قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ (١).وقوله تعالى: ﴿أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ (٢٥)؛ظاهر المعنى.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ؛﴾ أي قد مكر الذين من قبل هؤلاء بأنبيائهم، كما مكر هؤلاء المقتسمون الذين اقتسموا أعقاب مكّة؛ ليصدّوا الناس عن دين الله، فأتى الله بنيان أولئك من القواعد بالعذاب، ﴿فَخَرَّ،﴾ فوقع، ﴿عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ؛﴾ الهدم والاستئصال، ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٢٦)؛بإتيان العذاب منه.
وقد اختلفوا في هؤلاء الذي خرّ عليهم السقف، قال بعضهم: هو نمرود بن كنعان الذي بنى صرحا طوله خمسة آلاف وخمسون ذراعا، وعرضه عرض ثلاثة آلاف وخمسون ذراعا؛ ليصعد إلى السّماء، فوقع الصرح على الذي كانوا فيه، وأهلك الله نمرود بالبعوض. وقال بعضهم: هذا على وجه المثل، فكأنه جعل أعمالهم بمنزل الباني بناء سقط عليه.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ؛﴾ تشركونهم معي في العبادة، وقوله تعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ؛﴾ أي قال المؤمنون: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٢٧) إنّ الذّلّ اليوم والهوان على الكافرين،
﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ تقبض أرواحهم في حال ظلمهم لأنفسهم بالكفر، ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ،﴾ واستسلموا وانقادوا للمذلّة والهوان، يقولون: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ؛﴾ أي من معصية في الدّنيا، فيقول المؤمنون: ﴿بَلى؛﴾ قد فعلتم ذلك، ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢٨)؛وتقول لهم خزنة جهنّم،
﴿فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٢٩)؛عن توحيد الله وعبادته.
стр. 1542
قوله تعالى: ﴿*وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ أهل مكّة لمّا بعثوا إلى أعقاب مكّة رجالا؛ ليصدّوا النّاس عن دين الله، بعث النّبيّ ﷺ رجالا من أصحابه: عبد الله بن مسعود وغيره، فكان وافد النّاس إذا قدم فردّه الكفّار عن النّبيّ ﷺ وعن الإيمان، سأل أصحاب النّبيّ ﷺ : ﴿(ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: خَيْراً)﴾ أي أنزل حقّا وصوابا).
وعلى هذا انتصب قوله ﴿(خَيْراً)﴾،وإنما ارتفع قوله في جواب المقتسمين من كفّار مكّة ﴿(أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ)﴾ لأنّهم كانوا لا يقرّون بإنزاله، بل كانوا يقولون على جهة التكذيب هو أساطير الأولين.
قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ؛﴾ أراد بالحسنة الثناء والمدح على ألسنة المؤمنين، وقيل: للّذين قالوا لا إله إلا الله يضعّف له بعشر، ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ؛﴾ يعني الجنّة خير مما يصل إليهم في الدّنيا، ﴿وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٠).
ثم فسّر دار المتّقين فقال: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ؛﴾ أي بساتين إقامة، ﴿يَدْخُلُونَها،﴾ يوم القيامة، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا؛﴾ أي من تحت أشجارها، ﴿الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ؛﴾ كذلك تكون مجازاة الله، ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ (٣١)؛للشّرك والمعاصي.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ؛﴾ عند قبض أرواحهم، ﴿طَيِّبِينَ؛﴾ أي زاكية أعمالهم متمسّكين بما أمروا به مجتنبين لما نهوا عنه، طيّبة أرواحهم بما يبشّرون به من الجنّة، ﴿يَقُولُونَ؛﴾ أي يقول لهم الملائكة: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣٢)؛في الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ؛﴾ أي ما ينظر أهل مكّة في تكذيبهم للرّسول واستبطائهم العذاب، إلاّ أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ؛﴾ بعذاب الاستئصال، ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ هؤلاء الكفار من تكذيب الرّسل مثل ما فعل هؤلاء فعذبهم الله ﴿وَما﴾
стр. 1543
﴿ظَلَمَهُمُ اللهُ؛﴾ بذلك، ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ؛﴾ (٣٣) ظلموا أنفسهم حيث فعلوا ما استوجبوا به العذاب.
قوله تعالى: ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا؛﴾ أي عقاب ما عملوا، أراد بالسّيئات العقاب كما قال تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ (١) ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٣٤)؛أي وحلّ بهم ما كانوا يستهزءون به من العذاب.
قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ؛﴾ هذا نظير الآية التي في الأنعام ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا﴾ (٢) قد تقدّم تفسيره، يعني كفار أهل مكّة.
وقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ من الأمم الماضية من تكذيب الأنبياء مثل ما فعل هؤلاء، فلم يكن ذلك حجّة لهم، ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٣٥)؛عن الله بلغة يعرفونها. وقال بعضهم: إنما قالوا هذا القول استهزاء وسخرية كما قال قوم شعيب: أتنهانا عمّا كان يعبد آباؤنا.
قوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً؛﴾ كما بعثناك رسولا في هؤلاء، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ؛﴾ أي اجتنبوا الشيطان وعبادة كلّ ما تعبدون من دون الله، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ أي الكفر. قوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي في أرض الذين عاقبهم الله، ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣٦)؛أي كيف صار عاقبة مكرهم.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ؛﴾ أي إن تطلب يا محمّد من جهتك هداهم، ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ؛﴾ أي يحكم عليه بالضّلالة، ومن يضلله الله فلا يهدي ولا يهتدي، ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٣٧)؛أي من يدفع عنهم العذاب.
стр. 1544
قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ؛﴾ أي حلف الكفار بالله مجتهدين في اليمين: أنه لا يبعث الله من يموت، وقوله تعالى:
﴿بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا؛﴾ أي قل: بلى، وقيل: إنّ الله تولّى الجواب بنفسه، كأنه قال: ليبعثهم بعد الموت وعدا عليه.
انتصب قوله ﴿(حَقًّا)﴾ على المصدر؛ أي وعد وعدا حقّا كأنّما أوجبه على نفسه، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٨)؛أنه حقّ.
قوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ؛﴾ معناه: يبعثهم لكي يبيّن لهم ما يختلفون فيه من الدّين ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ﴾ (٣٩) في الدّنيا بأن لا جنة ولا نار.
قوله تعالى: ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤٠) أي إنّما أمرنا في البعث وغيره إذا أردنا أن نقول له: كن؛ فيكون. من رفع ﴿(فَيَكُونُ)﴾ معناه: فهو يكون، ومن نصب فعلى جواب كن، وقيل: عطفا على ﴿(أَنْ نَقُولَ)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا؛﴾ قال ابن عبّاس:
(نزلت هذه الآية في عمّار بن ياسر وصهيب وبلال وأصحابه الّذين هاجروا إلى المدينة من بعد ما عذبهم أهل مكّة).
والمعنى: والذين هجروا أوطانهم في طاعة الله، وساروا إلى النبيّ ﷺ من بعد ما ظلمهم الكفار، ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً،﴾ أرضا كريمة وهي المدينة بدل أوطانهم، ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ؛﴾ لهم مما أعطيناهم في الدّنيا، ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤١)؛يعلم الكفّار.
ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا؛﴾ يعني على الشّدائد والعبادات، وصبروا عن المحرّمات، ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٤٢)؛في طلب الدّين والدّنيا.
قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ؛﴾ نزلت جوابا لأهل مكّة حين قالوا: لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولا لبعث رسولا من الملائكة لا
стр. 1545
رجلا منّا. ومعنى الآية ﴿(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ)﴾ يا محمّد إلى الأمم الماضية إلا رجالا أوحينا إليهم كما أوحينا إليك، ﴿فَسْئَلُوا؛﴾ يا أهل مكّة، ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ؛﴾ أي الكتاب، ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٤٣)؛أنّ الرسل كانت من البشر.
قوله تعالى: ﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ؛﴾ راجع إلى قوله تعالى ﴿(نُوحِي إِلَيْهِمْ)﴾.
وقيل: في هذا إضمار كأنه قال: وأرسلناهم بالبيّنات والزّبر. والبينات: هي الدلالات الواضحات، والزّبر: جمع الزّبور وهو الكتاب. قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ؛﴾ أي القرآن، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ؛﴾ الحلال والحرام والحقّ والباطل، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ؛﴾ (٤٤) فيه فيؤمنوا به.
قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ؛﴾ قال ابن عبّاس: (يعني أهل مكّة عملوا السّيّئات؛ يعني الشّرك)،وقيل: معناه: أفأمن الذين مكروا في تكذيب الرّسل وأذى المسلمين أن يخسف الله بهم كما خسف بقارون، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ؛﴾ موضع، ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ (٤٥) أي لا يعلمون،
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ؛﴾ أي في أسفارهم وتجارتهم وتصرّفهم، ﴿فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (٤٦)؛الله على ما يريد إحلاله بهم.
قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ؛﴾ أي على تنقّص إما بقتل أو بموت؛ الأوّل فالأول حتى يهلكوا عن آخرهم، روي عن عمر ﵁ أنه قال: (ما كنت أدري ما معنى ﴿(عَلى تَخَوُّفٍ)﴾ حتّى سمعت قول الشّاعر:
تخوّف السّير منها تامكا قردا ... كما تخوّف عود النّبعة السّفن (١)
وقال الحسن: (معناه: أن يخوّفهم بأن يهلك قرية لتنزجر قرية أخرى).وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٤٧)؛أي شديد الرّحمة بتأخير العذاب عن الكفّار، أو شديد الرحمة على من تاب منهم.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ؛﴾ أي من شخص قائم من شجر أو إنسان أو نحو ذلك، ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ؛﴾ أي
стр. 1546
يتميّل ظلاله عن اليمين والشّمائل، إذا طلعت الشمس وإذا غربت، ﴿سُجَّداً لِلّهِ؛﴾ أي ميلانها أو دورانها من موضع إلى موضع سجودها، فيسجد الظلّ غدوة إلى أن يفيء الظلّ، ثم يسجد أيضا إلى الليل. وفي هذا دليل توحيد الله تعالى، قال الحسن: (أمّا ظلّك فيسجد لله، وأمّا أنت فلا تسجد).قوله: ﴿وَهُمْ داخِرُونَ﴾ (٤٨) أي صاغرون ذليلون.
قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ؛﴾ أي ما دبّ على الأرض، ﴿وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٤٩)؛أي ويخضع الملائكة وهم لا يتعظّمون عن الخضوع له،
﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ؛﴾ أي يخافون عقاب ربهم من فوقهم. وقيل: يخافون ربّهم خوف المقهور من القاهر، فذكر لفظ فوق على هذا المعنى.
وقوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (٥٠)؛يعني الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [إنّ لله ملائكة في السّماء السّابعة سجودا منذ خلقهم الله إلى يوم القيامة، ترعد فرائصهم من مخافة الله، وتجري دموعهم وتضطرب أجنحتهم، لا تقطر من دموعهم قطرة إلاّ صارت ملكا قائما، فإذا كان يوم القيامة رفعوا رءوسهم وقالوا: سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك] (١).
وعن ابن عبّاس أنه قال في هذه الآية: (من سجد هذه السّجدة إيمانا وتصديقا، أعطاه الله بعدد الملائكة والشّمس والقمر والنّجوم، وقطر المطر ونبات الأرض وترابها ورملها ومدرها، وبعدد ما دبّ على وجه الأرض حسنة حسنة).
وقوله تعالى: ﴿*وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ؛﴾ يجوز أن يكون قوله ﴿(اثْنَيْنِ)﴾ تأكيدا لما سبق، ويجوز أن يكون المعنى: لا تتّخذوا اثنين إلهين إنما الله إله واحد، ﴿فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٥١)؛أي فاخشون ولا تخشوا أحدا غيري،
﴿وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ ظاهر المعنى.
стр. 1547
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِباً؛﴾ أي دائما، وقوله تعالى ﴿(واصِباً﴾ انتصب على القطع وإن كان فيه الوصف، والوصب: شدّة التّعب؛ لأن الله هو المستحقّ أن يعبد في جميع الأوقات. قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ﴾ (٥٢)؛إنكار عليهم.
قوله تعالى: ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ؛﴾ ظاهر المعنى.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾ (٥٣)؛أي فإليه تتضرّعون في كشفه، والجؤار في اللغة: رفع الصّوت، فكأنّه قال: فإليه تضجّون وتصيحون،
﴿ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ؛﴾ (٥٤) عاد فريق منكم إلى الشّرك،
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ؛﴾ أي ليجحدوا نعمة الله في كشف الضرّ عنهم. ثم أوعدهم فقال: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٥٥)؛أي فتمتّعوا في الدّنيا، فسوف تعلمون ما يحلّ بكم من العقاب.
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمّا رَزَقْناهُمْ؛﴾ أي ويجعلون للأصنام التي لا تعلم نصيبا مما رزقناهم، وهو ما كانوا يجعلون لها من السّائبة والبحيرة والحام وبعض الحرث. ويجوز أن يكون: (لما لا يعلمون) راجعا إلى الكفار على معنى أنّهم لا يعلمون أنّها تنفعهم ولا تضرّهم. قوله تعالى: ﴿تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ (٥٦)؛قسم بأن الله يسألهم في الآخرة عن افترائهم فيما جعلوه للأصنام.
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ؛﴾ معناه: إنّهم يقولون: إن الملائكة بنات الله، وقوله تعالى ﴿(سُبْحانَهُ)﴾ تنزيها لله تعالى عما لا يليق به. وقوله تعالى:
﴿وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ (٥٧)؛أي ما يختارون لأنفسهم من البنين دون البنات.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا؛﴾ أي ظهر أثر كراهة الحزن على وجهه من ذلك، يقال لمن لقي مكروها: قد اسودّ وجهه غمّا وحزنا وخجلا. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٥٨)؛أي ممتلئ غيظا وغمّا يتردّد حزنه في جوفه.
قوله تعالى: ﴿يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ؛﴾ أي يختفي من المبشّرين له بذلك ومن جلسائه من كراهة ما بشّر به من الأنثى، ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلى﴾
стр. 1548
﴿هُونٍ؛﴾ أي أيحفظ المبشّر به على هون ومشقّة، والهون: الهوان، ﴿أَمْ يَدُسُّهُ﴾ أي يدفنه، ﴿فِي التُّرابِ؛﴾ حيّا كما كان في عادة العرب كان إذا ولد لأحدهم أنثى حفر لها حفرة وألقاها فيها ودفنها حتى تموت، وهي الموءودة.
وأما لفظ التذكير في قوله ﴿(أَيُمْسِكُهُ عَلى)﴾ فإنه راجع إلى المبشّر به. قوله تعالى:
﴿أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ (٥٩)؛أي ألا ساء ما يقضون من اختيار البنين لأنفسهم، وإضافة البنات إلى الله وقتل الموءودة.
قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ؛﴾ أي لهم صفة السّوء من احتياجهم إلى الولد، وكراهيتهم الإناث خوف العار، ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى؛﴾ أي الصفة العليا وهي الألوهية والربوبيّة لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٦٠)؛أي الغالب الذي لا يقدر أحد أن يغلبه، الحكيم في أمره وتدبيره.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ؛﴾ أي بعقاب معاصيهم عاجلا، ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها؛﴾ أي على الأرض، ﴿مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ؛﴾ أي يمهلهم، ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى؛﴾ أي إلى وقت ضربه لامهالهم، ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾ ذلك الوقت، ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٦١)؛لا يتقدّمون ساعة ولا يتأخّرون.
فإن قيل: كيف قال ﴿(ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ)﴾ مع علمنا أن في الناس من هو غير ظالم، قيل: معناه: (ما ترك عليها من دابّة ظالمة).وقيل: معناه: ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم عاجلا لا نقطع النسل؛ لأنه لا أحد إلا وقد كان في آبائه وأجداده من هو ظالم.
فإن قيل: في الآية تعميم الناس والدواب في الهلاك؛ فأيّ شيء يوجب هلاك الدواب؟ قيل: إن الدوابّ إنما خلقها الله لمنافع الناس، فإذا هلكت الناس بمنع المطر عنهم، لم يبق في الأرض دابّة إلا وهلكت، وإذا هلك الناس بوجه من الوجوه لم تبق الدوابّ.
стр. 1549
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ؛﴾ لأنفسهم. في الآية إعادة ذكر جهل الكفّار أنّهم يجعلون لله ما يكرهون لأنفسهم وهو البنات، ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ؛﴾ مع ذلك، ﴿الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى؛﴾ أي أن لهم الجنّة في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ؛﴾ أي حقّا، وقيل: لا بدّ ولا محالة أن لهم النار، ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ (٦٢)؛أي مقدّمون إلى النار، والفارط في اللغة: هو القادم إلى الماء، ومنه قوله ﷺ : [وأنا فرطكم على الحوض] (١) أي سابقكم.
ومن قرأ «(مفرطون)» بكسر الراء، فهم الذين أفرطوا في الذنوب والمعاصي، ومن قرأ «(مفرّطون)» بالتشديد فهو من التّفريط وهو التقصير (٢).
قوله تعالى: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ؛﴾ تسلية للنبيّ ﷺ أي كما أرسلناك إلى هؤلاء أرسلنا إلى أمم من قبلك، فزيّن لهم الشيطان أعمالهم في الكفر والتكذيب، ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ؛﴾ في الدّنيا يتبعون إغواءه، ويقال: (هو وليّهم يوم القيامة) أي يقال لهم يومئذ: هذا وليّكم، فيكلكم الله يومئذ إلى من لا يملك دفع العذاب عن نفسه، فكيف يدفع عنهم العذاب، ومن كان الشيطان وليّه دخل النار، ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦٣).
قوله تعالى: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ؛﴾ أي لتبيّن لهم الحقّ من الباطل، وأنزلناه، ﴿وَهُدىً،﴾ دلالة، ﴿وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦٤)؛أي للمؤمنين.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً؛﴾ يعني المطر، ﴿فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها؛﴾ أي يبسها، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (٦٥)؛أدلّة الله، ويتفكّرون فيها.
стр. 1550
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً؛﴾ من دون أن يظهر فيه لون الدم ولا رائحة الفرث، ﴿سائِغاً لِلشّارِبِينَ﴾ (٦٦)؛أي متيسّر الجري في الحلق، لا يغصّ به شاربه. وإنما لم يقل في بطونها؛ لأن الأنعام والنّعيم واحد، فكأنه ردّ الكناية إلى النّعيم. وفي قوله تعالى ﴿(نُسْقِيكُمْ)﴾ قراءتان: فتح النون وضمّها، يقال سقى وأسقى بمعنى واحد.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً؛﴾ أراد بالسّكر المسكر؛ وهو من العنب الخمر، ومن النّخيل نقيع التّمر إذا غلى واشتدّ، نزلت هذه الآية وهما لهم حلال يومئذ، هكذا قال ابن عبّاس، والرّزق الحسن: ما أحلّ منها مثل الخلّ والزبيب والتّمر.
وسئل بعضهم عن هذه الآية فقال: (السّكر ما حرّم من ثمرها، والرّزق الحسن ما حلّ من ثمرها) (١).قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٦٧)؛دلائل الله.
قوله تعالى: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ؛﴾ أي وألهم ربّك النحل وعرّفها ووفّر عليها ودعاها إلى ما هو مذكور في هذه الآية، وسمّى الإلهام وحيا؛ لأن الوحي هو ظهور المعنى للنّفس على وجه خفيّ، وقد ألهم الله كلّ دابة التماس منافعها واجتناب مضارّها، إلاّ أنّ أمر النحل أعجب؛ لأن فيها من لطيف الصّنعة ما فيه أعظم معتبر، فإنّ الله ألهمها اتخاذ المنازل والمساكن، وأن تأكل من كلّ الثمرات لمنافع بني آدم، وأن لا تقذف ما أكلته بعد ما صار عسلا إلا على حجر صاف أو مكان نظيف لا يخالطه طين ولا تراب.
قوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ؛﴾ فهي تتخذ من الجبال بيوتا إذا لم تكن لأحد، وقوله تعالى: ﴿وَمِمّا يَعْرِشُونَ﴾ (٦٨)؛يعني مما يبني
стр. 1551
الناس لها من خلاياها ومساكنها، ولولا التسخير وإلهام الله ما كانت تأوي إلى ما يبنى لها.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ؛﴾ أي من ألوان الثمر كلّه، ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً؛﴾ أي طرق ربك لطلب الرّعي، وقوله تعالى (دللا) يجوز أن يكون من نعت السّبل؛ أي لا يتوعّر عليها مكان سلكته، وهي ترعى الأماكن البعيدة ذات العاص (١)،قد ذلّل الله لها مسالكها أي سهّلها. وقال ابن عباس: (دللا نعت النّحل؛ أي مطيعة بالتّسخير وإخراج العسل من بطونها).
قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ؛﴾ يعني العسل يلقيه النحل أبيض وأصفر وأحمر، يقال: إنه يخرج من شبابها الأبيض، ومن كهولها الأصفر، ومن شيوخها الأحمر. قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ؛﴾ أي في ذلك الشراب شفاء للأوجاع التي شفاؤها فيه، كذا قال السديّ (٢).
وليس إذا كان في الناس من يضره العسل لمعنى في نفسه ما يوجب أن يخرج العسل من كونه شفاء للناس، فإنّ الله جعل الماء حياة لكلّ شيء، وربّما يكون الماء سببا للهلاك، لكن الاعتبار للأعمّ، وقال قتادة: (فيه شفاء للنّاس من الأدواء) (٣)،وعن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول الله ﷺ يحبّ الحلواء والعسل] (٤)، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٦٩).
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ؛﴾ أي خلقكم في بطون أمّهاتكم طورا بعد طور حتى أخرجكم وربّاكم إلى أن يقبض أرواحكم عند آجالكم، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ؛﴾ حتى يعود في كبره وهرمه في نقصان قوّته ونقصان عقله إلى مثل حال الطّفولة.
стр. 1552
قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً؛﴾ أي لكي يصير كالصبيّ الذي لا عقل له، وقال السديّ: (أرذل العمر الخرف) (١)،وقال قتادة: (تسعون سنة) وعن عليّ ﵁: (أنّ أرذل العمر خمس وسبعون سنة) (٢).قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (٧٠)؛أي عليم بكلّ شيء، قادر على تحويل الأحوال.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ؛﴾ أي في المال والخدم والنّعم، وجعل بعضكم سادة وبعضكم مماليك، ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا؛﴾ أي فما أرباب الأخدام وفضّلوا، ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ؛﴾ أي المماليك، ﴿فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ،﴾ فيسوّونهم مع أنفسهم في الملك.
فإذا لم ترضوا في الحكمة أن يشرككم مماليككم أيبطلوا فضلكم؟ فكيف يرضى الله من خلقه أن يجعلوا له شريكا في الملك من خلقه، وهذا مثل ضربه الله للمشركين فقال: إذا لم يكن عبيدكم معكم سواء في الملك فكيف يجعلون عبادي معي سواء؟
قوله تعالى: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٧١)؛أي أتصفون نعمة الله إلى غيره وتشكرونه عليها فتجحدون نعمة الله، فإنّ من أضاف النعمة إلى غير المنعم وشكر عليها فقد جحد النّعمة.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً؛﴾ أي جعل لكم من جنسكم نساء، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ؛﴾ أي من نسائكم؛ ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً،﴾ قيل: إن الحفدة الأختان، وقيل: ولد الولد، وقيل: الخدم، وحقيقة الحفدة من يعاون على ما يحتاج، سرعة من الحفد والإسراع، ويقال لكلّ من أسرع في الخدمة والعمل: حفدة، ومنه قولهم في دعاء الوتر (نسعى ونحفد) أي نسرع في طاعتك.
стр. 1553
قوله تعالى: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ؛﴾ أي من الملاذّ والحلال، وقوله تعالى: ﴿أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ؛﴾ أي أفبالأصنام يؤمنون، ﴿وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ (٧٢)؛أي يجحدون بإضافتها إلى غير الله.
قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً؛﴾ أي ويعبدون الأصنام التي لا تملك لهم رزقا من السّماوات بإنزال الغيث، ولا من الأرض بإنبات النبات شيئا قليلا ولا كثيرا، ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٧٣)؛ أي لا يملكون، وليست لهم استطاعة.
قوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ؛﴾ أي لا تجعلوا لله الأشباه؛ لأنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٧٤) أي إن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون، وأنتم لا تعلمون قدر عظمتي حيث أشركتموني وعجّزتموني أن أبعث خلقي.
قوله تعالى: ﴿*ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ؛﴾ أي ضرب الله المثل بعبد مملوك لا يقدر على شيء، ﴿وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً؛﴾ وهو الحرّ، فهو ينفق منه خفية وعلانية؛ ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ؛﴾ في المثل، كما أن الحرّ الذي يملك وينفق سرّا وعلانية، والذي لا يملك شيئا ينفقه، لا يستويان في المثل، كما لا يستوي المنعم الذي جاءت من قبله النعمة، والأصنام الموات التي لا تقدر على النعمة. قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ؛﴾ أي قل الحمد لله الذي أوضح لنا السبيل والطريق، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ؛﴾ الكفار، ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ (٧٥)؛ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ أي وضرب الله المثل برجلين؛ أحدهما أخرس لا يقدر على شيء من الكلام، ويقال:
الأبكم هو الذي ولد أصمّ لا يسمع ولا يفهم ولا يمكنه أن يفهم غيره، ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ؛﴾ أي ثقيل على وليّه وصاحبه، ﴿أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ؛﴾ لا يهتدي إلى منفعة ولا إلى خير، ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ؛﴾ ناطق
стр. 1554
متكلّم آمر بالعدل، تامّ التمييز، ﴿وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٧٦)؛أي دين مستقيم، وهذا مثل للمؤمن والكافر.
قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٧٧)؛قيل: هذه الآية نزلت جوابا عن سؤال قريش: متى الساعة؟ وهي ظاهرة المعنى.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً؛﴾ أي أخرجكم جاهلين، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ؛﴾ أي خلق لكم الحواسّ التي بها تعلمون نعمته وقدرته، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٧٨).
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ؛﴾ أي ألم يروا إلى الطير مذلّلات في الهواء ما يمسكهنّ حتى يسقطن على الأرض إلا الله ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ؛﴾ أي دلالات على وحدانيّة الله، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٧٩).
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً؛﴾ أي بيوت المدر والحجر مواضع تسكنون فيها، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً؛﴾ وهي الخيام، ﴿تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ،﴾ تخفّ عليكم نقلها وحملها من مكان إلى مكان، يوم سفركم ويوم إقامتكم، ﴿وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها؛﴾ وجعل لكم من أصواف الضّأن، وأوبار الإبل، وأشعار الماعز، ﴿أَثاثاً؛﴾ أي متاعا للبيت من الفرش والأكسية والبسط، ﴿وَمَتاعاً إِلى حِينٍ﴾ (٨٠)؛أي منفعة تنتفعون بها إلى حين آجالكم.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالاً؛﴾ أي أشياء تستظلّون بها مثل الأشجار ونحوها، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً؛﴾ وهي الكهوف والغيران يدخلها الناس ليسكنوا فيها من الحرّ والبرد.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ؛﴾ أي جعل لكم سرابيل يعني القميص من القطن والكتّان والصوف يدفع عنكم الحرّ في الصيف
стр. 1555
والبرد في الشتاء. ولم يذكر البرد في الآية؛ لأنه لمّا ذكر الحرّ فقد دلّ به على ما في مقابلته من البرد.
قوله تعالى: ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ؛﴾ أراد به الدّروع من الحديد يتّقون بها في الحرب سلاح العدوّ، يعني الطعن والضرب والرمي.
قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ؛﴾ في سائر الأشياء، كما أتمّها عليكم في هذه الأشياء، ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (٨١)؛لكي تسلموا، قال ابن عبّاس: (معنى قوله تعالى ﴿(لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ)﴾ أي لعلّكم يا أهل مكّة تعلمون أنّه لا يقدر على هذا غير الله فتؤمنوا به وتصدّقوا رسوله).وفي قراءة ابن عبّاس «(لعلّكم تسلمون)» (١) بنصب التاء من الجراحات إذا لبستم الدروع من الحديد، ومن الحرّ والبرد إذا لبستم القميص.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٨٢) أي إن أعرضوا عن الإيمان، فإنما عليك يا محمّد البلاغ الظاهر، وهو أن تبلّغ الرسالة، وتبيّن الدلالة، فلما ذكر لهم النبيّ ﷺ هذه النّعم، قالوا: أنعم يا محمّد هذه كلّها من الله؟
ثمّ قالوا: شفاعة آلهتنا، فأنزل الله تعالى قوله:
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ؛﴾ أي يعرفون أنّ هذه النعم كلّها من الله، ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها،﴾ بإضافتها إلى الأوثان، ويشكرون الأوثان عليها. قوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ (٨٣)؛ أي كلّهم يكفرون بالله وبنعمته، فذكر الأكثر والمراد به الجميع.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً؛﴾ يعني يوم القيامة تشهد الأنبياء على أممهم بما فعلوا من التصديق والتكذيب، وتشهد العدول من كلّ عصر على أهل عصرهم. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ أي لا يؤذن لهم بعد شهادة الرّسل في الاعتذار، ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (٨٤)؛ولا ينفعهم الاعتذار يومئذ ولا يجابون إلى الردّ إلى الدّنيا.
стр. 1556
قوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ؛﴾ أي إذا رأوه بالدخول فيه، فلا نرفعه عنهم في وقت ونشدّد في وقت، ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (٨٥)؛ولا يؤجّلون بتأخير العذاب إلى وقت آخر.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا؛﴾ أي إذا رأى الذين أشركوا الأصنام مع الله في العبادة، ﴿شُرَكاءَهُمْ،﴾ يعني الأصنام، ﴿قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ؛﴾ الأصنام، ﴿شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ؛﴾ التي أشركناها معك في العبادة، فألقى الأصنام ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (٨٦) في أنّا آلهة وفي أنّا أمرناكم بالعبادة،
﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ،﴾ واستسلموا كلّهم لأمر الله يومئذ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٨٧).والفائدة في إعادة الأصنام يومئذ: أن يعيّرهم الله بها، وأن يعذّبهم بها في الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ (٨٨)؛الذين كفروا بالله ورسله، وصدّوا عن سبيل الله بامتناعهم عنه ومنع الناس عنه، زدناهم عذابا فوق العذاب، قال ابن مسعود: (زيدوا عقارب لها أنياب كالنّخل الطّوال)،وقيل: زيدوا حيّات كأمثال الفيلة. وقيل: تجري فوق رءوسهم أنهار من نحاس ذائب إذا وقع على كفّ الرجل اشتعل الجسد منه نارا، فليس فيها عذاب أشدّ منه.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛﴾ فيه بيان أنّ كلّ عصر لا يخلو من شهيد على الناس، ﴿وَجِئْنا بِكَ؛﴾ يا محمّد، ﴿شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ؛﴾ يعني قومه. قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ؛﴾ أي القرآن، ﴿تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ؛﴾ من أمور الدّين، ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى﴾ وبشارة، ﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٨٩).
