﴿آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ؛﴾ أي والذين يتصدّقون بالأموال، ويعملون ما عملوا من الصّالحات، وقلوبهم فزعة خائفة أن لا يقبل منهم ذلك. قال مجاهد: (المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل) (١).
وعن عائشة ﵂؛ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله ﴿(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)﴾،فقال: [لا يا ابنة الصّدّيق، الّذين يصومون ويتصدّقون ويخافون أن لا تقبل منهم، ويصلّون ويعرفون ألاّ تقبل منهم، ويتصدّقون ويعرفون ألاّ تقبل منهم] (٢).وقال الحسن: ﴿(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾؛أي يعملون ما عملوا من البرّ وهم يرون أنّ ذلك لا ينجيهم من عذاب الله) (٣)،قال الزجّاج:
(وقلوبهم وجلة ﴿أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ (٦٠)؛أي لأنّهم يوقنون برجوعهم إلى الله.
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ؛﴾ أي أهل هذه الصّفة هم الذين يسارعون في الأعمال الصالحة، ﴿وَهُمْ لَها سابِقُونَ﴾ (٦١)؛أي إليها سابقون، يكون ﴿(لَها)﴾ بمعنى إليها، كقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ (٤) أي إليها. وقيل:
معناه: وهم لها سابقون في الجنّة؛ أي من أجل مسارعتهم في الخيرات سابقون في الجنّة.
وقوله تعالى: ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها؛﴾ أي إلاّ طاقتها من العمل، فمن لم يستطع أن يصلّي قائما فيصلّي قاعدا. وقوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ؛﴾ أي عند ملائكتنا المقرّبين كتاب يشهد لكم وعليكم، يريد به صحائف الأعمال، وقيل:
стр. 1857
يعني اللوح المحفوظ، فيه كلّ شيء مكتوب، سبق في علم الله، ﴿يَنْطِقُ بِالْحَقِّ؛﴾ أي يبيّن الصدق، ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٦٢)؛أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم، ولا يزاد على سيّئاتهم.
قوله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ؛﴾ أي قلوب أهل مكّة في غفلة وجهالة، ﴿مِنْ هذا﴾ الذي تقدّم ذكره من أعمال البرّ. وقيل: في غفلة من القرآن، ﴿وَلَهُمْ أَعْمالٌ؛﴾ خبيثة لا يرضاها الله من المعاصي والخطايا، ﴿مِنْ دُونِ ذلِكَ؛﴾ أي من دون أعمال المؤمنين، ﴿هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ (٦٣)؛ويجوز أن يكون قوله ﴿(مِنْ هذا)﴾ إشارة إلى الكتاب الذي ينطق بالحقّ؛ أي قلوبهم في غفلة من ذلك الكتاب، وأعمالهم التي عملوها محصاة فيه، ولهم أعمال من دون ما هم عليه لا بدّ أن يعملوها، وهو ما سبق في علم الله أنّهم يعملونه. والغمرة: الغفلة التي تغطّي القلب وتغلب عليه.
قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ (٦٤)؛ أي حتى إذا أخذنا أعيانهم ورؤساءهم بالقتل يوم بدر وبما يرون من العذاب وقت المعاينة، وقال الضحّاك: (بالجوع حين دعا عليهم النّبيّ ﷺ : [اللهمّ اشدد وطأتك على مضر، اللهمّ سنين كسنين يوسف] (١) فابتلاهم الله بالقحط حتّى أكلوا العظام والجيف والكلاب والأولاد والقذر) (٢).قوله تعالى: ﴿(إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ)﴾ أي يصيحون ويصرخون بالتوبة، وقيل: يجرعون ويستغيثون. وأصل الجؤار رفع الصّوت بالتّضرّع.
قوله تعالى: ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ؛﴾ وعيدا بهم كالاستهزاء مثل قوله ﴿لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا﴾ (٣)،قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ (٦٥)؛أي لا
стр. 1858
تمنعون من عذابنا.
قوله تعالى: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ؛﴾ أي تقرأ عليكم في الدّنيا، يعني القرآن، ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ (٦٦)؛أي تولّون مدبرين وتعرضون عن الإيمان به،
قوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ؛﴾ أي متعظّمين ببيت الله الكعبة. وقيل: بحرم الله أنه لا يظهر عليكم أحد، فالكناية تعود إلى الحرم وهو كناية من غير مذكور، والمعنى: والمستكبرين في البيت الحرام لأمنهم فيه مع خوف سائر الناس في مواضعهم.
قوله تعالى: ﴿سامِراً تَهْجُرُونَ﴾ (٦٧)؛أي سمّارا تهجرون القرآن والنبيّ ﷺ ، والهجر: هجر الحقّ بالإعراض عنه، وقد يقال: هجر المريض إذا هدأ في كلامه.
والسّمر: الحديث باللّيل، كانوا يتحدّثون حول الكعبة في أوائل الليل بالطّعن في النبيّ ﷺ وفي الإسلام والمسلمين، وإنّما وحّد ﴿(سامِراً)﴾ لأنه في موضع المصدر.
قال الحسن ومقاتل: (المعنى: يهجرون القرآن ويرفضونه فلا يلتفتون إليه، كما قال تعالى ﴿(قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ)﴾ الآية).ويجوز أن يكون معناه من الهجر؛ وهو الكلام القبيح، يقال: هجر هجرا؛ إذا قال غير الحقّ، وهو قول السديّ والكلبي وقتادة ومجاهد، وكانوا إذا دخلوا البيت سبّوا النبيّ ﷺ والقرآن (١).ويقال أيضا في هذا المعنى: أهجر هجرا؛ إذا أفحش في منطقه، ومنه قراءة نافع: «(تهجرون)» أي يفحشون في الكلام، ويقولون الخنا، وذلك أنّهم كانوا يسبّون النبيّ ﷺ (٢)،والهجر هو الفحش من الكلام، يقال في المثل: (من كثر هجره وجب هجره).
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ؛﴾ أي أفلم يدّبّروا القرآن في حسن لفظه ونظمه، وكثرة فوائده ومعانيه، مع سلامته من التناقض والاختلاف، فتعلّموا أنه من عند الله، ويقال: معناه: أفلم يدّبّروا القرآن فيعرفوا ما فيه من العبر والدّلالات على صدق النبيّ ﷺ .
стр. 1859
قوله تعالى: ