← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

وجهه، ولا يسأل)،وعن مجاهد: (أنّ القانع جارك الغنيّ، والمعترّ الّذي يعتريك من النّاس). فعلى هذا تقتضي الآية: أن المستحبّ أن يتصدّق بالثّلث؛ لأن في الآية أمر بالأكل وإعطاء الغنيّ وإعطاء الفقير السائل. وعن رسول الله ﷺ أنه قال في الحرم: [الأضاحي كلوا وادّخروا] (١)،وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ،﴾ فإذا جمعت بين الآية والخبر جعل الثلث للصدقة. قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣٦)؛أي مثل ما وصفنا من نحرها وقيامها سخّرناها لكم؛ أي ذلّلناها لكم؛ لتتمكّنوا من نحرها على الوجه المسنون؛ لكي تشكروا نعم الله تعالى. قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ﴾ قال الكلبيّ: (كان أهل الجاهليّة ينحرون البدن للأصنام ويلطّخون البيت بدمائها قربة إلى الله فنهى عن ذلك).والمعنى: لن يرفع الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يرفع إلى الله منكم الأعمال الصالحة والتّقوى، وهو ما أريد به وجهه الكريم. ويقال: إنّما لا يتقبّل الله اللحوم والدماء لأنها فعل الله، ولكن يتقبل التقوى الذي هو فعل العبد، فيوجب الثواب على ذاك، والمعنى: لن يتقبّل الله اللحوم والدماء اذا كانت من غير تقوى، وإنّما يتقبّل منكم التقوى والطاعة في ما أمركم به، بالنيّة والإخلاص به. قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ؛﴾ أي ذلّلها لكم، ﴿لِتُكَبِّرُوا اللهَ﴾ أي لتعظّموه، ﴿عَلى ما هَداكُمْ؛﴾ لدينه، ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣٧)؛ بالجنّة يعني الموحّدين المخلصين. ويقال: معنى قوله ﴿(عَلى ما هَداكُمْ)﴾ يعني ما بيّن لكم وأرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجّه.

стр. 1822

قوله تعالى: ﴿*إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ أي إذا ما أمرتم فعلتم به وخالفتم فعل الجاهليّة في نحرهم وإشراكهم بالله، فإن الله يدفع عنكم غائلة المشركين وأذاهم وينصركم عليهم، ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ (٣٨) أي لا يحبّ كلّ مظهر للنصيحة مضمر للغشّ والنّفاق كافر بالله وبنعمته. قال ابن عبّاس: (يريد الّذين خانوا الله بأن جعلوا معه شريكا وكفروا نعمه)، قال الزجّاج: (من ذكر غير اسم الله وتقرّب إلى الأصنام بذبيحته فهو خوّان كفور) (١)، قرأ أبو عمرو وابن كثير: «(يدفع)»،وقرأ الباقون: ﴿(يُدافِعُ)﴾،وهو بمعنى واحد. قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا؛﴾ قال ابن عبّاس: (هذه أوّل آية نزلت في الإذن بالقتال، أذن الله تعالى للمؤمنين المهاجرين أن يقاتلوا كفّار مكّة بسبب ما ظلموا بأن أخرجوا من مكّة) ﴿وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٣٩)؛هذا وعد لهم بالنّصر. وقيل: كان مشركو مكّة يؤذون أصحاب رسول الله ﷺ فلا يزالون محزونين من «بين» (٢) مشجوج ومضروب، ويشكون ذلك على رسول الله ﷺ فيقول لهم: [اصبروا فإنّي لم اؤمر بالقتال] (٣) حتّى هاجروا، فأنزل الله هذه الآية بالمدينة. قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم: ﴿(أُذِنَ)﴾ بضمّ الألف وكسر الذال، وقرأ الباقون «(أذن)» بالفتح؛ أي أذن الله لهم، وقوله ﴿(يُقاتَلُونَ)﴾،قرأ نافع وابن عامر وحفص: بفتح التاء؛ أي أذن للمؤمنين الذين يقاتلهم المشركون، وقرأ الباقون بكسرها، يعني أذن لهم في الجهاد يقاتلون المشركين (٤). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ؛﴾ أوّل آية بدل من ﴿(الَّذِينَ يُقاتِلُونَ)﴾ أي أخرجهم أهل مكة من منازلهم بغير جرم منهم.

стр. 1823

قوله تعالى: ﴿(إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ)﴾ معناه: لم يخرجوهم إلاّ بأن كانوا يوحّدون الله تعالى فأخرجوهم لتوحيدهم، المعنى: لم يخرجوهم من ديارهم إلاّ لقولهم ربّنا الله، فيكون ﴿(أَنْ)﴾ في موضع الخفض ردا على الباء في قوله ﴿(بِغَيْرِ حَقٍّ)﴾، ويجوز أن تكون ﴿(أَنْ)﴾ في موضع نصب على الاستثناء. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ؛﴾ أي لولا أن يدفع الله الناس بعضهم ببعض لهدم في زمن كلّ شيء ما بني للصلاة والعبادة نحو الصّوامع، ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً﴾. قال مجاهد والضحّاك: (يعني صوامع الرّهبان) (١)،وقال قتادة: (الصّوامع للصّابئين؛ وهي متعبّداتهم، والبيع جمع بيعة؛ وهي متعبّد النّصارى، والصّلوات هي كنائس اليهود، وكان اليهود يسمّونها بالعبرانيّة صلواتا، والمساجد الّتي يصلّي فيها المسلمون) (٢). والمعنى: لولا كفّ الله الناس بعضهم ببعض بالجهاد، وكفّ الظّلم لحرب في كلّ شريعة، كلّ بنى المكان الذي يصلّى فيه، فكان لولا الدفع لهدم في زمن موسى ﵇ الكنائس، وفي زمن عيسى ﵇ الصّوامع والبيع، وفي زمن محمّد ﷺ المساجد. وعن مجاهد أنه قال: (البيع لليهود يسمّونها صلوات)،وقال أبو العالية: (هي مساجد للصّابئين).فعلى هذا يكون المعنى: لهدّمت صوامع الصلوات. ويقال: أراد بالصّلوات الصلوات المعهودة التي للمسلمين، وهدمها إبطالها وإهلاك من يفعلها. والأولى أن يستدلّ بهذه الآية على أنّ هذه المواضع المذكورة التي يجري فيها اسم الله تعالى لا يجوز أن تهدم في شريعة نبيّنا محمّد ﷺ على كلّ من كان له ذمّة، أو جهاد من الكفّار، فأما في ديار الحرب فيجوز للمسلمين هدمها إذا فتحت دارهم عنوة، ولم يقرّوا عليها بالجزية، كما يجوز هدم سائر دورهم.

стр. 1824

قوله تعالى: ﴿(لَهُدِّمَتْ)﴾ الهدم هو نقض البناء. قرأ أهل الحجاز ﴿(لَهُدِّمَتْ)﴾ بالتخفيف. فإن قيل: لم قدّم مصلّيات الكافرين على مساجد المؤمنين؟ قيل: لأنّها أقدم، وقيل: لقربها من الهدم، وقرب المساجد من الذّكر، كما خرّج السّابق في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿بِالْخَيْراتِ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ؛﴾ أي لينصرنّ الله تعالى من ينصر دينه، ﴿إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤٠)؛أي لقويّ على أخذ الأعداء، عزيز أي ممتنع بالنعمة منهم. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ؛﴾ نعت للذين ينصرون بدين الله؛ أي هم الذين إن مكّنهم الله في الأرض ينصرهم الله في عدوّهم حتى يمكّنوا في البلاد، لم يعملوا ما عمله الذين من قبلهم، ولكن أقاموا الصلاة المكتوبة، ﴿وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ،﴾ وأعطوا الزكاة المفروضة، وأمروا بالحقّ ونهوا عن الباطل. قال مقاتل: (هم أصحاب النّبيّ ﷺ (٢)،وقال الحسن: (هم هذه الأمّة أهل الصّلوات الخمس).وقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٤١)؛بطل كلّ ملك سوى ملكه، فتصير الأمور كلها إليه بلا منازع ولا مدّع. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ؛﴾ في هذه الآية تسلية للنبيّ ﷺ ، والمعنى: إن يكذّبوك-قومك-فقد كذبت الأمم أنبياءهم من قبلك، وقوله: ﴿وَكُذِّبَ مُوسى؛﴾ أي كذبه فرعون، ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ؛﴾ أي أمهلتهم، وأخّرت عقوبتهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ؛﴾ بالعقوبة، ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ (٤٤)؛أي فكيف كان إنكاري عليهم حتى بيدوا أو خرّبت قراهم، فأبدلتهم بالنعمة نقمة؛ وبالكثرة قلّة؛ وبالحياة هلاكا. قال الزجّاج: (معناه: فأنكرت أبلغ الإنكار).

