← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

تعالى في الفتية ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ (١) ... إلى آخر القصّة، وأنزل الله ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ (٢) ... إلى آخر القصّة، وأنزل الله في الرّوح ﴿(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ... )﴾ الآية، وإنّما سألته اليهود عن الرّوح لأنّه ليس في التّوراة قصّته ولا تفسيره، وليس فيها إلاّ ذكر اسمه الرّوح) (٣). وقال سعيد بن جبير: (لم يخلق الله خلقا أعظم من الرّوح غير العرش، لو شاء أن يبلع السّماوات السّبع والأرض السّبع ومن فيهما بلقمة فعل، صورة خلقه على صورة الملائكة، وصورة وجهه على وجه الآدميّين، ولولا أنّ بينه وبين الملائكة سترا من نور لاحترقت السّماوات من نوره). ويقال: أراد بالرّوح روح الحيوان وهو ظاهر الكلام، وفي روح الحيوان خلاف بين العلماء، وكلّ حيوان فهو روح وبدن، وروح الحيوان جسم رقيق على بنية حيوانيّة، في كلّ جزء منها حياة. قوله تعالى: ﴿(قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)﴾ أي من الأمر الذي لا يعلمه إلا ربي، وإنما لم يجبهم عن ذلك؛ لأن اليهود هم الذين سألوه عن الروح، وكان في كتابهم أنه إن أجابهم عن الروح فليس بنبيّ! فلم يجبهم تصديقا لما في كتابهم، وكانت المصلحة في هذا أن لا يعرّفهم الروح من جهة النصّ، بل يكلّمهم في تعريفه إلى ما في عقولهم، لما في ذلك من الرياضة باستخراج الفائدة. وقال بعضهم: هو الدم! ألا ترى أنه من نزف دمه مات، والميت لا يفقد من جسمه إلا الدم. وزعم قوم: أن الروح هو استنشاق الهواء، ألا ترى أن المخنوق ومن منع استنشاق وشمّ الهواء يموت. وقال بعض الحكماء: إن الله خلق الروح من ستّة أشياء: من جوهر النّور والطّيب والهواء لبقاء الحياة والعلم والعلوّ، ألا ترى أنه ما دام في الجسد كان الجسد

стр. 1612

نورانيا تبصر العينان، وتسمع الأذنان، ويكون طيّبا، فإذا خرج انتنّ الجسد، ويكون باقيا فإذا زايلته الروح صار فانيا، ويكون حيّا وبخروجه ميتا، ويكون عالما فإذا خرج منه الروح صار سفليّا باليا. والاختيار من هذه الأقوال: أنه جسم لطيف يوجد فيه الحياة! بدليل قوله تعالى في صفة الشّهداء: ﴿أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ﴾ (١) والأرزاق والفرح من صفة الأجسام، والمراد بهذا أرواحهم؛ لأن أجسادهم قد بليت في التراب، وكذلك قوله ﷺ : [إنّ أرواح الشّهداء تعلّق في شجرة من الجنّة، وتأوي إلى قناديل معلّقة تحت العرش] (٢) وهذا لا يكون إلا في جسم، ولا يتأتّى ذلك في الأعراض كما زعمت المعتزلة والنجارية (٣):أن الروح عرض، وهو مردود بما ذكرناه. وعن ابن عبّاس: (أنّ الرّوح إذا خرج مات الجسد، وصار الرّوح صورة أخرى لا تطيق الكلام؛ لأنّ الجسد جرم، والرّوح يصوّت من جوفه ويتكلّم، فإذا فارق الجسد صار الجسد صفرا (٤)،وصار الرّوح صورة أخرى ينظر النّاس سكونه، ويغسلونه ويدفنونه ولا يستطيع أن يتكلّم، كما أنّ الرّيح إذا دخل في مكان ضيّق سمعت له دويّا، فإذا خرج منه لم تسمع له صوتا، وكذلك المزامير، فأرواح المؤمنين ينظرون إلى الجنّة ويجدون ريحها، وأرواح الكفّار يعذبون في قبورهم). وهذا الذي ذكرناه كلّه في تفسير الروح عند التحقيق من التكلّف؛ لأن الله سبحانه أبهم علم ذلك، قال عبد الله بن يزيد: (ما بلغ الإنس والجنّ والملائكة والشّياطين علم الرّوح، ولقد مات رسول الله ﷺ وما يدري ما الرّوح، ولم يخبر الله

стр. 1613

أحدا من خلقه به، ولم يعط أحدا علمه من عباده، فقال: ﴿(قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)﴾ أي من علم ربي وإنّكم لا تعلمونه). قوله تعالى: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٨٥)؛أي وما أوتيتم من العلم المنصوص عليه، إلا قليلا من كثير بحسب حاجتكم إليه، قل: فالروح من المتروك الذي لا يصلح النصّ عليه لأمور من الحكمة تقتضي تركه. والخطاب لليهود، وذلك أن رسول الله ﷺ لمّا قرأ هذه الآية على اليهود، قالوا: أوتينا التوراة وفيها الحكمة، ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾،فأعلمهم الله أنّ علم التوراة قليل في علم الله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ﴾ (١). قوله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ؛﴾ أي لو شئنا لمحونا القرآن من القلوب والكتب، وأنسينا ذكره كيلا يوجد له أثر، ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً﴾ (٨٦)؛تتوكّل عليه في ردّ شيء منه، وقوله تعالى: ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ؛﴾ أي لكن لا نشاء ذلك إلا رحمة من ربك، فأثبت ذلك في قلبك وقلوب المؤمنين. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً﴾ (٨٧)؛أي حيث اختارك للنبوّة، واصطفاك للرسالة، وخصّك بالوحي والقرآن، وجعلك سيّد ولد آدم، وختم بك الأنبياء، وأعطاك المقام المحمود. وعن رسول الله ﷺ : أنّه خرج وهو معصوب الرّأس من وجع، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: [يا أيّها النّاس، ما هذه الكتب الّتي تكتبون؟ أكتاب غير كتاب الله، كلّ من كتب كتابا غير كتاب الله يوشك أن يغضب الله عليه لكتابه، ولا يدع ورقا ولا قلبا إلاّ أخذ منه] قالوا: يا رسول الله فكيف بالمؤمنين والمؤمنات يومئذ؟ قال: [من أراد الله به خيرا بقي في قلبه لا إله إلاّ الله] (٢).

стр. 1614

وعن عبد الله بن مسعود: (إنّ أوّل ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون من دينكم الصّلاة، وليصلّينّ أقوام ولا دين لهم، وإنّ هذا القرآن ليصبحنّ وما فيكم منه شيء) فقال رجل: كيف يكون ذلك يا أبا عبد الرّحمن وقد أتقنّاه في قلوبنا، وأثبتناه في مضاجعنا، نعلّمه آباءنا وأبناءنا إلى يوم القيامة؟ قال: (يسري به في ليلة فيذهب ما في المصاحف وما في القلوب. وقرأ عبد الله: ﴿(وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ)﴾ (١). وعن عبد الله قال: (أكثروا الطّواف بالبيت قبل أن يرفع وتبني النّاس مكانه، وأكثروا من تلاوة القرآن قبل أن يرفع) فقيل: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور الرّجال؟ قال: (يسري عليه ليلا فتصبحوا منه فقراء، وتنسون قول لا إله إلاّ الله، وتقعون في قول الجاهليّة وأشعارهم) (٢). وعن عبد الله بن عمرو قال: (لا تقوم السّاعة حتّى يرتفع القرآن من حيث نزل به، له دويّ كدويّ النّحل، فيقول الرّبّ : ما بالك؟ فيقول: يا رب منك خرجت وإليك أعود، أتلى ولا يعمل بي) (٣). قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ؛﴾ هذا تكذيب للنّضر بن الحارث حين قال: لو نشاء لقلنا مثل هذا، والمعنى: قل لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله في حسن النّظم، وجودة اللفظ، وجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة لا يأتون بمثله. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (٨٨)؛أي أعوانا، وأما رفع ﴿(لا يَأْتُونَ)﴾؛فلأنّ جواب القسم غالب على جواب ﴿(أَنْ)﴾ لوقوعه في صدر الكلام.

стр. 1615

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ؛﴾ أي من التخويف والتّرغيب، ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ (٨٩) وامتنع أكثرهم؛ أي أكثر أهل مكّة إلا جحودا وإنكارا للحقّ. قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ (٩٠) روى عكرمة عن ابن عبّاس: (أنّ عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبا سفيان، والنّضر بن الحارث، وأبا جهل بن هشام، والأسود بن المطّلب، وربيعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل، وأبيّ بن خلف، والعاص بن وائل وغيرهم، اجتمعوا بعد غروب الشّمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمّد، وكلّموه وخاصموه. فبعثوا إليه أنّ أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلّموك. فجاء إليهم النّبيّ ﷺ سريعا يظنّ أنّه بدا لهم في أمره شيء، فجلس إليهم فقالوا: يا محمّد والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدّين، وسفّهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرّقت الجماعة. فما أمر قبيح إلاّ وقد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنّما جئت بهذا الحديث تطلب مالا، جمعنا لك من أموالنا حتّى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تطلب به الشّرف فينا سوّدناك علينا، وإن كان هذا الّذي بك تابع من الجنّ، بذلنا أموالنا في طلب الطّب لك حتّى نبريك منه! فقال ﷺ : [ما بي ما تقولون، ما جئتكم به لطلب أموالكم ولا الشّرف عليكم، ولكنّ الله تعالى بعثني رسولا وأنزل عليّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلّغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا منّي ما جئتكم به فهو حظّكم من الدّنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر على ما أمر الله حتّى يحكم الله بيني وبينكم]. فقالوا: يا محمّد فإن كنت غير قابل منّا ما عرضنا عليك، فقد علمت أنّه ليس من النّاس أحد أضيق بلادا ولا أقلّ منّا، فاسأل لنا ربّك الّذي بعثك إلينا أن يسيّر عنّا هذه الجبال الّتي ضيّقت علينا، ويبسط لنا بلادنا ويجري لنا فيها أنهارا كأرض الشّام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن ممّن يبعث لنا قصيّ بن

