ثم قال لإخوته كما قال الله تعالى:
قوله تعالى: ﴿اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ؛﴾ صواع الملك. وقرأ ابن عبّاس «(سرّق)» بضمّ السين وتشديد الراء، ﴿وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا؛﴾ إخبار عن ظاهر وجود الصّاع في رحل بنيامين أنه هو الآخذ له، ﴿وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ (٨١)؛أي ما كنّا ندري باطن الأمر في السّرقة أنه سرق أو كذب عليه.
قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها؛﴾ أي اسأل من شئت من أهل القرية التي كنّا فيها وهي مصر، فإنّ هذا أمر شائع فيهم، يخبرك به من سألته.
وسمّى مصر قرية؛ لأن العرب تسمّي الأمصار والمدائن قرى. وقيل: أراد بالقرية قرية من قرى مصر وهي التي ارتحلوا من مصر إليها.
قوله: ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها؛﴾ أي واسأل أهل القافلة التي رجعنا منهم، وكان قد صحبهم قوم كنعان. قوله تعالى: ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ (٨٢)؛أي لصادقون فيما نقول لك. فقال لهم يعقوب كما قال الله تعالى:
قوله تعالى: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ؛﴾ أي قال: إنّ ابني لا يسرق، وإنّما سهّلت لكم أنفسكم أمرا إذا قلتم فيه سرق، فأمري صبر جميل لا جزع فيه.
قوله تعالى: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً؛﴾ أي بيوسف وبنيامين وروبيل، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ؛﴾ بعباده، ﴿الْحَكِيمُ﴾ (٨٣)؛في تدبير أمر خلقه.
قوله تعالى: ﴿وَتَوَلّى عَنْهُمْ؛﴾ أي أعرض عنهم لشدّة الحزن، ﴿وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ؛﴾ أي أقبل أيّها الأسف فقد حان وقتك، والأسف والحزن واحد. وقيل: الأسف أشدّ من الحزن. قوله تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ،﴾ من شدّة البكاء وإلاّ فالحزن لا يبيّض العين، والدمع مما لا يمكن
стр. 1472
الاحتراز عنه كما قال ﷺ : [القلب يحزن والعين تدمع] (١).
قوله تعالى: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٨٤)؛أي ممسك للحزن يتردّد حزنه في جوفه، وقال عطاء: (الكظيم الحزين)،وقال الضحّاك: (كميد)،وقال ابن عبّاس:
(مهموم) قال مقاتل: (لم يبصر بعينين ستّ سنين حتّى كشفه الله بقميص يوسف) (٢)،قيل: بلغ من حزن يعقوب حزن سبعين ثكلى (٣).
قوله تعالى: ﴿قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ﴾ (٨٥)؛أي قال أولاد يعقوب: والله لا تزال تذكر يوسف حتى تكون دنفا (٤) أو تموت، والحرض الذائب البالي. وعن الحسن: (حتّى تكون حرضا) بضمّتين، أراد كالأشنان الموقوف. وقال الربيع: (الحرض يابس الجلد على العظم).وقيل: هو الضّعيف الذي لا حراك به.
وإنما أضمر (لا) في قوله ﴿(تَفْتَؤُا)﴾ لأنّ العرب تقول: والله تدخل هذا الدار، تريد بذلك نفي الدخول، فإذا أرادت للإثبات قالت: لتدخلنّ.
قوله تعالى: ﴿قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ؛﴾ أي قال يعقوب: إنّما أشكو غمّي وحزني إلى الله. والبثّ: هو تفريق الحزن الذي لا يكاد يصبر عنه صاحبه حتى يبثّه.
وروي أنّ رجلا قال ليعقوب ﵇: ما الذي أذهب بصرك؟ قال: حزني على يوسف، قال: فما الذي قوّس ظهرك؟ قال: حزني على أخيه. فأوحى الله إليه: يا
стр. 1473
يعقوب أتشكوني؟ وعزّتي لا أكشف ما بك حتى تدعوني، فقال عند ذلك: ﴿(إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ)﴾ فأوحى الله إليه: وعزّتي وجلالي لو كانا ميّتين لأحييتهما لك حتى تنظر إليهما.
وقيل: إنّ رجلا دخل عليه فقال له: يا يعقوب ما لي أراك قد انهشمت وفنيت؟ قال: هشّمني وأفناني ما ابتلاني الله به من همّ يوسف، فأوحى الله إليه:
أتشكوني إلى خلقي؟ فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي، فقال: قد غفرتها لك، فكان بعد ذلك إذا سئل قال: ﴿(إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ)﴾.
قال وهب بن منبه: (أوحى الله إلى يعقوب: أتدري لم عاقبتك وحبست عنك يوسف ثمانين سنة؟ فقال: لا، قال: لأنّك شويت وقتّرت على جارك وأكلت ولم تطعمه!) (١).ويقال: إن سبب ابتلاء يعقوب، أنه كان له بقرة وكان لها عجل، فذبح عجلها بين يديها وهي تخور، فلم يرحمها يعقوب فأخذه الله به وابتلاه بفقد أعزّ أولاده من وسيط الواحد!
قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٨٦)؛أي أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وإنّا سنسجد له. وقيل: أعلم أن يوسف حيّ لم يمت؛ لأنه روي أن ملك الموت دخل على يعقوب، فقال له يعقوب: هل قبضت روح ولدي يوسف في الأرواح؟ قال: لا وستراه عاجلا (٢).
فعند ذلك قال يعقوب لأولاده كما قال الله تعالى: ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ؛﴾ أي اذهبوا واستخبروا واطلبوا يوسف وأخاه، وقال ابن عبّاس: (معناه: فالتمسوا يوسف وأخاه)، ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ؛﴾ أي لا تقنطوا من فرج الله، ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ (٨٧)؛ وسئل ابن عبّاس عن الفرق بين التّحسيس والتّجسيس، فقال: (التّحسّس في الخير، والتّجسّس في الشّرّ).
стр. 1474
وروي أن يعقوب كتب كتابا إلى عزيز مصر: بسم الله الرّحمن الرحيم: من يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم إلى عزيز مصر، أما فإنّا أهل بيت موكّل بنا البلاء، ابتلى الله جدّي بأن طرح في النار فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وابتلى عمّي إسماعيل بالذبح، ففداه الله بكبش عظيم، وابتلى أبي بالعمى، وابتليت أنا بغيبة ابني يوسف فذهب بصري، وزعمت أنّ ابني سرق، وما ولدت سارقا، فخلّ سبيل ابني وإلا فإن الله يفعل ما يشاء.
ثم دفع الكتاب إلى أولاده وقال لهم: إذا دخلتم عليه فقولوا: يا أيّا العزيز مسّنا وأهلنا الضّرّ، فذلك:
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ؛﴾ أي فلمّا دخلوا في المرّة الثالثة قالوا: يا أيّها العزيز مسّنا وأهلنا الشدّة من القحط، ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ؛﴾ أي قليلة كاسدة، والمزجاة: هي الشيء اليسير الذي يدافع به. روي أنّهم جاءوا بمتاع الأعراب مثل الأقط والجبن والسّمن والصوف، وقيل: جاءوا بدراهم رديئة لا تنفق في الطعام، وقال الضحاك: (النّعال والأدم).
قوله تعالى: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا؛﴾ أي وفّر لنا الكيل، كما كنت توفر في السنين الماضية، ولا تنظر الى قلة بضاعتنا في هذه السنة، وتصدق علينا بنقصان السعر.
وقال سفيان بن عيينة: (سألوا الصّدقة وهم أنبياء، وكانت حلالا لهم، وإنّما حرّمت على النّبيّ ﷺ (١)،وكره مجاهد أن يقول الرجل في دعائه اللهم تصدق علينا، فان الصدقة إنما هي ممن يبتغي الثواب، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (٨٨)؛أي على صدقاتهم بأفضل منها.
قوله تعالى: ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ (٨٩)؛روي أنّهم لما دفعوا الكتاب إليه وقرأه، أرعد حتى سقط الكتاب من يده، ثم انتحب انتحابة كاد أن يتقطّع منها قلبه، وقال لهم عند ذلك: هل
стр. 1475
علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه، وقصّ عليهم جميع ما عملوه به من إلقائهم إياه في الجب، وبيعهم له وقولهم: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل، وفعلهم بأخيه حتى صار ذليلا فيما بينهم. وأراد بقوله ﴿(إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ)﴾ جهالة الصّبا، وقيل: أراد إذ أنتم شباب أحداث لا تعرفون أمور الدين.
فلما قصّ عليهم ذلك، ﴿قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا؛﴾ بصبرنا على الشدّة، ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ؛﴾ المعاصي، ﴿وَيَصْبِرْ؛﴾ على الشدائد، ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ؛﴾ أي ثواب ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ (٩٠).
قوله تعالى: ﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا؛﴾ أي فضّلك بما أنعم عليك، ﴿وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ (٩١)؛أي وقد كنّا عاصين لله في ما فعلنا، وهذا يدلّ على أنّهم ندموا على ما فعلوا.
قوله تعالى: ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ؛﴾ أي لا تعيير عليكم اليوم؛ أي لا أذكر لكم ذنبكم بعد هذا اليوم. وقال ابن عبّاس: (لا لوم عليكم).قوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ (٩٢)؛بعباده.
قوله تعالى: ﴿اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي؛﴾ أي قال لهم: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يرجع، ﴿يَأْتِ بَصِيراً؛﴾ كما كان، قال الضحّاك: (كان ذلك القميص من نسج الجنّة).وقوله تعالى: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٩٣)؛روي أنّهم كانوا نحو سبعين إنسانا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ؛﴾ روي أنه لمّا خرجت القافلة من العريش وهي قرية بين مصر وكنعان، بينهم وبين يعقوب ثمانية أيّام، ﴿قالَ أَبُوهُمْ،﴾ قال يعقوب لولد ولده، وكان أولاده كلّهم بمصر: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. روي أن الريح حملت رائحة يوسف إلى أبيه. قوله تعالى: ﴿لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ (٩٤)،تسفّهوني في الرأي لقلت إنه حيّ.
