← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

رضي الله عنها، فمن جوّز صدق أولئك في أمر عائشة صار كافرا بالله لا محالة؛ لأنه ردّ شهادة الله لها بالبراءة. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٤)؛معناه: لولا منّة الله وإنعامه عليكم في الدّنيا والآخرة بتأخير العذاب عنكم، وقبول التوبة لمن تاب لمسّكم فيما خضتم فيه من الإفك عذاب عظيم هائل في الدنيا والآخرة لا انقطاع له. قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ؛﴾ قال الكلبيّ: (وذلك أنّ الرّجل منهم كان يلقى الرّجل فيقول: بلغني كذا وكذا، ويتلقّونه تلقّيا)،قال الزجّاج: (يلقيه بعضكم إلى بعض) (١)، ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ؛﴾ ولا بيان ولا حجّة، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً؛﴾ أي تظنّون أن ذلك القذف سهل لا إثم فيه ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ (١٥)؛في الوزر والعقوبة. قرأ أبيّ: «(إذ تتلقّونه)» بتاءين، وقرأت عائشة «(إذ تلقونه)» بكسر اللام وتخفيف القاف من الولق، والولق الكذب، يقال: ولق فلان إذا استمرّ على الكذب، وولق فلان السّرّ إذا استمرّ به (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا؛﴾ معناه: هلاّ قلتم حين سمعتم ذلك: لا يحلّ لنا أن نتكلّم بهذا. قوله تعالى: ﴿سُبْحانَكَ؛﴾ أي تنزيها لله تعالى أن تكون امرأة نبيّه زانية، قوله تعالى: ﴿هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ (١٦)؛أي كذب، يقال: بهته يبهته بهتا وبهتانا؛ إذا أخبره بالكذب عليه. وقوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً؛﴾ أي ينهاكم الله ويخوّفكم ويحرّم عليكم أن تعودوا لمثل هذا القذف، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٧)؛لأن قذف المحصنات لا يكون من صفات المؤمنين، وقوله تعالى ﴿(لِمِثْلِهِ)﴾ أي إلى مثله. قوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ؛﴾ أي الأمر والنهي، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ؛﴾ بمقالة الكاذبين في أمر عائشة، ﴿حَكِيمٌ﴾ (١٨)؛في ما شرّع من الأحكام.

стр. 1892

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ فيه بيان على أن العزم على الفسق فسق، وأنّ على الإنسان أن يحبّ للناس ما يحبّ لنفسه، وأن يكون في قلبه سلامة للمؤمنين، كما يكون مأمورا بكفّ اللسان والجوارح. ومعنى الآية: إن الذين يحبّون أن يفشو ويظهر الزّنا في الذين آمنوا بأن ينسبوه إليهم ويقذفوهم به، ﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا؛﴾ يعني الجلد، ﴿وَالْآخِرَةِ؛﴾ يعني عذاب النار، يريد بذلك المنافقين، ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ؛﴾ ما خضتم فيه من الإفك، وما فيه من سخط الله، ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (١٩)؛ ذلك، فحذر رسول الله ﷺ جميع قاذفي عائشة. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٠) محذوف الجواب تقديره: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته) لعجّل لكم العذاب وعاقبكم في ما قلتم في أمر عائشة ومحبّتكم إشاعة الفاحشة فيها، ﴿(وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ)﴾ فلم يعاقبكم في ذلك. قال ابن عبّاس: (يريد مسطح وحسّان وحمنة). قوله تعالى: ﴿*يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ؛﴾ أي لا تسلكوا طرق الشّيطان، ولا تعملوا بتزيينه ووسوسته في قذف عائشة، ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ؛﴾ أي يأمر بعصيان الله وكلّ ما يكره الله مما لا يعرف في شريعة ولا سنّة. وقيل: الفحشاء: القبيح من القول والعمل، والمنكر: الفساد الذي ينكر العقل صحّته ويزجر عنه. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً؛﴾ أي ما صلح منكم من أحد أبدا. وقيل: معناه: ما طهر منكم أحد يذنب ولا صلح أمره بعد الذي قال في عائشة ما قال، ولا قبل توبة أحد منكم، ﴿وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ؛﴾ أي يطهّر من يشاء من الإثم بالرحمة والمغفرة، فيوفّقه للتوبة، ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ؛﴾ أي سميع لمقالتكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ (٢١)؛بما في نفوسكم من النّدامة والتوبة. وقيل: معناه: سميع لمقالة الخائضين في أمر عائشة وصفوان، عليم ببراءتهما. قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ؛﴾ أي لا يحلف ذوو الغنى والسّعة منكم أن يعطوا

стр. 1893

ذوي القربى والمساكين والمهاجرين من مكّة إلى المدينة. نزل ذلك في أبي بكر ﵁ حين بلغه مقالة مسطح وأصحابه في خوضهم في أمر عائشة، حلف بالله لا ينفق عليه. قيل: إنّه دعاه وقال له: (أغدوك يا مسطح بمالي وتؤذيني في ولدي؟ والله لا أنفق عليك).وكان مسطح ابن خالة أبي بكر ﵁، وكان مسطح من المهاجرين البدريّين. فلمّا نزلت هذه الآية تلاها رسول الله ﷺ على أبي بكر ﵁ فقال: (بلى؛ أحبّ أن يغفر الله لي، أطيع ربي وأرغم أنفي وأردّ النّفقة عليه) (١). وقوله تعالى ﴿(أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى)﴾ معناه: أن لا يؤتوا فحذف (لا).قال ابن عباس: (قال الله لأبي بكر ﵁: قد جعلت فيك يا أبا بكر الفضل والمعرفة بالله وصلة الرّحم، وجعلت عندك السّعة فأنفق على مسطح، فله قرابة وله هجرة وله مسكنة).وقوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٢)؛قال مقاتل: (قال النّبيّ ﷺ لأبي بكر: [أما تحبّ أن يغفر الله لك؟] قال: بلى، قال: [فاعف واصفح] قال: قد عفوت وصفحت، لا أمنعه معروفي بعد اليوم أبدا، وقد جعلت له مثل ما كان قبل اليوم) (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ؛﴾ معناه: إن الذين يقذفون العفائف الغافلات عمّا قذفن به كغفلة عائشة عن ما قيل فيها، ﴿الْمُؤْمِناتِ،﴾ بالله ورسوله، ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ؛﴾ أي عذّبوا في الدّنيا بالحدّ، وفي الآخرة بعذاب النار. وسمّيت عائشة غافلة؛ لأنّها قذفت بأمر لم يخطر ببالها، فأصاب كلّ واحد من قاذفيها ذاهبة في الدّنيا. أمّا ابن أبيّ فقد مات كافرا ونهى النبيّ ﷺ عن الصّلاة عليه، وأما حسّان فقد دخل على عائشة ﵂ بعد ما ذهب بصره في آخر عمره، وأنشدها في بيتها: حصان رزان ما تزنّ بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

стр. 1894

قالت: إنّك لست كذلك، فلمّا خرج من عندها، قيل لعائشة: إنّ الله وعدهم بعذاب في الدّنيا والآخرة؟ فقالت: أوليس هذا عذاب؟ يعني ذهاب بصره. واختلف المفسّرون في هذه الآية ﴿(لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ)﴾ ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢٣)؛فقال مقاتل: (هذه الآية خاصّة في عبد الله بن أبيّ المنافق ورميه عائشة) (١)،وقال ابن جبير: (هذا الحكم خاصّة فيمن قذف عائشة، فمن قذفها فهو من أهل هذه الآية) (٢)،وقال الضحّاك والكلبيّ: (هذا في عائشة وفي جميع أزواج النّبيّ ﷺ خاصّة دون سائر المؤمنين) (٣)،قال ابن عبّاس: (هذه الآية في شأن أمّهات المؤمنين خاصّة ليس فيها توبة، وأمّا من قذف امرأة مؤمنة من غيرهنّ، فقد جعل الله له توبة).ثمّ قرأ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا،﴾ قال: (فجعل الله لهؤلاء توبة، ولم يجعل لأولئك) (٤). وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [من أشاع على رجل كلمة فاحشة وهو منها بريء يريد أن يسبّه بها في الدّنيا، كان حقّا على الله أن يدسّه بها في النّار. وأيّما رجل جاء في شفاعة حدّ من حدود الله تعالى فعليه لعنة الله إلى يوم القيامة] (٥). قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ؛﴾ قال الكلبيّ: (تشهد عليهم يوم القيامة ألسنتهم بما تكلّموا به من الفرية في قذف عائشة) ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢٤)،قال ابن عبّاس: (تنطق بما عملت في الدّنيا)،وهذه عامّة في القاذفين وغيرهم. قرأ حمزة والكسائيّ: «(يوم يشهد)» بالياء لتقدّم الفعل.

стр. 1895

قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ؛﴾ أي يوفّيهنّ جزاءهم الواجب على قدر أعمالهم، ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ (٢٥)؛أي ويعلمون يومئذ أنّ الله تعالى هو الحقّ المبين، يقضي بحقّ ويأخذ بحقّ ويعطي بحقّ. قال ابن عباس: (وذلك أنّ عبد الله بن أبيّ بن سلول كان يشكّ في الدّين، ويعلم يوم القيامة أنّ الله هو الحقّ المبين).قرأ مجاهد: «(يومئذ يوفّيهم الله دينهم الحقّ)» برفع القاف على أنه نعتا لله، وتصديقه قراءة أبيّ «(يومئذ يوفّيهم الله الحقّ دينهم)» (١).وقوله تعالى ﴿(الْمُبِينُ)﴾ أي يبيّن لهم حقيقة ما كان بعدهم في الدّنيا. قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ؛﴾ معناه: الكلمات الخبيثات للخبيثين من الرّجال؛ أي لا يتكلم بالكلمات الخبيثات إلاّ الخبيث من الرجال والنساء. وقيل: معناه: إن الخبيث من القول لا يليق إلاّ بالخبيث من الناس، وكلّ كلام إنّما يحسن في أهله، فيضاف سيّء القول إلى من يليق به ذلك، وكذلك الطيّب من القول، وعائشة لا يليق بها الخبيثات؛ لأنّها طيّبة فيضاف إليها طيّبات الكلام من الثّناء الحسن وما يليق بها. وقال بعضهم: معنى الآية: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرّجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء للمشاكلة التي بينهما، والطيّبات من النساء للطيّبين من الرجال، والطيّبون من الرجال للطيّبات من النساء. وفي هذا تبرئة عائشة ﵂؛ لأنّ النبيّ ﷺ كان من أطيب الطيّبين، فلا يكون له إلاّ امرأة طيّبة.

стр. 1896

قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمّا يَقُولُونَ؛﴾ يعني أن الطيّبين والطيبات مبرّءون مما يقول الخبيثون، والمبرّأ هو المنفيّ عن صفة الخبث، والمراد به عائشة وصفوان، فذكرهما بلفظ الجماعة كما في قوله تعالى ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ (١) والمراد أخوان. وقوله تعالى ﴿(مُبَرَّؤُنَ)﴾ أي منزّهون. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢٦)؛أي لهم مغفرة لذنوبهم وثواب حسن بإلحاقهم في الجنّة من الأذيّة. وعن عائشة ﵂ قالت: (لقد أعطيت تسعا لم يعطهنّ امرأة: نزل جبريل بصورتي في راحته حين أمر النّبيّ ﷺ أن يتزوّجني، ولقد تزوّجني بكرا وما تزوّج بكرا غيري، ولقد قبض ورأسه في حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفّت الملائكة بيتي، ولقد كان الوحي إذا نزل عليه تفرّقن عنه، وكان ينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإنّي لابنة خليفته وصديقه، ولقد نزل عذري من السّماء، ولقد خلقت طيّبة لعبد طيّب، ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما) (٢). قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها؛﴾ في الآية أمر بالتّحفّظ عن الهجوم عن ما لا يؤمن من العورات، وإلى هذا أشار النبيّ ﷺ حيث قال للرّجل الذي قال له: أستأذن على أخواتي (٣)؟ قال: [إن لم تستأذن رأيت منها ما تكره] (٤) أي ربّما تدخل عليها وهي منكشفة فترى ما تكره. ومعنى قوله تعالى ﴿(حَتّى تَسْتَأْنِسُوا)﴾ أي حتى تستأذنوا، والاستئناس هو الاستعلام ليعلم من في الدار، وذلك يكون بقرع الباب والتّنحنح وخفق النّعل.

стр. 1897

وكان أبيّ بن كعب وابن عباس والأعمش يقرءونها «(حتّى تستأذنوا وتسلّموا على أهلها)».وقيل: إن في الآية تقديم وتأخير؛ تقديره: حتى تسلّموا على أهلها وتستأذنوا، وهو أن يقول: السّلام عليكم؛ أدخل؟. وروي أنّ أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: ألج؟ فقال ﷺ لخادمة يقال لها روضة: [قومي إلى هذا فعلّميه، فإنّه لا يحسن يستأذن، قولي له: تقول: السّلام عليكم؛ أدخل؟] (١). وعن زينب امرأة ابن مسعود قالت: (كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق؛ كراهة أن يهجم علينا ويرى أمرا يكرهه) (٢).وعن أبي أيّوب (٣) قال: (يتكلّم الرّجل بالتّكبيرة والتّسبيحة والتّحميدة، ويتنحنح يؤذن أهل البيت) (٤). ويروى أنّ أبا موسى الأشعريّ ﵁ أتى إلى منزل عمر ﵁ فقال: السّلام عليكم؛ هذا عبد الله بن قيس؛ هل أدخل؟ فلم يؤذن له، ثمّ قال: السّلام عليكم؛ هذا أبو موسى. فلم يؤذن له، فذهب فوجّه عمر بعده من يردّه، فسأله عمّا منعه (٥) فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلاّ فارجع].فقال عمر ﵁: لتأتينّي بالبيّنة وإلاّ عاقبتك! فانطلق أبو موسى وأتى بأبيّ بن كعب وأبي سعيد الخدريّ فشهدا بذلك، وقال له: إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك؛ فلا تكوننّ عذابا على أصحاب محمّد ﷺ . فقال عمر: وما فعلت؟! إنّما أنا سمعت بشيء فأحببت أن أتثبّت (٦).

стр. 1898

وروي أنّ رجلا قال للنّبيّ ﷺ : أأستأذن على أمّي؟ قال: [نعم] قال: ليس لها خادم غيري، فأستأذن عليها كلّما دخلت؟ قال: [أتحبّ أن تراها وهي عريانة؟] قال: لا، قال: [فاستأذن] (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من اطّلع في بيت قوم بغير إذنهم؛ حلّ لهم أن يفقئوا عينه] (٢).وعن رسول الله ﷺ أنّه رأى رجلا اطّلع في حجرته وبيد النّبيّ ﷺ مدرا يحكّ به رأسه، فقال: [لو علمت أنّك تريد أن تنظر إلى عورة لفقأت بهذا عينك، إنّما جعل الاستئذان من أجل النّظر] (٣). قوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٢٧)؛أي ذلك الاستئذان خير لكم من الدخول بغير إذن لكي تذكرون منه، قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها؛﴾ معناه: فإن لم تجدوا في البيوت أحدا من سكّانها فلا تدخلوها، ﴿حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ؛﴾ وكذلك لو وجدوا البيوت خالية لم يجز دخولها أيضا إلاّ بإذن صاحبها. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ؛﴾ أي إذا أمرتم بالانصراف فانصرفوا وتقوّسوا على باب البيت فلعلّ صاحب البيت لا يرضى أن يقع بصر المستأذن على أحد من حرمه، وكذلك لو لم يقل لكم صاحب الدار

стр. 1899

ارجعوا، ولكن وجد منه ما يدلّ على ذلك وجب الرجوع، لقوله ﷺ : [الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلاّ فارجع] (١).وروي [الاستئذان ثلاث: مرّة يستمعون، ومرّة يستصلحون، ومرّة يأذنون].وقوله تعالى ﴿(هُوَ أَزْكى لَكُمْ)﴾ أي الرجوع أطهر وأنفع لدينكم من الجلوس على أبواب الناس، ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٢٨)؛ أي بما تعملون من الدّخول بإذن وغير إذن عالم. فلما نزلت آية الاستئذان؛ قالوا: فكيف بالبيوت التي بين مكّة والمدينة والشّام على ظهر الطّريق ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ؛﴾ بغير استئذان. وقيل: أراد بذلك المواضع التي لا يختصّ سكانها أحدا دون آخر مثل الخانات والرّباطات التي تتّخذ للمسافرين يتظلّلون فيها من الحرّ والبرد، ويدخل في هذا أخذ ما جرت العادة بأخذه مثل النواة والخرق الملقاة في الطريق، ويجوز أن يكون المراد بالبيوت في هذه الآية بيت التّجّار التي في الأسواق. قوله تعالى: ﴿فِيها مَتاعٌ لَكُمْ؛﴾ أي منافع من اتّقاء الحرّ والبرد والاستمتاع بها. قال مجاهد: (كانوا يصنعون في طرق المدينة أقتابا (٢) وأمتعة في البيوت ليس فيها أحد، وكانت الطّرق إذ ذاك آمنة، فأحلّ لهم أن يدخلوها بغير إذن) (٣).وقال عطاء: (معناه بالمتاع هو قضاء الحاجة من الخلاء والبول) (٤).قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ﴾ (٢٩)؛أي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ؛﴾ أي قل لهم يغضّوا من أبصارهم عن النظر إلى ما لا يحلّ لهم. واختلفوا في قوله تعالى ﴿(مِنْ أَبْصارِهِمْ)﴾

стр. 1900

فقال بعضهم: هي صلة يغضّوا أبصارهم. وقال بعضهم: هي ثابتة في الحكم؛ لأن المؤمنين غير مأمورين بغضّ البصر أصلا وإنّما أمروا بالغضّ عمّا لا يحلّ. قوله تعالى: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ؛﴾ يعني عن الحرام، قال ﷺ : [اضمنوا لي شيئا من أنفسكم أضمن لكم الجنّة: اصدقوا إذا حدّثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضّوا أبصاركم، وكفّوا أيديكم] (١). وقال ﷺ : [النّظر إلى محاسن المرأة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن ردّ بصره ابتغاء ثواب الله أبدله الله بذلك ما يسرّه] (٢).وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ؛﴾ أي أطهر وأصلح عند الله، ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ (٣٠)؛ في الفروج والأبصار. قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ؛﴾ أي قل لهنّ يكففن أبصارهن عن ما لا يجوز، ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ،﴾ عن الحرام. وقيل: (يحفظن فروجهنّ) أي يستترن حتى لا يرى فروجهن أحد. قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها؛﴾ أي لا يبدين مواضع زينتهنّ إلاّ ما ظهر من موضع الزّينة. والزّينة زينتان: ظاهرة وباطنة، فالباطنة: المخانق والمعاضد والقلادة والخلخال والسّوار والقرط والمعاصم. وأما الزينة الظاهرة: الكحل والخاتم والخضاب، فليس على المرأة بحكم إلاّ هذا (٣) به ستر وجهها وكفّيها في الصلاة.