стр. 1616

كلاب فإنّه كان شيخا صدوقا، فنسألهم عن ما تقول: أحقّ هو أم باطل؟ فإن صنعت لنا ما سألناك وصدّقوك صدّقناك، وعرفنا بذلك منزلتك عند الله بأنّه بعثك رسولا كما تقول. فقال ﷺ : [ما بهذا بعثت، إنّما جئتكم من عند الله بما بعثني]. قالوا: وإن لم تفعل هذا فاسأل ربّك يبعث ملكا يصدّقك، ويعينك عمّا نرى بك، فإنّك تقوم في الأسواق تتلمّس المعاش. فقال ﷺ : [ما أنا بالّذي يسأل الله هذا، ولكنّ الله بعثني بشيرا ونذيرا]. قالوا: فأسقط السّماء كما زعمت علينا كسفا، كما زعمت أنّ الله ما شاء فعل! فقال ﷺ : [ذلك إلى الله، إن شاء فعله بكم] فقالوا: قد أعذرنا إليك يا محمّد، أما والله ما نتركك وما فعلت بنا حتّى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائل منهم: لن نؤمن حتّى تأتي بالله والملائكة قبيلا. فلمّا قالوا ذلك قام النّبيّ ﷺ ، فقام معه عبد الله بن أميّة المخزوميّ، وهو ابن عمّته عاتكة بنت عبد المطّلب، فقال له: يا محمّد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبل منهم، ثمّ سألوك أمورا لأنفسهم؛ ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل، ثمّ سألوك أن تعجّل لهم ما خوّفتهم به من العذاب فلم تفعل، فو الله لا أؤمن بك أبدا حتّى تتّخذ سلّما إلى السّماء، ثمّ ترقى فيه وأنا أنظر حتّى تلج بابها، أو تأتي معك بنسخة منشورة، ونفر من الملائكة يشهدون أنّك نبيّ كما تقول، وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أنّي لا أصدّقك. ثمّ رجع رسول الله ﷺ إلى منزله حزينا لما ناله من سفاهة قومه وتباعدهم من الله، فقال أبو جهل حين قام رسول الله ﷺ : يا معشر قريش إنّ محمّدا قد أتى إلى ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وتتبيب آلهتنا، إنّي أعاهد الله لأجلس له بحجر غدا قدر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه. فأنزل الله هذه الآية ﴿(وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً)﴾ (١).

стр. 1617

قرأ أهل الكوفة ﴿(تَفْجُرَ)﴾ مخففة بفتح التاء وضمّ الجيم، واختاره أبو حاتم؛ لأن الينبوع واحد، وقرأ الباقون بالتشديد، ولم يختلفوا في الثاني أنه مشدّد لأجل أنّها جمع. وذلك أنّهم لمّا عجزوا عن الإتيان بسورة مثل القرآن وانقطعت حجّتهم، جعلوا يقترحون من الآيات ما ليس لهم، مع أن الذي أتاهم به رسول الله ﷺ من القرآن، وانشقاق القمر، وغير ذلك من دلائل النبوّة، كان أبلغ في الدلالة مما اقترحوه من تفجير الينبوع وغير ذلك. والينبوع: عين تفور بالماء، وأراد بقوله ﴿(مِنَ الْأَرْضِ)﴾ أرض مكّة. قوله تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ؛﴾ فتشقّق، ﴿الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً﴾ (٩١)؛في وسط ذلك البستان تشقيقا. قوله تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً؛﴾ من قرأ بسكون السّين؛ أي قطعا، فجمع الكثير كسدرة وسدر، وقيل: أراد جانبا. ومن قرأ ﴿(كِسَفاً)﴾ بفتح السين فهو جمع القليل؛ أي جمع كسفة، يقال: أعطني كسفة من هذا الثوب؛ أي قطعة منه، والكسوف هو انقطاع النّور. قوله تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ (٩٢)؛قال قتادة والضحّاك: (عيانا)،والمعنى: تأتي بهم حتى نراهم مقابلة ونشاهدهم، ويشهدون على صدق دعواك. قوله تعالى: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ؛﴾ أي من ذهب، والزّخرف في الأصل هو الزّينة كما في قوله تعالى ﴿حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ﴾ (١) أي بزينتها. قوله تعالى: ﴿أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ؛﴾ معناه: أو تصعد، ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ؛﴾ أي لن نصدّقك مع ذلك، ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً؛﴾ تأتينا بكتاب من الله، ﴿نَقْرَؤُهُ؛﴾ أنّك رسول من الله إلينا. قوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: تنزيها لربي عن المقابلة التي وصفتم، فإنّ العارف بالله يعلم أنه لا يجوز المقابلة على الله. قوله تعالى:

стр. 1618

﴿هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً﴾ (٩٣) أي ما كنت إلا بشرا رسولا كسائر الرّسل، فلا أقدر على الإتيان بالآيات المقترحة، كما لم يقدر عليها من قبلي من الأنبياء. قرأ ابن مسعود «(أو يكون لك بيت من ذهب)» قال مجاهد: (كنت ما أدري ما الزّخرف حتّى رأيته في قراءة ابن مسعود).قوله تعالى: ﴿(قُلْ سُبْحانَ رَبِّي)،﴾ قرأ أهل مكّة والشام: «(قال سبحان ربي)» يعني محمّدا ﷺ . قوله تعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً﴾ (٩٤)؛أي ما صرف الناس إذ جاءهم الهدى إلاّ شبهة أدخلوها على أنفسهم، يعني قولهم ﴿(أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً)﴾ وهذه شبهة ضعيفة، ويعجب منهم في غير التعجّب، ومرادهم هلاّ بعث الله بشرا رسولا؟ فأجابهم الله ب قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ؛﴾ أي لو كان في الأرض ملائكة يمشون على أقدامهم مقيمين في الأرض كما أنتم مقيمون فيها، ﴿لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً﴾ من جنسهم، ﴿رَسُولاً﴾ (٩٤)؛ كما أرسلنا إليكم بشرا من جنسكم رسولا، لأن الملك إنما يبعث إلى الملائكة. قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ؛﴾ فإن الله يشهد لي بالنبوّة في القرآن، وأنتم تنكرون نبوّتي، ﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ (٩٦)؛بأحوالهم. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ؛﴾ أي من يوفّقه الله لدينه بالطاعة فهو المهتدي، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ؛﴾ أي من يخذلهم عن دينه، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ﴾ يهدونهم من دون الله. قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً؛﴾ عما يسرّهم، ﴿وَبُكْماً؛﴾ عما ينفعهم، ﴿وَصُمًّا؛﴾ عما يمنعهم. وقيل: يحشرون في أول الحشر عميا وبكما وصمّا على هذه الصفة، ثم تزول هذه الصفات عنهم فيرون ويتكلّمون ويسمعون كما قال الله تعالى: ﴿وَرَأَى﴾

стр. 1619

﴿الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا﴾ (١) وقال ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ (٢) وقال ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً﴾ (٣).ويقال: إنه لم يرد بالحشر في هذه الآية الحشر عن القبر، وإنما أراد به الحشر عن موضع المحاسبة، فإنّهم يسحبون عن ذلك الموضع على وجوههم على هذه الصّفات. وعن أنس: أنّ رجلا قال: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال: [إنّ الّذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه] (٤). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [يحشر النّاس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف مشاة، وصنف ركبان، وصنف على وجوههم] قيل: يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: [إنّ الّذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، يتّقون بوجوههم كلّ حدب وشوك] (٥). قوله تعالى: ﴿مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ؛﴾ أي مصيرهم إليها. وقوله تعالى: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً﴾ (٩٧)؛أي كلّما سكن لهبها من جانب زدناها اشتعالا من جانب آخر، يقال للنار اذا سكن لهبها: خمدت، فإذا أطفئت ولم يبق فيها شيء من النار قيل: همدت، وقال ابن عبّاس: (معنى قوله تعالى ﴿(خَبَتْ)﴾ أي سكنت) (٦)،وقال مجاهد: (طفئت)،وقال قتادة: (لانت وضعفت)،وقوله تعالى: ﴿(زِدْناهُمْ سَعِيراً)﴾ أي وقودا. ثم بيّن الله تعالى لماذا يزدادون سعيرا، فقال تعالى: ﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا؛﴾ أي ذلك العذاب جزاء كفرهم بدلائلنا، وإنكارهم للبعث، وهو قولهم: ﴿وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ (٩٨).

стр. 1620

قوله تعالى: ﴿*أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ؛﴾ في صغرهم وضعفهم، ونظير هذا قوله ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ (٢) ولأنّ من قدر على خلق الأكبر علم أنه قادر على خلق الأصغر، فإذا قدر على خلق أمثالهم قدر على إعادتهم. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ؛﴾ أي جعل لإعادتهم وقتا لا شكّ فيه أنه كائن، ﴿فَأَبَى الظّالِمُونَ إِلاّ كُفُوراً﴾ (٩٩)؛جحودا مع وضوح الدلالة والحجج. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً﴾ (١٠٠)؛جواب لقولهم: ﴿(لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً)﴾ المعنى: لو أنتم تملكون مقدورات رحمة ربي إذا لأمسكتم لأنفسكم مخافة أن يفنى بالإنفاق ولا يبقى لكم، وقوله تعالى: ﴿(خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ)،﴾ أي خشية الفقر والحاجة، وقيل: خشية أن ينفقوا فيفتقروا. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ؛﴾ أي تسع دلالات واضحات، قال ابن عبّاس: (هي العصا واللّسان، فإنّه كان في لسانه عقدة فرفعها الله، كما قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (٣) والبحر واليد، والآيات الخمس: وهي الطّوفان والجراد والقمّل والضّفادع والدّم) (٤).وقال محمّد بن كعب: (هذه الخمس والعصا واللّسان وانفجار الماء من الحجر، والطّمس كما قال ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ﴾ (٥)) (٦).وقيل: هي الخمس والعصى ويده والسّنون ونقص من الثمرات.

