← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

وكعب؛ قالوا: (أحياهم الله ، وأبدله بكلّ شيء ذهب عنه ضعفين)،قال ابن عبّاس: (ردّ الله امرأته في شبابها حتّى ولدت له ستّة وعشرين ولدا ذكرا). قوله تعالى: ﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ؛﴾ أي واذكر إسماعيل وإدريس وذا الكفل، واختلفوا في ذكر ذي الكفل، قال أبو موسى الأشعريّ وقتادة ومجاهد: (كان ذو الكفل رجلا صالحا تكفّل لنبيّ من الأنبياء أنه يصوم النهار ويقوم الليل، وأن لا يغضب ويقضي بالحقّ، فوفّى بذلك كله، فأثنى الله عليه وذكره مع الأنبياء. وذلك أن نبيّا من بني إسرائيل أوحى الله إليه: أنّي أريد قبض روحك، فاعرض ملكك على بني إسرائيل، فمن تكفّل لك أن يصلي بالليل لا يفتر، ويصوم النهار ولا يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب، فادفع ملكك إليه. ففعل ذلك، فقام شابّ فقال: أنا أتكفّل لك بهذا، فتكفّل ووفّى به، فشكره الله وأثنى عليه، ولذلك سمي ذا الكفل).وقال الحسن: (هو نبيّ اسمه ذو الكفل) ومعنى ذو الكفل؛ أي ضوعف ثوابه على ثواب غيره ممن آمن به في زمانه (١). وقال مجاهد أيضا: (لمّا كبر اليسع ﵇ قال: لو أنّي استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل، قال: فجمع الناس وقال: من يتكفّل لي بثلاثة استخلفته: يصوم النهار، ويقوم الليل، ويحكم بين الناس ولا يغضب؟ فقام رجل ترد به العيون فقال: أنا، فردّه في ذلك اليوم، ثم قال كذلك في اليوم الثاني، فقام ذلك الرجل فردّه، فقال مثل ذلك في اليوم الثالث، فقام ذلك الرجل، فاستخلفه فوفّى بذلك كله) (٢). قوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ (٨٥)؛أي على طاعة الله وعن معاصيه، ﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٨٦)؛يعني ما أنعم الله عليهم من النبوّة، وما صيّرهم اليه في الجنّة من الثواب.

стр. 1787

قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً؛﴾ يعني يونس بن متّى أحبسه الله في بطن النّون، وهو الحوت، ومعنى الآية: واذكر ذا الحوت إذ ذهب مغاضبا لقومه. روي: أنه خرج من بينهم قبل أن يؤذن له في الخروج، وكان خروجه من بينهم خطيئة، وإنّما خرج منهم على تركهم الإيمان به، هكذا روي عن ابن عبّاس والضحّاك. وقيل: كان يونس وقومه يسكنون فلسطين فعداهم ملك فسبى منهم خلقا كثيرا، فأوحى الله إلى أشعيا النبيّ ﵇: اذهب إلى الملك حزقيا فقل له: توّجه نبيّا قويا أمينا، فإنّي ألقي في قلوب أولئك التخلية حتى يرسلوا معه بني إسرائيل، فقال الملك: من ترى يرسل؟ وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال له: أرسل يونس فإنه قويّ أمين، فأتى الملك يونس فأخبره أن يخرج، فقال يونس: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا، فقال: فهل سمّاني لك؟ قال: لا، قال: فهنا أنبياء غيري أقوياء أمناء، فألحّوا عليه فخرج مغاضبا للنبيّ والملك ولقومه. فأتى بحر الرّوم، فإذا سفينة مشحونة فركب مع أصحابها، فلما صارت في لجّة البحر انكفأت حتى كادوا يغرقون، فقال الملاّحون: هاهنا عبد آبق عاص، فاقترعوا، فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر، لئن يغرق واحد منّا خير من أن تغرق السفينة بما فيها. فاقترعوا ثلاثا فوقعت القرعة كلّها على يونس، فقال يونس: أنا الرجل العاصي والعبد الآبق، وألقى نفسه في الماء. فجاء حوت فابتلعه، ثم جاء حوت آخر أكبر منه فابتلع الحوت أيضا. فأوحى الله إلى الحوت لا تؤذي منه شعرة، فإنّي قد جعلت بطنك سجنه، ولم أجعله رزقا لك. قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ،﴾ بالعقوبة، يقال قدر الله الشيء وقدّره؛ أي قضاه. وقيل: معناه: فظنّ أن لن نضيّق عليه السجن، من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (١) أي ضيّق، وقوله ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (٢)،وقد

стр. 1788

ضيّق الله على يونس أشدّ تضييق. وقيل: معناه: (فظنّ أن لن نقدر عليه) ما قدرنا من كونه في بطن الحوت. قوله تعالى: ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ؛﴾ قال ابن عباس: (هي ظلمة اللّيل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت) (١)،وقال سالم ابن أبي الجعد: (كان حوتا في بطن حوت) (٢). قوله تعالى: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٨٧)؛أي الظّالمين لنفسي في خروجي من قومي قبل الإذن. قال الحسن: (وهذا من يونس اعتراف بذنبه، وتوبته من خطيئته، تاب إلى ربه في بطن الحوت وراجع نفسه).قال رسول الله ﷺ : [إنّي لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلاّ فرّج الله عليه، كلمة أخي يونس: لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين] (٣). وقال وهب بن منبه: (إنّ يونس بن متّى ﵇ كان عبدا صالحا، وكان في خلقه ضيق، فلمّا حملت عليه أثقال النبوّة، تفسّخ تحتها تفسّخ الربع تحت الحمل الثقيل فقذفها بين يديه، وخرج هاربا منها (٤) فلذلك أخرجه الله من أولي العزم قال الله لمحمّد ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٥) وقال ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ﴾ (٦) أي لا تلق قولي كما ألقاه) (٧).قوله تعالى: ﴿(فَظَنَّ أَنْ﴾

стр. 1789

﴿لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ)﴾ أي ظنّ أن لن نقضي عليه بما قضينا من العقوبة، ودليله قراءة الزهريّ: «(أن لن نقدّر عليه)» مشدّدا. وقرأ عبيد بن عمير: «(يقدّر عليه)» بالتشديد على المجهول. واختلفوا في مدّة لبثه في بطن الحوت، فقيل: أربعون يوما، وقيل: سبعة أيّام، وقيل: ثلاثة أيّام، وأمسك الله نفسه فلم يقتله هناك. وروى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: [لمّا أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت: أن خذه ولا تخدش له لحما ولا تكسر له عظما. فأخذه ثمّ هوى به إلى مسكنه في البحر، فلمّا انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسّا، فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: أنّ هذا تسبيح دواب البحر، قال: فسبّح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: ربّنا إنّا سمعنا صوتا ضعيفا بأرض غريبة؟ قال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت، قالوا: العبد الصّالح الّذي كان يصعد له إليك منه في كلّ يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم. فشفعوا له، فأمر الله الحوت، فقذفه على السّاحل وهو سقيم] (١). وعن ابن عبّاس قال: (أتى جبريل إلى يونس فقال: انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم أنّ العذاب قد حضرهم، قال: حتّى ألتمس دابّة، قال: الأمر أعجل من ذلك، فانطلق إلى السّفينة فركبها فأخشبت السّفينة، فساهموا فخرج السّهم عليه، فجاء الحوت ينصّص بذنبه فالتقمه، فنودي الحوت: إنّا لم نجعله رزقا لك، وإنّما جعلناك له سجنا، وانطلق الحوت من ذلك المكان حتّى مرّ به على الأيكة، ثمّ مرّ على دجلة) (٢). وكان ابن عبّاس يقول: (كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت، ودليل هذا أنّ الله ذكر قصّة يونس في سورة الصّافّات، ثمّ عقّبها بقوله ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ﴾

стр. 1790

﴿يَزِيدُونَ﴾ (١)).وقال آخرون: بل كانت قصة الحوت بعد دعائه قومه، وتبليغه الرسالة. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ؛﴾ أي أجبنا دعوته ونجّيناه من تلك الظّلمات، ﴿وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨٨)؛إذا دعوني، كما نجّينا ذا النّون. قال رسول الله ﷺ : [اسم الله إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطي: دعوة يونس بن متّى] قيل: يا رسول الله؛ هي ليونس خاصّة أم لجماعة المسلمين؟ قال: ليونس خاصّة، وله وللمؤمنين عامّة، ادعوا بها، ألم تسمع إلى قوله تعالى ﴿(وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)]﴾ (٢). واختلفت القراءات في قوله ﴿(وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)﴾،قرأ ابن عامر وأبو بكر: «(نجّي المؤمنين)» بنون واحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء. وجميع النحويين حكموا على هذه القراءة باللّفظ، وقالوا: هي لحن، ثم ذكر الفرّاء لها وجها فقال: أضمر المصدر في (نجّي) أي نجّي النّجاء المؤمنين (٣)،كقولك: ضربت الضّرب زيدا على إضمار المصدر؛ أي ضرب الضّرب زيدا، وقال الشاعر (٤): ولو ولدت قفيرة جرو كلب ... لسبّ بذلك الجرو الكلابا وممن صوّب هذه القراءة أبو عبيد، وأما أبو حاتم السّجستانيّ فإنه لحنها ونسب قارئها إلى الجهل وقال: (هذا لحن لا يجوز في اللّغة، ولا يحتجّ بمثل ذلك البيت على كتاب الله، إلاّ أن تقول: وكذلك نجّي المؤمنون، ولو قرأ ذلك لكان صوابا). قال أبو علي الفارسيّ: (هذا إنّما يجوز في سورة الشّعراء، فإن قيل: لم كتب في المصاحف بنون واحدة؟ قيل: لأنّ الثّانية لمّا سكّنت وكان السّاكن غير ظاهر

стр. 1791

على اللّسان حذفه، كما فعل ذلك في (ألاّ) فحذفوا النّون من (أن لا) لخفائها إذا كانت مدغمة في اللاّم) (١). وقوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ﴾ (٨٩)؛أي واذكر دعاء زكريّا إذ نادى ربّه فقال رب لا تتركني وحيدا؛ أي ارزقني ولدا آنس به ويعينني على أمر الدّين والدّنيا، ويقوم بأمر الدين بعد وفاتي، وأنت وارث جميع الخلق؛ لأنّ مردّهم صائرون إليك. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ؛﴾ أي فأجبنا له دعاءه هذا، ﴿وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ؛﴾ عقر امرأته، قال قتادة: (كانت عقيما فجعلناها ولودا) (٢)،وقيل: كانت سيّئة الخلق فرزقها الله حسن الخلق. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ؛﴾ أي يبادرون إلى الطاعات مخافة أن يعرض لهم ما يشغلهم عنها، ويعني بذلك زكريّا وامرأته ويحيى، وقال بعض المفسّرين: الكناية تعود على الأنبياء الذين ذكرهم الله في هذه السورة. قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً؛﴾ أي طمعا في ثوابنا وخوفا من عقابنا، ﴿وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ (٩٠)؛أي خاضعين حذرين. قوله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها؛﴾ وهي مريم بنت عمران، ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا؛﴾ أي نفخ جبريل في جيب درعها بأمرنا، والمعنى: واذكر التي حفظت فرجها مما لا يحلّ. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (٩١)؛أي دلالة للعالمين من حيث أنّها جاءت بالولد من غير بعل، تكلّم في المهد بما يوجب براءة شأنها من العيب، وفي ذلك دليل على مقدورات الله، وعلى هذا لم يقل آيتين؛ لأنّ شأنهما في الدلالة كان واحدا.