قوله تعالى: ﴿*إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ؛﴾ يعني بالعدل في الأفعال، والإحسان في الأقوال، ولا يفعل إلا ما هو عدل، ولا يقول إلا ما هو حسن، قال ابن عبّاس: (العدل شهادة أن لا إله إلاّ الله، والإحسان أداء الفرائض) (١).
стр. 1557
وقيل: العدل هو الإنصاف، ويدخل فيه إنصاف المرء من نفسه لغيره في الحقوق والأمانات، ومن نفسه لنفسه فيما يكون حقّا عليه من شكر نعم الله، وأن لا يعبد غيره، وأن لا يصف الله بما لا يليق به من الصفات.
قوله تعالى: ﴿(وَالْإِحْسانِ)﴾ يدخل في ذلك المتفضّل على الغير، إما بالمال، وإما بالمعاشرة الجميلة من قول أو فعل، أو إكرام أو بحسب. قوله تعالى: ﴿وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى؛﴾ أي صلة الأرحام.
قوله تعالى: ﴿وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛﴾ فالفحشاء:
الزّنى، والمنكر: الشّرك، والبغي: الظّلم والكبر. وقيل: الفحشاء: ما عظم قبحه من قول أو فعل، سرّا كان أو علانية، والمنكر: ما يظهر للناس، فيجب إنكاره، والبغي:
الاستطالة والظلم.
وقيل في معنى الآية: إنّ الله يأمر بالعدل: بالتوحيد، والإحسان: الإخلاص، وقيل: الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه. وقيل: الإحسان العفو عن الناس، وقيل:
العدل: استواء السرّ والعلانية، والإحسان: أن تكون سريرته أحسن من علانيته، والفحشاء والمنكر: تكون علانيته أحسن من سريرته.
روي عن النبيّ ﷺ أنه قرأ على الوليد: ﴿(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)﴾ فقال: يا ابن أخي أعد عليّ، فأعاد عليه فقال: إنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمورف وإنّ أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر (١).قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٩٠)؛معناه يأمركم بثلاث أن تفعلوهنّ، وينهاكم عن ثلاث؛ لتنتهوا عنهنّ لعلكم تتّعظون بما تؤمرون، وتحترزون عن التقصير.
стр. 1558
قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ؛﴾ أي أتمّوا العهود التي بينكم وبين الناس إذا حلفتم بالله تعالى، ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ؛﴾ العهود، ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها؛﴾ توثيقها باسم، ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ؛﴾ قلتم: ﴿اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً؛﴾ شهيدا عليكم بالوفاء، ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ (٩١)؛من النّقض والوفاء فيجزيكم عليه. وفي الآية دلالة على أنّ الرجل إذا قال: عليّ عهد الله إن فعلت كذا كان يمينا؛ لأنه تعالى ذكر العهد في أوّل الآية، ثم عقّبه بقوله: ﴿(وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً؛﴾ أي لا تكونوا في نقض العهود كالتي نقضت غزلها من بعد إبرام وإحكام، وهي امرأة من قريش أمّ أخنس بن شريق تعرف ب (ريطة الحمقاء)،كانت تغزل من الصّوف والشعر والوبر بمغزل عظيم مثل طول الذّراع وصنّارة في رأس المغزل مثل طول الإصبع وفلكةّ عظيمة، فإذا غزلته وأبرمته أمرت جاريتها فنقضته (١).والأنكاث: جمع نكث، وهو ما تنقّض من غزل الشّعر والقطن ونحوهما، والمعنى: لا تكونوا في نقض الإيمان كهذه المرأة، غزلت غزلا، وأحكمته ثم نقضته فجعلته أنكاثا، والأنكاث: ما يقطع من الخيوط.
قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ؛﴾ أي تتّخذون عهودكم دخلا وخديعة وغشا وخيانة بينكم. قوله تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ؛﴾ أي لأن تكون جماعة هي أعزّ وأكثر من جماعة، قال مجاهد: (إنّهم كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعزّ، فينقضون حلف هؤلاء، ويحالفون الأكثر، فنهاهم الله عن ذلك) (٢).
стр. 1559
وحاصل التأويل النهي عن أن تحلف على شيء وهو منطو على خلافه، وأن يغرّ غيره يمينه. قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ؛﴾ أي إنما يخبركم بأمره إياكم بالوفاء بالعهد، ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٩٢)؛ في الدّنيا من الحقّ والباطل.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً؛﴾ أي أهل ملّة واحدة ودين واحد، ﴿وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ؛﴾ بتوفيقه فضلا منه، ﴿وَلَتُسْئَلُنَّ،﴾ يوم القيامة، ﴿عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٩٣)؛من الخير والشرّ.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ؛﴾ أي مكرا وخديعة، ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ؛﴾ فتزلّوا عن طاعة الله كما تزلّ قدم الرجل، ﴿بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ جعل الله زلّة القدم عبارة عن سخط الله، وثبات القدم عبارة عن رضى الله.
وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿(فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها)﴾ أي فتهلكوا بعد أن كنتم آمنين، وقال ابن عبّاس: (فتزلّ عن الإيمان بعد المعرفة) (١).قوله تعالى: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ؛﴾ يعني العذاب، ﴿بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ؛﴾ أي بما منعتم الناس عن دين الله، ﴿وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٩٤)؛في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً؛﴾ أي لا تختاروا الحلف بالله كذبا عرضا يسيرا من الدّنيا، ولكن أوفوا بها، ﴿إِنَّما عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي فإنّ ما عند الله من الثواب في الآخرة على الوفاء هو خير لكم مما عندكم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٩٥)؛ثواب الله.
стр. 1560
قوله تعالى: ﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ؛﴾ أي يفنى ولا يبقى، ﴿وَما عِنْدَ اللهِ؛﴾ من الثواب في الآخرة على الوفاء، ﴿باقٍ،﴾ هو خير لكم مما عندكم يدوم ويبقى.
قوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا؛﴾ قرأ ابن كثير وعاصم بالنّون، وقرأ الباقون بالياء، ومعناه: الذين صبروا على الوفاء وعلى الطاعة، ﴿أَجْرَهُمْ؛﴾ بالطاعات، ﴿بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٩٦)؛دون إسرارها، ويعفو عن سيّئاتها.
قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ رجلا من حضرموت يقال له عيدان بن الأشوع (١) قال: يا رسول الله إنّ الأشعث بن قيس الكنديّ جاورني في أرضي فاقتطعها، فقال ﷺ : [ليشهد لك أحد] قال: إنّ القوم كلّهم يعلمون أنّي صادق، ولكنّه أكرم عليهم منّي، فقال رسول الله ﷺ للأشعث: [ما يقول صاحبك؟] قال: الباطل والكذب يا رسول الله، قال: [أتحلف؟] قال: نعم، فهمّ بالحلف.
فأخبره رسول الله ﷺ ، فأنزل الله هذه الآية: ﴿(وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً ... )﴾ إلى آخر الآيتين. فقرأهما رسول الله ﷺ على الأشعث فقال: أمّا ما عندي فينفد، وأمّا ما بصاحبي فيجزى بأحسن ما كان يعمل، اللهمّ إنّه صادق في ما قال، لقد اقتطعت أرضه، والله ما أدري كم هي، ولكن يأخذ ما شاء من أرضي ومثلها معها بما أكلت من تمرها. فأنزل الله هذه الآية بعد ذلك في الأشعث (٢):
قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ؛﴾ أي من عمل صالحا فيما بينه وبين ربه وأقرّ بالحقّ وهو مع ذلك مؤمن ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٩٧) قيل: المراد بها القناعة بما يؤتى من الرّزق الحلال، كما روي عن وهب بن منبه أنه قال: (الحياة الطّيّبة هي القناعة بما رزق).
стр. 1561
وقيل: هي أن يكون صدره منفرجا بما يعتقده من دلائل الله تعالى، وبما يعرفه من وجوب مفارقة المعاصي، فيصير قليل الهمّ في أمور دنياه. وقيل: الحياة الطيّبة الجنة؛ لأنه لم يطب لأحد حياة إلاّ فيها.
قوله تعالى: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ (٩٨) أي إذا أردت قراءة القرآن، ونظيره ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ (٢).
وفائدة الأمر بالاستعاذة قبل القراءة نفي وسواس الشّيطان عند القراءة، وقد أجمعت الفقهاء على أنّ الاستعاذة قبل القراءة إلاّ ما روي عن أبي داود بن عليّ ومالك أنّهم قالوا: (الاستعاذة بعد القراءة) أخذوا بظاهر الآية.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٩٩)؛أي إنّ الشيطان ليس له سلطنة على المؤمن إلا في الوسوسة،
﴿إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ،﴾ على الذين يقبلون دعاءه، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ؛﴾ بالله، ﴿مُشْرِكُونَ﴾ (١٠٠)؛فإنّهم جعلوا له سلطانا على أنفسهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ؛﴾ أي اذا نسخنا آية أو أتينا مكانها أخرى، ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ؛﴾ أي بمصالح العباد، ينزّل في كلّ وقت ما هو الأصلح لهم، ﴿قالُوا؛﴾ أي قالت كفار قريش: ﴿إِنَّما أَنْتَ﴾ يا محمّد، ﴿مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠١)؛كاذب في الناسخ والمنسوخ، مختلق من تلقاء نفسك! وذلك أن المشركين قالوا: إنّك يا محمّد تسحر أصحابك، وتأمرهم اليوم بأمر وتنهاهم عنه غدا! قال الله: ولكنّ أكثرهم لا يعلمون صدق رسول الله ﷺ ولا حقيقة القرآن.
