قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ؛﴾ أي قل يا محمّد لأهل مكّة: أرأيتم ما أنزل الله لكم في الكتاب من رزق جعله لكم حلالا طيّبا من الأنعام والحرث، ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً؛﴾ أي جعلتم البحائر والسّوائب حلالا للرّجال منفعة، وحراما على النساء، وجعلتم لآلهتكم من الحرث نصيبا فحرّمتموه على النساء، وأحللتموه للرجال، والله سبحانه لم يحرّم شيئا من ذلك، ﴿قُلْ؛﴾ لهم يا محمد: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ؛﴾ أمركم بتحريمه، ﴿أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ (٥٩)؛تختلقون الكذب، يعني: بيّنوا الحجة في ذلك، وإلاّ فأنتم تفترون على ربكم.
ثم أوعدهم على الكذب فقال: ﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ أي ما ظنّ الذين يكذبون على الله في التحليل والتحريم ماذا يفعل بهم يوم القيامة، أتظنّون أن الله لا يعاقبهم على افترائهم عليه؟ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ؛﴾ أي لذو منّ عليهم بتأخير العذاب عنهم، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ (٦٠)؛نعم الله.
قوله تعالى: ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ؛﴾ أي وما تكون في أمر من الأمور، وقال الحسن: (من شأن الدّنيا وحوائجك فيها، وما تتلوا منه، أي من الله نازل منه من قرآن يوحى إليك من سورة أو آية تقرأ على أمّتك).
والخطاب للنبيّ ﷺ وأمّته داخلون فيه؛ لأنّ خطاب الرئيس خطاب له ولأتباعه، يدلّ على ذلك قوله: ﴿(وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً)﴾ أي ما تعملون أنتم جميعا يا بني آدم عامّة ويا أمّة محمّد من خير أو شرّ، إلاّ كنّا على أمركم وتلاوتكم وعملكم شهودا إذ تدخلون فيه. قال الفرّاء: (معناه يقول: الله تعالى شاهد على كلّ شيء) (١) والمعنى ألا يعلمه فيجازيكم به. والإفاضة الدخول في العمل، وقال ابن الأنباريّ: (إذ تندفعون فيه) وقال ابن عبّاس: (إذ تأخذون فيه).
стр. 1367
قوله تعالى: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ؛﴾ أي ما يغيب وما يبعد، ﴿مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ،﴾ من وزن نملة حميراء صغيرة من أعمال العباد، ﴿فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ﴾ ولا أخفّ من الوزن من الذرّة، ﴿وَلا أَكْبَرَ،﴾ ولا أثقل منه، ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٦١)،إلاّ وهو مع علم الله تعالى ومكتوب في اللوح المحفوظ. والعزوب البعد والذهاب، ويعزب بضمّ الزاي وكسرها لغتان.
قوله تعالى: ﴿(مِثْقالِ ذَرَّةٍ)﴾ أي وزن ذرّة، ومثقال الشيء ما وازنه.
قال الفرّاء: (من نصب قوله تعالى: ﴿(أَصْغَرَ)﴾ و (أكبر) فإنّما أراد الخفض يتبعهما المثقال والذرّة، إلاّ أنّهما لا ينصرفان؛ لأنّهما على وزن أفعل اتّباع معنى المثقال؛ لأنّك لو لقيت من المثقال من كان رفعا وهو كقوله: ما أتاني من أحد عاقل وعاقل، وكذلك: ما لكم من إله غيره وغيره) (١).
وقيل: رفع على الابتداء، وخبره ﴿(إِلاّ فِي كِتابٍ)﴾ فمن قرأ «(ولا أصغر ولا أكبر)» بالنصب فالمعنى: وما يعزب عن ربك من مثقال ذرّة، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. ومن رفع فالمعنى: وما يعزب عن ربك مثقال ذرّة، ولا أصغر ولا أكبر.
قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦٢) معناه: ألا إنّ أولياء الله تولاّهم الله بحفظه وحياطته، لا خوف عليهم يوم القيامة ولا هم يحزنون على ما اختلفوا في الدّنيا،
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٦٣)؛تفسير أولياء الله؛ أي الذين يؤمنون بمحمّد ﷺ والقرآن، ويتّقون الشّرك والفواحش، وعن رسول الله ﷺ : أنّه سئل عن أولياء الله فقال: [هم المتحابّون في الله] (٢)،وعنه ﷺ قال: [هم الّذين إذا رأوا ذكر الله] (٣) يعني إذا رآهم العامّة ذكر من أجل سيماهم في وجوههم.
стр. 1368
وسئل عيسى ﵇ عنهم فقال: (هم الّذين نظروا إلى باطن الدّنيا حين نظر النّاس إلى ظاهرها، ونظروا إلى آجلها حين نظر النّاس إلى عاجلها، فأحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة، يحبّون الله ويحبّون ذكره).
قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ؛﴾ معناه: لهم البشرى في الحياة بالقرآن، وفي الآخرة بالجنّة. ويقال: أراد بالبشرى في الدّنيا بشارة الملائكة ﴿أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا .. ﴾. الآية (١).
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [لم يبق من النّبوّة بعدي إلاّ المبشّرات] قيل:
وما المبشّرات؟ قال ﵇: [الرّؤيا الصّالحة يراها العبد الصّالح لنفسه] (٢) وقرأ له:
[وهي جزء من ستّة وأربعين جزءا من النّبوّة، فمن أري ذلك فليخبر بها] (٣).
قوله تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ؛﴾ أي لا خلف في وعد الله، وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٦٤)؛أي ذلكم الذي وعدكم الله هو الثواب الوافر والنجاة الوافرة.
قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ؛﴾ أي لا يحزنك يا محمّد تكذيبهم إيّاك وتهديدهم لك بالقتل، وفيه تسلية للنبيّ ﷺ على كفرهم وتكذيبهم ونسبتهم له إلى الافتراء على ربه، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً؛﴾ استئناف كلام، ولذلك كسرت (إنّ)،والمعنى: فإنّ القوة لله جميعا يمنعهم عنك بعزّته، ولا يتعذر أحد الا بإذنه وهو ناصرك وناصر دينك، و ﴿هُوَ السَّمِيعُ؛﴾ لمقالة الكفّار ﴿الْعَلِيمُ﴾ (٦٥)؛بضمائرهم. ولا يجوز أن يقرأ «(أنّ العزّة)» بالنصب لاستحالة أن النبيّ ﷺ كان يحزنه قول الكفار بأنّ العزة لله جميعا.
стр. 1369
قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي له من فيهما من الخلق على من لا يعقل. قوله تعالى: ﴿وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ؛﴾ أي ما يتّبعون شركاء على الحقيقة والمعرفة، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ؛﴾ أي ما يدّعونهم إلا بالظنّ بتقليد آبائهم وقول بعضهم: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ (١) ويظنّون أنّها تشفع لهم يوم القيامة. قوله تعالى:
﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ (٦٦)؛أي ما هم إلا يكذبون في قولهم إنّها تشفع لهم عند الله.
قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً؛﴾ أي هو الذي جعل لكم الليل لتناموا فيه وتستريحوا عمّا لحقكم من النّصب بالنهار، وخلق النهار مضيئا للذهاب والمجيء وطلب المعيشة، وسمّاه مبصرا؛ لأنه يبصر فيه كما قال رؤبة: (قد نام ليلي، وتجلّى همّي).قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ؛﴾ أي في ذلك (٢) للدلالات، ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (٦٧)؛دلائل الله، ويتفكّرون فيها.
قوله تعالى: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ؛﴾ أي قال الكفار:
اتّخذ الله ولدا، فإن المشركين قالوا: الملائكة بنات الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، ؛ أي تنزيها له عن الولد، والشّريك، ﴿هُوَ الْغَنِيُّ،﴾ هو غنيّ عن اتخاذ الولد.
قوله تعالى: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ معناه: إنّ من كان له ملك السّماوات والأرض وما بينهما، فما حاجته الى اتّخاذ الولد؟! وإنما يتخذ الولد ذو الضّعف ليتقوّى به، ويستعين به على بعض أموره، وذو الوحشة ليستأنس به، ومن يخاف الموت على نفسه، فيتّخذ الولد ليخلفه في أملاكه بعد موته، والله تعالى
стр. 1370
لا يجوز عليه السّرور ولا المنافع والمصارف (١)،ولا يلحقه الموت، فهو غنيّ عن اتخاذ الولد.
ثم طالب الكفار بالحجّة والبرهان، فقال : ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا؛﴾ أي ما عندكم من حجّة وبرهان على هذا القول، ثم أنكر عليهم ذلك تبكيتا لهم فقال تعالى: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٦٨)؛وهذا على حجّة الإنكار والردّ عليهم؛ أي لم تقولون على الله ما لا علم لكم به ولا حجّة لكم عليه.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ (٦٩) أي قل يا محمّد إن الذين يختلقون كذبا؛ يكذبون به على الله تعالى لا يفلحون في الدّنيا بالحجّة ولا بالآخرة في الثواب، ولا يسعدون في العاقبة وإن اغترّوا بطول السّلامة (٢).
قوله تعالى: ﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا؛﴾ رفع على معنى ذلك متاع في الدّنيا يتمتّعون به قليلا ثم ينقضي. وقيل: لهم متاع في الدّنيا يتمتّعون به أيّاما يسيرة، ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ؛﴾ الغليظ الذي لا ينقطع، ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ،﴾ (٧٠) أي بكفرهم بالله ورسوله.
قوله تعالى: ﴿*وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ؛﴾ أي اقرأ عليهم خبر نوح، ﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ؛﴾ ثقل عليكم وعظم، ﴿مَقامِي،﴾ ومكثي فيكم، ﴿وَتَذْكِيرِي؛﴾ وعظتي لكم ﴿بِآياتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ؛﴾ به وثقت واليه فوّضت أمري، وذلك حين قالوا له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ؛﴾ أي اعزموا على أمركم مع شركائكم. وقيل: معناه: فاعزموا على أمركم، وادعوا لآلهتكم واستعينوا بهم، وأجمعوا على أمر واحد. ومن قرأ «(فاجمعوا)» بنصب الميم فهو من الجمع.
стр. 1371
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً؛﴾ أي يكن أمركم عليكم ظاهرا منكشفا لا يستره شيء. والغمّة مأخوذة من الغمامة، ويقال: الغمّة الغمّ؛ أي لا يكون أمركم غمّا عليكم وفرّجوا عن أنفسكم، ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ (٧١)؛ أي امضوا بما تقصدون من القتل ولا تمهلون.