стр. 1792

قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً؛﴾ قال ابن عبّاس ومجاهد والحسن: (معناه إنّ هذا دينكم دين واحد) (١) والأمّة الدّين، ومنه قوله ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ (٢) أي على دين. الأصل أنه يقال للقوم الذين يجتمعون على دين واحد: أمّة، فتقوم الأمّة مقام الدّين. وهو نصب على الحال؛ أي حال اجتماعها على الحقّ. قوله تعالى: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (٩٢)؛أي لا دين سوى ديني ولا ربّ غيري. قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ﴾ (٩٣) معناه: كان أمرهم في الدّين واحدا، ولكن تفرّقوا واختلفوا بما لا يجوز؛ وهم اليهود والنصارى والمجوس. قوله تعالى: ﴿(كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ)﴾ أي جميع أهل هذه الأديان راجعون إلى حكمنا يوم القيامة، فنجزيهم بأعمالهم. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ؛﴾ أي لا جحود لعمله، بل يتقبّلها الله ويثني عليها، والمعنى: لا يمنع ثواب عمله، ولا يجحد إحسانه. قوله تعالى: ﴿وَإِنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ (٩٤)؛ أي نأمر الحفظة أن يكتبوا لذلك العامل عمله لنجازيه عليه. قوله تعالى: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ (٩٥)؛ أي واجب على كلّ قرية اذا أهلكت لا ترجع إلى دنياها. قال الكلبيّ: (يعني بقوله (أهلكناها) عذبناها أنّهم لا يرجعون إلى الدّنيا).والمعنى: أنّ الله تعالى حكم على من أهلك أن يبقى في الأرض مدفونا إلى يوم القيامة، وأن لا يرجع إلى الدّنيا. قرأ حمزة والكسائي: «(وحرم)» بكسر الحاء وجزم الراء من غير ألف، وهما لغتان مثل حلّ وحلاّن (٣).

стр. 1793

قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ؛﴾ أي إذا فتحت جهة يأجوج ومأجوج، وفتحها إخراجها من السدّ. قرأ ابن عامر ويعقوب: «(فتّحت)» بالتشديد على التكثير. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ (٩٦)؛أي من كلّ أكمة وربوة مرتفعة من الأرض يخرجون بإسراع، والحدب: الارتفاع ومنه الحدبة خروج الظّهر، وتبيّنه. والنّسول: هو الخروج بسرعة كنسلان الذّئب يعني مشيه اذا أسرع فيها. والمعنى: أنّهم من كلّ نشر من الأرض يسرعون ويتفرّقون في الأرض، فلا يرى أكمة إلاّ وفوقها قوم منهم يهبطون منها مسرعين، فلا يمرّون بماء إلاّ شربوه ولا بشيء إلاّ أفسدوه. قال المفسّرون: أولاد آدم عشرة أجزاء، تسعة يأجوج ومأجوج، وقد ذكرنا قصّتهم في سورة الكهف. قوله تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ؛﴾ قيل: إن الواو هاهنا مقحمة، والمعنى: حتّى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحقّ، يكون ذلك عند اقتراب السّاعة، وذكر الوعد والمراد به الموعد. روي عن حذيفة ﵁ أنّه قال: (لو أنّ رجلا اقتنى فلوّا (١) بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتّى تقوم السّاعة) (٢). قوله تعالى: ﴿فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ أي تشخص أبصارهم يوم القيامة نحو الجهة التي يتوقّعون نزول العذاب بهم منها. وقيل: خشعت أبصارهم من شدّة الأهوال ذلك اليوم. قال الكلبيّ: (شخصت أبصارهم فلا تطيق تطرف من شدّة الأهوال)،فأما الضمير في قوله (فإذا هي شاخصة) يعود إلى معلوم

стр. 1794

قد بيّنه وهو قوله (أبصار الّذين كفروا)،كقول الشاعر (١): لعمر أبيها لا تقول ظعينتي ... إلاّ فرّ عنّي مالك بن أبي كعب فكنى عن الظعينة ثم أظهرها (٢) ويكون تقدير الكلام: فإذا الأبصار شاخصة أبصار الّذين كفروا. وقيل: يكون قوله (هي) عماد مثل قوله ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ﴾ (٣).قوله تعالى: ﴿يا وَيْلَنا؛﴾ أي قالوا يا ويلنا؛ ﴿قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا؛﴾ اليوم في الدّنيا، ﴿بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ (٩٧)؛لأنفسنا بالكفر. قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ (٩٨)؛معناه: إنّكم يا أهل مكّة وما تعبدون من الأصنام وقود جهنّم. والحصب في اللغة: هو كلّ ما يرمى به، يقال: حصبه بالحصا إذا رماه بها، وفي القراءة الشاذة: «(حضب جهنّم)» وهي قراءة (٤) ابن عبّاس، والحضب: ما يهيّج به النار، ومنه قيل لدقاق النار حصب. وقرأ عليّ وعائشة: «(حطب جهنّم)» (٥). قوله تعالى: ﴿(أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ)﴾ أي فيها خالدون، والحكمة في إدخال الأصنام النار مع أنّها لا ذنب لها في عبادة من يعبدها: أن يقصد بإدخالها تعذيب عبّادها، فما كان منها حجرا أو حديدا يحمى فيلتزق بعبّادها، وما كان منها خشبا جعل جمرة فيعذبون بها، أو يكون في إدخال معبودهم معهم في النار زيادة ذلّ وصغار عليهم. قوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها؛﴾ استجهالا لهم في عبادة الأصنام؛ أي لو كان الأصنام آلهة كما يزعم الكفار ما وردوها؛ أي دخل عابدوها النار، ﴿وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ (٩٩)؛يعني العابد والمعبود.

стр. 1795

قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ (١٠٠)؛ الزّفير شدّة النّفس بهول ما يرد على صاحبه، وهم فيها لا يسمعون شيئا، ولا يرى أحد منهم أنّ في النار أحدا يعذب غيره. قال ابن مسعود: (يجعلون في توابيت من نار، ثمّ جعلت تلك التّوابيت في توابيت أخرى فلا يسمعون شيئا) (١). وعن رسول الله ﷺ : أنّه أتى قريشا وهم في المسجد مجتمعون وحولهم ثلاثمائة وستّون صنما مصفوفة، لكلّ قوم صنم لهم، فقال ﷺ : [إنّكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنّم أنتم لها واردون] ثمّ ذهب رسول الله ﷺ فشقّ عليهم ذلك، فأتاهم عبد الله بن الزّبعرى فرآهم يتهامسون، فقال: فيم حوصكم؟! فأخبره الوليد بن المغيرة بما قال رسول الله ﷺ ، فقال ابن الزّبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته. فدعوا رسول الله ﷺ ، فقال ابن الزبعرى: أنت قلت أنّا وما نعبد في النّار؟ قال: خصمتك ورب الكعبة، أليست اليهود تعبد عزيرا، والنّصارى تعبد المسيح، وبني مليح يعبدون الملائكة! أفترى أنّ هؤلاء لا يكونون في النّار؟ فبيّن له النّبيّ ﷺ أنّ الله تعالى أراد به الأوثان. وفي الآية ما يدلّ على ذلك؛ لأنّ قوله تعالى ﴿(وَما تَعْبُدُونَ)﴾ لا يكون إلاّ لما لا يعقل، إذ لو أراد الملائكة والناس لقال (ومن تعبدون) (٢).ثم أنزل الله تعالى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ (١٠١)؛معناه: أنّ عيسى وعزيرا والملائكة هم الذين سبقت لهم منّا الحسنى؛ أي وجبت لهم العدة من الله تعالى بالبشرى والسعادة.

стр. 1796

ويدخل في هذه الآية جملة المؤمنين؛ لما روي أنّ عثمان (١) سمع عليّا كرّم الله وجهه يقرأ هذه الآية ﴿(إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ)﴾ قال: (أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزّبير وسعد وسعيد وعبد الرّحمن وأبو عبيدة) (٢).وقال الجنيد: (سبقت لهم من الله العناية في الهداية، فظهرت الولاية في النّهاية). قوله تعالى: ﴿(أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ)﴾ منحّون عن النار، ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها؛﴾ أي حسّها وحركة تلهّبها، والمعنى: لا يسمعون صوت النار، ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ﴾ (١٠٢)؛أي في ما اشتهت أنفسهم من نعيم الجنّة مقيمون دائمون. قوله تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ؛﴾ قال أكثر المفسّرين: يعني إطباق جهنّم على أهلها، وقال ابن عباس: (النّفخة الأخيرة).وقيل: هو ذبح الموت بين الفريقين. وقيل: هو حين يؤمر بأهل النار إلى النار، وذلك حين يقال ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (٣).قوله تعالى: ﴿وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ؛﴾ أي بالتّهنئة على باب الجنّة، فيقولون لهم: ﴿هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (١٠٣). قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ؛﴾ قال ابن عبّاس ومجاهد: (السّجلّ هو الصّحيفة تطوى بما فيها من الكتابة) واللاّم في قوله (للكتب):بمعنى (على)،وقال السديّ: (هو ملك موكّل بالصّحف، إذا مات الإنسان رفع كتابه إليه فطواه).وقيل: إن السّجلّ كاتب لرسول الله ﷺ . ويقال: هو الرجل بلغة الحبشة.