стр. 1562
قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ؛﴾ أي قل نزّل القرآن جبريل من ربك، ﴿بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ ويقوّيهم لإيمانهم؛ ليزدادوا تصديقا ويقينا، ﴿وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١٠٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ كفّار مكّة كانوا يقولون: إنّ القرآن ليس من عند الله، وإنّما يعلّم النّبيّ بشر، أرادوا بذلك جبرا ويسارا كانا عالمين نصرانيّين، وكان ﷺ يحدّثهما ويعلّمهما، وكانا يقرءان كتابهما بالعربيّة، وكانا قد أسلما) (١).وقيل: كانوا يعنون بقولهم ﴿(بَشَرٌ)﴾:سلمان الفارسيّ.
قوله تعالى: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ؛﴾ أي لسان الذي يميلون إليه ويزعمون أنّه يعلّمك أعجميّ، ﴿وَهذا؛﴾ القرآن الذي يقرءونه، ﴿لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١٠٣)؛فكيف يقدر الأعجميّ على تعليم مثله.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ لا يَهْدِيهِمُ اللهُ؛﴾ إلى ثوابه، ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٠٤)؛ وجيع في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ (١٠٥)؛معناه: إنما يكذب على الله من لا يؤمن بدلائله، بيّن الله أن الذين نسبوه إلى رسول الله ﷺ من الافتراء هم أحقّ به.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ؛﴾ يجوز أن يكون من كفر رفعا على البدل من (الكاذبين)،ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ، وقوله تعالى ﴿(فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ)﴾ خبر له أو خبر لقوله ﴿(وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً)﴾.والمراد بقوله ﴿(إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ)﴾:عمّار بن ياسر.
روي: أنّ المشركين أخذوه في طريق مكّة، فعذبوه حتّى سبّ النّبيّ ﷺ وذكر آلهتهم بخير، فلمّا فعل ذلك تركوه، فأتى النّبيّ ﷺ وهو يمسح الدّموع من عينيه،
стр. 1563
فأخبره القصّة، فأنزل الله هذه الآية، فقال له ﷺ : [كيف وجدت قلبك؟] قال:
مطمئنا بالإيمان، فقال ﷺ : [إن عادوا فعد] (١).
وقوله ﵇: [إن عادوا فعد] على جهة الإباحة والرّخصة دون الإيجاب، فإنّ المكره على الكفر إذا صبر حتى قتل كان أعظم لأجره، والإكراه السماح لإجراء كلمة الكفر على اللّسان، وهو أن يخاف التلف على نفسه، أو على عضو من أعضائه إن لم يفعل ما أمر به.
قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً،﴾ أي فسح صدره للكفر بالقبول وأتى به على الاختيار، ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٠٦) قيل: إنّها نزلت في أبي سرح القرشي رجع إلى الشرك، وباح بالكفر ولحق بمكّة.
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ؛﴾ أي ذلك العذاب بأنّهم اختاروا الحياة الدّنيا على ثواب الآخرة، ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (١٠٧)؛إلى جنّته وثوابه.
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ (١٠٨)؛قد تقدّم تفسيره.
قوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ؛﴾ أي حقّا ﴿فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (١٠٩)؛أي خسروا أنفسهم.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا؛﴾ نزلت في قوم بمكّة بعد هجرة النبيّ ﷺ إلى المدينة، ثم إنّهم هاجروا إلى المدينة من بعد ما عذبهم أهل مكة، ﴿ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا؛﴾ مع النبيّ ﷺ فصبروا على الجهاد، فوعدهم الله المغفرة لما كان فيهم من التخلّف عن الهجرة.
стр. 1564
وذلك أنّهم كانوا مستضعفين بمكّة وكانوا مؤمنين، فعذبهم أهل مكة حتى ارتدّوا عن الإسلام ليسلموا من شرّهم، ثم هاجروا من بعد ما فتنوا؛ أي من بعد ما عذّبوا، ثم جاهدوا مع النبيّ ﷺ وصبروا على الجهاد، ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها؛﴾ تلك الفتنة وتلك الفعلة التي فعلوها من التلفّظ بكلمة الكفر، ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١١٠)؛وقرأ ابن عامر «(فتنوا)» بفتح الفاء؛ أي فتنوا أنفسهم بإظهار ما أظهروا للفتنة.
قوله تعالى: ﴿*يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها؛﴾ يجوز أن يكون ﴿(يَوْمَ)﴾ منصوبا بنزع الخافض أي في يوم تأتي كلّ نفس، ويجوز أن يكون المعنى: واذكر يوم تأتي كلّ نفس، وهو يوم القيامة، يجادل فيه كلّ إنسان عن نفسه، ﴿وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ؛﴾ برّة أو فاجرة، ﴿ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١١١)،جزاء ما عملت من خير أو شرّ، لا ينقص من ثواب محسن، ولا يزاد على عقاب مسيء.
واختلفوا في المجادلة المذكورة في الآية، قال بعضهم: هو قول الكفّار: ما كنّا مشركين، وقولهم: ربّنا هؤلاء أضلّونا. ومعنى الآية: إنّ كلّ أحد لا تهمّه إلا نفسه، فهو يخاصم ويحتجّ عن نفسه، لا يتفرّع إلى غيره.
قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً؛﴾ يعني مكّة كان أهلها آمنين لا يهاج أهلها ولا يغار عليها، بخلاف قرى سائر العرب، لأن العرب كانت لا تقصد مكّة احتراما لحرم الله، وقوله تعالى: ﴿(مُطْمَئِنَّةً)﴾ أي قارّة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتجاع ولا الانتقال، كما يحتاج إليه سائر العرب.
قوله تعالى: ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ؛﴾ أي كان الرزق واسعا على أهل مكّة يحمل إليهم من البرّ والبحر، كما قال تعالى ﴿يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١)، ﴿فَكَفَرَتْ؛﴾ فكفر أهل مكّة، ﴿بِأَنْعُمِ اللهِ،﴾ حين كذبوا بمحمّد ﷺ وخالفوه، وكذبوا بالقرآن بعد قيام الحجّة عليهم، ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ،﴾ فعاقبهم الله سبع سنين بالقحط، وخوّفهم من النبيّ ﷺ ومن عساكره وسراياه، ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١١٢)،من تكذيبه.
стр. 1565
روي أنه بلغ بهم من الجوع ما لا غاية بعده حتى أكلوا العظام المحرقة والجيف والكلاب، وكان ذلك بدعاء النبيّ ﷺ : [اللهمّ اشدد وطأتك على مضر، اللهمّ سنين كسنيّ يوسف] (١) فاستجاب الله دعاءه حتى صار أمرهم إلى هذه الحالة.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ؛﴾ أراد به محمّدا ﷺ ، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ؛﴾ الذي تقدّم ذكره من الجوع والخوف، ﴿وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ (١١٣)؛وكانوا ظالمين لأنفسهم.
قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١١٥)؛أي كلوا يا معشر المؤمنين مما رزقكم الله حلالا طيّبا إلى آخر الآيتين، قد تقدّم تفسيرهما في سورة البقرة.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ؛﴾ أي ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم بالحلّ والحرمة، فتحلّوا الميتة، وتحرّموا بعض الزّرع والأنعام، كما تقدّم ذكره في سورة الأنعام. قوله تعالى:
﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ؛﴾ أي لتكذبوا على الله بقولكم إنّ هذا من عند الله.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ (١١٦)؛أي لا يظفرون بالمراد، ولا ينجون يوم القيامة، إنما لهم في الدّنيا
﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ؛﴾ ثم يتعقّبهم، ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١١٧).
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ؛﴾ أراد به ما بيّنه الله في سورة الأنعام، وقد تقدّم هناك، وفيه بيان أن التحريم الذي كان في اليهود كان من قبل الله، وأنه مخالف للتحريم الذي كان في كفّار مكة. وقوله تعالى: ﴿وَما﴾
стр. 1566
﴿ظَلَمْناهُمْ؛﴾ أي وما ظلمناهم بتحريم ذلك، فإنّ تحريمها كان عقوبة لهم، ولا تكون العقوبة ظلما، ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١١٨)؛بمخالفتهم أمر الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١١٩)؛فيه بيان أنّ من ارتكب المعاصي، وخالف أمر الله، واستعمل الجهالة في ارتكابه، لم يمنعه ذلك من التوبة، فإنه إذا تاب وأصلح في المستقبل، محا الله عنه كلّ السيئات، قال ابن عبّاس: (كلّ سوء يعمله ابن آدم فهو جاهل فيه، وإن كان يعلم أنّ ارتكابه ركوب سيّئة).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً؛﴾ فيه بيان أنّ إبراهيم كان هو القدوة للناس بالخير، وسمّي الإمام ﴿(أُمَّةً)﴾؛لأنه يجمع خصال الخير، ويقال للرجل المنفرد بدين لا يشركه فيه غيره: أمّة، ويقال للعالم: أمّة، والأمّة:
الرجل الجامع للخير.
قوله تعالى: ﴿(قانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً)﴾ القانت: هو الدائم على الطاعة، والقنوت: هو الدوام على الطاعة، والقانت: هو المطيع، والحنيف قد تقدّم تفسيره، ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٢٠)؛كما ادّعاه كفار قريش، فإنّهم يدّعون أنّهم يتبعون دين إبراهيم.
قوله تعالى: ﴿شاكِراً لِأَنْعُمِهِ؛﴾ أي كان إبراهيم شاكرا لنعم الله عليه، وانتصب قوله ﴿(شاكِراً)﴾ على البدل من قوله ﴿(أُمَّةً قانِتاً)﴾.وقوله: ﴿اِجْتَباهُ؛﴾ أي اصطفاه بالنبوّة واختاره، ﴿وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١٢١)؛أي إلى دين الإسلام.
قوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً؛﴾ قال ابن عبّاس: (يعني الذّكر الحسن)،وقال الحسن: (هي النّبوّة)،وقال مجاهد: ﴿(لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ)﴾ (١) وقال مقاتل: (يعني الصّلاة عليه مقرونة بالصّلاة على محمّد ﷺ ، وهو قولهم: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم).قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١٢٢)؛أي مع المرسلين في الجنّة.
