← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ؛﴾ أي لا تصرف بصرك عنهم لفقر هم إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزّينة. قوله تعالى: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ أي مجالسة أهل الشّرف والغنى ﴿(تُرِيدُ)﴾ ههنا في موضع الحال أي مريدا. قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ (٢٨)؛يريد عيينة وأبناءه، أي لا تطعهم في تنحية الفقراء عنك ليجلسوا إليك، ومعنى: ﴿(أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا)﴾ أي جعلناه غافلا عن القرآن والإسلام. قوله تعالى: ﴿(وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً)﴾ أي ضياعا وندما، وقيل: هلاكا، وقيل: مخالفا للحق، وقيل: باطلا، وقيل: معناه: ضيّع أمره وبطل أيامه. قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ؛﴾ أي قل القرآن والدلالات على وحدانيّة الله ونبوّة رسوله هو الحقّ من ربكم، و ﴿(الْحَقُّ)﴾ مرفوع على الحكاية، وقيل: خبر مبتدأ مضمر؛ أي هو الحقّ، والمعنى: وقل يا محمّد لهؤلاء الذي أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا: أيّها الناس الذي أنذركم به ﴿(الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ)﴾،لم أتكلّم به من قبل نفسي. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ؛﴾ تهديد بلفظ الخبر، والمعنى: فمن شاء فيؤمن، ومن شاء فيكفر، ﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها؛﴾ فقد أعدّ لكم نارا على كفركم أحاط بكم سرادقها؛ قال ابن عبّاس: (السّرادق: حائط من النّار يحيط بهم). وقيل: دخان يحيط بهم قبل أن يصلوا إلى النار. وعن أبي سعيد الخدريّ قال: (سرادق النّار أربعة جدر، غلظ كلّ جدار مسيرة أربعين سنة، فهذه الجدر محيطة بهم) (١).وقال ابن عبّاس: (معنى الآية: فمن شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء له الكفر كفر).

стр. 1647

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ؛﴾ معناه: وإن يستغيثوا من شدّة الحرارة يغاثوا بماء كعكر الزّيت (١) أسود غليظ، وقيل: إن المهل هو الصّفر المذاب، ويقال: هو القيح والدم. قوله تعالى: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ؛﴾ أي إذا قرب البشر منه أنضج الوجه بحرارته، وأسقط فروة وجهه ولحمه فيه، ﴿بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ؛﴾ النار؛ ﴿مُرْتَفَقاً﴾ (٢٩)؛أي ساءت متّكأ لهم، مأخوذ من المرفق؛ لأنّهم يتّكئون على مرافقهم، وقيل: معناه: وساءت منزلا ومقرّا، وقيل: مجتمعا مأخوذ من المرافقة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ (٣٠)؛أي لا يبطل ثواب من أخلص لله، ويجوز أن يكون معناه: إنا لا نضيع أجر من أحسن منهم، بل يجازيهم. ثم ذكر جزاءهم فقال: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ؛﴾ أي بساتين إقامة، وقد ذكرنا صفات جنّات عدن. قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ؛﴾ أي يلبسون في الجنان ذلك. قال الزجّاج: (أساور: جمع أسورة، وأسورة جمع سوار) (٢)؛وهو زينة يلبس في الزّند من اليد، من زينة الملوك يسوّر في اليد ويتوّج على الرّأس. قال ابن جبير: (على كلّ واحد منهم ثلاثة من الأساور، واحد من فضّة وواحد من ذهب وواحد من لؤلؤ وياقوت). وعن النبيّ ﷺ أنه قال: [لو أنّ أدنى أهل الجنّة حلية عدلت حليته بحلية أهل الدّنيا جميعها لكان ما يحلّيه الله به في الآخرة أفضل من حلية أهل الدّنيا جميعها] (٣).

стр. 1648

قوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ؛﴾ الخضر: جمع أخضر، وهو أحسن ما يكون من الثّياب، والسّندس: الدّيباج الرقيق الفاخر، وقيل: هو الحرير؛ وواحد السّندس سندسة، والاستبرق الدّيباج الغليظ الذي له بريق. قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها؛﴾ أي في الجنان؛ ﴿عَلَى الْأَرائِكِ؛﴾ أي على السّرر في الحجال وهي من ذهب مكلّل بالدّرّ والياقوت؛ ﴿نِعْمَ الثَّوابُ؛﴾ جزاء أعمالهم؛ ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ (٣١)؛أي متّكأ. قوله تعالى: ﴿*وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً﴾ (٣٢)؛الآية، هذا مثل ضربه الله لعباده؛ ليستدعيهم إلى طاعته، ويزجرهم عن كفران نعمته، والمعنى: واضرب لهم مثلا رجلين. قال ابن عبّاس: (كانوا أخوين في بني إسرائيل؛ توفّي أبوهما وترك ثمانية آلاف دينار، وكان أحدهما مسلما والآخر كافرا، وأصاب كلّ واحد منهما أربعة آلاف دينار، فالمسلم أنفقها في سبيل حتّى أنفدها فأوجب الله له الجنّة، والكافر اشترى بها بساتين، فاحتاج المسلم إليه فأتاه يتعرّض إليه. فقال له: أين مالك؟ فقال له: أنفقته في سبيل الله، فقال له الكافر: لا أعطيك حتّى تتّبع ديني، ثمّ أخذ بيد أخيه فأدخله بساتينه، وجعل يطوف به فيها ويقول له: ما أظنّ أن تبيد هذه أبدا، فذلك قوله تعالى ﴿(جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ)﴾ أي جعل للكافر منهما بساتين من كروم، وجعل حول البساتين نخيلا وجعلنا بين البساتين زرعا؛ أي يزرعه (١). قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً؛﴾ أي كلا البساتين أخرجت ثمرها ولم تنقص منه شيئا كأن ما أن يذهب صنف من الثمار إلاّ أثمر صنف آخر، وإنّما قال: آتت؛ ولم يقل آتتا؛ لأن المعنى أعطت كلّ واحدة من الجنّتين، ولفظ كلتا واحدة؛ لأن الألف في كلتا ليست ألف تثنية، كأنه قال: كلّ واحدة منهما آتت أكلها.

стр. 1649

قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً﴾ (٣٣)؛أي فجّرنا وسط البساتين نهرا نسقيها، ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ؛﴾ أي كان لهذا الكافر ذهب وفضة ومن كل المال، وقيل: من قرأ: «(ثمر)» بضم الثاء، فمعناه صنوف من الأموال: الذهب والفضة وغيرهما، يقال: أثمر الرجل إذا كثر ماله. ومن قرأ بنصب الثّاء كان معناه ثمرة البساتين، والأول هو الأقرب لأن قوله ﴿(كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها)﴾ يدلّ على الثّمار، فاقتضى أن يكون الثمر غير ذلك. قوله تعالى: ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ؛﴾ أي لأخيه المسلم؛ ﴿وَهُوَ يُحاوِرُهُ؛﴾ أي يراجعه بالكلام ويفاخره: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ (٣٤)؛يعني خدما وحشما وولدا، يتطاول بذلك على أخيه، ورأى تلك النعمة من قبل نفسه لا من قبل الله. قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ؛﴾ أي دخل الكافر بستانه وهو ظالم لنفسه بالكفر وترك الشّكر؛ ﴿قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً﴾ (٣٥) أي ما أظنّ أن تفنى هذه أبدا. قال المفسّرون: أخذ بيد أخيه المسلم فأدخله جنّته، وطاف به فيها، وأراه إياها وجعل يعجبه منها، ويقول ما أظنّ أن تفنى هذه أبدا، ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً؛﴾ أنكر البعث والثواب والعقاب، وأخبر أخاه بكفره وإنكاره للقيامة. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً﴾ (٣٦)؛ يعني لئن كان البعث حقّا، ورددت إلى ربي على زعمك لأجدنّ في الآخرة خيرا منها مرجعا ومنزلا، ولم يعطني الله هذه في الدّنيا إلاّ ولي عنده أفضل منها لكرامتي عليه، فمعناه الجنّتين التي تقدّم ذكرهما (١)،وفي هذا بيان أن هذا الكافر لم يكن قاطعا لنفي المعاد، ولكن كان شاكّا فيه، والشاكّ في المعاد كافر.

стр. 1650

قوله تعالى: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ؛﴾ أي أجابه صاحبه المسلم منكرا بما قال وهو يخاطبه: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ؛﴾ أي بالذي خلق أصلك من تراب؛ ﴿ثُمَّ؛﴾ خلقك؛ ﴿مِنْ نُطْفَةٍ؛﴾ أبيك؛ ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً﴾ (٣٧)؛أي أكملك وجعلك معتدل الخلق والقامة، وجعلك بشرا سويّا. قوله تعالى: ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي؛﴾ معناه: أمّا أنا فلا أكفر بربي، لكن هو الله ربي؛ تقديره: لكن أنا هو الله ربي، وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: لكنّ الله هو ربي؛ أعلم بذلك أخاه الكافر بأنه موحّد مسلم. ومن قرأ: ﴿(لكِنَّا)﴾ فالمعنى لكن أنا (١)؛إلاّ أنه حذفت الهمزة، وأبقيت حركتها على السّاكن الذي قبلها، فالتقى نونان فأدغمت إحداهما في الأخرى (٢).قوله تعالى: ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ (٣٨)؛ظاهر المراد. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ؛﴾ معناه: أنّ المسلم قال للكافر: هلاّ قلت حين دخلت ما شاء الله! أي الأمر بمشيئة الله، وما شاء الله كان يعني إن شاء الله خراب هذه الجنّة وإهلاكها كان ذلك بمشيئة الله، ﴿لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ؛﴾ أي لا يقوى أحد على ما في يده من ملك ونعمة إلاّ بالله، ولا يكون له ما شاء الله، ولا قوة في بدنه وملكه إلاّ بالله. قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً﴾ (٣٩)؛معناه: أن المسلم قال للكافر: إن كنت أنا أقلّ منك مالا وعشيرة فأنا راض بما قسم لي، قوله تعالى: ﴿(أَقَلَّ)﴾ منصوب؛ لأنه مفعول (ترني).وقوله تعالى: ﴿(أَنَا)﴾ عماد، ومن قرأ «(أقلّ)» بالرفع فعلى معنى ﴿(أَنَا)﴾ مبتدأ و «(أقلّ)» خبر في موضع المفعول.

стр. 1651

قوله تعالى: ﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ؛﴾ أي لعلّ الله يؤتيني في دار البقاء بستانا خيرا من بستانك في الدّنيا، ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْها؛﴾ على بستانك؛ ﴿حُسْباناً مِنَ السَّماءِ؛﴾ أي نارا من السّماء فتحرقها، وسمّي العذاب حسبانا على معنى أنه يرسل عليها بحساب ما كسبت يدك. وقال النضر بن شميل: (الحسبان المرامي) أي يرسل عليها مرامي عذابه إما برد، وإما حجارة وغيرهما بما شاء من أنواع العذاب، ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ (٤٠)؛أي أرضا ملساء لا نبات عليها. قوله تعالى: ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً؛﴾ أي غائرا في الأرض يعني النهر الذي في خلالها، ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ (٤١)؛أي لا يبقى له أثر يطلبه بوجه من الوجوه، لا تناله الأيدي ولا الأرشية (١). قوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ؛﴾ أي هلك ماله وبستانه، يقال: أحيط القوم إذا هلكوا، ﴿فَأَصْبَحَ؛﴾ الكافر، ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ؛﴾ أي يضرب بإحدى يديه على الأخرى، وتقليب الكفّين يفعله النادم كثيرا، وصار عبارة عن النّدم، ﴿عَلى ما أَنْفَقَ فِيها؛﴾ أي في جنّته، ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها؛﴾ أي ساقطة على سقوفها؛ ﴿وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ (٤٢)؛فندم حيث لا ينفعه الندم، ولم يكن تندّمه على إشراكه إيمانا منه؛ لأنه لم يقله تحقيقا للتّوبة، ولكن كان يتأسف على هلاك ماله. قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ أي لم تنصره الفئة الذين افتخر بهم في قوله ﴿(وَأَعَزُّ نَفَراً)﴾ ﴿وَما كانَ مُنْتَصِراً﴾ (٤٣)؛بأن استردّ بدل ما ذهب منه. قوله تعالى: ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ؛﴾ في ذلك الموطن علم الكافر أن الولاية بالنصر لله الحقّ، فهو الذي يملك النصر، هذا معنى قراءة «(الولاية)» بخفض الواو، وأما ﴿(الْوَلايَةُ)﴾ بفتح الواو فهو نقيض العداوة، وقيل: إن معنى قراءة «(الولاية)»

стр. 1652

بالكسر: الإمارة والسّلطان، يعني في يوم القيامة الولاية لله. ومن قرأ بفتحها فهو من الموالاة كقوله تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) يعني: إنّهم يؤمنون بالله يومئذ، ويتبرّءون مما كانوا يعبدون من دون الله (٢).وقوله تعالى ﴿(الْحَقِّ)﴾ من قرأ بالكسر فهو نعت لله، ومن رفعه فهو نعت للولاية. قوله تعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَواباً؛﴾ أي هو خير من أثاب وجازى على العمل؛ ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ (٤٤)،أي خير من أعقب عاقبة، وقيل: عاقبة طاعته خير من عاقبة غيره. قال ابن عبّاس: (هذان الرّجلان ذكرهما الله في سورة الصّافّات قال قائل منهم إن ﴿لِي قَرِينٌ﴾ (٣) إلى قوله تعالى ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ (٤). قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ؛﴾ أي اضرب يا محمّد لهؤلاء المتكبرين المترفين من قومك الذين سألوك طرد فقراء المؤمنين صفة الحياة الدّنيا في بقائها وفنائها؛ كماء أنزلناه ﴿مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ؛﴾ فنجع (٥) في النّبات حتى خالطه، وأخذ النبات زخرفه فصار أجناسا مختلفة بعضها مخلّط ببعض؛ ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ؛﴾ متفتّتا، والهشيم ما تكسّر وانحطم، ثم فرّقته الرياح، وطارت به كما يطير بأشياء خفيفة فلا يبقى له أثر، كذلك الدّنيا يفنى منها كلّ شيء كما لا يبقى من الهشيم شيء؛ ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾

стр. 1653

﴿مُقْتَدِراً﴾ (٤٥)؛أي لم يزل قادرا على خلق الأشياء. قالت الحكماء: شبّه الله الدنيا بالماء؛ لأن الماء لا يستقرّ في موضع، كذلك الدّنيا لا تبقي على أحد. قوله تعالى: ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ أي مما ينتفع به في الدّنيا لا في الآخرة؛ ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ (٤٦) قيل: إنّها الصلوات الخمس (١)،وقيل: جميع الطاعات. وسمّيت الباقيات لبقاء ثوابها للإنسان، بخلاف الأموال والأولاد التي لا تبقى. وقال ابن عبّاس وعكرمة ومجاهد: (هي قول العبد: سبحان الله؛ والحمد لله؛ ولا إله إلاّ الله؛ والله أكبر).يدلّ عليه ما روي عن أبي الدّرداء: أنّ رسول الله ﷺ أخذ غصنا فحرّكه حتى سقط ورقه، فقال: [إنّ المسلم إذا قال: سبحان الله؛ والحمد لله؛ ولا إله إلاّ الله؛ والله أكبر، تحاتّت خطاياه كما تحاتّ هذا، خذهنّ إليك يا أبا الدّرداء قبل أن يحال بينك وبينهنّ، فإنّهنّ من كنوز الجنّة وهنّ الباقيات الصّالحات] (٢). وعن أنس ﵁: أنّ النبيّ ﷺ قال: [خذوا حسبكم من النّار، قولوا: سبحان الله؛ والحمد لله ولا إله إلاّ الله؛ والله أكبر؛ ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، فإنّهنّ المقدّمات؛ وهنّ المنجيات؛ وهنّ المعقّبات؛ وهنّ الباقيات الصّالحات] (٣).وقال عثمان بن عفّان وابن عمر وسعيد بن المسيّب: (هنّ: سبحان الله؛ والحمد لله؛ ولا إله إلاّ الله؛ والله أكبر؛ ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم).

стр. 1654

وعن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله ﷺ : [استكثروا من الباقيات الصّالحات] قيل: ما هي يا رسول الله؟ قال: [التّكبير؛ والتّهليل؛ والتّسبيح؛ ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم] (١).وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إن عجزتم عن اللّيل أن تكابدوه، وعن العدوّ أن تجاهدوه، فلا تعجزوا عن قول: سبحان الله؛ والحمد لله؛ ولا إله إلاّ الله؛ والله أكبر. فإنّها من الباقيات الصّالحات] (٢). وقيل: هي كلّ عمل صالح يثاب عليه. قوله تعالى: ﴿(خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً)﴾ أي أفضل ثوابا، وأفضل أملا من المال والبنين. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً؛﴾ أي واذكر يوم نسيّر الجبال، ويجوز أن يكون المعنى وخير أملا يوم نسيّر الجبال، وتسيّر الجبال وتسييرها: قلعها، فإنّ الله تعالى يقلعها عن وجه الأرض يومئذ، فيسيّرها في الهواء، كما يسيّر السحاب في الدّنيا، ثم يجعلها هباء منثورا فتعود في الأرض حتى لا يبقى شيء، ولذلك قال تعالى ﴿(وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً)﴾ أي ظاهرة مستوية لا يستر شيء شيئا، ولو كان يبقى شيء من الجبال والأشجار والنبات لم تكن الأرض بارزة. قوله تعالى: ﴿وَحَشَرْناهُمْ؛﴾ يعني المؤمنين والكافرين، أي بعثناهم من قبورهم، ﴿فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ (٤٧)؛أي لم نترك منهم أحدا في قبره نسيانا ولا غفلة. قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا؛﴾ أي معناه: أن الناس كلّهم يعرضون على الله تعالى مصفوفين، كلّ زمرة وأمّة صفّ، فيكونون صفّا بعد صفّ كصفوف الصلاة إلاّ أنّهم صفّ واحد. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ؛﴾ أي أعدناكم كما خلقناكم أوّل مرة. وقال ابن عبّاس: معناه (حفاة عراة ليس معهم شيء ممّا اكتسبوه في الدّنيا كما في أوّل الخلق).

стр. 1655

قال ﷺ : [يحشر النّاس يوم القيامة من قبورهم حفاة عراة غرلا] فقالت عائشة: وا سوأتاه يا رسول الله! أما يستحيي بعضهم من بعض؟ فقال ﷺ : [لكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه] (١).قوله تعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً﴾ (٤٨)؛أي بل زعمتم في الدّنيا أن لن نجعل لكم أجلا للبعث، وهذا خطاب لمنكري البعث خاصّة. قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ؛﴾ أي كتاب كلّ إنسان في يده، بعضهم في اليمين وبعضهم الشّمال، ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ؛﴾ أي المذنبين وهم المشركون؛ ﴿مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ؛﴾ أي خائفين مما في الكتاب، يدعون على أنفسهم بالويل والثّبور؛ ﴿وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها؛﴾ قال ابن عبّاس: (الصّغيرة التّبسّم، والكبيرة الضّحك) (٢).وقال ابن جبير: (الصّغيرة المسيس والتّقبيل، والكبيرة الزّنا).والمعنى لا يترك صغيرة ولا كبيرة من أعمالنا إلاّ أثبتها. قوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً؛﴾ أي وجدوا جزء ما عملوا مكتوبا مثبتا في الكتاب، ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ (٤٩)؛أي لا ينقص من حسنات أحد، ولا يزيد في سيّئات أحد، ولا يعاقب بغير جرم. وروي أنّ الفضيل بن عياض كان إذا قرأ هذه الآية قال: (صحوا والله من الصّغار قبل الكبار). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ؛﴾ قد تقدّم تفسيره. قوله تعالى: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ؛﴾ تقدّم أيضا، الخلاف في أنه من الملائكة أم من الجنّ، بني الجان، والصحيح أنه من بني الجانّ جنس غير جنس الملائكة؛ لأنّ الملائكة رسل الله، ولا يجوز على رسول من رسل الله أن يكفر، ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ؛﴾ أي خرج عن طاعة ربه، وقيل: ردّ أمر ربه، ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي؛﴾ هذا استفهام بمعنى الإنكار، يقول:

стр. 1656

كيف تطيعونه وقد فسق، ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ،﴾ وهو اليوم عدوّ لكم، ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ (٥٠)؛ما استبدل الظّالمون عن رب العزّة إبليس لعنه الله حيث تركوا طاعة من خلقهم، وأنعم عليهم، ويجازيهم جنة الخلد، وأطاعوا من يؤدّيهم إلى العقاب الدائم. قوله تعالى: ﴿(وَذُرِّيَّتَهُ)﴾. قال قتادة والحسن: (يعني أولاد إبليس؛ وهم يتوالدون، كما يتوالد بنو آدم)،قال مجاهد: (فمن ذرّيّة إبليس ولهان؛ وهو صاحب الطّهارة والصّلاة، وزلنبور صاحب راية إبليس لكلّ سوق، ودثّير صاحب المصائب يأمر بضرب الوجه والدّعاء بالويل والثّبور وغير ذلك، والأعور وهو صاحب أبواب الزّيادة، ومنيوط وهو صاحب الأخبار يأتي بها فيلقيها في أفواه النّاس فلا يوجد لها أصل، وداسم هو الّذي إذا دخل الرّجل بيته فلم يسلّم ولم يذكر اسم الله ضرّه في المتاع ما لم يرفع ولم يوضع في موضعه، وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه. ومن أولاد إبليس الهفّاف ومرّة، وبه كان يكنى أبا مرّة).وقال ابن زيد: (إنّ إبليس أبو الجنّ، كما أنّ آدم أبو الإنس، قال الله تعالى لإبليس: إنّي لا أخلق لآدم ذرّيّة إلاّ جعلت لك مثلها، فليس من ولد آدم أحد إلاّ بشيطان قرن به) (١). قوله تعالى: ﴿*ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ؛﴾ يعني إبليس وذريّته، والمعنى: ما اطلعتهم على خلق السّماوات والأرض، ولا أحضرتهم، ولم يكونوا موجودين يوم خلقت السّماوات والأرض، ولا أشهدت بعضهم خلق بعض، ولا أعطيتهم العلم وكيفيّة خلق الأشياء، ولو كنت ممن يستعين بأحد لما استعنت بالمضلّين، فكيف والاستعانة عليّ مستحيلة إذا أردت خلق شيء كان. والمعنى أنّكم اتبعتم الشيطان، كاتّباع من يكون عنده علم باطن الأشياء، وأنا ما أشهدتهم خلق السّماوات والأرض ولا خلق أنفسهم.

стр. 1657

قوله تعالى: ﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ (٥١)؛أي ما كنت متّخذ الشياطين الذين يضلّون الناس أعوانا يعضدونني. ومن قرأ «(وما كنت)» بالفتح، فالمعنى: وما كنت يا محمّد لتتّخذ (١) المضلّين أنصارا. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ؛﴾ معناه: يوم القيامة يقول الله للمشركين: نادوا شركائي الّذين زعمتم أنّهم شركاؤهم للأصنام والشياطين وذريّته؛ ليدفعوا عنكم العذاب، ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً﴾ (٥٢)؛أي جعلنا بين العابد والمعبود من العذاب ما يوبقهم؛ أي ما يهلكهم، وقيل: معناه: وجعلنا بينهم وبين المؤمنين؛ أي بين أهل الهدى وأهل الضّلالة موبقا. قال عبد الله بن عمر: (هو واد في جهنّم من الصّديد والقيح والدّم، يفرّق يوم القيامة بين لا إله إلاّ الله ومن سواهم) (٢).وقال عكرمة: (هو نهر من النّار يسيل نارا، على حافّتيه حيّات مثل البغال).وقال الضحّاك: (معناه: وجعلنا بينهم مهلكا)،وقال الحسن: (عداوة)،ويقال: أوبقه الله؛ أي أهلكه، ووبق أي هلك. قرأ حمزة «(ويوم نقول)» بالنّون. قوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها؛﴾ أي ورأى المشركون النار مسيرة أربعين سنة، وايقنوا أنّهم داخلوها، ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً﴾ (٥٣)؛معدلا يعدلون إليه، لأنّها أحاطت بهم من كلّ جانب، والمواقعة ملامسة الشّيء بشدّة، ومنه وقائع الحروب. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ؛﴾ أي بيّنّا لهم من كلّ مثل يحتاجون إليه في أمر دينهم، ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ؛﴾ أي الكافر، ﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ (٥٤)؛في تكذيب الرّسل، وما جاءوا به من الآيات. قيل: أراد بالإنسان النضر بن الحارث وجداله في القرآن. وقال الكلبيّ: (يعني

стр. 1658

أبيّ بن خلف) ويقال: معناه: ما ليس بشيء من الملائكة والجنّ والشياطين، وسائر الأصناف أجدل من الإنسان. وعن رسول الله ﷺ قال: [ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أعطوا الجدل] (١). قوله تعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً﴾ (٥٥)؛أي ما منع أهل مكة أن يؤمنوا ﴿(إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى)﴾ يعني محمّدا ﷺ جاءهم من الله بالرّشاد، ﴿(وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ)﴾ أي يتوبوا من الكفر، ما منعهم من ذلك إلاّ طلب أن يأتيهم سنّة الأوّلين؛ وهو أنّهم إذا لم يؤمنوا جاءهم العذاب من حيث لا يشعرون، أو مقابلة من حيث يرون. وهذه الآية فيمن قتل من المشركين ببدر وأحد؛ وهو قوله تعالى: ﴿(أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً)﴾ أي عيانا مقابلة. وقرأ أهل الكوفة ﴿(قُبُلاً)﴾ بضمّ القاف والباء، جمع قبيل؛ أي صنوف من العذاب، وضروب منه مختلفة. قوله تعالى: ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ؛﴾ ظاهر المعنى، ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ؛﴾ أي يخاصم الذين كفروا بالكتاب والرّسل بالحجّة الباطلة، ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ؛﴾ أي ليبطلوا بها الإسلام والقرآن. قال ابن عبّاس: (يعني المستهزءين والمقتسمين وأتباعهم)،يقال: دحضت حجّته إذا بطلت. قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً﴾ (٥٦)؛أي اتّخذوا القرآن وما خوّفوا به من النار يوم القيامة هزوا. وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ؛﴾ أي ليس أحد أظلم ممن وعظ بالقرآن، وما فيه من الوعيد، ﴿فَأَعْرَضَ عَنْها؛﴾ أي تهاون بها ولم يتفكّر فيها. وقوله تعالى: ﴿وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ؛﴾ أي ونسي ذكر ما عملت يداه وتغافل عن ذكره، ﴿إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ؛﴾ أي أغطية؛ لئلاّ

стр. 1659

يفقهوا الهدى، وجعلنا ﴿وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً؛﴾ لئلاّ يستمعوا. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً﴾ (٥٧)؛أي إن تدعهم إلى القرآن وإلى الرحمة وإلى الإيمان فلن يهتدوا، أخبر الله أن هؤلاء طبع الله على قلوبهم. قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ؛﴾ أي الغافر السّاتر على عباده، والرحمة حين لا يعجّلهم بالعقوبة، ﴿لَوْ يُؤاخِذُهُمْ﴾ بعقاب، ﴿بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ؛﴾ في الحال؛ ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ؛﴾ أي لعذابهم أجل ضربه الله، ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً﴾ (٥٨)؛أي ملجأ ومنجى. قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا؛﴾ أي القرى الماضية، قرى عاد وثمود لمّا أشركوا، والمراد أهل القرى، ﴿وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾ (٥٩)؛أي لوقت إهلاكهم أجلا. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ (٦٠)؛أي واذكر إذ قال موسى لفتاه يوشع بن نون، قال ابن عبّاس: (وقصّة ذلك: أن موسى ﵇ قام خطيبا في بني إسرائيل، فسئل أيّ الناس أعلم؟ فقال: أنا، فبعث الله عليه فقال: إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب كيف لي به، يا رب دلّني عليه. فقال: تأخذ معك حوتا وتمضي إلى شاطئ البحر، فحيث ما فقدت الحوت فهو ثمّ، فأخذ حوتا من السّمك، وجعله في مكتل وانطلق معه بفتاه يوشع بن نون إلى شاطئ البحر، فأويا إلى صخرة عندها ماء يسمى ماء عين الحياة، فجلس يوشع يتوضّأ من تلك العين، فانتضح من ذلك الماء على الحوت فحيي، فوثب في الماء، واتّخذ سبيله في البحر سربا؛ أي اتخذ الحوت طريقا في البحر مسلكا يابسا). وقيل: معنى قوله ﴿(سَرَباً)﴾ أي ذاهبا، فقام يوشع حين رأى ذلك من الحوت، وذهب إلى موسى ليخبره بذلك، وذهبا يومهما ذلك حتى صلّيا الظهر من الغد، فتعب موسى، فقال لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا؛ أي تعبا. ومعنى الآية: وإذ قال موسى لفتاه لا أزال أمضي حتى أبلغ مجمع البحرين الموضع الذي يلتقي فيه بحر فارس والروم أو أمضي سنين كثيرة، والحقب جمع

стр. 1660

أحقاب، والأحقاب جمع الحقب، والحقب ثمانون سنة، وقيل: سبعون سنة بلغة قريش، وسمي يوشع فتاه؛ لأنه كان يخدمه ويلازمه في الحضر والسّفر للتعلّم منه. قوله تعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما؛﴾ أي الموضع الذي يجتمع فيه ماء البحرين نسي صاحب موسى أن يخبره بخبر الحوت. قال المفسّرون: وكان حوتا في زنبيل، وكانا يأكلان منه عند الغداء والعشاء، فلما أتيا إلى الصخرة على ساحل البحر وضع فتاه الزنبيل فأصاب الحوت من الماء الذي ذكرناه شيء فتحرّك في الزنبيل فانسرب في البحر، قد قيل لموسى: تزوّد معك حوتا مالحا فحيث تفقد الحوت فهناك تجد الرجل العالم. فلما انتهيا إلى الصخرة، قال موسى لفتاه: امكث هنا، وانطلق لحاجته فجرى الحوت في البحر، فقال فتاه: إذا جاء نبيّ الله أخبرته بذلك، فأنساه الشيطان، فذلك قوله تعالى: ﴿نَسِيا حُوتَهُما؛﴾ وإنّما نسي يوشع أن يذكر قصّته لموسى، وأضاف النسيان إليهما توسّعا لأنّهما تزوّدا، فصار كما يقال: نسي القوم زادهم، وإنّما نسيه أحدهم. قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً﴾ (٦١)؛أي جعل الحوت يضرب بذنبه في البحر فلا يضرب شيئا وهو ذاهب إلاّ يبس موضعه كهيئة السّرب. قال قتادة: (جعل لا يسلك فيه طريقا إلاّ صار الماء جامدا) (١)،وقال الربيع: (انجاب الماء على مسلك الحوت في الماء فصار كوّة لم يلتمّ). والسّرب في اللّغة: المحفور في الأرض، وعن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : [انجاب الماء عن مسلك الحوت، فصار كوّة لم يلتمّ، فدخل موسى الكوّة على إثر الحوت، فإذا بالخضر] (٢).وقال ابن عبّاس: (جعل الحوت لا يمسّ شيئا من الماء إلاّ يبس حتّى صار صخرة) (٣).

стр. 1661

قوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا؛﴾ أي لمّا جاوز بين البحرين، قال موسى ليوشع: آتنا بما نتغدّى به، ﴿لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً﴾ (٦٢)؛أي تعبا ومشقّة، فلما قال له موسى ذلك؛ تذكّر قصّة الحوت؛ ف ﴿قالَ؛﴾ له: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ؛﴾ عند رأس البحر؛ ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ؛﴾ ما رأيت هناك من أمر الحوت أن أذكره لك يا نبيّ الله ﴿وَما أَنْسانِيهُ؛﴾ أي وما شغلني عن ذكره لك، ﴿إِلاَّ،﴾ وسوسة، ﴿الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ،﴾ الحوت، ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ (٦٣)؛أي شيئا عجبا وهو أن الماء إنجاب عنه، وبقي كالكوّة لم يلتمّ. قوله تعالى: ﴿قالَ ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ؛﴾ أي قال موسى: ذلك الذي كنّا نطلب دلالة لنا من الله تعالى على موضع الخضر ومرتدّة من العلامة، ﴿فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً﴾ (٦٤)؛أي رجعا وعادا في الطريق الذي جاء منه يقصّان آثارهما قصصا، والقصّ اتّباع الأثر، ومنه قوله ﴿قُصِّيهِ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا؛﴾ وهو الخضر. قال ابن عبّاس: (وذلك أنّهما لمّا انتهيا إلى الصّخرة جعل يوشع يري موسى مكان الحوت وأثره في الماء، وكان موسى يتعجّب من ذلك إذ وقع موسى على رجل قائم يصلّي، فانتظر حتّى فرغ، فسلّم عليه، فردّ ﵇. وإنّما سمي الخضر؛ لأنّه إذا صلّى في مكان اخضرّ ما حوله. قوله تعالى: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا؛﴾ أي أكرمناه بالنبوّة، ﴿وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً﴾ (٦٥) ببواطن الأمور. قال ابن عبّاس: (أعطاه علما من علم الغيب). قوله تعالى: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ (٦٦)؛أي ممّا يهديني إلى الصواب، ويجوز أن يكون معنى رشدا، يرشدني به، والرّشد والرّشد لغتان. قال قتادة: (لو كان أحد مكتفيا عن العلم لاكتفى نبيّ الله موسى ﵇، ولكنّه قال: هل أتّبعك على أن تعلّمني).قال الزجّاج: (في فعل

стр. 1662

موسى ﵇-وهو من كبار الأنبياء-من طلب العلم والرّحلة دليل على أنّه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته، وأن يتواضع لمن هو أعلم منه). قوله تعالى: ﴿قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ (٦٧)؛أي قال الخضر لموسى: إنّك ترى منّي شيئا لا تصبر عليه، ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ (٦٨)؛ظاهره منكرا، والأنبياء والصالحون لا يصبرون على ما يرونه منكرا، ﴿قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً؛﴾ على ما أراه منك، ﴿وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ (٦٩)؛تأمرني به. قوله تعالى: ﴿قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ (٧٠)؛أي قال الخضر لموسى فإن اتّبعتني فلا تسألنّ عن شيء أنكرت فعله، ولا تعجل في المسألة عنه حتى أبيّن لك الوجه فيه وأفسره لك، لأنه قد غاب علمه عنك. قوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها؛﴾ أي فمضيا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها الخضر، وذلك أنّهما لمّا مشيا على الساحل مرّت بهما سفينة، فكلّموهم أن يحملوهما بغير أجرة. قال ابن عبّاس: (فلمّا ركبا في السّفينة أخذ الخضر بيده فأسا، أو منقارا وأكبّ على السّفينة يخرقها، فقال له أهل السّفينة: ننشدك الله أن لا تخرقها، فقال له: يا عبد الله لا يحلّ لك هذا، فإنّك تغرقهم، فلم يكلّمه الخضر حتّى خرق السّفينة). قيل: إنه قلع لوحين مما يلي الماء، فحشاهما موسى بثوبه و ﴿قالَ؛﴾ منكرا عليه: ﴿أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ (٧١)؛أي منكرا، ثم تنحّى موسى فجلس، وقال: ما أصنع في اتّباع هذا الرجل الذي يظلم الناس؟! كنت في بني اسرائيل أقرا عليهم التوراة بكرة وعشيّة ويقبلون منّي، فتركت ذلك وصحبت هذا الظالم فقال له الخضر بعد ما أخرج أهل السفينة متاعهم إلى الساحل: أتدري ما تحدث به نفسك؟ قال: ما هو؟ فأخبره بما حدّث به نفسه، ثم ﴿قالَ؛﴾ له الخضر:

стр. 1663

﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ (٧٣)؛أي لما تركت من عهدك ووصيّتك، وقيل: أراد به النسيان الذي هو ضدّ الذّكر. قوله تعالى: ﴿(وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً)﴾ أي لا تكلّفني مشقّة، وعاملني باليسر لا بالعسر، ولا تضيّق عليّ في صحبتي إياك. وأصل الرّهق: الغشيان، يقال: رهق الفارس فلانا إذا غشيه فأدركه. قوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ؛﴾ قال سعيد بن جبير: (وجد الخضر غلمانا، فأخذ غلاما وضيء الوجه).قال ابن عبّاس: (كان من أحسنهم وأصبحهم، فأخذه من بينهم فأصرعه وأضجعه، ثمّ ذبحه بالسّكّين، وكان غلاما لم يبلغ الحنث). وقيل: إنه اجتذب رأسه فقلعه، وقيل: نزع رأسه من جسده، وقيل: رفصه برجله فقتله، وقيل: ضرب رأسه فقتله، وكان اسم الغلام خشيود، وقيل: جيشور. و ﴿قالَ﴾ له موسى حين رأى ذلك منه: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؛﴾ أي أقتلت نفسا بريئة من الذّنوب، لم تجب ما يوجب قتلها. ومن قرأ «(زاكية)» فمعناه: طاهرة من الذّنوب لم تبلغ الحلم، ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ (٧٤)؛أي قطيعا منكرا لا يعرف في شرع. وقد اختلفوا في هذا الغلام أنّه كان بالغا أم لم يكن بالغا، إلا أن قوله ﴿(بِغَيْرِ نَفْسٍ)﴾ فيه دليل على أنه بالغا، لأن غير البالغ لا يقتل، وإن قتل غيره، وكان هذا الغلام يقطع الطريق، ويلجأ إلى أبويه فيحلفان دونه، وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [إنّ الغلام الّذي قتله الخضر طبع كافرا] (١). وقوله تعالى: ﴿(لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً)﴾ أي منكرا عظيما. قال القتيبي: (النّكر أبلغ من الإمر في الإنكار؛ لأنّ قتل النّفس أشدّ من خرق السّفينة)،وقال الزجّاج: (الإمر

стр. 1664

أبلغ في الإنكار؛ لأنّ خرق السّفينة يوجب غرق أهلها، وذلك أعظم من قتل نفس واحدة). قوله تعالى: ﴿*قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ (٧٥)؛ ظاهر المعنى. قوله تعالى: ﴿قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها؛﴾ أي بعد هذه الكرّة، ﴿فَلا تُصاحِبْنِي؛﴾ إن طلبت صحبتك، ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ (٧٦)؛ أي بلغت من عندي إلى وقت العذر. روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [رحم الله أخي موسى استحيا، فقال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، ولو ثبت مع صاحبه لأبصر الأعاجيب] (١). قوله تعالى: ﴿(مِنْ لَدُنِّي)﴾ قرأ العامّة بتشديد النون وهو الأجود؛ لأنّ أصل (لدن) الإسكان، فإذا أضفتها إلى نفسك ردّت نونا ليسلم سكون النون الأولى، كما يقول عن زيد وعنّي. ومن قرأ بتخفيفها قال (لدن) اسم غير متمكّن، فيجوز حذف النون منه. قوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها؛﴾ قيل هي قرية أنطاكيّة، قوله تعالى: ﴿(اسْتَطْعَما أَهْلَها)﴾ أي سألا لهم الطعام، ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما؛﴾ قال ﷺ : [وكانوا أهل قرية لئاما] (٢). وقوله تعالى: ﴿فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ؛﴾ أي جدارا مائلا مشرفا على الانهدام يكاد يسقط بسرعة. قال وهب: (كان جدارا طوله في السّماء مائة ذراع) وأمّا قوله ﴿(يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ)﴾ هذا من مجاز كلام العرب؛ لأن الجدار لا إرادة له، وإنّما معناه: قرب ودنا. وقوله تعالى: ﴿(فَأَقامَهُ)﴾. قال ابن عبّاس: (هدمه ثمّ أعاد بناءه).وقال ابن جبير: (مسح الجدار ورفعه بيده فاستقام).وقوله تعالى: ﴿(فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما)﴾ قرأ أبو رجاء «(يضيفوهما)» مخفّفة.

стр. 1665

وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [كانوا أهل قرية لئاما]،وقال قتادة في هذه الآية: (شرّ القرى الّتي لا تضيّف الضّيف، ولا تعرف لابن السّبيل حقّه). قوله تعالى: ﴿قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ (٧٧)؛أي قال له موسى: لاتّخذت على إقامتك للجدار جعلا (١).وقرئ «(لتخذت)» ومعناه معنى الأول (٢). قوله تعالى: ﴿قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ؛﴾ أي هذا الكلام والإنكار على ترك الأجر هو المفرّق بيننا، لأنّك قد حكمت على نفسك، وقيل: معناه هذا فراق بيننا؛ أي فراق إيصالنا، والبين من الأضداد. قوله تعالى: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ (٧٨)؛أي سأخبرك بتأويل الأشياء التي رأيتها منّي فلم تصبر عليها. قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ؛﴾ يعني السفينة التي كانت لفقراء يعملون في البحر لم يكن لهم مال غيرها، وكانوا يعملون عليها، ويأخذون أجرتها، ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها؛﴾ بالخرق، ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ﴾ يقال له جلند، ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ؛﴾ صحيحة، ﴿غَصْباً﴾ (٧٩)؛وقد يذكر (وراء) بمعنى أمام، وفيه دليل أن للوصيّ أن يعيب مال اليتيم إذا رأى فيه مصلحة. قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ؛﴾ أي الغلام الذي قتله كان كافرا، وكان أبواه مؤمنين، ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً﴾ (٨٠)؛ فلذلك قتله، وكان قد أعلمه الله بذلك، قال ﷺ : [إنّ الغلام الّذي قتله الخضر طبع كافرا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا] (٣).

стр. 1666

قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ (٨١)؛ أي فأراد الله أن يبدلهما ولدا خيرا منه صلاحا وطهارة، وقوله تعالى: ﴿(وَأَقْرَبَ رُحْماً)﴾ أي وأوصل للرّحم وأبرّ بوالديه. قال ابن عبّاس: (أبدلهما الله به جارية تزوّجها نبيّ من الأنبياء فولدت سبعين نبيّا). قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ؛﴾ أي في القرية المذكورة، وكان اسم اليتيمين: أصرما وصريما، ﴿وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قيل: إنه كان مالا، وقيل: كان علما. وعن ابن عبّاس: (أنه كان لوحا من ذهب وفيه: بسم الله الرّحمن الرّحيم؛ لا إله إلاّ الله؛ محمّد رسول الله، عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، ولمن أيقن بالنار كيف يضحك، وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يرى الدّنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها) (١).وقيل: كان ذهبا وفضّة. قوله تعالى: ﴿وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً؛﴾ أي كان ذا أمانة، كان يقال له: كاشح، وقيل: إنه كان من الأنبياء. قال سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: (حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر منهما صلاحا) (٢).قال جعفر بن محمّد: (كان بينهما وبين الأب الصّالح سبعة آباء). وعن محمّد بن المنكدر قال: (إنّ الله تعالى ليحفظ بالرّجل الصّالح ولده وولد ولده وأهل دويرته، وأهل دويرات حوله وأسرته الّتي هو فيها، فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم) (٣). قوله تعالى: ﴿فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما؛﴾ أي فأراد ربّك بالأمر تسوية الجدار إلى أن يكبرا ويعقلا، ﴿وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً؛﴾ أي نعمة؛ ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ وهذا نصب على المصدريّة؛ أي رحمهما الله بذلك رحمة.

стр. 1667

قوله تعالى: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي؛﴾ وإنّما فعلته بأمر الله تعالى، ﴿ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ (٨٢)؛وأصله تستطع؛ إلاّ أن الطاء والتاء من مخرج واحد، فحذف التاء لمّا اجتمعا لتخفيف اللفظ. وروي أن الخضر لمّا أراد أن يفارق موسى أوصاه، قال يا موسى: أفرغ عن اللّجاجة ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، ولا تعيّر المذنبين بخطاياهم، وابك على خطيئتك يا ابن عمران. قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً﴾ (٨٣)؛يعني يسألك اليهود يا محمّد عن خبر ذي القرنين ﴿(قُلْ سَأَتْلُوا)﴾ سأقرأ عليكم خبره. قال مجاهد: (ملك الأرض أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان سليمان وذو القرنين، والكافران النّمرود وبخت نصّر). واختلفوا في تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: لأنه ملك فارس والرّوم، وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد، فضربوه على قرنه الأيسر، وقيل: على قرنيه، وقيل: لأنه دخل النور والظلمة، وقيل: لأنه بلغ قطري الأرض، وكان اسمه اسكندر. قوله تعالى: ﴿إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي مكّنّاه في الأرض، ﴿وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ (٨٤)؛أي من كلّ شيء تستعين به الملوك على فتح المدائن ومحاربة الأعداء، ﴿(سَبَباً)﴾ أي بلادا إلى حيث أراد، وقيل: قرّبنا له أقطار الأرض، كما سخّرنا الريح لسليمان. وقال عليّ ﵁: (سخّر الله له السّحاب فحمله عليها ومدّ له في الأسباب، وبسط له النّور، وكان اللّيل والنّهار عليه سواء) وهذا معنى تمكّنه في الأرض، وهو أنه سهّل عليه المسير فيها، وذلّل له طرقها. قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ (٨٥)؛أي طريقا تؤدّيه إلى مغرب الشّمس. قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ؛﴾ أي إلى قوم لم يكن بينهم وبين مغرب الشّمس أحد؛ لأنه لا يمكنه أن يبلغ موضع غروب الشّمس. قوله تعالى: ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ؛﴾ أي رآها تغرب في الماء، وقيل: في عين ذات حمأة وهي الطين الأسود المنتن.

стр. 1668

وتقرا «(حامية)» أي حارّة، وهي قراءة العبادلة الثلاثة-عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن الزّبير، وعبد الله بن عمر-وابن عامر وأهل الكوفة. قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً؛﴾ أي عند العين، ﴿قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ قيل: في هذا دليل أن ذا القرنين كان نبيّا؛ لأن الانسان لا يعلم أمر الله إلاّ بالوحي، ولا يجوز الوحي إلاّ إلى الأنبياء، وقيل: كان معه نبيّ، فأوحى الله إلى ذلك النبيّ، وفي الجملة لا يمكن إثبات النبوّة إلاّ بدليل مقطوع به. وروي عن النبيّ ﷺ أنه سئل عن ذي القرنين قال: [هو ملك يسيح في الأرض] (١)،قال ابن الأنباريّ: (إنّه كان نبيّا، فإنّ الله قال له كما قال للأنبياء، إمّا بتكليم أو بوحي، ومن قال لم يكن نبيّا، قال معنى قوله ألهمنا كقوله ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى﴾ (٢) أي ألهمناها. قوله تعالى: ﴿إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ (٨٦)؛أي قلنا له إما أن تقتلهم على الكفر إن أبوا الإسلام، وإما أن تأسرهم فتعلّمهم الهدى وتبصّرهم الرشاد. قوله تعالى: ﴿قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ؛﴾ أي من أسرف، ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ؛﴾ أي نقتله، وكلّ من أشرك فقد ظلم نفسه، ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ؛﴾ في الآخرة بعد قتلي إيّاه، ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً﴾ (٨٧)؛يعني في النار أنكى من القتل وأعظم. قوله تعالى: ﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى؛﴾ أي فله في الآخرة جزاء الحسنى أي الجنة بالطاعة التي عملها في الدنيا. وقرأ أهل الكوفة ﴿(جَزاءً)﴾ نصبا وهو مصدر وقع موقع الحال؛ أي فله الحسنى مجزيّا بها. قال ابن الأنباريّ: (جزاء نصبا على المصدر؛ أي فيجزى الحسنى جزاء).قوله: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً﴾ (٨٨)؛أي سنأمره في الدّنيا بما نيسّر عليه.

стр. 1669

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ (٨٩)؛أي سلك طريقا آخر نحو المشرق. قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً﴾ (٩٠)؛أي حتى إذا انتهى إلى آخر العمارة من جهة المشرق وجد عند الشمس قوما لم يكن لهم جبل ولا شجر ولا شيء يسترهم عن الشمس. قال لكلبيّ: (معناه حفاة عراة يفترش أحدهم أذنه ويلبس الأخرى). قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً﴾ (٩١)؛أي وجد قوما كذلك. قيل: الذين كانوا عند مغرب الشّمس، وقيل: معناه: كما بلغ مغرب الشمس وكذلك بلغ مطلعها، ثم استأنف وقال ﴿(وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً)﴾ أي علما. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢) حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ؛﴾ أي ثم أتبع سببا ثالثا مما يبلغه قطرا من أقطار الأرض، وقيل: أتبع سببا: حتى إذا بلغ طريقا من المشرق نحو الرّوم، وحتى إذا بلغ بين الجبلين الذين جعلوا الرّدم بينهما، وهما السدّان. قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿(السَّدَّيْنِ)﴾ بفتح السّين، وقرأ الباقون بضمّها، وهما لغتان، ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِما﴾ الجبلين، ﴿قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ (٩٣) أي لا يكادون يفقهون قول غيرهم، ولا يعرفون لغة غيرهم. قرأ حمزة والكسائيّ وخلف «(يفقهون)» بضمّ الياء وكسر القاف، ومعناه: لا يكادون يفقهون أحدا قولا. قال ابن عبّاس ﵄: (لا يفقهون كلام أحد، ولا أحد يفهم كلامهم). قوله تعالى: ﴿قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي قالوا بإشارة أو ترجمان؛ لأنه قد تقدّم أنّهم لا يفقهون قولا، إن يأجوج ومأجوج، وهما قبيلتان من أولاد يافث بن نوح مفسدون في الأرض؛ أي يفسدون أموال الناس؛ لأنّهم كانوا أهل بغي وظلم. قال الكلبيّ: (كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء الّذين شكوهم إلى ذي القرنين أيّام الرّبيع فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلاّ أكلوه، ولا يابسا إلاّ احتملوه).

стр. 1670

وعن عبد الله قال: سألت النّبيّ ﷺ عن يأجوج ومأجوج، قال: [يأجوج أمّة ومأجوج أمّة، كلّ أمّة أربعمائة ألف، لا يموت أحدهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السّلاح] قلنا: يا رسول الله! صفهم لنا؟ قال: [هم ثلاثة أصناف: صنف منهم طول الرّجل منهم مائة وعشرون ذراعا، وصنف طوله وعرضه سواء عشرون ومائة ذراع أيضا، وهم الّذين لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش كلّ واحد منهم إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى لا يمرّون بفيل ولا جمل ولا وحش ولا خنزير إلاّ أكلوه، لهم مخالب في أيديهم وأضراس كأضراس السّباع، وأنياب يسمع لها حركة كحركة الجرس في حلوق الإبل، ولهم من الشّعر في أجسادهم ما يواريهم، وما يتّقى منه الحرّ والبرد، يعوون عويّ الذّئاب، ويتسافدون كتسافد البهائم إذا التقوا] (١). قال وهب: (يشربون ماء البحر ويأكلون دوابّها، ويأكلون الخشب والشّجر، ومن ظفروا به من النّاس أكلوه).وقال كعب: (هم زيادة في ولد آدم، وذلك أنّ آدم احتلم ذات يوم فامتزجت نطفته في التّراب، فخلق الله من ذلك يأجوج ومأجوج، فهم متّصلون بنا من جهة الأب دون الأمّ). وقال ابن عبّاس: (هم عشرة أجزاء وولد آدم كلّهم جزء).وقيل: إن التّرك منهم إلاّ أن أولئك أشدّ فسادا من التّرك، فتباعدوا عن الناس، كما ينعزل اللّصوص. ويأجوج ومأجوج اسمان أعجميّان لا ينصرفان؛ لأنّهما معرفة. قوله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (٩٤)؛ أي قالوا هل نجعل لك بعضا من أموالنا ضربته في كلّ سنة على أن تجعل بيننا وبينهم حاجزا وسدّا. والرّدم هو السدّ، وردمت الباب؛ أي سددته، والخرج والخراج واحد. قوله تعالى: ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ؛﴾ أي قال لهم ذو القرنين: ما مكّنّي الله من الاتساع في الدّنيا خير من خراجكم الذي تبذلونه لي، يريد ما أعطاني الله وملّكني أفضل من عطيّتكم. قوله تعالى: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ؛﴾ أي الرّجال

стр. 1671

والآلات، ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ (٩٥)؛الرّدم أشدّ الحجاب، وهو أكبر من السدّ. قوله تعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ؛﴾ والزّبرة القطعة العظيمة، فأتوه بها فبناه، ﴿حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ؛﴾ أي حتى إذا ملأ ما بين الجبلين، وسمّاهما صدفين؛ لأنّهما يتصادفان، أي يتقابلان، فلما وضع بينهما الحديد وجعل «بَيْنَ» كلّ قطعتي حديد حطبا حتى ملأ ما بين الجبلين، فأمر بالنار فأرسلت فيه، و ﴿قالَ﴾ للحدّادين: ﴿اُنْفُخُوا؛﴾ بالمنافيخ، ﴿حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً؛﴾ أي حتى إذا صار الحديد كالنار، ﴿قالَ آتُونِي؛﴾ أي أعطوني قطرا، ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ (٩٦)؛وهو النحاس الذائب أصبّه على الحديد والحطب فيتقطّر كما يتقطر الماء، ففعل حتى إذا جعل بعضه في بعض، فصار الجميع شيئا واحدا جبلا صلدا من حديد ونحاس. قيل إنه حفر له الأساس حتى بلغ الماء، ثم جعل عرضه خمسين فرسخا ثم ملأه وشرفه (١). قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ (٩٧)؛ أي ما قدروا أن يعلوه لارتفاعه وملاسته، وما قدروا أن ينقبوه من أصله؛ لشدّته وصلابته. وعن أبي هريرة: [أنّ يأجوج ومأجوج يحفرون كلّ يوم، ثمّ يقولون: نرجع إلى غد ونجيء أيضا نحفره، فيأتونه غدا وقد أعاده الله كما كان قبل أن يحفروه] (٢). قوله تعالى: ﴿قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي؛﴾ أي قال لهم ذو القرنين لمّا فرغ من بنائه، هذا التمكين الذي أدركت به السدّ رحمة من ربي من حيث ألهمني وقوّاني، ونعمة من ربي عليكم، ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ؛﴾ أي وقت اشتراط

стр. 1672

السّاعة جعل السدّ كسرا. ومن قرأ «(دكّا)» فمعناه أرضا منبسطة، يقال: ناقة دكّاء إذا لم يكن لها سنام، ﴿وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (٩٨)؛أي كان تقديره لخروجهم صدقا كائنا. قوله تعالى: ﴿*وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ؛﴾ أي تركنا يأجوج ومأجوج يوم انقضاء أمر السدّ يموجون في الدّنيا مختلطين لكثرتهم، يقال: ماج الناس إذا دخل بعضهم في بعض حيارى كموج الماء، فيخرجون على الناس فيشربون الماء، يأكلون الدوابّ، ومن ظفروا به من الناس أكلوه، فاذا كثر فسادهم في الأرض بعث الله عليهم بعثا فيقتلهم فيموتون كموت الجراد. وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً﴾ (٩٩)؛يعني النفخة الثانية التي تكون للحشر يحشر بها الناس من قبورهم، ويجمعون جمعا في الموقف. قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً﴾ (١٠٠)؛أي وأظهرنا جهنّم يوم القيامة للكافرين حتى يروا فيها جزاء أعمالهم معاينة. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي؛﴾ أي أظهرنا جهنّم حتى شاهدها الناس الذين كانت أعين قلوبهم في غطاء عن ذكري لما تراءى لها من الرّين والغشاوة، ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ (١٠١)؛أي كان يثقل عليهم ذكر الله تعالى. قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ؛﴾ أي أيحسب الكفار أن ينفعهم اتّخاذهم عبادي مثل المسيح والملائكة الذين عبدوهم من دوني أربابا. قوله تعالى: ﴿إِنّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً﴾ (١٠٢)؛أي جعلناها منزلا ومأوى لهم، ومعدّة عندنا، كما يهيّأ المنزل للضيف. قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً﴾ (١٠٣)؛أي قل لهم يا محمّد: هل نخبركم بالأخسرين أعمالا في الآخرة يعني كفار أهل الكتاب واليهود والنصارى؟ وقال عليّ ﵁: (هم الرّهبان والقسّيسون حبسوا أنفسهم في الصّوامع) وقيل: هم جميع اليهود والنّصارى،

стр. 1673

عملهم واجتهادهم في الدّين، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ (١٠٤)؛أي وهم يظنّون أنّهم يعملون صالحا. ثم بيّن من هم فقال: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ؛﴾ أي جحدوا دلائل توحيده، وأنكروا البعث بعد الموت، ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ؛﴾ أي بطلت حسناتهم التي عملوها مثل صلة الرّحم، والإحسان إلى الناس، فلا يرون سعيهم مع الكفر شيئا، ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ؛﴾ ولا يكون لهم عند الله، ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾ (١٠٥)؛قدرا ولا منزلة. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا؛﴾ أي ذلك الإحباط جزاؤهم، ﴿وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً﴾ (١٠٦)؛أي واتّخاذهم القرآن ونبوّة أنبيائي هزوا؛ يستهزءون بها. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ (١٠٧)؛الفردوس في اللّغة: جنّة ذات كروم. قال رسول الله ﷺ : [الجنّة مائة درجة، ما بين كلّ درجتين ما بين السّماء والأرض، الفردوس أعلاها، منها تتفجّر الأنهار الأربعة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس] (١).وقال ﷺ : [جنّات الفردوس أربع: جنّتان من فضّة آنيتهما وما فيهما من فضّة، وجنّتان من ذهب آنيتهما وما فيهما من ذهب] (٢). وقيل: خلق الله الفردوس بيده يفتحها كلّ يوم خمس مرّات، فيقول: ازدادي حسنا وطيبا لأوليائي. وقال قتادة: (الفردوس ربوة الجنّة وأفضلها وأرفعها) (٣) وقال

стр. 1674

أبو أسامة: (الفردوس سرّة الجنّة) (١).وقال كعب: (ليس في الجنّة جنّة أرفع من الفردوس، فيها الآمرون بالمعروف، والنّاهون عن المنكر) (٢). قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً﴾ (١٠٨) أي مقيمين فيها لا يطلبون عنها تحويلا. قال ﷺ : [إنّ الفردوس أرفع موضع في الجنّة وأحسنه] (٣). قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي؛﴾ الآية، وذلك أنه لمّا نزل قوله تعالى: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٤) وقالت اليهود والنصارى: أوتينا علما كثيرا، أوتينا التوراة فيها علم كلّ شيء، فأنزل الله هذه الآية؛ أي لو كان البحر مدادا لعلم ربي وحكمته، فيكتب من البحر كما يكتب من المداد، ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ وتكسّرت الأقلام، ﴿قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ؛﴾ أي بمثل البحر، ﴿مَدَداً﴾ (١٠٩)؛لهذا البحر. ويقال أراد ب ﴿(لِكَلِماتِ رَبِّي)﴾ معاني القرآن والأحكام المستنبطة منه، والمدد شيء بعد شيء. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ؛﴾ أي قل يا محمّد: إنّما أنا بشر آدميّ مثلكم. قال ابن عبّاس: (علّم الله نبيّه التّواضع لئلاّ يتباهى (٥) على خلقه، فأمره الله أن يقرّ على نفسه بأنّه آدميّ كغيره إلاّ أنّه أكرم بالوحي (٦)،وهو قوله تعالى: ﴿يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ لا شريك له، ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ أي يخشى لقاء ربه ويخاف البعث في المصير إليه، ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً؛﴾ أي خالصا لا يرى في عبادة الله أحدا، ﴿وَلا يُشْرِكْ؛﴾ مع الله غيره في العبادة. وقال سعيد بن جبير: معناه (ولا يرى) ﴿بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (١١٠)؛وعن عطاء عن ابن عباس قال: (قال: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾،ولم يقل: ولا يشرك به؛

стр. 1675

لأنه أراد العمل الذي يعلمه لله، ويحبّ أن يحمد عليه).قال الحسن: (هذا في من أشرك بعمله يريد الله به والنّاس). وعن عبادة بن الصامت: قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من صلّى صلاة يرائي بها فقد أشرك، ومن صام صوما يرائي به فقد أشرك] وقرأ هذه الآية ﴿(فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)﴾ (١). وعن أبي هريرة وأبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ أنه قال: [من قرأ سورة الكهف فهو معصوم إلى ثمانية أيّام من كلّ فتنة يكون فيها، ومن قرأ الآية الّتي في آخرها حين يأخذ مضجعه كان له نور يتلألأ إلى مكّة، حشو ذلك النّور ملائكة يصلّون عليه حتّى يقوم من مضجعه. وإن كان مضجعه بمكّة فتلاها كان له نور يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور، حشو ذلك النّور ملائكة يصلّون عليه ويستغفرون له حتّى يستيقظ]. وقال ﷺ : [ومن حفظ عشر آيات من أوّل سورة الكهف ثمّ أدرك الدّجّال لم يضرّه] (٢).وقال ﷺ : [من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ستّة أيّام من كلّ فتنة تكون، فإن خرج الدّجّال عصم منه] (٣). آخر تفسير سورة (الكهف) والحمد لله رب العالمين

стр. 1676

سورة مريم سورة مريم مكّيّة، وهي ثلاثة آلاف وثمانمائة حرف، وتسعمائة واثنتان وستّون كلمة، وثمان وتسعون آية. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كهيعص﴾ (١)؛قال ابن عبّاس: (أوّل هذه السّورة ثناء أثنى به الرّبّ على نفسه، والكاف من كاف، والهاء من هاد، والياء من حكيم، والعين من عليم، والصّاد من صادق وصمد) (١).وقيل: معناه: كاف لخلقه هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم ببريّته، صادق في وعده (٢). قوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ (٢)؛أي بهذا اذكر رحمة ربك على زكريّا، أو ما يتلى عليكم ذكر رحمة ربك، و ﴿(عَبْدَهُ)﴾ منصوب بالرحمة. قوله تعالى: ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ (٣)؛أي إذ دعا ربّه سرّا في جوف اللّيل مخلصا لم يطّلع عليه إلاّ الله، ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي؛﴾ أي ضعف منّي.