стр. 1901

وفي غير الصلاة يجوز للأجانب من الرّجال النظر إلى وجهها لغير الشّهوة. فأما النظر مع الشهوة فلا يجوز إلاّ في أربعة مواضع: إذا أراد أن يتزوّج امرأة، أو يشتري جارية، أو يتحمّل الشهادة لها أو عليها، أو القاضي يقضي لها أو عليها. وعن ابن مسعود: (أنّ الزّينة الظّاهرة: هي الجلباب والملاءة) (١) يعني الثّياب لقوله ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ (٢) أي ثيابكم. وعن عائشة ﵂ أنّها قالت: قال رسول الله ﷺ : [لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت (٣) أن تظهر إلاّ وجهها ويديها وإلى هاهنا وقبض على نصف الذّراع] (٤). قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ؛﴾ الخمر: جمع خمار؛ وهو ما تغطّي به المرأة رأسها، والمعنى: وليلقين مقانعهنّ على جيوبهنّ وصدورهن ليسترن بذلك شعورهن ومروطهن وأعناقهن ونحورهن، كما قال ابن عباس: (تغطّي المرأة شعرها وصدرها وترابها وسوالفها) لأن المرأة اذا أسدلت خمارها انكشف ما قدّامها وما خلفها فوقع الاطلاع عليها. والجيوب: جمع جيب وهو جيب القميص. قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ؛﴾ أراد به موضع الزينة الباطنة التي لا يجوز كشفها في الصّلاة، والمعنى: لا يظهرن موضع الزينة التي تكون تحت خمرهنّ إلاّ لأزواجهنّ، ﴿أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ أي أزواجهنّ، ﴿أَوْ إِخْوانِهِنَّ؛﴾ في النّسب أو الرّضاع، ﴿أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ؛﴾ وكلّ ذي رحم محرم منهنّ، ﴿أَوْ نِسائِهِنَّ؛﴾ يعني نساء أهل دينهنّ وهنّ المسلمات، ولا يحلّ لمسلمة أن تنكشف بين يدي يهوديّة أو نصرانية أو مجوسية أو مشركة. وقيل: المراد بذلك العفائف من النساء اللائى يكن اشكالا لهن.

стр. 1902

ولا ينبغي للمرأة الصالحة أن تنظر إلى المرأة الفاجرة؛ لأنّها تصفها عند الرجل، ولا تضع جلبابها ولا خمارها عندها، ولا يحلّ لامرأة مؤمنة أن تنكشف أيضا عند مشركة أو كتابية إلاّ أن تكون أمة لها، فذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ؛﴾ وروي أنّ عمر ﵁ كتب إلى أبي عبيدة: (أمّا بعد: فقد بلغني أنّ نساءكم يدخلن الحمّامات معهنّ نساء أهل الكتاب، فامنع من ذلك).فلمّا أتى الكتاب إلى أبي عبيدة قام في ذلك المكان مبتهلا وقال: (اللهمّ أيّما امرأة تدخل الحمّام من غير علّة ولا سقم تريد البياض لوجهها، فسوّد وجهها يوم تبيضّ الوجوه) (١). قوله تعالى: ﴿(أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ)﴾ ذهب بعضهم إلى أن المراد به العبد، فإنه لا بأس أن تظهر المرأة عند عبدها ما تظهر عند محارمها. وكان سعيد بن المسيّب يقول: (لا يغرّنّكم قوله: ﴿(أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ)﴾ فإنّها نزلت في الإماء دون العبيد)،وعن مجاهد مثل ذلك، كأنّهما ذهبا إلى أن المراد بقوله: ﴿(أَوْ نِسائِهِنَّ)﴾ الحرائر، والمراد بقوله ﴿(أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ)﴾ الإماء والولائد والصّغار من الذّكور المماليك. قوله تعالى: ﴿أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ؛﴾ يعني الذين يتبعون النساء من الأجر العمّال الذين لا حاجة لهم في النّكاح، وإنّما يخدمون القوم لينالوا من طعامهم، والإربة فعلة من الإرب وهو الحاجة، كالمشية من المشي. قال البعض: (هم قوم طبعوا على غير شهوة، لا يشتهون ولا يعرفون ما يشتهى من النّساء ولا يشتهيهم النّساء) يعني: لا يشتهون ولا يشتهون. وقال سعيد بن جبير: (المعتوهون)،وقال عكرمة: (هو المجنون)،وقال الحكم بن أبان: (هم المخانيث الّذين لا إرب لهم في النّساء، ولا تقوم لهم شهوة) (٢).

стр. 1903

وعن عائشة ﵂: أنّ مخنّثا كان يدخل عليهنّ، وكانوا يعدّونه من غير أولي الإربة، فسمعه النّبيّ ﷺ وهو يقول في صفة امرأة: أنّها إذا أقبلت؛ أقبلت بأربع، وإذا أدبرت؛ أدبرت بثمان، فقال ﷺ : [أو هذا المخنّث يعرف هذا الكلام؟! لا أراه يدخل عليكنّ] (١).وقال مجاهد وعكرمة والشعبيّ: (هم الّذين لا إرب لهم في النّساء) (٢)،وقال قتادة: (هو الّذي يتبعك لأجل أن يصيب من طعامك، ولا همّة له في النّساء) (٣).وقال مقاتل: (هو الشّيخ الهرم الّذي لا يستطيع غشيان النّساء ولا يشتهيهنّ) (٤). وأما الخصيان فهم على وجهين: إن كان خصيّا قد جفّ ماؤه، فهو من غير أولي الإربة، وإن كان لم يجفّ، فهو من أولي الإربة، كما روي عن عائشة أنّها قالت: (إنّ الخصياء مثله؛ وإنّها لم تحلّ ما حرّم الله).قوله تعالى: ﴿(غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ)،﴾ قرأ ابن كثير والفرّاء بخفض ﴿(غَيْرِ)﴾ على الصفة، وقرأ ابن عامر وعاصم بنصب «(غير)» على الاستثناء، ويكون «(غير)» بمعنى إلاّ، وقيل: على الحال. قوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ؛﴾ يعني الصغير الذي لا رغبة له في النساء، ولم يبلغ مبلغا يطيق إتيانهن، وقد يذكر الطّفل بمعنى الجماعة، والمراد به هاهنا: والجماعة من الأطفال. وأما الصبيّ الذي ظهرت له رغبة في النساء، فحكمه حكم البالغ، لقوله ﷺ في الصّبيان: [مروهم بالصّلاة إذا بلغوا سبعا، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا، وفرّقوا بينهم في المضاجع] (٥).

стр. 1904

قوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ؛﴾ قال الحسن: (كانت المرأة تمرّ على المجلس وعليها الخلخال، فتضرب إحدى رجليها بالأخرى ليعلم القوم أنّ عليها الخلخال، فنهين عن ذلك لأنّ ذلك ممّا يحرّك الشّهوة؛ لأنّ سماع صوت الزّينة بمنزلة إبدائه).وفي هذا دليل أن صوت المرأة عورة؛ لأن صوت خلخالها أقلّ من صوتها. وأما سوى مواضع الزينة فلا يحلّ النظر إليه إلاّ للزّوج خاصّة. قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ؛﴾ أي وتوبوا إلى الله جميعا عمّا كنتم في الجاهليّة تعملون من الخصال المذمومة، واعملوا بطاعة الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣١)؛وقوله تعالى: ﴿(أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ)﴾ قرأ ابن عامر بضمّ (الهاء) ومنه (يا أيّه السّاحر) و (أيّه الثّقلان)،وينبغي أن لا يؤخذ بقراءته. قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ؛﴾ أي تزوّجوهم، والأيم اسم المرأة التي لا زوج لها، والرجل الذي لا امرأة له، يقال: رجل أيم وامرأة أيم، كما يقال: رجل بكر وامرأة بكر، وقال الشاعر: فإن تنكحي أنكح وإن تتأيّمي أكن ... مدى الدّهر ما لم تنكحي أتأيّم ويقال (١):الأيم في النّساء كالعزب في الرّجال، وجمع الأيم الأيامى. قوله تعالى: ﴿وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ؛﴾ أي وزوّجوا عبيدكم وإمائكم، وهذا أمر ترغيب واستحباب. وفائدة ذكر الصالحين: أن المقصود من النكاح العفاف، والصالح هو الذي يتعفّف. وقيل: الصلاح هاهنا الإيمان، ثم رجع إلى الأحرار فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ؛﴾ فيه حثّ على النكاح؛ لئلا يمتنعوا منه بسبب الفقر، فإن الله هو الغنيّ والمغني، إن يكونوا فقراء لا سعة لهم في التزويج (يغنيهم الله من فضله) أي يوسّع عليهم عند التزوّج.

стр. 1905

واختلفوا في الآية قوله تعالى: ﴿(وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ)﴾ الآية؛ فقال بعضهم: هذا الأمر على الحتم والإيجاب، أوجب الله النكاح على من استطاعه، وتأوّله الباقون على أنه أمر استحباب وندب، وهو المشهور الذي عليه الجمهور. وقيل: يجب على المرأة والرجل أن يتزوّجا إذا تاقت أنفسهما إليه؛ لأن الله تعالى أمر به ورضيه وندب إليه، وبلغنا أنّ النبيّ ﷺ قال: [تناكحوا؛ فإنّي أباهي بكم الأمم حتّى السّقط] (١).وقال ﷺ : [من أحبّ فطرتي فليستنّ بسنّتي] (٢) وهو النكاح؛ لأنه ينتفع بدعاء ولده بعده، ومن لم تتق نفسه إليه فأحبّ إلينا أن يتخلّى لعبادة الله. وعن أبي نجيح السلميّ؛ قال: قال رسول الله ﷺ : [من كان له ما يتزوّج به ولم يتزوّج فليس منّا] (٣)،وقال ﷺ : [من أدرك ولدا وعنده ما يزوّجه فلم يزوّجه فأحدث إثما فالإثم بينهما]،وقال ﷺ : [إذا تزوّج أحدكم عجّ الشّيطان] (٤) تأويله: غنم ابن آدم مني ثلثي دينه. وقال ﷺ : [مسكين مسكين رجل ليست له زوجة، مسكينة مسكينة امرأة ليس لها زوج] قالوا: يا رسول الله! وإن كانت غنيّة من المال؟ قال: [وإن كانت غنيّة من المال] (٥) وقال: [شراركم عزّابكم] (٦).