стр. 1567
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٢٢)؛أي أمرناك يا محمّد باتّباع ملّة إبراهيم في مجانبة الكفّار، كما كان إبراهيم يتجنّبهم.
فإن قيل: كيف يجوز أن يوصي الفاضل بمتابعة المفضول، ونبيّنا محمّد ﷺ كان أفضل الأنبياء؟ فكيف أمره الله بمتابعة إبراهيم ﵇؟ قيل: إنّ إبراهيم ﵇ كان قد سبق إلى اتّباع الحقّ، ولا يكون في سبق المفضول إلى اتّباع الحقّ عيب على الفاضل في اتّباعه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١٢٤)؛وهم اليهود، وذلك أنّ موسى قال لبني إسرائيل: تفرّغوا إلى الله في كلّ سبعة أيّام يوما واحدا، فاعبدوه في يوم الجمعة، ولا تعملوا فيه شيئا من أمور الدّنيا، وستّة أيام لمعايشكم وصنائعكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك منه، وقالوا: لا نبتغي إلاّ اليوم الذي فرغ فيه من الخلق، يعنون السّبت، فجعل ذلك عليهم فيه، وقالت جماعة منهم: بل أعظم الأيّام يوم الأحد؛ لأنه اليوم الذي بدأ الله فيه بخلق الأشياء، فاختاروا تعظيم غير ما فرض الله عليهم؛ أي تركوا تعظيم يوم الجمعة.
قوله تعالى: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ؛﴾ أي أدع إلى سبيل دين الله ﴿(بِالْحِكْمَةِ)﴾ يعني بالنبوّة، ﴿(وَالْمَوْعِظَةِ)﴾ يعني القرآن، وقيل:
التخويف بالعذاب على جهة إظهار الشّفقة عليهم ليكون ذلك أقرب إلى إجابتهم.
قوله تعالى: ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ؛﴾ أي بالرّفق واللّطف، وذكر أحسن ما عنده من الحجج، وأعرض عن أذاهم، ولا تقصّر في أداء الرسالة والدّعاء إلى الحقّ، قيل: إن هذه الآية نسختها آية السّيف. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١٢٥)؛أي هو أعلم بمن يقبل الهدى ومن لا يقبله، فيجزي كلاّ على ما عمل.
و
стр. 1568
إلى حمزة فشقّوا بطنه، وأخذت منه هند بنت عتبة كبده، فجعلت تلوكها ثم تطرحها، وقطعوا مذاكيره وجدعوا أنفه وأدنيه، ومثّلوا به أشدّ المثلة، وكذلك سائر شهداء أحد مثّل بهم المشركون، بقروا بطونهم، وقطعوا مذاكيرهم.
فلما نظر رسول الله ﷺ إلى عمّه حمزة لم ينظر إلى شيء قطّ أوجع إلى قلبه منه، فقال: [رحمة الله عليك، فإنّك كنت فعّالا للخير، وصالا للرّحم، والله لئن أظفرني الله بهم لأقتلنّ بك سبعين منهم، ولأمثّلنّ سبعين منهم] وقال المسلمون: والله لئن أمكننا الله منهم لنمثّلنّ بالأحياء فضلا عن الأموات. فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿(وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ)﴾ ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ (١٢٦)؛ فقال ﷺ : [أصبر ولا أمثّل] وكفّر عن يمينه (١)،فنزل
قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ؛﴾ أي ما صبرك إلاّ بمعونة الله وتوفيقه، ولا تقدر على الصّبر في الحزن الذي لحقك بسبب الشّهداء، إلا أن يسهّل الله عليك.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ؛﴾ أي لا تحزن على الكفّار إذا امتنعوا من الاستجابة لك. وقيل: لا تحزن على الشّهداء، فإن الله أنزلهم منازلهم في الجنّة، لو رأيتهم في الكرامة التي أكرمهم الله بها لغبطتهم عليها. قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ (١٢٧)؛أي لا يضيق صدرك من مكرهم، فيكون ذلك شاغلا عن ما كلّفته من الدّعاء إلى سبيل ربك.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١٢٨)؛أي مع المتّقين المحسنين، وهم المسلمون ينصرهم ويظهرهم على الكفار ويعينهم عليه.
آخر تفسير سورة (النحل) والحمد لله رب العالمين
стр. 1569
سورة الإسراء
سورة بني إسرائيل مكّيّة، إلاّ ثمان آيات، من
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً،﴾ فإنّها مدنيّات، وهي ستّ آلاف وأربعمائة وستّة وخمسون حرفا، وألف وخمسمائة وثلاث وثلاثون كلمة، ومائة وإحدى عشرة آية.
قال ﷺ : [ومن قرأها فرقّ قلبه عند ذكر الوالدين، أعطي من الجنّة قنطارين من الأجر!] والقنطار ألف ومائتا أوقيّة، والأوقيّة خير من الدّنيا وما فيها (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ؛﴾ أي سبحان الذي أسرى بعبده محمّد ﷺ في ليلة واحدة من مسجد مكّة إلى مسجد بيت المقدس.
وسمّي مسجد بيت المقدس المسجد الأقصى؛ لأنه لم يكن وراءه مسجد يعبد الله فيه. وقيل: لأنه أبعد المساجد التي تزار، قال ﷺ : [أنا في المسجد الحرام في الحجر بين النّائم واليقظان، إذ أتاني جبريل بالبراق ... ] وذكر حديث المعراج (٢).
стр. 1570
وقال ابن عبّاس ﵄: (أسري به من بيت أمّ هانئ بنت أبي طالب أخت عليّ كرّم الله وجهه، والحرم كلّه مسجد).وعن الكلبي عن أبي صالح عن أمّ هانئ أنّها كانت تقول: (ما أسري برسول الله ﷺ إلاّ وهو في بيت)،قال مقاتل:
(كان الإسراء قبل الهجرة بسنة).
قوله تعالى: ﴿(الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ)﴾ صفة بيت المقدس، بارك الله فيما حوله بالأشجار والأثمار والأنهار حتى لا يحتاجون إلى أن يجلب إليهم من موضع آخر. وقيل: يعني ﴿(بارَكْنا حَوْلَهُ)﴾:جعلناه موضعا للأنبياء ﵈، وفيه مهبط الملائكة، وفيه الوحي، وفيه الصّخرة. قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا؛﴾ أي من عجائب قدرتنا، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ؛﴾ لمقالة قريش وإنكارهم ﴿الْبَصِيرُ﴾ (١)؛بهم وبأعمالهم.
قال رسول الله ﷺ : [لمّا كان ليلة أسري بي وأنا بين النّائم واليقظان، جاءني جبريل ﵇ وقال لي: يا محمّد قم، فقمت فإذا جبريل معه ميكائيل، فقال لي:
توضّأ، فتوضّأت، ثمّ قال لي: انطلق يا محمّد، فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى ربك.
فأخذ بيدي وأخرجني من المسجد، فإذا بالبراق دابّة فوق الحمار ودون البغل، خدّه كخدّ الإنسان، وذنبه كذنب البعير، وأظلافه كأظلاف البقر، وصدره كأنّه ياقوتة حمراء، وظهره كأنّه درّة بيضاء، عليه رحل من رحال الجنّة، خطوه منتهى طرفه.
فقال لي: اركب، فلمّا وضعت يدي عليه شمس، فقال جبريل: مهلا يا براق؛ أما تستحي! فو الله ما ركبك نبيّ أكرم على الله من هذا، هو محمّد ﷺ . فارتعش البراق، وتصبّب عرقا حياء من رسول الله ﷺ ، ثمّ خفض حتّى لزق بالأرض، فركبته واستويت على ظهره.
قام جبريل نحو المسجد الأقصى يخطو مدّ البصر، والبراق يتبعه لا يفوت أحدهما الآخر حتّى أتيت بيت المقدس، فإذا بالملائكة قد نزلوا من السّماء يتلقّوني بالبشارة والكرامة من عند الله، فلمّا وصلت باب المسجد أنزلني جبريل، وربط البراق بالحلقة الّتي كانت تربط بها الأنبياء، وكان للبراق خطام من حرير الجنّة، فصلّيت في المسجد ركعتين، والملائكة خلفي صفوفا يصلّون معي.
стр. 1571
ثمّ أخذ جبريل بيدي، وانطلق بي إلى الصّخرة فصعد بي عليها. وإذا معراج أصله على صخرة بيت المقدس ورأسه ملتصق بالسّماء، إحدى عارضيه من ياقوتة حمراء والأخرى زبرجدة خضراء، ودرجه زمرّد مكلّل بالدّرّ والياقوت، فاحتملني جبريل حتّى وضعني على جناحيه، ثمّ صعد بي ذلك المعراج حتّى وصل بي إلى السّماء الدّنيا.
فقرع الباب فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: من معك؟ قال: محمّد ﷺ .
ففتحوا الباب فدخلنا، فقالوا: مرحبا ولنعم المجيء جاء رسول الله ﷺ ، قال: فأتيت على آدم فسلّمت عليه، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: أبوك آدم، فسلّمت عليه فقال: مرحبا بك، بالابن الصّالح والنّبيّ الصّالح.
ثمّ انطلقنا حتّى أتينا السّماء الثّانية، فاستفتح جبريل ففتحوا لنا وقالوا: مرحبا برسول الله ﷺ ولنعم المجيء جاء رسول الله، فأتيت على عيسى ويحيى فقلت: يا جبريل من هذان؟ قال: عيسى ويحيى ابنا الخالة، فسلّمت عليهما، فقالا: مرحبا بالأخ الصّالح والنّبيّ الصّالح.
ثمّ انطلقنا إلى السّماء الثّالثة فاستفتح جبريل، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل ومعي محمّد ﷺ ، ففتحوا وقالوا: مرحبا به ولنعم المجيء جاء، قال: فأتيت على يوسف ﵇ فقال: مرحبا بالأخ الصّالح.
ثمّ أتينا السّماء الرّابعة فكان من الاستفتاح والجواب مثل ما تقدّم، فوجدت إدريس فقال لي: مرحبا بالأخ الصّالح والنّبيّ الصّالح. وفي السّماء الخامسة وجدت هارون فقال لي كذلك، وفي السّماء السّادسة وجدت موسى فقال لي كذلك، وفي السّماء السّابعة وجدت إبراهيم فقال لي: مرحبا بالابن الصّالح والنّبيّ الصّالح.
