← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

يعهدها، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر لم يره، فخصّه الله بالكرامة والسّلامة والسّلام في المواطن الثّلاثة) (١). وعن الحسن: (أنّ يحيى وعيسى ﵉ التقيا، فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير منّي، وقال يحيى: استغفر لي فأنت خير منّي، فقال عيسى: بل أنت خير منّي، أنا سلّمت على نفسي، وأنت سلّم الله عليك). قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا﴾ (١٦)؛أي اذكر يا محمّد في القرآن خبر مريم؛ لتعتبر الناس بدينها وصلاحها، والمعنى اذكر خبرها لأهل مكّة. قوله تعالى ﴿(إِذِ انْتَبَذَتْ)﴾ أي تنحّت من أهلها، وتفرّدت ممّن كانوا معها في الدار إلى مكان في جانب الشّرق، جلست فيه؛ لأنّها كانت في الشّتاء، فجلست في مشرقة الشمس. وقال عكرمة: (أرادت الغسل من الحيض، فتحوّلت إلى مشرقة دارهم للغسل) ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً؛﴾ أي من دون أهلها سترا لئلاّ يروها، ف؛بينما هي في مشرقة الدار تغتسل من الحيض، ﴿فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا،﴾ أي دخل عليها جبريل ﵇ بعد ما فرغت من الاغتسال في صورة شابّ أمرد حسن الوجه جعد الشعر، وذلك قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ (١٧)؛وإنّما أرسل الله جبريل في صورة البشر؛ لتثبت مريم وتقدر على استماع كلامه. قال ابن عبّاس: (فلمّا رأت مريم جبريل تقصّد نحوها نادته من بعيد) (٢)، ﴿قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ (١٨)؛أي إن كنت تقيّا مخلصا مطيعا، فستنتهي لتعوذي بالله منك، وقيل: إنّ تقيّا كان رجلا من أمثل الناس في ذلك الزمان، فقالت: إن كنت في الصلاح مثل التقيّ، فإنّي أعود بالرّحمن منك،

стр. 1682

قوله تعالى: ﴿(فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا)﴾ أي جبريل ﵇، خصّ بالإضافة إلى الله تعالى تشريفا له، وسمّي روحا؛ لأن الناس يحيون بما جاء في أديانهم، كما يحيون بأرواح أبدانهم. قوله تعالى: ﴿قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا﴾ (١٩) أي لأهب لك بأمر الله ولدا صالحا طاهرا من الذنوب. ومن قرأ: (ليهب لك غلاما زكيّا) فالمعنى ليهب الله لك. قوله تعالى: ﴿قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ؛﴾ أي من أين يكون لي ولد، ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ؛﴾ ولم يقربني زوج، ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (٢٠)؛أي ولم أكن فاجرة زانية، والباغية هي الطالبة للزّنى. قال ابن عبّاس: (قالت مريم ليس لي زوج، ولست بزانية، ولا يكون الولد إلاّ من الزّوج أو الزّنى). قوله تعالى: ﴿قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ؛﴾ أي قال لها جبريل، كما قلت لك قال ربّك: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ؛﴾ أي خلقه عليّ هيّن من غير هاتين الجهتين، كخلق آدم، لا أب ولا أمّ. قوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرَحْمَةً مِنّا؛﴾ أي لنجعله دلالة على قدرتنا ورحمة للخلق، وقيل: ورحمة لمن اتّبعه على دينه وصدقه وكان خلقه، ﴿وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا﴾ (٢١)؛أي محكوما به مفروغا منه، سابقا في علم الله أن يقع. قوله تعالى: ﴿*فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا﴾ (٢٢)؛وذلك أنّها لمّا سمعت كلام جبريل اطمأنّت إلى قوله، فدنا منها ونفخ في جيبها، فوصلت تلك النفخة إلى بطنها فحملت بعيسى ﵇. وقيل: نفخ جبريل بها من بعيد فوصلت النفخة إليها فحملت. فلما ظهر حملها انتبذت أي خرجت وانفردت، وتنحّت بولادتها إلى مكان بعيد من الناس. والانتباذ: مأخوذ من نبذت الشيء إذا رميت به، وجلس نبذة أي ناحية، والقاصي والقصيّ خلاف الدّاني. واختلفوا في مدّة حملها، فقال بعضهم: تسعة أشهر كحمل سائر النّساء على ما جرت به العادة، وقال: بعضهم ثمانية أشهر، وكان ذلك آية أخرى؛ لأنه لم يعش

стр. 1683

مولود وضع لثمانية أشهر غير عيسى ﵇، وقال بعضهم: ستة أشهر، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: ساعة واحدة. وقال ابن عبّاس ﵄: (ما هو إلاّ أن حملت فوضعت، ولم يكن بين الحمل والإنباذ إلاّ ساعة؛ لأنّ الله تعالى لم يذكر بينهما فصلا).وقال مقاتل: (حملته في ساعة وصوّر في ساعة، ووضعته في ساعة حين زالت الشّمس من يومها وهي بنت عشر سنين، وقد حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى ﵇.قوله تعالى: ﴿(مَكاناً قَصِيًّا)﴾ أي مكانا بعيدا. قال ابن عبّاس: (أقصى الوادي فرارا من قومها أن يعيّروها بولادتها من غير زوج). قوله تعالى: ﴿فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ؛﴾ أي ألجأها، ويقال: جاء بها وأجاءها بمعنى واحد، كما يقال ذهب به وأذهبه. والمخاض: وجع الولادة، وقيل: تحرّك الولد للولادة، وقيل: الحمل. وقرأ عبد الله: «(فآواها المخاض)».وقوله تعالى: ﴿إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ؛﴾ وكانت نخلة يابسة في الصحراء ولم يكن لها سعف أي لا رأس لها، وقيل: كان جذعا ميتا قد أتي به لبناء بيت. قوله تعالى: ﴿قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا﴾ (٢٣) أي لم أخلق، وقيل: شيئا متروكا لا يذكر، والنّسي في كلام العرب: الشيء الحقير الذي إذا ألقي نسي، ولم يلتفت إليه. قال السديّ: (إنّما تمنّت مريم الموت استحياء من النّاس، خافت الفضيحة) (١). وقيل: للحال الذي دفعت إليها من الولادة، والصحيح: أنّها إنّما تمنّت لعلمها بأنّ الناس سيرمونها بالفاحشة فيأثمون بسببها، فتمنّت أن تكون ماتت قبل أن تقول الناس بسببها قولا يسخط الله تعالى. قرأ حمزة وحفص ﴿(نَسْياً)﴾ بفتح النون وهما لغتان.

стр. 1684

قوله تعالى: ﴿فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي؛﴾ قال ابن عبّاس والسديّ والضحّاك وقتادة: (إنّ المنادي من تحتها هو جبريل ﵇، كأنّه كان في مكان أسفل من مكانها، فناداها ألاّ تحزني يا مريم على ولادة عيسى، فقد أحسن الله لك الاختيار، وجعل تحتك سريّا).قال السديّ: (هو النّهر الصّغير، سمّي سريّا؛ لأنّه يسري لجريانه) (١). وقال الحسن: (هو عيسى، وهو والله السّريّ من الرّجال) (٢).وهذا التأويل على قراءة من قرأ ﴿(مِنْ تَحْتِها)﴾ بكسر الميم والتّاء، وهي قراءة نافع وحمزة والكسائي وحفص، وقرأ الباقون بالفتح وهو عيسى ﵇ لمّا خرج من بطن أمّه ناداها ألاّ تحزني، ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (٢٤)؛أي نهرا صغيرا. قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ؛﴾ قال ابن عبّاس: (ضرب جبريل، وقيل: عيسى ﵇ برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب، وجرى تحت النّخلة، فحيت بعد يبسها فأورقت وأثمرت ورطبت).ومعنى الآية: حرّكي وخذي إليك جذع النخلة. والباء فيه زائدة، تقول العرب: هزّه وهزّ به، وخذ بالخطام وخذ الخطام. قوله تعالى: ﴿تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا﴾ (٢٥)؛قرأ يعقوب «(يساقط)» بالياء، يعني الجذع، وقرأ حفص بالتاء وضمّها وتخفيف السّين وكسر القاف. وقرأ حمزة «(تساقط)» بفتح التاء والقاف مخفّفا، وقرأ الباقون بفتح التاء وتشديد السين؛ أي يتساقط، فأدغمت الياء في السين. معناه: يسقط عليك النخلة، والرطب الجنيّ: هو الجنيّ من الثمرة الرطبة الطريّة. ونصب ﴿(رُطَباً)﴾ على التفسير. ومن قرأ ﴿(تُساقِطْ)﴾ بالضم انتصب على المفعول.