стр. 1677

قال قتادة: (شكا ذهاب أضراسه)،والوهن في اللغة: نقصان القوّة، ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً؛﴾ يقول: شخت وضعفت، ومن الموت قربت. والاشتعال: انتشار شعاع النّار، واشتعاله في الشّيب من أحسن الاستعارة؛ لأنه ينتشر في الرأس، كما ينتشر شعاع النار. قوله تعالى: ﴿(شَيْباً)﴾ نصب على المصدر، وهذا يدلّ على أن أفضل الدّعاء دعاء السرّ، كما قال ﷺ : [خير الدّعاء الخفيّ، وأفضل الرّزق ما يكفي] (١). قوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (٤)؛أي كنت تجيبني إذا دعوتك، وقد عوّدتني الإجابة في ما مضى فلم لا تجيبني. قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي؛﴾ أي خفت العصبة وبني العمّ أن يرثوا علمي دون من كان من نسلي، ويقال: خفتهم على الدّين من ورائي؛ لأنّهم كانوا من أشرار بني إسرائيل. قرأ يحيى بن يعمر: «(خفّت)» بفتح الخاء وتشديد الفاء، و «(الموالي)» بسكون الياء، يعني ذهبت الموالي. وقلت: وقوله تعالى: ﴿(مِنْ وَرائِي)﴾ أي بعد موتي. قوله تعالى: ﴿وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً؛﴾ أي عقيما من الولد، والرجل العاقر: الذي لا يولد له. وامرأته هي أخت أمّ مريم بنت عمران بن ماثان. قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ (٥)؛أي أعطني من عندك ولدا، ﴿يَرِثُنِي،﴾ يرث نبوّتي ومكاني ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ؛﴾ العلم والنبوّة، أراد بذلك يعقوب بن ماثان وهم أخوال يحيى، وبنو ماثان كانوا رؤساء بني إسرائيل، وليس يعقوب هذا أبو يوسف. قرأ أبو عمرو والكسائي: «(يرثني ويرث)»

стр. 1678

بالجزم فيهما على جواب الدّعاء، وقرأ الباقون برفعهما على الحال والصّفة. وقوله تعالى ﴿(وَلِيًّا)﴾ أي واليا. قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ (٦)؛أي وفّقه للعمل حتى يصير ممّن ترضاه. وقال أبو صالح: (معناه: واجعله رب نبيّا كما جعلت أباه).وقيل: اجعله صالحا تقيّا برّا مرضيّا. وذهب بعض المفسّرين أنّ معنى قوله تعالى ﴿(يَرِثُنِي)﴾ اي يرث مالي، إلاّ أنّ حمل الآية على ميراث العلم أولى؛ لأن الأنبياء كانوا لا يشحّون بالمال، ولا يتنافسون على مصير المال بعد موتهم إلى مستحقّه؛ ولأنه قال ﴿(وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)﴾ ولم يرد بذلك المال، ولأنّ النبيّ ﷺ قال: [إنّا-معشر الأنبياء-لا نورث ما تركناه صدقة] (١) وإنّما دعاء زكريا بالولد ليلي أمور الدّين بعده؛ لخوفه من بني أعمامه أن يبدّلوا دينه بعد وفاته، وخاف أن يستولوا على علومه وكتبه فيحرّفونها، ويواكلون الناس بها، ويفسدون دينه، ويصدّون الناس عنه. قوله: ﴿يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى؛﴾ معناه: إنّ الله استجاب له فأوحى إليه: ﴿(يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ)﴾ أي نفرّحك ﴿(بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى)﴾؛لأنّ الله أحيا به الإيمان والحكمة. قوله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (٧) قال الكلبيّ وقتادة: (معناه: لم نسمّ أحدا قبله يحيى) (٢)،قال ابن جبير وعطاء: (لم نجعل له شبيها ولا مثلا؛ لأنّه لم يعص ولا يهمّ بمعصية).وقيل: لم تلد العواقر مثله. وإنّما قال ﴿(مِنْ قَبْلُ)﴾ لأنه تعالى أراد أن يخلق بعده أفضل منه وهو محمّد ﷺ ، وقيل: إن الله تعالى لم يرد بهذا القول جمع الفضائل كلّها ليحيى، وإنّما أراد في بعضها؛ لأن الخليل والكليم كانا قبله، وكانا أفضل منه.

стр. 1679

قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ؛﴾ أي قال زكريّا لجبريل: يا سيّدي من أين يكون لي ولد، ﴿وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً﴾ من الولد، ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (٨)؛أي حال اليأس والجفف. روي أنه كان له يومئذ بضع وستّون سنة، والعتيّ هو الذي غيّره طول الزمان إلى اليأس (١).قال قتادة: (وإنّما قال ذلك لنحول عظمه) يقال: رجل عات اذا كان قاسي القلب غير ليّن. وقرأ حمزة والكسائي: ﴿(عِتِيًّا)﴾ بكسر العين وهما لغتان، وقد تقدّم أن هذا القول من زكريا لم يكن على جهة الإنكار، ولكن أحبّ من أيّ وجه يكون أبردّهما إلى الشّباب، أو يرزقهما الولد وهما على هذه الصفة. قوله تعالى: ﴿قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ؛﴾ أي قال له جبريل: هكذا قال ربّك، كما قلت لك هو عليّ هيّن، ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ؛﴾ أي من قبل يحيى، ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ (٩)؛وكنت معدوما. قرأ حمزة والكسائيّ: «(وقد خلقناك من قبل)» بالنون والألف. قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً؛﴾ أي قال زكريا: يا رب اجعل لي علامة أعلم بها وقوع ما بشّرت به؛ لأتعجّل المسرّة، ﴿قالَ آيَتُكَ؛﴾ علامتك، ﴿أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ (١٠)،أي لا تقدر أن تكلم الناس، وأنت سويّ لا خرس بلسانك ولا آفة، فإنه كان يقرأ الزّبور ويدعو الله ويسبّحه، ولكنه اعتقل كلامه عن كلام الناس. وقوله ﴿(سَوِيًّا)﴾ أي صحيحا سالما من غير بأس ولا خرس، و ﴿(سَوِيًّا)﴾ منصوب على الحال. قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ؛﴾ أي خرج عليهم من مصلاّه متغيّر اللون، وهم ينتظرونه فأنكروه وقالوا: ما لك يا زكريا؟ ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ؛﴾ أي أشار إليهم وأومأ، ويقال: كتب بيده ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (١١)؛أي صلّوا لله غدوة وعشيّة، والسّبحة الصلاة، فلما كان وقت حمل

стр. 1680

امرأته ومنع من الكلام، خرج إليهم يأمرهم بالصلاة إشارة، ثم تكلم بعد ثلاث، وأتى امرأته على طهر، فحملت بيحيى. قوله تعالى: ﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ؛﴾ أي قال الله ليحيى بعد ما بلغ البلغ الذي يجوز أن يخاطب: ﴿(خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ)﴾ أي اعمل بما في التّوراة بجدّ ومواظبة وعزيمة. قوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (١٢)؛أي أعطيناه الحكمة، وهي الفهم لكتاب الله صبيّا، وكان يحيى ﵇ على هيئة الصبيان، وله عقل البالغين. وقال ابن عبّاس: (وآتيناه النّبوّة في صباه وهو ابن ثلاث سنين) (١).وروي أنه مرّ بالصّبيان وهو صغير، فقالوا: تعال نلعب، فقال: ما للّعب خلقنا (٢). قوله تعالى: ﴿وَحَناناً مِنْ لَدُنّا وَزَكاةً؛﴾ أي وآتيناه تحنّنا على قومه، ورقّة قلب عليهم؛ ليدعوهم إلى طاعة ربهم، وقوله ﴿(وَزَكاةً)﴾ اي عملا صالحا وإخلاصا، وقيل: معناه: جعلناه طاهرا من الذّنوب. وقيل: معناه: ﴿(وَحَناناً مِنْ لَدُنّا)﴾ أي جعلناه رحمة من عندنا لأبويه ﴿(وَزَكاةً)﴾ أي صدقة عليهما. قوله تعالى: ﴿وَكانَ تَقِيًّا﴾ (١٣)؛أي مطيعا مخلصا بجميع كل ما يرضاه الله من عباده. قال المفسّرون: وكان من تقواه أنه لم يعمل خطيئة ولا همّ بها. قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ؛﴾ أي لطيفا بوالديه، محسنا إليهما، ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبّاراً عَصِيًّا﴾ (١٤)؛أي لم يكن متكبرا على من في دينه، ولا عاصيا لربه. قوله تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ؛﴾ أي سلامة وسعادة منّا عليه حين ولد وحين يموت، ﴿وَيَوْمَ،﴾ وحين؛ ﴿يُبْعَثُ حَيًّا﴾ (١٥)؛من القبر. قال عطاء: (يريد سلامة له منّا). قال سفيان بن عيينة: (أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم ولد فيرى نفسه خارجا ممّا كان فيه، ويوم يموت فيرى قوما ما لم يكن عاينهم، وأحكاما لم