وقال الخليل: (الفند إنكار العقل من هرم، يقال شيخ مفند، ولا يقال عجوز مفندة؛ لأنّها لم تكن في شبيبتها ذات رأي فتفند).وقال ابن عبّاس: (تفنّدون
стр. 1476
تجهّلون) (١)،وعن مجاهد: (لولا أن يقولوا ذهب عقلك) (٢)،وقال الضحّاك وابن جبير: (لولا أن تكذّبون)،وقيل: لولا أن تقولوا إنّي شيخ خرف، وقال أبو عبيدة:
(تضلّلون)،والفند الفساد، قال الشاعر (٣):
يا صاحبيّ دعا لومي وتفنيدي ... فليس ما فات من أمري بمردود
وفي بعض الرّوايات: أنّ ذلك القميص كان من الجنّة، وكان الله ألبسه إبراهيم حين ألقي في النار فصارت عليه بردا وسلاما، ثم كساه إبراهيم اسحاق وكساه يعقوب، وكان يعقوب أدرج ذلك القميص في قصبة وعلّقه على يوسف لما كان يخاف عليه من العين. وأمره جبريل أن أرسل إليه قميصك هذا فإن فيه ريح الجنّة، لا يقع على مبتلى أو سقيم إلا عوفي، فلذلك أصاب يعقوب ريحه من بعد ثمانية أيّام، ﴿قالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ (٩٥).
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً؛﴾ البشير هو يهودا، وذلك أن يهودا قال ليوسف: أنا ذهبت بالقميص وهو ملطّخ بالدم إليه، فأنا أذهب بالقميص إليه فأخبره بأنّك حيّ وأفرّحه كما أحزنته، فكان هو البشير، فحمل القميص وخرج حاسرا حافيا، وكان معه سبعة أرغفة لم يشوّق أكلها حتى بلغ كنعان، وكانت المسافة ثمانين فرسخا، فلما أتاه ألقاه على وجهه فارتدّ بصيرا.
قال الضحّاك: (رجع بصره بعد العمي، وقوّته بعد الضّعف، وشبابه بعد الهرم، وسروره بعد الحزن)،ثم قال يعقوب للبشير: على أيّ دين تركت يوسف؟ قال: على الإسلام، قال: الآن تمّت النعمة. قوله تعالى: ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٩٦)؛أي ألم أقل لكم إن يوسف حيّ، وكنتم لا تعلمون ذلك.
стр. 1477
قوله تعالى: ﴿قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا؛﴾ أي ادع الله أن يغفر لنا ذنوبنا، ﴿إِنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ (٩٧)؛أي مسيئين عاصين لله.
قوله تعالى:
﴿قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي؛﴾ روي أنه قال لهم يوسف: أدعو لكم ربي ليلة الجمعة آخر السّحر، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ؛﴾ لعباده، ﴿الرَّحِيمُ﴾ (٩٨) لهم، ويقال: إنّهم التمسوا منه أن يستغفر لهم على الدوام، وأن يجعلهم في ورده في الدّعاء.
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ؛﴾ روي أن يوسف كان يبعث إلى يعقوب بمائتي راحلة، وسأله أن يأتيه بأهله أجمعين، فتهيّأ يعقوب للخروج، فلما دنا من مصر، وكان يوسف قد خرج في أربعة آلاف من الجند، فلما رأى يعقوب الخيل قال: ما هذا؟
قال: هو ابنك، فلما دنا كلّ واحد من صاحبه، ابتدأ يعقوب بالسلام فقال:
السّلام عليك يا مذهب الأحزان، ثم عانق كلّ واحد منهما صاحبه وبكيا. فقال يوسف: يا أبت بكيت عليّ حتى ذهب بصرك؟ قال: نعم، قال: يا أبت حزنت عليّ حتى انحنيت؟ قال: نعم، قال: يا أبت أما علمت أن القيامة تجمعنا؟ قال: إنّي خشيت أن يسلب دينك فلا نجتمع.
قوله تعالى: ﴿(فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ)﴾ أي ضمّهما إلى نفسه وأنزلهما عنده، قال عامّة المفسّرين: يعني أباه وخالته؛ لأن أمّه كانت قد ماتت قبل ذلك، وكان موتها نفاسها ببنيامين، ولأن بنيامين بلغة العبرانية ابن الوجيع.
قوله تعالى: ﴿وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ (٩٩)؛من العدوّ والقحط والأسواء كلّها.
قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ؛﴾ أي رفعهما معه على سرير.
قوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً؛﴾ أي سجد له أبوه وخالته وإخوته الأحد عشر سجود تحيّة وتشريف، وكان في ذلك الزمان يسجد الوضيع للشريف، وقد تقدّم نسخ هذا السجود في سورة البقرة، وعن عمر ﵁: (أنّه خرج إلى بعض
стр. 1478
القرى، فخرج إليه رئيس أهل القرية فسجد له، فقال: ما هذا؟! قال: شيء نصنعه للأمراء والخلفاء، فقال: أسجد لربك الّذي خلقك).
ويقال في معنى هذا: إنّهم سجدوا شكرا لله على ما أنعم الله عليهم من اجتماعهم على أيسر الأحوال. ويجوز أن يكون معنى السجود الميلان والانحناء، عن ابن عبّاس: (أنّ معناه: وخرّوا لله سجّدا)،وقوله (له) كناية عن الله.
قوله تعالى: ﴿وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ؛﴾ أي هذا السجود تصديق رؤياي التي رأيتها من قبل، ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ أي أحسن إليّ، ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ؛﴾ هذا ثناء منه على الله تعالى بإنعامه عليه؛ إذ خلّصه ونجّاه من العبوديّة، ﴿وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ،﴾ وجاء بأبيه وإخوته من البادية إليه. قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي؛﴾ بالحسد، ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ؛﴾ أي لطيف في تدبير عباده وبلطفه جمع بيننا على أحسن الأحوال، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ؛﴾ بمصالح عباده، ﴿الْحَكِيمُ﴾ (١٠٠) في تدبيرهم.
واختلفوا في المدّة التي كانت بين رؤيا يوسف وبين تصديقها، قال سلمان ﵁: (أربعون سنة) (١)،وقال ابن عبّاس: (اثنان وعشرون سنة).
قوله تعالى: ﴿*رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ؛﴾ يعني ملك مصر أربعين فرسخا في أربعين فرسخا، ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ؛﴾ أي تعبير الرّؤيا وتأويل كتب الدين.
قوله تعالى: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ نصب على النداء؛ أي يا فاطر السماء والأرض منشئهما على غير مثال، ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ؛﴾ أي تتولّى حفظي وصيانتي، ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً؛﴾ أي ألطف بي لطفا أثبت به على الإيمان إلى أن يلحقني الموت، ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ (١٠١)؛يعني يلحقه بآبائه.
стр. 1479
وأما ما كان من أمر زليخا فإنه لما مات العزيز وبقيت أرملة، قالت: أنا من يوسف على رجاء، وأمري كلّ يوم إلى نقص؛ وذلك بمعصيتي لآله يوسف، فكيف لا أقوم إلى هذا الصّنم المشئوم فأجعله جذاذا، وألحق بيوسف وأسلم على يده؟ لعلّ إلهه يرحمني ويقضي حاجتي، فقامت وكسرت صنمها وجاءت إلى طريق يوسف، فوقفت له في يوم ركوبه فأقبل مع الأعلام والرايات مكتوبات عليها: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
فلمّا صار يوسف بحذاء زليخا نادت: سبحان من يعلي العبيد ويجعلهم ملوكا بطاعته، ويذلّ الموالي ويجعلهم عبيدا بمعصيته. فسمع ذلك يوسف فقال: عليّ بصاحبة هذا الكلام، فأتي بها إليه فقال: من أنت؟ قالت: زليخا أما تعرفني؟! قال:
لا، قالت: قد أنكرتني؟ قال: أشدّ الإنكار، قالت: أنا الذي راودتك عن نفسك فاستعصمت بإله السّماء، فرفعك ووضعني؛ وأعزّك وأذلّني؛ وأغناك وأفقرني، فعلمت أني في باطل وغرور، فكسرت صنمي وجئتك طائعة مؤمنة أقول: لا إله إلاّ الله، ليرحمني، فوقعت رحمتها في قلبه، فقال: سلي حاجتك، قالت: أتفعل؟ قال:
نعم، قالت: لي ثلاث حوائج يا يوسف قد ذهب بصري فادع الله أن يردّ عليّ لأنظر إلى جمال وجهك، فدعا الله فردّ عليها بصرها فأقبلت تنظر إلى يوسف، ثم قالت: وادع الله أن يردّ علي حسني وجمالي، فدعا الله فردّه عليها ذلك.
فلما نظر يوسف إليها نكّس رأسه وقال: أما تسألي الثالثة يا رأس الفتنة؟ قالت: تتزوّج بي حلالا؟ قال لها: قومي يا رأس الفتنة هذه حاجة ليس في نفسي قضاؤها، قالت: أما أنا فلا أقنط من رحمة الله، فنزل جبريل على يوسف وقال: إن الله يأمرك أن تتزوج بها، فجعلت تحمد الله وتشكره فتزوّجها، فلما دخل بها وجدها عذراء، فولدت له ولدين، وأقام يعقوب عند يوسف ثماني عشرة سنة، ومات قبل يوسف بسنتين.
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ؛﴾ أي ذلك الذي ذكرت لك يا محمّد من قصّة يوسف وإخوته من أخبار ما غاب علمه عنك نوحيه إليك. قوله: ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ؛﴾ أي وما كنت عندهم إذ
стр. 1480
عزموا أمرهم على إلقاء يوسف في الجب، ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ (١٠٢)؛به، وكان مكرهم إلقاءهم إياه في البئر.