стр. 1797

قرأ أبو جعفر: «(تطوى السّماء)» بالتاء، ورفع «(السّماء)» على ما لم يسمّ فاعله. وقرأ أهل الكوفة: ﴿(لِلْكُتُبِ)﴾ على الجمع. والمراد بطيّ السّماء أنّ الله تعالى يطويها، ثم يفتحها ثم يعيدها، ولذلك قال: ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ؛﴾ أي كما بدأناها أوّل مرّة، نعيدها إلى الحالة الأولى. ويجوز أن يكون معنى قوله ﴿(كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ)﴾ نعيد الخلق للبعث كما بدأناه في النّطفة، ودليل هذا القول قوله تعالى: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (١). والطّيّ في هذه الآية يحتمل معنيين؛ أحدهما: الدّرج الذي هو ضدّ النّشر، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٢).والثّاني: الإخفاء والتّعمية والمحو والطّمس؛ لأن الله تعالى يمحو رسومها ويكدر نجومها. وقيل: معنى قوله تعالى ﴿(كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ)﴾:كما بدأناهم في بطون أمّهاتهم حفاة عراة غرلا، كذلك نعيدهم يوم القيامة. قوله تعالى: ﴿وَعْداً عَلَيْنا؛﴾ نصب على المصدر بمعنى: قد وعدناهم هذا وعدا، قوله تعالى: ﴿إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ (١٠٤)؛ما وعدناكم من ذلك، وقيل: فاعلين الإعادة والبعث. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ (١٠٥)؛أي كتبنا في زبور داود من بعد توراة موسى. وقال ابن عبّاس والضحّاك: (الذّكر التّوراة، والزّبور الكتب المنزّلة من بعد التّوراة) (٣).وقيل: الزبور زبور داود، والذّكر الفرقان، و (بعد) بمعنى (قبل) كقوله تعالى ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ﴾ (٤) أي أمامهم، وقوله ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ (٥) أي قبل ذلك. قوله تعالى: ﴿(أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ)﴾ يعني أرض الجنّة يرثها عبادي الصّالحون من أمّة محمّد ﷺ . وقيل: جميع المؤمنين العاملين بطاعة الله.

стр. 1798

قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ (١٠٦)؛أي إنّ في هذا القرآن بلاغا للكفاية، والمعنى: أن من اتبع القرآن وعمل به كان بلاغه في الجنّة، وقوله تعالى ﴿(لِقَوْمٍ عابِدِينَ)﴾؛قال كعب: (هم أمّة محمّد ﷺ الّذين يصلّون الصّلوات الخمس، ويصومون شهر رمضان) (١).وروي: أنّ رسول الله ﷺ قرأ ﴿(إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ)﴾،ثمّ قال: [هي الصّلوات الخمس في الجماعة في المسجد الحرام] (٢). قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (١٠٧)؛معناه: وما أرسلناك يا محمّد إلاّ نعمة للعالمين. قال ابن زيد: (يعني للمؤمنين خاصّة)،وقال ابن عبّاس: (هو عامّ، فمن آمن به كتب له من الرّحمة في الدّنيا والآخرة، ومن لم يؤمن عوفي ممّا أصاب الأمم من المسخ والخسف والغرق) (٣).والمعنى: أنه كان إذا أرسل نبيّ من الأنبياء؛ فإن آمن به قومه وإلاّ عذّبوا، وأرسل النبيّ ﷺ فكان كلّ من كفر به يؤخّر إلى يوم القيامة فهو نعمة على الكافر إذ عوفي مما أصاب الأمم من المسخ. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: إنّما يوحى إليّ في القرآن؛ ﴿أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ وهو الله لا شريك له؛ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٠٨) يا أهل مكّة مسلمون مخلصون له بالعبادة والتوحيد. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا؛﴾ أي فإن أعرضوا عن قبول قولك، ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ؛﴾ أي أعلمتكم بالوحي من الله على سواء في الإعلام؛ أي لم أظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره. وقيل: على سواء في العلم، إنّي حرب لكم لا صلح بيننا، وإنّي مخالف لدينكم فتأهّبوا لما يراد بكم؛ إذ ليس العناد من أخلاق الأنبياء صلوات الله عليهم.

стр. 1799

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ (١٠٩)؛أي ما أدري متى توعدون به من العذاب. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ (١١٠) معناه: إن الله يعلم ما تعلنون به من القول، ويعلم ما تكتمون من سرّكم، لا يغيب من علمه شيء منكم. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ؛﴾ أي وما أدري لعلّ تأخير العذاب اختبار لكم؛ ليرى كيف صنعكم، ﴿وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ (١١١)؛آجالكم؛ أي تمتّعون إلى انقضاء آجالكم. قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: رب احكم بعذاب أهل مكّة الذي هو حقّ نازل بهم، والحقّ: هاهنا هو العذاب، كأنه استعجل العذاب لقومه، فعذّبوا يوم بدر. قال قتادة: (كان النّبيّ ﷺ إذا شهد قتالا قال: [رب احكم بالحقّ]) (١)،قال الكلبيّ: (فحكم عليهم بالقتل يوم بدر، ويوم الأحزاب، ويوم حنين، ويوم الخندق).والمعنى: أفضل بيني وبين المشركين بما يظهر به من الحقّ للجميع. وقرأ حفص: «(قل رب احكم بالحقّ)» على الخبر؛ أي قال الرسول ذلك. وقرأ الضحّاك ويعقوب: «(قيل رب احكم بالحقّ)» بإثبات الياء على وجه الخبر؛ أي هو أحكم الحاكمين، وكيف يجوز أن يسأله أن يحكم بالحقّ، وهو لا يحكم إلاّ به. قوله تعالى: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ (١١٢)؛أي على كذبكم وباطلكم وقولكم: ما هذا إلاّ بشر مثلكم، وقولكم: اتّخذ الرحمن ولدا. والوصف بمعنى المكذب كقوله تعالى ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ (٢)،وقوله ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ (٣). آخر تفسير سورة (الأنبياء) والحمد لله رب العالمين

стр. 1800

سورة الحجّ سورة الحجّ مكّيّة إلاّ الآيات: قوله: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ﴾ إلى آخر الآيتين، وقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ إلى آخر الآيتين، وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ إلى آخر هذه السّورة، فهذه الآيات مدنيّات، وكلّ شيء في القرآن ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو مدنيّ، وكلّ شيء فيه ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ فهو مكّيّ وفيه مدنيّ، ولا يوجد ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلاّ مدنيّا فقط، هكذا روي عن ابن عبّاس. وعدد آيات السّورة ثمان وتسعون آية، وخمسة آلاف وخمسة وتسعون حرفا، ومائتان وإحدى وتسعون كلمة. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (١)؛ قال ابن عبّاس: (يريد يا أهل مكّة اتّقوا ربّكم، واحذروا عقابه إنّ زلزلة قيام السّاعة شيء عظيم) أي هول عظيم، لا يوصف لفظه، والزّلزلة: شدّة الحركة مع الحال الهائلة. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ؛﴾ أي يوم ترون تلك الزّلزلة تذهل في ذلك اليوم كلّ مرضعة عمّا أرضعت؛ أي تنسى. وقيل: تشتغل، وقيل: تترك، يقال: ذهلت عن كذا إذا تركته. وقيل: معنى الآية: يوم ترون الزلزلة تشتغل كلّ مرضعة عن ولدها بغير فطام، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها،﴾ وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام. وهذا إنّما يكون على وجه التّشبيه، والمعنى: أن لو كانت ثمّ مرضعة لذهلت عن ولدها، وحامل لوضعت حملها.

стр. 1801

قوله تعالى: ﴿وَتَرَى النّاسَ سُكارى؛﴾ أي من شدّة الفزع والخوف من عذاب الله يتحيّرون كأنّهم سكارى، ﴿وَما هُمْ بِسُكارى؛﴾ من الشّراب، ﴿وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ (٢) والمعنى: ترى الناس كأنّهم سكارى من ذهول عقولهم لشدّة ما يمر بهم فيضطربون اضطراب السّكران، وسكارى جمع سكران. وقرأ أهل الكوفة «(سكري وسكرى)» بغير ألف. قال الفرّاء: (هو وجه جيّد في العربيّة؛ لأنّه بمنزلة الهلكى والجرحى والمرضى) (١). وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [يقول الله تعالى يوم القيامة لآدم: يا آدم؛ قم فابعث بعث النّار. فيقول: لبّيك وسعديك؛ وما بعث النّار؟ فيقول: من كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النّار، وواحد إلى الجنّة. فعند ذلك يشيب الصّغير، وتضع الحامل ما في بطنها، وترى النّاس سكارى وما هم بسكارى]. قالوا: يا رسول الله! أيّنا ذلك الرّجل الّذي يبقى؟ قال: [أبشروا؛ إنّي لأرجو أن يكون من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم واحد] ثمّ قال: [إنّي لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنّة] فكبّرنا وحمدنا، ثمّ قال: [إنّي لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنّة] فكبّرنا وحمدنا (٢)،ثمّ قال: [إنّي لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنّة، وأهل الجنّة مائة وعشرون صفّا، ثمانون منها أمّتي] (٣) ثمّ قال ﷺ : [يدخل الجنّة من أمّتي سبعون ألفا بغير حساب، مع كلّ واحد سبعون ألفا] فقال عكاشة بن محيص: أدع الله أن يجعلني منهم، فقال: [أنت منهم] فقام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم، فقال: [سبقك بها عكاشة] (٤).

