قوله: ﴿قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا؛﴾ أي قالت الأمم لرسلهم: هل أنتم إلاّ آدميّون مثلنا لا فضل لكم علينا، ﴿تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا؛﴾ تمنعونا، ﴿عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا؛﴾ من الأصنام، ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (١٠)؛فأتوا بحجّة واضحة بيّنة، يعنون الآيات التي كانوا يقترحونها على أنبيائهم.
قوله تعالى: ﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ؛﴾ كما قلتم، ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ؛﴾ كما أنعم علينا بأن أرسلنا، ﴿وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ؛﴾ ولا نملك الآيات التي تقترحون علينا ونحن بشر مثلكم. قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١١) ظاهر المعنى.
قالت الكفار لهم: فتوكّلوا أنتم على الله حتى ترون ما يفعل بكم، قالت الرّسل: ﴿وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا؛﴾ أي حسبنا، والهداية من الله هي الدلالة على الحقّ والرشد، ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا؛﴾ على أذاكم، ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (١٢)؛والتوكّل هو التمسّك بطاعة الله مع الرّضا بقضائه وتدبيره.
قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا؛﴾ أي قالت الكفار لرسلهم: لا نساكنكم على مخالفتكم ديننا ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾ وقد ذكرنا في قصّة شعيب، ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ،﴾ فأوحى الله إلى الرّسل:
﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ (١٣)؛أي الكفار،
﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ؛﴾ أرضهم وديارهم، ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ؛﴾ من بعد هلاكهم، وهذا نهاية ما في الإنعام، فإن هذا جزاء من توكّل على الله، ﴿ذلِكَ؛﴾ جزاء، ﴿لِمَنْ خافَ مَقامِي؛﴾ مقام العباد عندي، ﴿وَخافَ وَعِيدِ﴾ (١٤)؛وخاف وعيدي بالعقاب ولمن عصاني.
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ (١٥)؛أي سألت الرّسل ربّهم أن يحكم بينهم وبين الكفار؛ لأن الفتح هاهنا بمعنى الحكم، يقال للحاكم: الفتّاح، فلما فزعت الرسل إلى ربهم بانجاز الوعد، فتح لهم ما طلبوه فخاب كلّ جبار عنيد.
стр. 1507
والجبار: هو الطالب للخير والعلوّ فوق كلّ علوّ، والعنيد: هو الدافع للحقّ على جهة الاستنكار، وقال قتادة: (العنيد: المعرض عن طاعة الله) (١)،وقال مجاهد:
(هو المجانب للحقّ).
قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ؛﴾ معناه أمام هذا الجبّار بعد الموت جهنّم، والوراء يكون من خلف وقدّام. قوله تعالى: ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ؛﴾ (١٦) أي يسقى من ماء يسيل من جلود أهل النّار من القيح والدّم، قال ابن عبّاس: (في جهنّم أودية، في تلك الأودية صديد أهل النّار وقيحهم ودماؤهم، فيسقون من ذلك الصّديد قد نتن ريحه)
﴿يَتَجَرَّعُهُ؛﴾ شاربه، والملك يضربه بالمقامع ويقول له:
اشرب، فيقول: لا أطيقه، فيضربه حتى يشربه جرعة جرعة، ولا يكاد يسيغه من نتنه وحرّه.
قوله تعالى: ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ؛﴾ لا يقدر أن يبتلعه، والإساغة هو دخول المشروب في حلقه مع قبول النفس له، وفي الحديث عن النبيّ ﷺ أنّه قال:
[يقرّب إليه فيكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه فيه، فإذا شربه قطّع أمعاءه، فتخرج أمعاؤه من الجانب الآخر] (٢) كما قال تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ (٣).
قوله تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ؛﴾ أي ويأتيه غمّ الموت من قدامه، ومن كلّ مكان كان فيه يموت بدون ذلك في الدّنيا، قال ابن عبّاس:
(يأتيه الموت من تحت كلّ شعرة في جسده) (٤).قيل: وتأتيه النيران من كلّ جانب، ﴿وَما هُوَ بِمَيِّتٍ،﴾ فيستريح من العذاب، ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ (١٧)؛أي ومن بعد ذلك عذاب شديد أشدّ مما تقدّم لا ينقطع ولا يفتر.
стр. 1508
قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ؛﴾ أي مثل أعمال الذين كفروا بربهم في انتفاعه بها كرماد اشتدّت به الريح في يوم ذي عاصف، يقول: كما لا يقدر أحد على الانتفاع على جمع ذلك الرّماد إذا ذرّته الريح الشديدة، فكذلك هؤلاء الكفّار؛ ﴿لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ؛﴾ أي لا يقدرون على الانتفاع بشيء من الأعمال التي عملوها على جهة البرّ مثل صلة الرّحم ونحوها. وأما الكفر والمعاصي فلا يكون كرماد اشتدّت به الريح. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ (١٨)؛أي ذلك الذي ذكر هو الذهاب عن التنفّع البعيد عن الحقّ والهدى.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ؛﴾ أي ألم تعلم-يا محمّد-أنّ الله خلق السموات والأرض على ما توجب الحكمة وتقتضيه المصلحة، والحقّ هو وضع الشيء موضعه.
قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ؛﴾ أيّها الكفار؛ أي يهلككم، ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١٩)؛ويخلق قوما آخرين أطوع لله منكم،
﴿وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ (٢٠)،أي وليس ذلك على الله بشديد ولا متعذّر.
قوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعاً؛﴾ أي إذا كان يوم القيامة برز الناس من قبورهم للمسائلة والمحاسبة، فيسألون عن أعمالهم ويجازون عليها، ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ؛﴾ أتباع الظّلمة والعصاة، ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا؛﴾ وهم الرؤساء والقادة: ﴿إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعاً؛﴾ في المعصية والظّلم في الدّنيا، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ؛﴾ دافعون، ﴿عَنّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. فيقول لهم رؤساؤهم:
﴿قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ﴾ أي ما نخلص به من هذا العذاب، ﴿لَهَدَيْناكُمْ؛﴾ إليه؛ أي لا مطمع لنا في ذلك، فكيف تطمعون في مثله من جهتنا؟ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ﴾ (٢١)؛أي لا حيلة لنا سواء أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص من هذا العذاب.
قوله تعالى: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ هذا إخبار عن خطبة الشيطان، وذلك أنه إذا دخل أهل الجنّة الجنة، وأهل النار النار،
стр. 1509
قام إبليس خطيبا على منبر من نار، فقال: يا أهل النار إنّ الله وعدكم وعدا، وكان حقّا وعده، ﴿وَوَعَدْتُكُمْ،﴾ أنا، ﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ الإكراه على المعصية، ولا حجّة على ما قلت، ﴿إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ؛﴾ إلى طاعتي بالوسوسة، ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي؛﴾ بسوء اختياركم، ﴿فَلا تَلُومُونِي؛﴾ على ما حلّ بكم من العقاب، ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ؛﴾ فإنّي لم أجبركم على المعصية، ﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ؛﴾ أي بمغيثكم، ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ؛﴾ ولا أنتم بمغيثيّ، والإصراخ في اللغة: هو المستغيث إغاثة به. ويحكى أنّ أعرابيا أتى على رجل يقرأ هذه الآية، فقال: قاتله الله ما أفصحه!
قوله تعالى: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ؛﴾ إخبار عن كلام إبليس، ومعناه: إنّي كفرت من قبل بالذي أشركتمون به في الطاعة من قبل أن أشركتموني به؛ أي كفرت بربي من قبل ما عدلتموني به. ويقال: معناه: إنّي كفرت الآن بما كان من إشراككم إيّاي في الطاعة إذ أطعتموني وجعلتموني كأنّي ربّ، فصيّرتموني شريكا لربكم، وأنا أكفر اليوم بشرككم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢٢)؛أي قال الله تعالى: إن الظالمين من إبليس وغيره لهم عذاب وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم.
قوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ أي في جنّات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ﴿خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ (٢٣)؛أي يحيّي بعضهم بعضا بالسّلام، ويرسل الله الملائكة إليهم بالسّلام.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ؛﴾ أي ألم تعلم يا محمّد كيف وصف الله شبها كلمة طيّبة وهي كلمة التوحيد: لا إله إلاّ الله والإقرار بالنبوّة؛ كشجرة طيّبة الثمر، وهي النخلة التي لا شيء أحلى من ثمرها وهو الرّطب، كما لا كلام أحسن من كلمة الرب.
قوله تعالى: ﴿أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ (٢٤)؛فيه شبّه ثبات الإيمان وما فيه من الأدلّة، بقرار النخلة التي أصلها ثابت على نهاية الثبات في تمكّن
стр. 1510
فرعها في الأرض، بل المعرفة في قلب المؤمن أثبت من عروق النخلة؛ لأن النخلة تقلع، ومعرفة العارف لا يقدر أحد من الناس أن يخرجها من قلبه.
وقوله تعالى: ﴿(وَفَرْعُها فِي السَّماءِ)﴾ تؤتي أكلها، فيه تشبيه أعمال المخلصين التي هي فروع الإيمان في أنّها ترتفع وتعلو إلى جانب السّماء؛ لأن الأعمال لا تصلح إلا بالإيمان، والأصل هو الإيمان، والفروع هو الأعمال الصالحة. قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ؛﴾ فيه تشبيه ما يحصل من الثواب الدائم الذي لا منزلة أعلى منه، وقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ رَبِّها؛﴾ أي بعلمه وقدرته.
قوله تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ؛﴾ أي يبيّن الله الأشياء للناس في صفة التوحيد والدين، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٢٥) لكي يتّعظوا ويؤمنوا.
قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ؛﴾ يعني كلمة الشّرك، ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ؛﴾ يعني شجرة الحنظل ليس فيها حلاوة ولا منفعة ولا رائحة طيّبة، بل تضرّ من تناولها، فكذلك كلمة الكفر تضرّ صاحبها. قوله تعالى: ﴿اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ؛﴾ أي اقتلعت، معناه: كما أنه ليس لشجرة الحنظل أصل تثبت عليه وتقرّ، ولكن تقلع وتؤخذ حبّته من أصله، فكذلك الكفر يبطله الله ويستأصل أهله. قوله تعالى: ﴿ما لَها مِنْ قَرارٍ﴾ (٢٦)؛فإن الريح تقلعها وتذهب، كذلك ليس لكلمة الكفر حجّة يحتجّ بها صاحبها.
قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ؛﴾ أي يثبت الله الذين آمنوا بقول ثابت وهو: لا إله إلاّ الله في الحياة الدّنيا، وفي الآخرة يعني القبر، كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [إنّ المؤمن إذا دخل قبره وأتاه منكر ونكير وقالا له: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟ فيثبته الله فيقول: الله ربي؛ والإسلام ديني؛ ومحمّد نبيّي. فيقولان: صدقت هكذا كنت في الدّنيا، ثمّ يفتح له باب إلى النّار، فيقولان له: هذا كان منزلت لو كفرت بربك، فإذا آمنت بربك فهذا منزلك، ثمّ يفتح له باب إلى الجنّة ويفسح له في قبره.
وإن كان كافرا أو منافقا فيقولان له: ما تقول لهذا الرّجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت النّاس يقولون كذا وكذا. فيقولان له: لا دريت ولا اهتديت، ثمّ يفتح له باب
стр. 1511
إلى الجنّة، فيقال له: هذا لك لو آمنت، فأمّا إذا كفرت فإنّ الله بدّلك به هذا، ويفتح له باب إلى النّار، ثمّ يقمعه بالمطراق قمعة فيصيح صيحة يسمعه خلق الله كلّهم غير الثّقلين، فلا يسمع صوته شيء إلاّ لعنه، ثمّ يفتح له باب إلى النّار يدخل عليه من ريحها وسمومها، ويقال له: نم نومة اللّديغ، ثمّ يضيّق عليه قبره حتّى تختلف عليه أضلاعه] فذلك قوله ﴿(يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ)﴾ (١) ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ؛﴾ أي ويهلكهم، ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ (٢٧)؛من التّثبيت والإضلال، لا مانع له مما يفعله.
قوله تعالى: ﴿*أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً؛﴾ فيه تعجيب للنبيّ ﷺ من صنع المشركين، فإنّهم بدّلوا نعمة الله بالكفر، ثم لم يقتصروا على هذا في أنفسهم حتى أضلّوا قومهم، ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ (٢٨)؛أي دار الهلاك وهي:
﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها؛﴾ أي يدخلونها يوم القيامة، ﴿وَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ (٢٩)؛قرار من يكون قراره النار، وقوله تعالى: ﴿(جَهَنَّمَ)﴾ بنصب ﴿(يَصْلَوْنَها)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً؛﴾ أي أمثالا ونظراء، ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ؛﴾ أي كان عاقبتهم الضلال عن دين الله، ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا؛﴾ قليلا في الدنيا، ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ (٣٠).
قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ؛﴾ في الآية أمر للنبيّ ﷺ بأن يأمر المؤمنين بما يؤدّيهم إلى النعيم المقيم، وقوله تعالى: ﴿(يُقِيمُوا الصَّلاةَ)﴾ أي يؤدّونها لمواقيتها بشرائطها.
واختلفوا في جزم ﴿(يُقِيمُوا)﴾ قيل: لأنه جواب الأمر، وقال بعضهم: تقديره: قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا. قوله تعالى: ﴿وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً؛﴾
стр. 1512
من الأموال في وجه البرّ من الفرائض والنوافل، سرّا في النوافل، وعلانية في الفرائض، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ؛﴾ يوم لا يقبل البدل للتخلّص من النار، ﴿وَلا خِلالٌ﴾ (٣١)؛أي ولا مودّة يكون فيها تخليص أحدهما للآخر.
قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً؛﴾ يعني المطر، ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ؛﴾ أي من الثمار ما تنتفعون به.
قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ؛﴾ أي السّفن، ﴿لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ﴾ (٣٢)،وتجري حيث تشاءون،
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ؛﴾ أي سخّرها لكم إلى يوم القيامة، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ (٣٣)؛بأن أتى بهما متعاقبين لينصرف الناس في معايشهم بالنهار ويهدءوا بالليل.
قوله تعالى: ﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ؛﴾ من العاقبة وغير ذلك، ومن قرأ «(من كلّ)» بالتنوين فالمعنى: أعطاكم من كلّ ما تقدّم ذكره من النّعم، ثم قال ﴿(ما سَأَلْتُمُوهُ)﴾ اي لم تسألوه، بل ابتدأكم بذلك تفضّلا.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها؛﴾ أي إنعامه، والنّعمة هاهنا اسم أقيم مقام المصدر، ولذلك لم يجمع، ﴿(لا تُحْصُوها)﴾ اي تأتوا على جميعها بالعدّ. وقيل: لا تحفظوها ولا تطيقوا عدّها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ (٣٤)؛معناه: إن الإنسان مع هذه النّعم لظلوم لنفسه كفّار لنعم ربه. والإنسان: اسم جنس لكن يقصد به في هذا الموضع الكافر خاصّة.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً؛﴾ أي واذكر إذ قال إبراهيم بعد ما بنى البيت: رب اجعل مكّة آمنا يأمن فيها الناس والوحش، فاستجاب الله دعاءه حتى اجتمع فيه الناس مع شدّة العداوة بينهم، وتدنوا الوحوش فيه من الناس فتأمن منهم. وإنما عرّف البلد في هذه الآية ونكّرها في البقرة؛ لأن النّكرة إذا أعيدت تعرّفت.
стр. 1513
قوله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ (٣٥)؛أي والطف بي وبنيّ لطفا نتجنّب به عبادة الأصنام،
﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ؛﴾ يعني الأصنام، وأضاف الإضلال إلى الأصنام وإن لم تكن تفعل شيئا؛ لأنّهم ضلّوا بعبادتهم. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ أي فمن تبعني على ديني فإنه منّي ومعي، ﴿وَمَنْ عَصانِي؛﴾ خالفني في ديني، ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣٦)؛ أي غفور لذنوبهم، رحيم بهم.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ؛﴾ أي قال إبراهيم: إنّى أسكنت بعض ذرّيتي، وهو إسماعيل مع أمّه هاجر، بواد جدب لا ينبت شيئا، وأراد به وادي مكّة وهو الأبطح. قوله تعالى: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ؛﴾ أي عند المسجد الحرام، سمّاه المحرّم لأنه لا يستطيع أحد الوصول إلا بالإحرام.
وقيل: أراد به حرمة الاصطياد والقتل، كما روي في الخبر: [أنّ مكّة حرام لا يختلي خلاؤها، ولا يعضد شوكها، ولا ينفّر صيدها] (١).
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ؛﴾ أي أسكنتهم عند بيتك المحرّم ليقيموا الصلاة بحرم مكّة، ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ؛﴾ أي تسرع إليهم، قال مجاهد: (لو قال إبراهيم: أفئدة النّاس، لزاحمتهم الرّوم وفارس، ولكن قال: أفئدة من النّاس)،وقال ابن جبير: (لو قال إبراهيم: أفئدة النّاس، لحجّت اليهود والنّصارى والمجوس، ولكنّه قال: أفئدة من النّاس فهم المسلمون) (٢).
وقرئ «(تهوى)» بنصب الواو من هوى يهوى إذا أحبّ، إلاّ أن القراءة المعروفة بالكسر. قوله تعالى: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (٣٧)؛ظاهر المعنى.
стр. 1514
قوله تعالى: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ؛﴾ أي ما تسرّ أنفسنا وما تظهر. قوله تعالى: ﴿وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ (٣٨)؛يحتمل أن يكون من كلام إبراهيم، ويحتمل أن يكون قولا من الله معترض بين الكلامين، كأنه صدّق إبراهيم فإنه لا يخفى على الله من شيء.
ثم رجع إلى قول إبراهيم: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ؛﴾ روي أنّ إبراهيم كان ابن مائة سنة يوم ولد له إسحاق، وكانت سارة يومئذ بنت تسع وتسعين سنة، وكان إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاثة عشرة سنة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ (٣٩)؛أي قابل للدّعاء.
وقوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ،﴾ أي مداوما على إقامة الصّلاة، واجعل؛ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي؛﴾ من يقيم الصلاة، ﴿رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ (٤٠)؛ أي أجب دعائي،
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ؛﴾ قال بعضهم: أراد آدم وحوّاء؛ لأن الله تعالى كان نهاه عن الاستغفار لأبيه من بعد ما تبيّن له أنّه عدوّ لله.
وقال بعضهم: أراد أبويه الأدنيين، فكان إبراهيم يستغفر لأبويه عن موعدة وعد بها إياه. وقرأ بعضهم «(ولوالدتى)» لأن أمّة كانت مسلمة. قوله تعالى:
﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ﴾ (٤١)؛أي يوم يحاسب الخلق.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ؛﴾ أي لا تظنّنّ الله يا محمّد غافلا عن أعمال الظّالمين ومجازاتهم على ما يعملون، ﴿إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ (٤٢)؛قال ابن عبّاس: (إذا سيقوا إلى النّار شخصت أبصارهم إليها)،وقال الحسن: (تشخص أبصارهم إلى إجابة الدّاعي حين يدعوهم من قبورهم، لا يغمضون أعينهم من هول ذلك اليوم).
قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ؛﴾ أي مسرعين نحو البلاء الذي ينزل بهم، والإهطاع: الإسراع، وقال مجاهد: (مهطعين؛ أي مديمين النّظر)،قال الخليل: (المهطع: الّذي قد أقبل على الشّيء بنظره ولا يرفع عينيه عنه).قوله تعالى:
﴿(مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ)﴾ أي رافعي رءوسهم إلى ما يرون في السّماء من الانفطار، وانتشار الكواكب، وتكوير الشّمس ونحو ذلك.