قوله تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠٣)؛ أي وما أكثر الناس بمؤمنين بالقرآن والرسول ولو حرصت يا محمّد على دعائهم إلى الإيمان وجهدت كلّ الجهد.
قوله تعالى: ﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ؛﴾ أي وما تسألهم يا محمّد على دعائهم إلى الله من جعل في مالهم فيصدّهم ذلك عن الإيمان. قوله تعالى:
﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ (١٠٤)؛أي ما القرآن إلا موعظة للعالمين.
وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ (١٠٥)؛أي فكم من آية دالّة على وحدانيّة الله مما في السّماوات من الشمس والقمر والنجوم، وما في الأرض من الأشجار والجبال والنبات وغير ذلك من الحيوانات، يرونها ويشاهدونها ثم لا يستدلّون بذلك على أنّ لها مدبرا حكيما عليما قادرا لا يشبهه شيء من المخلوقات. ويقال: أراد بالآيات التي في الأرض آيات عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم، كان أهل مكة يمرّون عليها في أسفارهم ولا يتّعظون بهم.
قوله تعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (١٠٦)؛أي ما يصدّق أكثرهم بلسانهم إلا وهم مشركون به غيره؛ لأنّهم يؤمنون من وجه، كما قال تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ (١) ويشركون من وجه وهو عبادتهم الأصنام، وقال الحسن: (المراد بهذه الآية أهل الكتاب معهم إيمان من وجه وشرك من وجه، فإنّ مع اليهود إيمانا بموسى وكفرا بمحمّد ﷺ .
قوله: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ؛﴾ أي أفأمن الكفار أن يغشاهم العذاب من الله، ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (١٠٧) بنزول العذاب.
стр. 1481
قوله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي؛﴾ أي هذه الدّعوة ديني، وإنما قال: (هذه) لأن السبيل يذكّر ويؤنّث، ﴿أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ؛﴾ على معرفة منّي بالله تعالى، وقوله تعالى: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي؛﴾ معناه: يدعو إلى الله، ﴿وَسُبْحانَ اللهِ﴾ أي وقل: سبحان الله، ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٠٨)؛أي لست معهم على دينهم.
قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ أي وما أرسلنا من قبلك يا محمّد إلا رجالا منسوبين إلى القرى مثلك يوحى إليهم كما يوحى إليك، قال الحسن: (لم يرسل الله امرأة ولا رسولا من أهل البادية؛ وذلك لأنّ أهل الأمصار يكونون أثبت عقولا من أهل البادية، وأشدّ أحلاما منهم).
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ؛﴾ يعني أفلم يسير أهل مكة في الأرض، ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ؛﴾ فيروا آثار ديار، ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ من الكفّار فيخافون ما ينزل بهم من عذاب الله وما نزل بأولئك.
قوله تعالى: ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ؛﴾ (١٠٩) يعني قوله (دار الآخرة) الجنّة ﴿(خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا)﴾ الكفر والفواحش ﴿(أَفَلا يَعْقِلُونَ)﴾ معناه: أفليس لهم ذهن الإنسانية أنّ الآخرة الباقية خير من الدنيا الفانية، وأضاف الدار إلى الآخرة على سبيل إضافة الشيء إلى نفسه كما يقال يوم الجمعة.
قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا؛﴾ أي حتى إذا يئس الرسل عن إجابة الأمم وأيقنوا أن القوم، ﴿(قَدْ كُذِبُوا)؛﴾ تكذيبا لا يرجعون عنه، ﴿جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ؛﴾ بإهلاك قومهم، ومن قرأ «(كذبوا)» بالتخفيف فمعناه: وظنّ المرسل إليهم أن الرّسل قد كذبوهم في ما أوعدوهم من العذاب. قوله تعالى: ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١١٠)؛أي لا يردّ عذابنا عن الكافرين.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ؛﴾ أي لقد كان في قصص من تقدّم من الأنبياء عبرة لذوي العقول من الناس. وقيل: إن قصة يوسف وإخوته عبرة لمن أراد أن يعتبر فيصبر على البلاء والمحن، كما صبر يعقوب
стр. 1482
ويوسف حتى ختم الله لهما بالملك والعلوّ، والفرج من الأحزان، ولا يحسد أحدا كما حسد إخوة يوسف، فلم يغن عنهم كيدهم شيئا.
قوله تعالى: ﴿ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ؛﴾ أي ما كان القرآن حديثا يختلق ولكن كان تصديقا للكتب التي بين يديه من التوراة والإنجيل وغيرهما، ومن قرأ «(تصديق)» بالرفع فعلى إضمار هو.
قوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ؛﴾ أي وبيان كلّ شيء يحتاج الناس إليه في دينهم، ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١١١)؛ودلالة ونجاة من العذاب الأليم لقوم يصدّقون بمحمّد والقرآن.
آخر تفسير سورة (يوسف) والحمد لله رب العالمين
آخر المجلد الثالث
من التفسير الكبير للإمام الطبرانى
стр. 1483
سورة الرّعد
سورة الرّعد مكّيّة عند ابن عبّاس إلاّ آيتين ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ إلى آخرها، وقال قتادة: (هي كلّها مدنيّة).وعدد حروفها ثلاثة آلاف وخمسمائة وستّة أحرف، وكلماتها ثمانمائة وخمس وخمسون كلمة، وآياتها ثلاث وأربعون آية. قال رسول الله ﷺ : [ومن قرأ سورة الرّعد أعطي من الأجر عشر حسنات بوزن كلّ سحاب مضى، وكلّ سحاب يكون إلى يوم القيامة، وكان يوم القيامة من الموقنين بعهد الله ] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ؛﴾ قال ابن عبّاس: (معنى المر: أنا الله أعلم وأرى).وقوله تعالى: ﴿(تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ)﴾ أي هذه آيات القرآن، وقوله تعالى: ﴿(وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ)﴾ هو القرآن أيضا، وقال قتادة: (المراد بقوله ﴿(تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ)﴾ الآيات الّتي أنزلت قبل القرآن من التّوراة والإنجيل وسائر الكتب، والمراد ب ﴿(الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ)﴾ القرآن) (٢)، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها؛﴾ أي هو الذي رفع السّماوات، وأقامها واقفة على غير عمد ترونها أنتم كذلك بلا عمد، هكذا قال أكثر المفسّرين، وعن ابن عباس في رواية (بعمد لا ترونها، كأنّه قال: بغير عمد
стр. 1484
مرئيّة) (١).والأول أقرب إلى الصحّة؛ لأنه لو كان للسّماء عماد لكنّا نرى ذلك العماد، لأن مثل السموات في ثقلها وارتفاعها وعظمها لا يقلّها عماد إلاّ وقد يكون ذلك العماد جسيما عظيما. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ؛﴾ قد تقدّم تفسيره.
وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ؛﴾ تقديره: الله الذي رفع السموات بغير عمد، ثم سخّر الشمس والقمر وهو مستو على العرش، لأنّ استيلاء الله على الأشياء قدرته عليها، وقدرة الله لا تكون محدثة. وتسخير الشمس والقمر إجراؤهما لمنافع بني آدم، ومعنى السّخر أن يكون الشيء مقهورا لا يملك لنفسه ما يخلّصه من القهر. قوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى؛﴾ إلى وقت معلوم وهو وقت فناء الدّنيا، فإذا انفنت الدّنيا كوّرت الشمس وانكدرت النجوم.
قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ؛﴾ أي يقضي القضاء، ويبعث الملائكة بالوحي، وينزل الرزق والأقضية، قوله تعالى: ﴿(يُفَصِّلُ الْآياتِ)﴾ أي يأتي بآية في إثر آية ليكون أمكن للاعتبار والفكر. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (٢)؛أي لتستيقنوا بالبعث وبما وعدكم الله به من الثواب والعقاب.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ؛﴾ بسطها طولا وعرضا، ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ؛﴾ أي خلق فيها جبالا ثوابت أوتادا لها، ولو أراد أن يمسكها من غير رواسي لفعل. قوله تعالى: ﴿وَأَنْهاراً؛﴾ أي وأجرى فيها أنهارا. قوله تعالى:
﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ؛﴾ أي وخلق من جميع الثمرات من كلّ شيء لونين اثنين، وجعل فيها الحلو والحامض، والأسود والأبيض.
وقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ؛﴾ أي يأتي بالليل ليذهب بضياء النهار، فتسكن الناس بالليل، ويأتي بضياء النهار ليمحو ظلام الليل فتصرف الناس فيه معايشهم، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣)؛في صنع الله، فيستدلّون بذلك على توحيده.
стр. 1485
قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ؛﴾ منها الجبل الصّلب، ومنها الأرض الجرز التي لا يمكن النبات عليها إلا بالمشقّة، ومنها الأرض النّحسة، ومنها الأرض الطيّبة، وهذه الأراضي في ذلك متجاورات ملتزقة، ﴿وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ؛﴾ أي وبساتين من كروم، ﴿وَزَرْعٌ؛﴾ ويجوز في القراءة «(وجنّات)» على معنى: وجعل فيها جنات، ومن قرأ ﴿(وَزَرْعٌ)﴾ بالضمّ فهو عطف على القطع لأن الزرع لا يكون في الجنّات، وقرأ العامّة «(وزرع ونخيل)» بالكسر على المجاورة.
قوله تعالى: ﴿وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ؛﴾ أي مجتمع أصولها في أصل واحد، ونخيل متفرّق أصولها، والصّنوان جمع الصّنو، ويعني الصّنوان أن يكون أصل واحد تخرج منه النّخلتان والثلاث والأربع كما ورد في الحديث: [عمّ الرّجل صنو أبيه] (١).