стр. 1802

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت في النّضر بن الحارث؛ كان يكذّب بالقرآن ويزعم أنّه من أساطير الأوّلين، وكان كثير الجدل، ويقول: الملائكة بنات الله، ويزعم أنّ الله غير قادر على إحياء الموتى).والمعنى: ومن الناس من يخاصم في دين الله بغير علم ولا حجّة، ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ (٣)؛أي متمرّد على الله. قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ؛﴾ أي كتب عليه الشيطان إضلال من تولاّه؛ ﴿وَيَهْدِيهِ﴾ وهدايته إياه ﴿إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (٤)؛وقيل: الهاء في قوله (كتب عليه) راجعة إلى من يتّبع الشيطان فيتقبّل منه. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ؛﴾ معناه: يا أهل مكة إن كنتم في شكّ من البعث بعد الموت، فتفكّروا في ابتداء خلقكم فإنّ إعادتكم ليست بأشدّ من أوّل خلقكم، ثم بيّن ابتداء خلقهم فقال: ﴿فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ أي خلقنا أباكم آدم، ثم صوّرناه لحما ودما. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ؛﴾ أي ثم جعلناكم بعد ذلك من النّطفة التي تكون من الذكر والأنثى، ﴿ثُمَّ﴾ خلقنا ﴿مِنَ﴾ تلك النطفة؛ ﴿عَلَقَةٍ؛﴾ وهي قطعة من الدم ﴿ثُمَّ؛﴾ جعلنا العلقة ﴿مِنْ مُضْغَةٍ؛﴾ وهي القطعة من اللّحم، تسمّى مضغة؛ لأنّها مقدار ما يمضغ من اللّحم. قوله تعالى: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ؛﴾ أي تامّة الخلق وغير تامة الخلق، وقيل: مصوّرة وغير مصوّرة، وهي السّقط. قال عبد الله بن مسعود: [إذا وقعت النّطفة في الرّحم؛ بعث الله ملكا يأخذها بكفّه فيقول: يا رب مخلّقة أو غير مخلّقة؟ فإن قال: غير مخلّقة؛ مجّتها الأرحام دما، وإن قال: مخلّقة، قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ وما رزقها وما أجلها؟ وشقيّ أم سعيد؟ وبأيّ أرض تموت؟ فيقال له: اذهب إلى أمّ الكتاب فإنّك تجد ذلك، فاستنسخ منه صفة هذه النّطفة، فينطلق فيستنسخها. فتخلق فتعيش في أجلها، وتأكل رزقها، حتّى إذا جاء أجلها ماتت، فتذهب إلى المكان الّذي كتب لها] (١).

стр. 1803

قوله تعالى: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ؛﴾ أي لنبيّن لكم كمال قدرتنا وحكمنا في تصريفنا في الخلق. وقوله تعالى: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى؛﴾ أي ونترك في الأرحام ما نشاء من الولد إلى وقت التّمام ولا نسقطه. وروي عن عاصم: (ونقرّ) بالنصب على العطف، وقراءة الباقين بالرفع على معنى: ونحن نقرّ. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً؛﴾ أي ثم نخرجكم من الأرحام طفلا صغارا، وإنّما لم يقل أطفالا لأنه لم يخرجهم من أمّ واحدة، ولكن يخرجهم من أمّهات شتّى، كأنه قال: ثم نخرج كلّ واحد منكم طفلا. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ؛﴾ أي ثم لنعمّركم لتبلغوا أشدّكم بمعنى الكمال والقوة، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى؛﴾ قبل بلوغ الأشدّ، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ؛﴾ يعمّر حتى ﴿يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ؛﴾ أي هوانه وأخسّه وهو الهرم والخرف. قوله تعالى: ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً؛﴾ أي لكيلا يعقل من بعد عقله الأوّل شيئا. قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً؛﴾ هذه دلالة أخرى تدلهم على إحياء الموتى بإحياء الأرض الميتة، والهامدة: هي اليابسة الجافّة، كأنه قال: وترى الأرض يابسة جافّة ذات تراب كالنار إذا اطفئت ورمدت، ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ؛﴾ أي على الأرض، ﴿اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ؛﴾ أي تحرّكت بالنبات، وازدادت وأضعفت النبات، وذلك أن الأرض ترتفع على النبات، فذلك تحريكها، وهو معنى قوله (وربت) أي ارتفعت وزادت وانتفخت للنبات، من ربا يربو إذا ازداد. قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٥)؛أي وأخرجت أكما من كلّ لون حسن البهجة، ومن كلّ صنف مؤنق العين، والبهيج الحسن. قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ (١).

стр. 1804

قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى؛﴾ أي ذلك الذي وصفناه من تعريف الخلق على هذه الأحوال في إحياء الأرض الميتة؛ لتعلموا وتقرّوا بأنّ الله هو المستحقّ لصفات التعظيم، وهو الإله الواحد الذي يقدر على كلّ شيء. قوله تعالى: ﴿(وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى)﴾ أي ويدلّكم على أنه يحيي الموتى كما أحياكم ابتداء، ﴿وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٦)،وبأنه على كلّ شيء من الإيجاد والإعدام قدير، ويدلّكم ﴿وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٧)؛للحسنات والجزاء. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ (٨)؛نزلت في النّضر بن الحارث أيضا، وقيل: نزلت في أبي جهل، ومعناه: يجادل ليحقّ الباطل، ويبطل ما دلّ عليه الدليل بغير معرفة ودليل ولا كتاب منير فيه حجّة ما يقول. قوله تعالى: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ؛﴾ أي لاوي عنقه متكبرا معرضا عن ما يدعى إليه كبرا، وهو منصوب على الحال، والمعنى: ومن النّاس من يجادل في الله متكبرا شامخا بأنفه، ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ؛﴾ أي عن دين الله وطاعته. وقوله تعالى: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ؛﴾ أي عقوبة بالمذمّة والقتل، ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ (٩)؛أي عذاب النار، فقتل النّضر بن الحارث يوم بدر أسيرا، ومن قال: نزلت في أبي جهل فهو قتل أيضا يوم بدر. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ؛﴾ مبالغة في إضافة الخزي إليه، ﴿وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١٠)؛ظاهر المعنى، فإن قيل: لم قال الله تعالى: ﴿(بِظَلاّمٍ)﴾ على صفة المبالغة وهو لا يظلم مثقال ذرّة؟ فقيل: تعالى إنه لو فعل أقلّ قليل الظّلم، لكان عظيما منه. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآيات في أناس من بني أسد بن خزيمة، أصابتهم سنة شديدة فأجدبوا فيها، فمضوا بعيالهم إلى رسول الله ﷺ إلى المدينة مهاجرين، فكانوا إذا أعطوا من

стр. 1805

الصّدقة، وأصابوا خيرا اطمأنّوا بذلك وفرحوا به، وإن أصابهم وجع وآفة، وولدت نساؤهم البنات، وتأخّرت عنهم الصّدقة، قالوا: ما أصابنا مذ كنّا على هذا الدّين إلاّ شرّ، فينقلب عن دينه، وذلك الفتنة) (١). ومعنى الآية ﴿(وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ)﴾ اي على ضعف في العبادة، لضعف القيام على الأحرف لا يدخل في الدّين على ثبات وتمكّن. وقيل: معناه: على شكّ كأنه قائم على حرف جدار وطرف جبل، لا يدخل في الدّين على ثبات ويقين وطمأنينة، فهو كالمضطرب على شفا جرف، ﴿فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ؛﴾ رخاء وعافية وسعة، ﴿اِطْمَأَنَّ بِهِ﴾ على عبادة الله بذلك الخير، ﴿وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ؛﴾ أي محنة تضييق العيش ونحو ذلك، ﴿اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ؛﴾ أي رجع إلى دينه الأوّل وهو الشّرك بالله. قوله تعالى: ﴿خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ؛﴾ أي خسر في الدّنيا العزّ والغنيمة، وفي الآخرة الجنّة، ﴿ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ (١١)؛ أي الظاهر. قرأ الأعرج ويعقوب: «(انقلب على وجهه خاسرا الدّنيا والآخرة)» بالألف «(والآخرة)» بالخفض، ونصب «(خاسر)» على الحال (٢). قوله تعالى: ﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ؛﴾ أي يعبد من دون الله ما لا يضرّه إن ترك عبادته، ولا ينفعه إن عبده، ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ (١٢)؛عن الحقّ والرّشد، ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ؛﴾ أي يدعو ما لا نفع له أصلا، ومن عادة العرب أنهم يقولون لشيء لا منفعة فيه: لضرره أكثر من نفعه، كما يقولون لشيء لا يكون أصلا: هذا بعيد. قوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى؛﴾ أي بئس الناصر، وقوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ (١٣)؛أي بئس الصاحب والمعاشر، يعني الصنم. واختلفوا في اللاّم في قوله (لمن ضرّه):قيل معناه التأخير كأنه قال: يدعو من والله لضرّه أقرب من نفعه، وإنّما قدمت اللام للتأكيد، ونظير هذا قولهم: عندي لما غيره خير منه، معناه: عندي ما لغيره خير منه. وقيل (لمن ضرّه) كلام مبتدأ وخبره

стр. 1806

(لبئس المولى ولبئس العشير)،ويكون المعنى الذي هو الضلال البعيد يدعوه، فهذا حدّ الكلام وما بعده كلام مستأنف. وقيل: هذه اللام صلة؛ أي يدعو من ضرّه أقرب من نفعه (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ ظاهر المعنى، ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ (١٤)؛بأوليائه وأهل طاعته من الكرامة، وبأهل معصيته من الهوان. قوله تعالى: ﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ؛﴾ الآية، معناه: من كان يظنّ أن لن ينصر الله محمّدا ﷺ فليطلب سببا يصل به إلى السماء، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ؛﴾ نصرة الله لنبيّه محمّد ﷺ ، ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ؛﴾ أي يتهيّأ له الوصول إلى السّماء بحيلة، فكما لا يمكنه أن يحتال في الوصول إلى السّماء، كذا لا يمكنه الحيلة في قطع نصر الله تعالى للنبيّ ﷺ . وقيل: معناه: من كان يظنّ أن لن ينصر الله النبيّ ﷺ حتى يظهر على الدّين، فليمت غيظا. وقيل: إن الهاء راجعة إلى (من كان يظنّ) كأنه قال: من كان يظنّ أن لن يرزقه الله فليمدد بحبل إلى سقف بيته وأضفى ذلك على حلقه مخنقا نفسه ليذهب غيظ نفسه. وهذا مثل ضرب لهذا الجاهل؛ أي مثل هذا الذي يظنّ أن لن يرزقه الله على سبيل السّخط مثل من فعل هذا الفعل بنفسه، هل كان ذلك إلا زائدا في ثلاثة؟ وهل تذهب حقيقة نفسه غيظه في رزقه؟ وإنّما ذكر النّصرة بمعنى الرّزق؛ لأن العرب تقول: من ينصرني نصره الله؛ أي من يعطيني أعطاه الله. قوله تعالى: ﴿ما يَغِيظُ﴾ (١٥)؛ (ما) بمعنى المصدر؛ أي هل يذهبنّ كيده وحيلته غيظه. قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ؛﴾ أي وكذلك أنزلنا القرآن على محمّد ﷺ دلالات واضحات، ﴿وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي؛﴾ إلى النبوّة، ﴿مَنْ يُرِيدُ﴾ (١٦)؛وقيل: يهدي إلى الدّين وإلى الثواب.