قال الزجّاج: (الواو في قوله ﴿(وَشُرَكاءَكُمْ)﴾ بمعنى مع) (١) والمعنى فاجمعوا أمركم مع شركائكم ثم لا يكون أمركم عليكم مبهما، يعني ليكن أمركم ظاهرا منكشفا لا تسترون معاداتي، ثمّ امضوا إليّ بمكروهكم وما توعدونني به. معنى قضاء الشيء امضاؤه والفراغ منه، وهذا أحد معجزات نوح ﵇؛ لأنه كان وحيدا، وقد قرعهم بالعجز عن الوصول اليه وإلى قتله، فلم يقدروا عليه بسوء.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ؛﴾ معناه: فإن أعرضتم عن الإيمان بما جئتكم به لم يضرّني إعراضكم، فإنّي لا أطلب منكم أجرا ولا أدعوكم إلى الإيمان لمطمع مني في مالكم، وما دعاني فيما أدعوكم عليه إلا الإيمان بالله، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ؛﴾ أي وقد أمرني، ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ؛﴾ أي مع؛ ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ (٧٢)؛على دينهم.
قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ؛﴾ أي فنجّيناه ومن معه من المؤمنين من الغرق في السفينة، ﴿وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ؛﴾ أي جعل الله الذين نجوا مع نوح ﵇ من الغرق خلفا ومكانا في الأرض من قوم أهلكوا بالتكذيب، كما قال تعالى ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾ (٢) وذلك أنّ الناس كانوا من ذرّيته بعد الغرق، وهلك أهل الأرض جميعا بتكذيبهم لنوح.
قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا؛﴾ أي بدلالتها حسّا، ﴿فَانْظُرْ؛﴾ يا محمّد، ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (٧٣)؛أي كيف صار آخر أمر الذين أنذرتهم الرسل فلم يؤمنوا، وهذا تهديد لقوم النبيّ ﷺ عن تكذيبه
стр. 1372
حتى لا ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نوح، وتسلية للنبيّ ﷺ ليصبر على أذاهم كما صبر نوح ﵇ على أذى الكفّار مع قلّة من معه من المؤمنين.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ؛﴾ أي ثم بعثنا من بعد نوح رسلا مثل هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وغيرهم إلى قومهم، ﴿فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ؛﴾ بالحجج والبراهين، ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا؛﴾ ليصدّقوا، ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ؛﴾ في الابتداء، والمعنى: فما كان الذين بعث إليهم الرسل ليؤمنوا بما كذبوا، ﴿مِنْ قَبْلُ؛﴾ يعني قوم نوح ﵇؛ أي لم يصدّقوا به، كما كذب قوم نوح، وكانوا مثلهم في الكفر والعنف. قوله: ﴿كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٧٤)؛قال ابن عبّاس: (يريد الله تعالى طبع على قلوبهم فأعماها فلا يبصرون سبيل الهدى).
وما بعدها من الآيات:
ظاهر التفسير ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿(٧٦) قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ (٧٧).
قوله تعالى: ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا؛﴾ أي قالوا لموسى ﵇: أجئتنا لتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا، واللّفت هو الصّرف. قوله تعالى: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي ويكون لك ولهارون السلطان والملك والشرف في أرض مصر، ﴿وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٧٨)؛أي بمصدّقين.
وإنما سمّى الملك كبرياء؛ لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدّنيا، والكبرياء استحقاق صفة الكبر في أعلى المراتب، فلهذا لا يجوز أن يوصف به أحد غير الله.
قوله تعالى: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (٧٩)؛أي بكلّ حاذق بالسّحر،
стр. 1373
أمر تعجيز كقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (١) ولا يجوز أن يكون هذا أمرا بالسّحر، إذ عمل السحر كفر، والأنبياء ﵈ لا يأمرون به.
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ؛﴾ معناه: فلما ألقت السّحرة ما جاءوا به، قال لهم موسى: الذي جئتم به السحر والخداع؛ أي الذي جئتم به سحر. ووقف بعض القرّاء على (ما جئتم) ثم قال: (السّحر) على معنى:
أيّ شيء جئتم به أهو السحر؟ على جهة التوبيخ لهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ؛﴾ أي يبطل عمل السّحرة حتى يظهر الحقّ من الباطل، ﴿إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٨١)؛أي لا يرضى عمل السّاحرين.
قوله تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٨٢)؛ أي ينصر دينه الحقّ بالوعد الذي وعده لموسى كما قال تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ (٢) الى آخر الآية. ويجوز أن يكون معنى الكلمات: ما كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ.
قوله تعالى: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ؛﴾ أي ما صدّق بموسى وبما جاء به إلا ذريّته من قوم فرعون، وهم قوم كان آباؤهم من القبط وأمّهاتهم من بني إسرائيل، فآمنوا بموسى واتّبعوا أمّهاتهم وأخوالهم، ولم يسلم آباؤهم الذي كان موسى ﵇ مبعوثا اليهم.
وقال الحسن: (أراد بقوله تعالى (إلاّ ذرّيّة من قوم موسى) كان فرعون أجبرهم على تعلّم السّحر وجعلهم من أصحاب نفسه، فلمّا أسلمت السّحرة وآمنوا بموسى اتّبعهم هؤلاء الذّرّيّة في الإيمان).وكان يقول: (لم يؤمن من القبط أحد إلاّ المؤمن الّذي يكتم إيمانه من فرعون وقومه).
قوله: ﴿(عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ)﴾ معناه على القول الأول: آمنت به ذريّته على خوف من فرعون وآبائهم وقومهم. وعلى القول الثاني: على خوف من
стр. 1374
فرعون وأشرافهم ورؤسائهم أن يعلم الأشراف أمرهم فيخبروا فرعون فيقتلهم ويعذبهم أو يصرفهم عن دينهم. وقال الزجّاج: (إنّما قال (فرعون وملئهم) لأنّ فرعون ذا أصحاب يأتمرون به).
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي لمستكبر في أرض مصر، ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٨٣)؛في الكفر والمعاصي، والإسراف: هو التجاوز عن الحدّ في كلّ شيء. وعن محمّد بن المنكدر قال: (عاش فرعون ثلاثمائة واثنين وعشرين سنة لم ير مكروها، ودعا موسى ﵇ ثلاثين سنة).
قوله تعالى: ﴿وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا؛﴾ أي قال موسى لبني إسرائيل: يا قومي إن كنتم صدّقتم بالله كما تقولون فأسندوا أموركم إليه، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (٨٤)،إن كنتم مخلصين مستسلمين لأوامره، وذلك حين قالوا لموسى: ﴿أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ (١).وقيل: إنّ موسى خاطب بالخطاب المذكور في هذه الآية الذريّة التي آمنت على خوف من فرعون وملئهم.
قوله تعالى: ﴿فَقالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا؛﴾ أي قال موسى أسندنا أمورنا إلى الله ووثقنا به، ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٨٥)؛أي لا تظهرهم علينا فيظنّوا أنّهم على الحقّ، فيكون ذلك فتنة لهم ولغيرهم. ويقال: يعني لا يمكنهم أن ينزلوا بنا أمرا لا نطيق الصبر عليه فننصرف به عن الدّين.
قوله تعالى: ﴿وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ (٨٦)؛أي خلّصنا بطاعتك من استعبادهم إيّانا، فاستجاب الله دعاءهم كما ذكر من بعد.
قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً؛﴾ وذلك أنّ فرعون لمّا أتاه موسى بالرسالة أمر بمساجد بني إسرائيل فكسّرت كلّها وخرّبت، ومنعوهم من الصّلاة علانية، فأنزل الله هذه الآية، وأمروا أن يتّخذوا
стр. 1375
مساجد في بيوتهم ويصلّون فيها خوفا من فرعون. والمعنى: وأوحينا إليهما أن اتّخذا لقومكما بمصر بيوتا، يقال: بوّأه إذا عدّ لغيره بيتا، وتبوّأ إذا اتخذ لنفسه بيتا.
قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً؛﴾ أي اجعلوها مصلّى، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ،﴾ فصلّوا فيها مستترين من فرعون وقومه. وقيل: معناه:
واجعلوا بيوتكم مساجد. وقال الحسن: (واجعلوا بيوتكم نحو القبلة وجبال الكعبة) قال: (وكانت الكعبة قبلة موسى ومن معه من المؤمنين) (١).
وقيل: إنّما لم يذكر الله الزكاة في هذه الآية؛ لأن فرعون قد استعبدهم وأخذ أموالهم فلم يكن لهم ما يجب الزكاة فيه. قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨٧)؛ أي وبشّرهم بالثواب في الآخرة، وبالنّصر في الدّنيا آجلا وعاجلا.
قوله: ﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ أي قال موسى: إنك أعطيت فرعون وملأه زينة؛ أي زهرة من المركب والحليّ والثياب، وأموالا كثيرة من الدراهم والدنانير والعروض. قوله:
﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ؛﴾ أي ربّنا أعطيتهم الزينة والأموال ليكون عاقبة أمرهم أن يضلّوا عن سبيلك فلا يؤمنوا، وهذه اللام لام العاقبة كما في قوله:
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ (٢).
قوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ؛﴾ معنى الطّمس على الأموال تغييرها عن جهتها إلى جهة لا ينتفع بها، وحقيقة الطّمس ذهاب الشيء عن صورته بمحق الأثر. قال مجاهد وقتادة: (فغيّر الله أموال فرعون حتّى صارت دراهمهم ودنانيرهم حجارة أنصافا وأثلاثا وأرباعا، وكذلك سائر أموالهم حتّى السّكّر والفواكه).قال قتادة: (بلغنا أنّ حروثا لهم صارت حجارة) (٣).وقال عطاء: (لم يبق لهم معدن إلاّ طمس الله عليه، فلم ينتفع به أحد).
стр. 1376
قوله: ﴿وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ؛﴾ معناه: واربط على قلوبهم بالصبر حتى لا يتحوّلوا عن بلادهم إلى بلاد الخصب فيبقون في هذه العقوبة أبدا. وقيل: معناه:
امنعهم عن الإيمان بك، والمعنى اطبع عليها حتى لا تلين ولا تشرح الايمان. قوله:
﴿فَلا يُؤْمِنُوا؛﴾ قال الزجّاج والفراء: (هذا دعاء عليهم أيضا) (١)،والتأويل فلا آمنوا، ﴿حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (٨٨)؛يعني الغرق.