стр. 1621

قال محمّد بن كعب في الطّمس: (كان الرّجل منهم مع أهله في فراشه، وإذا قد صارا حجرين، وأنّ المرأة القائمة تخبز وقد صارت حجرا، وأنّ المرأة في الحمّام وأنّها لحجر، وكانت تنقلب الفواكه والفلوس والدّراهم والدّنانير أحجارا). وروي: أنّ يهوديّا قال لصاحبه: تعال حتّى نسأل هذا النّبيّ، فأتياه فسألاه عن هذه الآية ﴿(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ)﴾ قال: [لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم الله، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تأكلوا الرّبا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ليقتله، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تفرّوا من الزّحف، وعليكم خاصّة يا يهود أن لا تعدوا في السّبت] فقبّلوا يده وقالوا: نشهد أنّك نبيّ (١). قوله تعالى: ﴿فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ؛﴾ الخطاب للنبيّ ﷺ والمراد به غيره؛ لأنه ﷺ كان يقع له العلم من عند الله، فكان لا يحتاج في معرفة ذلك إلى الرّجوع إلى أهل الكتاب، فكأنّه تعالى قال: فاسأل أيها السامع وأيها الشّاكّ بني إسرائيل إذ جاءهم موسى بالبيّنات، قال ابن عباس: (فاسأل بني إسرائيل، يعني المؤمنين من قريظة والنّضير). قوله تعالى: ﴿فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً﴾ (١٠١)؛ أي إنّي لأظنّك يا موسى قد سحرت فلذلك تدّعي النبوة، وقيل: هذا مفعول بمعنى فاعل كأنه قال: إنّي لأظنك ساحرا، وقيل: المسحور المخدوع. قوله تعالى: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي قال موسى لفرعون: لقد علمت يا فرعون أنّ هذه الآيات لا تدخل في مقدور العباد، فلم ينزلها إلا ربّ السموات والأرض، ﴿بَصائِرَ؛﴾ أي حججا للناس يبصرون بها في أمر دينهم، ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ (١٠٢)؛وإني لأعلم يا فرعون إنّك هالك، يقال: ثبر الرجل فهو مثبور؛ أي هالك، والظنّ قد يذكر بمعنى اليقين على ما تقدّم.

стр. 1622

وقرأ الكسائيّ «(لقد علمت)» بضمّ التاء، وهي قراءة عليّ (كرّم الله وجهه) وقال: (والله ما علم عدوّ الله، ولكن موسى هو الّذي علم) (١) فبلغ ذلك ابن عبّاس فقال: (إنّه ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ تصديقا لقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا﴾ (٢)).وقراءة النصب أصحّ وأشهر، وليست قراءة الضمّ مشهورة عن عليّ ﵁ ولا ثابتة، وإنما رواها عنه رجل مجهول لا يعرف، ولا تمسّك بها أحد من القرّاء غير الكسائيّ. وقوله تعالى: ﴿(مَثْبُوراً)﴾ قال ابن عبّاس: (مغلوبا) (٣)،وقال مجاهد: (هالكا) (٤)، وقيل: مخبّلا لا عقل لك، وقيل: بعيدا من الخيرات، وقيل: سلاخا (٥) في القطيفة، قال مجاهد: (دخل موسى على فرعون وعليه قطيفة، فألقى عصاه فرأى فرعون ثعبانا ففزع وأحدث في القطيفة) (٦). وروى أبو سعيد الجوهريّ قال: (كنت قائما على رأس المأمون وهو يناظر رجلا وهو يقول: يا مثبور، ثمّ أقبل إليّ فقال: ما معنى ﴿(مَثْبُوراً)﴾؟ قلت: لا أدري، فقال: حدّثني الرّشيد قال: حدّثني المهدي قال: كنت جالسا عند أمير المؤمنين المنصور، فسمعته يقول لرجل: يا مثبور، فقلت: يا أمير المؤمنين ما معنى يا مثبور؟ قال ميمون: قال ابن عبّاس في قوله تعالى ﴿(يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً)﴾ ما مثبورا؟ قال: ناقص العقل). قوله تعالى: ﴿فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ؛﴾ أي فأراد فرعون أن يزعج بني إسرائيل، ويخرجهم من أرض مصر قهرا. والاستفزاز: هو الخوف بالشدّة، ويجوز أن يكون المراد به أنه قصد قتلهم، ﴿فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً﴾ (١٠٣)؛

стр. 1623

أي أمرنا موسى وقومه بالخروج من مصر، فتبعه فرعون وقومه، فجعلنا في الماء طريقا يابسا، فجاوز موسى وقومه البحر، فتبعهم فرعون وقومه، فأطبقنا الماء عليهم حتى غرقوا كلّهم. قوله تعالى: ﴿وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ؛﴾ من بعد هلاك فرعون، ﴿لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ؛﴾ الشّام وأرض مصر، وأورث بني إسرائيل مساكنهم وديارهم، وفي هذا تسلية للنبيّ ﷺ أنه يفعل به وبالمشركين ما فعل بموسى وعدوّه، فأظهر الله النبيّ ﷺ على المشركين، وردّه إلى مكّة ظافرا عليها. قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ (١٠٤)؛يعني يوم القيامة جئنا بكم جميعا؛ أي أتينا بكم من كلّ قبيلة، واللّفيف: الجماعات من قبائل شتّى، وقيل: جئنا بكم مختلطين لا تتعارفون، والمعنى: جئنا بكم من قبوركم إلى المحشر أخلاطا، يعني جميع الخلق، المسلم والكافر والبرّ والفاجر. قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ؛﴾ يعني القرآن، ويجوز أن تكون الهاء كناية عن جبريل، فإن الله أنزله بالقرآن، ونزل هو به. قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ (١٠٥)؛أي بشيرا لمن أطاع بالجنّة، ومخوّفا بالنّذر للكفار. قوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ؛﴾ معناه: وأنزلنا قرآنا فرّقناه شيئا بعد شيء، فإنه كان ينزل منه شيء، ثم يمكثون ما شاء الله، ثم ينزل منه شيء آخر، وكان بين أوّله وآخره عشرون سنة. وقوله تعالى: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ؛﴾ أي على تثبّت وتوقّف ليفهموه بالتأمّل، ويعملوا ما فيه بالتفكّر، وهو معنى قوله تعالى ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ (١).قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾ (١٠٦)؛تأكيدا لأنزلناه مرّة بعد مرة لعظم شأنه.

стр. 1624

قوله تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا؛﴾ أي قل يا محمّد لأهل مكّة: آمنوا بالقرآن أو لا تؤمنوا، وهذا وعيد لهم؛ أي إن آمنتم وإن لم تؤمنوا، فالله غنيّ عنكم وعن إيمانكم، وإيمانكم لا ينفع غيركم، وكفركم لا يضرّ سواكم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ؛﴾ أي من قبل نزول القرآن، والمراد بهم مؤمنو أهل الكتاب، ﴿إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ؛﴾ القرآن، ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ؛﴾ أي يقعون على وجوههم ﴿سُجَّداً﴾ (١٠٧)،لله، والمراد بالأذقان الوجوه، كذا قال ابن عبّاس. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً﴾ (١٠٨)؛أي يقولون في سجودهم: تنزيها لله عما لا يليق به، وقد كان وعد ربنا كائنا لا محالة. وهؤلاء الذين سجدوا كانوا يسمعون أنّ الله يبعث نبيّا من العرب وينزّل عليه كتابا، فلما سمعوا القرآن سجدوا لله وحمدوه على إنجاز الوعد ببعث الرسول والكتاب، وقالوا: قد كان وعد ربنا مفعولا. قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ؛﴾ أي يسقطون على الوجوه يبكون في السّجود، ﴿وَيَزِيدُهُمْ؛﴾ البكاء في السّجود، ﴿خُشُوعاً﴾ (١٠٩)؛ إلى خشوعهم؛ لأن مخافتهم الله داعية إلى طاعته، والإخلاص في عبادته. وفي الآية دليل على أنّ البكاء في الصّلاة من خوف الله لا يقطع الصلاة؛ لأن الله مدحهم عليه. وعن رسول الله ﷺ [أنّه كان يصلّي، فيسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء] (١).وعن عبد الله بن شدّاد قال: (كنت أصلّي خلف عمر ﵁ صلاة الصّبح، وكان يقرأ سورة يوسف حتّى إذا بلغ ﴿إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ (٢) سمعت نشيجه، وأنا في آخر الصّفوف).

стр. 1625

قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ؛﴾ فقال ابن عبّاس: (تهجّد رسول الله ﷺ ذات ليلة بمكّة، فجعل يقول في سجوده: [يا الله يا رحمان].فقال أبو جهل: إنّ محمّدا ينهانا أن نعبد الهين وهو يدعو إلها آخر مع الله يقال له الرّحمن! وهم لا يعرفون الرّحمن، فأنزل الله هذه الآية) (١). ومعناها: قل يا محمّد: ادعوا الله يا معشر المؤمنين، أو ادعوا الرّحمن، إن شئتم فقولوا: يا رحمان، وإن شئتم فقولوا: يا الله يا رحمان؛ ﴿أَيًّا ما تَدْعُوا،﴾ أيّ أسماء الله تدعوه بها، ﴿فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى،﴾ فأسماؤه كلّها حسنة فادعوه بصفاته. وقوله تعالى: ﴿(أَيًّا ما تَدْعُوا)﴾ قال بعضهم: (ما) في هذا صلة، ومعناها التأكيد، تقديره: أيّا تدعون، ومثله: عمّا قليل، وخذ ما هنالك، و ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت بمكّة، كان النّبيّ ﷺ إذا صلّى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمعه المشركون سبّوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، ولعبوا وصفّقوا وصفّروا ولغطوا، كلّ ذلك ليغلطوا رسول الله ﷺ ، وكانوا به يؤذونه، وإذا خافت بالقراءة لم يسمعه أصحابه، فأنزل الله هذه الآية) (٣).أي لا تجهر بقراءتك في الصّلاة فيسمعها المشركون فيؤذونك، ولا تخافت بها فلا يسمعها أصحابك. وقال الحسن: (معناه: ولا تجهر بقراءتك في الصّلاة كلّها ولا تخافت بها في الصّلاة كلّها، ولكن اجهر بها في بعض الصّلوات، وخافت بها في بعض الصّلوات). وسأل رسول الله ﷺ أبا بكر عن قراءته باللّيل، فقال: (أخافت بها كي لا أوذي جاري، أناجي ربي وقد علم بحاجتي، فقال ﷺ [أحسنت] وسأل عمر ﵁ عن قراءته باللّيل فقال: أرفع صوتي أوقظ الوسنان وأطرد الشّيطان، فقال: [أحسنت] فلمّا نزلت هذه الآية قال لأبي بكر: [زد في صوتك] وقال لعمر: [انقص من

стр. 1626

صوتك] (١) ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ (١١٠).وعن ابن عباس أن معنى الآية: (لا تصلّ مراءاة للنّاس ولا تدعها مخافة للنّاس) (٢).وسئل رسول الله ﷺ عن أحسن الناس قراءة؟ فقال: [الّذي إذا سمعت قراءته رأيت أنّه يخشى الله تعالى] (٣). قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً؛﴾ فيرثه؛ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ،﴾ يعاونه عليه، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ،﴾ أي من أهل الذل وهم اليهود والنصارى، يودون إخراج رءوسهم ويقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه. وقال مجاهد: (معناه: لم يحالف، ولم يبتغ نصر أحد) (٤) والمعنى أنه لا يحتاج إلى موالاة أحد لذل يلحقه فهو مستغن عن الولي والنصير. وقوله تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ (١١١)؛أي عظّمه عظمة تامة عن أن يكون له شريك أو ولي وصفه بأنه أكبر من كل شيء، وأنه القادر الذي لا يعجزه شيء، العالم الذي لا يخفى عليه شيء، الغنيّ عن كل شيء. معتقدا لذلك بقلبك، عاملا على أمره فيما أمرك. وعن رسول الله ﷺ [أنّه كان إذا أفصح الولد من بني عبد المطّلب علّمه هذه الآية ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً .. ﴾. الآية] (٥). وروي أنّ رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنّي كثير الدّين كثير الهمّ، فقال: [اقرأ آخر سورة بني إسرائيل ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ .. ﴾. إلى آخر السّورة، ثمّ قل: توكّلت على الّذي لا يموت ثلاث مرّات] (٦).

стр. 1627

وعن ابن عباس أنه قال: (من قرأ سورة بني إسرائيل في سفر أو حضر إيمانا واحتسابا ضرب الله عليه سورا من حديد من الغرق والحرق والبرق).وعن عبد الحميد أنه قال: (من قرأ آخر بني إسرائيل، كتب الله له من الأجر مثل السّماوات السّبع والأرضين السّبع، والبحار والجبال). آخر تفسير سورة (الإسراء) والحمد لله رب العالمين انتهى الجزء الثاني من المخطوط وفيه كتب الناسخ فاصلة الجزء الثالث من تفسير القرآن العظيم إلى مؤلفه الفاضل الهمام شيخ الإسلام الطبراني الكبير نفع الله به جميع العالمين

стр. 1628

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه التّوفيق والإعانة سورة الكهف سورة الكهف مكّيّة غير آيتين منها ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ إلى آخرهما، وعدد حروفها ستّة آلاف وثلاثمائة وستّون حرفا، وكلماتها ألف وخمسمائة وسبع وسبعون كلمة، وآياتها مائة وعشر آيات عند الكوفيّين، وأحد عشر عند البصريّين. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ؛﴾ أي الذي أنزل على عبده محمّد ﷺ القرآن؛ ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾ (١)؛أي لم يجعله ملتبسا لا يفهم، ومعوجّا لا يستقيم. قوله تعالى: ﴿قَيِّماً؛﴾ أي مستقيما عدلا؛ أي مستويا قيما على الكتب كلّها ناسخا لشرائعها. قوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ؛﴾ أي لينذر العبد الذي أنزل عليه الكتاب بأسا شديدا؛ أي لينذر الكفّار عذابا شديدا من عند الله. قوله تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ (٢) أي ثوابا حسنا في الجنة؛ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً﴾ (٣)؛أي مقيمين في ذلك الأجر خالدين فيه. قوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ (٤)؛وهم قريش واليهود والنصارى، فإنّ قريشا قالوا: الملائكة بنات الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله. قوله تعالى: ﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ؛﴾ أي هم وآباؤهم كلّهم مقلّدين ليس لهم على ذلك بيان ولا حجّة، بل قالوا جهلا. قوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ﴾

стр. 1629

﴿كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ؛﴾ أي كبرت مقالتهم تلك كلمة تخرج من أفواههم ما؛ ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً﴾ (٥)؛و ﴿(كَلِمَةً)﴾ نصب على التمييز، وإنّما كبرت هذه الكلمة؛ لأن صاحبها يستحقّ بها العذاب، ومن ذلك سميت الكبيرة كبيرة؛ لأن عقابها يزيد على استطاعة صاحبها. قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا؛﴾ فيه نهي للنبيّ ﷺ من إهلاك نفسه حزنا عليهم بسبب إعراضهم عن الإيمان لشدّة شفقته عليهم، وحقيقة الأسف الحزن على من فات. ومعنى الآية: فلعلّك قاتل نفسك، يقال بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظا من شدّة حزنه على الشيء أو وجده بالشيء، وقوله تعالى: ﴿(عَلى آثارِهِمْ)﴾ أي من بعدهم، يعني من بعد تولّهم وإعراضهم عنك إن لم يؤمنوا، ﴿بِهذَا الْحَدِيثِ؛﴾ يعني القرآن، وقوله تعالى: ﴿أَسَفاً؛﴾ (٦) أي حزنا. قوله تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها؛﴾ أي جعلنا جميع ما على الأرض من الأشجار والثّمار والنبات والمياه والذهب والفضة والحيوان لهم منها زينة للأرض، وجعلناها محفوفة بالشّهوات. قوله تعالى: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (٧)؛أي لنأمرهم فننظر أيّهم أعمل بطاعة الله هذا أم هذا. قال الحسن: (أيّهم أزهد في الدّنيا وأترك لها) (١). وقال مقاتل: (أيّهم أصلح فيما أوتي من المال، ويحسن العمل، ويزهد في ما زيّن له من الدّنيا). ثم بيّن الله تعالى أنه يعني ذلك كلّه؛ فقال تعالى: ﴿وَإِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً﴾ (٨)؛أي يجعل ما عليها من الحيوان والنّبات ترابا يابسا مستويا على الأرض، والجرز الأرض التي لا ماء فيها ولا نبات، ويقال: سنة جرزا إذا كانت حرّة. قال عطاء: (يريد يوم القيامة يجعل الله الأرض جرزا لا ماء فيها ولا نبات).

стр. 1630

قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً﴾ (٩)؛أي لم يكونوا بأعجب، فقد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك. قال الزجّاج: (أعلم الله أنّ قصّة أهل الكهف ليست بعجيبة؛ لأنّ خلق السّماوات والأرض وما بينهما أعجب من قصّة أصحاب الكهف). والكهف: الغار في الجبل، والرّقيم: قيل: هو واد دون فلسطين، وهو الوادي الذي فيه أصحاب الكهف، وقيل: الرقيم لوح من حجارة، وقيل: من رصاص كتبوا فيه أسماء أهل الكهف وقصّتهم ثم وضعوه على باب الكهف وهو على هذا التأويل بمعنى المرقوم؛ أي المكتوب، والرقيم: الخطّ والعلامة، والرقيم: الكتابة. قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ قريشا بعثوا خمسة رهط إلى اليهود يسألونهم عن أمر رسول الله ﷺ قالوا لهم: إنّه يزعم أنّه نبيّ مرسل واسمه محمّد، وهو فقير يتيم وبين كتفيه خاتم، وإنّا نزعم أنّه يتعلّم من مسيلمة، فإنّه يقول: أنا مرسل من عند الرّحمن، ونحن لا نعرف الرّحمن إلاّ رحمان اليمامة-يعنون مسيلمة-. فلمّا أتى هؤلاء الرّهط المدينة، أتوا أحبار اليهود وعلمائهم فسألوا عنه ووصفوا لهم صفته وخاتمه، قالوا: نحن نجده في التّوراة كما وصفتموه، ولكن سلوه عن ثلاث خصال، فإن كان نبيّا أخبركم بخصلتين، ولم يخبركم بالثّالثة؟ فإنّا سألنا مسيلمة عن هذه الخصال فلم يدر ما هي، وأنتم سلوه عن خبر ذي القرنين، وعن الرّوح، وعن أصحاب الكهف. فرجعوا وأخبروا قريشا بذلك، فسألوا النّبيّ ﷺ فقال: سأخبركم غدا، ولم يقل إن شاء الله. فأبطأ عليه جبريل خمس عشرة ليلة، وشقّ ذلك على رسول الله ﷺ ، ثمّ نزل جبريل بهذه الآية ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً، إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ (١)) (٢).

стр. 1631

ثم أخبره عن أصحاب الكهف وحديث ذي القرنين وخبر أمر الرّوح، وحدّثه أن مدينة بالروم كان فيها ملك كافر يدعو إلى عبادة الأوثان والنّيران، ويقتل من خالفه، وفي المدينة شابّ يدعو إلى الإسلام سرّا، فتابعه فتية من أهل المدينة، ففطن بهم الملك فأخذهم، ودفعهم الى آبائهم يحفظونهم، فمرّوا بغلام راع، فبايعهم ومعه كلبهم حتى إذا أتوا غارا فدخلوه، وألقى الله عليهم النّوم سنين عددا، والملك طالب لهم لم يقف على أمرهم، وعمي عليه خبرهم، فسدّوا باب الكهف ليموتوا فيه إن كانوا هنالك. ثم عمد رجل إلى لوح رصاص، فكتب فيه أسماءهم وأسماء آبائهم ومدينتهم، وأنّهم خرجوا فرارا من دين ملكهم في شهر كذا في سنة كذا وألزقه بالسدّ، وكان السدّ في داخل الكهف، وذكر القصة إلى آخرها، فهذا اللوح الرصاص هو الرّقيم. فأخبر النبيّ ﷺ قريشا بذلك، فلما أتوا النبيّ ﷺ قول اليهود أخبرهم بخصلتين ولم يخبرهم بالثالثة، قال كفار قريش: ﴿سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ (١). وقال محمّد بن اسحاق: (كثرت في أهل الإنجيل الخطايا، وطغت الملوك حتى عبدوا الأصنام والأوثان، وفيهم بقايا على دين المسيح بن مريم متمسّكون بعبادة الله وتوحيده. وكان ممن فعل ذلك ملك من ملوكهم يقال له دقيانوس (٢)،وكان قد عبد الأصنام وذبح للطواغيت، فسار حتى دخل مدينة أهل الكهف وهي أقسوس. فلما دخلها عظم على أهل الإيمان، واستخفوا منه وهربوا إلى كلّ ناحية، فأراد دقيانوس أن يجمع له أهل الإسلام، واتخذ شرطا من الكفّار من أهلها وأمرهم باتباع المسلمين، وأحصرهم فجعلوا يتبعون المسلمين حتى أخذوهم ومضوا بهم الى دقيانوس، فخيّرهم بين القتل وبين عبادة الأوثان، فمنهم من رغب في الحياة، ومنهم من قال: لا أعبد غير الله؛ فقتله.

стр. 1632

فلما رأى ذلك أهل الإيمان جعلوا يصبرون للعذاب والقتل، فقتلهم وقطع لحومهم، وربطها على سور المدينة ونواحيها كلّها، وعلى كلّ باب من أبوابها حتى عظمت المحنة على المسلمين. فلما رأى الفتية ذلك قاموا وصلّوا واشتغلوا بالتسبيح والدّعاء إلى الله، وكانوا من أشراف الرّوم، وكانوا ثمانية نفر، فبكوا وتضرّعوا وجعلوا يقولون: ربّنا ربّ السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا، اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة وارفعها عنهم. فبينا هم كذلك إذ دخلوا عليهم الشّرط إلى مصلاّهم فوجدوهم سجودا يبكون ويتضرّعون إلى الله ويسألونه أن ينجيهم من دقيانوس وفتنته، فقالوا لهم: ما خلفكم من أمر الملك، انطلقوا اليه. ثم خرجوا من عندهم الى دقيانوس وأخبروه بخبرهم، وقالوا: أنت تجمع الجمع وهؤلاء الفتية يعصون أمرك، فأرسل إليهم الشّرط فأتوا بهم تفيض أعينهم من الدّمع، معفورة وجوههم بالتراب، فقال دقيانوس: ما منعكم أن تشهدوا الذبح للأصنام، وتعبدوها وتجعلوا أنفسكم كغيركم، اختاروا إمّا تعبدوا الأصنام مثل الناس، وإما أن نقتلكم. فقال مكسلمينا (١):إن لنا إلها تملأ السموات والأرض عظمته، لن ندعو من دونه إلها أبدا، ولن نفعل هذا الذي تدعونا إليه، ولكنّا نعبد الله ونسبحه ونحمده خالصا من أنفسنا، إياه نعبد وإياه نسأل النجاة، وأما الأصنام فلا نعبدها أبدا، اصنع بنا ما بدا لك) (٢). وقال الضحاك: (قال أصحاب مكسلمينا كلهم لدقيانوس مثل هذه المقالة، فقال دقيانوس: إنّي سأؤخّركم، وأمهلكم حتى تراجعوا عقولكم، واجعل لكم مدّة تتشاورون فيها، فإن أبيتم طاعتي وخالفتم أمري وقعت بكم العقوبة، وما منعني أن أعجّل قتلكم إلاّ أنّي أراكم شبابا جديدا شبابكم، فلا أحبّ أن أهلككم حتى أجعل

стр. 1633

لكم مدّة تنظرون فيها ما يصلح لكم، ثم أمر بحلية كانت عليهم من ذهب وفضة فنزعت عنهم وأمر بإخراجهم من عنده. فعمد كلّ واحد منهم إلى بيت أبيه واخذ له منه زادا، وخرجوا هاربين فمرّوا بكلب، فتبعهم فطردوه ثم تبعهم، ففعلوا ذلك مرارا، فقال لهم الكلب: ما تخشون منّي أنا أحبّ أحباب الله، فمتى نمتم كنت أحرسكم). وقال ابن عباس: (كانوا سبعة هربوا ليلا، فمرّوا براع ومعه كلب، فتبعهم على دينهم، فوصلوا إلى كهف قريب من البلد فلبثوا فيه، ليس لهم عمل إلاّ الصلاة والصيام والتسبيح والتكبير والتحميد، وجعلوا نفقتهم على يد واحد منهم يقال له: يمليخا، فكان يشتري لهم متاعهم من المدينة سرّا، وكان من أجملهم وأجلدهم، وكان إذا أراد أن يدخل المدينة يضع ثيابا كانت عليه حسانا، ويأخذ ثيابا كثياب المساكين الذين يسألون الناس، ثم يأخذ ورقة ويشتري طعاما، ويتجسّس الأخبار، ويسمع هل يذكر هو وأصحابه، ثم يعود إلى أصحابه، فلبثوا كذلك ما لبثوا. ثم إنّ دقيانوس الجبار شدّد على من بقي من المسلمين، وأمرهم بالذبح للطواغيت، وكان يمليخا حينئذ هناك متنكّرا، فسمع بأنّ دقيانوس يطلب الفتية ويسأل عنهم، فرجع يمليخا هاربا إلى أصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل، فأخبرهم أنّ دقيانوس يسأل عنهم، ففزعوا ووقفوا سجودا يتضرّعون إلى الله، يتعوّذون به من فتنتهم، وذلك عند غروب الشّمس فبينا هم كذلك إذ ضرب الله على آذانهم في الكهف، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، فأصابهم ما أصابهم وهم مؤمنون موقنون، ونفقتهم عند رءوسهم. فلما كان من الغد التمسهم دقيانوس فلم يجدهم فغضب غضبا شديدا، وأرسل إلى آبائهم فسألهم عنهم، وقال: أخبروني عن أبنائكم المردة الذين عصوني، فقالوا: ما ندري أين ذهبوا، ولقد أخذوا أموالنا وهربوا، وليس لنا في ذلك ذنب لأنّا لم نعصك فلا تعاقبنا فيهم. فخلّى سبيلهم وجعل لا يدري ما يصنع بالفتية، فبلغه الخبر أنّهم ارتفعوا الجبل فالتمسهم هناك حتى وجدوا الكهف، فألقى الله في نفسه أن يأمر بالكهف فيسدّ عليهم.

стр. 1634

قال دقيانوس: سدّوا باب الكهف، ودعوهم فيه يموتون جوعا وعطشا، وليكن كهفهم الذي اختاروه قبرا لهم، وهو يظنّ أنّهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم، وقد توفّى الله أرواحهم في النوم وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف وقد غشيه ما غشيهم، يقلّبون ذات اليمين وذات الشّمال، وبقي دقيانوس ما بقي، ثم مات وقرون بعده كثيرة وجاءت ملوك بعد ملوك). وقيل: إنّ دقيانوس لمّا أتى إلى كهفهم يطلبهم كان كلّما أراد رجل أن يدخل عليهم الكهف أرعب، فلم يطق الدخول، فجعلوا يقولون لو قدرنا أن ندخل عليهم لقيناهم فلم يستطع أحد الدخول إليهم، قال: سدّوا عليهم باب الكهف فيموتون جوعا وعطشا، ففعلوا ذلك. فلما مضى على ذلك قرون وأزمان جاء راعي غنم إلى الكهف بغنمه فأدركه المطر عند الكهف، ففتح الكهف ليدخل غنمه فيه من المطر فوجدهم هناك، فردّ الله عليهم أرواحهم، فجلسوا فرحين مستبشرين، وظنّوا أنّهم أصبحوا من ليلتهم، فقاموا إلى الصّلاة فصلّوا، لا ترى في ألوانهم ولا في أجسامهم شيء يكرهونه، وهم يحسبون أنّ دقيانوس في طلبهم. ثم قالوا ليمليخا: ما الذي قال الناس في شأننا بالأمس؟ فقال: سمعت أنّهم يلتمسونكم، فقال مكسلمينا: يا إخوتاه؛ اعلموا أنّكم ملاقو الله فلا تكفروه بعد إيمانكم إذا طلبكم غدا، فقالوا ليمليخا: اذهب إلى المدينة استمع لنا الأخبار، وما الذي يذكره الناس فينا عند دقيانوس. فدخل المدينة مستخفيا يصدّ عن الطريق؛ لئلاّ يراه من الناس أحد يعرفه فيعلم دقيانوس، ولم يعلم يمليخا أنّ دقيانوس وقومه قد هلكوا منذ ثلاثمائة سنة، فرأى يمليخا على باب المدينة علامة أهل الإيمان فعجب، وجعل ينظر يمينا وشمالا مستخفيا، ثم ذهب إلى الباب الثاني فرأى عليه كذلك، فخيّل إليه أنّ المدينة ليست بالتي كان يعرف. ثم رأى أناسا كثيرا يتحدّثون لم يكن يراهم قبل ذلك، فخيّل إليه أنه حيران، وجعل يقول لعلّ هذه غشية، ثم سمع الناس يتحدّثون بحديث أهل الإسلام،

стр. 1635

ويحلفون بالله، ويذكرون عيسى بن مريم، فقال: لعلّ هذه مدينة أخرى، فقام كالحيران، فرآه إنسان فسأله ما هذه المدينة؟ فقال: هذه أفسوس، فقال: ذاهب العقل. ثم دخل السّوق ليشتري طعاما فأخرج الورق الذي معه فأعطاها رجلا وقال: بعني بهذه طعاما، فعجب الرجل من نقشها وضربها، ثم أعطاها رجلا من أصحابه لينظر إليها، ثم جعلوا يتطارحونها بينهم من رجل إلى رجل، فقالوا: هذا أصاب كنزا من كنوز الأوّلين، فإما أن تشاركنا فيه، ونخفي أمرك وإلاّ سلّمناك إلى السّلطان يقتلك؟ فقال في نفسه: قد وقعت في الذي كنت احذر منه، فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم، وفزع حتى أنه ما أطاق يخبرهم بشيء، فلمّا رأوه لا يتكلّم أشاعوا خبره، وجعلوا يقودونه في سكك المدينة وهم يقولون: هذا رجل وجد كنزا، فاجتمع عليه أهل المدينة فجعلوا ينظرون إليه ويتعجبون، ويقولون: ما هذا الرجل من أهل المدينة، وما رأيناه فيها قط ولا نعرفه؟ ولو قال لهم: أنا من هذه المدينة لم يصدّقوه، وكان متيقّنا أنّ أباه وإخوته في المدينة، وأنه يسألونه من جملة الناس إذا سمعوا بخبره. ثم إنّهم انطلقوا به إلى رئيس المدينة ومدبري أمرها وهما رجلان صالحان، اسم أحدهما آرنوس والآخر أسطوس، وظنّ يمليخا حين مضوا به أنّهم يمضون به إلى دقيانوس، فرفع رأسه إلى السماء وقال: اللهمّ إله السماء والأرض أفرغ اليوم عليّ صبرا، وأولج معي روحا تؤيّدني به عند هذا الجبّار. فلما انتهوا به إلى الرّجلين الصالحين سكن خوفه، فأخذ الرجلان الورق، فنظرا إليه وعجبا منه، وقالا: يا فتى أين الكنز الذي وجدته؟ هذا الورق يشهد عليك أنك وجدت كنزا، فقال يمليخا: والله ما وجدت كنزا، ولكن هذا ورق آبائي، ونقش هذه المدينة وضربها، ولكن لا أدري ما شأني ولا أدري ما أقول لكم. فقال أحدهما: ممن أنت؟ فقال: أمّا أنا فكنت أرى أنّي من أهل هذه المدينة، فقال له: من أبوك؟ ومن يعرفك بها؟ فأتاهم باسم لأبيه فلم يعرفوه، فقال له أحدهما: أنت رجل كذاب لا تخبر بالحقّ، فلم يدر يمليخا ما يقول، فقال رجل: هذا

стр. 1636

مجنون، وقال آخر: إنه ليس بمجنون يجنّن نفسه حتى تطلقوه، ونظر اليه آخر شزرا وقال: أتظنّ أنّا نصدّقك ونطلقك؟ فإن هذه الورق لضربه أكثر من ثلاثمائة سنة، وأنت غلام شاب وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار. فقال يمليخا: أتعرفون شيئا أسألكم عنه؟ قالوا: سل؛ قال: ما فعل دقيانوس، قالوا لا نعرف اليوم على وجه الأرض ملك يسمّى دقيانوس، ولم يكن إلاّ ملك قد هلك منذ زمان طويل، وهلكت بعده قرون كثيرة، فقال يمليخا: والله لقد كنا فتية وإنه أكرهنا على عبادة الأوثان، فهربنا منه عشيّة أمس فنمنا، فلما انتبهنا خرجت لأشتري لأصحابي طعاما وأتجسّس الأخبار، فإذا أنا كما ترون، فانطلقوا معي إلى الكهف أريكم أصحابي. فلما سمع أرنوس ما يقول يمليخا قال: يا قوم لعلّ هذا آية من آيات الله جعلها الله لنا على يدي هذا الفتى، فامضوا بنا معه يرينا أصحابه. فمضوا معه ومضى جميع أهل المدينة، فلمّا سمع الفتية الذين في الكهف الأصوات وجلبة الخيل مصعدة نحوهم، وقد كان أبطأ عليهم يمليخا، ظنّوا أنه دقيانوس جاء في طلبهم، فسبق يمليخا القوم وجاء إليهم فسألوه عن شأنه فأخبرهم بالخبر كله، فعرفوا أنّهم كانوا نياما بأمر الله ذلك الزّمان كله، وإنّما أوقظوا؛ ليكونوا آية للناس وتصديقا للبعث، وليعلموا أنّ الساعة لا ريب فيها، فلما فرغ يمليخا من كلامه قبض الله روحه وأرواحهم، وعمي على أولئك القوم باب الكهف فلم يهتدوا إليه (١). قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ؛﴾ أي اذكر لقومك إذ أوى الفتية يعني الشباب؛ ﴿فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً؛﴾ ننجوا بها من قومنا، ﴿وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً﴾ (١٠)،أي اجعل لنا طريقا ومخرجا يوفّقنا إليك، وارشدنا إلى ما يقرّبنا إليك. قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً﴾ (١١)؛ أي أنمناهم في الكهف سنين معدودة وهم أحياء يتعشّون، ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ؛﴾ أي

стр. 1637

أيقظناهم من نومهم؛ ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً﴾ (١٢)؛أي ليعرف غيرهم أنه ليس فيهم من يعرف مقدار السّنين التي ناموا فيها؛ والمراد بأحد الحزبين: الفتية، والآخر ناس ذلك الزمان، وقيل: أراد بأحد الحزبين: المؤمنين، والحزب الآخر: الكافرين. قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ؛﴾ أي نبيّن لك خبرهم بالصّدق؛ ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ؛﴾ أي شباب؛ ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً﴾ (١٣)؛أي ثبّتناهم على الإيمان. قوله تعالى: ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا؛﴾ أي ألهمنا قلوبهم الصبر، وشجّعناها حين قاموا بحضرة الكفّار؛ يعني بين يدي دقيانوس الذي كان يفتن أهل الإيمان حتى قالوا بين يديه؛ ﴿فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً﴾ (١٤)؛أي كذبا وجورا، والمعنى إن عبدنا غير الله ودعونا معه إلها آخر، قلنا قولا ذا شطط؛ أي متجاوزا للحقّ في غاية البطلان. قوله تعالى: ﴿هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ؛﴾ أي قالوا: هؤلاء قومنا عبدوا من دون الله؛ ﴿آلِهَةً؛﴾ أي عبدوا الأصنام؛ يعنون الذين كانوا في زمن دقيانوس، وقوله تعالى: ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ؛﴾ أي هلاّ يأتون على عبادتهم لها ببرهان واضح. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ (١٥)؛أي فمن أظلم لنفسه ممن اختلق على الله كذبا بأن جعل معه شريكا في العبادة. وقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ؛﴾ أي قال بعضهم لبعض، قيل: إن القائل بهذا يمليخا وهو رئيس أصحاب الكهف؛ قال لأصحابه: إذ فارقتموهم وتنحّيتم عنهم جانبا؛ أي عن عبادة الأصنام ﴿وَما يَعْبُدُونَ،﴾ وهذا آخر الكلام ثم قال: ﴿إِلاَّ اللهَ؛﴾ يعني إلاّ الله فلا تعتزلوه أي فلا تعتزلوا عبادته. قوله تعالى: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ؛﴾ أي فصيروا إلى الكهف، واجعلوه مأواكم؛ ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ؛﴾ أي يبسط لكم؛ ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ؛﴾ نعمته؛

стр. 1638

﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً﴾ (١٦)؛ما ترفقون به هناك في معايشكم يكون مخلّصا لكم من ظلم هؤلاء الكفّار. قال ابن عبّاس: (معناه: ويسهّل عليكم ما تخافون من الملك وظلمه).يقال: فيه «(مرفقا)» بكسر الميم وفتح القاف، وفتح الميم وكسر الفاء، وكذلك في مرفق اليد. قوله تعالى: ﴿*وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ؛﴾ الخطاب للنبيّ ﷺ ، قرأ أهل الكوفة «(تزاور)» بالتخفيف على حذف إحدى التّاءين، وقرأ أهل الشام ويعقوب «(تزور)» بوزن تحمرّ، وكلّها بمعنى واحد أي تميل، وفيه بيان أن الكهف الذي أووا إليه كان بابه نحو القطب الذي يقرب بباب نعش، وكانت الشمس تطلع مزوارة على باب الكهف عند الطلوع وعند الغروب. قوله تعالى: ﴿ذاتَ الْيَمِينِ؛﴾ أي ناحية اليمين، قوله تعالى: ﴿وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ؛﴾ أي تعدل عنهم. قال الكلبيّ: (إذا طلعت مالت عن كهفهم ذات يمين الكهف، وإذا غربت تمرّ بهم ذات الشّمال يعني شمال الكهف لا تصيبه، وكان كهفهم في أرض الرّوم، أعلم الله أنّه يميل عنهم الشّمس طالعة وغاربة، لا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرّها وتغيّر ألوانهم). قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ؛﴾ أي في متّسع من الكهف، هيّأ الله لهم مكانا واسعا لا يصيبهم فيه حرّ ولا سموم، ولا يتغير لهم ثوب ولا لون ولا رائحة، ولكن كان ينالهم فيه نسيم الرّيح وبردها. قوله تعالى: ﴿(تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ)﴾ القرض من قولهم: قرضته بالمقراض؛ إذا قطعته، كأنه قال: تقطعهم ذات الشمال. وقيل: تعطيهم اليسير من شعاعها عند الغروب، كأنه شبّهه بقرض الدراهم التي تعطى ثم تستردّ. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ؛﴾ أي إبقاؤهم طول السنين التي ذكرها الله نياما لا يستطيعون يستيقظون من دون طعام ولا شراب، ﴿مِنْ آياتِ اللهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾ (١٧) ظاهر المعنى.

стр. 1639

قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ؛﴾ تظنّهم يا محمّد منتبهين وهو نائمون، وإنّما كان يحسبهم الرّائي منتبهين؛ لأنّهم كانوا نياما وهم مفتوحو الأعين، وكانوا يتنفّسون. قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ؛﴾ قرأ الحسن «(ونقلبهم)» بالتخفيف، والمعنى نقلبهم تارة عن اليمين إلى الشمال؛ وتارة عن الشمال إلى اليمين، كما نقلب النائم؛ لئلاّ تأكل الأرض أجسامهم. ذكر قتادة: (أنّ لهم في عام تقليبين) (١)،وعن ابن عبّاس: (في كلّ عام مرّة). قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ؛﴾ أي على باب الفجوة أنامه الله كذلك، والوصيد من قولهم: أوصدت الباب، وأصدته إذا أغلقته، وقد يقال لذلك الأصيد أيضا، وقيل: الوصيد فناء الكهف. وقال سعيد بن جبير: (الوصيد: التّراب) (٢).وقال السديّ: (الوصيد: الباب).وقال عطاء: (عتبة الباب). وكان لون الكلب أحمر، كذا قال ابن عبّاس، وقال مقاتل: (كان أصفر يضرب إلى الحمرة) وقيل: كان كلون الحجر، وقيل: كلون السّماء. قال عليّ ﵁: (كان اسمه ريّان).وقال ابن عبّاس: (قطمير) (٣).وقال سفيان: (اسمه حمران).وقال عبد الله بن سلام: (اسمه نشيط).روي عن بعضهم أنه مما أخذ على الكلب أن لا يضرّ بأحد يقرأ: ﴿وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. قوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً؛﴾ أي لو اطّلعت عليهم يا محمّد لولّيت منهم فرارا لما ألبسهم الله تعالى من الهيبة حتى لا يصل اليهم أحد حتى يبلغ الكتاب أجله فيهم وينتبهوا من رقدتهم. وقيل: لأنّهم كانوا في مكان موحش من الكهف، وقيل: لأن أعينهم مفتحة كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلّم وهم نيام.

стр. 1640

وعن ابن عبّاس قال: (غزونا مع معاوية نحو الرّوم فمررنا بالكهف الّذي فيه أصحاب الكهف، فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال ابن عبّاس: ليس لك؛ قد منع الله ذلك عن من هو خير منك، فقال: لو اطّلعت عليهم لولّيت منهم فرارا؛ ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ (١٨)؛فقال معاوية: لا أنتهي حتّى أعلم علمهم، فبعث أناسا فقال: اذهبوا وانظروا، ففعلوا فلمّا دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحا فأخرجتهم من الكهف) (١). قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ؛﴾ أي وكذلك أيقظناهم، كما أنمناهم ليتحدّثوا ويسألوا بعضهم بعضا، ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ؛﴾ وهو رئيسهم وسمّي مكسلميا: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ؛﴾ في نومكم في الكهف؛ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْماً؛﴾ فلما نظروا إلى الشّمس، وقد بقي منها شيء؛ قالوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ؛﴾ توقّيا من الكذب، فلما نظروا إلى أظفارهم وأشعارهم علموا أنّهم لبثوا أكثر من يوم؛ ف؛ ﴿قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾. قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ؛﴾ أي فابعثوا يمليخا، والورق الفضّة مضروبة كانت أو غير مضروبة، وأما المدينة فهي أفسوس، وقيل: طرسوس، كان اسمها في الجاهلية: أقسوس، فلما جاء الإسلام سمّوها طرسوس. ومعنى الآية: فابعثوا أحدكم بدراهمكم هذه إلى السّوق؛ ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً؛﴾ أي أحلّ ذبحة؛ لأن عامّتهم كانوا مجوسا، وفيهم مؤمنون يخفون إيمانهم، وقيل: أطيب خبزا وأبعد عن الشّبهة، لأن ملكهم كان يظلم الناس في طعامهم، وكانوا يحسبون أن ملكهم دقيانوس الكافر. وقال عكرمة معناه: (أكثر وأفضل) في معنى أنّ الزكاة هو الزيادة. قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ؛﴾ أي بقوت وطعام. وقوله تعالى: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ أي يتوقّف في الذهاب والمجيء، وفي دخوله المدينة حتى لا تعرفه الكفار؛ ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾ (١٩)؛أي لا يخبرن أحد من أهل المدينة بمكانكم.