стр. 1685

قوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً؛﴾ أي فكلي من الرّطب، واشربي من النهر، وقرّي عينا بولدك عيسى، وطيبي نفسا؛ أي يقال: قرّت عينه؛ أي بردت برد السرور بما ترى، ويقال: سكنت سكون السّرور برؤية ما تحبّ، فالأول من القرّ؛ والثاني من القرار. وانتصب ﴿(عَيْناً)﴾ على التفسير المحول، كما يقال: طيبي نفسا؛ أي طابت نفسك. قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً؛﴾ أي فإما ترينّ من الآدميّين أحدا، فسألك عن الولد أو لامك عليه، ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً؛﴾ أي صمتا، وكذلك كان يقرؤها ابن مسعود وأنس ﵄، قال ابن عبّاس ﵄: (صمتا؛ أي أوجبت على نفسها أن لا تتكلّم) (١). وقال قتادة: (صامت عن الطّعام والشّراب والكلام) ولهذا قالت: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (٢٦)؛أي آدميّا، وكان قد أذن لها أن تتكلم بهذا القدر ثم سكتت. قال ابن مسعود ﵁: (أمرت بالصّمت؛ لأنّها لم يكن لها حجّة عند النّاس في شأن ولدها، فأمرت بالكفّ عن الكلام يكفيها ولدها الكلام بما يبرئ ساحتها) (٢). وفي الآية دلالة أنّ الصمت كان قربة في زمانهم، ولولا ذلك لما نذرته مريم، ثم نسخ ذلك بنهي النبيّ ﷺ عن صوم الصّمت. ويروى أنه ﷺ نهى عن صمت يوم إلى اللّيل (٣). قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا﴾ (٢٧)؛روي أنّها أتت بعيسى تحمله إلى قومها بعد أن طهرت من نفاسها؛ أي بعد أربعين يوما، فتكلّم عيسى في الطريق وهو ابن أربعين يوما، فقال: يا أمّاه أبشري فإنّي عبد الله ومسيحه، فلما دخلت على قومها بكوا وحزنوا، وكانوا أهل

стр. 1686

بيت صالح، و (قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريّا) أي منكرا عظيما لا يعرف منك، ولا من أهل بيتك. قوله تعالى: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ؛﴾ قال ابن عبّاس: (هارون رجل صالح من بني إسرائيل نسبت إليه) والمعنى: يا شبيهة هارون في العبادة. روي أن أهل الكتاب قالوا: كيف يقولون إنّ مريم أخت هارون وبينهما ستّمائة سنة، فذكر ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال: [إنّهم كانوا يسمّون باسم الأنبياء والصّالحين] (١). فعلى هذا يجوز أنّ أخا مريم كان يسمّى هارون. وقال السديّ: (هو هارون أخو موسى ﵉، نسبت إليه؛ لأنّها من ولده كما يقال يا أخا بني فلان) (٢).وقيل: كان رجلا فاسقا معروفا بالفسق فنسبت إليه. وقوله تعالى: ﴿(ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ)﴾ قال ابن عبّاس: (يريد زانيا)، ﴿وَما كانَتْ أُمُّكِ؛﴾ حنّة؛ ﴿بَغِيًّا﴾ (٢٨)؛أي ما كانت بغيّا، فمن أين لك هذا الولد. قوله تعالى: ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ؛﴾ أي أشارت إلى عيسى ﵇ وهو يرضع بأن كلّموه، فعجبوا من ذلك و ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (٢٩)؛أي في الحجر رضيعا، والمهد ههنا حجر أمّه، وقيل: هو المهد بعينه. قال أبو عبيدة: (كان ههنا زائدة لا معنى لها).والمعنى كيف نكلّم صبيا في المهد، ويجوز أن تكون ﴿(مَنْ)﴾ في موضع الشّرط والجزاء، والمعنى من يكن في المهد صبيّا فكيف نكلّمه، والماضي بمعنى المستقبل في باب الجزاء، ويجوز أن يكون ﴿(صَبِيًّا)﴾ نصب على الحال؛ أي كيف نكلّم من في المهد صبيا؛ أي في هذه الحالة. قال السديّ: (فلمّا أشارت إلى عيسى ﵇ غضبوا وقالوا: لسخريتها بنا أشدّ من زناها. فلمّا سمع عيسى كلامهم، ترك الرّضاع وأقبل بوجهه عليهم و ﴿قالَ إِنِّي﴾

стр. 1687

﴿عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ﴾ (١)؛يعني علّمني التوراة والزبور. وقال مقاتل: (علّمه الله الإنجيل في بطن أمّه) ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (٣٠)؛أي حكم لي بالنبوّة في ما مضى. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكاً؛﴾ أي معلّما للخير، نفّاعا ﴿أَيْنَ ما كُنْتُ؛﴾ حيثما كنت أدعو إلى الله تعالى، وإلى توحيده وعبادته، ﴿وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ؛﴾ أي أمرني بإقامة الصّلاة وإيتاء الزكاة، ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ (٣١). قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي؛﴾ أي وجعلني برّا بوالدتي. قال ابن عبّاس: (لمّا قال عيسى ﵇: بوالدتي، علموا أنّه شيء من الله تعالى)، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيًّا﴾ (٣٢)؛أي متعظّما، أقتل وأضرب على الغضب، ولا شقيّا عاصيا لربه. قوله تعالى: ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (٣٣) معناه: والسّلام عليّ يوم ولدت حتى لم يضرّني شيطان، ويوم أموت ويوم أبعث حيّا من القبر. وفي هذا دليل على أنّ للإنسان أن يصف نفسه بصفاء الخير إذا أراد تعريفها إلى غيره، ولم يرد الافتخار، وهو مثل قول يوسف ﵇ للملك ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).قال ابن عبّاس: (إنّما كلّمهم عيسى ﵇ بهذا الكلام لا غيره، ثمّ سكت ولم يتكلّم حتّى بلغ مقدار مدّة ما يتكلّم الصّبيان) (٣). قوله تعالى: ﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ؛﴾ أي ذلك الذي قال إنّي عبد الله عيسى بن مريم قول الحقّ، من قرأ بنصب ﴿(قَوْلَ)﴾ فالمعنى: قول الحقّ، ومن رفعه فالمعنى: هو قول الحقّ، أو كلمة الحقّ، والحقّ هو الحقّ تعالى. ومعنى قراءة

стр. 1688

النصب أقول قول الحقّ، ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ (٣٤)؛أي يشكّون فيختلفون، فإنّهم اختلفوا-يعنى النصارى-فقائل منهم يقول: هو الله، وقائل يقول: هو ابن الله، واليهود تقول: ولد لغير رشدة. قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ؛﴾ أي ما ينبغي لله أن يتخذ ولدا وليس ذلك من صفاته، وقوله تعالى: ﴿سُبْحانَهُ؛﴾ أي تنزيها له عن الولد والشريك. قوله تعالى: ﴿إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣٥)؛أي كيف يتّخذ ولدا من إذا شاء أمرا كان كما خلق عيسى بلا أب. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٣٦)؛ هذا إخبار عن عيسى أنه قال ذلك. من قرأ بفتح الهمزة فالمعنى: وأوصاني أنّ الله ربي وربّكم، أو قضى أنّ الله ربي وربّكم، ومن كسرها فعلى الاستئناف، ويجوز أن يكون عطفا على ﴿(إِنِّي عَبْدُ اللهِ)﴾.والصراط المستقيم هو الدّين المستمرّ في جهة واحدة، وقيل: معناه: هذا الذي أخبركم أنّ الله أمرني به هو الطريق المستقيم الذي يؤدّي إلى الجنّة. قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ؛﴾ ويعني بالأحزاب: النصارى، كانوا أحزابا متفرّقين في أمر عيسى ﵇، فبعضهم يقول: الله، وبعضهم يقول: هو ابن الله، وبعضهم يقول: ثالث ثلاثة. قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٣٧)؛أي فويل للّذين تحدّثوا في عيسى من مشهد يوم عظيم يشهده الخلائق. قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا؛﴾ أي ما أسمعهم وما أبصرهم يوم القيامة؛ أي يشاهدون من الغيب ما يسمع ويبصر بلا شكّ ولا مرية. قال قتادة: (سمعوا حين لم ينفعهم السّمع، وأبصروا حين لم ينفعهم البصر) (١).وقال

стр. 1689

الحسن: (لئن كانوا في الدّنيا عميا وصمّا عن الحقّ، فما أبصرهم وأسمعهم يوم القيامة).قوله تعالى: ﴿لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٣٨)؛أي لكنّهم في الدّنيا في كفر بيّن. قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ؛﴾ أي خوّف يا محمّد أهل مكّة يوم يتحسّر المسيء هلاّ أحسن العمل، والمحسن هلاّ ازداد من الأحسن. وقال أكثر المفسّرين: يعني الحسرة يوم يذبح الموت بين الفريقين، فلو مات أحد فرحا لما مات أهل الجنّة، ولو مات أحد حزنا لما مات أهل النار. وعن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [يجاء بالموت يوم القيامة كأنّه كبش أملح، فيوقف بين الجنّة والنّار، فيقال: يا أهل الجنّة هل تعرفون هذا؟ فيشرفون عليه، فيقولون: نعم؛ هذا الموت. فيقال لأهل النّار كذلك، فكلّهم قد عرفه، فيذبح، ويقال: يا أهل الجنّة خلود بلا موت، ويا أهل النّار خلود بلا موت] ثمّ قرأ رسول الله ﷺ ﴿(وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ)﴾ (١).قال مقاتل: (لولا ما قضى الله من تخليد أهل النّار وتعميرهم فيها، لماتوا حسرة حين رأوا ذلك). قوله تعالى: ﴿(إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ)﴾ أي قضي لهم العذاب في الآخرة، وهم في الدّنيا في غفلة. وقال السديّ: (﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾؛أي ذبح الموت وهم في غفلة في الدّنيا عمّا يصنع بالموت ذلك اليوم) ﴿وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣٩)؛بما يصنع بالموت ذلك اليوم. ويقال: معنى قوله تعالى ﴿(وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ)﴾ هو يوم يأتيهم ملك الموت يقبض أرواحهم، فإذا وقعت المعاينة قال عند ذلك: رب أرجعوني، قال الله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما﴾

стр. 1690

﴿تَرَكْتُ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿(وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ)﴾ أي وهم في الدّنيا في غفلة، وهم لا يؤمنون بالقرآن. قوله تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها؛﴾ أي نمت سكّانها فنرثها، وهذا كقوله تعالى ﴿وَنَحْنُ الْوارِثُونَ﴾ (٢)؛لأنّهم إذا ماتوا انقطع ملك العباد عن الأرض. قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ (٤٠)؛أي بعد الموت، فنجزيهم بأعمالهم. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا﴾ (٤١)؛ أي واذكر في القرآن لقومك قصّة إبراهيم؛ إنه كثير التصديق بالحقّ موقنا صدوقا رسولا نبيّا. قوله تعالى: ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ؛﴾ أي لم تعبد من دون الله ما لا يسمع إن دعوته، ولا يبصر إن عبدته، يعني الصنم، ﴿وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ (٤٢)؛من عذاب الله، ولا يدفع عنك ضرّا. قوله تعالى: ﴿يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ؛﴾ أي من العلم بالله والمعرفة، وإنّ من عبد غير الله عذبه، ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾ على ديني ﴿أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا﴾ (٤٣)؛أي أرشدك إلى دين مستقيم. قوله تعالى: ﴿يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ؛﴾ أي لا تطعه فيما زيّن لك من الكفر والمعاصي، ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا﴾ (٤٤)؛أي كثير العصيان لله تعالى. قوله تعالى: ﴿يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ؛﴾ أي عذاب من الله بطاعتك للشيطان، ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا﴾ (٤٥)؛أي قرينا في النار. قوله تعالى: ﴿قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ؛﴾ أي قال له أبوه مجيبا له: أمعرض وتارك أنت عبادة آلهتي يا ابراهيم، ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ؛﴾ عن