стр. 1906

وقال ﷺ : [أربعة يلعنهم الله من فوق عرشه: رجل يخصي نفسه عن النّساء فلا يتزوّج وهو قادر على ذلك، ولا يتسرّى خشية أن يولد له، ورجل تشبّه بالنّساء، وامرأة تشبّهت بالرّجال، ورجل يتهزّأ بالمساكين يقول لهم: تعالوا حتّى أعطيكم، فإذا جاءوا قال لهم: ليس معي شيء، ويقول للأعمى: احذر الحجر قبلك، واحذر الدّابّة، وليس قبله شيء] (١). وروي أن رجلا يقال له عكّاف بن وادعة الهلاليّ، جاء إلى رسول الله ﷺ ؛ فقال له: [يا عكّاف؛ ألك زوجة؟] قال: لا، قال: [ولا جارية؟] قال: لا، قال: [وأنت صحيح موسر؟] قال: نعم، قال: [تزوّج فإنّك من إخوان الشّياطين، اصنع ما يصنع المؤمنون، فإنّ من سنّتنا النّكاح، شراركم أعزابكم، وما للشّيطان سلاح أبلغ من النّساء، ويحك يا عكّاف! إنّهنّ صواحبات يوسف وصواحبات داود وصواحبات كرسف].قالوا: يا رسول الله؛ ومن كرسف؟ قال: [رجل كان يعبد الله على ساحل من سواحل البحر ثلاثين عاما، يصوم النّهار ويقوم اللّيل لا يفتر، فقدّر عليه أن كفر والعياذ بالله من سبب امرأة عشقها، وترك ما كان عليه من عبادة ربه، وتداركه الله بعد ذلك ما سلف منه. ويحك يا عكّاف! تزوّج فإنّك من المذبذبين] قال: زوّجني من شئت يا رسول الله، فزوّجه على امرأة يقال لها كريمة بنت كلثوم الحميريّ (٢).

стр. 1907

وعن عياض بن غنم الأشعريّ؛ قال: قال لي رسول الله ﷺ : [يا عياض؛ لا تزوّجنّ عجوزا ولا عاقرا؛ فإنّي مكاثر بكم الأمم يوم القيامة] (١)،وقال رسول الله ﷺ : [تزوّجوا الأبكار؛ فإنّهنّ أعذب أفواها؛ وأنتق أرحاما؛ وأثبت مودّة؛ وأرضى باليسير، وإذا أراد أحدكم أن يتزوّج المرأة فليسأل عن شعرها كما يسأل عن وجهها، فإنّ الشّعر أحد الجمالين] (٢). وقال ﷺ : [تزوّجوا الزّرق فإنّ فيهنّ يمنا] (٣) أي سعادة. وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : [أعظم نساء أمّتي بركة أصبحهنّ وجها وأقلّهنّ مهرا] (٤)،وقال ﷺ : [أعلنوا بالنّكاح واضربوا عليه بالدّفوف، وليولم أحدكم ولو بشاة] (٥). وعن معاذ بن جبل قال: حضرت ملاك رجل من الأنصار مع رسول الله ﷺ ، فخطب النّبيّ ﷺ وأملك الأنصاريّ، ثمّ قال له: [على الألفة والخير والطّير الميمون] فجاء بسلال فيها فاكهة وسكّر فلم ينتهبوه، فقال رسول الله ﷺ : [ألا تنتهبون؟] قالوا: يا رسول الله! إنّك نهيتنا عن النّهبة يوم كذا وكذا، فقال: [إنّما نهيتكم عن نهبة العساكر ولم أنهكم عن نهبة الولائم] ثمّ قال: [ألا فانتهبوا] (٦).

стр. 1908

وقال ﷺ : [مسّوا بالإملاك؛ فإنّه أفضل في اليمين وأعظم في البركة] (١). وعن عائشة ﵂؛ قالت: (كان عندي جارية من الأنصار في حجري فزوّجتها، فدخل النّبيّ ﷺ فلم يسمع غناء، فقال: [يا عائشة؛ ألا تغنّون لها، فإنّ هذا الحيّ من الأنصار يحبّون الغناء] (٢). قوله تعالى: ﴿(إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ)،﴾ قال ﷺ : [التمسوا الرّزق بالنّكاح] (٣).وشكا رجل إلى رسول الله ﷺ الفقر، فقال: [عليك بالباءة] (٤). وقال عمر ﵁: (ابتغوا الغنى في النّكاح، فالله تعالى يقول: ﴿(إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ)﴾ (٥) ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣٢)؛أي واسع بخلقه عليم بهم.

стр. 1909

قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ؛﴾ أي ليطلب الذين لا يجدون نكاحا العفّة عن الزنا والحرام، والمعنى: من لم يجد سعة للنكاح من مهر ونفقة، ولا يجد شيئا يشتري به أمة فليستعفف عن الزّنا حتى يجد ما يكفيه، كذلك وفي هذا بيان أنه لا عذر لأحد في السّفاح. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ؛﴾ معناه الذين يطلبون المكاتبة من عبيدكم وإمائكم، ﴿فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً؛﴾ رشدا وصلاحا وصدقا ووفاء وأمانة وقدرة على المكسب، وهذا أمر استحباب في العبد الذي يقدر على الاكتساب وترغيب في الكتابة. فأما الذي لا يقدر على الكسب ولا يرغب في الكتابة، فلا يكون في كتابته إلاّ قطع حقّ المولى عنه من غير نفع يرجع إليه. ومعنى الكتابة: أن يكاتب مملوكه على مال سلّمه إليه نجوما فيعتق بأدائه، وإن كانت الكتابة حالّة جازت عند أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي لا يجوّز إلاّ منجّما، وأقلّه نجمان فصاعدا. قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ؛﴾ اختلفوا في معنى ذلك، فروي عن عليّ ﵁ أنه قال: (يحطّ عن المكاتب ربع مال الكتابة) (١).وعن ابن عباس: (يحطّ عنه شيء)،وعن عبد الله بن يزيد الأنصاريّ أنه قال: (هذا خطاب للأئمّة أن يسلّموا إلى المكاتبين ما فرض الله لهم في قوله تعالى ﴿(وَفِي الرِّقابِ﴾ (٢)) وهذا أقرب إلى ظاهر الآية، لأن الإتيان في اللغة هو الإعطاء دون الحطّ. قوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبيّ سلول، كانت له جوار حسان: مسكة

стр. 1910

وأميمة ومقارة، كان يكرههنّ على الزّنا ليكتسبن له بالفجور، وكذلك كان أهل الجاهليّة يفعلون، فأتت الجواري إلى رسول الله ﷺ يشكون إليه ذلك، فأنزل الله هذه الآية). قال مقاتل: (نزلت في ستّ جوار لعبد الله بن أبيّ سلول: معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وقتيلة وأروى، فجاءته إحداهنّ ذات يوم بدينار، وجاءت أخرى ببردة، فقال لهما: ارجعا فازنيا، وكان يؤجّرهنّ على الزّنا. فلمّا جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة: إنّ هذا الأمر الّذي نحن فيه قد آن لنا أن ندعه، فقال لهما عبد الله بن أبي سلول: امضيا فازنيا. فقالتا: والله ما نفعل ذلك قد جاء الله بالإسلام وحرّم الزّنا. ثمّ مضيا إلى رسول الله ﷺ وشكيا عليه، فأنزل الله هذه الآية) (١).ومعناها: ولا تكرهوا إماءكم على البغاء؛ أي على الزّنا، ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ من كسبهنّ وبيع أولادهن. قوله تعالى: ﴿(إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً)﴾ يعني إذا أردن تحصّنا، خرج الكلام على وجه الحال لا على وجه الشّرط، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ (٢)،ويجوز أن يكون معناه: أن الكلام قد تمّ عند قوله ﴿(عَلَى الْبِغاءِ)﴾ ثم ابتدأ بالشّرط فقال: ﴿(إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً)﴾ وجوابه محذوف؛ تقديره: إن أردن تحصينا فقد أصبن، ومثله قوله ﷺ لعائشة: [أدفئيني] قالت: إنّي حائض، فقال ﷺ : [وإن لم يردّ عليه] وأراد بذلك إن كنت حائضا فلا بأس بذلك (٣).

стр. 1911

وقوله: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ؛﴾ أي من يجبرهنّ على الزّنا، ولم تقدر المكرهة على الدفع عن نفسها بوجه من الوجوه لم تأثم، وإن صبرت عن الامتناع حتى قتلت كان أعظم لأجرها، وإن قتلت دفعا عن نفسها كان لها ذلك. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣٣)؛أي غفور لمن تاب منهنّ ومات على التوبة، غفور لمن تاب عن إكراههنّ على الزنا، رحيم بهم. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ؛﴾ أي أنزلنا إليكم القرآن آيات ظاهرات واضحات لتعملوا بها. وقيل: يعني بذلك ما ذكر في هذه السّورة من الحلال والحرام. وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ؛﴾ أي وأنزل فيها مثلا؛ أي خبرا من خبر الذين مضوا من قبلكم لتعتبروا، ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣٤)؛عن الشّرك والفواحش. قوله تعالى: ﴿*اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي الله هادي أهل السّماوات وأهل الأرض بالآيات المبيّنات، لا هادي فيهما غيره، فبنوره الخلق يهتدون، وبهداه من الضّلالة ينجون، فلا يهتدي ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلاّ بهداه. وقال الضحّاك: (معناه الله منوّر السّماوات والأرض)،وقال مجاهد: (معناه: الله مدبر الأمور في السّماوات والأرض) (١)،وقال الحسن وأبو العالية: (الله مزيّن السّماوات والأرض)،يعني مزيّن السّماوات بالشمس والقمر والنّجوم، ومزيّن الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ؛﴾ قال ابن عبّاس: (مثل نوره الّذي أعطاه المؤمنين) (٢)،وقال السديّ: (مثل نوره الّذي في قلب المؤمن)،وكان أبيّ يقرأ «(مثل نور المؤمنين)».وقيل: كان يقرأ «(مثل نور من آمن به)» (٣).

стр. 1912

قوله تعالى: ﴿كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ؛﴾ المشكاة في لغة الحبشة: كوّة غير نافذة، والمصباح: هو السّراج في القنديل من الزّجاج الصّافية. وقيل: المشكاة: عمود القنديل الذي فيه الفتيلة. وقال مجاهد: (هي القنديل) (١)،قال الزجّاج: (النّور في الزّجاج، وضوء النّار أبين منه في كلّ شيء، وضوؤه يزيد في الزّجاج ويتضاعف حتّى يظهر منه ما يقابله مثله) (٢). قوله تعالى: ﴿(فِيها مِصْباحٌ)﴾ أي سراج، وأصله من الضّوء، ومن ذلك الصّبح، ورجل صبيح الوجه إذا كان وضيئا، وفرّق قوم بين المصباح والسّراج؛ فقالوا: المصباح دون السّراج، والسراج أعظم من المصباح؛ لأن الله تعالى سمّى الشمس سراجا، وقال في غيرها من الكواكب ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ (٣). ثم وصف الله الزجاجة التي فيها المصباح؛ فقال: ﴿الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ؛﴾ شبّه القنديل الذي يكون فيه السّراج بالكوكب الدّرّيّ؛ وهو النجم المضيء، ودراري النّجوم كبارها، وقوله (درّيّ) نسبة إلى أنه كالدّرّ في صفائه وحسنه، كأنّ الكواكب درّة بيضاء. قرأ أبو عمرو والكسائيّ: «(درّئّ)» بكسر الدال مهموز ممدود؛ وهو فعّيل من الدّرء بمعنى الدّفع، يقال: درء يدرأ إذا دفع، فكأنه تلألؤ يدفع أبصار الناظرين إليه. ويقال: كأنه رجم به الشياطين فدرأهم؛ أي دفعهم بسرعة في الانقضاض، وذلك أضوأ ما يكون. وقرأ حمزة وأبو بكر: مضمومة الدال مهموز ممدود، قال أكثر النّحاة: هو لحن؛ لأنه ليس في كلام العرب، فقيل بضمّ الفاء وكسر العين، وأنكره الفرّاء والزجّاج وأبو العباس، وقال: (هذا غلط؛ لأنّه ليس في كلام العرب شيء على هذا

стр. 1913

الوزن) (١).وقرأ الباقون بضمّ الدال وتشديد الياء من غير همز، فنسبوه إلى الدّرّ في صفائه وبهائه. قوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ؛﴾ فيه أربع قراءات، قرأ نافع وابن عامر: بياء مضمومة يعنون المصباح، وقرأ حمزة والكسائي وخلف: بتاء مضمومة يعنون الزّجاجة، وقرأ أبو عمرو: «(توقّد)» بالتاء وفتحها وفتح الواو مشدّدة بمعنى الماضي، وقرأ ابن محيصن: بتاء مفتوحة وتشديد القاف مثل قراءة أبي عمرو إلاّ أنه رفع الدال بمعنى الفعل المستقبل بمعنى: تتوقّد الزجاجة (٢). قوله تعالى: ﴿(مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ)﴾ أي من زيت شجرة مباركة، فحذف المضاف؛ وأراد بالشّجرة المباركة شجرة الزّيتون، بورك لأهلها فيها، وليس في الشّجر شيء يورق غصنه من أوّله إلى آخره مثل الزّيتون والرّمان. قوله تعالى: ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ؛﴾ أي ليست تشرق عليها الشمس فقط من دون أن تغرب عليها، ولا غربيّة تغرب عليها فقط من دون أن تشرق عليها، بل هي شرقية غربية تأخذ حظّها من الأمرين جميعا، لا يظلّها جبل ولا شجر ولا كهف، نحو أن تكون على تلّ من الأرض تقع عليها الشمس في جميع النّهار، وإذا كانت على هذه الصّفة كان أنضر لها وأجود لزيتها وأتمّ لنبلتها وأنضج لثمرها. وقال الحسن: (أراد بهذا شجرة في الجنّة؛ لأنّ أشجار الأرض لا تخلو إمّا أن تكون شرقيّة أو غربيّة) (٣). وسمّيت شجرة الزّيتون مباركة؛ لأنّها كثيرة البركة والمنافع؛ لأن الزيت يسرج به وهو إدام ودهان، ويوقد بحطبها ويدبغ بها ويغسل برمادها الإبريسم. وعن النبيّ ﷺ أنه قال: [ائتدموا بالزّيت وادهنوا به، فإنّه يخرج من شجرة مباركة] (٤).

стр. 1914

قوله تعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ؛﴾ أي يكاد زيت هذه الشّجرة ودهنها يتلألأ أو يشرق من وراء العصر من صفائه وإن لم تصبه نار؛ أي وإن لم يوقد بها، فكيف إذا استصبح بها. قال المفسّرون: هذا مثل للمؤمنين، فالمشكاة والمصباح هو الإيمان والقرآن، والزجاجة صدر المؤمن. ومعنى قوله تعالى ﴿(يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ)﴾ أي يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى وقبل أن يأتيه العلم، فإذا جاء العلم ازداد هدى على هدى. وقيل: المشكاة نفسه، والزجاجة صدره، والمصباح القرآن والإيمان في قلبه توقد من شجرة مباركة وهو الإخلاص. قوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ؛﴾ يريد به نور السّراج ونور الزّجاج ونور الدهن ونور الكوكب، فكما أن الزيت والزجاج والكوكب والسراج نور على نور في مشكاة لا يتفرّق بشعاع السّراج فيها، فكذلك الإيمان في قلب المؤمن من نور على نور، فإن المعرفة نور وعلمه نور، إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا قال صدق، وإذا حكم عدل، فهو يتقلّب في الأنوار، ومصيره يوم القيامة إلى النور، كما قال تعالى ﴿يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ (١). وقيل: هذا مثل ضربه الله لنبيّه محمّد ﷺ : المشكاة صدره، والزجاجة قلبه، والمصباح فيه النبوّة، توقد من شجرة مباركة وهي شجرة النبوّة، يكاد نور محمّد ﷺ يضيء؛ أي يبين للناس ولو لم يتكلّم به، كما يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم تمسسه نار. وقال ابن عمر في هذه الآية: (المشكاة: جوف محمّد ﷺ ، والزّجاجة: قلبه، والمصباح: النّور الّذي جعله الله فيه، (توقد من شجرة مباركة) يعني بالشّجرة إبراهيم الخليل ﵇، ﴿(لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ)﴾ أي لا يهوديّ ولا نصرانيّ (٢)، ﴿(نُورٌ عَلى﴾

стр. 1915

﴿نُورُ)﴾ يعني النّور الّذي جعل في إبراهيم، والنّور الّذي جعل في محمّد ﵇ (١). وقال محمّد بن كعب: (المشكاة إبراهيم، والزّجاجة إسماعيل، والمصباح محمّد ﷺ . سمّاه (٢) مصباحا كما سمّاه سراجا، فقال ﴿وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً﴾ (٣). وقوله تعالى ﴿(يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ)﴾ يعني إبراهيم، سمّاه مباركا؛ لأنّ أكثر الأنبياء كانوا من صلبه، ﴿(لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ)﴾ يعني أنّ إبراهيم ﵇ لم يكن يهوديّا ولا نصرانيّا ولكن كان حنيفا مسلما. وإنّما قال كذلك لأنّ النّصارى يصلّون قبل المشرق، واليهود قبل المغرب، قوله ﴿(يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ)﴾ يعني تكاد محاسن محمّد ﷺ تظهر للنّاس قبل أن يوحى إليه، قوله تعالى: ﴿(نُورٌ عَلى نُورٍ)﴾ أي نور نبيّ من نسل نبيّ) (٤). وقال الضحّاك: (يعني بالمشكاة عبد المطّلب شبّهه بها، ويعني بالزّجاجة عبد الله، وبالمصباح النّبيّ ﷺ ، كان في صلبهما فورث النّبوّة من الشّجرة المباركة وهي إبراهيم، توقد من شجرة مباركة، لا شرقيّة ولا غربيّة، بل هي مكّة في وسط الدّنيا) (٥).

стр. 1916

ووصف بعض الفصحاء هذه الشجرة فقال: (هي شجرة الرّضوان وشجرة الهدى والإيمان، أصلها نبوّة؛ وفرعها مروءة؛ وأغصانها تنزيل؛ وورقها تأويل، وخدمها ميكال وجبريل). وقيل: إنّما شبّه الله قلب المؤمن بالزّجاجة؛ لأنّها في الزجاجة يرى من خارجها، فكذلك ما في القلوب تبين على الظاهر في الأقوال والأعمال، فكما أن الزجاجة تنكسر بأدنى شيء، فكذلك القلب يفسد بأدنى آفة تحلّه. وقوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ؛﴾ أي يوفّق الله للإسلام، ويدلّ بأدلته من يشاء ليعرفوا بذلك أمر دينهم. قوله تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ؛﴾ أي يضرب الله الأشباه في القرآن تقريبا للشيء الذي أراده إلى الأفهام، وتسهيلا لسبيل الإدراك على الأنام، كما شبّه المعرفة في قلب المؤمن بالمصباح في الزجاجة. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣٥)؛أي عليم بكلّ شيء من مصالح العباد. قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ؛﴾ يعني ذلك المصباح في بيوت، قيل: معناه: توقد في بيوت وهي المساجد، أذن الله في رفعها؛ أي رفع بنائها كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ (١)،ويستدلّ من هذه الآية أن لا يؤذن في رفع شيء من الأبنية فوق الحاجة غير المساجد التي يصلّي فيها المؤمنون، ويستضيء بنور قناديلها العابدون. وقال الحسن: (معنى قوله ﴿(أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ)﴾ أي تعظّم وتصان عن الأنجاس واللّغو من الأقوال والأفعال وعن التّكلّم بالخنا). قوله تعالى: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ؛﴾ وفي الحديث عن النبيّ ﷺ : [جنّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم؛ وبيعكم وشراءكم؛ وسلّ سيوفكم وإقامة حدودكم؛ وجمّروها في الجمع، واجعلوا على أبوابها المطاهر] (٢).قال ابن عبّاس:

стр. 1917

(المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تضيء لأهل السّماء كما تضيء النّجوم لأهل الأرض).قوله تعالى: ﴿(وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)﴾ أي ويذكر في المساجد اسم الله تعالى وتوحيده. وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها؛﴾ أي يصلّي لله تعالى في تلك البيوت الصلاة المفروضة، ﴿بِالْغُدُوِّ؛﴾ أي صلاة الغداة، وقوله تعالى: ﴿وَالْآصالِ﴾ (٣٦)، يعني العشيّات، والأصيل ما بين العصر إلى الليل، وسميت الصلاة تسبيحا لاختصاصها بالتسبيح. وقرأ ابن عامر: «(يسبّح)» بفتح الباء على ما لم يسمّ فاعله. ثم فسّر من يصلي فقال: ﴿رِجالٌ؛﴾ كأنه قال: من يسبّح؟ فقيل: رجال ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ؛﴾ أي لا تشغلهم تجارة، ولا بيع عن طاعة الله، وعن إقامة الصّلاة في البيوت، وعن إعطاء الزكاة. قال الفرّاء: (التّجارة لأهل الجلب، والبيع ما باعه الرّجل على يديه) (١) وخصّ قوم التّجارة هنا بالشّراء لذكر المبيع بعدها. والمعنى: لا يمنعهم ذلك عن حضور المساجد لإقامة الصلاة وإتمامها، وإذا حضر وقت الزكاة لم يحبسوها عن وقتها. قوله تعالى: ﴿يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ﴾ (٣٧)؛ أي يفعلون ذلك خوفا من يوم ترجف فيه القلوب، وتدور حدق العيون حالا بعد حال من الفزع والخوف رجاء أن ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا؛﴾ في دار الدّنيا، ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ؛﴾ بغير استحقاق، ﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٣٨)؛أي بغير حصر ولا نهاية. قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً؛﴾ معناه: أن أعمال الكفّار قد أحبطوا بكفرهم، كسراب بأرض مستوية ملساء، يظنّه العطشان ماء يرجو به النجاة، حتى إذا جاء السراب ليشرب لم يجده ماء، بل رأى أرضا بيضاء لا ماء فيها فيئس وتحيّر، كذلك الكافر في عمله ييأس في الآخرة عن عمله الذي كان يعتقده يبرئ، يتقطّع عنه طمعه عند شدّة

стр. 1918

حاجته إليه، ثم يجد عند ذلك من العقاب كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ؛﴾ أي عند عمله، يعني: قدم على الله، ﴿فَوَفّاهُ حِسابَهُ؛﴾ أي جازاه بعمله. والسّراب: هو الشعاع الذي يتراءى للعين وقت الهاجرة في الفلوات، يرى من بعيد كأنه ماء وليس بماء. والبقيعة: جمع بقاع، والقيعة جمع قاع، نحو جار وجيرة، وهو ما انبسط من الأرض وفيه يكون السّراب. وقيل: معناه: أنّ الكافر يحسب أن عمله يغني عنه وينفعه، فإذا أتاه الموت واحتاج إلى عمله لم يجده شيئا؛ أي لا منفعة فيه ووجد الله عنده بالمرصاد عند ذلك فوفّاه جزاء عمله، ﴿وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (٣٩)؛أي سريع حسابه كلمح البصر أو أقلّ؛ لأنه تعالى لا يتكلم بآلة حتى يشغله سمع عن سمع. وسئل عليّ ﵁: كيف يحاسبهم في حالة واحدة؟ فقال: (كما رزقكم في حالة واحدة). قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ؛﴾ هذا تخير في المثل، والمعنى: أن مثل أعمال الكفار أيضا في الدّنيا، ومثل قلوبهم في حياتهم الدّنيا كمثل ظلمات في بحر لجّيّ؛ أي عميق كثير الماء يعلوه موج ومن فوق ذلك الموج الأعلى سحاب. وهذا حدّ الكلام، ثم ابتدأ فقال: ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ،﴾ أراد به ظلمة البحر وظلمة الموج الأدنى وظلمة الموج الأعلى وظلمة السّحاب وظلمة الليل. قال المفسّرون: أراد بالظّلمات أعمال الكفار، وبالبحر اللّجّيّ قلب الكافر، وبالموج ما يغشى عليه من الجهل والشكّ والحيرة، وبالسّحاب الدّين والختم والطبع على قلبه. قال أبيّ بن كعب في هذه الآية: (الكافر يتقلّب في خمس من الظّلم: فكلامه ظلمة؛ وعمله ظلمة؛ ومدخله ومخرجه ظلمة؛ وقلبه ظلمة؛ ومصيره يوم القيامة إلى ظلمة، كما قال تعالى: ﴿اِرْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ (١)) (٢).

стр. 1919

وقوله تعالى: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها؛﴾ أي إذا أخرج يده من هذه الظّلمات لم يرها ولم يقارب أن يراها من شدّة الظلمات، فكذلك الكافر لا يبصر الحقّ والهدى. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٤٠)؛ أي من لم يهده الله فما له من إيمان، ومن لم يجعل الله له نورا في الدّنيا، فما له من نور. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [إنّ الله تعالى خلقني من نوره، وخلق أبا بكر من نوري، وخلق عمر وعائشة من نور أبي بكر، وخلق المؤمنين من أمّتي من نور عمر، وخلق المؤمنات من أمّتي من نور عائشة. فمن لم يحبّني ويحبّ أبا بكر وعمر وعائشة؛ فما له من نور فينزل عليه، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور] (١). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ؛﴾ معناه: ألم تعلم؛ ﴿أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ؛﴾ أي ينزّهه؛ ﴿مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من العقلاء وغيرهم، وكنّى عن الجميع بكلمة ﴿(مَنْ)﴾ تغليبا للعقلاء على غيرهم. وقيل: أراد بالآية العقلاء، وهذا عموم أراد به الخصوص في أهل الأرض وهم المؤمنون. قوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ؛﴾ أي ويسبح له الطير باسطات أجنحتها في الهواء، والبسط في اللغة: الصّفّ (٢)،والصّفّ في اللغة هو البسط، ويسمّى القديد صفيفا لأنه يبسط. وخصّ الطير بالذّكر من جملة الحيوان؛ لأنّها تكون بين السّماء والأرض، وهي خارجة عن جملة من في السّماوات والأرض. قوله تعالى: ﴿كُلٌّ؛﴾ أي كلّ من هؤلاء، ﴿قَدْ عَلِمَ؛﴾ الله؛ ﴿صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾. قال المفسّرون: الصلاة لبني آدم، والتسبيح عامّ لما سواهم من الخلق. وفيه وجوه من التأويل:

стр. 1920

أحدها: كلّ مصلّ ومسبح قد علم الله تعالى صلاته وتسبيحه، والثاني: أن معناه: كلّ مصلّ ومسبح قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه، والثالث: قد علم كلّ منهم تسبيح الله وصلاته، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٤١)؛من الطاعة وغيرها. وقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي له تقديرهما وتدبيرهما وتصريف أحوالهما، ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ (٤٢). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً؛﴾ أي ينشؤه ويسوقه سوقا دفيقا قطعا قطعا، ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ؛﴾ أي يجمع بين قطع السّحاب المتفرقة، والسّحاب جمع واحده سحابة، والتّأليف ضمّ بعض إلى بعض حتى يجعله قطعة واحدة. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً؛﴾ أي متراكما بعضه فوق بعض، ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ؛﴾ أي ترى المطر يخرج من وسطه وأثنائه، والخلال جمع الخلل مثل الجبال والجبل. قال الليث: (الودق المطر كلّه، شديده وهيّنه، وخلال السّحاب مخارج القطر منه).قرأ ابن عبّاس والضحاك: «(من خلله)» (١). قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ؛﴾ أي من جبل في السّماء، وتلك الجبال من برد. قال ابن عبّاس: (أخبر الله أنّ في السّماء جبالا من برد) (٢) ومفعول الإنزال محذوف، تقديره: وينزّل الله من جبال برد فيها، واستغنى عن ذكر المفعول للدلالة عليه، ومن الأولى لابتداء الغاية، لأن ابتداء الإنزال من السّماء، والثانية للتبعيض؛ لأن ما ينزله الله بعض تلك الجبال التي في السّماء، والثالثة لتبيين الجنس؛ لأن جنس تلك الجبال البرد، كما تقول: خاتم من حديد. وكان عمر ﵁ يقول: (جبال السّماء أكثر من جبال الأرض)، ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ؛﴾ أي فيصيب بالبرد من يشاء فيهلكه ويهلك زرعه، ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ؛﴾ فلا يضرّه في زرعه وثمره.

стр. 1921

قوله تعالى: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ﴾ (٤٣)؛أي يكاد ضوء برق السّحاب يذهب بالأبصار من شدّة ضوئه وبريقه ولمعانه؛ لأن من نظر إلى البرق خيف عليه ذهاب البصر. قرأ أبو جعفر: «(يذهب بالأبصار)» بضمّ الياء وكسر الهاء. قوله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ؛﴾ أي يقلّبها في الذهاب والمجيء والزيادة والنّقصان، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ (٤٤)؛أي إنّ في ذلك التقلّب، وفيما ذكر عبرة لذوي العقول من الناس، يقال: فلان صاحب بصر؛ أي صاحب عقل. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ؛﴾ من النّطفة، من ماء الذكر والأنثى، والخلق من الماء أعجب؛ لأنه ليس شيء إلاّ وهو أشدّ طوعا من الماء؛ لأنّ الماء لا يمكن إمساكه بيده ولا أن يبني عليه ولا أن يتخذ منه شيء. والمعنى: والله خلق كلّ حيوان شاهد في الدّنيا، ولا تدخل الجنّ والملائكة في هذا لأنّا لا نشاهدهم. وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ؛﴾ كالحيّات والهوام والحيتان، وإنّما قال فمنهم ﴿(مِنْ)﴾ تغليبا للعقلاء، ولو كان لما لا يعقل لقال: فمنهم من يمشي على بطنه، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ؛﴾ كالإنسان والطّير، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ؛﴾ كالبهائم والسّباع. والدّابّة اسم لكلّ حيوان من مميّز أو غيره. قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤٥)؛ ظاهر المعنى، قرأ الكوفيّون غير عاصم «(والله خالق)» على الاسم. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ؛﴾ يعني القرآن هو مبيّن الهدى والأحكام، ﴿وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤٦)؛أي يرشد من يشاء إلى دين الإسلام الذي هو دين الله وطريق رضاه وجنّته. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا؛﴾ يعني المنافقين يقولون صدّقنا بتوحيد الله وبالرّسول محمّد ﷺ وأطعناهما فيما حكما، ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ؛﴾ أي ثم تعرض طائفة منهم، ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ؛﴾ أي من

стр. 1922

بعد قولهم آمنّا، ﴿وَما أُولئِكَ؛﴾ الذين أعرضوا عن حكم الله ورسوله، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٧). قوله تعالى: ﴿وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ؛﴾ معناه: إذا دعوا إلى كتاب الله ورسوله ليحكم بينهم الرسول فيما اختلفوا فيه، ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٤٨)؛عما يدعون إليه، نزلت هذه الآيات في بشر المنافق وخصمه اليهوديّ حين اختصما في أرض، فجعل اليهوديّ يجذبه إلى رسول الله ﷺ ليحكم بينهما، وجعل المنافق يجذبه إلى كعب بن الأشرف، يقول: إنّ محمّدا يحيف عليه، فذلك قوله تعالى: ﴿(وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ)﴾ (١) عن الكتاب والسّنة. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ (٤٩)؛معناه: وإن يكن لهم القضاء على غيرهم يأتون إلى النبيّ ﷺ مسرعين مطيعين منقادين لحكمه. والإذعان: الإقرار بالحقّ مع الانقياد له. قال الزجّاج: (الإذعان: الإسراع مع الطّاعة) (٢). قوله تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٥٠)؛لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه التوبيخ، وذلك أشدّ ما يكون في الذمّ كما جاء في المبالغة في المدح: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح (٣) يعني أنتم كذلك. قوله: ﴿إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا؛﴾ انتصب ﴿(قَوْلَ)﴾ على خبر كان، واسمها ﴿(أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا)﴾.

стр. 1923

وذلك أن عليّا ﵁ باع من عثمان ﵁ أرضا بالمدينة لا ينالها الماء، فجاء قوم عثمان فندّموا عثمان على ما صنع وقالوا له: لا تذهب في خصومتك مع عليّ إلى رسول الله ﷺ فإنّه يحكم له! فلم يقبل منهم عثمان، وتحاكما إلى رسول الله ﷺ ، فقضى لعليّ ﵁، فأبى قوم عثمان أن يرضوا بقضائه، فقال عثمان ﵁: ﴿(سَمِعْنا وَأَطَعْنا)﴾ أي سمعنا قولك يا رسول الله وأطعنا أمرك ورضينا بحكمك وقضائك، وإن كان ذلك فيما يكرهونه ويضرّ بهم. وقوله تعالى: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥١)؛يعني الرّاضين بقضاء الله ورسوله. فلما نزلت هذه الآية أقبل عثمان إلى رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله؛ والله لئن شئت لأخرجنّ من أرضي كلّها الّتي أملكها وأدفعها إليه) (١) فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ؛﴾ معناه: ومن يطع الله ورسوله فيما ساءه وسرّه ويخش الله فيما مضى من ذنوبه ويتّق الله فيما بعد فلم يعص الله، ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ (٥٢)،برضى الله وحسناته. وقوله: ﴿*وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ؛﴾ أي حلفوا بالله وبالغوا في القسم، ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ،﴾ من مالهم كلّه لفعلوا، ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿لا تُقْسِمُوا؛﴾ أي لا تحلفوا، وتمّ الكلام هاهنا. ثمّ قال: ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ؛﴾ أي هذا القول منكم يعني القسم طاعة حسنة. وقال بعضهم: هذه الآية نزلت في المنافقين؛ كانوا يحلفون لئن أمرهم النبيّ ﷺ بالخروج إلى الجهاد ليخرجنّ، ولم يكن في نيّتهم الخروج (٢)،فقيل لهم: لا تقسموا طاعة معروفة مثل من قسمكم بما لا تصدّقون، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (٥٣)؛يعني عليم بما تعملون من طاعتكم بالقول «و» مخالفتكم بالفعل (٣).

стр. 1924

وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ؛﴾ ظاهر المعنى، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ؛﴾ أي فإن أعرضوا عن طاعة الله وطاعة رسوله فإنّما على الرسول ما حمّل من التبليغ وأداء الرسالة، وعليكم ما حمّلتم من الطاعة، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٥٤)؛أي ليس عليه إلاّ أن يبلّغ ويبيّن لكم. قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ نزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله ﷺ ؛ أقاموا بمكّة مدّة قبل الهجرة لا يمكنهم إظهار الإسلام، ولا أذن لهم في القتال، وكذلك بعد ما هاجروا إلى المدينة وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلاّ مع السّلاح ولا يصبحون إلاّ فيه. فجاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله؛ أهكذا جالدتّنا أبدا؟ فأنزل الله هذه الآية ﴿(وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ)﴾ (١) أي ليبوّأنّهم أرض المشركين من العرب والعجم كما استخلف بني اسرائيل بأرض مصر والشّام بعد إهلاك الجبابرة بأن أورثهم أرضهم وديارهم وجعلهم سكّانا وملوكا. وقوله تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ؛﴾ أي وليوسّع لهم البلاد حتى يملكوها ويظهر دينهم على جميع الأديان، ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً؛﴾ وقوله تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً؛﴾ يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال؛ أي لأفعلنّ ذلك في حال عبادتهم.

стр. 1925

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٥٥). وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٥٦)؛ ظاهر المراد. قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي ولا تحسبنّ كفار مكة يا محمّد فائتين من عذاب الله أو يفوتنا هربا، فقدرة الله تعالى محيطة بهم، ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٥٧). قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛﴾ أي ليستأذنكم في الدّخول عليكم عبيدكم وإمائكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم أي من أحراركم من الرّجال والنساء، والمعنى: ليستأذنكم عبيدكم وإمائكم والذين لم يبلغوا الحلم من صغير أولادكم من الأحرار في الدّخول عليكم في ثلاث أوقات من الليل والنهار يكون الغالب فيها كشف العورات. ثمّ بيّن الأوقات الثلاث فقال: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ؛﴾ أي وقت القيام من المضاجع والتّهيّؤ للصّلاة بالطهارة، ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ؛﴾ وهو وقت القيلولة، ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ؛﴾ أراد به العشاء الأخيرة، وهذه الأوقات الثلاثة: ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ؛﴾ لأنّ الإنسان يضع ثيابه فيها في العادة. من قرأ ﴿(ثَلاثَ)﴾ بالرفع، فمعناه: هذه الأوقات الثلاثة ثلاث عورات لكم. ومن قرأ «(ثلاث)» بالنصب جعله بدلا من قوله ﴿(ثَلاثَ مَرّاتٍ)﴾.قال السديّ: (كان أناس من الصّحابة يعجبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه السّاعات الثّلاث ليغتسلوا ثمّ يخرجوا إلى الصّلاة، فأمرهم الله أن يأمروا الغلمان والمماليك أن يستأذنوا في هذه الثّلاث ساعات إذا دخلوا). قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ؛﴾ أي لا جناح عليكم ولا عليهم في أن لا يستأذنوا في غير هذه الأوقات.