стр. 1515
قوله تعالى: ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ (٤٣)؛أي لا يغمضون أعينهم من الهول والفزع، وقوله تعالى: ﴿(وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ)﴾ أي قلوبهم خالية من خير، وقيل: مجوّفة لا عقول فيها، قال السديّ: (هوت أفئدتهم بين موضعها وبين الحنجرة، فلا هي عائدة إلى موضعها، ولا هي خارجة منها).
ثم عاد إلى خطاب النبيّ ﷺ فقال: ﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ؛﴾ أي أعلمهم بموضع المخافة يوم يأتيهم العذاب وهو يوم القيامة، ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا؛﴾ أي الكفار: ﴿رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ؛﴾ أعدنا إلى حال التكليف، ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ؛﴾ واستمهلوا مدّة يسيرة كي يجيبوا الدعوة ويتّبعوا الرسل، فقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ؛﴾ أي حلفتم من قبل هذا في الدّنيا، ﴿ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ﴾ (٤٤)؛من الدّنيا الى الآخرة كما قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ؛﴾ أي سكنتم في مساكن عاد وثمود، ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ؛﴾ أي ظهر لكم كيف كفروا بالله ورسله، وكيف عاقبهم الله، والمعنى: كان ينبغي أن ينزجروا أو يرتدعوا الكفر اعتبارا بمساكنهم بعد ما تبيّن لكم كيف فعلنا بهم. قوله تعالى:
﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ﴾ (٤٥)؛أي وبيّنّا لكم الأمثال في القرآن المنبه على التفكّر، فلم يعتبروا بتلك الأمثال.
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ؛﴾ أي قد مكرت الأمم الماضية بأنبيائهم ما أمكنهم من المكر، والله تعالى عالم بمكرهم، ﴿وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ؛﴾ جزاء، ﴿وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ﴾ (٤٦)؛من قرأ (لتزول) بكسر اللام فالمعنى: وإن كان مكرهم قصدا منهم إلى أن تزول منه الجبال، ثم لا تزول منه الجبال، فكيف يزول منه الدّين الذي هو أثبت من الجبال.
стр. 1516
وقيل: معناه الجحد، كأنه قال: وما كان مكرهم ليزول منه دين الإسلام وثبوته كثبوت الجبال، واستحقر مكرهم. ومن قرأ «(لتزول)» بفتح اللام فمعناه: وإنّ مكرهم قد بلغ منتهاه حتى تزول منه الجبال، فلا يضرّ ذلك أنبياء الله ورسله، فإن الله وعد رسله النصر، لقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ؛﴾ أي لا تظنّنّ الله يا محمّد مخلف رسله ما وعدهم من النصر وإظهار الدّين، ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ؛﴾ لا يعجزه شيء، ﴿ذُو انتِقامٍ﴾ (٤٧)؛ذو نقمة ممن عصاه وكفر به.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ؛﴾ تبديلها أن يزاد فيها وينقص منها، وتستوي جبالها وأوديتها، وتمدّ الأديم العكاظيّ (٢) أرضا بيضاء كالفضّة، وتبديل السّماوات انفطارها وانتشار كواكبها وتكوير شمسها وخسوف قمرها (٣).
وذهب بعضهم: إلى أنّ الآية على ظاهرها، وأن هذه الأرض تبدّل يومئذ بأرض أخرى، كما روي عن عائشة: أنّ النّبيّ ﷺ قرأ عليّ هذه الآية فقلت: يا رسول الله فأين تكون النّاس؟ قال: [على جسر جهنّم] يعني الصّراط (٤)،وأما السموات على هذا القول، فإنّها تطوى وتبدّل سماء أخرى، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (٥).قوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ (٤٨)؛أي وبرزوا من قبورهم للمحاسبة.
стр. 1517
قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ (٤٩)؛أي وترى يا محمّد الذين أجرموا يوم القيامة ﴿(مُقَرَّنِينَ)﴾ أي مجموعين مع الشياطين ﴿(فِي الْأَصْفادِ)﴾ أي في الأغلال والسّلاسل، كما روي في الخبر: [أنّه يقرن كلّ كافر مع شيطانه في غلّ من حديد وقيد من حديد].والأصفاد الأغلال، واحدها صفد وصفاد. وقيل: الأصفاد الأغلال والقيود.
قوله تعالى: ﴿سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ؛﴾ أي قميصهم من نار سوداء كالقطران، وهو الذي تهنأ (١) به الإبل، ومن قرأ «(من قطر)» فالمعنى: من نحاس مذاب قد بلغ النهاية في الحماية. وتحتمل أنّهم يسربلون سربا؛ لأن أحدهما من القطر، والآخر من القطران.
قوله تعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ (٥٠)؛أي يعلو وجوههم النار، وذلك أنّ بين الكافر وشيطانه حجرا من الكبريت يشتعل في وجهه،
﴿لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ؛﴾ ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (٥١)؛إذا حاسب فحسابه سريع؛ لأنه لا يحاسب بعقد وإشارة، ولا يتكلّم بلسان، وإنه يكلّم الجميع في وقت واحد.
قوله تعالى: ﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ؛﴾ أي هذا القرآن ذكر بالغ وموعظة كافية للناس، وليخوّفوا بذكر العقاب، ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٥٢)؛أي ليتّعظ ذوو العقول من الناس، فيوصلهم ذلك إلى الجنة، ويخلّصهم من النار.
عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : [من قرأ سورة إبراهيم أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من عبد الأصنام، وبعدد من لم يعبدها] (٢).
آخر تفسير سورة (إبراهيم) والحمد لله رب العالمين
стр. 1518
سورة الحجر
سورة الحجر مكّيّة، وهي تسع وتسعون آية بلا خلاف، وألفان وسبعمائة وستّون حرفا، وستّمائة وأربع وخمسون كلمة.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ؛﴾ قد تقدّم تفسير الر، ومعنى ﴿(تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ)﴾ أي هذه آيات الكتاب الذي وعدت إنزاله عليك. قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ (١) أي مبيّن للحلال والحرام، مميّز بين الحقّ والباطل.
قوله تعالى: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٢)؛أي ربّما يأتي على الكفار يوم يتمنّون أن لو كانوا مسلمين، وذلك في الآخرة إذا صار المسلمون إلى الجنّة والكفار إلى النار.
قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ الله تعالى إذا أدخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النّار النّار، أحبس قوم من المسلمين ومن المنافقين على الصّراط، فيقول المنافقون لهم:
نحن حبسنا بكفرنا ونفاقنا، فما نفعكم إيمانكم بمحمّد؟ فعند ذلك يصيحون صيحة لمّا عيّرهم المنافقون، فيسمعها أهل الجنّة، فيقومون إلى آدم ثمّ إلى إبراهيم، ثمّ إلى موسى، ثمّ إلى عيسى يطلبون الشّفاعة لهم، فيحيلونهم إلى رسول الله ﷺ فيشفع لهم، وذلك هو المقام المحمود، فيدخلهم الله الجنّة، فإذا نظر المنافقون إليهم تمنّوا أن لو كانوا مسلمين).
قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ؛﴾ أي اتركهم يا محمّد يأكلوا في الدّنيا كالأنعام، ويتلذذوا قليلا، ويشغلهم الأمل الطويل عن طاعة الله، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٢)،فسيعلمون ماذا ينزل بهم من العذاب، وعن رسول
стр. 1519
الله ﷺ أنه قال: [إنّ أخوف ما أخاف على أمّتي شيئين: طول الأمل واتّباع الهوى، فأمّا طول الأمل فينسي الآخرة، وأمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ] (١).
قوله تعالى: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ (٥)؛أي أجل ينتهون إليه لا يهلكهم الله حتى ينتهون إليه، لا يهلك أمّة قبل أجلها الذي كتب لها، ولا تؤخّر عن أجلها طرفة عين، فلا يفتر هؤلاء الكفار بتأخير وقت إهلاكهم، فإنه إذا جاء الوقت الذي كتب الله هلاكهم فيه، لم يتأخّروا عنه كما لا يتقدمون عليه.
وفي هذا بيان أنه لا يموت أحد ولا يقتل إلاّ لأجله الذي جعله الله له، ولا يعترض على هذا بقول من قال: يجب أن لا يكون القاتل ظالما للمقتول؛ لأنه لو لم يقتله كان يموت في ذلك الوقت! قلنا: كان يموت من غير ألم القتل، فكان القاتل بإيصال ذلك الألم إليه ظالما له.
قوله تعالى: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (٦)؛ أي قال الكفار من أهل مكّة وهم: عبد الله بن أمية المخزومي وأصحابه؛ قالوا للنبيّ ﷺ : يا أيّها الذي نزل عليه الذّكر في دعواه وفي زعمه إنّك لمجنون في دعواك أنه نزل عليك هذا. فإنّهم كانوا لا يقرّون بأن القرآن أنزل عليه،
وقوله تعالى: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ؛﴾ أي هلاّ تأتينا بالملائكة من السّماء يشهدون أنّك رسول الله، ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٧)؛فيما تدّعي.
قوله تعالى: ﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ؛﴾ جواب من الله لهم يقول:
ما تتنزّل الملائكة من السّماء إلا بالرّسالة والعقاب والموت، كلّ ذلك حقّ. قوله تعالى: ﴿وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ﴾ (٨)؛أي وما كانوا إذا مؤجّلين إذا نزلت عليهم الملائكة، بل يستأصلون بالعذاب حينئذ، إلا من يكون له المعلوم من حاله أنه يؤمن.
стр. 1520
قوله تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ؛﴾ الذي جعلناه معجزا لا يقدر على الإتيان بمثله، فهو محفوظ من الزّيادة والنقصان، ويقال: هو محفوظ من كيد المشركين بالإبطال.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٠)؛أي ولقد أرسلنا رسلا من قبلك في الأمم الأوّلين، والشّيع: جمع شيعة، والشّيعة: الأمّة والفرقة.