стр. 1691

مقالتك، وتسكت عن شتم آلهتي وعيبها، ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ؛﴾ أي لأرمينّك بالشّتم والعيب، وقيل: لأقتلنّك رجما، ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (٤٦)؛أي تباعد عنّي دهرا طويلا. وقال الحسن وقتادة: (معنى مليّا؛ أي سالما سويّا من قبل أن يلحقك مكروه منّي)،وأصل الملاوة الزمان الطويل من الدهر، يقال: أقام في موضع كذا مليّا، والملوان: الليل والنهار. قوله تعالى: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ؛﴾ أي قال إبراهيم لأبيه: سلمت منّي لا أصيبك بمكروه، وذلك أنه لم يؤمن بقتاله على كفره، هذا سلام توديع، وقوله تعالى: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي؛﴾ أي سأسأل الله لك توبة تنال بها مغفرته، ويرزقك التوحيد. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ (٤٧)؛أي لطيفا رحيما، وقيل: عالما يستجيب لي إذا دعوت. قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ أي أتنحّى عنكم وأفارقكم، وأعتزل ما تدعون من دون الله يعني الأصنام، فاعتزلهم وهاجر إلى الأرض المقدسة. قوله تعالى: ﴿وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ (٤٨)؛أي محروما خائبا. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ (٤٩)؛أي فلما خرج إلى ناحية الشّام، وتركهم وترك أصنامهم آنسنا وحشته بأولاد كرام على الله تعالى، ووهبنا لهم نعما كثيرة، وأكرمناهم بالثّناء الحسن. قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا؛﴾ أي وهبنا لهم المال والولد، وبسطنا لهم في الرّزق. وقال بعضهم: يعني الكتاب والنبوّة. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ (٥٠)؛أي ثناء حسنا في الناس، مرتفعا سائرا في الناس، فكلّ أهل الملل والأديان يحسنون الثناء عليهم، ويتولّون إبراهيم ودينه.

стр. 1692

قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا﴾ (٥١) أي واذكر في القرآن خبر موسى إنه كان مخلصا لله تعالى بالعبادة والتوحيد، وكان رسولا رفيعا. ومن قرأ ﴿(مُخْلَصاً)﴾ بفتح اللام فمعناه: أخلصناه وأحببناه. قوله تعالى: ﴿وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ؛﴾ قيل: إن النداء هو قول الله تعالى له يا موسى ﴿إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (١)،والطّور: هو جبل بالشام، ناده الله تعالى من ناحية اليمنى، يعني يمين موسى، والمعنى أن موسى سمع (٢) النداء عن يمينه، ولا يكون للجبل يمين ولا يسار. قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ (٥٢)؛أي جعلنا محلّه منّا، محل من قربه مولاه من مجلس كرامته، والنّجيّ هو المختصّ بإدراك كلام مكلّمه. قال ابن عبّاس ﵄: (قرّب الله تعالى موسى إلى أعلى الحجب حتّى سمع صرير القلم) (٣). قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ (٥٣) وذلك حين سأل موسى ربّه فقال ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي، هارُونَ أَخِي﴾ (٤) فاستجاب الله دعاءه. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ؛﴾ هو إسماعيل بن إبراهيم، ومعنى صادق الوعد؛ أي أنه كان إذا وعد أنجز. قال ابن عبّاس: (إنّه وعد رجلا أن ينتظره حتّى رجع إليه، فأقام مكانه ينتظره حتّى حال الحول ورجع إليه الرّجل). ﴿وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا﴾ (٥٤)؛إلى جرهم. قوله تعالى: ﴿وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ؛﴾ قيل: أراد بالأهل أمّته، وأهل أمّته، ونظيره ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ (٥) أي قومك، ﴿وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (٥٥)؛أي صالحا زكيّا.

стр. 1693

قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا﴾ (٥٦)؛اسم ادريس أخنوخ، وهو جدّ أبي نوح، وسمي إدريس لكثرة درسه الكتب، وكان خيّاطا وهو أول من خطّ بالقلم، وهو أول من خاط الثياب ولبس المخيط، وأول من نظر في علم النّجوم والحساب. قوله تعالى: ﴿(إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا)﴾ أنزلت عليه ثلاثون صحيفة، وهو أول من لبس القطن، وكانوا قبل ذلك يلبسون جلود الضّأن. قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا﴾ (٥٧)؛روي عن أنس بن مالك، وأبي سعيد الخدريّ ومجاهد: (أنّه رفع إلى السّماء الرّابعة) (١)،وقال ابن عبّاس والضحّاك: (إلى السّماء السّادسة).وقيل: معناه: ورفعناه في العلم والنبوّة إلى درجة عالية. وروي أنّ النبيّ ﷺ قال: [لمّا عرج بي رأيت إدريس في السّماء الرّابعة] (٢). وكان سبب رفعه على قول ابن عبّاس: (أنه سار ذات يوم في حاجته فأصابه وهج الشمس، فقال: يا رب إنّي مشيت يوما واحدا، فكيف بمن حملها خمسمائة عام في يوم واحد، اللهمّ خفّف عنه من ثقلها واحمل عنه حرّها، فلما أصبح الملك الموكّل بها وجد خفّة في حرّها بخلاف ما يعرف، فقال: يا رب ما الذي قضيت؟ فقال: إنّ عبدي إدريس سألني أن أخفّف عنك حملها وحرّها فأجبته، فقال: يا رب اجمع بيني وبينه صبحة فأذن له حتى أتى إلى إدريس، فسأله عن ذلك فأخبره أنه دعا له شفقة عليه، ثم حمله ملك الشمس على جناحه، ورفعه إلى السّماء بإذن الله تعالى). قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ؛﴾ معناه: إن الذين ذكرتهم هم الذين أكرمهم الله بالنبوّة والإسلام من ذريّة آدم، وإنّما قرن ذكر نسبهم مع أنّ كلّهم كانوا لآدم ليبيّن مراتبهم في شرف النسب، فإنه كان

стр. 1694

لإدريس شرف القرب من آدم، وكان إبراهيم من ذريّة نوح، وكان إسماعيل واسحاق من ذريّة إبراهيم، وكان موسى وهارون وزكريّا ويحيى وعيسى من ذريّة إسرائيل، فقوله: ﴿(مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ)﴾ يعني إدريس ونوح، ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ؛﴾ في السفينة يعني إبراهيم؛ لأنه من ولد سام بن نوح، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ؛﴾ يعني إسماعيل وإسحاق ويعقوب، وقوله: ﴿وَإِسْرائِيلَ؛﴾ يعني أنّ من ذريّة إسرائيل: موسى وهارون ومن ذكرناه. قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا؛﴾ أي هؤلاء كانوا ممّن أرشدنا واصطفينا لأداء الرّسالة، ﴿إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ؛﴾ التي أنزلت عليهم، ﴿خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا﴾ (٥٨)؛أي وقعوا يسجدون لله تعالى، ويبكون من مخافة الله، والسّجّد: جمع ساجد، والبكيّ جمع باك. قوله تعالى: ﴿*فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ؛﴾ أي فخلف من بعد هؤلاء الأنبياء المذكورين والصالحين ﴿(فَخَلَفَ)﴾ أي قوم سوء وهم اليهود والنصارى ومن لحق بهم. يقال في الرداءة: خلف بإسكان اللام، وفي الصّلاح: خلف بفتح اللام. وقوله تعالى: ﴿(أَضاعُوا الصَّلاةَ)﴾ أي أخّروها عن مواقيتها لغير عذر، وقيل: تركوها أصلا. وقوله تعالى: ﴿(وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ)﴾ يعني المعاصي وشرب الخمر، واشتغلوا بالملذات في ما حرّم عليهم، وآثروها على طاعة الله تعالى. قال وهب: (شرّابون القهوات؛ لعّابون بالكعاب؛ ركّابون الشّهوات؛ متّبعون الملذات؛ تاركون الجماعات؛ مضيّعون الصّلوات). قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٥٩)؛قال ابن مسعود وعطاء: (هو واد في جهنّم بعيد القعر) (١)،قال ابن عبّاس: (الغيّ واد في جهنّم تستعيذ أودية جهنّم

стр. 1695

من حرّه، أعدّ للزّاني وشارب الخمر وآكل الرّبا وأهل العقوق ولشاهد الزّور، ولامرأة أدخلت على زوجها ولدا من غيره). وقيل: الغيّ واد في جهنّم يسيل قيحا ودما أعدّ للغاوين، فسمي غيّا؛ لأنه جزاء الغيّ، كما قال تعالى ﴿يَلْقَ أَثاماً﴾ (١) أي جزاء الإثم. وقال كعب: (الغيّ واد في جهنّم أبعدها قعرا وأشدّها حرّا، فيه بئر يسمّى بهيم، كلّما خبت جهنّم فتح لها باب إلى تلك البئر فتسعر به جهنّم). قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ (٦٠)؛معناه: إلاّ التائبين منهم، ويجوز أن يكون نصبا استثناء من غير الأوّل على معنى لكن من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنّة ولا ينقصون من حسناتهم. قوله تعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ؛﴾ أي بساتين إقامة، وقوله تعالى: ﴿(بِالْغَيْبِ)﴾ يعني أنّهم غابوا عن ما فيها، وانتصب قوله ﴿(جَنّاتِ)﴾؛ لأنه بدل من الجنة. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ (٦١)؛أي موعوده آتيا كائنا، وإنّما لم يقل آتيا؛ لأن كلّ ما أتاك فقد أتيته. قوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً؛﴾ أي لا يسمعون في الجنّة كلاما ساقطا، ولا يسمعون إلاّ سلاما، يسلّم بعضهم على بعض، والسّلام هو الكلام الذي لا لغو فيه ولا إثم. وقيل: معناه: لا يسمعون في الجنة كلاما باطلا وفحشاء وهدرا وفضولا من الكلام. وقال مقاتل: (يمينا كاذبة ولا يسمعون إلاّ سلاما، يسلّم بعضهم على بعض، ويسلّم عليهم الملائكة، ويرسل إليهم الرّبّ بالسّلام). قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (٦٢)،قال المفسّرون: ليس في الجنّة بكرة وعشيّة، ولكنّهم يؤتون رزقهم على مقدار ما يعرفون من الغداء والعشاء، قال قتادة: (كان العرب إذا حصل لأحدهم الغداء والعشاء أعجب به، فأخبر