قوله تعالى: ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما؛﴾ أي قال الله تعالى لموسى وهارون: قد أجبت دعوتكما، وذلك أنّ موسى كان يدعو بالدّعاء المذكور في الآية، وكان هارون يؤمّن على دعائه، فسمّاها الله داعين، قوله (فاستقيما) أي فاستقيما في دعاء الناس إلى الإيمان، ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٨٩) لأن سبيلهم كان الغيّ والضلال، وخفّف ابن عبّاس (تتبعان) من تبع يتبع، والنون الشديدة إنما دخلت مؤكّدة للنهي.
قوله: ﴿*وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ؛﴾ يعني بحر القلزم وهو بقرب نيل مصر، جعله الله لهم يبسا حتى جاوزوه، ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً؛﴾ ليبغوا عليهم، ﴿وَعَدْواً،﴾ ويظلموهم. قوله: ﴿حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ؛﴾ حتى إذا ألجم فرعون الغرق من إيمان الإنجاء فلم ينفعه ذلك، فلما، ﴿قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٩٠)؛
قال له جبريل: ﴿آلْآنَ؛﴾ أي تؤمن عند الغرق، ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٩١)؛بالكفر والمعاصي في وقت المهلة.
روي عن ابن عباس: (أنّ جبريل قال للنّبيّ ﷺ : لو رأيتني وفرعون يدعو بكلمة الإخلاص وأنا أدسّه في الماء والطّين لشدّة غضبي عليه مخافة أن يتوب فيتوب الله عليه؟ فقال النّبيّ ﷺ : [يا جبريل وما شدّة غضبك؟] قال: يا محمّد لقوله أنا ربّكم الأعلى وهي كلمته الأخيرة، وإنّما قالها حين انتهى إلى البحر، وكلمته
стр. 1377
الأولى: ما علمت لكم من إله غيري، وكان بين الأولى والأخرى أربعين سنة) (١).
وهذه الرواية صحيحة إلاّ قوله: (مخافة أن يتوب فيتوب الله عليه) لأنه لا يخلو إما أن يكون التكليف ثابتا في ذلك الوقت أو غير ثابت، فإن كان ثابتا لم يجز على جبريل ﵇ أن يمنعه من التوبة، ولو منعه من التكلّم باللسان لكانت ندامة فرعون بالقلب كافية في توبته؛ لأن الأخرس إذا تاب بالندم بقلبه وعزم على ترك المعاودة إلى القبيح كانت توبته صحيحة.
وإن لم يكن التكليف ثابتا في ذلك الوقت لم يكن للمنع عن التوبة معنى بوجه من الوجوه، وإنما لا يقبل الإيمان في وقت الإلجاء؛ لأنّ الذي يؤمن في تلك الحالة يعلم أنه لو حاول خلاف ما يؤمر به حيل بينه وبينه، فلا يكون مثابا بإعلاء ذلك الإيمان معرفته من طريق الضرورة دون الاجتهاد.
قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ؛﴾ أي فاليوم نلقيك على نجوة من الأرض، وهي المكان المرتفع؛ أي ببدنك أي بدرعك، قال ابن عبّاس: (كان فرعون قصيرا طوله ستّة أشبار، وكانت لحيته قريبا من قامته، وكانت له درع سلاسلها من ذهب يعرفها جميع بني إسرائيل، فسألت موسى بنو إسرائيل فدعا الله فأخرجه ببدنه حتّى واراه، وعرفوا الدّرع فطابت أنفسهم بتلك).
ويقال: كان في بني إسرائيل من لا يصدّق بهلاك فرعون، ولذلك سأل موسى ﵇ أن يلقيه الله على نجوة من الأرض ببدنه؛ أي وحده دون قومه. وقيل: معناه:
ننجيك من الماء ببدنك دون روحك، فأما روحك فتعذب على كلّ حال. قوله:
﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً؛﴾ أي لمن بعدك من الكفّار آية في النّكال، لئلاّ تقول لأحد بعدك مثل مقالتك، وتعرفوا أنّك لو كنت إلها ما غرقت. قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ (٩٢)؛يعني لغافلون عن التفكّر في دلائلنا.
стр. 1378
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ؛﴾ أي ولقد أنزلنا بني إسرائيل في موضع خصب وأمن، وهي أرض مصر ما بين أردن وفلسطين، ويقال:
هي الأرض المقدّسة التي ورثوها من أبيهم إبراهيم ﵇، وسمّاها منزل صدق؛ لأن فضلها على سائر المنازل كفضل الصّدق على الكذب. وقيل: هم بنو قريظة والنضير أنزلناهم مبوّأ صدق بين المدينة والشّام من أرض يثرب، ﴿وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ؛﴾ أي من النّخل وما فيها من الرّطب والتمر.
قوله: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ؛﴾ معناه أنّهم لم يزالوا مؤمنين بمحمّد ﷺ يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل لم يختلفوا في ذلك، بعث الله محمّدا ﷺ فآمن به بعضهم وكفر به بعضهم.
ومعنى الآية: ما اختلفوا في تصديق النبيّ ﷺ وإنه نبيّ حتى جاءهم العلم، قال ابن عبّاس: (يريد القرآن الّذي جاء به محمّد ﷺ ،وقال الفرّاء: (العلم محمّد ﷺ (١) لأنّه كان معلوما عندهم بنعته، وذلك أن لمّا جاءهم اختلفوا فيه وفي تصديقه فكفر به أكثرهم).
قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ؛﴾ يا محمّد، ﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ،﴾ بتمييز المحقّ من المبطل، ويجازي كلاّ منهم بما يستحقّه، ﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٩٣) فيدخل المصدّقين بك الجنة، ويدخل المكذّبين النار.
قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ؛﴾ قال أكثر أهل العلم: هذا خطاب لرسول الله ﷺ والمراد به غيره من الشّكّاك، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ﴾ (٢) الخطاب للنبيّ ﷺ والمراد به غيره بدليل قوله: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (٣)،ولم يقل بما تعمل، قال الزجّاج: (إنّ الله يخاطب النّبيّ ﷺ وذلك
стр. 1379
الخطاب شامل للخلق، فالمعنى: فإن كنتم في شكّ فاسألوا) (١).
وقال ابن عبّاس: (لم يرد به النّبيّ ﷺ ؛ لأنّه لم يشكّ في الله ولا في ما أوحى إليه، لكن أراد من آمن به وصدّقه في أمرهم أن يسألوا لئلاّ ينافقوا كما شكّ المنافقون).وعن ابن عبّاس أنه قال: (وذلك أنّ كفّار قريش قالوا: إنّ هذا القرآن الّذي يجيء إلى محمّد ما يلقيه الشّياطين إليه! فأنزل الله هذه الآية).
وأراد بالّذين يقرءون الكتاب مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه، فإنّهم يستخبرونك أنّه مكتوب عندهم في التّوراة، فقال النّبيّ ﷺ : [لا أسأل أحدا ولا أشكّ فيه بل أشهد أنّه الحقّ] (٢) وكان النبيّ ﷺ أعلم بالله تعالى وأشدّ يقينا من أن يسألهم، وإنّما التقدير: فإن كنت في شكّ أيّها السامع مما أنزلنا على نبيّك. ومن عادة العرب أنّهم يخاطبون الرجل بشيء يريدون به غيره كما قالوا: إيّاك أعني واسمعي يا جارة.
وكانت الناس على عهد النبيّ ﷺ ثلاث مراتب: مؤمن؛ وكافر؛ وشاكّ، فخاطب الله بهذه الآية الشاكّ أمره بسؤال الذين يقرءون الكتاب من قبله عن النبيّ ﷺ المبشّر به حتى إذا وافقت صفته في الكتاب المنزّل له قبل القرآن صفة النبيّ ﷺ على الشّاكّ هو المبشّر به.
قوله: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٩٥)؛أي الشّاكّين في الحقّ، وما في الآية ظاهر المعنى.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٩٦) معناه: إن الذين أخبر الله عنهم أنّهم لا يؤمنون، ﴿وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (٩٧)؛فيصيرون ملجئين إلى الإيمان، فلم يقبل منهم الإيمان حينئذ.
стр. 1380
قوله: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها؛﴾ أي هلاّ كانت قرية آمنت عند نزول العذاب فنفعها إيمانها وقبل منهم، ﴿إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ؛﴾ لمّا آمنوا وعلم الله منهم الصدق صرف عنهم عذاب الهون، ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ (٩٨)؛آجالهم المضروبة لهم.
وعن ابن عبّاس: (معنى قوله (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلاّ قوم يونس) (١) والمعنى: لم أفعل هذا بأمّة قطّ إلاّ قوم يونس لمّا آمنوا كشفنا عنهم، فتكون (لولا) معناها النّفي. وقال قتادة: (لم يكن هذا معروفا لأمّة من الأمم كفرت، ثمّ آمنت عند نزول العذاب فكشف عنهم إلاّ قوم يونس كشف عنهم العذاب بعد أن تدلّى عليهم) (٢).
قوله تعالى: ﴿(وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ)﴾ آجالهم، وذلك: أن يونس ﵇ بعثه الله إلى قومه، فدعاهم إلى طاعة الله وترك الكفر فأبوا، قال: رب فدعوتهم فأبوا، فأوحى الله إليه: أن ادعوهم فإن أجابوك، وإلاّ فأعلمهم بأنّ العذاب يأتيهم إلى ثلاثة أيّام.
فدعاهم فلم يجيبوا، فأخبرهم بالعذاب وخرج من بينهم، فقالوا: ما جرّبنا عليه كذبا مذ كان، فاحتالوا لأنفسكم.
فلمّا كان اليوم الثالث رأوا حمرة وسوادا من السّماء كهيئة النار والدّخان، فجعلوا يطلبون يونس فلم يجدوا، فلما يئسوا من يونس وجعل يحطّ السواد والحمرة، فقال قائل منهم: فإن لم تجدوا يونس فإنّكم تجدوا ربّ يونس، فادعوه وتضرّعوا إليه.
فخرجوا إلى الصحراء، وأخرجوا النساء والصبيان والبهائم، وعجّوا إلى الله مؤمنين به، وارتفعت الأصوات، وقربت منهم الحمرة والدّخان حتى غشي السواد سطوحهم وبلغهم حرّ النار، فلما علم الله منهم صدق التوبة رفع عنهم العذاب بعد ما كان غشيهم.