قوله تعالى: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ؛﴾ إما المطر وإما النهر، ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ،﴾ بعض أكلها أفضل من بعض في الطّعم حتى يكون بعضها حلوا، وبعضها حامضا، وبعضها مرّا، والتراب واحد، وألوان الثمر وطعمها مختلفة، وذلك من الدليل على وحدانيّة الله ؛ لأنه المحدث لها، والله تعالى قدير حكيم قد أحدثها على علم منه بها،
وقال مجاهد: (هذا مثل بني آدم، أصلهم تراب واحد، ثمّ منهم صالح وخبيث، وكامل الخلقة وناقص الخلقة، وسيّء الخلق)، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ؛﴾ أي لعلامات دالاّت على وحدانيّة الله، ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)؛﴾ إنّ في ذلك من الله.
قوله تعالى: ﴿*وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنّا تُراباً أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ؛﴾ معناه وإن تعجب يا محمّد من تكذيب أهل مكة وإشراكهم بالله مع ما
стр. 1486
تقدّم من الدلائل على توحيد الله قولهم عجب عند العقلاء العارفين حيث قالوا: إذا كنّا ترابا أنبعث وتردّ فينا الروح بعد الموت والبلاء؟! وإنما سمي قولهم ﴿(إِذا كُنّا تُراباً)﴾ أعجب؛ لأن البعث أسهل في القدرة مما بيّن الله لهم؛ إذ البعث إعادة إلى ما كان، والإعادة أسهل في طباع الآدميّين من الإنشاء.
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ أي تغلّ أيمانهم إلى أعناقهم السلاسل في النار، ويكون يسارهم وراء ظهورهم وهم مصفدون من قرونهم الى أقدامهم. قوله تعالى: ﴿وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٥).
قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ؛﴾ أي يستعجلونك بالعذاب الذي توعدهم به على وجه التكذيب والاستهزاء قبل الثواب الذي تعدهم على الإيمان، يعني مشركي مكّة سألوا رسول الله ﷺ أن يأتيهم العذاب استهزاء منهم بذلك، فقالوا: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ؛﴾ العقوبات من الله في الأمم الماضية، والمثلة العقوبة في اللغة. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ؛﴾ أي لذو تجاوز على الناس على ظلمهم لأنفسهم، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٦)؛لمن استحقّه.
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ؛﴾ أي ويقول الذين كفروا بمحمّد ﷺ والقرآن: هلاّ نزّل عليه آية من ربه لنبوّته، يعنون الآيات التي كانوا يقترحونها عليه نحو ما ذكر الله تعالى من قولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ (٢) الى آخر الآيات.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ؛﴾ أي أنت يا محمّد معلّم بموضع المخافة، وليس إنزال الآيات إليك، وإنما هو إلى الله. قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ﴾
стр. 1487
﴿قَوْمٍ هادٍ﴾ (٧)؛من جعل هذه الواو للجمع فوصلها بما قبلها كان تقدير الكلام: إنما أنت منذر وهاد لكلّ قوم. ومن قطع هذه الواو كان المعنى: لكلّ قوم هاد؛ أي نبيّ مثلك يهديهم. وقال سعيد بن جبير والضحّاك: (الهادي هو الله)، والمعنى: أنت منذر تنذر، والله هادي كلّ قوم، يهدي من يشاء.
قوله تعالى: ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى؛﴾ يعني من علقة أو مضغة أو ذكر أو أنثى أو كامل الخلق أو ناقص الخلق أو واحد أو اثنين أو أكثر. قوله تعالى: ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ؛﴾ أي وما تنقص من الأشهر التسعة في الحمل وما تزداد عليهما، فإن الولد قد يولد في ستّة أشهر فيعيش، ويولد لسنتين فيعيش، وقال الحسن: (وما تنقص بالسّقط، وما تزداد بالتّمام) (١).والغيض هو النّقصان.
قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ (٨)؛أي بحدّ لا يجاوزه ولا ينقص منه، ويدخل الولد فيه لأنه قد قدّر أجل حياته وموته، وصحّته ومرضه، ونقصان عقله وكماله، وقدّر له ما جرى من رزق وما سيكون منه من طاعة ومعصية وولد وغير ذلك.
قوله تعالى: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ﴾ (٩)؛أي عالم ما غاب عن العباد، وما علمه العباد. وقيل: الغيب ما يكون، والشّهادة ما كان.
الكبير: السيد الكامل المالك المقتدر على كلّ شيء، المتعال عمّا يقول المشركون.
قوله تعالى: ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ؛﴾ أي سواء من أخفى القول وكتمه، ومن جهر به وأظهره، فالسّرّ والجهر عند الله سواء. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ (١٠)؛أي ومن هو مستتر متوار بالليل، ﴿(وَسارِبٌ بِالنَّهارِ)﴾ أي ظاهر في الطّرقات، علم الله فيهم سواء.
قال الزجاج: (معنى الآية: الجاهر بنطقه، والمضمر في نفسه، والظّاهر في الطّرقات والمستخفي في الظّلمات، علم الله فيهم جميعا سواء).ومعنى السّارب:
стр. 1488
الظاهر بالنهار في سربه؛ أي في طريقه وتصرّفه في حوائجه، وعن قطرب في:
﴿(مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾:أي ظاهر، وسارب بالنّهار: أي مستتر) يقال: سرب الوحش إذا دخل في كناسه، والأول أبين وأبلغ في وصف عالم الغيب.
قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ؛﴾ أي للإنسان مساويات، والكناية في قوله تعالى ﴿(لَهُ)﴾ ردّ على من أسرّ القول ومن جهر به وهم الآدميّون. وقال بعضهم: ﴿(لَهُ مُعَقِّباتٌ)﴾ أي لله تعالى ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار، فإذا صعدت ملائكة الليل أعقبتها ملائكة النّهار، وإذا صعدت ملائكة النهار أعقبتها ملائكة الليل.
وقوله تعالى: ﴿(مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ)﴾ يعني من قدّام هذا المستخفي بالليل والسّارب بالنهار، ومن خلفه؛ أي وراء ظهره ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء القدر خلّوا عنه.
واختلفوا في المعقّبات، قال بعضهم: الكرام الكاتبون؛ وهم أربعة: ملكان بالليل وملكان بالنّهار.
قوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ؛﴾ أي بأمر الله حتى ينهوا به إلى المقادير، فيخلّوا بينه وبين المقادير، قال كعب الأحبار: (لولا أنّ الله وكّل بكم ملائكة يذبّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لخطفتكم الجنّ) (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ؛﴾ أي لا يسلب قوما نعمة حتى يعملوا المعاصي، يعني بهذا أهل مكّة، بعث فيهم رسولا منهم، وأطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، فلم يعرفوا هذه النعمة وغيّروها وجعلوها لأهل المدينة (٢).
стр. 1489
قوله تعالى: ﴿وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ؛﴾ أي إذا أراد الله إنزال عذاب على قوم فلا دافع له، ﴿وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ﴾ (١١)؛يتولاّهم وينصرهم، ويقال: من ملجأ يلجئون إليه، والموئل هو الملجأ.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً؛﴾ أي خوفا للمسافر أن يؤذيه ويبلّ ثيابه وطريقه فلا يمكنه السير، وطمعا للمقيم أن يسقي حرثه.
قوله تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ (١٢)؛أي يخلق السحاب الثّقال بالمطر فيجريه في الجوّ.
قوله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ؛﴾ روي أن الرّعد اسم ملك يزجر السحاب يؤلف بعضه إلى بعض، وتسبيحه زجره للسحاب، قال عكرمة: (هو كالحادي للإبل).
وعن ابن عبّاس قال: (أقبلت اليهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم نسألك عن أشياء، فإن أصبت فيها اتّبعناك وآمنّا بك، قال: [اسألوا] قالوا: أخبرنا عن الرّعد، قال: [ملك من الملائكة موكّل بالسّحاب، معه مخاريق يسوق بها السّحاب حيث يشاء الله] قالوا: صدقت، فما الّذي يسمع؟ قال: [زجر السّحاب إذا زجره الملك] قالوا: صدقت) (١).
وقال عطيّة: (الرّعد ملك وهذا تسبيحه، والبرق سوطه الّذي يزجر به السّحاب، يقال لذلك الملك: رعد، ولصوته: رعد).وقال أبو هريرة: (كان رسول الله ﷺ إذا سمع الرّعد قال: [سبحان من يسبح الرّعد بحمده] (٢)،وكان ابن عبّاس إذا سمع الرعد قال: (سبحان الّذي سبّحت له).
стр. 1490
قال ابن عبّاس: (من سمع صوت الرّعد فقال: سبحان الّذي يسبح الرّعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كلّ شيء قدير. فإن أصابته صاعقة فعليّ ديته) (١).وعن رسول الله ﷺ أنّه كان إذا سمع الرّعد والصّواعق قال: [اللهمّ لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك] (٢).
قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ؛﴾ يعني ويسبح الملائكة من خيفة الله وخشيته. قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ؛﴾ أي يرسل النّيران التي تسقط من الغيوم فيحرق ما تقع عليه نيران البرق، فيهلك بها من يشاء من خلقه. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ؛﴾ أي الكفار يخاصمون في الله وفي إثبات شريك معه، ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ﴾ (١٣)؛أي شديد القوّة والعقوبة.
قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ؛﴾ أي له كلمة الإخلاص، شهادة أن لا إله إلاّ الله. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي آلهتهم، ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ ما يستجيب ﴿إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ﴾ يدعوه لعطشه مشيرا مريدا بإشارته أن، ﴿لِيَبْلُغَ﴾ الماء، ﴿فاهُ وَما هُوَ﴾ أي وليس الماء، ﴿بِبالِغِهِ﴾ ومن المحال أن يجيبه بإشارته، وإن كان الماء في بئر، أو ماء على بعد نهر أبعد في الإحالة، وكما لا يبلغ الماء فم هذا الرجل ولا يجيبه وإن مات من العطش، كذلك لا ينفع الصّنم لمن عبده بوجه من الوجوه، قال عطاء: (معناه كالرّجل العطشان الجالس على شفير البئر، يمدّ يده في البئر فلا يبلغ الماء ولا الماء يرتفع إلى يده) (٣)، ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ (١٤)؛عن الصواب وذهاب عن الحقّ؛ لأن الأصنام لا تسمع ولا تقدر على الإجابة.