стр. 1696

الله تعالى أنّ لهم في الجنّة رزقهم بكرة وعشيّا على قدر ذلك الوقت) (١)؛أي يجمع لهم الطعام في هذين الوقتين كما يكون في الدّنيا، ويأكلون فيما عدا هذين الوقتين ما يشتهون كما في الدّنيا. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا﴾ (٦٣)؛أي هذه الجنة التي وصفها الله تعالى هي التي نورث من اتّقى معصية الله، وعمل بالطاعة والإيمان. قوله تعالى: ﴿(نُورِثُ)﴾ أي نعطي، وإنّما قال ﴿(نُورِثُ)﴾؛لأن الله تعالى أورثهم من الجنة مساكن أهل النار لو اطّلعوا (٢).وقيل: لأنه تمليك في حال مبتدأ بعد انقضاء أجل الدّنيا. قوله تعالى: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ؛﴾ وذلك أن جبريل ﵇ أبطأ على النبيّ ﷺ بالوحي، فلمّا أتاه قال له: [ما زرتنا حتّى استبطأناك].وقيل: قال له: [ما يمنعك يا جبريل أن تزورنا أكثر ممّا تزورنا].فأنزل الله عذر جبريل (٣)،والمعنى: قل له وما نتنزّل من السّماء إلاّ بأمر ربك. وقيل: استبطأ رسول الله ﷺ جبريل، ثمّ جاءه فقال له: [يا جبريل أبطأت عليّ حتّى ساء ظنّي فاشتقت إليك] فقال له: إنّي كنت إليك أشوق، ولكنّي عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست. فأنزل الله هذه الآية ﴿(وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ)﴾ (٤). قوله تعالى: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ؛﴾ أي له ما بين أيدينا من أمر الدّنيا وما خلفنا من الآخرة، وما بين ذلك؛ يعني: ما بين النّفختين وبينهما

стр. 1697

أربعون سنة. قوله تعالى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٦٤)؛أي وما كان ربّك ليتركك، وإن تأخر عنك رسوله. قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ؛﴾ أي اصبر على أمره ونهيه حتى الموت، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٦٥)؛أي شبيها ومثلا يعبد، وقيل: هل تعلم من يستحقّ الإلهيّة سواه، وقيل: هل تعلم أحدا يسمّى الله غيره، وقيل: هل تعلم من أحد سمّي ربّ السّماوات والأرض. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ (٦٦)؛قال ابن عبّاس: (هو أبيّ بن خلف الجمحيّ، قال هذا القول إنكارا للبعث).وقوله تعالى: ﴿(لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا)﴾ أي أخرج من القبر حيّا؛ استهزاء وتكذيبا منه للبعث. قوله تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ؛﴾ قرأ نافع وابن عامر وعاصم: ﴿(أَوَلا يَذْكُرُ)﴾ بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد وهو الاختيار؛ أي أولا يتّعظ ويتفكّر، وعلى القراءة الأولى ﴿(يَذْكُرُ)﴾ بالتخفيف ضد النّسيان، والمعنى: أولا يتّعظ الإنسان أنّا خلقناه من نطفة، ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ (٦٧)؛موجودا، فيستدلّ بالابتداء على الإعادة. قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ؛﴾ يعني المنكرين للبعث، أقسم الله تعالى على نفسه لنحشرنّهم من قبورهم مع الشياطين الذين أضلّوهم، ﴿ثُمَّ﴾ لنجمعنّهم، ﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ (٦٨)؛باركين على الرّكب؛ لأن المحاسبة إنّما تكون بقرب جهنّم، يقرن مع كلّ كافر شيطان في سلسلة. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا﴾ (٦٩)؛ أي ثم لنخرجنّ من كلّ فرقة وجماعة أيّهم أشدّ على الرّحمن تمرّدا وجرأة وفجورا وكفرا بدءا بالأعتى فالأعتى، والأكثر جرما. قال قتادة: (المعنى: لننزعنّ من كلّ قرية وأهل دين قادتهم ورؤساءهم في الشّرّ). والشّيعة: الجماعة المعاونون على أمر من الأمور. قوله تعالى: ﴿(أَيُّهُمْ)﴾ رفع على الاستثناء، و ﴿(لَنَنْزِعَنَّ)﴾ يعمل في موضع ﴿(مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ)﴾،هذا قول يونس. وقال الخليل: على معنى الذين يقال لهم أيّهم أشدّ فلنخرج.

стр. 1698

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا﴾ (٧٠)؛أي نحن أعلم بالأولى بدخول النار وشدّة العذاب، وأحقّهم بعظيم العقاب. والصّليّ: هو اللّزوم، من قولهم صلي بالنار صليّا. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها؛﴾ اختلفوا في الخطاب الذي في أوّل هذه الآية، قال بعضهم: هو راجع إلى الكفار؛ لأنه تقدّمه قوله تعالى: ﴿(ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا)،﴾ وقال الأكثرون: هذا خطاب مبتدأ لجميع الخلق، ودليله قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ؛﴾ أي ننجي من الواردين من اتّقى. ثم اختلف هؤلاء أيضا في معنى الورود، قال بعضهم: هو الدّخول كما في قوله تعالى ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ (١) أي أدخلهم النار، وقالوا: إلاّ أنّها تكون على المؤمنين بردا وسلاما، واستدلّوا بما روى جابر ﵁: أنّه أهوى بيديه إلى أذنيه وقال: صمّتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: [الورود الدّخول، لا يبقى برّ ولا فاجر إلاّ دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما، كما كانت على إبراهيم، حتّى أنّ للنّار ضجيجا بورودهم] (٢).وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [ما من مسلم يموت له ثلاثة أولاد لم يلج النّار إلاّ تحلّة القسم، ثمّ قرأ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾] (٣). ومعنى القسم: أن أول هذه الآية فيها إضمار القسم؛ تقديره: والله ما منكم من أحد إلاّ واردها، وروي عن ابن مسعود أنه قال: [الصّراط على متن جهنّم مثل حدّ السّيف، تمرّ عليه الطّائفة الأولى كالبرق، والثّانية كالرّيح، والثّالثة كالجواد السّابق، والرّابعة كأجود البهائم، ثمّ يمرّون والملائكة يقولون: اللهمّ سلّم؛ اللهمّ سلّم] (٤).

стр. 1699

وعن أبي هريرة: أنّه أوى إلى فراشه فقال: (يا ليت أمّي لم تلدني، فقالت امرأته ميسرة: إنّ الله قد أحسن إليك، هداك إلى الإسلام. قال: أجل؛ ولكنّ الله تعالى قد بيّن لنا أنّا لواردون النّار، ولم يبيّن لنا أنّا خارجون منها). وقال بعضهم: الورود هو الإشراف على النار بلا دخول؛ لأن موضع المحاسبة يكون قريبا من النار، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ (١) ولم يكن موسى دخل الماء، واستدلّوا بما روي أن النبيّ ﷺ قال: [لن يدخل النّار-إن شاء الله تعالى- واحد شهد بدرا أو الحديبية] (٢). وعن مجاهد أنه قال: (الحمّى حظّ كلّ مؤمن من النّار) (٣).فعلى هذا من حمّ من المسلمين فقد وردها، لأن الحمّى من فيح جهنّم. وعن رسول الله ﷺ أنّه عاد مريضا من وعك كان به، فقال له: [أبشر؛ إنّ الله يقول: هي ناري أسلّطها على عبدي المؤمن لتكون حظّه من النّار] (٤). قال الزجّاج: (والحجّة القاطعة على أنّهم لا يدخلون النّار قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ، لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ﴾ (٥)) وهذه حجّة لا معارض لها (٦).

стр. 1700

قوله تعالى: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا﴾ (٧١)؛الحتم: القطع بالأمر، والمقضيّ هو الذي قضى بأنه يكون. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا؛﴾ أي الذين اتّقوا الشرك وصدّقوا، ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ (٧٢)؛أي ونذر المشركين فيها جثيّا على الرّكب. قوله تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ معناه: وإذا تتلى على الكفّار آيات القرآن المنزّلة قالوا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ؛﴾ أي الدّينين، ﴿خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ (٧٣)؛خير مسكنا وخير مجلسا في الدّنيا، فكذلك يكون في الآخرة. يعني أنّ مشركي قريش كانوا يقولون لفقراء المؤمنين: أيّ الفريقين خير مقاما؛ نحن أم أنتم؟ والمقام والمسكن والمنزل والنّديّ والنادي: مجلس القوم ومجتمعهم، وكانوا يلبسون أحسن الثّياب، ثمّ يقولون مثل هذا للمؤمنين. فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً﴾ (٧٤)؛أي وكم أهلكنا قبل قريش من الأمم الخالية هم أحسن أموالا وأحسن منظرا، والأثاث: المال، جمع الإبل والغنم والعبيد والمتاع، وقال الحسن: (الأثاث: اللّباس، والرّئيّ: المنظر). وقرئ «(وريا)» بغير همز من الرّيّ الذي هو ضدّ العطش، والمراد: أن منظرهم مرتو من النعمة كأنّ النعيم بيّن فيهم؛ لأن الرّيّ يتبعه الطراوة، كما أنّ العطش يتبعه الذّبول. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: من كان في العماية عن التوحيد، ودين الله فليمدد له الرّحمن؛ أي ليزد في ماله وعمره وولده، ويقال: ليدعه الله في طغيانه حتى إذا وصل الآخرة لم يكن له فيها نصيب. وهذا اللفظ أمر؛ ومعناه الخبر. قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ؛﴾ يعني الذين مدّهم الله في الضلالة. وأخبر عن الجماعة لأنّ لفظ ﴿(مَنْ)﴾ يصلح للجماعة.

стр. 1701

ثم ذكر ما يوعدون، فقال: ﴿(إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ)﴾ يعني القتل والأسر والقيامة والخلود في النار، ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ حينئذ ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً؛﴾ أي أهم أم المؤمنون؛ لأن مكانهم جهنم، ومكان المؤمنين الجنّة. قوله تعالى: و ﴿وَأَضْعَفُ جُنْداً﴾ (٧٥)؛هذا ردّ عليهم في قولهم: أيّ الفريقين خير مقاما، وأحسن نديّا. قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً؛﴾ أي يزيدهم هذا بالإيمان والشّرائع، ويزيدهم هدى بالأدلّة والحجج والطاعات التي تدعو إلى الحسنات. قوله تعالى: ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ؛﴾ قد تقدّم تفسيرها، سميت باقيات؛ لبقاء ثوابها للإنسان. قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً؛﴾ أي أنفع من مقامات الكفّار التي يفتخرون بها، ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ (٧٦)؛أي وأفضل مرجعا في الآخرة، وأفضل ما يردّ على صاحبه. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً﴾ (٧٧) أنزلت هذه الآية في العاص بن وائل، قال خبّاب بن الأرتّ: (كان لي دين على العاص ابن وائل، فحسب دينه منه، فقال: لا أقضيك حتّى تكفر بمحمّد، قال: لا والله؛ لا أكفر بمحمّد حيّا ولا ميّتا ولا حين أبعث، قال: فدع مالك، فإذا بعثت أعطيت مالا وولدا وأعطيك هنالك-قال ذلك مستهزئا-قال: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله هذه الآية) (١). وقال الحسن: (نزلت في الوليد بن المغيرة)،ومعنى: لأوتينّ مالا وولدا: لئن كان ما يقول محمّد في الآخرة حقّا لأعطينّ مالا وولدا في الآخرة. ومن قرأ «(وولدا)» بالضمّ؛ فمعناه واحد، كالحزن والحزن، وقيل: إنه جمع الولد كما يقال أسد وأسد. قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ (٧٨)؛أي أعلم ذلك غيبا أم عهد الله إليه عهدا بما تمنّى؟! وقال ابن عبّاس: (ومعناه: ما غاب عنه حتّى يعلم أفي الجنّة هو أم لا).وقال الكلبيّ: (أنظر ما في اللّوح المحفوظ).

стр. 1702

قوله تعالى: ﴿(أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً)،﴾ قال ابن عبّاس: (معناه أم قال: لا إله إلاّ الله؛ فأرحمه بها) (١).وقال قتادة: (أقدّم عملا صالحا يرجوه) (٢)، ﴿كَلاّ؛﴾ أي ليس الأمر على ما قال: أنه يولّي المال والولد. ويجوز أن يكون معناه: كلاّ إنّه لم يطّلع الغيب، ولم يتّخذ عند الرحمن عهدا. قوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ؛﴾ أي سنأمر الحفظة بإثبات ما يقول لنجازيه به في الآخرة، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا﴾ (٧٩)؛أي نزيده عذابا فوق العذاب. قوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ؛﴾ أي نرثه المال والولد بعد إهلاكنا إياه، فلا يعود بعد ذلك إليه، كما لا يعود المال إلى من خلفه بعد موته، ﴿وَيَأْتِينا؛﴾ في الآخرة، ﴿فَرْداً﴾ (٨٠)؛أي وحيدا خاليا من المال والولد. قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ (٨١)؛ أي واتّخذ أهل مكة من دون الله أصناما آلهة؛ ليكونوا لهم أعوانا وشفعاء في الآخرة. والعزّ: الامتناع من الضمّ، فهم اتخذوا هذه الآلهة؛ ليصيروا بها إلى العزّ في زعمهم فلا يصيبهم سوء، وذلك أنّهم رجوا منها الشفاعة والنّصرة والمنع من عذاب الله. قوله: ﴿كَلاّ؛﴾ أي لا يمنعهم منّي شيء، ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ؛﴾ أي يجحد الآلهة عبادة المشركين لها كما قالوا: ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ (٣). قوله تعالى: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ (٨٢)؛أي يصيرون أعوانا عليهم يكذّبونهم يلعنونهم يتبرّءون منهم. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ (٨٣)؛ أي ألم تعلم أنّا خلّينا بين الشياطين والكفار وسلطانهم عليهم، فلم نعصم الكفار من القبول (٤) منهم، وتسمّى التخلية إرسالا في سعة اللغة. قوله تعالى: ﴿(تَؤُزُّهُمْ أَزًّا)﴾ أي

стр. 1703

تزعجهم إلى معصية الله تعالى إزعاجا، وتغريهم إغراء. وقال القتيبيّ: (تحرّكهم إلى المعاصي).وأصله الحركة والغليان، ومنه الحديث المرويّ: [ولجوفه أزيز كأزيز المرجل] (١). قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ؛﴾ أي لا تعجل بمسألة إهلاكهم، ﴿إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ (٨٤)؛أي نعدّ أنفاسهم نفسا بعد نفس، كما نعدّ أيّامهم وآجالهم. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً﴾ (٨٥)؛أي اذكر لهم يا محمّد اليوم الذي نجمع فيه من اتّقى الله في الدّنيا؛ أي اجتنب الكبائر والفواحش إلى دار الرّحمن؛ وهي موضع الكرامة والثواب. قوله تعالى: ﴿(وَفْداً)﴾ أي ركبانا، قال ابن عبّاس: (يؤتون بنوق لم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب وأزمّتها الزّبرجد، فيركبون عليها حتّى يقربوا أبواب الجنّة)،وإنّما وحّد الوفد لأنه مصدر. قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ؛﴾ أي يحثّهم على السير إلى جهنم، وقوله تعالى: ﴿وِرْداً﴾ (٨٦)؛أي عطاشى مشاة حفاة عراة قد تقطّعت أعناقهم من العطش، والورد: الجماعة التي ترد الماء، ولا يرد أحد الماء إلاّ بعد العطش. قوله تعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ؛﴾ أي لا يقدرون على الشفاعة، ﴿إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ (٨٧)؛أي لكن من اتّخذ عند الرحمن عهدا وهم المؤمنون، فإنّهم يملكون الشفاعة. قال ابن عبّاس: (شهادة أن لا إله إلاّ الله).و ﴿(مَنِ)﴾ في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. قال ابن عبّاس: (لا يشفع إلاّ من قال: لا إله إلاّ الله، وتبرّأ من الحول والقوّة إليه، ولا يرجو إلاّ الله . وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذات يوم: [أيعجز أحدكم أن يتّخذ كلّ صباح ومساء عند الله عهدا؟!] قالوا: كيف؟ قال: يقول: [اللهمّ فاطر السّماوات والأرض، عالم الغيب والشّهادة، إنّي أعهد إليك في هذه الدّنيا بأنّي أشهد أن لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك، وأنّ محمّدا عبدك ورسولك، وأنّك إن تكلني

стр. 1704

إلى نفسي، تقرّبني من الشّرّ وتباعدني من الخير، وإنّي لا أثق إلاّ برحمتك، فاجعله لي عهدا توفّينه يوم القيامة، إنّك لا تخلف الميعاد. فإذا قال ذلك طبع الله عليه بطابع ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة، نادى مناد: أين الّذين لهم عند الله عهد فيدخلون الجنّة] (١). قوله تعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا﴾ (٨٩)؛ أي قال المشركون: الملائكة بنات الله، وقالت النّصارى: المسيح ابن الله، وقالت اليهود: عزيز ابن الله. يقال لهم: ﴿(لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا)﴾ أي منكرا عظيما. قوله تعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ؛﴾ أي يتشقّقن من عظم هذا القول، ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ؛﴾ فتصّدّع، ﴿وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا﴾ (٩٠)؛ أي يسقط بعضها على بعض بشدّة صوت، بأن سمّوا، ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ (٩٢)؛قرأ أهل الحجاز والكسائي: ﴿(يَتَفَطَّرْنَ)﴾ بالتاء مشدّدة، وقرأ نافع «(يكاد)» بالياء لتقدّم الفعل. قال المفسرون: اتخذ الرحمن ولدا، اقشعرّت الأرض، وغضبت الملائكة، وأسعرت جهنم، وفزعت السموات والأرض والجبال. قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ (٩٣) أي ما من أحد في السّماوات والأرض إلاّ سيأتي الرحمن مقرّا بالعبودية، ويأتيه يوم القيامة عبدا ذليلا. يعني أن الخلق كلّهم عبيده، وأن عيسى والعزير من جملة العبيد. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ (٩٤)؛أي لقد علم عددهم وأفعالهم، ولا يخفى عليه شيء منهم مع كثرتهم. قوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ (٩٥)؛لا أنصار لهم ولا أعوان ولا مال ولا ولد، كلّ امرئ مشغول بنفسه لا يهمّه غيره.

стр. 1705

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ (٩٦)؛أي يحبّهم في الدّنيا، ويحببهم إلى عباده المؤمنين من أهل السّماوات وأهل الأرضين. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [إذا أحبّ الله العبد، قال الله تعالى: يا جبريل إنّي قد أحببت فلانا فأحبّه، فيحبّه جبريل، ثمّ ينادي في أهل السّماوات: إنّ الله قد أحبّ فلانا فأحبّوه، فيحبّه أهل السّماء، ثمّ توضع له المحبّة في الأرض. وإذا أبغض العبد قال مثل ذلك. وما أقبل عبد بقلبه على الله إلاّ أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتّى يرزقه الله مودّتهم ومحبّتهم] (١). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ؛﴾ أي يسّرنا قراءة القرآن على لسانك، ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ أي بالقرآن؛ ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا﴾ (٩٧) أي قوما ذوي جدل بالباطل، واللّدّ جمع الألدّ: شديد الخصومة، نظيره الأصمّ (٢). قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ؛﴾ أي كم أهلكنا يا محمّد قبل قومك من قرون ماضية، ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ؛﴾ أي هل ترى منهم من أحد؟ ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ (٩٨)؛أي صوتا. والإحساس مأخوذ من الحسّ، يقال: هل أحسست فلانا؛ أي هل رأيته. والرّكز: هو الصوت الخفيّ الذي لا يفهم، ومنه الرّكاز: وهو المغيّب في الأرض. قال الحسن في معنى الآية: (ذهب القوم فلا يسمع لهم صوت).وقال قتادة: (معناه: هل ترى من عين أو تسمع من صوت). وعن أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ أنه قال: [من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر بعدد من صدّق بزكريّا ويحيى ومريم وعيسى وهارون وإبراهيم وإسماعيل

стр. 1706

وإسحاق ويعقوب وإدريس، وبعدد من كذبهم، وبعدد من دعا لله ولدا، وبعدد من وحّد الله تعالى] (١). آخر تفسير سورة (مريم) والحمد لله رب العالمين

стр. 1707

سورة طه سورة طه مكّيّة، وهي خمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفا، وألف وثلاثمائة وإحدى وأربعون كلمة، ومائة وخمس وثلاثون آية. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿طه﴾ (١)؛قرأ أبو عمرو وورش بفتح الطّاء وكسر الهاء، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بكسر الطّاء والهاء، وقرأ الباقون بالتفخيم فيهما. واختلفوا في معناه، فقال أكثر المفسّرين: إنّ معناه: يا رجل؛ يعني النبيّ ﷺ وهو قول ابن عبّاس والحسن وعكرمة وابن جبير والضحّاك وقتادة ومجاهد (١)،إلاّ أن عكرمة قال: (هو بلسان الحبشة) (٢)،وقال قتادة: (إنّما يقول هذه اللّغة أهل السّريانيّة (٣)). وروى السّدّيّ عن أبي ملك معنى قوله طه: (يا فلان)،قال الكلبيّ: (بلغة عكّ: يا رجل) (٤)،قال ابن الأنباريّ: (ولغة قريش وافقت تلك اللّغة أيضا في هذا

стр. 1708

المعنى؛ لأنّ الله تعالى لم يخاطب نبيّه إلاّ بلسان قريش. قال الشّاعر (١): إنّ السّفاهة طه فى خلائقكم ... لا قدّس الله أرواح الملاعين يريد: يا رجل، وقال آخر: هتفت بطه في القتال فلم يجب ... فخفت عليه أن يكون موائلا (٢) وقرئ «(طه)» بتسكين الهاء، وله معان؛ أحدها: أن تكون الهاء بدلا من همزة الطّاء كقولهم في: أرقت هرقت. والآخران: أن يكون على ترك الهمزة طا يا رجل بقدمك الأرض، ثم يدخل الهاء للوقف، فإنه روي: [أنّ النبيّ ﷺ كان يجتهد في صلاة اللّيل بمكّة حتّى تورّمت قدماه، فكان إذا صلّى رفع رجلا ووضع أخرى، فأنزل الله تعالى ﴿(طه)﴾ أي طأ الأرض بقدمك (٣). وقال بعضهم: أول السّورة قسم؛ أقسم الله بطوله وهدايته. وقال بعضهم: الطاء من الطّهارة، والهاء من الهداية، كأنه تعالى قال لنبيّه ﷺ : يا طاهرا من الذّنوب، ويا هاديا إلى علاّم الغيوب. قوله تعالى: ﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى﴾ (٢)؛أي لتجهد نفسك وتتعب، وذلك أنه لمّا نزل عليه الوحي اجتهد في العبادة، حتى أنه كان يصلّي على إحدى رجليه لشدّة قيامه وطوله، فأمره الله أن يخفّف على نفسه، وذكر له أنه ما أنزل عليه القرآن ليتعب ذلك التعب، ولم ينزله، ﴿إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ (٣)؛قال مجاهد: (نزلت هذه الآية لسبب ما كان يلقى النّبيّ ﷺ من التّعب والسّهر من قيام اللّيل).

стр. 1709

وقال الحسن: (هذا جواب للمشركين، وذلك أنّ أبا جهل والنّضر بن الحارث قالا للنّبيّ ﷺ : وإنّك لتشقى، لما رأوا من طول عبادته وشدّة اجتهاده، فقال ﷺ : [بعثت رحمة للعالمين] قالوا: بل أنت شقيّ، فأنزل الله هذه الآية ﴿(ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى)﴾ ولكن لتسعد وتنال الكرامة به في الدّنيا والآخرة). والشّقاء في اللغة: احمرار ما شقّ على النفس من التعب. قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى﴾ (٤)؛نصب على المصدر؛ أي نزّلناه تنزيلا. والعلى: جمع العلياء. قوله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ (٥)؛وقد تقدّم تفسيره. قوله تعالى: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى﴾ (٦)؛أي له ما له في السّماوات وما في الأرض، وما بينهما من الخلق، معناه: أنه مالك كلّ شيء ومدبره، وقوله تعالى: ﴿(وَما بَيْنَهُما)﴾ يعني الهواء. قوله تعالى: ﴿(وَما تَحْتَ الثَّرى)﴾ أي وما تحت التّراب. والمفسّرون يقولون هو التراب النديّ الذي تحت الأرض السّفلى، وقيل: تحت الصخرة التي عليها الثور، ولا يعلم ما تحت الثّرى إلاّ الله. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ (٧)؛معناه: ما حاجتك إلى الجهر، فإن الله لا يحتاج إلى جهرك ليسمع، فإنه تعالى يعلم السّر وأخفى منه. قال ابن عبّاس: (السّرّ ما أسررت به في نفسك، وأخفى منه ما لم تحدّث به نفسك ممّا يكون في غد، علم الله فيهما سواء) (١) والتّقدير: وأخفى منه، إلاّ أنه حذف للعلم به. وعن سعيد بن جبير قال: (السّرّ ما تسرّه في نفسك، وأخفى منه ما لم يكن وهو كائن، فالله تعالى يعلم ما خفي عن ابن آدم ممّا هو فاعله قبل أن يفعله) (٢).

стр. 1710

قوله تعالى: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ (٨)؛أي له الصفات العليا. قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ (٩)؛هذا استفهام تقرير بمعنى الخبر، يريد: قد أتاك حديث موسى، ﴿إِذْ رَأى ناراً؛﴾ قال ابن عبّاس: (كان موسى ﵇ رجلا غيورا لا يصحب الرّفقة؛ لئلاّ يرى أحد امرأته، فأخطأ الطّريق في ليلة مظلمة، فرأى نارا من بعيد). ﴿فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا؛﴾ أي قال لامرأته: أقيموا مكانكم، ﴿إِنِّي آنَسْتُ ناراً؛﴾ أي رأيتها وأبصرتها، ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ؛﴾ أي بشعلة، ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً﴾ (١٠)؛أي من يدلّني على الطريق. قال الفرّاء: (أراد هاديا، فذكر بلفظ المصدر) (١).قال السديّ: (لأنّ النّار لا تخلوا من أهل لها وناس عندها). كانت رؤيته للنار في ليلة الجمعة، وكان قد استأذن شعيبا ﵇ في الرجوع إلى والدته فأذن له، فخرج بامرأته، فولدت في الطريق في ليلة باردة مثلجة، وقد حاد عن الطريق، فقدح فلم ير نور المقدحة شيئا، فبينما هو في مداولة ذلك إذ أبصر نارا عن يسار الطريق، فقال لامرأته: امكثوا-أي أقيموا مكانكم-إنّي أبصرت نارا، لعلّي آتيكم منها بقبس، أو أجد على النّار من يدلّني على الطريق. قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى﴾ (١١)؛أي فلمّا أتى النار أي شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنّها نار بيضاء تتّقد، فسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما، فخاف وتعجّب، وألقيت عليه السكينة، ثم نودي يا موسى، ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ؛﴾ وإنّما كرّر الكناية؛ لتوكيد الدلالة، وإزالة الشّبهة، وتحقيق المعرفة. قرئ «(إنّي أن ربّك)» بفتح الهمزة وكسرها، فمن فتح فعلى معنى بأنّي، ومن كسر فعلى معنى الابتداء. قال وهب: (نودي من الشجرة، فقيل: يا موسى، فأجاب سريعا لا يدري من دعاه، فقال: إنّي أسمع صوتك فلا أرى مكانك، فأين أنت؟ قال: أنا فوقك ومعك

стр. 1711

وأمامك وخلفك وأقرب إليك من نفسك، فعلم أن ذلك لا ينبغي إلاّ لربه ، فأيقن به) (١).قوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ؛﴾ قال الحسن: (إنّما أمر بخلع نعليه لينال قدماه بركة الوادي المقدّس، ويباشر تراب الأرض المقدّسة بقدمه، فيناله بركتها) وقوله تعالى: ﴿(الْمُقَدَّسِ)﴾ أي المطهّر. قال عكرمة: (كانت نعلاه من جلد حمار ميت) (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ (١٢)؛المقدّس: هو المطهّر، وقيل: المبارك، ولا يستدلّ بما قاله عكرمة على أنّ جلود الميتة لا تطهر بالدّباغ؛ لأنه إن كان كذلك فهو منسوخ بقوله ﵇: [أيّما إهاب دبغ طهر] (٣).قوله تعالى: ﴿(طُوىً)﴾ هو اسم الوادي. قوله تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ (١٣)؛أي اخترتك للرسالة؛ لكي تقوم بأمري، فاستمع لما يوحى إليك، فاحفظه حتى تؤدّيه للناس. وقرأ حمزة: «(وإنّا اخترناك)» بالتشديد في «(إنّا)» على التعظيم. قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي؛﴾ ولا تعبد غيري ظاهر المعنى، ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (١٤)؛أي لتذكرني بها بالتسبيح والتعظيم كذا قال مجاهد والحسن، وقيل: لأن أذكرك بالثناء والمدح، وقال مقاتل: (معناه: إذا نسيت الصّلاة، فأقمها إذا ذكرتها)،قال ﷺ : [من تأخّر عن صلاة أو نسيها؛ فليصلّها إذا ذكرها، فإنّ ذلك وقتها] ثمّ قرأ ﴿(وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)﴾ (٤).