стр. 1381
قوله: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً؛﴾ أي لو شاء ربّك يا محمّد لآمن أهل الأرض كلّهم. وقيل: معناه: لو شاء ربّك لأن يجبر الناس على الإيمان لآمن من في الأرض كلهم جميعا، كما آمن قوم يونس.
قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٩٩)؛ معناه: أفأنت تريد إكراه الناس على الإيمان إن لم يرد الله إكراههم عليه مع أنه قادر على إكراههم عليه، فلا ينبغي لك أن تريد هذا، وأنت غير قادر على إكراههم عليه.
وقيل في سبب نزول هذه الآية: أنّ النبي ﷺ كان حريصا على أن يسلم عمّه أبو طالب وقومه، فأعلمه الله بهذه الآية أنّ إسلامهم ليس بيده.
قوله: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ؛﴾ أي بتوفيقه، ويقال: إلا بأمره وقد أمر الله الكلّ بالإيمان، وقيل: معناه: إلا بتمكين الله. قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ (١٠٠)؛قال ابن عبّاس:
(السّخط) (١)،قال أبو الحسن: (العذاب على الّذين لا يعقلون) أي على الذين لا ينتفعون بعقولهم، وقال الحسن: (يحكم عليهم بالكفر ويذمّهم عليه).
قوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي قل لهم يا محمّد تفكّروا فيما في السموات والأرض من الآيات والدّلالات نحو مسير الشمس والقمر والنّجوم في مجاريها في أوقات معلومة على الدّوام، ووقوف السّماء بغير عمد ولا علاقة، وخروج النّتاج من الأمّهات، وانظروا إلى الجبال والشّجر وغير ذلك، وكلّ هذا يقتضي مدبر الأمر يشبه الأشياء ولا تشبهه، ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠١).ثم قال حين لم يتفكّروا.
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ معناه: ما تنفع الآيات، ولا تدفع عمّن سبق في علم الله أنه لا يؤمن، فهل ينظرون إلا أن يصيبهم مثل ما أصاب الأمم قبلهم من العذاب، يقال: أيّام فلان؛ ويراد به أيام
стр. 1382
دولته ومحنته. قوله تعالى: ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا؛﴾ أي انتظروا حلول العذاب الذي أوعدكم به ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (١٠٢)،لذلك.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ معناه: ثم ننجّي رسلنا والمؤمنين من العذاب الذي يحلّ بالكفّار. قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠٣)؛أي كما ننجي الرسل من العذاب كان علينا أن ننجي المؤمنين كلهم من العذاب الذي ينزل بالكفّار.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ أي قل لهم: يا أهل مكّة إن كنتم في شكّ من ديني الذي أتيتكم به، فأنا مستيقن فلا أشكّ في بطلان دينكم، فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله بشكّكم في ديني، ﴿وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ؛﴾ أي يميتكم ويعيدكم، ولا أعبد الذي لا يقدر على الضرّ والنفع والإحياء والإماتة، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠٤).
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً؛﴾ أي وأمرت أن أخلص ديني وعملي لله، والمراد بإقامة الوجه الإقبال على ما أمر به من أمور الدّين، ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٠٥).وقيل: أراد بذلك إقامة الصلاة. والحنيف:
هو المستقيم في الدّين. وقيل: هو العادل عن الأديان الباطلة إلى دين الحقّ.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ؛﴾ أي ما لا ينفعك إن دعوته، ولا يضرّك إن تركت عبادته، ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ،﴾ فإن دعوت غير الله إلها، ﴿فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (١٠٦)؛الضّارّين لنفسك.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ؛﴾ معناه:
إن يرد الله بك ضرّا فلا يقدر أحد على دفع ذلك الضرر إلا هو، ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ؛﴾ بنعمة وأمر تسرّ به، ﴿فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ؛﴾ مانع لعطيّته. قوله تعالى:
﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ؛﴾ أي يختصّ بالفضل من يشاء، ﴿مِنْ عِبادِهِ﴾ على ما توجّه الحكمة على ما يستحقّون بأعمالهم، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ؛﴾ لذنوب العباد، ﴿الرَّحِيمُ﴾ (١٠٧)؛بمن مات على التوبة.
стр. 1383
قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ؛﴾ أي قل يا محمّد للناس كلهم: قد جاءكم الحقّ من ربكم؛ أي الكتاب والرسول، ﴿فَمَنِ اهْتَدى؛﴾ بالكتاب والرسول، ﴿فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ؛﴾ أي يرجع نفع هدايته إليه، ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها؛﴾ فإنّما يكون وبال ضلاله على نفسه، ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (١٠٨)؛أي لست بحفيظ عليكم، أدفع عنكم الضرّ، وأطلب إليكم النفع شئتم أو أبيتم.
قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ؛﴾ أي اتّبع يا محمّد ما تؤمر به في القرآن، ﴿وَاصْبِرْ؛﴾ على أذاهم، ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللهُ؛﴾ يقضي الله بينك وبينهم، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ (١٠٩)؛أعدل القاضين؛ لأنّ الحاكم لا يكون إلا بالصّلاح والسّداد، وكان حكمه أن أمر النبيّ ﷺ بقتالهم.
آخر تفسير سورة (يونس) والحمد لله رب العالمين
стр. 1384
سورة هود
سورة هود كلّها مكّيّة (١) إلاّ في رواية عن ابن عبّاس أنّ قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ إلى آخر الآيتين، فإنّهما نزلتا في المدينة. ومن قرأ سورة هود أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بهود وكذب به، ونوح وشعيب وصالح وإبراهيم، وكان يوم القيامة عند الله من الشّهداء.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الر؛﴾ قال ابن عبّاس: (معناه أنا الله الرّحمن).وقوله: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ؛﴾ وقيل: (كتاب) بدل من قوله (الر) لأنه خبره، كأنه قال: هذه الحروف كتاب.
قوله تعالى: ﴿(أُحْكِمَتْ آياتُهُ)﴾ أي أحكمت بالأمر والنهي، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ؛﴾ بالثواب والعقاب، وقال قتادة: (أحكمت عن الباطل بالحجج والدّلائل، ثمّ فصّلت بأن أنزلت شيئا فشيئا) (٢).وقال الكلبيّ: (كتاب أحكمت آياته لم ينسخ بكتاب، كما نسخت الكتب والشّرائع به، ﴿(ثُمَّ فُصِّلَتْ)﴾ بيّنت بالأحكام من الحلال والحرام، والوعد والوعيد).وقوله: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١)؛أي من عند حكيم في خلقه وتدبيره، خبير بمن يصدّق ويكذّب به.
قوله تعالى: ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ (٢)؛أي أحكم الله القرآن بالحجج لئلاّ يطيعوا إلاّ الله. وقيل: معناه: أمركم أن لا تعبدوا غيره
стр. 1385
إنّني لكم من الله معلّم بموضع المخافة لتحذروا، وموضع الخير لتطلبوا، ونذير بمعنى منذر، كما في قوله ﴿أَلِيمٌ﴾ يعني مؤلم.
قوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ؛﴾ أي وأمركم أن تطلبوا المغفرة من ربكم، واجعلوها غرضكم وتوصّلوا إليها بالتوبة وهي الندم على القبيح، والعزم على ترك المعاودة إليه. وقيل: معناه: وأن استغفروا ربّكم بالتوبة عما سلف من ذنوبكم، ثم توبوا إليه عمّا يقع منكم من الذنوب في المستقبل.
قوله تعالى: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى؛﴾ ﴿(يُمَتِّعْكُمْ)﴾ جزم على جواب الأمر؛ أي إن فعلتم ذلك أنعم الله عليكم نعما سابغة حسانا تستبقون بها إلى آجالكم التي قدّرها الله لكم، فلم يستأصلكم كما استأصل الأمم المكذّبة به قبلكم.
قال القتيبيّ (١): (أصل الإمتاع الإطالة) (٢) يقال: جبل ماتع، وقد متع النهار إذا طال، فمعنى يمتّعكم يعمّركم.
قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ؛﴾ أي من كان ذا فضل في دينه فضّله الله في الآخرة بالثواب على عمله. وقيل: يعطي كلّ ذي عمل صالح أجره وثوابه. وقال ابن عبّاس: (يعطي كلّ من فضلت حسناته على سيّئاته فضله؛ يعني الجنّة وهي فضل الله، يعني أنّ من زادت حسناته على سيّئاته دخل الجنّة).وعن ابن مسعود قال في هذه الآية: (من عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، ومن عمل سيّئة كتبت له سيّئة واحدة، وإن لم يعاقب بتلك السّيّئة في الدّنيا أخذ من عشر حسناته واحدة وبقيت له تسع) ثمّ قال: (هلك من غلبت آحاده أعشاره) (٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا؛﴾ أي إن أعرضوا عن الإيمان والتوبة، ﴿فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ (٣)؛أي عظيم الشّأن وهو يوم القيامة، وإنما
стр. 1386
ذكر الخوف في هذا الموضع؛ لأن الخطاب من الرسول ﷺ ، والخوف عليه جائز.
قوله تعالى: ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤)؛على إعادتكم.
قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ؛﴾ قال ابن عبّاس:
(نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق، كان حين يجالس النّبيّ ﷺ ويظهر له أمرا حسنا، وكان حسن المنظر، وكان حسن الحديث، إلاّ أنّه كان يضمر في قلبه خلاف ما يظهر، فأنزل الله في أمره هذه الآية) (١).
يقال: إنّ طائفة من المشركين بلغ بهم الجهل إلى أن قالوا: إنّا اذا أغلقنا أبوابنا، وأرخينا ستورنا، واستغشينا ثيابنا، وثنينا صدورنا على عداوة محمّد ﷺ كيف يعلم بنا؟ فأنبأ الله نبيّه ﵇ عمّا كتموه. ومعنى الآية: ألا إنّهم يثنون صدورهم على الكفر وعداوة النبيّ ﷺ ؛ ليكتموا منه ما في صدورهم من عداوته بإظهار المحبّة. ويقال: معنى ﴿(يَثْنُونَ)﴾ يعرضون بصدورهم عن النبيّ ﷺ .
قوله تعالى: ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ؛﴾ معناه: ألا حين يتغطّون بثيابهم يعلم الله ما يسرّون بقلوبهم وفيما بينهم وما يظهرون من محبّة أو غيرها، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٥)؛أي عالم بالقلوب التي في الصّدور، لأن الصدور مواضع القلوب.