стр. 1926

قوله تعالى: ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ؛﴾ أي طوّافون عليكم يدخلون ويخرجون ويذهبون ويجيئون ويتردّدون في أحوالهم واشتغالهم بغير إذن، يريد أنّهم خدمكم، شئ فلا بأس أن يدخلوا في غير هذه الأوقات بغير إذن. قال مقاتل: (معناه: يطوف بعضهم وهم المماليك على بعض وهم الموالي) (١). قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ؛﴾ أي هكذا يبيّن الله لكم الدّلالات والأحكام في أمر الاستئذان، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ؛﴾ بمصالح العباد، ﴿حَكِيمٌ﴾ (٥٨)؛فيما حكم من استئذان الخدم في هذه الأوقات الثلاثة. قوله تعالى: ﴿وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا؛﴾ معناه: إذا بلغ الأطفال من أحراركم وعبيدكم فليستأذنوا في جميع الأوقات وفي عموم الأحوال، ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ المذكورين من قبلهم على ما بيّن الله في كتابه، يعني بقوله؛ الأحرار الكبار الذين أمروا بالاستئذان على كلّ حال في قوله ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها﴾ فليس للعبد البالغ أن يدخل منزل مولاه ولا للولد البالغ أن يدخل على أمّه وعلى ذات محارمه في كلّ وقت إلاّ بإذن ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٥٩). قوله تعالى: ﴿وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ؛﴾ معناه: والقواعد من النّساء اللاتي قعدن عن الحيض من الكبر وهنّ العجائز اللاتي لا يردن النكاح لكبرهنّ، فليس عليهنّ حرج في، ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ؛﴾ يعني الجلباب والرّداء والقناع الذي فوق الخمار لأجل الثياب. قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ،﴾ التّبرّج: أن تظهر المرأة محاسنها من وجهها وجسدها، والمعنى من غير أن يردن بوضع الجلباب أن يرى زينتهن. قال مقاتل: (ليس لها أن تضع الجلباب، تريد بذلك أن تظهر قلائدها وقرطها وما عليها من الزّينة) (٢).

стр. 1927

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ؛﴾ معناه: وأن يستعففن فلا يضعن الجلباب في الملاءة والقناع فهو خير لهنّ من أن يضعن، ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ؛﴾ مقالة العباد، ﴿عَلِيمٌ﴾ (٦٠)؛بأعمالهم. يقال: امرأة عداد أقعدت عن الحيض، فإذا قال: قاعدة بالهاء أراد به جالسة، والجمع فيهما جميعا قواعد. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ؛﴾ وذلك أنّ المسلمين كانوا إذا غزوا خلّفوا أزمانهم وكانوا يدفعون إليهم المفاتيح ويقولون لهم قد أبحنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرّجون من ذلك ويقولون: لا ندخلها وهم في غيب امتثالا لقوله تعالى ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾ (١) فنزلت هذه الآية رخصة لهم. ومعناها: نفي الحرج عن الزّمنى في أكلهم من بيوت أقاربهم أو بيوت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج للغزو وخلفه بحفظ ماله؛ لأنّهم كانوا يتحرّجون أن يأكلوا مما يحفظونه، فأعلمهم الله تعالى أنه لا جناح عليهم في ذلك (٢). وذهب الحسن إلى أن معنى الآية: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج في ترك الخروج إلى الجهاد). قوله تعالى: ﴿وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ؛﴾ أي لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم، أراد بهذا بيوت أبنائكم ونسلهم، وإنّما أضاف بيوت الأبناء إليهم لأنّهم من أنفسهم، كما قال ﷺ : [أنت ومالك لأبيك] (٣)،ولهذا قابله ببيوت الآباء، فقال: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ؛﴾ ولم يقل بيوت أبنائكم، فعلم أن المراد بقوله: ﴿(وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ)﴾ أي بيوت أبنائكم وأزواجكم، وبيت المرأة كبيت الزّوج.

стр. 1928

قوله تعالى: ﴿أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ؛﴾ أخرج الكلام على وفق العادة؛ لأن الغالب من أحوال هؤلاء أن تطيب أنفسهم بذلك، فجاز الأكل من بيوتهم بغير إذن لدلالة الحال. فأمّا إذا علم أن صاحب البيت لا تطيب نفسه بذلك، لا يحلّ له أن يتناول شيئا من ذلك، ﴿أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ؛﴾ يعني بيوت عبيدكم وإمائكم، وذلك أن السيّد يملك بيت عبده، أو المفاتح معناها الخزائن، كقوله تعالى ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ﴾ (١) أي خزائن الغيب. ومعناه: المفاتيح التي يفتح بها الخزائن، يعني بذلك الوكلاء والأمناء والعبيد الذين يملكون أمر الخزائن وتكون مفاتحها بأيديهم، فليس عليهم في الأكل جناح إذا كان أكلا يسيرا مثل أن يأكل من ثمر حائط يكون قيّما عليه أو يشرب من لبن ماشية يكون قيّما عليها. وقال السديّ: (الرّجل يولّي طعامه غيره يقوم عليه، فلا بأس أن يأكل منه) (٢). قوله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ؛﴾ يعني صديقا يسرّه أن يأكل من طعامه، وإنّما أطلقه على عادة الصحابة ﵃ كما روي في سبب نزول هذا: أنّ مالك بن يزيد والحارث بن عمرو كانا صديقين، فخرج الحارث غازيا وخلّف مالكا في أهله وخزائنه، فلمّا رجع من الغزو رأى مالكا مجهودا، قال: ما أصابك؟ قال: لم يكن عندي شيء، ولم يحلّ لي أن آكل من مالك، فنزل قوله تعالى ﴿(أَوْ صَدِيقِكُمْ)﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً﴾ سبب نزول هذه الآية: أن بني كنانة-وهم حيّ من العرب-كان الواحد منهم يجوع أيّاما ولا يأكل حتّى يجد ضيفا فيأكل معه، وإذا لم يجد أحدا فلا يأكل شيئا، وربّما

стр. 1929

كانت معه الإبل مجفّلة فلا يشرب من ألبانها حتّى يجد من يشاربه، فأعلم الله تعالى أن الرجل منهم إذا أكل وحده فلا إثم عليه. ومعنى ﴿(أَشْتاتاً)﴾ متفرّقين. ويستدلّ من هذه الآية أن للجماعة في السّفر أن يخلطوا طعامهم فيأكلوا جميعا أو يأكل واحد منهم من زاده ولا حرج عليه في ذلك. والغرض من هذه الآيات: نفي الحرمة عن كلّ ما تطيب به الأنفس. وعن ابن عبّاس ﵁ في سبب نزول هذه الآيات: (أنّ الله تعالى لمّا أنزل قوله تعالى ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ﴾ (١) تحرّج المسلمون من مؤاكلة المرضى والزّمنى والعميان والعرج، وقالوا: قد نهانا الله عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطّيّب من الطّعام، والأعرج لا يستطيع المزاحمة، والمريض لا يستوفي حقّه من الطّعام، فأنزل الله هذه الآيات). والمعنى: ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض حرج. وقال الضحّاك: (كان العميان والعرجان يتنزّهون عن مؤاكلة الأصحّاء؛ لأنّ النّاس يتقذرونهم ويكرهون مؤاكلتهم، وكان أهل المدينة لا يخالطهم في طعامهم أعمى ولا أعرج ولا مريض تقذّرا، فأنزل الله هذه الآيات). قوله تعالى: ﴿فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ؛﴾ أي يسلّم بعضكم على بعض، وإنّما قال ﴿(عَلى أَنْفُسِكُمْ)﴾ لأن المؤمنين كنفس واحدة. وقيل: هذا في دخول الرجل بيت نفسه، والسّلام على أهله ومن في بيته. قال قتادة: (إذا دخلت بيتك فسلّم على أهلك فهم أحقّ من سلّمت عليه، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد، فقل: السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين، ومن السّنّة إذا دخل الرّجل بيت نفسه أن يسلّم على أهله، فإنّه يزداد بذلك بركة في بيته وأهله) (٢).

стр. 1930

وقال ﷺ : [إذا دخلتم بيوتكم فسلّموا على أهليكم، وإذا طعمتم طعاما فاذكروا اسم الله عليه، فإنّ الشّيطان إذا سلّم أحدكم لم يدخل بيته، وإذا ذكر اسم الله على طعامه قال لجنده من الشّياطين: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإن لم يسلّم حين يدخل بيته ولم يذكر اسم الله على طعامه، قال الشّيطان لجنده: أدركتم العشاء والمبيت] (١). قوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً؛﴾ أي افعلوا ذلك تحيّة أمركم الله بها، لكم فيها البركة والمغفرة والثواب، ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ؛﴾ أي هكذا بيّن الله لكم الدلالات والأحكام، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٦١)؛أي لكي تعقلون. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ؛﴾ في الآية ثناء على المؤمنين، وإذا كانوا مع النبيّ ﷺ في أمر جامع؛ أي في أمر طاعة يجتمعون عليه لحقّ الجمعة وصلاة العيدين والجهاد وأشباه ذلك، ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾. قال المفسّرون: كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة، وأراد الرّجل أن يخرج لطاعة أو عذر؛ لم يخرج حتّى يقوم بحيال النّبيّ ﷺ حيث يراه، فيعرف أنّه إنّما قام ليستأذن، فيأذن لمن يشاء منهم. قال مجاهد: (وإذا أذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده) (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ نزلت في عمر بن الخطاب ﵁ حين استأذن النّبيّ ﷺ في الرّجوع من غزوة تبوك إلى
следующие страницы →