стр. 1712

قوله تعالى: ﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها؛﴾ قال ابن عبّاس: (معناه: أنّ القيامة كائنة أكاد أخفيها عن نفسي، فكيف أظهرها لغيري)،قال المبرّد: (هذا على عادة مخاطبة العرب؛ يقولون إذا بالغوا في كتمان السّرّ: كتمته من نفسي؛ أي لم أطلع عليه أحدا). والمعنى: أنّ الله تعالى بالغ في إخفاء السّاعة، فذكره بأبلغ ما تعرف العرب. قال قتادة: (هي في بعض القراءة: أكاد أخفيها من نفسي، ولعمري لقد أخفاها الله عن الملائكة المقرّبين والأنبياء والمرسلين، وفي مصحف أبيّ وعبد الله: أكاد أخفيها من نفسي، فكيف يعلمها مخلوق؟). ومعنى الآية: أكاد أخفيها عن عبادي؛ كي لا تأتيهم إلاّ بغتة، والفائدة في إخفائها عن العباد: التهويل والتخويف، وفي ذلك مصلحة لهم؛ لأنّهم إذا لم يعلموا متى قيامها كانوا على حذر منها في كلّ وقت، خائفين من الموت، مستعدّين لذلك بالتوبة والطاعة. قوله تعالى: ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ (١٥)؛أي بسعيها، إما الثواب وإما العقاب. وقرأ الحسن وابن جبير: «(أكاد أخفيها)» بفتح الهمزة؛ أي أظهرها وأبرزها، يقال: خفيت الشّيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته (١). قوله تعالى: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها؛﴾ أي فلا يصرفنّك عن الإيمان بالسّاعة من لا يصدّق بها، ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ﴾ بالإنكار ﴿فَتَرْدى﴾ (١٦)؛ أي فتهلك، وهو خطاب لموسى ﵇، ونهي لسائر المكلّفين. والصّدّ: هو الصّرف عن الخير، يقال: صدّه عن الخير، وصدّه عن الإيمان، ولا يقال: صدّه عن الشّرّ، ولكن يقال: صرفه عن الشرّ ومنعه عنه. قوله تعالى: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ (١٧)؛أي وما التي بيمينك يا موسى؟ ﴿قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها﴾ أي أعتمد عليها إذا أعييت، وإذا

стр. 1713

مشيت، فلفظ أوّل الآية استفهام؛ ومعناه: التقرير على المخاطب، أن الذي في يده عصا؛ لكيلا تهوله صارت تعبانا. وقيل: كان الغرض بهذا السّؤال إزالة الوحشة منه؛ لأن موسى كان خائفا مستوحشا. قوله تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي؛﴾ أي أخبط به الشجر؛ ليتناثر ورقه فيأكله غنمي. وقرأ عكرمة: ﴿(وَأَهُشُّ)﴾ بالشّين، يعني أزجر بها الغنم، وذلك أنّ العرب تقول: هشّ وقشّ. قوله تعالى: ﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ (١٨)؛أي حوائج أخرى، تقول: لا إرب لي في هذا؛ أي لا حاجة لي فيه، واحد المآرب مأربة بضمّ الراء وكسرها وفتحها، وإنّما لم يقل: أخر؛ لأجل رءوس الآي. قال ابن عبّاس: (كانت مآربه أنه إذا ورد ماء قصر عنه رشاؤه وصله بالمحجن، ثم أدلى العصا وكان في أسفلها عكّازة يقاتل بها السباع، وكان يلقي عليها كسائه يستظلّ تحتها، ومن مآربه أيضا أنه كان اذا أراد الاستسقاء من بئر أدلاها، فطالت على طول البئر، فصارت شعبتاها كالدّلو، وكان يظهر على شعبتيها الشّمعتين بالليل-يعني: يضيء له مد البصر ويهتدي بها-واذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض، فتغصّنت أغصان تلك الشجرة، وأورقت أورقها وأثمرت) (١). ثم كان من المعلوم أنّ موسى لم يرد بهذا الجواب إعلام الله تعالى؛ لأن الله تعالى أعلم بذلك منه، ولكن لمّا اقتضى السؤال جوابا لم يكن بدّ له من الإجابة، فذكر منافع العصا إقرارا بالنعمة فيها والتزاما بما يجب عليه من الشّكر لله، وهكذا سبيل أولياء الله تعالى في إظهار شكر نعم الله تعالى، وفي هذا جواب عن بعض الملحدة في باب المسألة كانت عن فائدة ما في يده، ولم يكن عن منافعها، فلم كان الجواب عن ما لم يسأل؟

стр. 1714

وقوله تعالى: ﴿قالَ أَلْقِها يا مُوسى﴾ (١٩)؛أي ألقها من يدك، ﴿فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾ (٢٠)؛تشتدّ رافعة رأسها، عيناها تتوقّدان نارا، تمشي بسرعة على بطنها، لها عرف كعرف الفرس، فلما عاين ذلك موسى ولّى مدبرا ولم يعقّب هاربا منها، فنودي يا موسى: ارجع، فرجع وهو شديد الخوف و ﴿قالَ؛﴾ الله له: ﴿خُذْها﴾ بيمينك؛ ﴿وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى﴾ (٢١)؛عصا كما كانت. فلما أمره الله بأخذها أدنى طرف ثوبه على يده، وكان عليه مدرعة من صوف، فلما جعل طرف المدرعة على يده ليتناولها، قال ملك: يا موسى؛ أرأيت لو أنّ الله قد رعاك ما تحاذره؟ أكانت المدرعة تغني عنك شيئا؟ قال: لا؛ ولكنّي ضعيف ومن ضعف. فأمر أن يدخل يده في فمها فكشف عن يده، ثم وضعها في فم الحيّة، وإذا يده في الموضع الذي كان يضعها فيه بين الشّعبتين اللّتين في رأس العصا، وإنّما أمر بإدخال يده في فمها؛ لأنه إنّما يخشى من الحيّة من فمها، فأراد الله أن يريه من الآية التي لم يقدر عليها مخلوق، ولئلا يفزع منها اذا ألقاها عند فرعون، فلا يولّي مدبرا. قوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ (٢٢)؛قال الفرّاء: (جناح الإنسان عضده أي من غير أصل إبطه) (١) والمعنى: أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء ذات شعاع من غير مرض ولا برص آية أخرى نعطيكها مع العصا، ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى﴾ (٢٣)؛سوى هاتين الآيتين، فكان ﵇ إذا جعل يده في جيبه خرجت بيضاء يغلب شعاعها نور الشمس. قال ابن عبّاس: (كان ليده نور ساطع يضيء باللّيل والنّهار كضوء الشّمس والقمر وأشدّ ضوءا). قوله تعالى: ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ (٢٤)؛أي جاوز الحدّ في العصيان، وكفر وتكبّر.

стр. 1715

قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ (٢٦) أي وسّع لي صدري لأتمكّن من تحمّل أثقال الرسالة، والقيام بأدائها ومخاصمة الناس فيها، وسهّل لي أمري برفع المشقّة ووضع المحبّة. قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (٢٨)؛أي وارفع العقدة من لساني؛ ليفقهوا قولي: كلامي. وكان سبب العقدة في لسانه أنه كان في حجرة فرعون، فأتى يوم فأخذ بلحيته فنتف منها شيئا، وقال فرعون لامرأته آسية: إنّ هذا عدوّي المطلوب وهمّ بقتله، فقالت له آسية: لا تفعل، فإنه طفل لا يعقل، ولا يفرّق بين الأشياء ولا يميز، وعلامة ذلك: أنه لا يميز بين الدّرّة والجمرة، ثم جاءت بطشتين، فجعلت في أحدهما الجمر من النار، وفي الآخر الجوهر والحليّ، ووضعتهما بين يدي موسى، فأراد موسى أن يأخذ شيئا من الحليّ، فأخذ جبريل بيده فوضعها على النار، فأخذ جمرة ووضعها في فمه حتى أحرق لسانه، فكانت في لسانه رتّة، فدفع عنه أكثر الضّررين بأقلّهما. وقد اختلفوا في هذه العقدة: هل زالت بأجمعها في وقت نبوّته، أم لا؟ قال بعضهم-وهو الأصحّ وإليه ذهب الحسن-:أنّ الله استجاب له، فحلّ العقدة من لسانه؛ لأنه تعالى قال ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ فعلى هذا قول فرعون ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ (١) أي لا يأتي ببيان يفهم، وكان هذا القول كذبا منه؛ ليصرف الوجوه عنه. قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي﴾ (٢٩)؛الوزير الذي يؤازر الأمير فيحمل عنه بعض ما يحمل، فيكون المعنى: واجعل لي عونا وظهرا من أهلي، وقال الزجّاج: (اشتقاقه من الوزر وهو الجبل الّذي يعتصم به لينجو من الهلكة). ثم بيّن الوزير من هو، فقال: ﴿هارُونَ أَخِي﴾ (٣٠)،قيل: هارون مفعول ﴿(اجْعَلْ)﴾،تقديره: اجعل هارون أخي وزيرا لي، ﴿اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ (٣١)؛ أي أقوّي به ظهري، والأزر الظّهر، لنتعاون على الأمر الذي أمرتنا به، يقال: آزرت فلانا إذا عاونته.