قوله تعالى: ﴿*وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها؛﴾ أي ما من حيوان يدبّ، قال الزجّاج: (الدّابّة اسم لكلّ حيوان مميّز وغيره، ذكرا كان أو أنثى).
وفي الآية بيان أن الله عالم بالقلوب كلّها، وذلك أنه إذا كان ضامنا رزق كلّ دابة في الأرض، فليس يرزقها إلاّ وهو يعلم صغيرها وكبيرها، من الذرّ فما فوقها وما دونها، وإذا علمها فقد علم مستقرّها ومستودعها، المستقرّ موضع قرارها وهو الموضع الذي تأوي إليه، والمستودع هو الموضع الذي تودع فيه، قيل: إنه الرّحم، وقيل: هو الموضع الذي تدفن فيه.
стр. 1387
وقال قتادة ومجاهد: (أمّا مستقرّها ففي الرّحم، وأمّا مستودعها ففي الصّلب) ﴿كُلٌّ؛﴾ ذلك عند الله، ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٦)؛يعني اللوح المحفوظ، والمعنى: أن ذلك ثابت في علم الله.
قوله تعالى: ﴿(إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها)﴾ قال المفسّرون: فضلا لا وجوبا، والله تكفّل بذلك بفضله. قال أهل المعاني (على) ههنا بمعنى (من)،المعنى: إلاّ من الله رزقها.
قوله تعالى: ﴿(كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ)﴾ أي رزق كلّ دابّة وأجلها مكتوب في اللوح.
قال ابن عبّاس: (إنّ ممّا خلق الله تعالى لوحا محفوظا من درّة بيضاء، دفّتاه من ياقوتة حمراء، عرضه ما بين السّماء والأرض، كتابه نور وقلبه نور، ينظر الله تعالى فيه كلّ يوم ثلاثمائة وستّين نظرة، يخلق بكلّ نظرة ويحيي ويميت ويعزّ ويذلّ ويفعل ما يشاء)،قال أبو روق: (أعلاه معقود بالعرش، وأسفله في حجر ملك كريم يسمّى ماطوتون) (١).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ؛﴾ يعني قبل أن خلق السموات والأرض، قال ابن عبّاس: (خلق الله السّماوات والأرض في ستّة أيّام، أوّلها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، ولو أراد سبحانه خلقها في أقلّ من لحظة لفعل).
قوله تعالى: ﴿(وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ)﴾ فيه بيان أنّ السموات والأرض ليستا بأوّل خلق، وأنه تقدّمهما خلق شيء آخر، وفيه بيان زيادة القدر؛ لأن العرش مع كونه أعظم من السموات والأرض كان على الماء، ولم يكن ذلك الماء على قرار، ولكنّ الله أمسكه بقدرته.
قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً؛﴾ أي ليبلوكم فينظر أيّكم أحسن عملا، فيثيب المطيع المعتبر بما يرى من آيات السموات والأرض، ويعاقب أهل العناد.
стр. 1388
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٧)؛معناه: ولئن قلت يا محمّد للكفار:
إنّكم مبعوثون من بعد الموت، ليقولنّ الذين كفروا: ما هذا إلا تمويه ليس له حقيقة، وقد أقرّوا أنّ الله خالق السموات والأرض، ويمسكها بغير عمد، لا يعجزه شيء فكيف يشكّون في البعث بعد الموت.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ؛﴾ معناه: ولئن أخرنا العذاب عن الكفار، ﴿إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ،﴾ ليقولون: ﴿ما يَحْبِسُهُ،﴾ ما منعناه، قال ابن عبّاس ومجاهد: (يعني إلى أجل وحين)،والأمّة ههنا المدة، ليقولنّ ما يحبس هذا العذاب عنّا إن كان ما يقوله محمّد حقّا، يقول الله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ؛﴾ العذاب، ﴿لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ؛﴾ لا يقدر أحد على صرفه عنهم.
فالمعنى: أنّهم لمّا قالوا: ما يحبس العذاب عنّا على وجه الاستهزاء، قال الله تعالى: ﴿(أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ)﴾ يعني إذا أخذتهم سيوف النبيّ ﷺ وأصحابه لم تغمد عنهم حتى تعلو كلمة الإخلاص. قوله تعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٨)؛أي نزل بهم جزاء استهزائهم وهو العذاب.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ﴾ لا يصبر على سلب تلك النعمة، ويصير أيأس شيء أقنطه من رحمة الله، قال ابن عبّاس: (نزلت في الوليد بن المغيرة)،وقيل: في عبد الله بن أبي أميّة المخزوميّ (١).
والرحمة ههنا الرّزق، وقوله: ﴿كَفُورٌ﴾ (٩)؛أي لا يشكر نعم الله قبل أن تسلب عنه، ولا يصبر بعد أن سلبت.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي؛﴾ أي ولئن أذقنا الكافر النّعم الظاهرة بعد المضرّة الظاهرة التي أصابته، ليقولنّ الكافر: ذهب الشدائد والضرّ والفاقة والآلام عنّي، ويفرح بذلك ويبطر ويفجر به على الناس من دون أن يشكر الله على كشف الشدائد عنه.
стр. 1389
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (١٠)؛أي بطر مفاخر أوليائي بما وسّعت عليه. وإنما نصب اللام في قوله ﴿(لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ)﴾ لأنه في موضع الوحدان، وقوله: ﴿(لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ)﴾ بضمّ اللام في موضع لفظ الجماعة، وقوله تعالى: ﴿(لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)﴾ (١) بنصب اللام أيضا؛ لأن الفعل مقدّم على الاسم فذكر بلفظ الوحدان.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (١١)؛استثناء ليس من الأوّل، معناه: لكن الذين صبروا على الشدائد، وعملوا الصالحات فيما بينهم وبين ربهم أولئك لهم مغفرة لذنوبهم وثواب عظيم على طاعتهم وصبرهم.
قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ؛﴾ سبب نزول هذه الآية: أنّ المشركين كانوا يقولون للنبيّ ﷺ : لو تركت سبّنا وسبّ آلهتنا جالسناك، وكانوا يؤذونه ويقولون: لولا أنزل على محمّد كنز من السّماء فيعش به وينفعه، أو جاء معه ملك يشهد له ويعينه على الرسالة.
وقيل: إن المشركين قالوا للنبيّ ﷺ : لو أتيتنا بكتاب ليس فيه سبّ آلهتنا حتى نؤمن بك ونتّبعك، وقال بعض المتكبرين: هلاّ ينزل عليك يا محمّد ملك يشهد لك بالصدق، أو تعطى كنزا تستغني أنت وأتباعك؟ فهمّ رسول الله ﷺ أن يدع سبّ آلهتهم فأنزل الله هذه الآية. ولا يجوز أن تكون كلمة (لعلّ) في أول هذه الآية على جهة الشّكّ، وإنما الغرض تثبيت النبيّ ﷺ في ما أمر به؛ كيلا يلتفت على قولهم، وكي لا ييأسوا عن ترك أداء الرسالة.
فلما قالوا للنبيّ ﷺ : (لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك).يقول الله للنبيّ ﷺ : ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ؛﴾ أي عليك أن تنذرهم وتخوّفهم وتأتيهم بما يوحى إليك
стр. 1390
من الآيات، وليس عليك أن تأتي بشهواتهم وما يفرحون من الآيات، ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؛﴾ من مقالتهم وغير ذلك، ﴿وَكِيلٌ﴾ (١٢)؛أي حفيظ.
والفرق بين ضائق وضيّق، أن الضائق يكون بضيق عارض، والضّيق قصور الشيء عن مقدار غيره أن يكون فيه، وموضع ﴿(أَنْ يَقُولُوا)﴾ حذف الباء (١) تقديره:
ضائق به صدرك بأن يقولوا.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ؛﴾ معناه: بل يقول الكفّار: اختلق محمّد القرآن من تلقاء نفسه، قل لهم يا محمّد: إن كان هذا مفترى على الله فأتوا بعشر سور مثله مفتريات مختلفات، فإنّ القرآن نزل بلغتكم، وأنا نشأت بين أظهركم، فإن لم يمكنكم أن تأتوا بمثل القرآن فاعلموا أنه من عند الله، ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ،﴾ أي استعينوا بكلّ أحد يقدر على الإتيان بعشر سور مثله مفتريات، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٣)؛في مقالتكم أنّ محمّدا اختلقه.
وذهب بعض المفسّرين: إلى أن المراد بالسّور العشر: من سورة البقرة إلى هذه السّورة، والأولى أن يقال: إن المراد فاتوا بعشر سور مثل سور القرآن أيّ سورة كانت، لأن سورة هود مكّية، وسورة البقرة وما بعدها مدنيّات.
قوله تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؛﴾ (١٤) الخطاب للنبيّ ﷺ والمسلمين؛ أي فإن لم يجبك هؤلاء الكفّار إلى الإتيان بمثل القرآن، فاعلموا أنّ هذا القرآن أنزله جبريل بعلم الله وأمره. ويجوز أن يكون بعلم الله؛ أي بما أنزل الله فيه من غيب.
ويجوز أن يكون معناه: فإن لم يستجيبوا لكم؛ أي فإن لم يجبكم الذين دعوتموهم إلى المعاونة إلى الإتيان بمثل هذا القرآن، فقد قامت عليكم الحجّة، فاعلموا أنّما أنزل بعلم الله، واعلموا أنّما أنزله إلاّ هو، ولا ينزل الوحي أحد غيره، فهل أنتم تخلصون لله في التوحيد والعبادة.
стр. 1391
قوله تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ (١٥)؛في الآية وجهان:
أحدهما: أنّ المراد بالآية إذا أتى بالأعمال التي تكون حسنة في العقل مثل صلة الرّحم والتصدّق وإعانة المظلوم، فإن الله يجازيه على هذه الأعمال في الدّنيا بأن يمكّنه مما حوله ويعطيه ما يسعى لطلبه وافرا عليه ويقرّ عينه بذلك.
والثاني: أنّ المراد بها المنافق إذا خرج للغزو مع المسلمين وهو يريد الغنيمة دون الثواب ونصرة الدّين، يجزيه الله على غزوه بأن أمر بإعطائه سهمه من الغنيمة لا يبخس عنه شيء من سهمه.