قوله تعالى: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (١١)؛في إنكار التوحيد والبعث، كما يفعل بك قومك.
قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ؛﴾ بأن تسمعهم ويفهمهم ثم لا يؤمنون به.
وقيل: معناه: كذلك نسلك الاستهزاء في قلوب المجرمين حتى يمتنعوا عنه.
والسّلك: إدخال الشيء في الشيء. قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٣) بعذاب الاستئصال عند معاندتهم في التكذيب.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا؛﴾ أي لو فتحنا على هؤلاء الكفار بابا من السّماء ينظرون إليه، فظلّوا يصعدون إليه وينزلون عنه، لم يؤمنوا وقالوا: ﴿(إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا)﴾ أي غطّيت أبصارنا وأغشيت عن حقيقة الرّؤية، ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ (١٥)؛ نحن قوم قد سحرنا، وتخيّل لنا هذه الأشياء على خلاف حقائقها، كما قالوا حين انشقّ القمر وعاينوه: هذا سحر مستمرّ.
ومن قرأ «(سكرت)» بالتخفيف فهو من السّكر، وقراءة التشديد؛ لتكثير الفعل والمبالغة.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً؛﴾ وهي منازل الشّمس والقمر والكواكب التّسعة، وهي اثنا عشر برجا: أوّلها الحمل والثور إلى آخرها.
قوله تعالى:
﴿وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ (١٦)؛أي زيّنا السماء بالكواكب للناظرين إليها. قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ (١٧)؛أي حفظنا السماء أن يدخل فيها شيطان يمكنه الاستماع إلى كلام الملائكة.
стр. 1521
قال ابن عبّاس: (كانت الشّياطين لا تحجب عن السّماوات كلّها، وكانوا يقعدون في السّماء مقاعد للسّمع، فيستمعون إلى ما هو كائن في الأرض من الملائكة، فينزلون به على كهنتهم، فيتكلّم به الكهنة للنّاس، حتّى بعث عيسى ﵇ فمنعوا من ثلاث سماوات، وكانوا يصعدون إلى أربع سماوات إلى أن بعث الله النّبيّ ﷺ ، فمنعوا من السّماوات السّبع، وحرست السّماء بالنّجوم والملائكة، فما منهم أحد يريد استراق السّمع إلاّ رمي بشهاب، فمنهم من يأتي على نفسه، ومنهم من يخبل) (١).فذلك
قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ (١٨)؛ أي نجم مضيء حارّ يتوقد لا يخطؤه، والشّهاب: هو الكوكب المنقضّ.
قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْناها؛﴾ أي بسطناها، ﴿وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ؛﴾ أي جبالا ثوابت أوتادا لها، ﴿وَأَنْبَتْنا فِيها؛﴾ أي في الجبال، ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ (١٩)؛من كلّ ما يوزن مثل الذهب والفضة والحديد والصّفر والنّحاس والرصاص. ويجوز أن يكون المعنى: وأنبتنا في الأرض من كلّ شيء من النبات والثمار مقدور مقسوم لا يجاوز ما قدّره الله على ما تقتضيه الحكمة. وأما تخصيص الموزون فلأنّ ما يكال من الحبوب يعاقبه الوزن أيضا.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ﴾ أي جعلنا لكم في الأرض معايش مما تأكلون وتشربون وتلبسون، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ (٢٠)؛ أي وجعلنا لمن لستم له برازقين معايش من الدواب وغيرها، وجاءت (من) لغير الناس كقوله تعالى ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ (٢) الآية. وقيل: المعنى: وجعلنا لكم من لستم له برازقين، كأنه قال: جعلنا لكم فيها معايش، وجعلنا لكم العبيد والدوابّ، وكفيناكم مئونة أرزاقها.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ؛﴾ أي ما من شيء تحتاجون إليه من النّبات والثمار والأمطار، إلاّ ومفاتيحه إلينا وهو في مقدورنا. قوله
стр. 1522
تعالى: ﴿وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٢١)؛أي ما ننزّل الرزق والمطر إلا بمقدار معلوم تقتضي الحكمة إنزاله، ويعلم الخزّان مقاديره، كما روي في الخبر: [مع كلّ قطرة ملك يضعها في موضعها، إلاّ يوم الطّوفان فإنّه طغى الماء يومئذ على خزّانه، فلم يحفظوا ما خرج منه يومئذ] (١).
قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ؛﴾ أي ذات لقاح تأتي بالسّحاب وتلقح الشّجر، فالريح هي الملقّحة للسّحاب؛ أي المحمّلة للسحاب المطر، قال ابن مسعود: (يبعث الله الرّيح فتلقح السّحاب، ثمّ تمرّ به فيدرّ كما تدرّ النّعجة، ثمّ يمطر)،وعنه أيضا قال: (خلق الله الماء في الرّيح فتفرغه الرّيح في السّحاب ثمّ تمرّ به) (٢).قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ؛﴾ يعني المطر، ﴿وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ (٢٢)؛أي لستم لذلك الماء بخازنين ولا مفاتيحه بأيديكم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ﴾ (٢٣)؛أي نحيي بالبعث في الآخرة، ونميت في الدنيا ونحن الوارثون لما في السّماوات والأرض بعد موت أهلها، ومعنى الإرث: الخلائق كلّهم يموتون ولا يبقى إلا الله ، وما يبقى للحيّ بعد الميت يسمّى ميراثا.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ (٢٤) أي علمنا الأوّلين منكم وعلمنا الآخرين، وقيل: ولقد علمنا السّابقين منكم إلى الطاعة، ولقد علمنا المتأخّرين عن الطاعة.
وعن ابن عبّاس قال: (كانت امرأة حسناء تصلّي خلف رسول الله ﷺ في آخر النّساء، وكان بعضهم يتقدّم في الصّفّ الأوّل لئلاّ يراها، وكان بعضهم يكون في آخر الصّفّ، فإذا ركع تقول هكذا، ونظر إليها من تحت إبطه، فأنزل الله هذه الآية) (٣).
стр. 1523
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ؛﴾ أي يجمعهم للجزاء والحساب، ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ؛﴾ في أفعاله، ﴿عَلِيمٌ﴾ (٢٥)؛بما يستحقّه كلّ واحد منهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٢٦)؛ يعني آدم، والصّلصال: هو الطّين اليابس الذي لم تصبه نار، فإذا ضربته صلّ؛ أي صوّت، وإذا مسّه النار فهو فخّار. والحمأ: جمع الحمأة، وهو الطّين المتغيّر إلى السّواد. والمسنون: متغيّر الرّائحة إلى النّتن من قوله ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ (١) وهو الذي أتت عليه السّنون.
وذلك أن آدم كان في الأصل ترابا ثم عجن ذلك التراب بالماء فصار طينا، ثم صار حمأ مسنونا ثم صوّر، وترك مصوّرا حتى يبس فصار صلصالا، فمكث أربعين سنة ثم صار بشرا، لحما ودما وعظما، ثم نفخ فيه الروح.
قوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ (٢٧)؛قيل: إن الجانّ أبو الجنّ وهو إبليس، فمن أسلم من ولده فهو جنّيّ، ومن كفر فهو شيطان، وقوله تعالى: ﴿(مِنْ قَبْلُ)﴾ أي من قبل آدم، وقال الكلبيّ: (الجنّ ولد الجنّ وليس هو بإبليس، إنّما إبليس أبو الشّياطين).
قوله تعالى: ﴿(مِنْ نارِ السَّمُومِ)﴾ أي من نار حارّة، قال ابن مسعود: (سمومكم هذه جزء من سبعين جزءا من السّموم الّذي خلق منه الجانّ) (٢)،ويقال: السّموم نار صافية لا دخان لها، ومن هذا سمّيت الريح المحرقة الحارّة سموما. وأما المارج الذي ذكره الله تعالى في قوله ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ (٣) فمعنى المارج ما اختلط من لهب النار.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٢٨)؛قد تقدّم تفسيره،
﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ؛﴾ أي جمعت خلقه باليدين
стр. 1524
والرجلين والعينين وسائر الأعضاء، ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي،﴾ وأدخلت فيه روحا فصار بشرا بعد ما كان طينا يابسا، ﴿فَقَعُوا لَهُ؛﴾ على وجوهكم، ﴿ساجِدِينَ﴾ (٢٩)؛أي خاضعين له بالتحيّة،
﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (٣٠)؛لآدم سجود تحيّة له، وعبادة لله، وقوله تعالى: ﴿(أَجْمَعُونَ)﴾ يدلّ على اجتماعهم في السّجود في حالة واحدة.
قوله تعالى: ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ؛﴾ (٣١) أي امتنع من السّجود لآدم،
﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاّ تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ (٣٢) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ؛﴾ أي كيف ينبغي أن أسجد له، وأنا أشرف منه أصلا وهو، ﴿خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٣٣)،من طين يتصلصل مجوّف محتاج إلى الطعام والشراب، وهو من حمأ، والحمأ ظلمة وسواد، والمسنون من الحمأ منتن،
﴿قالَ؛﴾ الله تعالى: ﴿فَاخْرُجْ مِنْها؛﴾ أي من الجنّة، وقيل: من الأرض، فألحقه بجزر البحار، ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ (٣٤)؛أي مطرود من الرحمة، مبعد من الخير،
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ؛﴾ مع هذا، ﴿اللَّعْنَةَ؛﴾ لعنة الله ولعنة الخلائق، ﴿إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣٥)؛يوم الجزاء وهو يوم القيامة، وهو أوّل من عصى الله من أهل السّماوات والأرض.
قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٣٦)؛أي أجّلني إلى يوم يبعث الخلائق، أراد الخبيث أن لا يذوق الموت،
﴿قالَ؛﴾ الله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (٣٨) أي وقت النّفخة الأولى حين يصعق من في السموات ومن في الأرض، وبين النفخة الأولى والثانية أربعون سنة.