стр. 1681

يعهدها، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر لم يره، فخصّه الله بالكرامة والسّلامة والسّلام في المواطن الثّلاثة) (١). وعن الحسن: (أنّ يحيى وعيسى ﵉ التقيا، فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير منّي، وقال يحيى: استغفر لي فأنت خير منّي، فقال عيسى: بل أنت خير منّي، أنا سلّمت على نفسي، وأنت سلّم الله عليك). قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا﴾ (١٦)؛أي اذكر يا محمّد في القرآن خبر مريم؛ لتعتبر الناس بدينها وصلاحها، والمعنى اذكر خبرها لأهل مكّة. قوله تعالى ﴿(إِذِ انْتَبَذَتْ)﴾ أي تنحّت من أهلها، وتفرّدت ممّن كانوا معها في الدار إلى مكان في جانب الشّرق، جلست فيه؛ لأنّها كانت في الشّتاء، فجلست في مشرقة الشمس. وقال عكرمة: (أرادت الغسل من الحيض، فتحوّلت إلى مشرقة دارهم للغسل) ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً؛﴾ أي من دون أهلها سترا لئلاّ يروها، ف؛بينما هي في مشرقة الدار تغتسل من الحيض، ﴿فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا،﴾ أي دخل عليها جبريل ﵇ بعد ما فرغت من الاغتسال في صورة شابّ أمرد حسن الوجه جعد الشعر، وذلك قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ (١٧)؛وإنّما أرسل الله جبريل في صورة البشر؛ لتثبت مريم وتقدر على استماع كلامه. قال ابن عبّاس: (فلمّا رأت مريم جبريل تقصّد نحوها نادته من بعيد) (٢)، ﴿قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ (١٨)؛أي إن كنت تقيّا مخلصا مطيعا، فستنتهي لتعوذي بالله منك، وقيل: إنّ تقيّا كان رجلا من أمثل الناس في ذلك الزمان، فقالت: إن كنت في الصلاح مثل التقيّ، فإنّي أعود بالرّحمن منك،

стр. 1682

قوله تعالى: ﴿(فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا)﴾ أي جبريل ﵇، خصّ بالإضافة إلى الله تعالى تشريفا له، وسمّي روحا؛ لأن الناس يحيون بما جاء في أديانهم، كما يحيون بأرواح أبدانهم. قوله تعالى: ﴿قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا﴾ (١٩) أي لأهب لك بأمر الله ولدا صالحا طاهرا من الذنوب. ومن قرأ: (ليهب لك غلاما زكيّا) فالمعنى ليهب الله لك. قوله تعالى: ﴿قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ؛﴾ أي من أين يكون لي ولد، ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ؛﴾ ولم يقربني زوج، ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (٢٠)؛أي ولم أكن فاجرة زانية، والباغية هي الطالبة للزّنى. قال ابن عبّاس: (قالت مريم ليس لي زوج، ولست بزانية، ولا يكون الولد إلاّ من الزّوج أو الزّنى). قوله تعالى: ﴿قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ؛﴾ أي قال لها جبريل، كما قلت لك قال ربّك: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ؛﴾ أي خلقه عليّ هيّن من غير هاتين الجهتين، كخلق آدم، لا أب ولا أمّ. قوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرَحْمَةً مِنّا؛﴾ أي لنجعله دلالة على قدرتنا ورحمة للخلق، وقيل: ورحمة لمن اتّبعه على دينه وصدقه وكان خلقه، ﴿وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا﴾ (٢١)؛أي محكوما به مفروغا منه، سابقا في علم الله أن يقع. قوله تعالى: ﴿*فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا﴾ (٢٢)؛وذلك أنّها لمّا سمعت كلام جبريل اطمأنّت إلى قوله، فدنا منها ونفخ في جيبها، فوصلت تلك النفخة إلى بطنها فحملت بعيسى ﵇. وقيل: نفخ جبريل بها من بعيد فوصلت النفخة إليها فحملت. فلما ظهر حملها انتبذت أي خرجت وانفردت، وتنحّت بولادتها إلى مكان بعيد من الناس. والانتباذ: مأخوذ من نبذت الشيء إذا رميت به، وجلس نبذة أي ناحية، والقاصي والقصيّ خلاف الدّاني. واختلفوا في مدّة حملها، فقال بعضهم: تسعة أشهر كحمل سائر النّساء على ما جرت به العادة، وقال: بعضهم ثمانية أشهر، وكان ذلك آية أخرى؛ لأنه لم يعش

стр. 1683

مولود وضع لثمانية أشهر غير عيسى ﵇، وقال بعضهم: ستة أشهر، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: ساعة واحدة. وقال ابن عبّاس ﵄: (ما هو إلاّ أن حملت فوضعت، ولم يكن بين الحمل والإنباذ إلاّ ساعة؛ لأنّ الله تعالى لم يذكر بينهما فصلا).وقال مقاتل: (حملته في ساعة وصوّر في ساعة، ووضعته في ساعة حين زالت الشّمس من يومها وهي بنت عشر سنين، وقد حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى ﵇.قوله تعالى: ﴿(مَكاناً قَصِيًّا)﴾ أي مكانا بعيدا. قال ابن عبّاس: (أقصى الوادي فرارا من قومها أن يعيّروها بولادتها من غير زوج). قوله تعالى: ﴿فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ؛﴾ أي ألجأها، ويقال: جاء بها وأجاءها بمعنى واحد، كما يقال ذهب به وأذهبه. والمخاض: وجع الولادة، وقيل: تحرّك الولد للولادة، وقيل: الحمل. وقرأ عبد الله: «(فآواها المخاض)».وقوله تعالى: ﴿إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ؛﴾ وكانت نخلة يابسة في الصحراء ولم يكن لها سعف أي لا رأس لها، وقيل: كان جذعا ميتا قد أتي به لبناء بيت. قوله تعالى: ﴿قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا﴾ (٢٣) أي لم أخلق، وقيل: شيئا متروكا لا يذكر، والنّسي في كلام العرب: الشيء الحقير الذي إذا ألقي نسي، ولم يلتفت إليه. قال السديّ: (إنّما تمنّت مريم الموت استحياء من النّاس، خافت الفضيحة) (١). وقيل: للحال الذي دفعت إليها من الولادة، والصحيح: أنّها إنّما تمنّت لعلمها بأنّ الناس سيرمونها بالفاحشة فيأثمون بسببها، فتمنّت أن تكون ماتت قبل أن تقول الناس بسببها قولا يسخط الله تعالى. قرأ حمزة وحفص ﴿(نَسْياً)﴾ بفتح النون وهما لغتان.

стр. 1684

قوله تعالى: ﴿فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي؛﴾ قال ابن عبّاس والسديّ والضحّاك وقتادة: (إنّ المنادي من تحتها هو جبريل ﵇، كأنّه كان في مكان أسفل من مكانها، فناداها ألاّ تحزني يا مريم على ولادة عيسى، فقد أحسن الله لك الاختيار، وجعل تحتك سريّا).قال السديّ: (هو النّهر الصّغير، سمّي سريّا؛ لأنّه يسري لجريانه) (١). وقال الحسن: (هو عيسى، وهو والله السّريّ من الرّجال) (٢).وهذا التأويل على قراءة من قرأ ﴿(مِنْ تَحْتِها)﴾ بكسر الميم والتّاء، وهي قراءة نافع وحمزة والكسائي وحفص، وقرأ الباقون بالفتح وهو عيسى ﵇ لمّا خرج من بطن أمّه ناداها ألاّ تحزني، ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (٢٤)؛أي نهرا صغيرا. قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ؛﴾ قال ابن عبّاس: (ضرب جبريل، وقيل: عيسى ﵇ برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب، وجرى تحت النّخلة، فحيت بعد يبسها فأورقت وأثمرت ورطبت).ومعنى الآية: حرّكي وخذي إليك جذع النخلة. والباء فيه زائدة، تقول العرب: هزّه وهزّ به، وخذ بالخطام وخذ الخطام. قوله تعالى: ﴿تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا﴾ (٢٥)؛قرأ يعقوب «(يساقط)» بالياء، يعني الجذع، وقرأ حفص بالتاء وضمّها وتخفيف السّين وكسر القاف. وقرأ حمزة «(تساقط)» بفتح التاء والقاف مخفّفا، وقرأ الباقون بفتح التاء وتشديد السين؛ أي يتساقط، فأدغمت الياء في السين. معناه: يسقط عليك النخلة، والرطب الجنيّ: هو الجنيّ من الثمرة الرطبة الطريّة. ونصب ﴿(رُطَباً)﴾ على التفسير. ومن قرأ ﴿(تُساقِطْ)﴾ بالضم انتصب على المفعول.

стр. 1685

قوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً؛﴾ أي فكلي من الرّطب، واشربي من النهر، وقرّي عينا بولدك عيسى، وطيبي نفسا؛ أي يقال: قرّت عينه؛ أي بردت برد السرور بما ترى، ويقال: سكنت سكون السّرور برؤية ما تحبّ، فالأول من القرّ؛ والثاني من القرار. وانتصب ﴿(عَيْناً)﴾ على التفسير المحول، كما يقال: طيبي نفسا؛ أي طابت نفسك. قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً؛﴾ أي فإما ترينّ من الآدميّين أحدا، فسألك عن الولد أو لامك عليه، ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً؛﴾ أي صمتا، وكذلك كان يقرؤها ابن مسعود وأنس ﵄، قال ابن عبّاس ﵄: (صمتا؛ أي أوجبت على نفسها أن لا تتكلّم) (١). وقال قتادة: (صامت عن الطّعام والشّراب والكلام) ولهذا قالت: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (٢٦)؛أي آدميّا، وكان قد أذن لها أن تتكلم بهذا القدر ثم سكتت. قال ابن مسعود ﵁: (أمرت بالصّمت؛ لأنّها لم يكن لها حجّة عند النّاس في شأن ولدها، فأمرت بالكفّ عن الكلام يكفيها ولدها الكلام بما يبرئ ساحتها) (٢). وفي الآية دلالة أنّ الصمت كان قربة في زمانهم، ولولا ذلك لما نذرته مريم، ثم نسخ ذلك بنهي النبيّ ﷺ عن صوم الصّمت. ويروى أنه ﷺ نهى عن صمت يوم إلى اللّيل (٣). قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا﴾ (٢٧)؛روي أنّها أتت بعيسى تحمله إلى قومها بعد أن طهرت من نفاسها؛ أي بعد أربعين يوما، فتكلّم عيسى في الطريق وهو ابن أربعين يوما، فقال: يا أمّاه أبشري فإنّي عبد الله ومسيحه، فلما دخلت على قومها بكوا وحزنوا، وكانوا أهل
следующие страницы →