стр. 1825

قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ؛﴾ أي كم من قرية أهلكناها بالعذاب بكفرهم. وقرى أهلكناها، والاختيار أهلكتها بالتاء لقوله ﴿(فَأَمْلَيْتُ)﴾،قوله: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها؛﴾ أي ساقطة على سقوفها، وذلك أن السّقف يقع قبل الحيطان، ثم تقع الحيطان عليه، قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ؛﴾ أي كم بئر عطلها أربابها وكم من ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ (٤٥)؛ عطّله أهله. والمشيد هو المجصّص، والشّيد الجصّ والنّورة، ويجوز أن يكون معنى المشيد الرفيع، يقال: شاد البناء وأشاده إذا اطلاه بالشّيد. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها؛﴾ أي أفلم يسر قومك يا محمّد في أرض اليمن والشّام؛ لينظروا آثار المهلكين، فيعقلوا بقلوبهم ما نزل بمن كذب من قبلهم، ويسمعوا بآذانهم خبر الأمم المكذّبة. قوله تعالى: ﴿(فَتَكُونَ لَهُمْ)﴾ نصب على جواب الجحد. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ؛﴾ الهاء في قوله ﴿(فَإِنَّها)﴾ عماد، وهو إضمار على شريطة التفسير، والمعنى: فإنّ الأبصار لا تعمى؛ أي يرون بأبصارهم، ﴿وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٤٦)؛قلوبهم بذهابها عن إدراك الحقّ بما يؤدّي إليه الدليل. وفي الآية دليل أنّ العقل في القلب بخلاف ما قاله الفلاسفة والأطباء: أن محلّ العقل الرأس الدماغ؛ لأن العقل لو لم يكن في القلب لم يوصف القلب بأن يعمى، كما لا توصف بذلك اليد والرّجل، وأما وصف القلوب بأنّها في الصّدور فعلى وجه التأكيد، كما في قوله تعالى ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ﴾ (١)،وقوله تعالى ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ؛﴾ أي ويستعجلونك يا محمّد بالعذاب، كما قالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ﴾ (٣)،

стр. 1826

وقالوا ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ (١)،ولن يخلف الله وعده في إنزال العذاب بهم في الدّنيا. قال ابن عبّاس: (يعني يوم بدر). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ (٤٧)؛ معناه: إنّهم يستعجلون بالعذاب، وإنّ يوما من أيّام عذابهم في الآخرة ألف سنة، فكيف يستعجلونه؟! قال الفرّاء في هذه الآية: (وعيد لهم بالعذاب في الدّنيا والآخرة) (٢). وقيل: معناه: وإنّ يوما عند الله وألف سنة في قدرته لواحد، فليس تأخّر العذاب عنهم إلاّ تفضّلا من الله عليهم. قال الزجّاج: (أعلم الله أنّه لا يفوته شيء، وإنّ يوما عنده وألف سنة سواء، ولا فرق بين إيقاع ما يستعجلونه من العذاب في تأخيره في القدرة، إلاّ أنّ الله تفضّل بالإمهال، فسواء عنده في الإمهال يوم وألف سنة؛ لأنّه قادر عليهم متى شاء أخذهم)،قال الكوفيّون وابن كثير: «(ممّا يعدّون)» بالياء، وقرأ الباقون بالتاء (٣). قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٤٨)؛ظاهر المعنى. قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٤٩)؛أي قل لهم يا محمّد: يا أهل مكّة إنّما أنا لكم رسول مخوّف بالنار لمن عصى الله بلغة يعرفونها، ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ؛﴾ لدينهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٥٠)؛حسن في الجنّة. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ؛﴾ أي والذين أسرعوا في تكذيب آياتنا، وإبطال الدين مبالغين لله ظانّين أن يعودنا ويفوتنا بقولهم أن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشور، ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (٥١)؛قال قتادة:

стр. 1827

(ظنّوا بجهلهم أنّهم يعجزون الله فلا يقدر عليهم، وهيهات) (١).وهذا كقوله ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا﴾ (٢)،ومن قرأ «(معجزين)» فمعناه: أنّهم كانوا يعجزون مع من اتبع النبيّ ﷺ أي ينسبونهم إلى العجز. وقوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ؛﴾ قال ابن عبّاس وابن جبير والضحّاك: (وذلك أنّ الشيطان أتى رسول الله ﷺ في صورة جبريل وهو قائم يصلّي عند الكعبة يقرأ سورة (والنجم) حتّى اذا انتهى إلى قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى، وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ (٣) ألقى الشيطان على لسانه (تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى)،فلما سمع المشركون أعجبهم ذلك، فلما انتهى إلى آخر السورة سجد، وسجد معه المسلمون والمشركون إلاّ الوليد بن المغيرة، فإنه لم يقدر على السّجود لكبره، فقال: ائتوني بالتّراب، فأتوه بالتراب فوضعه على كفّه، ثم سجد على كفّه، فلما نزل جبريل على النبيّ ﷺ ذكر له ذلك، فقال جبريل: ما جئتك بهذه ولا أنزله الله تعالى، فقال: أتاني شيء في مثل صورتك فألقاه عليّ) (٤). وهذا حديث أنكر أهل العلم إجراءه على ظاهره، وقالوا: كيف يجوز أن يجعل الله للشيطان على رسوله هذا السلطان، أو يختار لرسالته من لا يميّز بين وحي الله ووساوس الشّيطان؟! ومن المعلوم أن من نسب النبيّ ﷺ به إلى ما يرجع إلى تعظيم الأصنام فقد كفر، إلاّ أنه يحتمل أن يكون الشيطان ألقى في تلاوة النبيّ ﷺ ما لم يقله، وخيّل إلى من سمع تلاوته من الذين كانوا بالبعد منه أنه جرى على لسانه، وإنّما هو من لسان الشيطان، وكان ذلك فتنة للتابعين، وكان النبيّ ﷺ معصوما من أن يجري

стр. 1828

على لسانه ما لم ينزّله الله. وقد يذكر التّمنّي ويراد به القراءة كما قال الشاعر (١): تمنّى كتاب الله أوّل ليله ... وآخره لاقي حمام المقادر وقال جماعة من المفسّرين: كان رسول الله ﷺ حريصا على إيمان قومه، وتمنّى في نفسه من الله أن يأتيه ما يقارب بينه وبين قومه، فجلس ذات مرّة بهم في مجلس كثير أهله، وأحبّ يومئذ أن يأتيه من الله شيء فقرأ عليهم سورة النّجم، فلما بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى، وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ ألقى الشيطان على لسانه (تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهم ترتجى) فلما سمعت قريش ذلك فرحوا وقالوا: قد ذكر محمّد آلهتنا بأحسن الذكر، ومضى النبيّ ﷺ في قراءته، فلما ختم السورة سجد في آخرها وسجد معه المسلمون والمشركون إلاّ الوليد بن المغيرة وسعيد بن العاص فإنّهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها إلى جبهتهما وسجدا عليها؛ لأنّهما كانا شيخين كبيرين لم يستطيعا أن يسجدا. وتفرّقت قريش وقد سرّهم ما سمعوا (٢) وقالوا: قد عرفنا أن آلهتنا تشفع لنا، فنزل جبريل على النبيّ ﷺ فقال له: يا محمّد لقد تلوت قومك ما لم آتك به عن الله ، فاشتدّ ذلك على النبيّ ﷺ وحزن حزنا شديدا وخاف من الله خوفا كثيرا، فأنزل الله هذه الآية تطيّب نفس محمّد ﷺ وتخبره (٣) بأن الأنبياء قبله كانوا مثله، ولم يبعث نبيا إلاّ تمنّى أن يؤمن قومه، ولم يتمنّ ذلك نبيّ إلاّ ألقى الشيطان عليه ما يرضي قومه. فلما نزلت هذه الآية قالت قريش: ندم محمّد على ما ذكره من منزلة آلهتنا عند الله فغيّر ذلك وجاء بغيره (٤).

стр. 1829

وقال عطاء عن ابن عبّاس: (إنّ شيطانا يقال له الأبيض أتى النبيّ ﷺ فألقى في قرآنه: إنّها الغرانيق العلى وأن شفاعتها لتترجى، ولم يقلها النبيّ ﷺ ، بل سمعه القوم من الشيطان، وكلّ ذلك فتنة من الله تعالى لعباده المسلمين والمشركين، فالمشركون ازدادوا كفرا بذلك، والمسلمون اشتدّ عليهم الأمر). ومعنى الآية: وما أرسلنا من قبلك من رسول وهو الذي يأتيه جبريل بالوحي عيانا وشفاها، ولا نبيّ وهو الذي تكون نبوّته إلهاما أو مناما، فكلّ رسول نبيّ، وليس كلّ نبيّ مرسل. قوله تعالى: ﴿(إِلاّ إِذا تَمَنّى)﴾ أي أحبّ شيئا واشتهاه وحدّث نفسه من غير أن يؤمر به (ألقى الشّيطان في أمنيته) أي في قراءته وتلاوته، ونظيره قوله تعالى: ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ﴾ (١) أي قراءة تقرأ عليهم. قال الشاعر في عثمان ﵁: تمنّى كتاب الله أوّل ليلة ... وآخرها لاقى حمام المقادر وقال الحسن: (أراد بالغرانيق الملائكة) يعني أن شفاعتهم ترتجى منهم لا من الأصنام. قوله تعالى: ﴿(فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ)﴾ أي يبطله ويزيله ثم يحكم الله آياته فيثبتها، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ؛﴾ بمصالح عباده، ﴿حَكِيمٌ﴾ (٥٢)؛في تدبيره. قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ؛﴾ أي ليجعل ما يلقي الشيطان في قراءته فتنة للذين في قلوبهم شكّ ونفاق؛ لأنّهم افتتنوا بما سمعوا فازدادوا عتوّا، وظنّوا أن محمّدا ﷺ يقول الشيء من عند نفسه فيبطله. قوله تعالى: ﴿وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ؛﴾ يعني المشركين كذلك ازدادوا فتنة وضلالة وتكذيبا، سمّاهم قاسية قلوبهم؛ لأنّها لا تلين لتوحيد الله، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ؛﴾ يعني أهل مكّة، ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ (٥٣)؛أي مشاقّة بعيدة عن الحقّ. قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ؛﴾ معناه: وليعلم المؤمنون رجوعك إلى الصواب، إنّ ذلك حقّ من ربك فتخضع وتذلّ له قلوبهم. وقيل: معناه: وليعلم الّذين أوتوا العلم التوحيد والقرآن.

стр. 1830

قال السديّ: (التّصديق أنّه الحقّ) أي إنّ نسخ ذلك وإبطاله حقّ من الله، ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ؛﴾ وتصديق النّسخ، ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ؛﴾ أي ترقّ قلوبهم للقرآن فينقادوا لأحكامه، بخلاف المشركين الذين قيل: لهم (والقاسية قلوبهم). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥٤)؛ فيه بيان أن هذا الإيمان والإخبات إنّما هو بلطف الله وهدايته إياهم، والمعنى: وإنّ الله لهاديهم إلى دين يرضاه. قوله تعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ؛﴾ أي في شكّ من القرآن، ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً؛﴾ يعني ساعة موتهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ (٥٥)؛يعني يوم بدر في قول ابن عباس وقتادة ومجاهد (١)،سمّاه الله العقيم الذي لا يأتي بخير. وقيل: يوم القيامة سمّاه الله عقيما لأنه لا مثال له في عظم أمره. قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ؛﴾ أي الملك يوم القيامة لله تعالى من غير منازع ولا مدّع، لا يظهر الأمر فيه إلاّ لله تعالى، ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٥٧)؛فيقضي فيه بين المؤمنين والكافرين بإدخال المؤمنين الجنّة، وإدخال الكافرين النار. قوله: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقاً حَسَناً؛﴾ معناه: والذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوطانهم في طاعة الله من مكّة إلى المدينة، ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنّهم الله رزقا حسنا وهو نعيم الجنة، ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ (٥٨). قوله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ؛﴾ يعني به المنازل التي أعدّها الله لهم في الجنّة، لهم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين، خالدين فيها لا يبغون

стр. 1831

عنها حولا، قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ؛﴾ أي عليم بمصالح عباده ونيّاتهم، ﴿حَلِيمٌ﴾ (٥٩) لا يعجّل بعقوبة أعدائه. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ؛﴾ الآية؛ أي ذلك الأمر الذي قصصنا عليك، ثم قال ﴿(وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ)﴾، ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ؛﴾ نزلت هذه الآية في قوم من المشركين لقوا جماعة من المسلمين فقاتلوهم في الشّهر الحرام، فنهاهم المسلمون عن ذلك فأبوا، فلما أبوا قاتلهم المسلمون فنصروا؛ أي ومن عاقب بالقتال بمثل ما عوقب به؛ أي بالقتال في الشهر الحرام ثم بغي على الدافع لينصرنّه الله على من بغى عليه، ﴿إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ؛﴾ أي متجاوز عن من فات ﴿غَفُورٌ﴾ (٦٠)؛لمن مات على التوبة. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ؛﴾ أي ذلك النصر بأنه القادر على ما يشاء، فمن قدرته أنه يولج الليل في النهار، ﴿وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٦١)؛أي سميع لمن دعاه بصير بعباده. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ؛﴾ أي ذلك الذي نقلته من نصرة المؤمنين بأنّ الله ذو الحقّ في فعله وقدرته، ﴿وَأَنَّ ما يَدْعُونَ؛﴾ المشركون؛ ﴿مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ؛﴾ ليس فيه نفع ولا ضرر، ﴿وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ؛﴾ على كلّ شيء بقدرته، ﴿الْكَبِيرُ﴾ (٦٢)؛الذي يصغر كلّ شيء سواه. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً؛﴾ أي ألم تعلم وتشاهد أنّ الله أنزل من السّماء ماء؛ يعني المطر، فتصبح الأرض ذات خضرة بالنبات، ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ؛﴾ بأرزاق عباده واستخراج النبات من الأرض، ﴿خَبِيرٌ﴾ (٦٣)؛بما في قلوب العباد وبما يصلح لهم. قوله تعالى: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ عبدا وملكا، ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ؛﴾ عن عباده، ﴿الْحَمِيدُ﴾ (٦٤)؛إلى أوليائه وأهل طاعته، وقيل: الغنيّ عن إيمان الخلق وطاعتهم، المحمود في أفعاله.

стр. 1832

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي ألم تعلم أنّ الله ذلّل لكم ما في الأرض؛ يعني البهائم التي تركب، وسخّر لكم ﴿وَالْفُلْكَ؛﴾ أي السّفن؛ ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾. قوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ؛﴾ أي حبس عنكم السّماء حتى لا تقع عليكم فتهلكوا. قوله تعالى: ﴿(إِلاّ بِإِذْنِهِ)﴾ أي إلاّ بإرادته، ﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٦٥)؛أي متفضّل على عباده، منعم عليهم. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ؛﴾ أي أحياكم في أرحام أمّهاتكم، ولم تكونوا شيئا. وقيل: معناه: أحياكم بعد أن كنتم نطفة ميتة، ثم يميتكم بعد انقضاء آجالكم، ثم يحييكم بعد الموت عند البعث للحساب، ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ (٦٦)؛يعني المشرك الجحود لنعم الله حتى ترك توحيده بعد ظهور الآيات الداعية إلى الحقّ. قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ؛﴾ أي لكلّ أهل دين جعلنا شريعة هم عاملون بها، وقيل: موضعا تعتادونه لعبادة الله، ومكانا تعيشونه وتعملون الخير فيه. وقيل: معناه: لكلّ أمّة جعلنا عبرا. وقال قتادة: (موضع قربان يذبحون فيه)،وقيل: المنسك جميع العبادات التي أمر الله بها، كما قال ﷺ يوم الأضحى: [إنّ أوّل نسك في يومنا هذا الصّلاة ثمّ الذبح] (١).وقيل: أراد بالمنسك في هذه الآية المذبح الذي يتقرّبون فيه بذبائحهم إلى الله تعالى، كما جعل مكانا منحرا للإنسان؛ لأن النّسك إذا أطلق أريد به الذبح من جهة القربة، كما قال ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ؛﴾ معناه: النّهي عن المنازعة بعد ظهور ما يوجب نسخ الشرائع المتقدّمة، كما يقال: لا يخاصمك فلان في هذا الأمر. وقيل: معناه: لا ينازعنّك في أمر الذبح، وذلك أن كفار قريش خاصموا رسول الله

стр. 1833

صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه في أمر الذبيحة؛ وقالوا: ما لكم تأكلون ما قتلتم بأيديكم، ولا تأكلون ما قتله الله؟ قوله تعالى: ﴿وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ (٦٧)؛أي أدع إلى دين ربك وطاعته إنّك على هدى مستقيم، وقيل: على دلالة ودين مستقيم. ﴿وَإِنْ جادَلُوكَ؛﴾ على سبيل المراء والتّعنّت كما يفعله السفهاء، ﴿فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (٦٨)؛أي ادفعهم بهذا القول، ولا تجادل إلاّ لتبيين الحقّ، والمعنى: وإن خاصموك في أمر الذبيحة فقل الله أعلم بما تعملون من التكذيب فهو يجازيكم به، وهذا قبل الأمر بالقتال. وقوله تعالى: ﴿اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ أي يقضي بينكم يوم القيامة، ﴿فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٦٩) من الدّين والذبيحة. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي قد علمت وأيقنت ذلك، وهذا استفهام يراد به التقرير، وقيل: معناه: ألم تعلم يا محمّد أنّ الله يعلم أعمال أهل السّماء والأرض وأسرارهم؟ ﴿إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ؛﴾ يعني ما يجري في السّماء والأرض، كلّ ذلك مكتوب في اللّوح المحفوظ، ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (٧٠)؛أي أنّ علم الله بجميع ذلك عليه يسير سهل. قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ؛﴾ معناه: ويعبدون من دونه الأصنام ما لم ينزّل به كتابا ولا حجّة، وما ليس لهم به علم أنّها آلهة، ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ (٧١)؛أي وما للمشركين من مانع يمنع عذابا عنهم، نزلت هذه الآية في أهل مكّة. قوله تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ؛﴾ أي وإذا يقرأ عليهم القرآن تعرف في وجوههم الإنكار للقرآن من الكراهة والعبوس، ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا؛﴾ أي يكادون يسطون بالمؤمنين ليردّوهم. وقيل: معناه: يكادون يقعون بمحمّد ﷺ من شدّة الغيظ. وقيل: يكادون يسطون إلى المؤمنين أيديهم بالسّوء. يقال: سطا فلان على فلان إذا تناوله بالسّطو والعنف، وأخذه بالشدّة والإخافة.

стр. 1834

قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ؛﴾ أي قل يا محمّد أفأخبركم بشرّ عليكم من غيظكم على التالي لآيات الله وهو ﴿النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ يصيرون إليها، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٧٢)؛وقيل: إنّ الكفار قالوا: والله ما رأينا قوما أقلّ حظّا منكم يا أصحاب محمّد، قال الله تعالى: قل يا محمّد: أفأخبركم بشرّ من ذلكم؛ أي بشرّ مما قلتم: النار من دخلها فحاله شرّ من حالنا. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ؛﴾ معناه: يا أهل مكّة بيّن مثل آلهتكم فاستمعوا له: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ من الأصنام، ﴿لَنْ يَخْلُقُوا؛﴾ أي لن يقدروا أن يخلقوا، ﴿ذُباباً؛﴾ مع صغره وقلّته، ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ؛﴾ العابد والمعبود على ذلك، وكان لهم ثلاثمائة وستّون صنما حول الكعبة. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ؛﴾ قال ابن عبّاس: (كانوا يطلون أصنامهم بالزّعفران والعسل، فيأتي الذّباب فيحمله فلا يقدرون أن يستردّوه من الذّباب) (١).وقال السديّ: (كانوا يجعلون للأصنام طعاما، فيقع عليه الذّباب فيأكل منه فلا يستطيعون إنقاذه منه) (٢) ف ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ؛﴾ من الأصنام، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ (٧٣)؛هو الذباب. وقال الضحّاك: (معناه ضعف العابد والمعبود) (٣).وقيل: معناه: ضعف الذّباب الطالب لما يأخذه من الصّنم، وضعف المطلوب يعني الصّنم. وقيل: ضعف الطالب من هذا الصنم المتقرّب إليه، والصنم المطلوب منه ذلك. وقيل: إن المشركين كانوا خرجوا في عيد لهم بأصنامهم، وقد زيّنوها باليواقيت واللآلئ وأنواع الجواهر، وطيّبوها بأنواع الطّيب وغشّوها بالحليّ والحلل، فجاء ذباب فأخذ شطبة من تلك الزّينة-أي قطعة-فطار بها في الهواء، فأراهم الله تعالى العبرة في ضعفهم وضعف معبودهم، فلا أحد مما لا يمكنه الاستنقاذ من الضعيف.

стр. 1835

قوله تعالى: ﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ؛﴾ أي ما عرفوه حقّ معرفته، ولا عظّموه حقّ تعظيمه حيث عدلوا به من لا يقدر أن يخلق ذبابا، أو يستنقذ من ذباب ما ذهب به منه، ﴿إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٧٤)؛أي قويّ على خلقه، عزيز في ملكه، لا يقدر أحد على مغالبته. قوله تعالى: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً؛﴾ معناه: الله يختار من الملائكة رسلا يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ يعني من النبيّين. أخبر الله أنّ الاختيار إليه، ويختار من يشاء ممن خلقه، فيجعلهم رسله وأنبياءه يبعثهم إلى خلقه، فأطيعوهم واحذروا معصيتهم، ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ؛﴾ بمقالتكم، ﴿بَصِيرٌ﴾ (٧٥)؛بأعمالكم وضمائركم. قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ؛﴾ أي يعلم ما بين أيدي الملائكة ورسله قبل أن يخلقهم، ﴿(وَما خَلْفَهُمْ)﴾ أي ما يكون بعد فنائهم ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٧٦)؛عواقب الأمور. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا؛﴾ أي صلّوا، قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ؛﴾ أي بجميع العبادات، ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ؛﴾ من أنواع البرّ مثل صلة الرّحم، وبرّ الوالدين، ومكارم الأخلاق، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٧٧)؛روي أنّهم كانوا في أوّل الإسلام يسجدون بغير ركوع، حتى نزلت هذه الآية. قوله تعالى: ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ؛﴾ أي جاهدوا المشركين بحسب الطّاقة واستفراغها، ولا تخافوا في الله لومة لائم، وقال بعض المفسّرين: معناه: اعبدوا الله حقّ عبادته وأطيعوه حقّ طاعته. قال السديّ: (هو أن يطاع فلا يعصى) (١) وقال مقاتل: (نسختها آية التّغابن ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢))،وقيل: هو مجاهدة النّفس والهوى، وذلك حقّ الجهاد وهو الجهاد الأكبر.

стр. 1836

وقال بعضهم: هو حقّ الجهاد (١)؛لما روي عن النبيّ ﷺ قال حين رجع من بعض غزواته: [رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر] (٢).وقال بعضهم: في حقّ الجهاد أنه [كلمة عدل عند سلطان جائر] (٣).وقال الحسن: (هو أن تؤدّي جميع ما أمرك الله به، وتجتنب جميع ما نهاك الله عنه، وتترك رغبة الدّنيا).وقال الضحّاك: (معناه: جاهدوا بالسّيف من كفر بالله، وإن كانوا الآباء والأبناء). قوله تعالى: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ؛﴾ أي اختاركم لدينه وجهاد أعدائه، والاجتباء: هو اختيار الشّيء بما فيه من الصّلاح، يقال: الحقّ يجتبى، والباطل يتّقى. قوله تعالى: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ؛﴾ أي ما جعل عليكم في شرائع دينكم من ضيق، وذلك أنه ما يتخلّص منه بالتوبة، وما يتخلّص منه بردّ المظلمة، ويتخلص منه بالقصاص، وليس في دين الإسلام ما لا سبيل إلى الخلاص من العقاب به، بل من أذنب ذنبا جعل الله له مخرجا منه بالتوبة والكفّارات، ولم يبق في ضيق ذلك الذنب. وقال مجاهد: (يعني الرّخص عند الضّرورات كالقصر؛ والتّيمّم؛ وأكل الميتة؛ والإفطار عند المرض والسّفر). قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ؛﴾ أي الزموا واتّبعوا ملّته، وقيل: معناه: وسّع عليكم في الدّين كملّة أبيكم إبراهيم، إلاّ أنه لمّا حذف حرف الجرّ نصب الملّة، وإنّما أمر باتّباع ملّة إبراهيم؛ لأنّها داخلة في ملّة نبيّنا محمّد ﷺ . وإنّما قال: ﴿(أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ)﴾ وإن لم يكن جميعهم من نسبه؛ لأن حرمة إبراهيم ﵇ على المسلمين كحرمة الوالد على الولد، وحقّه كحقّ الوالد، كما قال تعالى: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ (٤).

стр. 1837

قوله تعالى: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ؛﴾ نزول القرآن، ﴿وَفِي هذا؛﴾ القرآن، كما روي أنّ الله تعالى أوحى إلى إبراهيم: يبعث بعدك نبيّ فيكون قومه مسلمين. وقيل: معناه: إن إبراهيم سمّاكم المسلمين، كما قال في دعائه ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ؛﴾ أي ليكون محمّد ﷺ شهيدا عليكم يوم القيامة بطاعة من أطاع في تبليغه، وعصيان من عصى، ﴿وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ؛﴾ أنّ الرّسل بلّغتهم. قوله تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ؛﴾ أي أدّوهما كما وجبتا. قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ؛﴾ أي واعتصموا بدين الله وتمسّكوا به. وقيل: معناه: اتّقوا بالله وتوكّلوا عليه، ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ؛﴾ أي هو ربّكم وحافظكم، ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٧٨)؛أي فنعم الحافظ لكم، ونعم الناصر. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [من قرأ سورة الحجّ؛ أعطي من أجر حجّة وعمرة اعتمرها بعدد من حجّ واعتمر فيما مضى وفيما يبقى] (٢). آخر تفسير سورة (الحج) والحمد لله رب العالمين

стр. 1838

سورة المؤمنون سورة المؤمنون مكّية، وهي أربعة آلاف وثمانمائة وحرفان، وألف وثمانمائة وأربعون كلمة، ومائة وثماني عشرة آية. وعن رسول الله ﷺ أنّه قال: [من قرأ سورة المؤمنين بشّرته الملائكة بالرّوح والرّيحان، وما تقرّ به عينه عند نزول ملك الموت] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١)؛أي فاز ونجا وسعد المصدّقون بالله ورسوله، وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [لمّا خلق الله جنّة عدن، فيها ما لا عين رأت؛ ولا أذن سمعت؛ ولا خطر على قلب بشر، قال لها: تكلّمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون-ثلاثا-ثمّ قالت: أنا حرام على كلّ بخيل ومراء] (٢).قرأ طلحة بن مصرّف: «(قد أفلح المؤمنون)» على المجهول؛ أي أبقوا (٣) في الثواب، وحرف ﴿(قَدْ)﴾ في اللّغة لتزيين الكلام وتحسينه، وقيل: لتقريب الحالة الماضية الى الحالة الآتية، فدلّ على أن فلاحهم قد حصل وهم عليه في الحال، وهو أبلغ في الصّفة من تجريد ذكر الفعل، والفلاح هو البقاء والنجاح.

стр. 1839

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ (٢)؛أي متواضعون خائفون، ويقال: ساكنون بالقلب والجوارح فلا يلتفتون يمينا ولا شمالا، كما روي عن النبيّ ﷺ : أنّه رأى رجلا يعبث بلحيته في الصّلاة، فقال ﷺ : [ولو خشع قلبه لخشعت جوارحه] (١)،وعنه ﷺ : [أنّه كان إذا وقف في الصّلاة رفع بصره نحو السّماء، فلمّا نزلت هذه الآية جعل نظره إلى موضع سجوده] (٢).وحقيقة الخشوع: هو جمع الهمّة لتدبّر الأفعال والأذكار. وعن الحسن أنه قال (٣): (إنّ الخاشعين هم الّذين لا يرفعون أيديهم في الصّلاة إلاّ في التّكبيرة الأولى) وقال ابن عبّاس: (معنى قوله تعالى: ﴿(خاشِعُونَ)﴾ أي أذلاّء)، وقال مجاهد: (الخشوع هو غضّ البصر وخفض الجناح).وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة يخاف الرحمن أن يسند بصره إلى شيء، وأن يحدّث نفسه بشيء من الدّنيا. وقال عمرو بن دينار: (ليس الخشوع الرّكوع والسّجود، ولكنّه السّكون وحسن الهيئة في الصّلاة). وقال عطاء: (هو أن لا تعبث بشيء من جسدك في الصّلاة)،وعن أبي ذرّ قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا قام أحدكم إلى الصّلاة فإنّ الرّحمة تواجهه، فلا يحرّكنّ الحصى] (٤).وقيل: نظر الحسن إلى رجل يعبث ويقول: اللهم زوّجني من

стр. 1840

الحور العين، فقال له الحسن: (بئس الخاطب أنت، تخطب وأنت تعبث).وقال قتادة: (الخشوع هو وضع اليمين على الشّمال في الصّلاة).وقال بعضهم: (هو جمع الهمّة لها والإعراض عمّا سواها). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (٣)؛قال الحسن: (معناه: عن المعاصي معرضون)،وقال الزجّاج: (اللّغو هو كلّ باطل ولهو ولعب وهزل).وقيل: اللّغو الذي يعرضون عنه: هو كلّ ما لا فائدة فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ (١) أي شغلهم الجدّ فيما أمرهم الله به عن كلّ باطل ولهو ولعب، وعن كلّ ما لا فائدة فيه من قول وفعل. وقال مقاتل: اللّغو (هو الشّتم والأذى) (٢). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ (٤)؛أي مؤدّون، فعبّر عن التأدية بالفعل لأنه فعل. قال ابن عبّاس: (يعني به الصّدقة الواجبة)،وقيل: معناه: والذين هم للعمل الصالح فاعلون، ويدخل في هذا كلّ فعل يذكر به الإنسان ويحمد عليه، كما يقال: ما أعطى الله أحدا نعمة إلاّ أوجب عليه فيها زكاة، فزكاة العلم نشره وتعليمه، وزكاة الجاه إعانة الملهوف. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ (٥)؛أي يحفظونها عن الحرام، ويغضّون البصر عما لا يحلّ لهم. قوله تعالى: ﴿إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٦)؛أي يلامون في إطلاق ما حرّم عليهم إلاّ على أزواجهم وإمائهم فإنّهم لا يلامون فيه. قال مجاهد: (يفرض على الرّجل حفظ فرجه إلاّ من امرأته وأمته، فإنّه لا يلام على ذلك). قوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ (٧)؛أي من طلب للوطء طريقا سوى ما أحلّ الله من النساء الأربع أو ما ملكت أيمانهم فأولئك هم المجاوزون من الحلال إلى الحرام، فمن زنى فهو عاد.

стр. 1841

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ (٨)؛أي الذين هم لما ائتمنوا عليه فيما بينهم وبين الله وبين الناس حافظون حتى يؤدّوه على وجهه. والرّعي: هو القيام على إصلاح ما يتولاّه، كما قال ﷺ : [كلّكم راع، وكلّكم مسئول عن رعيّته] (١)،وقال الله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ (٢).وقرأ ابن كثير: «(لأمانتهم)» بالتّوحيد لأنه مصدر واسم جنس فيقع على الكثير (٣)،والأمانة قد تكون بين العبيد، كالودائع وأشباهها، وتكون بين الله وعبيده كالصيام والاغتسال من الجنابة والصّلاة، فيجب على المؤمنين الوفاء بجميع حقوق الأمانات. قوله تعالى: ﴿(وَعَهْدِهِمْ راعُونَ)﴾ يشتمل على طاعة الله تعالى التي يجب الوفاء بها، وعلى جميع العقود والأيمان والنّذور. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ (٩)؛أي يواظبون على الصّلوات، ويجتهدون في أوقاتها المداومون فيها بفرائضها وسننها وآدابها. قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾ (١٠)؛أي أهل هذه الصّفات التي ذكرها الله من أوّل هذه السّورة إلى ههنا هم الوارثون الذين يرثون يوم القيامة منازل أهل النّار من الجنّة التي كانت لهم لو أطاعوا الله ورسوله. قال ﷺ : [ما منكم من أحد إلاّ وله منزلان، منزل في الجنّة ومنزل في النّار، فإن مات ودخل النّار ورث أهل الجنّة منزله] (٤). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (١١)؛ الفردوس في اللّغة: هو البستان الجامع لمحاسن أجناس الكروم وغيرها. وقال عكرمة: (الفردوس هو الجنّة بلغة الحبشة).

стр. 1842

وفي الحديث: أنّ حارثة بن سراقة قتل يوم بدر، فقالت أمّه: يا رسول الله إن كان ابني من أهل الجنّة لم ابك عليه، وإن كان من أهل النّار بالغت في البكاء عليه، فقال: [يا أمّ حارثة! إنّ ابنك قد أصاب الفردوس الأعلى من الجنّة] (١). وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [لقد أنزلت عليّ عشر آيات من أقامهنّ دخل الجنّة] ثمّ قرأ ﴿(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)﴾ إلى آخر الآيات العشر (٢).وقال مجاهد: (من حفظ العشر من سورة المؤمنين ورث الفردوس).قال ابن عبّاس: (الفردوس خير الجنان)،وقال ﷺ : [إنّ الله غرس الفردوس بيده، ثمّ قال: وعزّتي وجلالي؛ لا يدخلها مدمن خمر وديّوث] قالوا: ما الدّيّوث يا رسول الله؟ قال: [الّذي يرضى الفواحش لأهله] (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (١٢)؛أي خلقنا آدم من سلالة سلّت من طين، والسّلالة: ما سلّ من الشيء؛ أي نزع واستخرج منه، يقال للنّطفة: سلالة، والولد سليل وسلالة. قال مجاهد: (السّلالة منيّ بني آدم) (٤)،وقال عكرمة: (هو الماء سلّ من الظّهر سلاّ)،والمراد بالانسان ولد آدم، وهو اسم جنس يقع على الجميع. والمعنى: خلقنا ابن آدم من سلالة من طين؛ أي من صفوة ماء آدم الذي هو من طين (٥). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ (١٣)؛ثم خلقنا ولد آدم من نطفة في موضع حرير يعني الرّحم، مكن فيه الماء بأن هيّأ لاستقراره فيه إلى بلوغ أمره الذي جعل له. وإنّما سمي المنيّ سلالة؛ لأنه سلّ من أصلاب الرجل وترائب النّساء، ثم يكون قراره في أرحام الأمّهات.

стр. 1843

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً؛﴾ أي صيّرنا النطفة دما منعقدا، ثم صيّرنا الدم لحما بلا عظم، والمضغة: هي القطعة الصغيرة من اللّحم. وقوله تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً؛﴾ أي حولنا المضغة عظاما، ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً؛﴾ أي ثم ألبسنا العظام لحما؛ ليكون أبهى في النظر وليكون اللحم وقاية للعظم. وقرأ ابن عامر: «(فخلقنا المضغة عظما فكسونا العظم لحما)» (١). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ؛﴾ بأن جعلنا فيه الرّوح بعد أن لم يكن، ثم جعلناه ذكرا أو أنثى إلى أن أعطيناه الفهم والتمييز ليأخذ ثدي أمّه عند الحاجة فيرتضع ويشتكي إذا تضرّر بشيء. وقال مجاهد: (معنى قوله: ﴿(ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ)﴾ يعني سوّينا شبابه).وقال قتادة: (يعني أنبتنا شعره وأسنانه) (٢).وقيل: معناه: أعطيناه العقل والقوّة والفهم، وربّيناه حالا بعد حال إلى أن بلغ أن يتقلّب في البلاد. وقيل: إذا اجتمع الماء المتخلّق منه الولد، فأول الحالات أن يزيد، ثم يستحيل ذلك الماء علقة، وهو دم عبيط، ثم يصير مضغة، وفي تلك الحالة تظهر الأعضاء النّفيسة كالقلب والدّماغ والكبد، فالقلب أول عضو مكوّن ثم الدماغ ثم الكبد، ثم ينحّى بعضها عن بعض، وتخطّط الأطراف، ثم يصير لحما على عظام، وعظام البدن مائتان وأربعون عظما، فإذا نفخ فيه الروح لأربعة أشهر انقسم دم الحيض ثلاثة أقسام: قسم يتغذى به الولد، وقسم يحتبس إلى النّفاس، وقسم يصعد إلى الثّدي. وإنّما ينفخ الرّوح في الجنين لأربعة أشهر؛ لأنه يكون نطفة أربعين يوما، ثم يكون علقة أربعين يوما، ثم يصير مضغة أربعين يوما، ثم ينفخ فيه الرّوح. ويكون

стр. 1844

الولد في بطن أمّه معتمدا على رجليه وراحة يديه على ركبتيه وظهره إلى وجه الأم، ووجهه إلى ظهرها حتى لا تتأذى الأمّ بنفسه. وإنّما خلق الله عينيه في رأسه لتكون مشرفة على جميع الأعضاء في الجهات كلها، كالطّليعة للعسكر، وأصلح المواضع للطلائع المكان المشرف، وجعلهما في كهفين حراسة لهما وتوفيرا لضوئهما، وجعل لهما الهدب ليدفع ما نظر إليهما. وخلق الله الأنف لينحصر فيه الهواء المستنشق لترويح الرّئة والدماغ. وخلق الفم وعاء لجميع الكلام، وخلق اللّسان آلة للنّطق، ولتقليب الطعام الممضوغ، والمضغ يكون في جانبي الفم حراسة لأداة النّطق. وخلق الشّفتين غطاء للفم والأسنان، ويحجب اللّعاب، ومعينا على الكلام، وجمالا في الصّورة، والأسنان تقطّع؛ والأنياب تكسر؛ والأضراس تطحن. وخصّ الفكّ الأسفل بالتحريك؛ لأن تحريك الأخفّ أحسن، لأن الأعلى يشتمل على الأعضاء الشّريفة فلم يخاطرها في الحركة؛ لأن الحركة تضعفها. وجعل ماء الأذن مرّا لئلاّ يقيم فيه الهوام، فإذا دخل الأذن دابّة لم يكن لها همّ إلاّ الخروج. وجعل ماء العين مالحا لئلاّ يذوب، وجعل ماء الفم عذبا ليطيّب طعم الطعام. وخلق الله الأصابع آلة لعمل الأشياء كالكتابة والصّناعة والخياطة، وجعلها على الكفّ لتحفظ ما يجعل فيها، ولم يخلق الأصابع خالية من العظام لتكون أفعالها قويّة، ولم يجعل عظامها مجوّفة لتكون أقوى على القبض والحركات. وجعل القلب في وسط الصّدر لأنه أعدل الأماكن وقد ميّل قليلا إلى اليسار ليبعد عن الكبد، والرّئة، وغطاء للقلب ووقاية له، وهو بيت النّفس ومنزل الفرح. وخلق الله الأمعاء كثيرة التّلافيف ليطول ستر الغذاء، فلا يحتاج الإنسان إلى الغذاء في كلّ وقت، وخلق الله القدم أخمص ليمسك الماشي في الدّرج. قوله تعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ (١٤)؛أي المصوّرين المحوّلين من حال إلى حال، ومعنى قوله (تبارك الله) أي استحقّ التعظيم والثناء، وقيل: دام لم يزل ولا يزال. وقوله تعالى: ﴿(أَحْسَنُ الْخالِقِينَ)﴾ لا يقتضي أن يكون معه

стр. 1845

خالق آخر كما قال ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ (١)،ويقال: ﴿(أَحْسَنُ الْخالِقِينَ)﴾ أي أحسن المقدّرين، فإنّ الخلق هو التقدير كما قال تعالى مخبرا عن عيسى ﵇ ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ (٢) أي أقدّر لكم من الطّير. قال ابن عبّاس: (كان عبد الله بن شريح يكتب لرسول الله ﷺ ، فأملى عليه هذه الآية، فلمّا بلغ إلى قوله ﴿(آخَرَ)﴾ خطر بباله ﴿(فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ)﴾،فلمّا أملاها عليه النّبيّ ﷺ كذلك، قال عبد الله: إنّ محمّدا نبيّ يوحى إليه، وأنا نبيّ يوحى إليّ. فلحق بمكّة فمات كافرا) (٣). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ (١٥)؛أي بعد الحياة والخلق الحسن والصّورة الحسنة ميّتون عند انقضاء آجالكم. قرأ أشهب العقيليّ: «(لمائتون)» بالألف، والميّت والمائت الذي لم تفارقه الروح وهو سيموت، والميت بالتخفيف الذي فارقه الروح، فلذلك لم يخفّف كقول ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٤). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (١٦)؛يعني من قبوركم للجزاء والحساب. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ؛﴾ أي سبع سماوات، سميت طرائق؛ لأن كلّ شيء فوق شيء فهو طريقة، يقال: طارقت نعلي إذا جعلت جلدا فوق جلد. ويقال: سميت طرائق لأنّها طرق الملائكة. قوله تعالى: ﴿وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ﴾ (١٧)؛أي وما كنّا عن حفظ السّماوات، وعن إنزال المطر على العباد وقت الحاجة غافلين، ولو جازت الغفلة لسقطت السّماوات بعضها على بعض. قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي أنزلنا المطر من السّماء بقدر الحاجة إليه؛ أي بقدر ما يكفيهم للمعيشة، وقيل: بقدر يعلمه

стр. 1846

الله. قوله تعالى: ﴿(فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ)﴾ أي جعلنا سكناه ومستقرّه في الأرض مثل العيون والغدران والرّكايا. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [أنزل الله من الجنّة خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنّيل وهو نهر مصر، أنزلها الله من عين واحدة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل. وذلك قوله ﴿(فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ)﴾.فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم والحجر الأسود وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع ذلك إلى السّماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ (١٨)؛فإذا رفعت هذه الأشياء فقد أهلها خير الدّين والدّنيا] (١). قوله تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ؛﴾ أي أخرجنا لكم بذلك المطر بساتين من نخيل وكروم، وإنّما خصّها بالذّكر لأنّها أشرف الثّمار، وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ؛﴾ سوى النخيل والأعناب، ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ (١٩)؛بإباحة الله لكم تأكلونها صيفا وشتاء. قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ؛﴾ أي وأنبتنا بذلك المطر شجرة وهي الزيتونة تخرج من جبل سيناء للبركة، كأنه قال: من جبل البركة. وقرئ ﴿(طُورِ سَيْناءَ)﴾ بفتح السّين. واختلفوا في المراد بالطّور، قال بعضهم: هذا الجبل الذي نادى موسى ربّه عنده. يقال: إن أصل شجرة الزيتون من ذلك الجبل؛ أي أوّل ما غرست فيه. وقال بعضهم: هو جبل بالشّام كثير الأشجار والأثمار. وقيل عن الزيتونة: أول شجرة نبتت في الأرض بعد الطّوفان. قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ (٢٠)؛قرأ أكثر القرّاء ﴿(تَنْبُتُ)﴾ بفتح التاء وضمّ الباء؛ أي تنبت بثمار الدّهن يعني الزّيت. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضمّ التاء وكسر الباء، ومعناه معنى الأول. والباء في قوله تعالى ﴿(بِالدُّهْنِ)﴾ للتعدّي، يقال: أنبته ونبت به، ونبت

стр. 1847

الشّيء وأنبت بمعنى واحد، قال الشاعر: رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينا لهم حتّى إذا أنبت البقل ويجوز أن تكون الباء زائدة على قراءة من ضمّ التاء، كقوله ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١).قوله تعالى: ﴿(وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ)﴾ يعني الإدام، لأن الزيت إدام يصبغ به الخبز، يقال: صبغ وصباع كما يقال: لبس ولباس (٢). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً؛﴾ أي لعظة ودلالة على وحدانيّتنا لو اعتبرتم واستدللتم، ﴿نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِها﴾ يعني اللّبن، ﴿وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ؛﴾ من الأولاد والأوتار والأصواف والأشعار والرّكوب على الإبل، ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ (٢١)؛يعني لحومها. قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (٢٢)؛أي تحملون على الإبل في البرّ وعلى السّفن في البحر، وهذا كقوله تعالى ﴿وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٣) يقال: إن الله تعالى جعل للناس مركبين، مركبا ليّنا لسير البرّ، ومركبا يابسا لسير البحر. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ؛﴾ أي أرسلناه إليهم ليدعوهم إلى عبادتنا، ﴿فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (٢٣) عبادة غيره. ﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ؛﴾ أي الأشراف منهم والرؤساء قالوا لسفائهم: ﴿ما هذا؛﴾ الذي يدعوكم إلى التوحيد، ﴿إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ؛﴾ أي آدميّ مثلكم، ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ؛﴾ أي يتقدّم عليكم بدعوى النبوّة ليكون له الفضل عليكم فتكونوا له تبعا، ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ؛﴾ أن يرسل إلينا رسولا من عنده، ﴿لَأَنْزَلَ؛﴾ أي لأرسل ﴿مَلائِكَةً؛﴾ من عنده، ﴿ما سَمِعْنا بِهذا؛﴾ بمثل هذه الدّعوة، ﴿فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ (٢٤)؛ولا أرسل

стр. 1848

إليهم بشرا، ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ؛﴾ أي قالوا: ما نوح إلاّ رجل به جنون، ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ (٢٥)؛أي فانتظروا حتى يموت فنستريح منه. فلما يئس من إيمانهم؛ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ (٢٦)؛أي أعنّي عليهم بتكذيبهم إيّاي وجحودهم نبوّتي، والمعنى: انصرني عليهم بإهلاكهم جزاء لهم بتكذيبهم. قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا؛﴾ أي وأرسلنا إليه جبريل أن يعلّمه صنعة الفلك ليصنعها بمرأى منّا، ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُنا؛﴾ بنجاتك وإهلاكهم، ﴿وَفارَ التَّنُّورُ؛﴾ ونبع الماء من تنّور الخسارة. وعن عليّ ﵁: (أنّ معنى قوله ﴿(وَفارَ التَّنُّورُ)﴾ أي طلع الفجر). قوله تعالى: ﴿فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ؛﴾ أي احمل في السّفينة من كلّ ذكر وأنثى، كما روي أنّ الله تعالى حشر إليه جميع الحيوانات حتى أخذ من كلّ جنس زوجا، ويقرأ ﴿(مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ)﴾ بالتنوين، فعلى هذه القراءة يكون الفعل واقعا على زوجين، وأما على القراءة الثانية فالفعل واقع على اثنين (١). قوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ؛﴾ معناه: واحمل فيها أهلك، ﴿إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ؛﴾ أي إلاّ من حقّ عليه العذاب ﴿مِنْهُمْ،﴾ لكفره وهو ابنه كنعان وامرأته وأهله. قوله تعالى: ﴿وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا؛﴾ أي لا تسألني نجاة الذين ظلموا من أهلك، ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ (٢٧)؛مع الأجانب. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ؛﴾ أي إذا اعتدلت في السفينة راكبا واستقرّ بك ولمن معك الفلك في الماء، ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ؛﴾ أي أحمد الله، ﴿الَّذِي نَجّانا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً؛﴾ أي أنزلني من السّفينة موضعا مباركا. وقال بعضهم: أراد به الإنزال في السّفينة وهو

стр. 1849

الأقرب؛ لأنه إنّما أمر بهذا الدّعاء في حال استوائه على السفينة، فاقتضى أن السفينة هي المنزل دون منزل آخر. وقرأ العامة ﴿(مُنْزَلاً)﴾ بضمّ الميم على المصدر؛ أي إنزالا مباركا، وقرأ أبو بكر بفتح الميم وكسر الزّاي؛ أي موضعا مباركا (١)،قال مقاتل: (يعني بالبركة أنّهم توالدوا وكثروا) (٢). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (٢٩)؛أي أنت خير المنزلين في الدّنيا والآخرة، وهذا اللفظ سنّة لكلّ من أراد أن ينزل منزلا. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ؛﴾ معناه: أنّ في أمر نوح والسّفينة وهلاك أعداء الله لدلالات على قدرة الله ووحدانيّته، ﴿وَإِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ (٣٠) أي ما كنّا إلاّ مبتلين بإرسال الرّسل إليهم؛ أي مختبرين إيّاهم كيف نرى طاعة المطيعين ومعصية العاصين. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ (٣١)؛أي ثم خلقنا من بعد هلاك قوم نوح قوما آخرين يعني: عادا، ﴿فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ؛﴾ يعني هودا ﵇ فإنّ أول نبيّ بعد نوح هود ﵇ فقال لهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (٣٢)؛إلى آخر الآية. قوله تعالى: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ؛﴾ أي جحدوا البعث والنّشور، ﴿وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ أي متّعناهم في الحياة الدّنيا وأعطيناهم من نعيم العيش ووسّعنا عليهم ونعّمناهم؛ أي قال أشراف قوم هود ورؤساؤهم الذين جحدوا بالبعث والنشور ومتّعناهم في الحياة الدّنيا: ﴿ما هذا؛﴾ أي ما هو ﴿إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ؛﴾ أي آدميّ مثلكم، ﴿يَأْكُلُ مِمّا﴾

стр. 1850

﴿تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ (٣٣)؛أي يأكل من الطعام الذي تأكلون منه؛ ويشرب من الذي تشربون، فليس هو بأولى بالرّسالة منكم. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ (٣٤)؛ معناه: لئن أطعتم آدميّا بشرا مثلكم إنّكم إذا لمبعوثون، وهذا القول منهم دليل على غاية جهلهم حيث عبدوا أصناما لا تضرّ ولا تنفع، ولم يعدّوا ذلك خسرانا، والأصنام أجسام مثلهم بل دونهم. ثم عدّوا عبادة الله وطاعته هو خسرانا، قالوا: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ؛﴾ أي وصرتم، ﴿تُراباً وَعِظاماً؛﴾ بالية؛ ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ (٣٥)؛ أي أن تخرجوا من قبوركم، ﴿*هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ (٣٦)،أي بعدا بعدا لما تحاولون من البعث بعد الموت، وهذه كلمة استنكار واستبعاد، ويقرأ ﴿(هَيْهاتَ)﴾ سبع قراءات بالنّصب والكسر والرفع والتنوين وغير التنوين والسّكون (١)،فمن نصب جعلها مثل (أين وكيف)،وقيل: لأنّها أداة مثل خمسة عشر وبعلبكّ، ومن رفع جعله مثل (منذ وقطّ وحيث)،ومن كسر جعله مثل أمس. قال الشاعر: تذكّرت أيّاما مضين من الصّبا ... وهيهات هيهاتا إليك رجوعها وقال آخر: لقد باعدت أمّ الحمارس دارها ... وهيهات من أمّ الحمارس هيهاتا هيهات ومعنى (هيهات) بعد الأمر جدا حتى امتنع، وهو اسم سمي به الفعل، وهو بعد كما قالوا: صه بمعنى اسكت، ومه بمعنى لا تفعل، وليس له اشتقاق وفيه ضمير مرتفع عائد إلى قوله ﴿(مُخْرَجُونَ)﴾،والتقدير ﴿(هَيْهاتَ)﴾ أي هو الإخراج، والمعنى: بعد إخراجكم للوعد؛ أي الذي توعدون. قال أبو عمرو: (إذا وقفت فقل هيهاه بالهاء) وقال الفرّاء: (كان الكسائيّ يختار الوقف عليها بالهاء، وأنا أختار التّاء لأنّها ليست