وهذا لم يكن إجابة من الله لإبليس إلى ما سأل؛ لأنه لم يكن أجله ما دون آخر التكليف ثم أجّله إليه، ولكن كان في علم الله أنه لم يسأل لكان أجله يمتدّ إلى آخر التكليف، فيكون هذا جواب إهانة لا جواب له.
فلما لم يعط الخبيث ما سأل من النّظرة، ﴿قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي؛﴾ أي خيّبتني من جنّتك ورحمتك، ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ لبني آدم، ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٣٩)؛من الشهوات واللذات حتى يختاروها على ما عندك.
стр. 1525
قوله تعالى: ﴿إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤٠)؛من قرأ بكسر اللام فمعناه: الذين أخلصوا الطاعة لك، ومن نصبها فمعناه: الذين أخلصتهم لنفسك.
قوله تعالى: ﴿قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٤١)؛أي افعل ما شئت، فإن طريقك عليّ لا تفوتني، وهذا تهديد لإبليس، وقيل: معناه: عليّ ممرّ من أطاعك وعليّ ممرّ من عصاك، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ (١)،وقيل: معناه: إن هذا دين مستقيم عليّ بيانه والهداية إليه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ؛﴾ أي لا تقدر أن تحملهم على المعصية وتكرههم عليها، ﴿إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ (٤٢)، ولكن من يتّبعك فإنما يتّبعك باختياره.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤٣)؛أي لموعد إبليس ومن تبعه.
قوله تعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ؛﴾ بعضها أسفل من بعض، وكلّ طبق منها أشدّ حرّا من الذي فوقه سبعين ضعفا، والباب الأوّل أهون حرّا، ولو أن رجلا بالمشرق فكشف عنها بالمغرب لخرج دماغه من منخريه من شدّة حرّها.
والطبق الأول: جهنّم، فيه أهل القبلة من أهل الكبائر إذا ماتوا غير تائبين.
الثاني: لظّى، وفيه النّصارى. والثالث: الحطمة، وفيه اليهود. الرابع: السّعير، وفيه المجوس. الخامس: سقر؛ وفيه المشركين وأهل الأهواء المختلفة، السادس: الجحيم، وفيه الصّابئون والزنادقة، السابع: الهاوية، وفيه المنافقون، فذلك قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ (٤٤).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (٤٥)؛أي المتّقين للمعاصي بالإيمان والطّاعة في بساتين وأنهار ظاهرة تنبع مثل الفوّارات، وتجري بلا أخدود، يقال لهم يوم القيامة:
﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ؛﴾ ادخلوا الجنة بسلام؛ أي سلام من الآفات، وقيل: بتحيّة من الله، ﴿آمِنِينَ﴾ (٤٦)،من كلّ ما تكرهون.
стр. 1526
قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ؛﴾ أي نزعنا ما في صدور أهل الجنّة من أسباب العداوة من الحقد والحسد والتباغض، ﴿إِخْواناً؛﴾ أي حتى يصيروا بمنزلة الإخوان، ﴿عَلى سُرُرٍ؛﴾ من ذهب، ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ (٤٧) في الزيادة تسير بهم سررهم في الجنان، بعضها إلى بعض، والسّرر جمع سرير. وعن عليّ ﵁ أنه قال: (إنّي لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزّبير من الّذين قال الله ﴿(وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ)﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ؛﴾ أي لا يتعبون أنفسهم في طلب العيش، ﴿وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ﴾ (٤٨)؛ولا يخافون الإخراج منها أبدا، شباب لا يهرمون؛ أصحاء لا يسقمون؛ أحياء لا يموتون.
قوله تعالى: ﴿*نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٤٩)؛أي أخبر عبادي أنّي أنا الغفور لذنوب من تاب، الرحيم لمن مات على التوبة. قوله تعالى:
﴿وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ (٥٠)؛لمن استحقّه.
قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ﴾ (٥١)؛أي أخبرهم عن أضياف إبراهيم وهم الملائكة، إلاّ أنه قال ﴿(عَنْ ضَيْفِ)﴾ لأن الضيف مصدر.
قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً؛﴾ قد تقدّم تفسيره.
قوله تعالى: ﴿قالَ إِنّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ (٥٢)؛أي قال لهم إبراهيم حين لم يطعموا من طعامه: إنّا منكم فزعون، والوجل: هو الفزع،
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ؛﴾ أي لا تخف، ﴿إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ (٥٣)؛بمولود إذا ولد كان غلاما، وإذا بلغ كان عليما،
﴿قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي؛﴾ بالولد، ﴿عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ؛﴾ بالشّيب. قوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ (٥٤)؛قال هذا على جهة التعجّب. وقيل: أراد فتبشّرون بهذا من عند الله، أو من تلقاء أنفسكم.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ؛﴾ أي بأمر الله، فإنّ أمر الله لا يكون إلا حقّا، ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ﴾
стр. 1527
﴿الْقانِطِينَ﴾ (٥٥)؛من رحمة الله،
ثم ﴿قالَ؛﴾ لهم: كيف أقنط من رحمة الله، ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ؛﴾ منها، ﴿مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّالُّونَ﴾ (٥٦).
قوله تعالى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ (٥٧)؛أي ما شأنكم أيّها المرسلون؛ لأنّهم رسل الله،
﴿قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى؛﴾ أي لهلاك، ﴿قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ (٥٨)؛وهم قوم لوط.
وقوله تعالى: ﴿إِلاّ آلَ لُوطٍ؛﴾ أي إلاّ خاصّة الذين آمنوا به، ﴿إِنّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٥٩)؛من الهلاك.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ﴾ (٦٠)؛استثناء من الهاء والميم، وكانت امرأته منافقة واسمها واعلة، فقدّر عليها الهلاك، والغابرون هم الباقون في موضع العذاب.
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٦١)؛أي لما جاء الملائكة آل لوط،
﴿قالَ؛﴾ لهم لوط: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ (٦٢)؛وإنما قال لهم ذلك؛ لأنّهم جاءوه على هيئة وجمال لم يكن قد شاهد مثلهم في الجمال، وكان يعلم طلب قومه لأمثالهم، فخاف عليهم منهم فقال: إنّكم قوم أنكر مجيئكم إليّ في هذه الديار (١)،
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ (٦٣)؛أي بالعذاب الذي يكون فيه.
قوله تعالى: ﴿وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ؛﴾ بأمر من الله، ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ (٦٤)؛في ذلك.
قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ؛﴾ أي ببعض من اللّيل عند السّحر، ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ؛﴾ أي كن فيمن يسير خلفهم؛ كي لا ينالهم العذاب، وقوله تعالى: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أي لا يتخلف في موضع الهلاك، وقيل: لا يلتفت إلى شيء يخلّفه؛ أي لا يعرج على شيء، ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (٦٥) بالمضيّ إليه وهو صفد (٢).
стр. 1528
قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ؛﴾ أي وأوحينا إليه ذلك الأمر.
قوله تعالى: ﴿أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ؛﴾ في موضع نصب بدل من قوله ﴿(ذلِكَ الْأَمْرَ)﴾،وقيل: في موضع خفض؛ لأن المعنى بأنّ دابر هؤلاء مقطوع، وقطع الدّابر هو الإتيان على آخرهم بالهلاك حتى لا يبقى منهم أحد. وقوله تعالى:
﴿مُصْبِحِينَ﴾ (٦٦)؛أي مستأصلون عند الصّباح، ولا يبقى لهم نسل ولا عقب.
قوله تعالى: ﴿وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٦٧)؛أي أهل مدينة قوم لوط وهي سدوم، يبشّر بعضهم بعضا بأضياف لوط لعملهم الخبيث، فإنّهم كانوا يجاهرون بهذه الفاحشة، وقال لهم لوط:
﴿قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللهَ؛﴾ في الحرام، ﴿وَلا تُخْزُونِ﴾ (٦٩)؛ولا تذلّون في أمري،
﴿قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ (٧٠)؛أي عن ضيافة الغرباء.
قوله تعالى: ﴿قالَ هؤُلاءِ بَناتِي؛﴾ أزوّجكموهنّ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ؛﴾ لا بدّ، ﴿فاعِلِينَ﴾ (٧١)؛مثل هذا الفعل، وذلك أنه لم يجد ما يتّقي به أضيافه أبلغ من عرض بناته عليهم للتزويج، وافتداء ضيفه ببناته في الشّفاعة، وقد كان علم أنّهم لا يرغبون في التزويج. وقيل: أراد بقوله ﴿(بَناتِي)﴾ بنات قومي؛ لأن نساء أمّة كلّ نبيّ بمنزلة بناته في نفقته عليهنّ.
قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٧٢)؛هذا قسم بحياة نبيّنا محمّد ﷺ ، ولم يقسم بحياة أحد غيره، تقديره: لعمرك قسمي، إلاّ أنه حذف الخبر، وجوابه: إنّهم لفي غفلتهم يتحيّرون.
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ (٧٣)؛أي وقت الإشراق، وذلك أنّ الملائكة قلعوا مدائنهم وقت الصّبح، فرفعوها إلى قريب من السّماء، ثم قلبوها عند طلوع الشمس، وصاح بهم جبريل حينئذ،
﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (٧٤)،وقد تقدّم تفسير باقي الآية في سورة هود.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (٧٥)؛أي في إهلاك قوم لوط لآيات للمتفرّسين، والمتوسّمون هم النّظّار المثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة السّمة.
стр. 1529
لبطريق واضح ولا يندرس ولا يخفى على طريق قومك إلى الشّام، والمعنى أن الاعتبار بها ممكن.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧٧)؛أي لدلالة للمؤمنين الذين يصدّقون بذلك.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ (٧٨)؛أي وقد كان أصحاب الأيكة وهو قوم شعيب لظالمين بكفرهم، والأيكة: الشّجر الملتف الكبير، وكان شعيب بعث إلى قومين، إلى أهل مدين كانوا يطفّفون الكيل والوزن فأهلكوا بالصّيحة، وبعث إلى أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظّلّة.