стр. 1641

قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ؛﴾ أي إنهم إن علموا مكانكم يرجموكم بالحجارة حتى يقتلوكم، وقيل: يشتموكم ويؤذوكم، وكان من عادتهم القتل بالرّجم وهو أخبث القتل. وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ؛﴾ أي إلى دينهم وهو الكفر؛ ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ (٢٠)؛إن عدتم إلى دينهم، ولم تظفروا الخير في الدّنيا والآخرة. فإن قيل: أليس لو أكرهوهم، وأظهروا الكفر لم يكن في ذلك مضرّة عليهم؟ قيل: يجوز أنه لم يكن في شريعة الإسلام جواز إظهار كلمة الكفر على وجه التّقية. قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ؛﴾ أي أطلعنا عليهم، وذلك أنّهم لمّا بعثوا بورقهم على يد يمليخا ومضى إلى السّوق، فإذا ملكهم مسلم قد أظهر علامات الإسلام فتعجّب من تغيّر الأمر، وقال لخبّاز: بعني من طعامك بهذا الورق، فلما رأى الخباز دراهمه أنكرها وقال: من أين لك هذه وقد ضربت منذ ثلاثمائة سنة؟ فإما أن تعطيني من هذا الكنز، أو أرفعك إلى الملك؟ فأنت وجدت كنزا. فحمله إلى الملك فلم يجد بدا من أن يذكر للملك قصّتهم، فجاء الناس معه إلى باب الكهف، فدخل هو قبلهم، وأخبر أصحابه بأنّ الملك أتاهم إذ ظهر القوم عليهم فسألوه عن أمرهم، فقصّوا عليهم قصّتهم، فنظروا فإذا اللوح الرّصاص وفيه أسماؤهم وفرارهم من دقيانوس. فقال الملك: هؤلاء قوم هلكوا في زمان الكافر، فأحياهم الله في زماني، وحسبوا المدّة، فوجدوها ثلاثمائة سنة وتسع سنين، فبينا هم كذلك يحدّثونهم إذ دخلوا المكان، وقد ضرب الله على آذانهم بالنّوم، هكذا روي عن ابن عبّاس. وذهب عكرمة إلى أنّ القوم دخلوا المكان وقد ضرب الله على آذانهم، فهذا معنى قوله ﴿(وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ)﴾ وقوله تعالى: ﴿(لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ)﴾ أي ليعلم الملك وقومه وغيرهم أن البعث بعد الموت كائن، ﴿وَأَنَّ السّاعَةَ؛﴾ القيامة، ﴿لا رَيْبَ فِيها؛﴾ لا شك فيها.

стр. 1642

وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ؛﴾ قيل: كان التنازع في أن قال بعضهم لبعض إنّهم قد ماتوا في الكهف، وقال بعضهم: بل ناموا كما ناموا من قبل، وسيوقظهم الله من بعد. وقيل: كانوا يتنازعون في البناء كما قال تعالى: ﴿فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً؛﴾ أي قال بعضهم: نبني عليهم بنيانا كما تبنى المقابر؛ كي يستروهم عن الناس، وقال بعضهم: بل نبني في هذا الموضع مسجدا يعبد الله فيه، وهو قول الذين غلبوا على أمرهم وهم رؤساؤهم. قوله تعالى: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ (٢١)؛أي أعلم بلبثهم ورقادهم وأحوالهم؛ لأنّ قوم الملك تنازعوا في قدر مكثهم في الكهف، وفي عددهم وفي ما يفعلون بعد ذلك. قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ؛﴾ أي وذلك أنّ أهل الكتاب الذين سألوا رسول الله ﷺ عن أهل هذه الصفة يختلفون في عددهم. روي أنّ السيد والعاقب وأصحابهما من النّصارى وأهل نجران كانوا عند رسول الله ﷺ ، وذكروا أصحاب الكهف، فقال السيد: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم، وقال العاقب: كانوا خمسة سادسهم كلبهم، ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ؛﴾ أي ظنّا من غير يقين كأنّهم يرجمون بالغيب بالقول فهم بالغيبة عنهم، وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾. وقال بعضهم: هذه الواو واو الثّمانية، وذلك أن العرب تقول: واحد اثنان ثلاثة أربعة ستّة سبعة وثمانية؛ لأن العدد عندهم سبعة، كما هو اليوم عندنا عشرة، ونظيره قوله تعالى: ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) وقوله في صفة أهل الجنّة ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ (٢) وقوله في أزواج النبيّ ﷺ ﴿وَأَبْكاراً﴾ (٣).

стр. 1643

قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ؛﴾ أي قل ربي أعلم كم كان عددهم، وقوله تعالى: ﴿ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِراً؛﴾ عنى به رسول الله ﷺ ؛ لأنه تعالى أخبره بعدّتهم، وأمره أن لا يمار في معرفة من أدّعى عددهم إلاّ بأن بيّن له أنه يقوله بغير حجّة، ولا خبر عنده من الله، فإنّ هذا العلم ليس عند أهل الكتاب، وهذا هو المراد الظاهر. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ (٢٢)؛أي لا تستفت في أصحاب الكهف من اليهود وأهل الكتاب أحدا، فالخطاب للنبيّ ﷺ ، والمراد به أمّته، فإنه مستغنيا بإخبار الله إياه عن أن يستفتيهم. وعن ابن عبّاس أنه قال: (أنا من القليل الّذي يعلم عددهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم) (١)،وإنّما عرفه سماعا من رسول الله ﷺ . قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ؛﴾ أي لا تقل إنّي فاعل شيئا حتى تقرن به قولك إن شاء الله، فلعلّك لا تبقى إلى الغد، ولا تقدر عليه من الغد. قال المفسّرون: لمّا سأل اليهود النبيّ ﷺ عن خبر الفتية وعدهم أن يخبرهم غدا، ولم يقل إن شاء الله، فحبس عنه الوحي حتى شقّ عليه، وأنزل هذه الآية يأمره بالاستثناء بمشيئة الله (٢). قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ؛﴾ قال ابن عبّاس ومجاهد: (معناه إذا نسيت الاستثناء ثمّ ذكرته فاستثن)،وقال سعيد بن جبير: (إذا قلت لشيء: إنّي فاعله غدا؛ ونسيت الاستثناء بمشيئة الله، ثمّ تذكّرت، فقل: إن شاء الله، وإن كان بعد يوم أو بعد شهر أو سنة).

стр. 1644

وعن ابن عبّاس: (معناه: إذا حلفت على شيء ونسيت الاستثناء، ثمّ ذكرت فاستثن مكانك وقل: إن شاء الله ولو كان إلى سنة ما لم تحنث) (١).وقال الحسن: (له أن يستثني في اليمين ما لم يقم من المجلس). وقال إبراهيم وعطاء والشعبيّ: (لا يصحّ الاستثناء إلاّ موصولا بالكلام، فيكون المعنى على هذا القول: وإذا ذكرت إذا نسيت شيئا فادع الله حتّى يذكّرك). وقال عكرمة: (معناه: واذكر ربّك إذا غضبت). قال وهب: (مكتوب في الإنجيل: يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب).وقال الضحّاك والسّدي: (هذا في الصّلاة لقوله ﷺ : [من نسي صلاة أو نام عنها؛ فليصلّها إذا ذكرها]) (٢). قوله: ﴿وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً﴾ (٢٤)؛أي قل عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على النبوّة ما يكون أقرب في الرّشد، وأدلّ من قصّة أصحاب الكهف. قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ (٢٥) يعني من يوم دخلوا الكهف إلى أن بعثهم الله وأطلع عليهم الخلق. قال الفرّاء (٣) والزجّاج والكسائيّ: (التّقدير: سنين ثلاثمائة؛ لأنّ التّفسير لا يكون بلفظ الجمع). وقال أبو عليّ الفارسي: (سنين بدل من ثلاثمائة).وقرأ حمزة: «(ثلاثمائة سنين)» مضافة غير منوّنة. وقال الضحّاك: (نزل قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ﴾، فقالوا: أيّاما أو شهورا أو سنين؟ فقيل: سنين) ولذلك لم يقل سنة (٤).

стр. 1645

قوله تعالى: ﴿قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا؛﴾ أي لقدر ما لبثوا؛ ﴿لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي له العلم بكلّ مستور عن الخلق في السّماوات والأرض وفي قعر البحار. قوله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ؛﴾ أي اذكر بذلك الناس فهو من خفيّ صفاته، وقيل: معناه: ما أبصر الله بكلّ موجود! وما أبصره بكلّ مسموع. قوله تعالى: ﴿ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ؛﴾ أي ما لأهل السّماوات والأرض من دون الله من وليّ ولا ناصر. قوله تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ (٢٦)؛أي لا يشرك في حكمه أحدا غيره. وقرأ ابن عامر: «(ولا تشرك)» على المخاطبة؛ أي لا تشرك أيّها الإنسان على النّهي (١). قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ؛﴾ أي اقرأ عليهم القرآن وعرّفهم أنه الحقّ؛ ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ؛﴾ ولا خلف لخبره ولا مغيّر له. قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ (٢٧)؛أي ملجأ أو معدلا تهرب إليه، من قولهم: لحدت إلى كذا؛ إذا ملت إليه، ومنه اللّحد؛ لأنه يمال به إلى ناحية القبر، ومنه الإلحاد في الدّين الميلان عليه. قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ؛﴾ نزلت هذه الآية في سلمان الفارسيّ وصهيب بن سنان وعمّار بن ياسر وخبّاب وعامر بن فهيرة وغيرهم من الفقراء، كانوا عند النبيّ ﷺ وكان مع سلمان شملة قد عرق فيها إذ دخل عيينة بن حصن الفزاريّ، فقال: يا محمّد إنّ رءوس مضر وأشرافها، وإنه والله ما يمنعنا من الدّخول عليك إلاّ هذا-يعني سلمان وأصحابه-ولو أنّا إذا دخلنا عليك أخرجتهم عنا لاتّبعناك، إنه ليؤذينا ريحه أما يؤذيك ريحه؟ فأنزل الله في سلمان وأصحابه هذه الآية (٢).ومعناها: واحبس نفسك أيّها النبيّ مع الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه وتعظيمه.