стр. 1807

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا؛﴾ أي إنّ الذين آمنوا بمحمّد والقرآن وجميع أصناف الكفّار من اليهود، ﴿وَالصّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ؛﴾ بين هؤلاء الفرق الخمس وبين المؤمنين، ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ بأن يدخل المؤمنين الجنّة، وتلك الفرق النار، ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١٧)؛أي عليم بكلّ شيء من أعمال هؤلاء. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ؛﴾ أي ألم تعلم يا محمّد أنّ الله يسجد له أهل السّماوات من الملائكة، ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ؛﴾ من الجنّ والإنس من المؤمنين. قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ؛﴾ يسجدون لله؛ أي يخضعون؛ لأنّ سجود هذه الأشياء خضوعها وانقيادها لخالقها فيما يريد منها. وقال أبو العالية: (ما في السّماء نجم ولا شمس ولا قمر إلاّ وهو يسجد لله حين يغيب، ثمّ لا ينصرف حتّى يؤذن له) (١). قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ؛﴾ أي وكثير من الكفّار الذين سيؤمنون من بعد، وانقطع ذكر الساجدين ثم استثناه فقال: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ؛﴾ أي ممّن لا يوحّده وأبى السجود، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ؛﴾ أي من يهن الله بالشّقاء، فما أحد يكرمه بالسعادة، ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ (١٨)؛من الإهانة والكرامة والشّقاوة والسعادة، وهو المالك للعقوبة والمثوبة. قوله تعالى: ﴿*هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ؛﴾ أراد بالخصمين المؤمنين والكفار، وقيل: أهل الكتاب وأهل القرآن، والمعنى: اختصموا في دين ربهم، فقالت اليهود والنصارى: نحن أولى بالله منكم؛ لأنّ نبيّنا قبل نبيّكم، وكتابنا قبل كتابكم، وقال المسلمون: نحن أحقّ بالله منكم، آمنّا بكتابنا وكتابكم ونبيّنا ونبيّكم، وأنتم كفرتم بنبيّنا حسدا.

стр. 1808

وقيل: أراد بالخصمين الفريقين الذين تبارزوا يوم بدر. والخصم يقع على الواحد والجميع، ألا ترى أنه جعل الكفار خصما، والمؤمنين خصما، ولهذا قال ﴿(اخْتَصَمُوا)﴾؛لأنّهما جمعان وليس برجلين. وكان أبو ذرّ ﵁ يقسم أنّ هذه الآية نزلت في ستّة نفر من قريش تبارزوا يوم بدر بثلاثة من المؤمنين وهم: (حمزة؛ وعليّ؛ وعبيدة بن الحارث) وثلاثة من المشركين وهم: (عتبة؛ وشيبة؛ والوليد بن عتبة)،قال: وقال عليّ ﵁: (إنّي لأوّل من يبعث للخصومة يوم القيامة بين يدي الله (١). قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ؛﴾ أي نحاس قد أذيب في النار فيجعل على أبدانهم بمنزلة الثياب، وليس شيء إذا حمي أشدّ حرّا من النّحاس، ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ (١٩)؛وهو الماء الحارّ الذي قد انتهى حرّه، قوله تعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ (٢٠)؛أي يذاب بالحميم الذي يصبّ من فوق رءوسهم ما في بطونهم من الشّحوم حتى يخرج من أدبارهم، وتذاب به الجلود أيضا، فإن جلودهم تتساقط من حرّ الحميم. والصّهر الإذابة، يقال: صهرت الإلية بالنّار أصهرها؛ أي أذبتها. قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ (٢١)؛المقامع جمع مقمعة؛ وهي مدقّة الرّأس. روي أنّ الملائكة يضربون وجوههم بأعمدة من حديد، فيهوون في النّار سبعين خريفا. قال مقاتل: (تضرب الملائكة رأس الكافر بالمقمعة فينقب رأسه، ثمّ يصبّ فيه الحميم الّذي انتهى حرّه، فينفذ الجمجمة حتّى يخلص إلى جوف الكافر، فيسلت ما في جوفه من الأمعاء حتّى يحرق قدميه) (٢). قوله تعالى: ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها؛﴾ أي كلما رفعتهم النار بلهبها فحاولوا الخروج منها في غمّ العذاب أعيدوا في النار بضرب المقامع، وقيل لهم: ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ (٢٢)؛أي المحرق مثل الأليم بمعنى المؤلم. وعن رسول الله ﷺ أنه قال في قوله تعالى ﴿(وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ)﴾

стр. 1809

قال: [لو وضع مقمع من حديد على الأرض، ثمّ اجتمع عليه الثّقلان ما رفعوه من الأرض] (١). ثم ذكر الله الخصم الآخر فقال: ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً؛﴾ قد تقدّم تفسيره في سورة الكهف. قرأ أهل المدينة وعاصم: ﴿(وَلُؤْلُؤاً)﴾ بالنصب على معنى (يحلّون فيها لؤلؤا)، ومن قرأ بالخفض كان المعنى «(يحلّون فيها من أساور من لؤلؤ)». وقوله تعالى: ﴿وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ (٢٣)؛ظاهر المراد. قال أبو سعيد الخدريّ: [من لبس الحرير في الدّنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنّة لبسه أهل الجنّة ولم يلبسه هو] (٢). قوله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ؛﴾ أي هدوا في الدّنيا إلى القول الطيّب، وهو قول لا إله إلاّ الله، وقيل: إلى القرآن. قوله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ (٢٤)؛فالله الحميد، والصّراط: طريق الجنّة. والمعنى: أرشدوا إلى الإسلام. ويجوز أن يكون ﴿(الْحَمِيدِ)﴾ نعتا للصراط كما في قوله تعالى ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ (٣).وقيل: معنى الآية: وأرشدوا إلى القول الطيّب في الآخرة مثل قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ﴾ (٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ؛﴾ معناه: إنّ الذين كفروا بمحمّد والقرآن ﴿(وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ)﴾ عطف المضارع على المضاف؛ لأن المراد بالمضارع الماضي أيضا. ويجوز أن يكون المعنى الذين كفروا فيما مضى وهم الآن يصدّون عن سبيل الله مع كفرهم، والمعنى: يمنعون الناس عن طاعة الله وعن

стр. 1810

الطّواف في ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ؛﴾ وهم أبو سفيان وأصحابه الذين صدّوا النبيّ ﷺ عام الحديبية. قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ؛﴾ معناه: الذي جعلناه للناس كلّهم، لم يخصّ به بعضهم دون بعض سوى المقيم فيه، والذي يأتي من غير أهله، وليس الذين صدّوا عنه بأحقّ به من غيرهم. قيل: المراد بالمسجد الحرام في هذه الآية الحرم كلّه، كما في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ (١) وكان العهد بالحديبية. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [إنّ مكّة لا يحلّ بيع رباعها ولا إجارة بيوتها] (٢).وقيل: إن المراد بالمسجد الحرام نفس المسجد سوى المعتكف فيه. المجاور والبادي الذي يكون ملازما له في حرمته وحقّ الله عليهما فيه سواء. قرأ حفص: ﴿(سَواءً)﴾ بالنصب بإيقاع الجعل عليه، لأن الجعل يتعدّى إلى مفعولين. وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء، وما بعده خبره. وقيل: «(سواء)» خبر مبتدأ متقدّم تقديره: العاكف فيه والبادي سواء (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢٥)؛ معناه: ومن يرد فيه إلحادا بظلم، وفي هذا دليل أن المراد بالمسجد الحرام كلّ الحرم، فإن الذنب في الحرم أعظم منه في غيره، فعلى هذا يكون قوله ﴿(سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ)﴾ أي سواء في النّزول، فليس أحدهما أحقّ بالمنزل يكون فيه. وحرّموا بهذه الآية كراء دور مكّة وإجارتها في أيام الموسم.