стр. 1851

هاء التّأنيث) (١).وروي أن سيبويه قال: (هي بمنزلة بيضات) (٢) يعني في التّأنيث، فإذا كان كذلك كان الوقف بالهاء. قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا؛﴾ أي قالوا ما هي إلاّ حياتنا الدّنيا التي نحن فيها، ﴿نَمُوتُ وَنَحْيا؛﴾ أي يموت قوم ويحيا قوم آخرون، ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٣٧)؛بعد الموت. قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً؛﴾ أي قالوا: ما هود إلاّ رجل اختلق على الله كذبا بأنه رسول إلينا، وأنّا نبعث، ﴿وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٣٨)؛أي بمصدّقين فيما يقول. قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ (٣٩)؛أي قال هود: رب أعنّي عليهم بتكذيبهم إيّاي، ﴿قالَ؛﴾ الله: ﴿عَمّا قَلِيلٍ؛﴾ على تكذيبهم أي عمّا قليل من الزّمان والوقت، يعني عند الموت وعند نزول العذاب بهم، ﴿لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ (٤٠)؛على الكفر والتكذيب، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ؛﴾ أي صاح بهم جبريل صيحة واحدة فماتوا عن آخرهم. قوله تعالى: ﴿(بِالْحَقِّ)﴾ أي باستحقاقهم العذاب بكفرهم. قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً؛﴾ أي صيّرناهم بعد الهلاك كغثاء السّيل، وهو ما يكون على وجه السّيل من القصب والحطب والحشيش والأشجار اليابسة المتبقّية البالية، إذا جرى السيل رأيت ذلك مخالطا زبد السّيل، والمعنى: صيّرناهم هلكا فيبسوا كما يبس الغثاء من نبت الأرض. وقوله تعالى: ﴿فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٤١)؛أي بعدا من رحمة الله للقوم الكافرين.

стр. 1852

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ﴾ (٤٢)؛أي ثم خلقنا بعد هلاك قوم هود أهل أعصار آخرين فسكنوا ديارهم إلى أن هلكوا، ﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ (٤٣)؛أي لا تموت أمة قبل أجلها ولا يتأخر موعدهم عنه، وقوله تعالى: ﴿(مِنْ أُمَّةٍ)﴾ من هاهنا صلة. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا؛﴾ أي بعضها في إثر بعض مترادفين، ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً؛﴾ أي قوما، ﴿رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً؛﴾ في الهلاك والتعذيب، ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ؛﴾ لمن بعدهم من الناس يتحدّثون بأمرهم وشأنهم ويتمثّل بهم في السرّ. ﴿فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤٤). قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «(تترا)» بالتنوين، وقرأ الباقون بغير تنوين مثل سكرى وشكوى، فمن نوّن كان الألف فيه كالألف في أنت زيدا أو عمرا، فإذا وقفت كان ألفا، يعني توقف عليه بالألف، ومن لم ينوّن كتبها بالياء (١). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (٤٥) ظاهر المعنى. قوله تعالى: ﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا؛﴾ أي تكبّروا عن الإيمان بالله وعبادته، ﴿وَكانُوا قَوْماً عالِينَ﴾ (٤٦)،أي وكانوا قوما قاهرين للناس بالبغي والتّطاول عليهم كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢)، وقال مقاتل: (معنى قوله ﴿(عالِينَ)﴾ أي متكبرين عن توحيد الله) (٣). قوله تعالى: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا؛﴾ أي ليس لهم فضل علينا، ﴿وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ (٤٧)؛يعني بني إسرائيل لنا مطيعون، ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ (٤٨)؛بتكذيبهما. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ؛﴾ يعني التوراة، ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٤٩)؛لكي يهتدوا به من الضّلالة.

стр. 1853

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً؛﴾ أي جعلنا ولادة عيسى من غير أب دلالة على التوحيد والبعث، ولم يقل: آيتين؛ لأن معنى الآية فيهما واحدة. وقيل: معنى كلّ واحد منهما آية، كما قال ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ (١) أي آتت كلّ واحدة أكلها، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ﴾ (٢) ولم يقل أرجاس. وقيل: معناه: جعلنا شأنهما واحدا؛ لأن عيسى ولد من غير أب، وأمّه ولدت من غير مسيس ذكر. قوله تعالى: ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ (٥٠)؛أي جعلناهما يأويان إلى بقعة مرتفعة ذات استواء واستقرار، ومكان ظاهر. والرّبوة: المكان المرتفع من الأرض. واختلفوا في هذه البقعة، قال قتادة: (يعني بيت المقدس، وهو أرفع موضع في الأرض وأقرب موضع إلى السّماء ثمانية عشر ميلا) (٣)،وقال أبو هريرة: (هي رملة بأرض فلسطين) (٤)،وروى الحسن وابن المسيّب: (أنّها دمشق).وقوله تعالى ﴿(ذاتِ قَرارٍ)﴾ أي مستوية ليستقرّ عليها ساكنوها، وهي مع ذلك ساحة واسعة، والمعين الماء الجاري الطاهر الذي تراه العيون، يقال عانت الرّكبة إذا سالت بالماء. قوله: ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً؛﴾ قال الحسن ومجاهد والسديّ والكلبي وقتادة ومقاتل: (الخطاب في هذه الآية لمحمّد ﷺ وحده، إلاّ أنّه ذكره بلفظ الجماعة، لما في الخطاب من تضمين أنّ الرّسل جميعا أمروا بهذا الخطاب، وقيل لهم: كلوا من الطّيّبات؛ أي من الحلال، أمرهم الله أن لا يأكلوا إلاّ حلالا). قال الحسن: (أما والله ما عنى به أصفركم ولا أحمركم ولا حلوكم ولا حامضكم، ولكنّه قال: انتهوا إلى الحلال منه).قوله تعالى: ﴿(وَاعْمَلُوا صالِحاً)﴾

стр. 1854

أي اعملوا ما أمركم به الله وأطيعوه في أمره ونهيه. قوله تعالى: ﴿إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٥١)؛ظاهر المعنى. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [إنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّبا، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى ﴿(يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ)﴾ وقال ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ (١)،-ثمّ ذكر-الرّجل (٢) يطيل السّفر أشعث أغبر، يمدّ يده إلى السّماء: يا رب يا رب! مطعمه حرام؛ ومشربه حرام؛ وملبسه حرام؛ وغذّي بالحرام، فأنّى يستجاب له؟!] (٣).ويروى عن عيسى: كان يأكل من غزل أمّه (٤)،وكان نبيّنا ﷺ كان يقول: [جعل رزقي تحت ظلّ رمحي، وجعل الذّلّ والصّغار على من خالفني] (٥) فبيّن أن رزقه من الغنيمة وأطيب الطيّبات الغنيمة. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً؛﴾ أي دينكم ودين من قبلكم دين واحد. وقيل: جماعتكم جماعة واحدة كلّكم عباد الله، ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (٥٢)؛أي فاتّقوا عذابي، وافعلوا ما أمرتكم به واتركوا ما نهيتكم عنه. قرأ الكوفيّون: ﴿(وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ)﴾ بكسر الهمزة على الابتداء. وقرأ الباقون بفتحها مع التشديد، وخفّف النون ابن عامر مع فتح الهمزة، فمن فتح الهمزة وشدّد

стр. 1855

النون فمعناه: وبأنّ هذه، وقيل: واعلموا إنّ هذه أمّتكم أمة واحدة، أي ملّتكم ملّة واحدة وهي دين الإسلام، ومن خفّف مع الفتح جعل (أن) صلة، وتقديره: وهذه أمّتكم، وقيل: تكون مخفّفة من الثقيلة كقوله تعالى ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً؛﴾ معناه: أنتم أهل ملّة واحدة فلا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا فتقطّعوا أمرهم بينهم زبرا؛ أي فرقا، وقيل: معناه: كتبا مختلفة ديوانها، فكفروا بما سواها كاليهود آمنوا بالتوراة وكفروا بالإنجيل والقرآن، والنصارى آمنوا بالإنجيل وكفروا بالقرآن. وقرئ «(زبرا)» بفتح الباء ومعناه قطعا وجماعات، ومنه زبر الحديد قطعه. قوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٥٣)؛أي كلّ طائفة بما عندهم من الاعتقاد معجبون، فاتركهم في ضلالتهم وجهالتهم إلى أن يأتيهم ما وعدوا به من العذاب. وقيل: إلى أن يموتوا فيظهر لهم الحقّ من الباطل عند المعاينة في القيامة. وقيل: كلّ حزب من المشركين واليهود والنصارى بما عندهم من الدّين راضون، يرون أنّهم على الحقّ، ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ (٥٤)؛أي في ضلالتهم وجهالتهم وغفلتهم حتى يرون العذاب بالسّيف أو بالموت، يعني: كفار مكّة. قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ؛﴾ أي يظنّون أنّ إمدادنا إياهم بالمال والبنين مسارعة منا لهم في الخيرات لكرامتهم علينا ومنزلتهم عندنا، ﴿بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٥٦) أن ذلك استدراج لهم وإملاء إلى حين. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ (٥٧) أي حذرون من عذابه، والإشفاق هو الخوف، يقال: أنا مشفق من هذا الأمر؛ أي خائف، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥٨)؛أي يصدّقون بالقرآن أنه من عند الله، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ (٥٩)؛معه غيره، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما﴾

