضا على أولاد يعقوب بك؛ لأن ذلك يكون سرّ حالهم؛ أي تكون النبوّة فيهم، ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٦)،في أفعاله.
стр. 1437
وفي بعض التفاسير: أنّ يعقوب ﵇ كان خطب إلى خاله ابنته راحيل على أن يخدمه سبع سنين فأجابه، فلما حلّ الأجل زوّجه ابنته الكبرى لايا، فقال يعقوب لخاله: لم يكن هذا على شرطي، قال: إنّا لا ننكح الصغيرة قبل الكبيرة، فهلمّ فآخذ منّي سبع سنين أخرى وأزوّجك راحيل، وكانوا يجمعون بين الأختين، فرعى يعقوب سبع سنين أخرى وزوّجه راحيل، ودفع لكلّ واحدة من ابنتيه أمة تخدمها فوهبتاهما ليعقوب ﵇ فولدت لايا أربعة بنين: روبيل (١) وسمعون ويهودا ولاوي، وولدت راحيل: يوسف وبنيامين، وولدت الأميان: بنيامين وهابيل ودان ويسائيل وجادوان وآشير. فجملة بنيه اثنا عشر ولدا سوى البنتين.
فإن قال قائل: إن كان يعقوب علم أنّ الله يجتبي يوسف ويعلّمه من تأويل الأحاديث، فلم إذا قال: ﴿(لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ)؟﴾ وكيف قال لهم: ﴿(وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ)﴾ مع علمه أنّ الله سيبعثه رسولا؟
والجواب: أنه ﵇ كان عالما من طريق القطع أنّ الله سيبلغه هذه المنزلة، ولكن كان مع ذلك يخاف من وصول المضارّ إليه بكيدهم، وإن لم يخف الهلاك. وأراد بقوله: ﴿(أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ)﴾ الزجر لهم عن التّهاون في حفظه، وإن كان يعلم أن الذئب لا يصل إليه، ولذلك لم يصدّقهم في قولهم: ﴿(فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ)،﴾ بل حاجّهم بما يظهر به كذبهم.
وقيل: أراد بقوله ﴿(وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ)﴾ التخلّص من السّجن، كما خلّص الله إبراهيم ﵇ من النار، وإسحاق من الذبح (٢).
قوله تعالى: ﴿*لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ (٧)؛ معناه: لقد كان في خبر يوسف وإخوته عبرة للسّائلين عنهم. وقرأ ابن كثير (آية) كأنّه جعل شأنه كلّه آية للسائلين (٣)،وذلك أنّ اليهود سألت النبيّ ﷺ عن قصّة يوسف،
стр. 1438
فأخبرهم بها كما في التّوراة، فعجبوا منه وقالوا: من أين لك هذا يا محمّد؟ قال:
[علّمنيه ربي].وقيل: معناه: للسّائلين أي لمن سأل عن أمرهم.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا؛﴾ هذه لام القسم، تقديره: والله ليوسف وأخوه بنيامين أحبّ إلى أبينا منّا، ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ؛﴾ أي جماعة وكانوا عشرة، سموا عصبة؛ لأن بعضهم يتعصّب لبعض (١)،ويعين بعضهم بعضا. والعصبة: ما بين الواحد إلى العشرة، وقيل: إلى الخمسة عشر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٨)؛أي من الخاطئين في ترك العدل في المحبّة بيننا لفي خطأ بيّن من التدبير باختياره الصغيرين، ولا منفعة له فيهما علينا مع أنّا نسعى في منافعه ونرعى له غنمه ونتعهّدها.
قوله تعالى: ﴿اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ؛﴾ اختلفوا في قائل هذا القول، قال وهب: (قائله سمعون)،وقال مقاتل: (قاله روبيل)، وقوله تعالى ﴿(أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً)﴾ يعنون أبعدوه على وجه يقع به اليأس من اجتماعه مع أبيه.
قوله تعالى: ﴿(يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ)﴾ أي يخل لكم وجهه عن يوسف، ويخلص محبّته لكم، ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ﴾ (٩)؛أي تتوبوا بعد ذلك من هذا الذنب، ويصلح حالتكم مع أبيكم.
قوله تعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ؛﴾ قال أكثر المفسّرين: القائل بهذا هو يهودا، وكان أعقلهم وأشدّهم قوة، والمعنى أنه قال لهم اطرحوه في قعر البئر، ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ؛﴾ على الطريق. والغيابة: هو الموضع الذي غاب عن بصرك، والجبّ: هو البئر التي لم تطؤ بالحجارة.
قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ (١٠)؛معناه: قال لهم: إن كنتم لا بدّ فاعلين به أمرا فاعدلوا إلى هذا الأمر، وإلاّ فاتركوا كلّ ذلك. والظاهر من قوله
стр. 1439
(الجب) أنه جبّ مشار إليه معروف، قال وهب: (هو بأرض الأردنّ على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب).
فلمّا أبرموا هذا التدبير وعزموا عليه تلطّفوا بالوصول إلى مرادهم، وجاءوا إلى أبيهم، فقالوا كما قال الله: ﴿قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ (١١)؛أي ما لك لا تأمنّا عليه، فترسله معنا وإنّا له لناصحون في الرّحمة والبرّ.
قوله: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ؛﴾ أي يذهب ويجيء وينشط؛ ويقرأ كلاهما بالنّون والياء.
والرّتع: هو التردّد يمينا وشمالا للاتساع في الملاذ. ومن قرأ «(يرتع)» بالياء فهو من يرتع؛ أي يرعى ماشيته، واللّعب: هو الفعل الذي يطلب منه التّفريح من غير عاقبة محمودة، وهو على وجهين: مباح ومحظور، كما قال ﵇: [كلّ لعب حرام إلاّ ثلاثة: ملاعبة الرّجل أهله، ونبله بقوسه، وتأديبه فرسه] (١) ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (١٢)؛عن الأسواء؛ وعن كلّ ما يخاف عليه.
قوله: ﴿قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ؛﴾ أي يحزنني ذهابكم به؛ لأنه يفارقني فلا أراه، ﴿وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ (١٣)؛ ذكر شيئين: الحزن لذهابهم، والخوف عليه أن يجده الذّئب وحده وقت غفلتهم عنه فيأكله. وكان يعقوب قد رأى في منامه كأنّ ذئبا قد عدا على يوسف، فكان خائفا عليه، فمن ذلك قال: ﴿(أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ)﴾.
قوله تعالى: ﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ؛﴾ أي ونحن جماعة ترى الذّئب قد قصد، ﴿إِنّا إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ (١٤)؛أي لعاجزون، والخسران هنا العجز.
стр. 1440
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ؛﴾ أي فأرسله معهم، فلمّا ذهبوا به اتّفقت دواعيهم أن يجعلوه في الجب، قال السديّ:
(خرجوا به من عند أبيهم وهم مكرمون له، فلمّا صاروا في البرّيّة أظهروا له العداوة، فجعل أخ له يضربه، فيستغيث بالآخر فيضربه، لا يرى فيهم رحيما، فضربوه حتّى كادوا يقتلونه.
فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه لو تعلم ما صنع بابنك؟ فقال لهم يهودا: أليس قد أعطيتموه موثقا ألاّ تقتلوه؟ فانطلقوا به في الجب فدلّوه فيه، فتعلّق بشفير البئر، فربطوا يديه ونزعوا قميصه وقال: يا إخوتاه ردّوا عليّ قميصي أتوارى به، فقالوا:
أدع الشّمس والقمر والأحد عشر كوكبا يلبسوك ويؤنسوك، فدلّوه حتّى إذا بلغ نصف البئر ألقوه وأرادوا أن يموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه، وآوى إلى صخرة فقام عليها وجعل يبكي، فنادوا فظنّ أنّ الرّحمة أدركتهم فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بالحجارة ليقتلوه فمنعهم يهودا، وكان يهودا يأتيه بالطّعام) (١).
قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا؛﴾ قال المفسّرون:
أوحى الله إلى يوسف في البئر تقوية لقلبه: لتصدقنّ رؤياك، ولتخبرنّ إخوتك بصنعهم هذا بعد اليوم، ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (١٥)؛بأنّ يوسف في وقت إخبارك إيّاهم بأمرهم، وكان فيما أوحي إليه: أن اصبر على ما أصابك واكتم حالك، فإنّك تخبرهم بما فعلوا بك.
وعن ابن عبّاس قال: (كان يومئذ ابن سبع عشرة سنة وبقي في الجب ثلاثة أيّام).وفي بعض الروايات: أنه لمّا ألقي في الجب جعل يقول: يا شاهدا غير غائب، ويا قريبا غير بعيد، ويا غالبا غير مغلوب: اجعل لي من أمري فرجا ومخرجا، فأوحى الله إليه وهو في البئر: اصبر على ما أصابك واكتم حالك، فإنّك تخبر إخوانك في وقت عن ما فعلوا بك في وقت إخبارك إيّاهم بأمرهم.