стр. 1811

قال عبد الله بن أسباط: (كان الحجّاج إذا قدموا مكّة لم يكن أحد من أهل مكّة أحقّ بمنزله منهم) (١)،روي: (أنّها كانت تدعى السّوائب في زمن رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن) (٢). والإلحاد هو الشّرك بالله تعالى، وقيل: كلّ ظالم فيه فهو ملحد. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [احتكار الطّعام بمكّة إلحاد] (٣).وأمّا دخول الباء في قوله: ﴿(بِإِلْحادٍ)﴾ فعلى معنى: ومن إرادته فيه بأن يلحد بظلم. وقيل: الإلحاد دخول مكة بغير إحرام، وأخذ حمام مكّة وأشياء كثيرة لا يجوز للمحرم أن يفعلها. قوله تعالى: ﴿(نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ)﴾ خبر لكل ما تقدّم من الجملتين من قوله تعالى ﴿(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ)﴾،ومن قوله تعالى ﴿(وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ)﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً؛﴾ معناه: واذكروا إذ جعلنا البيت مثوى لإبراهيم ومنزلا. قال الحسن: (بوّأناه نزّلناه)،وقال مقاتل: (دللناه عليه) (٤)،وقيل: هيّأنا، نظيره ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥)، ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٦)، ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً﴾ (٧)،وقيل: معنى ﴿(بَوَّأْنا)﴾ أي بيّنّا له مكان البيت. قال السديّ: (لمّا أمر الله تعالى ببناء البيت لم يدر إبراهيم أين يبني، فبعث الله إليه ريحا، فكشفت له ما حول الكعبة عن الأساس الأوّل الّذي كان البيت عليه قبل أن يرفع أيّام الطّوفان) (٨)،وقال الكلبيّ: (فبعث الله إليه سحابة على قدر البيت

стр. 1812

فيها رأس يتكلّم فقامت بحيال البيت، وقالت: يا إبراهيم ابن على قدري)،قوله تعالى: ﴿(أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً)﴾ أي قلنا له وأوحينا إليه أن لا تعبد معي غيري. قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٢٦) أي طهّر من ذبائح المشركين، ومما كانوا يطرحون حوله من الدّم والفرث، وقيل: طهّره من عبادة الأوثان، ومن دخول المشركين فيه. قوله تعالى: ﴿(لِلطّائِفِينَ)﴾ الذين يطوفون حوله، وأما القائمون الرّكّع السّجود فهم المصلّون. قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ؛﴾ أي وعهدنا إلى إبراهيم أيضا أن أذّن في النّاس بالحجّ يأتوك رجالا، فقال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ فقال: عليك الأذان وعليّ البلاغ، فصعد أبا قبيس، ونادى في الناس: ألا إنّ ربّكم قد بنى بيتا، وأمركم أن تحجّوه فحجّوه، فاسمع الله نداءه جميع من في أصلاب الرجال وأرحام النّساء، وما بين المشرق والمغرب، والبرّ والبحر، فلبّاه كلّ حجر ومدر، وكلّ مؤمن ومؤمنة في أصلاب الآباء وأرحام الأمّهات، قالوا: لبّيك اللهمّ لبّيك، فجعل الله التلبية شعارا للحجّ، فكلّ من حجّ فهو ممن أجاب إبراهيم ﵇. قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ؛﴾ معناه: يأتوك مشاة على أرجلهم وعلى كلّ جمل مهزول أضمره السفر، ورجال جمع راجل، نحو صاحب وأصحاب. وعن ابن عبّاس أنه قال: (ما ندمت على شيء فاتني إلاّ أنّي لم أحجّ راجلا) (١)،وقد حجّ الحسن بن عليّ ﵄ خمسا وعشرين حجّة ماشيا من المدينة إلى مكّة، وأن النّجائب لتقاد معه. وعن رسول الله ﷺ أنه قال للحجّاج: [للرّاكب كلّ خطوة تخطوها راحلته سبعين حسنة، وللحاجّ الماشي بكلّ خطوة يخطوها سبعمائة حسنة من حسنات الحرم] قيل: وما حسنات الحرم؟ قال: [الحسنة بمائة ألف] (٢).

стр. 1813

قوله تعالى: ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٢٧)؛أي من بلدان شتّى، من كلّ طريق بعيد، يقال عميقة إذا كانت بعيدة القرار. وإنّما قال ﴿(يَأْتِينَ)﴾؛لأنه في معنى الجمع، وقيل: معناه: وعلى ناقة ضامرة. وعن بشر بن محمّد قال: رأيت في الطّواف كهلا قد أجهدته العبادة، واصفرّ لونه، وبيده عصا وهو يطوف معتمدا عليها، فتقدّمت إليه لأسأله، فقال لي: من أين أنت؟ فقلت: من خراسان، قال: من أيّ ناحية هي؟ قلت: من نواحي المشرق، فقال لي: في كم تقطعون هذا الطريق؟ قلت: شهرين أو ثلاثة، قال: أفلا تحجّون في كلّ عام وأنتم جيران البيت؟ قلت: وأنتم كم بينكم وبين هذا البيت؟ فقال: مسيرة خمس سنين، فقلت: والله إن هذا الجهد لبيّن، والطاعة الجميلة والمحبة الصادقة، فضحك في وجهي وأنشأ يقول: زر من هويت وإن شطت بك الدار ... وحال من زرته حجب وأستار لا يمنعنّك بعدا من زيارته ... إنّ المحبّ لمن يهواه زوّار وقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ؛﴾ أي ليشهدوا ما ندبهم الله إليه مما لهم فيه نفع آخرتهم، ويدخل في ذلك منافع الدّنيا من التجارة بيعا ورخصة. قال ابن جبير: (يعني بالمنافع التّجارة)،وقال مجاهد: (هي التّجارة وما يرضي الله من أمر الدّنيا والآخرة) (١). وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول إذا وقف بعرفة: (اللهمّ إنّك دعوت إلى حجّ بيتك، وذكرت المنفعة على شهود مناسكك، وقد جئتك فاجعل منفعة ما تنفعني به أن تؤتيني في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وأن تقيني عذاب النّار). قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ؛﴾ قال الحسن: (الأيّام المعلومات العشر، والأيّام المعدودات

стр. 1814

أيّام التّشريق)،وإنّما قال لها معدودات؛ لأنّها قليلة، وقيل لتلك المعلومات الحرص على علمنا بحسابها من أجل وقف الحجّ في آخرها، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. وقال أبو يوسف: (الأيّام المعلومات أيّام النّحر وهي ثلاثة أيّام، والأيّام المعدودات أيّام التّشريق وهي ثلاثة بعد اليوم الأوّل من أيّام النّحر، فيكون اليوم الأوّل من أيّام النّحر من المعلومات دون المعدودات، واليوم الآخر من أيّام التّشريق من المعدودات دون المعلومات، ويومين من وسطها من المعلومات والمعدودات جميعا)،وكان يستدلّ على هذا القول في الأيّام بهذه الآية، فإنه تعالى قال: ﴿(وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ)﴾،فاقتضى ظاهره أن المراد التسمية على ما ذبح من بهيمة بالمتعة والقران. وأما على قول أبي حنيفة، فالمراد بالذّكر إكثار الذّكر في أيام العشر، كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [ما من أيّام العمل الصّالح أفضل فيهنّ من أيّام التّشريق، فأكثروا فيها من التّحميد والتّكبير والتّهليل] (١). وعلى هذا يكون معنى ﴿(عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ)﴾ لما رزقتهم من بهيمة الأنعام، كما قال ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ (٢) أي لما هداكم، وقال محمّد بن كعب: (المعلومات والمعدودات واحد).قوله تعالى: ﴿(عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ)﴾ يعني الهدايا والضّحايا من الإبل والبقر والغنم. قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٢٨)؛قال الحسن: (وذلك أنّ أهل الجاهليّة كانوا إذا ذبحوا لطّخوا وجه الكعبة، وشرّحوا اللّحم فوضعوه على الحجارة حتّى تأكله السّباع والطّير، وقالوا: لا يحلّ لنا أن نأكل شيئا جعلناه لله. فلمّا جاء الإسلام قال النّاس: يا رسول الله كنّا نضعه في الجاهليّة ألا نضعه الآن؟ فنزلت هذه الآية). ﴿(فَكُلُوا مِنْها)﴾ يعني الأنعام التي تنحرون، ﴿(وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ)﴾

стр. 1815

وهو الذي قد أصابه ضرر الجوع، و ﴿(الْفَقِيرَ)﴾ الذي لا شيء له. وقيل: البائس الذي بيّن عليه أثر البؤس بأن يمدّ يده إليك. وقيل: البائس الزّمن. وإنّما خصّص البائس الفقير؛ لأنه أحوج من غيره. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ؛﴾ قال ابن عباس: (التّفث هو المناسك كلّها) (١)،والمراد هاهنا رمي الجمار والحلق، ويقال: قضاء التّفث إزالة الشّعث، وفي هذا دليل على أن المراد بقوله ﴿(عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ)﴾ دم المتعة والقران؛ لأن الله تعالى رتّب عليه قضاء التّفث والطواف بالبيت الحرام، لا دم ترتّب على هذه الأفعال إلاّ دم المتعة والقران، فذكر هذه الآية في جواز الأكل مما يذبح. وقيل: التّفث هو الوسخ والقذر من طول الشّعر والأظفار، وقضاؤه وإذهابه وإزالته. قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ؛﴾ يعني نحر ما نذروا من البدن، وقيل: يعني ما نذروا من أعمال البرّ في أيام الحجّ، وربّما نذر الرجل أن يتصدّق إن رزقه الله لقاء الكعبة. قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢٩)؛يعني طواف الزّيارة بعد التروية، أما يوم النّحر وما بعده فيسمّى طواف الإفاضة. والعتيق القديم؛ لأنه أول بيت وضع للناس. وقيل: [أعتق من أيدي الجبابرة، فلا يظهر عليه جبّار قط إلاّ أذلّه الله] (٢).وعن ابن عبّاس قال: حجّ رسول الله ﷺ فلمّا أتى وادي عسفان قال: [لقد مرّ بهذا الوادي نوح وهود وإبراهيم على بكرات حمر خطمهنّ اللّيف، يحجّون البيت العتيق] (٣).