стр. 1856

﴿آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ؛﴾ أي والذين يتصدّقون بالأموال، ويعملون ما عملوا من الصّالحات، وقلوبهم فزعة خائفة أن لا يقبل منهم ذلك. قال مجاهد: (المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل) (١). وعن عائشة ﵂؛ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله ﴿(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)﴾،فقال: [لا يا ابنة الصّدّيق، الّذين يصومون ويتصدّقون ويخافون أن لا تقبل منهم، ويصلّون ويعرفون ألاّ تقبل منهم، ويتصدّقون ويعرفون ألاّ تقبل منهم] (٢).وقال الحسن: ﴿(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾؛أي يعملون ما عملوا من البرّ وهم يرون أنّ ذلك لا ينجيهم من عذاب الله) (٣)،قال الزجّاج: (وقلوبهم وجلة ﴿أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ (٦٠)؛أي لأنّهم يوقنون برجوعهم إلى الله. قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ؛﴾ أي أهل هذه الصّفة هم الذين يسارعون في الأعمال الصالحة، ﴿وَهُمْ لَها سابِقُونَ﴾ (٦١)؛أي إليها سابقون، يكون ﴿(لَها)﴾ بمعنى إليها، كقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ (٤) أي إليها. وقيل: معناه: وهم لها سابقون في الجنّة؛ أي من أجل مسارعتهم في الخيرات سابقون في الجنّة. وقوله تعالى: ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها؛﴾ أي إلاّ طاقتها من العمل، فمن لم يستطع أن يصلّي قائما فيصلّي قاعدا. وقوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ؛﴾ أي عند ملائكتنا المقرّبين كتاب يشهد لكم وعليكم، يريد به صحائف الأعمال، وقيل:

стр. 1857

يعني اللوح المحفوظ، فيه كلّ شيء مكتوب، سبق في علم الله، ﴿يَنْطِقُ بِالْحَقِّ؛﴾ أي يبيّن الصدق، ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٦٢)؛أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم، ولا يزاد على سيّئاتهم. قوله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ؛﴾ أي قلوب أهل مكّة في غفلة وجهالة، ﴿مِنْ هذا﴾ الذي تقدّم ذكره من أعمال البرّ. وقيل: في غفلة من القرآن، ﴿وَلَهُمْ أَعْمالٌ؛﴾ خبيثة لا يرضاها الله من المعاصي والخطايا، ﴿مِنْ دُونِ ذلِكَ؛﴾ أي من دون أعمال المؤمنين، ﴿هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ (٦٣)؛ويجوز أن يكون قوله ﴿(مِنْ هذا)﴾ إشارة إلى الكتاب الذي ينطق بالحقّ؛ أي قلوبهم في غفلة من ذلك الكتاب، وأعمالهم التي عملوها محصاة فيه، ولهم أعمال من دون ما هم عليه لا بدّ أن يعملوها، وهو ما سبق في علم الله أنّهم يعملونه. والغمرة: الغفلة التي تغطّي القلب وتغلب عليه. قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ (٦٤)؛ أي حتى إذا أخذنا أعيانهم ورؤساءهم بالقتل يوم بدر وبما يرون من العذاب وقت المعاينة، وقال الضحّاك: (بالجوع حين دعا عليهم النّبيّ ﷺ : [اللهمّ اشدد وطأتك على مضر، اللهمّ سنين كسنين يوسف] (١) فابتلاهم الله بالقحط حتّى أكلوا العظام والجيف والكلاب والأولاد والقذر) (٢).قوله تعالى: ﴿(إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ)﴾ أي يصيحون ويصرخون بالتوبة، وقيل: يجرعون ويستغيثون. وأصل الجؤار رفع الصّوت بالتّضرّع. قوله تعالى: ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ؛﴾ وعيدا بهم كالاستهزاء مثل قوله ﴿لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا﴾ (٣)،قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ (٦٥)؛أي لا

стр. 1858

تمنعون من عذابنا. قوله تعالى: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ؛﴾ أي تقرأ عليكم في الدّنيا، يعني القرآن، ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ (٦٦)؛أي تولّون مدبرين وتعرضون عن الإيمان به، قوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ؛﴾ أي متعظّمين ببيت الله الكعبة. وقيل: بحرم الله أنه لا يظهر عليكم أحد، فالكناية تعود إلى الحرم وهو كناية من غير مذكور، والمعنى: والمستكبرين في البيت الحرام لأمنهم فيه مع خوف سائر الناس في مواضعهم. قوله تعالى: ﴿سامِراً تَهْجُرُونَ﴾ (٦٧)؛أي سمّارا تهجرون القرآن والنبيّ ﷺ ، والهجر: هجر الحقّ بالإعراض عنه، وقد يقال: هجر المريض إذا هدأ في كلامه. والسّمر: الحديث باللّيل، كانوا يتحدّثون حول الكعبة في أوائل الليل بالطّعن في النبيّ ﷺ وفي الإسلام والمسلمين، وإنّما وحّد ﴿(سامِراً)﴾ لأنه في موضع المصدر. قال الحسن ومقاتل: (المعنى: يهجرون القرآن ويرفضونه فلا يلتفتون إليه، كما قال تعالى ﴿(قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ)﴾ الآية).ويجوز أن يكون معناه من الهجر؛ وهو الكلام القبيح، يقال: هجر هجرا؛ إذا قال غير الحقّ، وهو قول السديّ والكلبي وقتادة ومجاهد، وكانوا إذا دخلوا البيت سبّوا النبيّ ﷺ والقرآن (١).ويقال أيضا في هذا المعنى: أهجر هجرا؛ إذا أفحش في منطقه، ومنه قراءة نافع: «(تهجرون)» أي يفحشون في الكلام، ويقولون الخنا، وذلك أنّهم كانوا يسبّون النبيّ ﷺ (٢)،والهجر هو الفحش من الكلام، يقال في المثل: (من كثر هجره وجب هجره). قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ؛﴾ أي أفلم يدّبّروا القرآن في حسن لفظه ونظمه، وكثرة فوائده ومعانيه، مع سلامته من التناقض والاختلاف، فتعلّموا أنه من عند الله، ويقال: معناه: أفلم يدّبّروا القرآن فيعرفوا ما فيه من العبر والدّلالات على صدق النبيّ ﷺ .

стр. 1859

قوله تعالى: ﴿أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٦٨)؛معناه: أم جاءهم أمر بديع لم يأت آباءهم؛ أي ألم يعلموا أن الرّسل قد أرسلوا إلى من قبلهم؟ والمعنى: أجاءهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين فأنكروه وأعرضوا عنه. ويحتمل أن يكون معناه: بل جاءهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين فأنكروه وتركوا التدبر له (١).لأن ﴿(أَمْ)﴾ بمعنى: (بل). قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ؛﴾ بالصّدق والأمانة قبل إظهار الدّعوة؟ ﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (٦٩).قال ابن عبّاس: (كانوا يعرفون محمّدا ﷺ صغيرا وكبيرا صادق اللّسان وفيّ العهد) وفي هذا توبيخ لهم بالإعراض عنه بعد ما عرفوا صدقه وأمانته. قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ؛﴾ أي قالوا: إنّ محمّدا مجنون ليصدّوا الوجوه ويصرفوها عنه، وقد كذبوا في ذلك، فإن المجنون يهذي ويقول ما لا يفعل، ﴿بَلْ جاءَهُمْ؛﴾ النبيّ ﷺ ﴿بِالْحَقِّ؛﴾ أي بالقرآن الذي لا تخفى صحّته وحسنه على أحد، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ (٧٠). قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ،﴾ قال مقاتل والسدي: (الحقّ هو الله) والمعنى: لو جعل مع نفسه شريكا كما تحبّون، ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ؛﴾ كقوله ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ (٢).وقيل: معناه: لو وضع الحقّ على أهوائهم لهلك أهل السّماوات والأرض؛ لأنّ الحقّ يدعو إلى المحاسن، والهوى يدعو إلى القبائح، ولو جعل الهوى متبوعا لبقيت الأمور على الظّلم والجهالات، فتخلط الأمور أقبح الاختلاط، ولم يوثق بالوعد والوعيد، فأدّى ذلك إلى الفساد؛ لأن الهوى هو ميل النفس إلى المشتهى من غير داعي الهوى.

стр. 1860

قوله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ؛﴾ أي أعطيناهم القرآن الذي فيه عزّهم وشرفهم، وأمروا بالعمل بما فيه، ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ؛﴾ القرآن، ﴿مُعْرِضُونَ﴾ (٧١)؛وهو نظير قوله ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ (١) وقوله ﴿كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ (٢) والمعنى: تولّوا عمّا جاءهم به من شرف الدّنيا والآخرة. قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ؛﴾ معناه: أم تسألهم على تبليغ الرّسالة الجعل فيتثاقلون لذلك، قوله تعالى: ﴿(فَخَراجُ رَبِّكَ)﴾ أي ما وعد الله لك من الأجر والثواب في الآخرة، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ (٧٢)؛أي أفضل المعطين. وأصل الخرج والخراج: الضريبة والعلّة، كخراج الأرض. وقال النضر بن شميل: (سألت أبا عمرو بن العلاء عن الفرق بين الخرج والخراج، فقال: الخراج ما لزمك ووجب عليك أداؤه، والخرج ما تبرّعت به من غير وجوب) (٣)، قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٧٣)؛أي إلى طريق قائم يرضاه الله وهو الإسلام. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ (٧٤) معناه: وإنّ الذين لا يصدّقون بالقيامة عن دين الحقّ لناكبون؛ أي مائلون عادلون، ومنه النّكباء. وقيل: معناه: إنّهم في الآخرة عن صراط جهنّم يسقطون يمنة ويسرة. قوله تعالى: ﴿*وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٧٥)؛أي ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من الشدّة التي أصابت أهل مكّة من الجوع والقحط الذي أخذهم سبع سنين للجّوا في طغيانهم؛ أي لتمادوا في ضلالتهم يتحيّرون ويتردّدون. وقيل: ولو رحمناهم في الآخرة فرددناهم إلى الدّنيا لعادوا إلى الكفر كما كانوا. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ (٤).
следующие страницы →