стр. 1491
قوله: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ (١٥)؛أي ولله يسجد ويصلّي ويعبد من في السّماوات والأرض والملائكة، ومن دخل الإسلام طوعا يسجد له طائعا، والمكره هو الذي قوتل وسبي وأجبر على الإسلام، ويقال: أراد بقوله ﴿(طَوْعاً)﴾ أهل الإخلاص، و ﴿(كَرْهاً)﴾ أهل النفاق، قوله ﴿(وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ)﴾ يعني إذا سجد الإنسان سجد معه ظلّه، قال الحسن:
(أمّا ظلّ الكافر فيسجد لله، وأمّا هو فلا يسجد، فبئس والله ما يصنع) (١).
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ؛﴾ أي قل يا محمّد لأهل مكّة: من ربّ السموات والأرض؟ فإن أجابوك وقالوا: هو الله، وإلاّ فقل: الله ربّهما، و ﴿قُلْ؛﴾ لهم: ﴿أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ؛﴾ أي أربابا، ﴿لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا؛﴾ فكيف يملكون لكم النفع والضر.
قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ؛﴾ أي قل لهم: هل يستوي أعمى القلب الذي يعدل عن عبادة الخالق؟ هل يستوي مع البصير بقلبه، العالم بأنه تعالى إلهه ووليّه والقادر على نفعه ودفع الضّرّ عنه، ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ؛﴾ فيه تشبيه الكفر بالظّلمات، وتشبيه الإيمان بالنّور.
قوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ؛﴾ معناه: أجعل الكفار لله شركاء، خلقت شركاؤهم شيئا كما خلق الله، ﴿فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ؛﴾ فلم يعرفوا خلق الشركاء من خلق الله فأشركوها معه في العبادة، ﴿قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ؛﴾ بلا شريك، فإذا لم يكن الخلق إلا من واحد لم يكن الخالق إلا واحدا، فهو الذي يستحقّ العبادة بلا شريك، ﴿وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (١٦)؛الغالب لكلّ شيء، لا يقهره أحد.
ثم ضرب الله مثلا للحق والباطل،
وقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها؛﴾ أنزل مطرا فسالت أودية من ذلك المطر بقدر الأودية، فما كان منها كبيرا سال بقدره، وما كان صغيرا سال بقدره. قوله تعالى: ﴿فَاحْتَمَلَ﴾
стр. 1492
﴿السَّيْلُ زَبَداً رابِياً﴾ أي عاليا مرتفعا على الماء، والسّيل ما يسيل من الموضع المرتفع.
قوله تعالى: ﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ؛﴾ أي ومما تطرحون في النار من الذهب والفضّة لطلب حلية تلبسونها زبد؛ أي خبث مثل زبد الماء. قوله تعالى: ﴿أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ؛﴾ أراد به الحديد والرصاص وما يشاكله مما يوقد عليه في النار؛ لاتّخاذ المتاع له زبد؛ أي خبث مثل ذلك الماء.
قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ؛﴾ أي هكذا يضرب الله مثل الحقّ والباطل، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً؛﴾ أما زبد هذه الأشياء، فيذهب ناحية لا ينتفع به، فإن زبد الماء يتعلّق بأصول الأشجار وجنبات الوادي.
والجفاء: ما رمى به الوادي، وجفاه في جنباته، يقال: أجفأت القدر زبدها إذا قذفت به، وكما أنّ زبد الماء يذهب بحيث لا ينتفع به، كذلك خبث الذهب والفضة والحديد، ﴿وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.
قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ﴾ (١٧)؛للناس في أمر دينهم، كما ضرب لكم المثل، قال قتادة: (هنّ ثلاثة أمثال ضربها الله في مثل واحد، يقول: كما أنزل الله من السّماء ماء، فسالت أودية بقدرها، الصّغير على الصّغير على مقداره، والكبير على مقداره، كذلك أنزل الله القرآن، فاحتمل القلوب على قدرها، ذا اليقين على قدر يقينه، وذا الشّكّ على قدر شكّه).
قال: (ثمّ شبّه خطرات ووساوس الشّيطان بالزّبد يعلو على الماء، وذلك من خبث البرّيّة لا عين الماء، كذلك ما يقع في النّفس من وهم وشكّ فهو ذات النّفس لا من الحقّ).
قال: (ثمّ بيّن أنّ الزّبد يذهب جفاء؛ أي هباء باطلا ويبقى صفو الماء، كذلك يبطل الشّكّ وسوء الخطرات ويبقى الجوف كما هو، وكذلك ما يوقد عليه في النّار لمنافع النّاس يبطل زبده وخبثه ويبقى خالصه وصفوه، كذلك الباطل يذهب ويبقى الحقّ) (١).
стр. 1493
قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى؛﴾ فيه بيان الذي يبقى مما تقدّم ذكره فهو مثل لمن يستجيب لربه، والذي يذهب جفاء هو مثل لمن لا يستجيب. والمراد ب (الحسنى) في الآية الجنّة ونعيمها.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ؛﴾ أي الذين لم يستجيبوا لربهم إلى الإيمان، ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً؛﴾ من الذهب وسائر الأموال، ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ؛﴾ وضعفه معه، ﴿لافْتَدَوْا بِهِ؛﴾ لفادوا به أنفسهم من عذاب الله يوم القيامة لو قبل منهم ذلك ولكن لا يقبل.
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ؛﴾ أي شدّته، والمناقشة فيه، قال إبراهيم النخعي: (هو أن يؤاخذوا بذنوبهم كلّها من دون أن يغفر لهم شيء منها) (١).قوله تعالى: ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ؛﴾ أي مصيرهم في الآخرة جهنّم، ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (١٨)؛أي المأوى، يتقلّبون في النار ويقعدون ويضطجعون عليها.
قوله تعالى: ﴿*أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى﴾ معناه: أفمن يعلم إنما أنزل إليك من القرآن أنه الحقّ فآمن به، كمن هو كافر يعلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (١٩)؛أي ذوو العقول.
ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ﴾ (٢٠) يريد بالعهد الذين عاهدتم عليه في صلب آدم.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ؛﴾ قيل: المراد به مواصلة المؤمنين فيما بينهم بالموالاة وصلة الرّحم بالبرّ والشّفقة، وقيل: أراد بذلك الإيمان بمحمّد ﷺ وجميع الرسل، ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ؛﴾ أي عقاب ربهم، ﴿وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ﴾ (٢١)؛ أي يخافون أن يؤاخذوا بالعقاب.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ؛﴾ معطوف على قوله ﴿(الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ)﴾ ومعناه: الذين صبروا على أداء الفرائض واجتناب المحارم
стр. 1494
ومقاساة شدائد الدّنيا لطلب ثواب الله ورضاه، ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ؛﴾ المفروضة، ﴿وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً؛﴾ أي أخرجوا من أموالهم جميعا الصّدقات المفروضات خفية وجهرا.
قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ،﴾ وإنما يكون درؤهم بالحسنة السيئة على وجهين، أحدهما: العلم والوعظ بالكلام الحسن، والثاني: أن يقاتلوهم ويقبضوا على أيديهم.
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾ (٢٢)؛أي أهل هذه الصّفة لهم الدار التي أعقبتها لهم أعمالهم وهي الجنّة. ثم بيّن الله صفة الجنة
فقال: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها؛﴾ قال ابن عبّاس: (وهي وسط الجنّة، وهي معدن الأنبياء والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ؛﴾ أي ويدخلها من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرّياتهم، ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ﴾ (٢٣) يعني من أبواب البساتين يقولون لهم:
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ﴾ على شدائد الدّنيا، وعلى المشقّة في طاعة الله، فنعم الدار التي أعقبتها لهم أعمالهم، قال ابن عبّاس: (لكلّ واحد من أهل جنّات عدن جنّة من درّة مجوّفة لها ألف باب مصراعه من الذهب، يدخل عليه من كلّ باب ملك يقولون: سلام عليكم بما صبرتم، ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ (٢٤).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ؛﴾ أي الذين يتركون فرائض الله من بعد تأكيد العهد عليهم، ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ؛﴾ بالظّلم والدعاء إلى غير عبادة الله، ﴿أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ؛﴾ أي ما يبعدهم من رحمة الله، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ (٢٥)؛وهو النار في الآخرة، وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [أعجل الخير ثوابا صلة الرّحم، وأعجل الشّرّ عقابا البغي واليمين الغموس تدع الدّيار بلاقع] (١).
стр. 1495
قوله تعالى: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ؛﴾ أي يوسّع الرزق في الدّنيا على من يشاء، ويضيّق على من يشاء، ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ يعني مشركي مكّة أشروا وبطروا، ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي؛﴾ جنب نعيم، ﴿الْآخِرَةِ إِلاّ؛﴾ شيء قليل، ﴿مَتاعٌ﴾ (٢٦)؛كمتاع يتمتّع به ثم يفنى ويذهب، قال ﷺ : [وما الدّنيا في الآخرة إلاّ كمثل ما جعل أحدكم إصبعه في اليمّ، فلينظر بم يرجع].
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ أي يقولون على جهة التّعنّت:
﴿لَوْلا؛﴾ هلاّ، ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ؛﴾ على محمّد، ﴿آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ؛﴾ يعني الآيات التي يقترحونها عليه، ﴿قُلْ﴾ يا محمّد: ﴿إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ عن ثوابه وكرامته، ﴿وَيَهْدِي،﴾ لدينه من أقبل، ﴿إِلَيْهِ؛﴾ إلى الله و، ﴿مَنْ أَنابَ﴾ (٢٧)؛رجع عن الكفر.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ؛﴾ معناه: الذين آمنوا بمحمّد ﷺ والقرآن، تسكن قلوبهم إلى ما وعدهم الله به من ثواب، ﴿أَلا بِذِكْرِ؛﴾ بوعد الله، ﴿اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٢٨).