стр. 1816

قوله: ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ؛﴾ أي ذلك الذي أمرتم به، ومن يعظّم حرمات الله باجتناب ما حرّم الله تعظيما لله فهو خير له في الآخرة من ترك استعظامه. وقال بعضهم: الحرمات هاهنا البيت الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمسجد الحرام. قوله تعالى: ﴿(فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ)﴾ أي قال: المعظّم خير له عند ربه من التّهاون، يعني في الآخرة. قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ؛﴾ أي رخّصت لكم بهيمة الأنعام أن تأكلوها، ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ؛﴾ في كتاب الله من الميتة والدم وغير ذلك مما بيّنه الله في سورة المائدة من المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة ومما لم يذكر اسم الله عليه. وقيل: معناه: وأحلّت لكم بهيمة الأنعام في حال إحرامكم إلاّ ما يتلى عليكم من الصّيد، فإنه حرام في حال الإحرام. قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ؛﴾ أي فاجتنبوا عبادتها وتعظيمها وأن تذبحوا لها، كما يفعل المشركون، سمّاها رجسا استقذارا لها واستخفافا لها، وذلك أنّ المشركين كانوا ينحرون هداياهم، ويصبّون عليها الدماء، وكانوا مع هذه النّجاسات يعظّمونها. ويجوز أن يكون سمّاها رجسا للزوم اجتنابها كاجتناب الأنجاس. وأما حرف ﴿(مَنْ)﴾ في قوله ﴿(مِنَ الْأَوْثانِ)﴾ لتخصيص جنس من الأجناس، والمعنى: فاجتنبوا الرّجس الذي هو من وثن. قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٣٠)؛يعني قول الكذب، ومن أعظم وجوه الكذب الكفر بالله، والكذب على الله، ويدخل في ذلك شهادة الزّور، كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [عدلت شهادة الزّور بالإشراك بالله] (١)،وقال ﷺ : [شاهد الزّور لا تزول قدماه من مكانها حتّى تجب له النّار] (٢).

стр. 1817

قوله تعالى: ﴿حُنَفاءَ لِلّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ؛﴾ أي مخلصين لله مستقيمين على أمره غير مشركين في تلبية ولا حجّ، وذلك أنّ أهل الجاهلية كانوا يقولون في تلبيتهم: لبّيك اللهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إلاّ شريكا تملكه يعنون الصّنم. وانتصب قوله: ﴿(حُنَفاءَ)﴾ على الحال. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ؛﴾ أي سقط من السّماء، ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ؛﴾ في الهواء فتمزّقه، أو تذهب به الريح في موضع بعيد؛ أي منحدر فيقع على رأسه فيهلك، أي كما أنّ الذي سقط من السماء لا يملك نفعا ولا دفع ضرّ، وكذلك الذي تهوي به الريح في مكان سحيق، وكذلك المشرك لا ينتفع بشيء من أحماله ولا يقدر على شيء منها. قرأ أهل المدينة «(فتخطّفه الطّير)» بالتشديد أي فتتخطفه، فأدغم أحد التّاءين في الأخرى، والخطف: الأخذ بسرعة. قال ابن عبّاس: (يريد يخطف لحمه)، ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ؛﴾ أي تسقطه، ﴿فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ (٣١)؛أي بعيد. شبّه حال المشرك بحال هذا الهاوي من السّماء في أنه لا يملك حيلة حتى يسقط فهو هالك لا محالة، إما بإسلاب الطّير، وإما بالسّقوط في المكان السّحيق. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ؛﴾ أي ذلك التباعد والهلاك لمن أشرك بالله، من يعظّم شعائر الله؛ أي مناسك الله. وقيل: أراد بالشّعيرة البدن، فمن عظّمها باستمنانها واستحسانها، ﴿فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٣٢)؛يعني من صفاوة القلوب. وإنّما أضاف التّقوى إلى القلوب؛ لأن حقيقة التقوى تقوى القلوب. قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى؛﴾ أي لكم في بهيمة الأنعام المنافع تركبوها، وتشربون ألبانها قبل أن تشعروها وتسمّوها هديا إلى أن تقادوها، وسموها هديا، وأما إذا قلدوها وسمّوها هديا انقطعت هذه المنافع فلا يجوز له حينئذ شرب ألبانها ولا خزّ أصوافها ولا بيع أولادها. وأما ركوبها عند الشافعيّ يجوز إذا لم يضرّ بها، وعندنا لا يجوز إلاّ اذا اضطرّ إليه. وعن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ أنه رأى رجلا يسوق بدنة، فقال له: [ويحك!

стр. 1818

اركبها] فقال له: إنّها بدنة، فقال: [ويحك! اركبها] (١)،وهذا عندنا محمول على أنّه ﵇ إنّما أباحه لضرورة علمه من الرجل فأذن له في ذلك إن لم يجد ظهرا غيرها، يدلّ على ذلك أنه لا يجوز له أن يوجّهها للركوب. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣٣)؛يعني أنّ نحرها إلى الحرم، وعبّر عن الحرم بالبيت؛ لأن حرمة الحرم متعلقة بالبيت، كما قال تعالى: ﴿هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٢)،ومن المعلوم أنّه لا يذبح عند البيت. قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً؛﴾ أي لكلّ أمّة مسلمة سبقت قبلكم جعلنا لها عيدا، قوله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ؛﴾ عند الذبح. وقيل: معناه: ولكلّ أمّة جعلنا عبادة في الذبح. وقيل: معناه: جعلنا متعبّدا يعبدون الله فيه. قرأ أهل الكوفة «(منسكا)» بكسر السّين؛ أي مذبحا وهو موضع القربان، وقرأ الباقون بفتح السّين على المصدر مثل المدخل والمخرج؛ أي هراقة الدّم أو ذبح القربات، فمن فتح السين أخذه من نسك ينسك مثل دخل يدخل، ويستوي فيه المكان والمصدر، ومن كسرها أخذه من نسك ينسك مثل جلس يجلس. قوله تعالى: ﴿فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا؛﴾ أي أخلصوا دينكم وأعمالكم لله تعالى، ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (٣٤)؛أي المتواضعين بالجنّة، واشتقاق المخبتين من الخبت وهو المكان المطمئنّ، وقال مجاهد: (يعني المخبتين: المطمئنّين إلى الله)،وقال الأخفش: (الخاشعين)،وقيل: الخائفين، وقيل: هم الذين إذا ظلموا لا ينصرون. قوله: ﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ؛﴾ أي إذا خوّفوا بالله خافوا. قوله تعالى: ﴿وَالصّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ؛﴾ أي وبشّر الصّابرين على ما أصابهم

стр. 1819

من البلايا والنوائب الشدائد، وبشّر ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ؛﴾ في أوقاتها، وحذفت النون لطول الاسم، قوله تعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣٥)؛أي يتصدّقون من الواجب وغيره. قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ؛﴾ جمع بدنة وهي الناقة والبقرة، والبدانة الضخامة، والمعنى: والإبل جعلناها لكم من أعلام دين الله؛ أي جعلناها لكم فيها عبادة لله من سوقها إلى البيت وتقليدها وإشعارها ونحرها والإطعام منها، قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ؛﴾ يعني النفع في الدّنيا والآخرة. قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ؛﴾ أي عند نحرها، وصوافّ جمع الصّافّة وهي القائمة على ثلاث قوائم قد عقلت، وكذا السّنة في الإبل، ومعنى الآية: فاذكروا اسم الله على نحرها قياما معقولة إحدى يديها وهي اليسرى. وعن يحيى بن سالم قال: (رأيت ابن عمر وهو ينحر بدنته، فنحرها وهي قائمة معقولة إحدى يديها) (١) يعني اليسرى. وروي عن ابن مسعود كان يقول: «(صوافّن)» بالنون وهي المعقولة (٢)،من قولهم: صفن الفرس إذا قام على ثلاث قوائم، قال الله تعالى: ﴿الصّافِناتُ الْجِيادُ﴾ (٣).وقرأ الحسن ومجاهد: «(صوافي)» بالياء أي صافية خالصة لله تعالى (٤). قوله تعالى: ﴿فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها؛﴾ أي سقطت بعد النحر، فوضعت جنوبها على الأرض وخرجت روحها، ﴿فَكُلُوا مِنْها؛﴾ ولا يجوز الأكل من البدن إلاّ بعد خروج الروح، لأن ما بين عن الحيّ فهو ميت. وأصل الوجوب الوقوع، ومنه وجبت الشمس إذا وقعت في المغيب، ووجب الحائط إذا وقع، ووجب القلب إذا

стр. 1820

وقع فيه الفزع، ووجب الفعل إذا وجب ما يلزم به فعله. قوله تعالى: ﴿(فَكُلُوا مِنْها)﴾ أمرنا بإباحة ورخصة مثل قوله: ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ (١)،وقوله تعالى ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ؛﴾ اختلفوا في معناها، فروي عن ابن عبّاس ومجاهد: (أنّ القانع هو الّذي يقنع ويرضى بما عنده ولا يسأل، والمعترّ الّذي يعترض لك أن تطعمه من اللّحم)،يقال: قنع قناعة إذا رضي قانع، وعراه واعتراه إذا سأله، وكذلك قال عكرمة وقتادة: (إنّ القانع هو المتعفّف الجالس في بيته، والمعترّ السّائل الّذي يعتريك ويسألك) (٣). قال سعيد بن جبير والكلبيّ: (القانع هو الّذي يسأل، والمعترّ هو الّذي يتعرّض لك ويريك نفسه ولا يسألك) (٤)،فعلى هذا يكون القانع من القنوع وهو السّؤال، يقال منه: قنع الرجل يقنع إذا ذهب يسأل، مثل ذهب فهو قانع. قال الشمّاخ: كمال المرء يصلحه فيغنى ... مفاقره أعفّ من القنوع (٥) أي من السّؤال. وقال زيد بن أسلم: (القانع هو المسكين الّذي يطوف فيسأل، والمعترّ الصّديق الزّائر، والمعترّ الّذي يعتري القوم للحمهم وليس بمسكين إلاّ أنّه ليست له ذبيحة، يأتي القوم لأجل لحمهم) (٦). وقرأ الحسن: «(والمعتري)» بالياء من قولهم: اعتراه إذا غشيه لحاجته. وروى عطاء عن ابن عبّاس: (أنّ القانع الّذي يسأل، والمعترّ الّذي يأتيك بالسّلام، ويريك

стр. 1821

وجهه، ولا يسأل)،وعن مجاهد: (أنّ القانع جارك الغنيّ، والمعترّ الّذي يعتريك من النّاس). فعلى هذا تقتضي الآية: أن المستحبّ أن يتصدّق بالثّلث؛ لأن في الآية أمر بالأكل وإعطاء الغنيّ وإعطاء الفقير السائل. وعن رسول الله ﷺ أنه قال في الحرم: [الأضاحي كلوا وادّخروا] (١)،وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ،﴾ فإذا جمعت بين الآية والخبر جعل الثلث للصدقة. قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣٦)؛أي مثل ما وصفنا من نحرها وقيامها سخّرناها لكم؛ أي ذلّلناها لكم؛ لتتمكّنوا من نحرها على الوجه المسنون؛ لكي تشكروا نعم الله تعالى. قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ﴾ قال الكلبيّ: (كان أهل الجاهليّة ينحرون البدن للأصنام ويلطّخون البيت بدمائها قربة إلى الله فنهى عن ذلك).والمعنى: لن يرفع الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يرفع إلى الله منكم الأعمال الصالحة والتّقوى، وهو ما أريد به وجهه الكريم. ويقال: إنّما لا يتقبّل الله اللحوم والدماء لأنها فعل الله، ولكن يتقبل التقوى الذي هو فعل العبد، فيوجب الثواب على ذاك، والمعنى: لن يتقبّل الله اللحوم والدماء اذا كانت من غير تقوى، وإنّما يتقبّل منكم التقوى والطاعة في ما أمركم به، بالنيّة والإخلاص به. قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ؛﴾ أي ذلّلها لكم، ﴿لِتُكَبِّرُوا اللهَ﴾ أي لتعظّموه، ﴿عَلى ما هَداكُمْ؛﴾ لدينه، ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣٧)؛ بالجنّة يعني الموحّدين المخلصين. ويقال: معنى قوله ﴿(عَلى ما هَداكُمْ)﴾ يعني ما بيّن لكم وأرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجّه.