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ؛﴾ معناه: إنّ الذين عملوا لغير الله من الكفار والمنافقين ليس لهم في الآخرة إلا النار، ﴿وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها؛﴾ من الأعمال الحسنة؛ لأنّهم لم يروا لها ثوابا، ﴿وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٦)؛من خير.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ؛﴾ اختصار معناه: أفمن كان على بيّنة من ربه، ويتلوه شاهد منه كالذي يريد الحياة الدّنيا وزينتها، وأراد بالبيّنة البرهان الذي هو من الله، وكان النبيّ ﷺ على برهان وحجّة من ربه، ويقرأ عليه القرآن شاهد من الله وهو جبريل ﵇، هكذا قال أكثر المفسّرين أنّ المراد بقوله: أفمن كان على بيّنة من ربه هو النبيّ ﷺ .
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً؛﴾ أي ومن قبل القرآن كان جبريل يقرأ على موسى التوراة إماما يقتدى به، ونعمة من الله لمن آمن به، و (إماما) بالنصب على الحال، (ورحمة) أي ذا رحمة، وقيل: أراد بقوله ﴿(أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ)﴾ جميع المؤمنين، وأراد بالشّاهد النبيّ ﷺ . قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ؛﴾ يعني أصحاب النبيّ ﷺ ومن صدّقه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ؛﴾ أي من يكفر بالنبيّ ﷺ من أصناف الكفّار واليهود والنصارى وغيرهم، فالنار مصيره التي
стр. 1392
وعد الله في الآخرة. قوله تعالى: ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ؛﴾ أي لا تكن في شكّ من القرآن، وظاهر أنّ هذا الخطاب للنبيّ ﷺ إلاّ أن المراد به جميع الناس. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ؛﴾ يعني القرآن، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٧)؛أي لا يصدّقون في أنّ القرآن من عند الله.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً؛﴾ أي ليس أحد أظلم لنفسه من الكاذب على ربه بأن زعم أن له ولدا وشريكا، ﴿أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ،﴾ معناه: أولئك الكاذبون يساقون يوم القيامة إلى ربهم، ويوقفون في المقامات التي يطالبون فيها بأعمالهم، ويسألون فيها، ويجازون عليها.
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ؛﴾ قال ابن عبّاس ومجاهد: (الأشهاد هم الملائكة والأنبياء) (١)،وقال قتادة: (يعني الخلائق) (٢)،وقال مقاتل: (هم النّاس).
والأشهاد جمع شاهد مثل ناصر وأنصار وصاحب وأصحاب، ويجوز أن يكون جمع شهيد مثل شريف وأشراف. والمعنى: يقول الأشهاد يوم القيامة من الملائكة والنبيّين والعلماء وعامّة المؤمنين، ويشيرون الى الكفار فيقولون: ﴿(هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ)﴾ فيفضح الكفار على رءوس الأشهاد.
وقوله تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ (١٨)؛يجوز أن يكون من قول الأشهاد، ويجوز أن يكون من قول الله، وأراد بالظّالمين المشركين، واللّعنة: الإبعاد من الخير.
وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
[يدنو المؤمن من ربه يوم القيامة، ثمّ يقرّره بذنوبه: هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف، فيسأله عن ما شاء أن يسأله، قال: فإنّي قد سترتها عليك في الدّنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثمّ يعطى صحيفة حسناته بيمينه. وأمّا
стр. 1393
الكفّار فينادى عليه على رءوس الأشهاد: هؤلاء الّذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظّالمين] (١).
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً؛﴾ أوّل الآية نعت للظالمين، والمعنى: الذين يسببون للصدّ من دون الله وطاعته، ويبغون لله سبيل الإسلام زيغا وعوجا، يتأوّلون القرآن على خلاف تأويله، ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (١٩)،أعاد كلمة (هم)؛تأكيدا لشأنهم في الكفر.
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ؛﴾ معناه: أولئك ليسوا بغائبين عن الله في الأرض، ولا مهرب لهم من عذابه حتى يجزيهم بأعمالهم الخبيثة.
قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ﴾ أي لا يقتصر لهم على عقاب الكفر، بل يعاقبون على الكفر، وعلى الصدّ عن سبيل الله. وقيل: معناه: كلّما مضى ضعف من العذاب جاءهم ضعف من العذاب.
قوله تعالى: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ؛﴾ أي كان يثقل عليهم سماع الحقّ من شدّة عداوتهم للنبيّ ﷺ ، ﴿وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ (٢٠)؛لأنّهم صمّ عن الحقّ عمي لا يبصرون ولا يهتدون.
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ؛﴾ أي أهلكوا أنفسهم في الآخرة، وذكر الهلاك بلفظ الخسران؛ لأن الخسران هو ذهاب رأس المال، ورأس مال الإنسان نفسه. قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢١)؛أي ذهب عنهم الانتفاع بأعمالهم التي كانوا يكذبون بها على الله كما قالوا في الدّنيا، وقيل: معناه: ذهب عنهم الأصنام التي كانوا يعبدونها في الدّنيا، يفترون بقولهم إنّها آلهة.
стр. 1394
قوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ؛﴾ قيل: معنى ﴿(لا جَرَمَ)﴾:لا بدّ، ويقال: لا محالة، ويقال: حقا، قال سيبويه: (لا جرم بمعنى حقّا) (١).وقال الزجّاج: (لا بقاء لما ظنّوا أنّه ينفعهم) كأنه قال: لا ينفعهم ذلك جرم، ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ (٢٢)؛أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران، وجرم معناه: كسب، وذلك كقوله: ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٣)؛الإخبات: الخشوع والتواضع والطّمأنينة؛ أي تواضعوا وخشعوا لربهم. وقال مجاهد: (اطمأنوا)،وقال قتادة:
(أنابوا).وهذه الآية نازلة في أصحاب النبيّ ﷺ ، وما قبلها نازل في المشركين.
ثم ضرب الله مثلا في الفريقين فقال:
قوله تعالى: ﴿*مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ؛﴾ يعني الكفار، ﴿وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ؛﴾ يعني المؤمنين؛ لأنّهم سمعوا الحقّ وأبصروه واتّبعوه. قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً؛﴾ أي هل يستوي الأعمى والأصمّ والبصير والسميع عند عاقل، كما لا يستويان عند أحد من العقلاء، فكذلك لا يستوي حال المؤمن والكافر عند الله في الدّنيا والآخرة، ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢٤)؛أي أفلا تتّعظون بأمثال القرآن.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٢٥) ابتدأ بذكر أوّل رسول جاء بالشريعة بعد آدم ﵇ وهو نوح ﵇، أوّل من جاء بتحريم الأمّهات والأخوات، وقوله تعالى: ﴿(إِنِّي لَكُمْ)﴾ من فتح الألف كان التقدير:
أرسلنا نوحا بأنّي لكم، ومن كسر فتقديره ليقول: إنّي لكم.
стр. 1395
وقوله تعالى: ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ؛﴾ أي وليقولوا لا تعبدوا إلا الله فإنه لا إله إلا هو، ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (٢٦)؛أي إنّي أعلم أن يكون عليكم إن لم تؤمنوا عذاب يوم أليم، وإنما وصف اليوم بالألم؛ لأن أسباب الألم تقع فيه، فنسب الألم إليه.
وقوله: ﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاّ بَشَراً مِثْلَنا؛﴾ أي قال الرّؤساء والأشراف الذين كفروا من قوم نوح: ما نراك يا نوح إلا بشرا مثلنا في الصورة والخفّة، فلم صرت أولى أن تكون نبيّا ورسولا لله منّا.
قوله تعالى: ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا؛﴾ ما نراك آمن بك إلاّ الذين هم أسافلنا وأخسّنا، قال ابن عبّاس: (يريدون المساكين الّذين لا عقول لهم ولا شرف ولا مال) والرّاذل الدّون من كلّ شيء.
قوله تعالى: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ؛﴾ أي من قرأ «(بادئ)» بالهمز فمعناه: أنّهم اتّبعوك بأوّل الرأي من دون تفكّر ونظر، من قولهم: بدأت الأمر؛ أي ابتدأته، ويجوز أن يكون المعنى: بادي الرؤية؛ أي بأوّل ما تقع الرؤية عليهم يعلم أنّهم أراذلنا، وقد يكون الرأي بمعنى الرّؤية. قال الله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ (١) أي رؤية العين. ومن قرأ «(بادي)» بغير همز فمعناه: ظاهر الرأي وهم يعرفون الظاهر ولا تمييز لهم.
ويجوز أن يكون معناه: اتّبعوك في الظاهر، وباطنهم على خلاف ذلك. قوله تعالى: ﴿وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ؛﴾ أي ما نرى لك ولقومك علينا من فضل، فإنّ الفضل يكون بكثرة المال، وشرف النّسب والمنزلة في الدّنيا، ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ﴾ (٢٧)؛فيما تقولونه على الله، وفيما تدعون إليه.
قوله تعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي؛﴾ أي قال لهم نوح: أخبروني إن كنت على برهان وحجّة من ربي، ﴿وَآتانِي رَحْمَةً؛﴾ نعمة، ﴿مِنْ عِنْدِهِ؛﴾ وهي النبوّة، ﴿فَعُمِّيَتْ؛﴾ فخفيت، ﴿عَلَيْكُمْ،﴾ هذه النعمة
стр. 1396
التي ظهرت لمن اتّبعوني فلم تبصروها لتفاوتكم، ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها،﴾ أمكننا أن نجعلكم قابلين لها، ﴿وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ (٢٨)؛هذا مما لا يكون. قال قتادة: (والله لو استطاع نبيّ الله ألزمها قومه، ولكنّه لم يملك ذلك) (١).
فإن قيل: فهلاّ قال فعميتم عنها وهم الذين كانوا عموا؟ قلنا: قد بيّنا إنه وضع ذلك موضع: فخفيت عليكم، ثم لا فرق بين اللفظين كما لا فرق بين قولهم: أدخلت الخاتم في الإصبع، وأدخلت الإصبع في الخاتم. ومن قرأ «(فعمّيت)» بضمّ العين وتشديد الميم، فالمعنى: أليست عليكم نبوّتي؟.
قوله تعالى: ﴿وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً؛﴾ أي لا أسألكم على دعائي لكم إلى الله مالا، فتخشون العدم في أموالكم بإجابتي، ﴿إِنْ أَجرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ؛﴾ أي ما ثوابي إلا على الله يعطيني في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ قال ابن جريج: (إنّهم سألوه طرد الّذين آمنوا ليؤمنوا به أنفة من أن يكونوا معهم على سواء، فقال: لا يجوز لي طردهم بقولكم وازدرائكم)، ﴿إِنَّهُمْ مُلاقُوا؛﴾ ما وعدهم، ﴿رَبِّهِمْ؛﴾ فيجزيهم بأعمالهم، ويقال: فيخاصموني عنده إن طردتّهم، ﴿وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ (٢٩)؛أوامر الله وما فيه إصلاحكم.