ويقال: إن مدين والأيكة واحد، كانت الأيكة عند مدين، فخرجوا من مدين إليها يطلبون الرّوح عندها، فأخذهم عذاب يوم الظّلة، واضطرم المكان عليهم نارا فهلكوا عن آخرهم.
قوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ؛﴾ أي بالعذاب، ﴿وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ (٧٩)؛أي إن قريات لوط ومواضع شعيب لعلى طريق مبين.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٨٠)؛أي ولقد كذب قوم صالح ومن تقدّم من المرسلين، والحجر ديار ثمود، وإنما سمّوا أصحاب الحجر؛ لأن الحجر اسم لواد كانوا يسكنون عنده،
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُمْ آياتِنا؛﴾ يريد الناقة، ﴿فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ (٨١).
قوله: ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ (٨٢) أي ينقبون بيوتهم في الجبال آمنين من الموت لطول أعمارهم، وقيل: من الحرّ وسقوط السّقف.
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ (٨٣) أي وقت الصّبح صاح بهم جبريل فهلكوا،
﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ؛﴾ من عذاب الله، ﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٨٤)؛من الأموال.
قوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ؛﴾ أي للحقّ وإظهار الحق لم نخلقهما عبثا، ﴿وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ؛﴾ يعني القيامة لمجازاة الناس كلّهم، ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (٨٥)؛أي أعرض عن مجازاة المشركين وعن مجاوبتهم، فإنّ مجاوبة السّفيه سفه، قال مجاهد: (هذا منسوخ بآية
стр. 1530
القتال).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ (٨٦)؛أي الخالق للإنسان، العالم بتدبير خلقه.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٨٧)؛ أي أكرمناك يا محمّد بسبع من المثاني، قيل: هي السبع الطّوال، وهي السور السبع من أوّل البقرة إلى الأنفال والتوبة، وهما جميعا سورة واحدة، وسميت هذه السورة مثاني؛ لأنّه ثنّى فيها الأقاصيص، والأمر والنهي، والوعيد، والمحكم، والمتشابه.
وقال ابن عبّاس: (السّبع المثاني فاتحة الكتاب) (١) هكذا روي عن رسول الله ﷺ ، حيث قال: [ما أنزل الله في التّوراة والإنجيل والزّبور مثل فاتحة الكتاب، وإنّها السّبع المثاني] (٢).
وإنما سمّيت هذه السورة مثاني؛ لأنّها تثنى في كلّ صلاة. وإنما خصّ هذه السورة من جملة القرآن تعظيما لها؛ لأن كمال الصلاة متعلّق بها، كما خصّ جبريل وميكائيل من جملة الملائكة تعظيما لهما. قوله تعالى: ﴿(وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)﴾ أي وآتيناك القرآن العظيم.
وقوله تعالى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ؛﴾ أي لا تنظرنّ بعين الرّغبة إلى ما أعطينا من الأموال رجالا من بني قريظة والنّضير وغيرهم من قريش، فإنّ ما نعطيك من النبوّة والقرآن أعظم مما أعطيناهم من الأموال، ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ؛﴾ بما أنعمنا عليهم من ما لم ننعم به عليك.
ويقال: لا تحزن على هلاكهم إن لم يؤمنوا، وهذا القول أقرب؛ لأن النبيّ ﷺ كان لا يجوز أن يحسد أحدا بما أنعم الله به عليه من نعيم الدّنيا، وإنما كان يحزن على إصرارهم على الكفر. قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨٨)؛أي
стр. 1531
تواضع، وألن جناحك للمؤمنين؛ لكي يتّبعك الناس على دينك، ولا ينفروا من عندك.
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ (٨٩)؛أي المعلّم بموضع المخافة، المبين لكم بلغة تصدّقونها.
قوله تعالى: ﴿كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ (٩٠)؛قال الحسن: (معناه: وأنزلنا عليك القرآن كما أنزلنا على المقتسمين وهم اليهود والنّصارى) (١).سمّاهم مقتسمين؛ لأنّهم اقتسموا كتب الله تعالى، فآمنوا ببعضها وكفروا ببعضها، وهم،
﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ (٩١)؛أي فرّقوه فآمنوا ببعضه وهو ما وافق دينهم، وكفروا ببعضه وهو ما خالف دينهم،
وقال بعضهم: رهط من أهل مكّة، قال مقاتل: (ستّة عشر رجلا بعثهم الوليد ابن المغيرة أيّام الموسم، فاقتسموا الأعقاب (٢)،وقعدوا على طريقها، فإذا جاء الحجّاج قال فريق منهم: لا تغترّوا بهذا الخارج منّا المدّعي النّبوّة فإنّه مجنون، وقالت طائفة أخرى على طريق أخرى: إنّه كاهن، وقالت طائفة أخرى: شاعر، والوليد قاعد على باب المسجد نصّبوه حكما، فإذا سئل عن رسول الله ﷺ قال:
صدق أولئك يعني المقتسمين) (٣).
قوله تعالى: ﴿(الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ)﴾ هم هؤلاء المقتسمين جزّءوا القرآن، فقال بعضهم: سحر، وقال بعضهم: كذب، وقال بعضهم: شعر، وقال بعضهم:
أساطير الأوّلين، وقال بعضهم: مفترى. ومعنى التّعضية: التفريق، يقال: عضيت الشيء إذا فرّقته.
قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٩٢)؛أي في الآخرة،
﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٩٣)؛من تفريق القرآن، وصرفهم الناس عن دين محمّد ﷺ .
стр. 1532
وعن أنس عن النبيّ ﷺ وفي هذه الآية قال: [فو ربك لنسئلنهم يوم القيامة عن قول لا إله إلاّ الله] (١) وقال عبد الله: (والّذي لا إله غيره ما منكم أحد إلاّ ويسأله الله يوم القيامة فيقول: يا ابن آدم ماذا عملت؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين) (٢).
واعترضت الملحدة على هذه الآية، وعلى قوله تعالى ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ (٣) وحكموا عليهم بالتناقض!
والجواب: إنه لا يقال لهم هل عملتم (٤) كذا؛ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن نقول لهم: لم عملتم كذا، وقال قطرب: (السّؤال على ضربين: سؤال استعلام واستخبار، وسؤال تقرير وتوبيخ، فقوله تعالى ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ يعني لا يسألهم سؤال استخبار؛ لأنّه عالم قبل أن يخلقهم، وقوله تعالى:
﴿(لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)﴾ سؤال تقرير وتقريع).
قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٩٤)؛أي أظهر أمرك بمكّة واتركهم حتى يجيء أمر الله بقتالهم، وكان ﷺ مستخفيا بمكّة قبل نزول هذه الآية، لا يظهر شيئا مما أنزل الله عليه، فلما نزلت هذه الآية أظهر النبيّ ﷺ أمره وأعلنه بمكّة.
قوله تعالى: ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (٩٥) بك،
﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٩٦)؛وهم خمسة نفر أهلكهم الله في يوم واحد، منهم العاص بن وائل، نزل شعبا من ذلك الشّعاب، فلمّا وضع قدمه على الأرض قال: لدغت، فطلبوا فلم يجدوا شيئا، فانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير فمات مكانه.
стр. 1533
ومنهم الحارث بن قيس أكل حوتا مالحا فأصابه عطش شديد فلم يزل يشرب حتى انقدّ مكانه فمات.
ومنهم الأسود بن عبد المطلب بن الحارث، قعد إلى أصل شجرة، فجعل جبريل يضرب رأسه على الشّجرة حتى مات، وكان يستغيث بغلامه، فقال غلامه: لا أرى أحدا صنع بك شيئا غير نفسك.
ومنهم الأسود بن عبد يغوث خرج من أهله فأصابه السّموم فاسودّ حتى صار حبنا (١)،وأتى أهله فلم يعرفوه فأغلقوا دونه الباب حتى مات.
ومنهم الوليد بن المغيرة خرج يتبختر في مشيته حتى وقف على رجل يعمل السّهام، فتعلّق سهم بثوبه فجعل رداءه على كتفه فأصاب السهم أكحله فقطعه، ثم لم ينقطع عنه الدم حتى مات، فذلك قوله ﴿(إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ)﴾ أي بك وبالقرآن (٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ (٩٧)؛أي ولقد نعلم يا محمّد أنّك يضيق صدرك بما يقولون من التكذيب بأنّك شاعر وساحر وكاهن.
قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ؛﴾ أي فصلّ بأمر ربك، واحمده بالثّناء عليه، ﴿وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ (٩٨)؛أي من العابدين لله.
قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٩٩)؛أي استقم على عبادة ربك وطاعته حتى يأتيك الموت، سمّاه يقينا؛ لأنه موقن به.
وعن رسول الله ﷺ : [ما أوحي إليّ أن أجمع المال وأكون من التّاجرين، ولكن أوحي إليّ أن أسبح بحمد ربي وأكون من السّاجدين] (٣)،وقال الضحّاك:
стр. 1534
(معنى قوله ﴿(فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ)﴾ أي قل سبحان الله وبحمده، ﴿(وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ)﴾ أي المصلّين، فكان ﷺ إذا حزّبه أمر فزع إلى الصّلاة) (١).
وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : [من قرأ سورة الحجر كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين والأنصار، وبعدد المستهزءين برسول الله ﷺ ] (٢).
آخر تفسير سورة (الحجر) والحمد لله رب العالمين
стр. 1535
سورة النّحل
سورة النّحل مكّيّة (١)،وهي سبعة آلاف وسبعمائة وسبعة أحرف، وألفان وثمانمائة وأربعون كلمة، ومائة وثمان وعشرون آية. قال ﷺ : [من قرأها لم يحاسبه الله بالنّعيم الّذي أنعم الله به عليه في الدّنيا] (٢).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ؛﴾ قال ابن عبّاس: (لمّا نزل قوله تعالى ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ (٣) قال الكفّار بعضهم لبعض: إن يزعم أنّ القيامة قد قربت، فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتّى ننظر ما هو كائن، فلمّا رأوا أنّه لا ينزل شيئا قالوا: ما نرى شيئا، فأنزل الله ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ (٤)،فانتظروا قرب السّاعة، فلمّا امتدّت الأيّام قالوا: يا محمّد ما نرى شيئا تخوّفنا به، فأنزل الله ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ فوثب النّبيّ ﷺ لا يشكّ أنّ العذاب قد أتى، فقال الله ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ يعني العذاب، فجلس النّبيّ ﷺ (٥).