ثمّ رفعت إلى سدرة المنتهى، وإنّ نبقها مثل قلال هجر، وورقها كأذان الفيلة، ورأيت أربعة أنهار تجري من أصلها، فقلت يا جبريل ما هذه الأنهار؟ فقال: النّهران الباطنان في الجنّة، وأمّا النّهران الظّاهران فالنّيل والفرات، وفيها ملائكة لا يعلم عددهم إلاّ الله، ومقام جبريل في وسطها، فلمّا انتهيت إليها فقال لي جبريل: تقدّم، فقلت: تقدّم أنت يا جبريل! فقال: بل تقدّم أنت يا محمّد؛ فأنت أكرم على الله منّي.
стр. 1572
قال: فتقدّمت وجبريل على إثري حتّى انتهائي إلى حجاب من ذهب، فحرّكه، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل ومعي محمّد، فأخرج الملك يده من تحت الحجاب، فاحتملني وتخلّف جبريل، فقلت: إلى أين؟ فقال: وما منّا إلاّ له مقام معلوم، وإنّما أذن لي في الدّنوّ من الحجاب لإكرامك وإجلالك. فانطلق بي الملك في أسرع من طرفة عين إلى حجاب آخر، فحرّكه فقال الملك: من هذا؟ فقال: هذا محمّد رسول الله ﷺ معي، فأخرج يده من الحجاب، فاحتملني حتّى وسعني بين يديه.
فلم أزل كذلك من حجاب إلى حجاب حتّى سبعين حجابا، غلظ كلّ حجاب مسيرة خمسمائة سنة، وما بين الحجاب إلى الحجاب خمسمائة سنة، ثمّ احتملت إلى العرش].فانتهى رسول الله ﷺ إلى حيث شاء الله، ورأى من العجائب والقدرة ما شاء الله.
قال رسول الله ﷺ : [أمرت بخمسين صلاة كلّ يوم، فأقبلت حتّى أتيت موسى، فسألني: بم أمرت؟ فقلت: بخمسين صلاة، فقال: إنّ أمّتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التّخفيف لأمّتك، فقال: فرجعت إلى ربي فحطّ عنّي خمسا، فأقبلت حتّى أتيت موسى فذكرت له ذلك، فقال لي: ارجع فاسأله التّخفيف لأمّتك، فرجعت فحطّ عنّي خمسا أخرى، فلم أزل كذلك يقول لي موسى: ارجع واسأله التّخفيف، وأنا أرجع حتّى بقيت خمس صلوات، فقال لي موسى: اسأله التّخفيف، فقلت له: لقد رجعت حتّى استحييت من ربي، فنوديت: أن قد أمضيت فريضتي وخفّفت على عبادي وجعلت كلّ حسنة بعشر أمثالها] (١).
قال ابن عبّاس: (فلمّا رجع رسول الله ﷺ في آخر اللّيل إلى مكّة وأخبر قريشا كذبوه، ثمّ سألوه عن صفة بيت المقدس وما كان عن يمينه حين دخل، وما كان عن يساره حين خرج، وما استقبله، فأخبرهم بصفاتها كلّها، وقال: [مررت على
стр. 1573
عير بني فلان، وهي بالرّوحاء وقد أضلّوا بعيرا لهم وهم في طلبه] قالوا: فأخبرنا عن عيرنا نحن، قال: مررت بها بالتّنعيم، قالوا: فما عدّتها وأحمالها وهيئتها؟ قال:
[كذا وكذا، وفيها فلان، وتقدّمها جمل أورق عليه غرارتان مخيطان، تطلع عليكم عند طلوع الشّمس].
قال: فخرجوا يشتدّون نحو التّثنية وهم يقولون: لقد وصف محمّد شيئا فسنكذّبه، فلمّا أتوا كداء جلسوا عليها، فجعلوا ينظرون متى تطلع الشّمس فيكذّبوه، إذ قائل منهم يقول: هذه والله الشّمس قد طلعت، وقال آخر: وهذه العير قد طلعت يقدمها بعير أورق، فيها فلان وفلان كما قال النّبيّ ﷺ ، فلم يؤمنوا ولم يفلحوا).
وسعى ناس من المشركين إلى أبي بكر وقالوا: هذا صاحبك يزعم أنّه قد أسري به اللّيلة إلى الشّام في ليلة واحدة، ورجع قبل الصّبح، قال: (فكيف لا أصدّقه على ذلك؟!) قالوا: أتصدّقه أنّه ذهب إلى الشّام؟ فقال: (إن كان قال ذلك فقد صدق) قالوا: أتصدّقه أنّه ذهب إلى الشّام في ليلة واحدة ورجع قبل الصّبح؟ قال:
(فكيف لا أصدّقه على ذلك) فسمّي أبا بكر الصّدّيق. وأما المشركون فقالوا: ما سمعنا بهذا قطّ، إن هذا إلا سحر مبين (١).
فإن قيل إنما قال الله ﴿(أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى)﴾ فلم قلتم أسرى به إلى السّماء؟ قلنا: الأخبار في ذلك متواترة ظاهرة، وما ذكره في سورة النجم دليل على صحّة ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ؛﴾ أي أعطينا موسى التوراة وجعلناه دلالة لبني إسرائيل، ﴿أَلاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً﴾ (٢)؛ربّا، ولا تتوكّلوا على غيري، ومن قرأ ﴿(أَلاّ تَتَّخِذُوا)﴾ بالتاء، فهو على الخطاب بعد الغيبة مثل ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ثم قال: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
стр. 1574
قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ (٢)؛ أي يا ذرّية من حملنا مع نوح، والناس كلّهم ذرية نوح، ثم اثنى على نوح فقال: ﴿(إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً)﴾ لنعم الله، كان إذا أكل أو شرب أو اكتسى أو احتذى قال:
الحمد لله.
قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ؛﴾ أي أخبرناهم في التوراة، ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ؛﴾ أي لتعصنّ كرّتين بقتل النّفوس، وتخريب الديار، وأخذ الأموال، ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً﴾ (٤)؛ولتظلمنّ ظلما عظيما.
قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ؛﴾ أي سلّطنا عليكم عبادا لنا ذوي عدّة في القتال، ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ؛﴾ قال ابن عباس: (وهم بخت نصّر وأصحابه المجوس، سلّطهم الله على بني إسرائيل حين عصت في أوّل الفسادين، فقتل منهم بخت نصّر أربعين ألفا ممّن كان يقرأ التّوراة، ودخل ديارهم وطلبهم طلبا شديدا حتّى كانوا ينظرون في الأزقّة والبيوت، هل بقي أحد لم يقتلوه، واستأسروا من بقي بعد الأربعين ألفا، ومضوا بهم إلى بلادهم، فمكث الأسراء في أيديهم تسعين سنة حتّى مات بخت نصّر).قوله تعالى: ﴿وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً﴾ (٥)؛أي وعدا كائنا لا محالة.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ؛﴾ أي جعلنا لكم الدولة والرجعة عليهم، ﴿وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ؛﴾ أي وأعطيناكم أموالا وبنين، ﴿وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾ (٦)؛أي أكثر عددا ينفرون إليهم.
وذلك أنّ رجلا من أهل الكتاب يقال له: كورش غزا أرض بابل، وهي بلاد بخت نصّر، فظهر عليهم فقتلهم وسكن ديارهم، وتزوّج امرأة من بني إسرائيل أخت ملك بني إسرائيل، فطلبت من زوجها أن يردّ قومها إلى أرضهم ففعل، فمكث في بيت المقدس مائتين وعشرين سنة، وقامت بينهم الأنبياء، ورجعوا الى أحسن ما كانوا عليه، فذلك قوله تعالى: ﴿(ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ)﴾.
وعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ في هذه الآية: [إنّ بني إسرائيل لمّا اعتدوا وقتلوا الأنبياء، بعث الله عليهم ملك الرّوم بخت نصّر، فسار إليهم
стр. 1575
حتّى دخل بيت المقدس فحاصرهم وفتحها، فقتل على دم يحيى بن زكريّا أربعين ألفا-وقيل: سبعين ألفا-وسبى أهلها، وسلب حليّ بيت المقدس، وكان سليمان ابن داود قد بناه من ذهب وياقوت وزبرجد، وعموده ذهب، أعطاه الله ذلك وسخّر الشّياطين له يأتونه بهذه الأشياء.
ثمّ سار بخت نصّر بالأسارى حتّى نزل بابل فأقام بنو إسرائيل في مدّته سنة تتعبّد المجوس وأبناء المجوس، ثمّ إنّ الله تعالى رحمهم فسلّط ملكا من ملوك فارس يقال له كورش وكان مؤمنا، فسار إليهم فاستنقذ بني إسرائيل منهم، واستنقذ حليّ بيت المقدس حتّى ردّه إليه، فأقام بنو إسرائيل مطيعين الله زمانا، ثمّ عادوا إلى المعاصي، فسلّط الله عليهم ملكا آخر وحرق بيت المقدس وسباهم] (١).
قوله تعالى: ﴿(فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما)﴾ يعني أولى المرّتين، واختلفوا فيها، فعلى قول قتادة: (إفسادهم في المرّة الأولى ما تركوا من أحكام التّوراة، وعصوا ربّهم ولم يحفظوا أمر نبيّهم موسى، وركبوا المحارم).
وعن ابن مسعود ﵁: (أنّ الفساد الأوّل قتل زكريّا) (٢)،وقيل: قتلهم شعيا نبيّ الله في الشّجرة، قال ابن اسحاق: (إنّ بعض العلماء أخبره أنّ زكريّا مات موتا ولم يقتل، وإنّما المقتول شعيا) (٣).
قوله تعالى: ﴿(بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا)﴾ يعني جالوت وجنوده، وقال ابن اسحاق:
(بخت نصّر البابليّ وأصحابه، أولي بأس شديد؛ أي ذوي بطش شديد في الحرب، فجاسوا خلال الدّيار؛ أي طافوا وداروا).وقال الفرّاء: قتلوكم بين بيوتكم (٤)،قال حسّان (٥):
стр. 1576
ومنّا الّذي لاقى بسيف محمّد ... فجاس به الأعداء عرض العساكر
وقيل: ﴿(فَجاسُوا)﴾ أي طلبوا من فيها كما تجاس الأخبار.