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ،﴾ أي لهم العيش الطيّب والكرامة والغبطة، ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (٢٩)؛حسن المرجع، وقال مجاهد: (طوبى اسم الجنّة بلغة الحبشة)،وعن أبي هريرة: (اسم شجرة في الجنّة ساقها من ذهب، وورقها الحلل، وثمرها من كلّ لون وأغصانها متدلّية في الجنّة، ليس منزل إلاّ وفيه غصن من أغصانها، وتحته كثبان المسك والعنبر والزّعفران، لو ركب رجل قلوصا، ثمّ دار بالشّجرة لم يبلغ المكان الّذي ارتحل منه حتّى يموت القلوص هرما).
قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ؛﴾ أي هكذا أرسلناك إلى أمّة قد مضت من قبلها أمم أرسلنا فيهم الرّسل، ﴿لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ؛﴾ يعني القرآن، ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ؛﴾ يعني أهل مكّة فإنّهم كانوا يقولون ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة، وكانوا يسمّونه رحمان اليمامة.
стр. 1496
قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ؛﴾ قل لهم: الرّحمن ربي لا إله إلا هو، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ﴾ (٢٠)؛أي وإليه أتوب من ذنوبي.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى؛﴾ وذلك أنّ عبد الله بن أمية المخزومي، وجماعة من كفّار مكة قالوا:
يا محمّد سيّر لنا جبال مكّة، فأذهبها حتى تنفسح فيها فإن أرضنا ضيّقة، ثم اجعل لنا فيها عيونا وأنهارا، وقرّب أسفارنا فيما بيننا وبين الشّام فإن السفر بعيد، وافعل كما فعل سليمان بالرياح بزعمك، فأنزل الله هذه الآية.
ومعناها: ﴿(وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ)﴾ اذهبت به الجبال عن وجه الأرض قطّعت به الأرض مسيرة شهر في يوم أو أحيي به الموتى فتكلّموا، لكان هذا القرآن لما فيه من الدّلالات الكثيرة على صحّة هذا الدّين، ولو أمكن أن نجعل هذه الأمور لشيء من كتب الله لأمكن بهذا القرآن.
وأما حذف جواب ﴿(لَوْ)﴾ في هذه الآية فهي على وجه الاختصار؛ لأنّ في الكلام دليلا عليه. قوله تعالى: ﴿بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً؛﴾ أي بل الله هو المالك لهذه الأشياء، القادر عليها، ولكن لا يختار إلا ما فيه مصلحة العباد.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ معناه: أفلم يعلم الذين آمنوا، ﴿أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً؛﴾ إلى الإيمان بالإلجاء إليه أن الله تعالى قادر على ذلك، ولكن لو فعل لبطل الامتحان والتكليف، والإياس بمعنى العلم في لغة النخع (١).
قوله تعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ؛﴾ أي ولا يزال الذين كفروا في عقوبات من قبل الله يزجرهم عن الكفر، ويحثّهم على التمسّك بدين الله، كما نزل بقريش من القحط، وبقوم فرعون من الشدائد.
стр. 1497
قوله تعالى: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ؛﴾ راجع إلى القارعة، والقارعة:
هي النّازلة والشدائد التي تنزل بأمر عظيم، ويقال: أراد بالقارعة سرايا النبيّ ﷺ ، وبقوله ﴿(أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً)﴾ معناه: أو تنزل أنت يا محمّد مع أصحابك قريبا من مكّة تقاتلهم على الدّين، ﴿حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ؛﴾ أي وقت إهلاك الكفّار، وقيل: فتح مكّة، وقيل: ما وعد الله من عذابهم في الآخرة، ﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (٢١)؛ما وعد من عقاب الكفار.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ؛﴾ أي ولقد استهزئ بالأنبياء من قبلك كما استهزأ بك قومك، ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ فأمهلت، ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بعد استهزائهم بالرّسل، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ بذنوبهم، ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ (٣٢) فانظر كيف كان عاقبة ما حلّ من عقاب الله بهم، فلا يكن في صدرك حرج من استهزائهم.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ؛﴾ بالتدبير ويعلم ما كسبت ويجازيها عليه، كمن لا يعلم ذلك ولا يقدر على المجازاة.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ؛﴾ في العبادة بين الأصنام، ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ؛﴾ هؤلاء الشّركاء بأسمائهم التي تستحقّها، وسمّوا منفعتها وتدبيرها؛ لأن لها شركة مع الله، كما يوصف الله بالخالق والرازق والمحيي والمميت.
قوله تعالى: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي أتخبرون الله بما لا يصحّ أن يكون معلوما وهو كون الأصنام مستحقّة للعبادة، وهذا على وجه الإنكار، وقوله تعالى: ﴿أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ؛﴾ إنكار أيضا معناه: أسمّيتم الأصنام آلهة بظاهر كتاب من كتب الله، وقيل: أسمّيتموهم آلهة بحجّة ظاهرة، بل سمّيتموهم بقول باطل ليس لكم دليل عليه.
قوله تعالى: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ؛﴾ أي زيّن لهم قولهم وفعلهم في عبادة غير الله، وتكذيب محمّد ﷺ والقرآن. قوله تعالى: ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ؛﴾ من قرأ بفتح الصّاد فالمعنى صرفوا الناس عن دين الله، ومن قرأ
стр. 1498
برفعها فالمعنى صدّهم رؤساؤهم عن دين الله. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ (٣٣)؛ظاهر المعنى.
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ الأسقام والقتل والأسر، ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ؛﴾ أي أغلظ من عذاب الدّنيا، ﴿وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ﴾ (٣٤)؛يقيهم من عذاب الله.
قوله تعالى: ﴿*مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها؛﴾ أي صفة الجنة التي وعد المتّقون الكفر والمعاصي: أنّها تجري من تحتها الأنهار، ثمرها دائم، لا كجنان الدّنيا تظهر بظهور ورقها في حال دون حال، وظلّها أيضا دائم ليس فيه شمس ولا أذى.
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا؛﴾ أي دار المتّقين الجنة في العاقبة، ﴿وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ﴾ (٣٥)،ودار الكافرين في العاقبة النار، وفي الحديث: [أنّ الرّجل من أهل الجنّة تقسم له شهوة مائة رجل من أهل الدّنيا، فإذا أكل سقي شرابا طهورا، فتصير رشحا تخرج من جسده أطيب من ريح المسك، ثمّ تعود شهوته إلى ما كانت] (١).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ؛﴾ وذلك أن عبد الله بن سلام، ومن أسلم معه من أهل الكتاب، قالوا: يا رسول الله؛ ما شأن ذكر الرّحمن في القرآن قليل وهو في التّوراة كثير؟ فنزل ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ﴾ (٢) ونزل ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ من ذكر الرّحمن وغير ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ؛﴾ أي ومن اليهود والنصارى من ينكر بعض «ما في» القرآن، وإنّهم كانوا يقرّون بصحّة «قصة» يوسف
стр. 1499
وغيرها مما لا يكون فيه نسخ شريعتهم، وكانوا ينكرون من القرآن ما لا يوافق مذهبهم ودينهم (١).
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا؛﴾ الخلائق ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ (٣٦)؛رجوعي في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا؛﴾ أي كما أنزلنا على الأنبياء المتقدمين بلسانهم كذلك أنزلنا اليك القرآن حكما عربيا، والحكم: هو الفصل بين الشيئين على ما توجبه الحكمة، وقد يكون الحكم بمعنى الحكمة، كما في قوله تعالى ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (٢) أي الحكم والنبوة.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ؛﴾ أي دين اليهود وقبلتهم ﴿بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ؛﴾ أي دين الله دين ابراهيم وقبلته الكعبة ﴿ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ؛﴾ أي من ناصر ينصرك، ﴿وَلا واقٍ﴾ (٣٧)؛أي لا دافع يدفع العقاب عنك.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ اليهود كانوا يعيّرون النّبيّ ﷺ بتزوّج النّساء حتّى قالوا: لو كان محمّد نبيّنا لشغلته النّبوّة عن تزويج النّساء، فأنزل الله هذه الآية).والمعنى: ولقد أرسلنا رسلا من قبلك، وجعلنا لهم نساء أكثر من نسائك، وأولادا أكثر من أولادك، كان لداود ﵇ مائة امرأة، ولسليمان ثلاثمائة امرأة مهرية وستّمائة سريّة.
قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ؛﴾ أي هل يملك أحد من الرّسل أن يأتي بآية إلا بإذن الله، فإنه سبحانه هو المالك للآيات لا يقدر أن يأتي أحد شيئا منها إلا بإذنه.
стр. 1500
قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ (٣٨)؛أي لكلّ مدّة من آجال العباد في الحياة والفناء كتاب قد كتب الله ذلك للملائكة؛ ليدلّهم به على علمه بالأشياء.
قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ؛﴾ قال ابن عباس: (يمحو الله ما يشاء من ديوان الحفظة ما كتبوه من أعمال العباد ما لا جزاء له، ويترك ما له الثّواب والعقاب).وقال الضحّاك: (يمحو الله ما يشاء من القرآن فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه)،وعن الحسن: (يمحو أجل من حان أجله، ويدع أجل من لم يحن أجله ميّتا) (١).وقيل: يمحو الله ما يشاء من الطاعات بإحباطها بالمعاصي، ومن المعاصي بتكفيرها بالطاعات.
وقد اختلفوا: هل يدخل في المحو والإثبات السعادة والشقاوة، والموت الحياة أم لا؟ قال ابن عبّاس: (لا يدخل)،وقال عمرو بن مسعود: (تدخل فيه السّعادة والشّقاوة)،وكان من دعاء عمر: (اللهمّ إن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، وإن كنت كتبتنا أشقياء فامحنا واكتبنا سعداء، فإنّك تمحو وتثبت ما تشاء وعندك أمّ الكتاب) (٢).
قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ (٣٩)؛أي أصل الكتاب، قيل: إنه اللوح المحفوظ كتب الله فيه كلّ شيء قبل أن يخلق العباد، ولا يزاد فيه شيء ولا ينقص منه شيء.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ؛﴾ أي فإما نرينّك يا محمّد بعض الذي نعدهم من نصر المؤمنين على الكفّار، أو نقبضك إلينا قبل أن يكون ما نعدهم من العذاب في حياتك، ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ؛﴾ أي بلاغ ما أنزل إليك، ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ (٤٠)؛وعلينا حساب ما يعملون، والجزاء عليه.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها؛﴾ قال ابن عبّاس: (معناه أولم ير أهل مكّة أنّا ننقص الأرض من أطرافها بفتح ديارهم للنّبيّ ﷺ
стр. 1501
والمسلمين)،وقال الحسن: (أراد بنقص أطراف الأرض ذهاب فقهائها وخيار أهلها).قال: (ومثل العلماء مثل النّجوم إذا بدت اقتدوا بها، وإذا أظلمت سكنوا، وموت العالم ثلمة في الإسلام، لا يسدّها شيء ما اختلف اللّيل والنّهار).
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛﴾ أي والله يحكم بفتح البلدان لا يتعقّب أحد حكمه بالردّ، ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (٤١)؛إذا حاسب محاسبة سريع الحساب.
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ،﴾ أي قد مكر الذين من قبل هؤلاء الكفار بأنبيائهم صلوات الله عليهم، وبمن آمن به، ﴿فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً؛﴾ وعند الله جزاء مكرهم جميعا، فإنّ ما يفعله الله من إيصال المكروه يثبت، ومكرهم يضمحلّ.
قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ؛﴾ من خير أو شرّ فيجازيها عليه. قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ؛﴾ تهديد لهم أنّهم إذا جهلوا اليوم عاقبة أمرهم فسيعلمون إذا صاروا إلى الآخرة، ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ﴾ (٤٢)؛المحمودة، لهم أم للمؤمنين؟
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً؛﴾ أي ويقول الذين كفروا من اليهود وغيرهم: يا محمّد لست مرسلا من الله، ومن يشهد لك على رسالتك، ﴿قُلْ؛﴾ لهم يا محمّد: ﴿كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ؛﴾ على أنّي مرسل إليكم، شهادة الله على أنّني نبيّه من المعجزات لا شاهد أعدل من ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣)؛كان ابن عباس يقرأ ﴿(وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ)﴾ (١) بالنصب ويقول: (هو عبد الله بن سلام وأصحابه، كان عندهم في
стр. 1502
التّوراة نعت النّبيّ ﷺ وصفته) (١) وكان يقول: (هذه الآية نزلت بالمدينة؛ لأنّ هؤلاء أسلموا بالمدينة).
وكان ابن مسعود يقرأ «(ومن عنده)» بالخفض على معنى أنّ القرآن من عند الله، وكان يقول: (هذه السّورة مكّيّة، وعبد الله بن سلام أسلم بالمدينة) وقرئ «(ومن عنده علم الكتاب)» بخفض (من) وضمّ العين وكسر اللام من علم، هكذا روي عن سعيد ابن جبير (٢).
آخر تفسير سورة (الرعد) والحمد لله رب العالمين
стр. 1503
سورة إبراهيم
سورة إبراهيم مكّيّة، وهي ثلاثة آلاف وأربعمائة وأربعة وثلاثون حرفا، وثمانمائة وإحدى وثلاثون كلمة، واثنتان وخمسون آية عند البصريّين.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ؛﴾ قد تقدّم تفسيرها، وقوله تعالى:
﴿(كِتابٌ)﴾ خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون خبر ﴿(الر)﴾ ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ؛﴾ أي من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بأمر ربهم أمرك أن تدعوهم إلى الإيمان، وتزجرهم عن الكفر. قوله تعالى: ﴿إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١)؛أي الى دين العزيز الحميد الذي لا يمكن أن يغلب ويقهر، والحميد المستحقّ للحمد.
قوله تعالى: ﴿اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ من قرأ برفع الهاء فعلى الابتداء، ومن قرأ بالخفض جعله بدلا من الحمد، قوله تعالى:
﴿وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ (٢)؛الويل كلمة تستعمل في الشدّة، ويقال: هو واد في جهنّم.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ؛﴾ أي يختارونها عليها، ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ؛﴾ أي يعرضون عن طاعة الله من الصدّ وهو الإعراض، ويجوز أن يكون معناه: ويمنعون الناس.
وقوله تعالى: ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجاً؛﴾ أي ويطلبون بدين الله العوج، والعوج بكسر العين في الدّين، وبفتحها في العصا، وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ (٣)؛أي في ذهاب عن الحقّ بعيد.
стр. 1504
قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ؛﴾ أي بلغتهم ليبيّن لهم ما أمروا به ونهوا عنه، فيفهموا ويتعلّموا، ﴿فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ؛﴾ من كان أهلا لذلك، ﴿وَيَهْدِي؛﴾ لدينه، ﴿مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا؛﴾ أي بدلائلنا وحججنا التي دلّت على صحّة نبوّته مثل العصا واليد وغيرهما، ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾. قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ؛﴾ أي بنعيم الله، وقيل: بوقائع الله في الأيّام السالفة من قوم نوح وعاد وثمود. وقيل: بنعيم الله ونقمه، والمعنى: عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ (٥)؛أي إنّ في ذلك التذكير لدلالات على قدرة الله لكل صبّار شكور على طاعته، وعن معصيته، وشكور لأنعم الله، والشّكر هو إظهار النعمة على جهة الاعتراف بها.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٦)؛هذه الآية قد سبق تفسيرها في سورة البقرة.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ؛﴾ هذه عطف على قوله ﴿(إِذْ أَنْجاكُمْ)﴾ كأنه قال: اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم، وإذ تأذن ربّكم، وهذا إخبار عن ما قال موسى لقومه؛ أي أعلمكم في الكتاب، ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ نعمتي ﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ نعمة، ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ؛﴾ نعمتي، ﴿إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٧)؛لمن كفر.
قال ابن عبّاس: (معنى الآية: لئن وحّدتموني وأطعتموني، لأزيدنّكم نعمة)، قال قتادة: (حقّ الله أن يعطي من سأله، ويزيد من شكره)،وقوله تعالى ﴿(وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ)﴾ أي جحدتّم حقّي وحقّ نعمتي إنّ عذابي لشديد.
стр. 1505
قوله تعالى: ﴿وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً؛﴾ بنعمته، ﴿فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ؛﴾ عن طاعتكم، لم يأمركم بطاعته لحاجته إليها وهو ال ﴿حَمِيدٌ﴾ (٨)؛لمن وحّده وأطاعه.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ؛﴾ قيل: إنّ الخطاب في هذه الآية لأمّة محمّد ﷺ ، وقيل: هو خطاب موسى لقومه.
قوله تعالى: ﴿(وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ)﴾ يعني قوم شعيب وغيرهم، ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ،﴾ لا يعلم عددهم إلاّ الله، ﴿جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ؛﴾ أي بالدّلائل الواضحات ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ؛﴾ قال ابن عبّاس: (عضّوا أناملهم غيظا على الرّسل فيما ادّعوا من النّبوّة)،وقال مجاهد: (هذا كناية عن الجحد والتّكذيب) (١).وقيل: معناه: وضع الكفار أيديهم على أفواه أنبيائهم.
قوله تعالى: ﴿وَقالُوا إِنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ؛﴾ بسبب من التوحيد، ﴿مُرِيبٍ﴾ (٩)؛ظاهر الشكّ، والرّيب الشكّ مع التّهمة.
قوله تعالى: ﴿*قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ؛﴾ أي في توحيد الله شكّ، وهذا إنكار من الرسل عليهم؛ أي لا شكّ في توحيد الله، ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي خالقهما فكيف يشكّون فيه ودلائل وحدانيّته ظاهرة، ﴿يَدْعُوكُمْ؛﴾ إلى دينه، ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ؛﴾ في الجاهليّة، ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى؛﴾ منتهى آجالكم، فلا يعذّبكم بعذاب الاستئصال.
وأما دخول ﴿(مِنْ)﴾ في قوله ﴿(مِنْ ذُنُوبِكُمْ)﴾ فيجوز أن تكون للجنس، كما في قوله ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ (٢)،ويجوز أن تكون للتبعيض؛ أي ليغفر لكم بعض ذنوبكم، فادعوا الله وارغبوا إليه في مغفرة الذّنوب كلّها.
стр. 1506
قوله: ﴿قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا؛﴾ أي قالت الأمم لرسلهم: هل أنتم إلاّ آدميّون مثلنا لا فضل لكم علينا، ﴿تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا؛﴾ تمنعونا، ﴿عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا؛﴾ من الأصنام، ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (١٠)؛فأتوا بحجّة واضحة بيّنة، يعنون الآيات التي كانوا يقترحونها على أنبيائهم.
قوله تعالى: ﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ؛﴾ كما قلتم، ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ؛﴾ كما أنعم علينا بأن أرسلنا، ﴿وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ؛﴾ ولا نملك الآيات التي تقترحون علينا ونحن بشر مثلكم. قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١١) ظاهر المعنى.
قالت الكفار لهم: فتوكّلوا أنتم على الله حتى ترون ما يفعل بكم، قالت الرّسل: ﴿وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا؛﴾ أي حسبنا، والهداية من الله هي الدلالة على الحقّ والرشد، ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا؛﴾ على أذاكم، ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (١٢)؛والتوكّل هو التمسّك بطاعة الله مع الرّضا بقضائه وتدبيره.
قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا؛﴾ أي قالت الكفار لرسلهم: لا نساكنكم على مخالفتكم ديننا ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾ وقد ذكرنا في قصّة شعيب، ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ،﴾ فأوحى الله إلى الرّسل:
﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ (١٣)؛أي الكفار،
﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ؛﴾ أرضهم وديارهم، ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ؛﴾ من بعد هلاكهم، وهذا نهاية ما في الإنعام، فإن هذا جزاء من توكّل على الله، ﴿ذلِكَ؛﴾ جزاء، ﴿لِمَنْ خافَ مَقامِي؛﴾ مقام العباد عندي، ﴿وَخافَ وَعِيدِ﴾ (١٤)؛وخاف وعيدي بالعقاب ولمن عصاني.
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ (١٥)؛أي سألت الرّسل ربّهم أن يحكم بينهم وبين الكفار؛ لأن الفتح هاهنا بمعنى الحكم، يقال للحاكم: الفتّاح، فلما فزعت الرسل إلى ربهم بانجاز الوعد، فتح لهم ما طلبوه فخاب كلّ جبار عنيد.
стр. 1507
والجبار: هو الطالب للخير والعلوّ فوق كلّ علوّ، والعنيد: هو الدافع للحقّ على جهة الاستنكار، وقال قتادة: (العنيد: المعرض عن طاعة الله) (١)،وقال مجاهد:
(هو المجانب للحقّ).
قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ؛﴾ معناه أمام هذا الجبّار بعد الموت جهنّم، والوراء يكون من خلف وقدّام. قوله تعالى: ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ؛﴾ (١٦) أي يسقى من ماء يسيل من جلود أهل النّار من القيح والدّم، قال ابن عبّاس: (في جهنّم أودية، في تلك الأودية صديد أهل النّار وقيحهم ودماؤهم، فيسقون من ذلك الصّديد قد نتن ريحه)
﴿يَتَجَرَّعُهُ؛﴾ شاربه، والملك يضربه بالمقامع ويقول له:
اشرب، فيقول: لا أطيقه، فيضربه حتى يشربه جرعة جرعة، ولا يكاد يسيغه من نتنه وحرّه.
قوله تعالى: ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ؛﴾ لا يقدر أن يبتلعه، والإساغة هو دخول المشروب في حلقه مع قبول النفس له، وفي الحديث عن النبيّ ﷺ أنّه قال:
[يقرّب إليه فيكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه فيه، فإذا شربه قطّع أمعاءه، فتخرج أمعاؤه من الجانب الآخر] (٢) كما قال تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ (٣).
قوله تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ؛﴾ أي ويأتيه غمّ الموت من قدامه، ومن كلّ مكان كان فيه يموت بدون ذلك في الدّنيا، قال ابن عبّاس:
(يأتيه الموت من تحت كلّ شعرة في جسده) (٤).قيل: وتأتيه النيران من كلّ جانب، ﴿وَما هُوَ بِمَيِّتٍ،﴾ فيستريح من العذاب، ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ (١٧)؛أي ومن بعد ذلك عذاب شديد أشدّ مما تقدّم لا ينقطع ولا يفتر.
стр. 1508
قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ؛﴾ أي مثل أعمال الذين كفروا بربهم في انتفاعه بها كرماد اشتدّت به الريح في يوم ذي عاصف، يقول: كما لا يقدر أحد على الانتفاع على جمع ذلك الرّماد إذا ذرّته الريح الشديدة، فكذلك هؤلاء الكفّار؛ ﴿لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ؛﴾ أي لا يقدرون على الانتفاع بشيء من الأعمال التي عملوها على جهة البرّ مثل صلة الرّحم ونحوها. وأما الكفر والمعاصي فلا يكون كرماد اشتدّت به الريح. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ (١٨)؛أي ذلك الذي ذكر هو الذهاب عن التنفّع البعيد عن الحقّ والهدى.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ؛﴾ أي ألم تعلم-يا محمّد-أنّ الله خلق السموات والأرض على ما توجب الحكمة وتقتضيه المصلحة، والحقّ هو وضع الشيء موضعه.
قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ؛﴾ أيّها الكفار؛ أي يهلككم، ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١٩)؛ويخلق قوما آخرين أطوع لله منكم،
﴿وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ (٢٠)،أي وليس ذلك على الله بشديد ولا متعذّر.
قوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعاً؛﴾ أي إذا كان يوم القيامة برز الناس من قبورهم للمسائلة والمحاسبة، فيسألون عن أعمالهم ويجازون عليها، ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ؛﴾ أتباع الظّلمة والعصاة، ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا؛﴾ وهم الرؤساء والقادة: ﴿إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعاً؛﴾ في المعصية والظّلم في الدّنيا، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ؛﴾ دافعون، ﴿عَنّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. فيقول لهم رؤساؤهم:
﴿قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ﴾ أي ما نخلص به من هذا العذاب، ﴿لَهَدَيْناكُمْ؛﴾ إليه؛ أي لا مطمع لنا في ذلك، فكيف تطمعون في مثله من جهتنا؟ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ﴾ (٢١)؛أي لا حيلة لنا سواء أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص من هذا العذاب.
قوله تعالى: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ هذا إخبار عن خطبة الشيطان، وذلك أنه إذا دخل أهل الجنّة الجنة، وأهل النار النار،
стр. 1509
قام إبليس خطيبا على منبر من نار، فقال: يا أهل النار إنّ الله وعدكم وعدا، وكان حقّا وعده، ﴿وَوَعَدْتُكُمْ،﴾ أنا، ﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ الإكراه على المعصية، ولا حجّة على ما قلت، ﴿إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ؛﴾ إلى طاعتي بالوسوسة، ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي؛﴾ بسوء اختياركم، ﴿فَلا تَلُومُونِي؛﴾ على ما حلّ بكم من العقاب، ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ؛﴾ فإنّي لم أجبركم على المعصية، ﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ؛﴾ أي بمغيثكم، ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ؛﴾ ولا أنتم بمغيثيّ، والإصراخ في اللغة: هو المستغيث إغاثة به. ويحكى أنّ أعرابيا أتى على رجل يقرأ هذه الآية، فقال: قاتله الله ما أفصحه!
قوله تعالى: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ؛﴾ إخبار عن كلام إبليس، ومعناه: إنّي كفرت من قبل بالذي أشركتمون به في الطاعة من قبل أن أشركتموني به؛ أي كفرت بربي من قبل ما عدلتموني به. ويقال: معناه: إنّي كفرت الآن بما كان من إشراككم إيّاي في الطاعة إذ أطعتموني وجعلتموني كأنّي ربّ، فصيّرتموني شريكا لربكم، وأنا أكفر اليوم بشرككم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢٢)؛أي قال الله تعالى: إن الظالمين من إبليس وغيره لهم عذاب وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم.
قوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ أي في جنّات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ﴿خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ (٢٣)؛أي يحيّي بعضهم بعضا بالسّلام، ويرسل الله الملائكة إليهم بالسّلام.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ؛﴾ أي ألم تعلم يا محمّد كيف وصف الله شبها كلمة طيّبة وهي كلمة التوحيد: لا إله إلاّ الله والإقرار بالنبوّة؛ كشجرة طيّبة الثمر، وهي النخلة التي لا شيء أحلى من ثمرها وهو الرّطب، كما لا كلام أحسن من كلمة الرب.
قوله تعالى: ﴿أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ (٢٤)؛فيه شبّه ثبات الإيمان وما فيه من الأدلّة، بقرار النخلة التي أصلها ثابت على نهاية الثبات في تمكّن
стр. 1510
فرعها في الأرض، بل المعرفة في قلب المؤمن أثبت من عروق النخلة؛ لأن النخلة تقلع، ومعرفة العارف لا يقدر أحد من الناس أن يخرجها من قلبه.
وقوله تعالى: ﴿(وَفَرْعُها فِي السَّماءِ)﴾ تؤتي أكلها، فيه تشبيه أعمال المخلصين التي هي فروع الإيمان في أنّها ترتفع وتعلو إلى جانب السّماء؛ لأن الأعمال لا تصلح إلا بالإيمان، والأصل هو الإيمان، والفروع هو الأعمال الصالحة. قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ؛﴾ فيه تشبيه ما يحصل من الثواب الدائم الذي لا منزلة أعلى منه، وقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ رَبِّها؛﴾ أي بعلمه وقدرته.
قوله تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ؛﴾ أي يبيّن الله الأشياء للناس في صفة التوحيد والدين، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٢٥) لكي يتّعظوا ويؤمنوا.
قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ؛﴾ يعني كلمة الشّرك، ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ؛﴾ يعني شجرة الحنظل ليس فيها حلاوة ولا منفعة ولا رائحة طيّبة، بل تضرّ من تناولها، فكذلك كلمة الكفر تضرّ صاحبها. قوله تعالى: ﴿اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ؛﴾ أي اقتلعت، معناه: كما أنه ليس لشجرة الحنظل أصل تثبت عليه وتقرّ، ولكن تقلع وتؤخذ حبّته من أصله، فكذلك الكفر يبطله الله ويستأصل أهله. قوله تعالى: ﴿ما لَها مِنْ قَرارٍ﴾ (٢٦)؛فإن الريح تقلعها وتذهب، كذلك ليس لكلمة الكفر حجّة يحتجّ بها صاحبها.
قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ؛﴾ أي يثبت الله الذين آمنوا بقول ثابت وهو: لا إله إلاّ الله في الحياة الدّنيا، وفي الآخرة يعني القبر، كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [إنّ المؤمن إذا دخل قبره وأتاه منكر ونكير وقالا له: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟ فيثبته الله فيقول: الله ربي؛ والإسلام ديني؛ ومحمّد نبيّي. فيقولان: صدقت هكذا كنت في الدّنيا، ثمّ يفتح له باب إلى النّار، فيقولان له: هذا كان منزلت لو كفرت بربك، فإذا آمنت بربك فهذا منزلك، ثمّ يفتح له باب إلى الجنّة ويفسح له في قبره.
وإن كان كافرا أو منافقا فيقولان له: ما تقول لهذا الرّجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت النّاس يقولون كذا وكذا. فيقولان له: لا دريت ولا اهتديت، ثمّ يفتح له باب