стр. 1646

قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ؛﴾ أي لا تصرف بصرك عنهم لفقر هم إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزّينة. قوله تعالى: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ أي مجالسة أهل الشّرف والغنى ﴿(تُرِيدُ)﴾ ههنا في موضع الحال أي مريدا. قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ (٢٨)؛يريد عيينة وأبناءه، أي لا تطعهم في تنحية الفقراء عنك ليجلسوا إليك، ومعنى: ﴿(أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا)﴾ أي جعلناه غافلا عن القرآن والإسلام. قوله تعالى: ﴿(وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً)﴾ أي ضياعا وندما، وقيل: هلاكا، وقيل: مخالفا للحق، وقيل: باطلا، وقيل: معناه: ضيّع أمره وبطل أيامه. قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ؛﴾ أي قل القرآن والدلالات على وحدانيّة الله ونبوّة رسوله هو الحقّ من ربكم، و ﴿(الْحَقُّ)﴾ مرفوع على الحكاية، وقيل: خبر مبتدأ مضمر؛ أي هو الحقّ، والمعنى: وقل يا محمّد لهؤلاء الذي أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا: أيّها الناس الذي أنذركم به ﴿(الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ)﴾،لم أتكلّم به من قبل نفسي. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ؛﴾ تهديد بلفظ الخبر، والمعنى: فمن شاء فيؤمن، ومن شاء فيكفر، ﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها؛﴾ فقد أعدّ لكم نارا على كفركم أحاط بكم سرادقها؛ قال ابن عبّاس: (السّرادق: حائط من النّار يحيط بهم). وقيل: دخان يحيط بهم قبل أن يصلوا إلى النار. وعن أبي سعيد الخدريّ قال: (سرادق النّار أربعة جدر، غلظ كلّ جدار مسيرة أربعين سنة، فهذه الجدر محيطة بهم) (١).وقال ابن عبّاس: (معنى الآية: فمن شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء له الكفر كفر).

стр. 1647

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ؛﴾ معناه: وإن يستغيثوا من شدّة الحرارة يغاثوا بماء كعكر الزّيت (١) أسود غليظ، وقيل: إن المهل هو الصّفر المذاب، ويقال: هو القيح والدم. قوله تعالى: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ؛﴾ أي إذا قرب البشر منه أنضج الوجه بحرارته، وأسقط فروة وجهه ولحمه فيه، ﴿بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ؛﴾ النار؛ ﴿مُرْتَفَقاً﴾ (٢٩)؛أي ساءت متّكأ لهم، مأخوذ من المرفق؛ لأنّهم يتّكئون على مرافقهم، وقيل: معناه: وساءت منزلا ومقرّا، وقيل: مجتمعا مأخوذ من المرافقة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ (٣٠)؛أي لا يبطل ثواب من أخلص لله، ويجوز أن يكون معناه: إنا لا نضيع أجر من أحسن منهم، بل يجازيهم. ثم ذكر جزاءهم فقال: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ؛﴾ أي بساتين إقامة، وقد ذكرنا صفات جنّات عدن. قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ؛﴾ أي يلبسون في الجنان ذلك. قال الزجّاج: (أساور: جمع أسورة، وأسورة جمع سوار) (٢)؛وهو زينة يلبس في الزّند من اليد، من زينة الملوك يسوّر في اليد ويتوّج على الرّأس. قال ابن جبير: (على كلّ واحد منهم ثلاثة من الأساور، واحد من فضّة وواحد من ذهب وواحد من لؤلؤ وياقوت). وعن النبيّ ﷺ أنه قال: [لو أنّ أدنى أهل الجنّة حلية عدلت حليته بحلية أهل الدّنيا جميعها لكان ما يحلّيه الله به في الآخرة أفضل من حلية أهل الدّنيا جميعها] (٣).

стр. 1648

قوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ؛﴾ الخضر: جمع أخضر، وهو أحسن ما يكون من الثّياب، والسّندس: الدّيباج الرقيق الفاخر، وقيل: هو الحرير؛ وواحد السّندس سندسة، والاستبرق الدّيباج الغليظ الذي له بريق. قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها؛﴾ أي في الجنان؛ ﴿عَلَى الْأَرائِكِ؛﴾ أي على السّرر في الحجال وهي من ذهب مكلّل بالدّرّ والياقوت؛ ﴿نِعْمَ الثَّوابُ؛﴾ جزاء أعمالهم؛ ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ (٣١)؛أي متّكأ. قوله تعالى: ﴿*وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً﴾ (٣٢)؛الآية، هذا مثل ضربه الله لعباده؛ ليستدعيهم إلى طاعته، ويزجرهم عن كفران نعمته، والمعنى: واضرب لهم مثلا رجلين. قال ابن عبّاس: (كانوا أخوين في بني إسرائيل؛ توفّي أبوهما وترك ثمانية آلاف دينار، وكان أحدهما مسلما والآخر كافرا، وأصاب كلّ واحد منهما أربعة آلاف دينار، فالمسلم أنفقها في سبيل حتّى أنفدها فأوجب الله له الجنّة، والكافر اشترى بها بساتين، فاحتاج المسلم إليه فأتاه يتعرّض إليه. فقال له: أين مالك؟ فقال له: أنفقته في سبيل الله، فقال له الكافر: لا أعطيك حتّى تتّبع ديني، ثمّ أخذ بيد أخيه فأدخله بساتينه، وجعل يطوف به فيها ويقول له: ما أظنّ أن تبيد هذه أبدا، فذلك قوله تعالى ﴿(جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ)﴾ أي جعل للكافر منهما بساتين من كروم، وجعل حول البساتين نخيلا وجعلنا بين البساتين زرعا؛ أي يزرعه (١). قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً؛﴾ أي كلا البساتين أخرجت ثمرها ولم تنقص منه شيئا كأن ما أن يذهب صنف من الثمار إلاّ أثمر صنف آخر، وإنّما قال: آتت؛ ولم يقل آتتا؛ لأن المعنى أعطت كلّ واحدة من الجنّتين، ولفظ كلتا واحدة؛ لأن الألف في كلتا ليست ألف تثنية، كأنه قال: كلّ واحدة منهما آتت أكلها.

стр. 1649

قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً﴾ (٣٣)؛أي فجّرنا وسط البساتين نهرا نسقيها، ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ؛﴾ أي كان لهذا الكافر ذهب وفضة ومن كل المال، وقيل: من قرأ: «(ثمر)» بضم الثاء، فمعناه صنوف من الأموال: الذهب والفضة وغيرهما، يقال: أثمر الرجل إذا كثر ماله. ومن قرأ بنصب الثّاء كان معناه ثمرة البساتين، والأول هو الأقرب لأن قوله ﴿(كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها)﴾ يدلّ على الثّمار، فاقتضى أن يكون الثمر غير ذلك. قوله تعالى: ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ؛﴾ أي لأخيه المسلم؛ ﴿وَهُوَ يُحاوِرُهُ؛﴾ أي يراجعه بالكلام ويفاخره: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ (٣٤)؛يعني خدما وحشما وولدا، يتطاول بذلك على أخيه، ورأى تلك النعمة من قبل نفسه لا من قبل الله. قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ؛﴾ أي دخل الكافر بستانه وهو ظالم لنفسه بالكفر وترك الشّكر؛ ﴿قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً﴾ (٣٥) أي ما أظنّ أن تفنى هذه أبدا. قال المفسّرون: أخذ بيد أخيه المسلم فأدخله جنّته، وطاف به فيها، وأراه إياها وجعل يعجبه منها، ويقول ما أظنّ أن تفنى هذه أبدا، ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً؛﴾ أنكر البعث والثواب والعقاب، وأخبر أخاه بكفره وإنكاره للقيامة. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً﴾ (٣٦)؛ يعني لئن كان البعث حقّا، ورددت إلى ربي على زعمك لأجدنّ في الآخرة خيرا منها مرجعا ومنزلا، ولم يعطني الله هذه في الدّنيا إلاّ ولي عنده أفضل منها لكرامتي عليه، فمعناه الجنّتين التي تقدّم ذكرهما (١)،وفي هذا بيان أن هذا الكافر لم يكن قاطعا لنفي المعاد، ولكن كان شاكّا فيه، والشاكّ في المعاد كافر.

стр. 1650

قوله تعالى: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ؛﴾ أي أجابه صاحبه المسلم منكرا بما قال وهو يخاطبه: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ؛﴾ أي بالذي خلق أصلك من تراب؛ ﴿ثُمَّ؛﴾ خلقك؛ ﴿مِنْ نُطْفَةٍ؛﴾ أبيك؛ ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً﴾ (٣٧)؛أي أكملك وجعلك معتدل الخلق والقامة، وجعلك بشرا سويّا. قوله تعالى: ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي؛﴾ معناه: أمّا أنا فلا أكفر بربي، لكن هو الله ربي؛ تقديره: لكن أنا هو الله ربي، وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: لكنّ الله هو ربي؛ أعلم بذلك أخاه الكافر بأنه موحّد مسلم. ومن قرأ: ﴿(لكِنَّا)﴾ فالمعنى لكن أنا (١)؛إلاّ أنه حذفت الهمزة، وأبقيت حركتها على السّاكن الذي قبلها، فالتقى نونان فأدغمت إحداهما في الأخرى (٢).قوله تعالى: ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ (٣٨)؛ظاهر المراد. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ؛﴾ معناه: أنّ المسلم قال للكافر: هلاّ قلت حين دخلت ما شاء الله! أي الأمر بمشيئة الله، وما شاء الله كان يعني إن شاء الله خراب هذه الجنّة وإهلاكها كان ذلك بمشيئة الله، ﴿لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ؛﴾ أي لا يقوى أحد على ما في يده من ملك ونعمة إلاّ بالله، ولا يكون له ما شاء الله، ولا قوة في بدنه وملكه إلاّ بالله. قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً﴾ (٣٩)؛معناه: أن المسلم قال للكافر: إن كنت أنا أقلّ منك مالا وعشيرة فأنا راض بما قسم لي، قوله تعالى: ﴿(أَقَلَّ)﴾ منصوب؛ لأنه مفعول (ترني).وقوله تعالى: ﴿(أَنَا)﴾ عماد، ومن قرأ «(أقلّ)» بالرفع فعلى معنى ﴿(أَنَا)﴾ مبتدأ و «(أقلّ)» خبر في موضع المفعول.
следующие страницы →