стр. 1536
وأما ذكر لفظ الإتيان في هذا؛ فلأنّ أمر الله في القرب بمنزلة ما قد أتى، كما قال تعالى: ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ (١).قوله تعالى:
﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (١)؛أي تنزيها له تعالى بصفات المدح عمّا يشركون به من الأصنام.
قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ؛﴾ أي ينزّل الملائكة بالوحي، ﴿عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ؛﴾ قرأ الأعمش «(ينزل)» بفتح الياء وجزم النون وكسر الزّاي، قال ابن عبّاس: (يعني بالملائكة جبريل وحده)،ويسمّى الوحي روحا؛ لأنّه تحيا به القلوب والحقّ، ويموت الكفر والباطل.
قوله تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا؛﴾ أي أن أعلموا بالتّخويف أن لا إله إلا الله، ﴿فَاتَّقُونِ﴾ (٢)؛أي فاتّقوا المعاصي. قوله تعالى: ﴿(أَنْ أَنْذِرُوا)﴾ في موضع النصب بنزع الخافض؛ أي بأن أنذروا.
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ؛﴾ أي ليستدلّ بهما على توحيد الله، وليعمل بالحقّ، ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣)؛من أن يكون له شريك.
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (٤) قال ابن عبّاس: (نزل في أبيّ بن خلف الجمحيّ حين قال ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (٢)).والمعنى: خلق الإنسان من نطفة منتنة وأنعم عليه حالا بعد حال إلى أن أبلغه الحالة التي تخاصم عن نفسه، فينكر إعادته بعد موته.
قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعامَ خَلَقَها؛﴾ أي وخلق لكم الأنعام، وهي ذوات الحقاف والأظلاف دون الحوافر. وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ؛﴾ أي ما يدفّيكم من أصوافها وأوبارها من الأكسية ونحوها، ومن القلانس واللّحاف، ومنافع أخر من ألبانها ونسلها، والرّكوب والحمل عليها، والفرش والبيوت من أصوافها. قوله تعالى: ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ (٥)؛يعني لحومها.
стр. 1537
قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (٦)؛أي ولكم فيها منظر حسن، يقال: هذه مواشي فلان، فيكون له في ذلك جمال، قال قتادة: (وذلك أعجب ما يكون إذا راحت عظاما ضروعها طوالا أسنمتها) (١)،وقوله تعالى: ﴿(حِينَ تُرِيحُونَ)﴾ أي حين تريحونها في العشيّ من مراعيها إلى مباركها التي تأوي إليها، ﴿(وَحِينَ تَسْرَحُونَ)﴾ أي تخرجون بها بالغداة من مراحها إلى مسارحها.
قوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ؛﴾ أراد به الإبل تحمل أمتعتكم وزادكم، وما يثقل عليكم إلى بلد قصدتموه للحجّ إلى مكّة، أو تجارة إلى سائر البلدان، لولا الإبل لكان لا يمكنكم بلوغ تلك البلد إلا بجهد ومشقّة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٧)؛أي متفضّل منعم عليكم.
قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً؛﴾ أي وخلق لكم الخيل والبغال والحمير؛ لتركبوها وتتزيّنوا بها زينة، فيحصل لكم منافعها، وحسن منظرها للناس، كما قال تعالى: ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ (٢).قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٨)؛أي يخلق أشياء لا تعرفونها لم يسمّها لكم.
روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [إنّ الله تعالى خلق أرضا بيضاء مثل الدّنيا ثلاثين مرّة محشوّة خلقا من خلق الله، لا يعلمون أنّ الله يعصى طرفة عين] قالوا: يا رسول الله أمن ولد آدم هم؟ قال: ما يعلمون أنّ الله خلق آدم؟] قالوا: فأين إبليس عنهم؟ قال: ما يعلمون أنّ الله خلق إبليس] ثمّ قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٣).
стр. 1538
وهذه الآية مما يستدلّ بها على كراهية لحم الخيل على مذهب أبي حنيفة؛ لأنّ الله تعالى قال في الأنعام ﴿(وَمِنْها تَأْكُلُونَ)﴾ ولم يذكر في آية الخيل والبغال إلا الركوب والزينة.
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ؛﴾ أي وعلى الله بيان الهدى والضّلالة ليتّبع الهدى وتجتنب الضّلالة، كما قال تعالى: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ (١)،وقال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ (٢).قوله تعالى:
﴿(وَمِنْها جائِرٌ)﴾ أي من الطّرق ما هو عادل عن الحقّ، قال: يعني اليهوديّة والنصرانية والمجوسية، وقال ابن المبارك: (يعني الأهواء والبدع).قوله: ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٩)؛إلى جنّته وثوابه، ولأرشدكم كلّكم.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ؛﴾ مثل البرك والغدران، ولكم، ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (١٠)؛ترعون أنعامكم، يعني الكلأ والأشجار التي ترعاه الإبل.
قوله تعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١١)؛ظاهر المعنى.
وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١٢)؛تسخير الليل والنّهار، مجيء كلّ واحد منهما عقب الآخر بتقدير الله؛ لينصرف الناس في معايشهم بالنّهار، ويسكنوا بالليل، وتسخير الشمس والقمر والنّجوم مجيئه بها في أوقات معلومة.
قوله تعالى: ﴿وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي وسخّر لكم ما خلق في الأرض من الدواب والأشجار وغيرها، ﴿مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ،﴾ ومناظره وصوره، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١٣)؛دلائل الله.
стр. 1539
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا؛﴾ يعني السّمك، ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها؛﴾ وهو العرض لاستخراج اللّؤلؤ والمرجان لتلبسه نساؤكم.
قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ؛﴾ أي وترى السّفن في البحر مقبلة ومدبرة تشقّ الماء يمينا وشمالا، يقال: مخرت السفينة البحر، إذا جرت جريا شقّت الماء شقّا، والمخر صوت هبوب الرّيح، والسفينة تجري بالرّيح، فسمّيت السفينة مواخر، والواحدة ماخرة. قوله تعالى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١٤)؛يعني لتركبوه للتّجارة، فتطلبوا الربح من فضل الله لكي تشكروا نعمه.
قوله تعالى: ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ؛﴾ أي وجعل فيها جبالا عالية يابسة لئلاّ تحرك بكم الأرض، و؛ أجرى فيها، ﴿وَأَنْهاراً،﴾ مثل النّيل والفرات ودجلة وسيحون وجيحون، وجعل فيها، ﴿وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٥)،طرق منافعكم؛ لكي تهتدوا إلى الموضع الذي تقصدونه.
قوله تعالى: ﴿وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (١٦)؛أي جعل في الأرض أعلاما للمسافرين من الجبال وغير ذلك. قوله تعالى: ﴿(وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)﴾ معناه: إنّ من يسير بالليل فإنّما يهتدي إلى الطّرق في البرّ والبحر بالنّجوم مثل الثّريا وبنات نعش والفرقدين، يهتدي بها إلى القبلة والطّرق.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ أي أفمن يخلق هذه الأشياء وهو الله تعالى كمن لا يقدر أن يخلق شيئا وهي الأصنام، ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (١٧) أنّهما لا يستويان في استحقاق العبادة.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها؛﴾ يعني إذا أردتم أن تعرّفوا بفاضل نعم الله عليكم في الخلق والرّزق والتمكّن من الأمور في الدّنيا لم تقدروا على إحصاء هذه النّعم، ﴿إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ؛﴾ لذنوب عباده إذا تابوا، ﴿رَحِيمٌ﴾ (١٨)؛بهم بالإمهال إلى وقت التّوبة.
стр. 1540
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ يعني الأصنام، ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (٢٠)؛والله تعالى هو الخالق لها.
قوله: ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ؛﴾ يعني الأصنام، والمعنى: كيف تخلق شيئا، وهي أموات لا روح لها.
وإنما جمع بين قوله ﴿(أَمْواتٌ)﴾ وبين قوله ﴿(غَيْرُ أَحْياءٍ)﴾ لأنه يقال: فلان ميّت وإن كان حيّا، إذا كان لا ينتفع به، فكأنّ الله تعالى بيّن أنه لم يسمّ الأصنام أمواتا من حيث أنه لا ينتفع بها، ولكن لأنه لا حياة فيها، فكيف يعبدون ما لا يخلق وما لا يرزق ولا ينفع، وهو مع ذلك من الأموات.
قوله تعالى: ﴿وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (٢١)؛أي وما تشعر الأصنام متى يبعث الناس من القبور فيحاسبون، فكيف يرجو الكفار الجزاء من قبل الأصنام، و ﴿(أَيّانَ)﴾ كلمة اختصار أصلها (أيّ) و (أنّ).
قوله تعالى: ﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ؛﴾ وهو ، ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ؛﴾ للحقّ، ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢٢)؛وهم متعظّمون عن قبول الحقّ أنفة من اتّباعه واتّباعك.
قوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ؛﴾ أي حقّا إنّ الله يعلم سرّهم وعلانيتهم، ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ (٢٣).
قوله: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؛﴾ أي إذا قيل لهؤلاء الكفار: ما الذي يدّعي محمّد ﷺ أنه ينزل عليه من الله، ﴿قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢٤) أي الذي تذكرون أنه منزل كلام الأولين، وما يسطّرون في كتبهم من الأخبار والأقاصيص.
قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ؛﴾ أي آثامهم، ﴿كامِلَةً؛﴾ أي وافرة، ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ ليحملوا، ﴿وَمِنْ أَوْزارِ؛﴾ أي آثام، ﴿الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ،﴾ يصرفونهم عن محمّد ﷺ والقرآن، ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ،﴾ بلا علم ولا حجّة، يعني يكون عليهم إثم إضلالهم غيرهم لا أن يحملوا ذنوب غيرهم، كما
стр. 1541
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ (١).وقوله تعالى: ﴿أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ (٢٥)؛ظاهر المعنى.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ؛﴾ أي قد مكر الذين من قبل هؤلاء بأنبيائهم، كما مكر هؤلاء المقتسمون الذين اقتسموا أعقاب مكّة؛ ليصدّوا الناس عن دين الله، فأتى الله بنيان أولئك من القواعد بالعذاب، ﴿فَخَرَّ،﴾ فوقع، ﴿عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ؛﴾ الهدم والاستئصال، ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٢٦)؛بإتيان العذاب منه.
وقد اختلفوا في هؤلاء الذي خرّ عليهم السقف، قال بعضهم: هو نمرود بن كنعان الذي بنى صرحا طوله خمسة آلاف وخمسون ذراعا، وعرضه عرض ثلاثة آلاف وخمسون ذراعا؛ ليصعد إلى السّماء، فوقع الصرح على الذي كانوا فيه، وأهلك الله نمرود بالبعوض. وقال بعضهم: هذا على وجه المثل، فكأنه جعل أعمالهم بمنزل الباني بناء سقط عليه.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ؛﴾ تشركونهم معي في العبادة، وقوله تعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ؛﴾ أي قال المؤمنون: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٢٧) إنّ الذّلّ اليوم والهوان على الكافرين،
﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ تقبض أرواحهم في حال ظلمهم لأنفسهم بالكفر، ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ،﴾ واستسلموا وانقادوا للمذلّة والهوان، يقولون: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ؛﴾ أي من معصية في الدّنيا، فيقول المؤمنون: ﴿بَلى؛﴾ قد فعلتم ذلك، ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢٨)؛وتقول لهم خزنة جهنّم،
﴿فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٢٩)؛عن توحيد الله وعبادته.
стр. 1542
قوله تعالى: ﴿*وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ أهل مكّة لمّا بعثوا إلى أعقاب مكّة رجالا؛ ليصدّوا النّاس عن دين الله، بعث النّبيّ ﷺ رجالا من أصحابه: عبد الله بن مسعود وغيره، فكان وافد النّاس إذا قدم فردّه الكفّار عن النّبيّ ﷺ وعن الإيمان، سأل أصحاب النّبيّ ﷺ : ﴿(ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: خَيْراً)﴾ أي أنزل حقّا وصوابا).
وعلى هذا انتصب قوله ﴿(خَيْراً)﴾،وإنما ارتفع قوله في جواب المقتسمين من كفّار مكّة ﴿(أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ)﴾ لأنّهم كانوا لا يقرّون بإنزاله، بل كانوا يقولون على جهة التكذيب هو أساطير الأولين.
قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ؛﴾ أراد بالحسنة الثناء والمدح على ألسنة المؤمنين، وقيل: للّذين قالوا لا إله إلا الله يضعّف له بعشر، ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ؛﴾ يعني الجنّة خير مما يصل إليهم في الدّنيا، ﴿وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٠).
ثم فسّر دار المتّقين فقال: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ؛﴾ أي بساتين إقامة، ﴿يَدْخُلُونَها،﴾ يوم القيامة، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا؛﴾ أي من تحت أشجارها، ﴿الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ؛﴾ كذلك تكون مجازاة الله، ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ (٣١)؛للشّرك والمعاصي.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ؛﴾ عند قبض أرواحهم، ﴿طَيِّبِينَ؛﴾ أي زاكية أعمالهم متمسّكين بما أمروا به مجتنبين لما نهوا عنه، طيّبة أرواحهم بما يبشّرون به من الجنّة، ﴿يَقُولُونَ؛﴾ أي يقول لهم الملائكة: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣٢)؛في الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ؛﴾ أي ما ينظر أهل مكّة في تكذيبهم للرّسول واستبطائهم العذاب، إلاّ أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ؛﴾ بعذاب الاستئصال، ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ هؤلاء الكفار من تكذيب الرّسل مثل ما فعل هؤلاء فعذبهم الله ﴿وَما﴾
стр. 1543
﴿ظَلَمَهُمُ اللهُ؛﴾ بذلك، ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ؛﴾ (٣٣) ظلموا أنفسهم حيث فعلوا ما استوجبوا به العذاب.
قوله تعالى: ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا؛﴾ أي عقاب ما عملوا، أراد بالسّيئات العقاب كما قال تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ (١) ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٣٤)؛أي وحلّ بهم ما كانوا يستهزءون به من العذاب.
قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ؛﴾ هذا نظير الآية التي في الأنعام ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا﴾ (٢) قد تقدّم تفسيره، يعني كفار أهل مكّة.
وقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ من الأمم الماضية من تكذيب الأنبياء مثل ما فعل هؤلاء، فلم يكن ذلك حجّة لهم، ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٣٥)؛عن الله بلغة يعرفونها. وقال بعضهم: إنما قالوا هذا القول استهزاء وسخرية كما قال قوم شعيب: أتنهانا عمّا كان يعبد آباؤنا.
قوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً؛﴾ كما بعثناك رسولا في هؤلاء، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ؛﴾ أي اجتنبوا الشيطان وعبادة كلّ ما تعبدون من دون الله، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ أي الكفر. قوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي في أرض الذين عاقبهم الله، ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣٦)؛أي كيف صار عاقبة مكرهم.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ؛﴾ أي إن تطلب يا محمّد من جهتك هداهم، ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ؛﴾ أي يحكم عليه بالضّلالة، ومن يضلله الله فلا يهدي ولا يهتدي، ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٣٧)؛أي من يدفع عنهم العذاب.
стр. 1544
قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ؛﴾ أي حلف الكفار بالله مجتهدين في اليمين: أنه لا يبعث الله من يموت، وقوله تعالى:
﴿بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا؛﴾ أي قل: بلى، وقيل: إنّ الله تولّى الجواب بنفسه، كأنه قال: ليبعثهم بعد الموت وعدا عليه.
انتصب قوله ﴿(حَقًّا)﴾ على المصدر؛ أي وعد وعدا حقّا كأنّما أوجبه على نفسه، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٨)؛أنه حقّ.
قوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ؛﴾ معناه: يبعثهم لكي يبيّن لهم ما يختلفون فيه من الدّين ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ﴾ (٣٩) في الدّنيا بأن لا جنة ولا نار.
قوله تعالى: ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤٠) أي إنّما أمرنا في البعث وغيره إذا أردنا أن نقول له: كن؛ فيكون. من رفع ﴿(فَيَكُونُ)﴾ معناه: فهو يكون، ومن نصب فعلى جواب كن، وقيل: عطفا على ﴿(أَنْ نَقُولَ)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا؛﴾ قال ابن عبّاس:
(نزلت هذه الآية في عمّار بن ياسر وصهيب وبلال وأصحابه الّذين هاجروا إلى المدينة من بعد ما عذبهم أهل مكّة).
والمعنى: والذين هجروا أوطانهم في طاعة الله، وساروا إلى النبيّ ﷺ من بعد ما ظلمهم الكفار، ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً،﴾ أرضا كريمة وهي المدينة بدل أوطانهم، ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ؛﴾ لهم مما أعطيناهم في الدّنيا، ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤١)؛يعلم الكفّار.
ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا؛﴾ يعني على الشّدائد والعبادات، وصبروا عن المحرّمات، ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٤٢)؛في طلب الدّين والدّنيا.
قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ؛﴾ نزلت جوابا لأهل مكّة حين قالوا: لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولا لبعث رسولا من الملائكة لا
стр. 1545
رجلا منّا. ومعنى الآية ﴿(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ)﴾ يا محمّد إلى الأمم الماضية إلا رجالا أوحينا إليهم كما أوحينا إليك، ﴿فَسْئَلُوا؛﴾ يا أهل مكّة، ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ؛﴾ أي الكتاب، ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٤٣)؛أنّ الرسل كانت من البشر.
قوله تعالى: ﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ؛﴾ راجع إلى قوله تعالى ﴿(نُوحِي إِلَيْهِمْ)﴾.
وقيل: في هذا إضمار كأنه قال: وأرسلناهم بالبيّنات والزّبر. والبينات: هي الدلالات الواضحات، والزّبر: جمع الزّبور وهو الكتاب. قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ؛﴾ أي القرآن، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ؛﴾ الحلال والحرام والحقّ والباطل، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ؛﴾ (٤٤) فيه فيؤمنوا به.
قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ؛﴾ قال ابن عبّاس: (يعني أهل مكّة عملوا السّيّئات؛ يعني الشّرك)،وقيل: معناه: أفأمن الذين مكروا في تكذيب الرّسل وأذى المسلمين أن يخسف الله بهم كما خسف بقارون، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ؛﴾ موضع، ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ (٤٥) أي لا يعلمون،
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ؛﴾ أي في أسفارهم وتجارتهم وتصرّفهم، ﴿فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (٤٦)؛الله على ما يريد إحلاله بهم.
قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ؛﴾ أي على تنقّص إما بقتل أو بموت؛ الأوّل فالأول حتى يهلكوا عن آخرهم، روي عن عمر ﵁ أنه قال: (ما كنت أدري ما معنى ﴿(عَلى تَخَوُّفٍ)﴾ حتّى سمعت قول الشّاعر:
تخوّف السّير منها تامكا قردا ... كما تخوّف عود النّبعة السّفن (١)
وقال الحسن: (معناه: أن يخوّفهم بأن يهلك قرية لتنزجر قرية أخرى).وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٤٧)؛أي شديد الرّحمة بتأخير العذاب عن الكفّار، أو شديد الرحمة على من تاب منهم.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ؛﴾ أي من شخص قائم من شجر أو إنسان أو نحو ذلك، ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ؛﴾ أي