وقوله تعالى: ﴿(فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ)﴾ أي المرّة الآخرة، وهو قصدهم قتل عيسى حين رفع، وقتلهم يحيى بن زكريّا ﵉، فسلّط الله عليهم ططوس بن استيباتيوس فارس والرّوم حين قتلوهم وسبوهم، فذلك قوله تعالى: ﴿(لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ)﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ؛﴾ أي منفعة إحسانكم راجعة إليكم، ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها؛﴾ أي فإلى أنفسكم، ولم يقل فإليها على جهة المقابلة للكلام الأول، ومثل هذه الحروف قد تقام بعضها مقام بعض، كما في قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ (١) أي إليها.
قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ؛﴾ أي وعد المرّة الآخرة في الفساد، ﴿لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ؛﴾ بالقتل والسّبي، ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ؛﴾ أي مسجد بيت المقدس، ﴿كَما دَخَلُوهُ؛﴾ دخله بخت نصّر وأصحابه، ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً﴾ (٧)؛أي وليخرّبوا ما علوا عليه تخريبا، والتّبار والرّماد والهلاك بمعنى واحد.
ذلك أن الله سلّط عليهم بعد مائتين وعشرين سنة ططوس بن استيباتوس الرومي، فحاصرهم وقتل منهم مائة ألف وثمانين، وخرّب بيت المقدس، وذلك بعد قتلهم يحيى ﵇، فلم يزل كذلك خرابا إلى أن بناه المسلمون، فلم يدخله روميّ بعد ذلك إلا خائفا، كما قال تعالى: ﴿أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ﴾ (٢).
وذهب بعضهم إلى أن بخت نصّر غزا بني إسرائيل مرّتين، ففتح مدينتهم في المرّة الأولى، وجاسوا خلالها يقتلون فيهم، فتابت بنو إسرائيل إلى الله تعالى فأظهرهم الله تعالى على بخت نصّر فردّ عنهم، ثم بعث الله إلى بني اسرائيل (أرضيّا) النبيّ ﵇، فقام
стр. 1577
فيهم بوحي الله تعالى، فضربوه وقيّدوه وحبسوه، فسلّط الله عليهم بخت نصّر مرّة أخرى ففعل ما فعل.
قوله تعالى: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ؛﴾ أي بعد استقامة منكم، ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ؛﴾ لمعصية، ﴿عُدْنا؛﴾ إلى العقوبة، قال قتادة: (فعادوا فبعث الله عليهم محمّدا ﷺ ، فعاد الله عليهم بالعقوبة بإدلالهم بأخذ الجزية والقتل، فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون) (١).قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً﴾ (٨)؛أي محتبسا من قولك: حصرته فهو محصور إذا حبسته، وقيل:
فراشا ومهادا تشبيها بالحصير الذي يبسط ويفرش.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ؛﴾ أي يهدي للحالة التي هي أقوم الحالات، والطريقة التي هي أصوب، وقيل: يرشد إلى الكلمة التي هي أعدل الكلمات، وهي كلمة التوحيد والطاعة لله تعالى والإيمان به وبرسله.
قوله تعالى: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ (٩)؛ثوابا عظيما وهو الجنّة،
﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٠)؛أي إنّ الذين لا يؤمنون بالآخرة يبشّرهم بعذاب أليم وهو النار.
قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ؛﴾ أي يدعو على نفسه وعلى ولده بالسّوء عند الضّجر والغضب، فيقول: اللهمّ العنه اللهم أهلكه ونحو ذلك، كدعائه ربّه بأن يهب له العافية والنّعمة، ويرزقه السلامة في نفسه وماله وولده، فلو استجاب الله له إذا دعاه باللعن والهلاك، كما يستجاب له إذا دعاه بالخير لهلك، ولكنّ الله تعالى بفضله لا يستجيب له، ونظير هذا ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ (٢).
стр. 1578
قوله تعالى: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً﴾ (١١)؛أي عجولا في الدّعاء بما يكره أن يستجاب له، وقال ابن عبّاس: (معناه ضجورا لا صبر له على السّرّاء والضّرّاء) (١).وقيل: أراد به آدم ﵇ لمّا نفخ فيه الروح فبلغ إلى رجليه، قصد القيام قبل أن يجري فيه الروح فسقط، فقيل له: لا تعجل).
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ؛﴾ أي علامتين تدلاّن على قدرة خالقهما، ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ؛﴾ أي ضوء القمر، قال ابن عبّاس: (أراد به السّواد الّذي في القمر، وذلك أنّ الله خلق القمر أوّل ما خلقه على صورة الشّمس، وكانت شمس باللّيل وشمس بالنّهار، وكان لا يعرف اللّيل من النّهار، فأمر الله جبريل فمسح بجناحيه شمس اللّيل فذهب ضوؤها، وبقي علامة جناحه وهو السّواد الّذي يرونه في جوف القمر) (٢).
وقال ابن عبّاس ﵄ أيضا: (جعل الله نور الشّمس سبعين جزءا، ونور القمر سبعين جزءا، فأمحي من نور القمر تسعة وستّون جزءا فجعلها من نور الشّمس، فصار ضوء الشّمس مائة وثلاثين جزءا، والقمر جزءا واحدا) (٣).
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً؛﴾ وهي الشّمس مبصرة مضيئة منيرة، ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ؛﴾ أي لتسكنوا بالليل، وتطلبوا معايشكم بالنهار، إلاّ أنه حذف لتسكنوا بالليل؛ لأنه ذكره في موضع آخر، ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ؛﴾ أي جعلنا ذلك لتعلموا حساب الشّهور والأيّام ومواقيت الصلاة والصيام والحجّ، يعني بمحو آية الليل، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ؛﴾ من الأمر والنهي والحلال والحرام، ﴿فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً﴾ (١٢)؛أي بيّنّاه في القرآن؛ ليكون أقرب إلى
стр. 1579
معرفتكم، وبيّنّاه تبيينا؛ لئلا يلتبس بغيره (١).
قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ؛﴾ أي ألزمناه عمله من خير أو شرّ في عنقه، فجعلنا جزاء عمله لازما له، كما يقال: هذا الحقّ في عنق فلان وفي ذمّته، قال مجاهد: (مكتوب في ورقة معلّقة في عنقه شقيّ أو سعيد).روى الحكم عن مجاهد: (ما من مولود إلاّ وفي عنقه مكتوب شقيّ أو سعيد) (٢).
وفي الآية تشبيه العمل بالطائر الذي يجيء من ناحية اليمين فيتبرّك (٣) به، والذي يجيء من ذات الشّمال فيتشاءم به، وأما الإضافة إلى العنق دون سائر الأعضاء؛ فلأنّ ما يتزيّن به من طوق أو ما يشين من غلّ (٤) فإنما يضاف إلى الأعناق.
قوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً﴾ (١٣)؛أي يرفع الله يوم القيامة كتابه يرى فيه جزاء أعماله، قرأ الحسن ومجاهد: «(ونخرج)» على ما لم يسمّ فاعله، على معنى: ونخرج له الطائر كتابا. وانتصب قوله ﴿(كِتاباً)﴾ على الحال.
وقرأ أبو جعفر: «(ويخرج)» بالياء مسمّى الفاعل؛ أي ويخرج له الطائر يوم القيامة. وقرأ يحيى بن وثّاب «(ويخرج)» بضمّ الياء وكسر الراء، المعنى: ويخرج الله له كتابا، وقرأ الحسن ومجاهد: «(ألزمناه طيره)» بغير ألف، وقال أهل المعاني: أراد بالطائر ما قضى عليه أنه فاعله، وما هو صائر إليه من شقاوة أو سعادة (٥).قوله تعالى: «(يلقّاه منشورا)» قرأ أبو جعفر بضمّ الياء وفتح اللام وتشديد القاف، يعني يلقى الإنسان ذلك
стр. 1580
الكتاب الذي يؤتى، وقرأ الباقون بالتخفيف؛ أي يراه منشورة فيه حسناته وسيئاته.
قال ابن عباس: (يعطى المؤمن كتابا بيمينه وهي صحيفته، يقرأ فيها حسناته وسيّئاته في بطنها: عملت كذا، وقلت كذا في سنة كذا، في شهر كذا، في يوم كذا، في ساعة كذا، في مكان كذا. فإذا انتهى إلى أسفلها قيل له: قد غفر الله لك، اقرأ ما في ظاهرها، فيقرأ حسناته فيسرّه ما يرى فيها، ويشرق لونه عند ذلك ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ (١)).
قال: (ويعطى الكافر كتابه بشماله، فيقرأ حسناته في باطنها، فيجد عملت كذا في سنة كذا، في شهر كذا، في يوم كذا، في ساعة كذا. فإذا انتهى إلى آخرها قيل له:
هذه حسناتك قد ردّت عليك، اقرأ ما في ظاهر كتابك، فيرى ما في ظاهر كتابه كلّ سيّئاته، كلّ صغيرة وكبيرة، فيسودّ وجهه وتزرقّ عيناه، ويقول عند ذلك ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ، وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ (٢)).
قوله تعالى: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ؛﴾ أي يقال له: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ﴾،قال الحسن: (يقرؤه أمّيّا كان أو غير أمّيّ)،وقال قتادة: (يقرؤه يومئذ من لم يكن قارئا) (٣).قوله تعالى:
﴿كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ (١٤)؛أي محاسبا، وإنما جعل محاسبا لنفسه؛ لأنه إذا رأى أعماله كلّها مكتوبة، ورأى خير أعماله مكتوبا لم ينقص من ثوابه شيء، ولم يزد على عقابه شيء كفاه ذلك في الحساب، وكان الحسن يقول: (يا ابن آدم لقد عدل عليك من جعلك لنفسك حسيبا).
قوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ؛﴾ أي منفعة هدايته راجعة إليه، ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها؛﴾ أي ومن ضلّ في الدّنيا، فإنّ وبال ضلاله راجع إليه، ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى؛﴾ أي لا يحمل أحد حمل غيره، فلا يؤخذ بذنب غيره، ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١٥)؛إقامة للحجّة، وقطعا للعذر.