قوله تعالى: ﴿وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ؛﴾ معناه: يا قوم من يمنعني من العقاب النازل في يوم القيامة إن طردت من آمن بي، وآويت من كفر، ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣٠)؛تتّعظون بما أقول لكم فتؤمنون.
قوله تعالى: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ؛﴾ أي لا أرفع نفسي فوق منزلتي، فأقول إنّ عندي مقدورات الله، فأخصّ بذلك من أشاء، وأمنعه ممن أشاء. وقوله تعالى: ﴿(وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ)﴾ أي ولا أدّعي علم الغيب فإني لا أعلم إلا ما علّمني الله.
стр. 1397
ويقال: إنّهم لما قالوا لنوح ﵇: إن هؤلاء إنما آمنوا بك، واتّبعوك في ظاهر ما ترى منهم، أجابهم نوح بهذا، فقال: لا أقول لكم عندي خزائن الله، يعني غيوب الله التي يعلم منها ما تضمره الناس، فلا أعلم الغيب، ولا أعلم ما يسرّونه في أنفسهم، فسبيلي قبول إيمانهم الذي ظهر لي، ومضمراتهم لا يعلمها إلاّ الله.
قوله تعالى: ﴿وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ؛﴾ هذا جواب لقولهم: ما نراك إلا بشرا مثلنا؛ أي لا أدّعي أنّي ملك نزلت إليكم من السّماء. قوله تعالى: ﴿وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً؛﴾ أي لا أقول للذين تحتقر أعينكم وتستصغر: لن يؤتيكم الله صلاحا في الدّنيا وفلاحا في الآخرة، يعني المؤمنين الذين قالوا: هم أراذلنا. قوله تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٣١)؛أي إن طردتّهم تكذيبا، الظاهر إيمانهم.
قوله تعالى: ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا؛﴾ أي قالوا: يا نوح قد خاصمتنا فيما دعوتنا إليه من دين غير آبائنا، فأكثرت خصومتنا ودعاءنا، فلا نقبل منك، ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا،﴾ أي بما تعدنا أنّ الله يعذّبنا على الكفر، ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٣٢)؛أراد بهذا القول أن يلبسوا على ضعفائهم أنّ نوحا عاجز عن إنزال العذاب بهم.
قوله تعالى: ﴿قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ؛﴾ أي إن العذاب ليس بيدي، ولكنّ الله هو الذي يقدر عليه، فينزله عليكم إن شاء، ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (٣٣)؛من إنزال العذاب بكم، عن أبي هريرة ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ نوحا ﵇ كان إذا جادل قومه ضربوه، فإذا أفاق قال: اللهمّ اهد قومي؛ فإنّهم لا يعلمون] (١).
قوله تعالى: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ؛﴾ معناه: قال لهم: لا ينفعكم دعائي، وتحذيري إيّاكم إن أردت أن
стр. 1398
أحذّركم من عذاب الله إن كان الله يريد أن يضلّكم عن الهدى مجازاة بعملكم، فإن إرادة الله فوق إرادتي، ويكون ما يريد لا ما أريد.
فإن قيل: كيف يجوز أن تكون إرادة إبليس موافقة لإرادة الله، وإرادة نوح مخالفة لإرادة الله؟ فالجواب: إنّ الله تعالى شاء لأولئك القوم الكفر، وشاء لنوح أن يسألهم الإيمان، وشاء لإبليس أن يسألهم الكفر، فالكلّ بمشيئة الله تعالى. ويقال: معنى قوله: ﴿(إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ)﴾ إن كان الله يريد أن يهلككم، وينحّيكم من رحمته بكفركم، كما قال ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (١) أي هلاكا وعذابا، والغيّ قد يكون بمعنى الخيبة، كما قال الشاعر:
فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما (٢)
أي ومن يخب، يقال: غوى الرجل يغوي غيّا؛ إذا فسد عليه أمره، أو فسد هو في نفسه، ومنه ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ (٣) أي فسد عليه عيشه في الجنّة، وهذا يؤوّل أيضا إلى معنى الخيبة فيها فساد العيش.
وذكر الحسن في معنى الآية: (لا ينفعكم نصحي اليوم إذا نزل بكم العذاب، فاستدركوا أمركم قبل نزول العذاب لتنتفعوا بنصحي).قوله تعالى: ﴿(هُوَ رَبُّكُمْ)﴾ أي مالككم يقدر على إنزال العذاب بكم، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣٤)؛أي إليه مصيركم بعد الموت فيجزيكم بأعمالكم.
وهذه الآية مما يحتجّ بها أنّ الشرط إذا اعترض على الشرط من غير أن يتخلّلهما الجواب، كان الشرط الثاني مقدّما على الأوّل في المعنى، حتى لو قال قائل:
إن دخلت الدار، إن كلّمت زيدا فعبدي حرّ، لا يحنث حتى يكلّم ثم يدخل.
فيكون تقدير الآية: ولا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم إن أردت أن أنصح لكم.
стр. 1399
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي؛﴾ معناه:
أنّ قومه يقولون: إنّ نوحا قد تقوّل على الله الكذب، فأمر الله نوحا أن يجيبهم بالقول اللّيّن بعد المبالغة في إقامة الحجّة عليهم، فيقول لهم: ﴿(إِنِ افْتَرَيْتُهُ)﴾ أي تقوّلت الكذب على الله فعليّ عقوبة إجرامي، ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ (٣٥)،وأنا بريء من عقوبة جرمكم. ويقال: معنى الآية: أم يقول أهل مكّة إنّ محمّدا ﷺ قد افترى قصّة نوح ﴿(قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي)﴾ والإجرام يستعمل في كسب الإثم خاصّة.
قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ أي وأوحى الله إلى نوح: أنه لن يصدّق من قومك سوى من صدّق، ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣٦)؛فلا تغتمّ بالحزن عليهم، والابتئاس: هو الغمّ على وجه الاستكانة للحزن على الشّأن. فقيل: إنما دعا نوح ﵇ بقوله: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ (١) بعد هذا الوحي.
قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا؛﴾ أي اصنع السّفينة بحفظنا لك حفظ الرّاعي لغيره لدفع الضّرر عنه، وذكر الأعين لتأكيد الحفظ. ويقال: معناه بأعين الملائكة الذين يعرّفونك كيف تصنع السفينة.
قوله تعالى: ﴿(وَوَحْيِنا)﴾ أي وبأمرنا إيّاك. قوله تعالى: ﴿وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا؛﴾ أي لا تراجعني الكلام في نجاة الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ؛﴾ (٣٧) بالطّوفان.
قوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ أي لما أخذ نوح في علاج السّفينة. ويروى أنه استأجر أجراء ينحتون معه، وكلّما مرّ ملأ من قومه هزءوا به لمعالجته السفينة؛ لأنّهم كانوا يرونه يعمل السفينة مع أنّه لم يكن بقربه ماء، وكان من لدن آدم ﵇ إلى نوح يسقون من ماء المطر، فلا بحر ولا نهر جار، فكانوا يقولون: انظروا إلى هذا الشّيخ الضالّ يصنع هذه السفينة يخوّفنا بالغرق،
стр. 1400
ويجعل للماء إكافا (١) فأين الماء؟! وكانوا يقولون في كلامهم: فرغت من أمر النبوّة، وأخذت في أمر النّجارة! وكانوا يرونه ينجر الخشب، وهي شبه البيت العظيم، فإذا سألوه عن ذلك، قال أعمل سفينة تجري في الماء، ولم يكن هناك قبل ذلك سفينة، فكانوا يتضاحكون ويعجبون من عمله.
و ﴿قالَ؛﴾ لهم نوح: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا؛﴾ الآن، ﴿فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ؛﴾ عند نزول العذاب، ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ (٣٨)؛أنتم الساعة؛ أي إن كنتم تسخرون منّا لما ترون من صنعة الفلك، فإنّا نعجب من غفلتكم عما أضلّكم،
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ؛﴾ من أحقّ بالسّخريّ منّا ومنكم، وتعلمون، ﴿مَنْ؛﴾ الذي، ﴿يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ؛﴾ في الدّنيا، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ،﴾ وينزل عليه، ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ (٣٩)؛دائم في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ الله أوحى إليه أنّ موعدك أن يخرج الماء من آخر مكان في دارك وهو تنّور الخابزة، تنّور آدم ﵇ كان يوم حجّ نوح ﵇ رأى تنّور آدم ﵇ فحمله معه، ووهبه الله تعالى له).
ثمّ قال له: إذا رأيت الماء قد فاض منه فاحمل في السّفينة ما أمرت به من أجناس الحيوان، ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ؛﴾ واحمل؛ ﴿وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ؛﴾ بالعذاب وهي امرأته الكافرة وابنه كنعان استثناهما الله من جملة أهله.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ آمَنَ؛﴾ أي احمل من آمن معك أيضا في السّفينة، وقال ابن عبّاس وعكرمة والزهريّ: (معنى قوله تعالى: ﴿(وَفارَ التَّنُّورُ)﴾ أي انبجس الماء
стр. 1401
على وجه الأرض) (١).وقال عليّ ﵁: (وفار التّنّور؛ أي طلع الفجر) (٢).
وقوله تعالى: ﴿(جاءَ أَمْرُنا)﴾ أي عذابنا، وقوله تعالى: ﴿(قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)﴾ أي احمل في السفينة من كلّ زوجين اثنين، الذكر زوج والأنثى زوج، وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة؛ قالوا: (ذكرا وأنثى).
فلما فار الماء من التّنور أرسل الله السماء بمطر شديد، فأقبلت الوحوش حين أصابها مطر السماء إلى نوح وسخّرت، فحمل في السفينة من كلّ طير زوجين، ومن كلّ وحش زوجين، وكلّ دابّة وبهيمة زوجين، ومن كلّ سبع زوجين، وحمل من البقر والغنم خمسة أزواج.
وبعث الله جبريل فقطع فقار العقرب، وضرب فم الحيّة فحملها في السّفينة، وكانت السماء تمطر، وكان هو عند قومه يحذّرهم حتى ابتلّت أقدامهم، وصار الماء إلى الكعبين، ثم حذرهم حتى صار الماء إلى نصف الساق، ثم حذرهم حتى صار إلى الرّكب وإلى الحقوين، كلّ ذلك يحذّرهم وينذرهم، وكان ينوح ويبكي عليهم. وقال ابن عبّاس: (سمّي نوحا؛ لأنّه كان ينوح على الإسلام حيث لم يقرّ به قومه).
فلمّا بلغ الماء الشّدوة قال: غرق قومي، ثم قال لابنه كنعان: (يا بنيّ اركب معنا) فكثر الماء حتى صار فوق الجبال خمسة عشر ذراعا بالذراع الأول، وكان للسفينة ثلاثة أبواب بعضها أسفل من بعض، حمل في الباب الأسفل السّباع والهوامّ، وفي الباب الأوسط الوحش والبهائم، وفي الباب الأعلى بني آدم، وكانوا ثمانين إنسانا، أربعين رجلا وأربعين امرأة، سوى التي غرقت، وثلاثة بنين: سام وحام ويافث، ونساؤهم واثنان وسبعون إنسانا فيهم الخضر وهو ابن بنت نوح.
واختلفوا في مقدار السفينة، قال الحسن: (كان طولها ألفا ومائتي ذراع، وعرضها ستّمائة ذراع) (٣)،وقال ابن عبّاس: (كان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعا، وارتفاعها ثلاثين) وهو قول قتادة قال: (وكان لها بابان في عرضها).
стр. 1402
وقوله تعالى: ﴿(وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ)﴾ أي واحمل أهلك، يعني ولده وعياله، ﴿(إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ)﴾ يعني امرأته وأهله وابنه كنعان، و ﴿(مَنْ آمَنَ)﴾ يعني واحمل من آمن.
قوله تعالى: ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ (٤٠)؛أي إلا نفر قليل، قيل:
ثمانون إنسانا، وقيل: ثلاثة بنين وثلاث كنائن، الكنائن: زوجات البنين، وقال ابن جريج: (كانوا ثمانية أنفس) (١).
قوله تعالى: ﴿*وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها؛﴾ أي قال لهم نوح: اركبوا في السفينة، وقوله ﴿(بِسْمِ اللهِ)﴾ يجوز أن يكون متّصلا بقوله ﴿(ارْكَبُوا)﴾ أي اركبوا بسم الله، ويجوز أن يكون متّصلا بقوله ﴿(مَجْراها وَمُرْساها)﴾ أي بسم الله إجراؤها وإرساؤها.
وقال الضحّاك: (كانوا إذا أرادوا أن تجري السّفينة قالوا: بسم الله، فجرت، وإذا أرادوا أن يرسوها قالوا: بسم الله، فرست)،ومن قرأها «(مجراها)» بنصب الميم فهو عبارة عن الموضع الذي تجري فيه، ولم يقرأ أحد «(مرساها)» الا بضمّ الميم، ومن قرأ «(مجريها ومرسيها)» فهو نعت (الله)،والمعنى بسم الله المجري لها حيث يشاء، ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤١).
قوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ؛﴾ يعني: السفينة تجري بهم في موج كالجبال العظيمة، ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ؛﴾ كنعان وكان كافرا، ﴿وَكانَ فِي مَعْزِلٍ؛﴾ عنه ولم يركب معه، وقيل: معناه: وكان في معزل من دين أبيه: ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا؛﴾ في السّفينة بشرط الإيمان، ولذلك قال:
﴿وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ﴾ (٤٢)؛أي على دينهم فتغرق معهم، وقال الحسن:
(إنّما دعاه إلى ركوب السّفينة؛ لأنّ ابنه كان يظهر له الإيمان نفاقا، وكان يحس به مؤمنا).
стр. 1403
واختلفت القراءة في قوله ﴿(يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا):﴾ قرأ بعضهم بكسر الياء على الإضافة وهو الأجود؛ لأن الأصل يا بني ثلاث ياءات، ياء التصغير وياء الفعل (١) وياء الإضافة، فحذفت ياء الإضافة، وتركت الكسرة دليلا على الإضافة، وأدغمت إحدى الياءين في الأخرى (٢).وقرأ بعضهم «(يا بنيّ)» بفتح الياء على أن أصلها: يا بنيّا بالألف، كما تقول العرب: يا غلاما أقبل، تريد يا غلامي أقبل، فتبدل الألف من ياء الإضافة على وجه النّدبة والتّفجيع، وكان الأصل يا بنيّا ثم حذفت الألف لسكونها وسكون الراء من قوله (اركب).
قوله تعالى: ﴿قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ؛﴾ أي قال ابن نوح: سأذهب وأرجع إلى مأوى من الجبل حريز يمنعني من آفات الماء، ﴿قالَ؛﴾ له نوح ﵇: ﴿لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ؛﴾ بالنجاة، وتقدير الكلام: لا عاصم اليوم من عذاب الله إلا الله تعالى، وقال بعضهم: لا عاصم اليوم من عذاب الله إلا من ﵀، وهو نوح ﵇ فإنّه قد جعل الله إليه إركاب المؤمنين في السفينة، وقيل: معناه: لا معصوم اليوم إلا من ﵀، كما قال الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسي
المطعوم (٣) المكسوّ، ومنه يقال: سرّ كاتم أي مكتوم.
قوله تعالى: ﴿وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ؛﴾ أي بين كنعان ونوح، وقيل: بين كنعان والجبل، ﴿فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ (٤٣).
стр. 1404
قوله: ﴿وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي؛﴾ أي قيل بعد ما تناهى أمر الطّوفان، وذلك لما روى ابن عبّاس ﵄: (أنّ السّماء مطرت أربعين يوما اللّيل والنّهار، وخرج ماء الأرض أربعين يوما اللّيل والنّهار، وسارت بهم السّفينة فطافت بهم الأرض كلّها في خمسة أشهر لا تستقرّ على شيء حتّى أتت الحرم فلم تدخله، وطافت بالحرم أسبوعا، ورفع البيت الّذي بناه آدم إلى السّماء، وهو البيت المعمور، جعل الحجر الأسود على أبي قبيس، وأودع فيه، ثمّ ذهبت بهم السّفينة في الأرض حتّى انتهت بهم إلى الجوديّ وهو جبل بأرض الموصل، فاستقرّت عليه بعد خمسة أشهر).ويقال: ركب نوح في السفينة لعشر مضين من رجب، وخرج منها يوم عاشوراء، فذلك خمسة أشهر.
فلما استقرّت السفينة على الجوديّ كشف نوح الطبق الذي فيه الطير، فبعث الغراب ليأتيه بالخبر فأبصر جيفة، فوقع عليها وأبطأ على نوح ولم يأته، فأرسل الحدأة على إثره فأبطأت عليه ولم تأته، فدعا على الغراب أن يكون طويل العمر في مخافة وشقاء. ثم أرسل الحمامة بعد الحدأة بسبع فلم تجد موقعا فرجعت، فبسط لها نوح ﵇ كفّه فوقعت عليه، ثم مكث نوح ما شاء الله، ثم أرسلها مرّة أخرى فجاءت بعد ذلك فوقعت على الأرض وغابت رجلاها في الطّين، فعرف نوح أن الأرض قد ظهرت، فدعا بها فقال: كوني آنس طير وأنعمه وأكيسه.
وقوله تعالى: ﴿(وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ)﴾ أي أنشفي الماء الذي خرج منك.
قوله تعالى: ﴿(وَيا سَماءُ أَقْلِعِي)﴾ أي كفّي عن الصّب، يقال: أقلعت السماء إذا استمسك المطر حتى لم يبق له أثر، وأقلعت الحمّى عن فلان إذا تركته. قوله تعالى:
﴿وَغِيضَ الْماءُ؛﴾ أي ونشف الأرض ماؤها، ويقال غاض الماء يغيض إذا غار في الأرض.
قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ؛﴾ أي وقع هلاك الكفار على التّمام، هلك من هلك، ونجا من نجا. قال ابن عبّاس: (نشّفت الأرض ماءها الّذي خرج منها، وذهب ماء السّماء إلى البحور؛ لأنّ الله تعالى قال ﴿(يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ))﴾.
стр. 1405
قوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ؛﴾ أي استوت السفينة على الجوديّ شهرا، وهو جبل بالجزيرة، ﴿وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٤٤)؛يجوز أن يكون معناه:
قال الله تعالى: ﴿(بُعْداً)﴾ أي سخط من رحمة الله للقوم الكافرين، ويجوز أن يكون هذا من قول أهل السفينة حين نجوا من الغرق، وخرجوا من السفينة، قالوا: ﴿(بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ)﴾ أي أبعدهم الله من رحمته في الآخرة أيضا.
قوله تعالى: ﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي؛﴾ أي قومي، ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ؛﴾ بنجاة قومي، ﴿الْحَقُّ؛﴾ الصّدق لا شكّ فيه، ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ﴾ (٤٥)؛في قولك وفعلك، وكان دعاء نوح ﵇ بهذا الدّعاء حين حال الموج بينه وبين ابنه كنعان.
﴿قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ؛﴾ معناه: قال الله: يا نوح إنّه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم، إنما أهلك دينك، وإنّ ابنك كافر ليس على دينك، فانقطعت العصمة بينك وبينه بكفره وإيمانك.
قوله تعالى: ﴿(إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ)﴾ أي إنّ سؤالك إيّاي أن أنجي كافرا عمل غير صالح، قرأ الكسائيّ ويعقوب «(عمل)» بكسر الميم وفتح اللام ﴿(غَيْرُ)﴾ منصوب؛ أي إنه عمل بالشّرك والتكذيب، وقرأ الباقون بالرّفع والتنوين «(غير)» بالرفع؛ أي إنه ذو عمل غير صالح. وقيل: إنّ سؤالك إيّاي نجاة ولدك الذي ليس من أهلك سؤال غير مرض.
قوله تعالى: ﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ؛﴾ قرأ ابن كثير بتشديد النّون وفتحها، وقرأ أهل المدينة والشام بتشديد النون وكسرها، والمعنى واحد؛ أي لا تسألني ما ليس لك به علم أنه صواب وأنا أفصله.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٤٦)؛أي إنّي أعظك أن تسألني سؤال الجاهل، ولكن سلني سؤال العالم بي. والوعظ في اللغة: هو الزّجر عن القبيح، وكان نداء نوح (رب إنّ ابني من أهلي) نداء تعظيم لله تعالى على ظنّ أنّ ابنه من أهل دينه. وقوله تعالى ﴿(إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)﴾ نداء تنبيه على أنه ليس من أهل دينه، ولا من أهل أن يلطف به.