стр. 1716

قوله تعالى: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (٣٢)،أي اجعله شريكا لي في تبليغ هذه الرسالة. ومن قرأ «(أشدد)» بفتح الألف و «(أشركه)» بضمّ الألف ردّ الفعل إلى موسى ﵇. قوله تعالى: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ (٣٤)؛أي كي نصلّي لك، وقيل: كي ننزّهك كثيرا، ونذكرك بالحمد والثّناء كثيرا بما أوليتنا من نعمتك، ومننت علينا من تحمّل رسالتك. قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً﴾ (٣٥)؛أي عالما. قوله تعالى: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ (٣٦)؛أي أوتيت ما سألت يا موسى، وأوتيت مرادك. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ (٣٧)؛أي أنعمنا عليك كرّة أخرى قبل هذه المرّة. ثم بيّن تلك النعمة، فقال تعالى: ﴿إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ؛﴾ أي ألهمناها حين عنت بأمرك، وما كان فيه سبب نجاتك من القتل، ﴿ما يُوحى﴾ (٣٨)؛أي ما يلهم، ثم فسّر ذلك الإلهام فقال: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وكان السبب في ذلك أن فرعون كان يقتل غلمان بني إسرائيل على ما تقدّم ذكره، ثم خشي أن يفنى نسل بني إسرائيل، فكان يقتل بعد ذلك في سنة ولا يقتل في سنة، فولد موسى في السّنة التي يقتل فيها الغلمان، فنجّاه الله من القتل بأن ألهم أمّه أن جعلته في التابوت، وأطرح التابوت في اليمّ وهو البحر، وأراد به النّيل ومعنى قوله تعالى: ﴿(أَنِ اقْذِفِيهِ)﴾ أي اجعليه. قوله تعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ؛﴾ لفظه لفظ الأمر وهو خبر (بتقدير) حتى يلقيه اليمّ بالسّاحل. قوله تعالى: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ؛﴾ وأراد به فرعون. قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي؛﴾ وذلك أن أمّ موسى لمّا اتخذت لموسى تابوتا جعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى وألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينما هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية، إذا بالتابوت يجيء بالماء.

стр. 1717

فلما رأى ذلك أمر الجواري والغلمان بإخراجه فأخرجوه، فإذا هو صبيّ من أحسن الناس وجها، فلما رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله تعالى: ﴿(وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي)﴾ قال عطية العوفي (١): (وجعل عليه مسحة من جمال فأحبّه كلّ من رآه). وقال عطاء عن ابن عبّاس: (معنى قوله تعالى ﴿(وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي)﴾ أي لا يلقاك أحد إلاّ أحبّك من مسلم وكافر) (٢)،وقال عكرمة: (ألقيت عليك محبّة وملاحة وحسنا) (٣)،فحين أبصرت آسية وجهه قالت لفرعون: قرّة عين لي ولك. وقال أبو عبيدة: (معناه: جعلت لك محبّة عندي وعند غيري، أحبّك فرعون، فسلمت من شرّه، وأحبّتك امرأته فتبنّتك).قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ (٣٩)؛أي ولتربّى وتغذى بمرأى أراك على ما أريد بك من الرفاهية في غذائك. وقال قتادة: (معناه: لتغذى على محبّتي). وأراد في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ؛﴾ وذلك أن موسى جعل يبكي ويطلب اللّبن، فأمر فرعون حتى أتى بالنّساء اللّواتي حول فرعون ليرضعن موسى، فلم يقبل ثدي واحدة منهن، وكانت أخت موسى متّبعة للتابوت ماشية خلفه. فلما حمل التابوت إلى فرعون، ذهبت هي معه، فقالت: هل أدلّكم على من يكفله؟ أي يرضعه ويضمّه ويحصنه؟ فقالوا: من هي؟ قالت: امرأة قد قتل ولدها، وهي تحبّ أن تجد صبيّا ترضعه. فأذن لها فرعون في إحضارها، فانطلقت وأتت بأمّ

стр. 1718

موسى، فأعطته الثدي فأخذه موسى، وفرح به فرعون، وجعل لها الأجرة على الإرضاع، وحملته أمّه إلى دارها، فذلك قوله تعالى: ﴿فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ؛﴾ أي رددناك إليها؛ كي تطيب نفسها، ولا تحزن على ابنها. قوله تعالى: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً؛﴾ يعني القبطيّ الذي وكزه موسى فقضى عليه، ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ؛﴾ أي غمّ القود، وخلّصناك من أن تقتل. قوله تعالى: ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُوناً؛﴾ أي أوقعناك في محنة بعد محنة، ونحن نخلّصك منها، وذلك أنه حمل به في السّنة التي يذبح فرعون فيها الأطفال، ثم إلقاؤه في البحر، ومنع الرّضاع إلاّ ثدي أمّه، ثم جرّ لحية فرعون حتى همّ بقتله، ثم تناوله الجمرة، ثم قتله القبطيّ، ثم خروجه إلى مدين خائفا يترقّب. فمعنى: ﴿(فَتَنّاكَ فُتُوناً)﴾ اي خلّصناك من تلك المحن. وقيل: معناه شدّدنا عليك في أمر المعاش حتى رعيت لشعيب عشر سنين. وقال ابن عبّاس: (معناه: اختبرناك اختبارا) (١)،وقال الضحّاك: (ابتليناك ابتلاء)،وقال مجاهد: (خلّصناك خلاصا) (٢). قوله تعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ؛﴾ يعني لبثت في أهل مدين حين كنت راعيا لشعيب، مكثت عشر سنين. وتقدير الكلام: وفتنّاك فتونا؛ فخرجت إلى أهل مدين فلبثت سنين. وبلاد أهل مدين على ثلاث مراحل من مصر. وقال وهب: (لبثت في أهل مدين عند شعيب ثماني وعشرين سنة، عشر سنين التي رعى فيها لشعيب، وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له، وقتل القبطيّ يوم قتله وهو ابن اثنتي عشرة سنة). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ (٤٠)؛معناه: فلبثت سنين في أهل مدين حين كنت راعيا لشعيب، ثم جئت على المقدار الذي قدّره الله عليك، وكتبه في اللّوح المحفوظ. قال ابن كيسان: (جاء على رأس أربعين سنة، وهو القدر الّذي يوحى فيه إلى الأنبياء).

стр. 1719

قوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (٤١)؛أي اختصصتك لوحيي ورسالتي، والاصطناع هو الإخلاص بالألطاف. وقال الزجّاج معناه: (اخترتك لإقامة حجّتي، وجعلتك بيني وبين خلقي). قوله تعالى: ﴿اِذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي؛﴾ أي باليد والعصا، ﴿وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي﴾ (٤٢)؛أي لا تقتّرا في تبليغ رسالتي إلى فرعون، ولا تضعفا عن ذكري، وقيل: لا تقصّرا ولا تبطئا. قوله تعالى: ﴿اِذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ (٤٣)؛قد تقدّم تفسيره. قوله تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً؛﴾ أي قولا له بالشّفقة، ولا تقولا له قولا عنيفا، فيزداد غيضا بغلظ القول. قال السديّ وعكرمة: (كنّياه قولا له: يا أبا العبّاس) وقيل: يا أبا الوليد (١)،ويا أيّها الملك. وقيل: يعني بالقول اللّين: ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى. وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ (٢). وعن السديّ قال: (القول اللّيّن: أنّ موسى أتاه فقال له: تؤمن بما جئت به، وتعبد ربّ العالمين على أنّ لك شبابك فلا تهرم، وأنّ لك ملكك لا تنزع حتّى تموت، ولا تنزع عنك لذة الطّعام والشّراب والجماع حتّى تموت، فإذا متّ دخلت الجنّة. فأعجبه ذلك، وكان لا يقطع أمرا دون هامان، وكان هامان غائبا، فقال فرعون: إنّ لي ذا أمر غائب، فاصبر حتّى يقدم. فلمّا قدم قال له فرعون يا هامان إنّ موسى دعاني إلى أمر فأعجبني-وأخبره بالّذي دعاه إليه-وأردت أن أقبل منه. فقال هامان: قد كنت أرى أنّ لك عقلا، بينما أنت ربّ فتريد أن تكون مربوبا، وأنت تعبد فتريد أن تعبد؟.فغلبه على رأيه فأبى. روي أنّ رجلا قرأ في مجلس يحيى بن معاذ: ﴿(فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً)﴾ فبكى يحيى ابن معاذ وقال: (إلهي، هذا رفقك بمن يقول أنا إله، فكيف رفقك بمن يقول أنت إلهي، إنّ قول لا إله إلاّ الله يهدم كفر خمسين سنة).

стр. 1720

قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ (٤٤)؛أي يتّعظ أو يخشى العاقبة، وكلمة (لعلّ) للترجّي والطمع؛ أي اذهبا على رجائكما وطمعكما وأنا عالم بما يفعل، فإن قيل: كيف قال ﴿(لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ)﴾ وعلمه سابق في فرعون أنه لا يؤمن، ولا يتذكر ولا يخشى؟ قيل: هذا مصروف إلى غير فرعون، تقديره: لكي يتذكر متذكر ويخشى خاش إذا رأى برئ، وألطافي بمن خلقته ورزقته وصحّحت جسمه وأنعمت عليه، ثم ادّعى الربوبية دوني. قال بعض العارفين في قوله تعالى: ﴿(فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً)﴾: (إذا كان هذا رفقك بمن ينافيك، فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك، فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك، فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول ندا فكيف بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ، فكيف رفقك بمن زلّ؟ هذا رفقك بمن اقترف، فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ، فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر، فكيف رفقك بمن استغفر؟). وعن وهب بن منبه قال: (أوحى الله إلى موسى: انطلق إلى فرعون برسالتي، فمعك نظري وأنت جند عظيم من جنودي، بعثتك إلى خلق ضعيف قد عزّته الدنيا حتى كفر وأقسم بعزي لولا اتخاذ الحجّة عليه والعذر إليه لبطشت به بطشة جبار يغضب لغضبه السّماوات والأرض، فإن أذن للسّماء صعقته، وللأرض ابتلعته، وللجبال دمّرته، وللبحار أغرقته، ولكنه وسعه حلمي، فبلّغه رسالتي وقل له فيما بين ذلك قولا لينا لا يغرّ بك فألبسه من لباس الدّنيا، فأجب ربك الذي هو واسع المغفرة، أنه قد أمهلك منذ خمسمائة سنة لم تهرم ولم تسقم ولم تفتقر، واعلم أنّ أفضل ما تزين به العباد الزهد في الدنيا، ومن أهان وليّا فقد بارزني بالمحاربة). قوله تعالى: ﴿قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى﴾ (٤٥) معناه: قال موسى وهارون: ربّنا إنّنا نخاف أن يفرط علينا، قال ابن عبّاس: (يعجّل والعقوبة) (١)،وقيل: تغليب أو أن يطغى بتكبّر ويستعصي علينا، ويقال: فرّط علينا فلان إذا أعجل بمكروه، وفرّط منه أمري بدر وسبق.
следующие страницы →