стр. 1822

قوله تعالى: ﴿*إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ أي إذا ما أمرتم فعلتم به وخالفتم فعل الجاهليّة في نحرهم وإشراكهم بالله، فإن الله يدفع عنكم غائلة المشركين وأذاهم وينصركم عليهم، ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ (٣٨) أي لا يحبّ كلّ مظهر للنصيحة مضمر للغشّ والنّفاق كافر بالله وبنعمته. قال ابن عبّاس: (يريد الّذين خانوا الله بأن جعلوا معه شريكا وكفروا نعمه)، قال الزجّاج: (من ذكر غير اسم الله وتقرّب إلى الأصنام بذبيحته فهو خوّان كفور) (١)، قرأ أبو عمرو وابن كثير: «(يدفع)»،وقرأ الباقون: ﴿(يُدافِعُ)﴾،وهو بمعنى واحد. قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا؛﴾ قال ابن عبّاس: (هذه أوّل آية نزلت في الإذن بالقتال، أذن الله تعالى للمؤمنين المهاجرين أن يقاتلوا كفّار مكّة بسبب ما ظلموا بأن أخرجوا من مكّة) ﴿وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٣٩)؛هذا وعد لهم بالنّصر. وقيل: كان مشركو مكّة يؤذون أصحاب رسول الله ﷺ فلا يزالون محزونين من «بين» (٢) مشجوج ومضروب، ويشكون ذلك على رسول الله ﷺ فيقول لهم: [اصبروا فإنّي لم اؤمر بالقتال] (٣) حتّى هاجروا، فأنزل الله هذه الآية بالمدينة. قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم: ﴿(أُذِنَ)﴾ بضمّ الألف وكسر الذال، وقرأ الباقون «(أذن)» بالفتح؛ أي أذن الله لهم، وقوله ﴿(يُقاتَلُونَ)﴾،قرأ نافع وابن عامر وحفص: بفتح التاء؛ أي أذن للمؤمنين الذين يقاتلهم المشركون، وقرأ الباقون بكسرها، يعني أذن لهم في الجهاد يقاتلون المشركين (٤). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ؛﴾ أوّل آية بدل من ﴿(الَّذِينَ يُقاتِلُونَ)﴾ أي أخرجهم أهل مكة من منازلهم بغير جرم منهم.

стр. 1823

قوله تعالى: ﴿(إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ)﴾ معناه: لم يخرجوهم إلاّ بأن كانوا يوحّدون الله تعالى فأخرجوهم لتوحيدهم، المعنى: لم يخرجوهم من ديارهم إلاّ لقولهم ربّنا الله، فيكون ﴿(أَنْ)﴾ في موضع الخفض ردا على الباء في قوله ﴿(بِغَيْرِ حَقٍّ)﴾، ويجوز أن تكون ﴿(أَنْ)﴾ في موضع نصب على الاستثناء. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ؛﴾ أي لولا أن يدفع الله الناس بعضهم ببعض لهدم في زمن كلّ شيء ما بني للصلاة والعبادة نحو الصّوامع، ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً﴾. قال مجاهد والضحّاك: (يعني صوامع الرّهبان) (١)،وقال قتادة: (الصّوامع للصّابئين؛ وهي متعبّداتهم، والبيع جمع بيعة؛ وهي متعبّد النّصارى، والصّلوات هي كنائس اليهود، وكان اليهود يسمّونها بالعبرانيّة صلواتا، والمساجد الّتي يصلّي فيها المسلمون) (٢). والمعنى: لولا كفّ الله الناس بعضهم ببعض بالجهاد، وكفّ الظّلم لحرب في كلّ شريعة، كلّ بنى المكان الذي يصلّى فيه، فكان لولا الدفع لهدم في زمن موسى ﵇ الكنائس، وفي زمن عيسى ﵇ الصّوامع والبيع، وفي زمن محمّد ﷺ المساجد. وعن مجاهد أنه قال: (البيع لليهود يسمّونها صلوات)،وقال أبو العالية: (هي مساجد للصّابئين).فعلى هذا يكون المعنى: لهدّمت صوامع الصلوات. ويقال: أراد بالصّلوات الصلوات المعهودة التي للمسلمين، وهدمها إبطالها وإهلاك من يفعلها. والأولى أن يستدلّ بهذه الآية على أنّ هذه المواضع المذكورة التي يجري فيها اسم الله تعالى لا يجوز أن تهدم في شريعة نبيّنا محمّد ﷺ على كلّ من كان له ذمّة، أو جهاد من الكفّار، فأما في ديار الحرب فيجوز للمسلمين هدمها إذا فتحت دارهم عنوة، ولم يقرّوا عليها بالجزية، كما يجوز هدم سائر دورهم.

стр. 1824

قوله تعالى: ﴿(لَهُدِّمَتْ)﴾ الهدم هو نقض البناء. قرأ أهل الحجاز ﴿(لَهُدِّمَتْ)﴾ بالتخفيف. فإن قيل: لم قدّم مصلّيات الكافرين على مساجد المؤمنين؟ قيل: لأنّها أقدم، وقيل: لقربها من الهدم، وقرب المساجد من الذّكر، كما خرّج السّابق في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿بِالْخَيْراتِ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ؛﴾ أي لينصرنّ الله تعالى من ينصر دينه، ﴿إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤٠)؛أي لقويّ على أخذ الأعداء، عزيز أي ممتنع بالنعمة منهم. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ؛﴾ نعت للذين ينصرون بدين الله؛ أي هم الذين إن مكّنهم الله في الأرض ينصرهم الله في عدوّهم حتى يمكّنوا في البلاد، لم يعملوا ما عمله الذين من قبلهم، ولكن أقاموا الصلاة المكتوبة، ﴿وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ،﴾ وأعطوا الزكاة المفروضة، وأمروا بالحقّ ونهوا عن الباطل. قال مقاتل: (هم أصحاب النّبيّ ﷺ (٢)،وقال الحسن: (هم هذه الأمّة أهل الصّلوات الخمس).وقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٤١)؛بطل كلّ ملك سوى ملكه، فتصير الأمور كلها إليه بلا منازع ولا مدّع. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ؛﴾ في هذه الآية تسلية للنبيّ ﷺ ، والمعنى: إن يكذّبوك-قومك-فقد كذبت الأمم أنبياءهم من قبلك، وقوله: ﴿وَكُذِّبَ مُوسى؛﴾ أي كذبه فرعون، ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ؛﴾ أي أمهلتهم، وأخّرت عقوبتهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ؛﴾ بالعقوبة، ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ (٤٤)؛أي فكيف كان إنكاري عليهم حتى بيدوا أو خرّبت قراهم، فأبدلتهم بالنعمة نقمة؛ وبالكثرة قلّة؛ وبالحياة هلاكا. قال الزجّاج: (معناه: فأنكرت أبلغ الإنكار).

стр. 1825

قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ؛﴾ أي كم من قرية أهلكناها بالعذاب بكفرهم. وقرى أهلكناها، والاختيار أهلكتها بالتاء لقوله ﴿(فَأَمْلَيْتُ)﴾،قوله: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها؛﴾ أي ساقطة على سقوفها، وذلك أن السّقف يقع قبل الحيطان، ثم تقع الحيطان عليه، قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ؛﴾ أي كم بئر عطلها أربابها وكم من ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ (٤٥)؛ عطّله أهله. والمشيد هو المجصّص، والشّيد الجصّ والنّورة، ويجوز أن يكون معنى المشيد الرفيع، يقال: شاد البناء وأشاده إذا اطلاه بالشّيد. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها؛﴾ أي أفلم يسر قومك يا محمّد في أرض اليمن والشّام؛ لينظروا آثار المهلكين، فيعقلوا بقلوبهم ما نزل بمن كذب من قبلهم، ويسمعوا بآذانهم خبر الأمم المكذّبة. قوله تعالى: ﴿(فَتَكُونَ لَهُمْ)﴾ نصب على جواب الجحد. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ؛﴾ الهاء في قوله ﴿(فَإِنَّها)﴾ عماد، وهو إضمار على شريطة التفسير، والمعنى: فإنّ الأبصار لا تعمى؛ أي يرون بأبصارهم، ﴿وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٤٦)؛قلوبهم بذهابها عن إدراك الحقّ بما يؤدّي إليه الدليل. وفي الآية دليل أنّ العقل في القلب بخلاف ما قاله الفلاسفة والأطباء: أن محلّ العقل الرأس الدماغ؛ لأن العقل لو لم يكن في القلب لم يوصف القلب بأن يعمى، كما لا توصف بذلك اليد والرّجل، وأما وصف القلوب بأنّها في الصّدور فعلى وجه التأكيد، كما في قوله تعالى ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ﴾ (١)،وقوله تعالى ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ؛﴾ أي ويستعجلونك يا محمّد بالعذاب، كما قالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ﴾ (٣)،
следующие страницы →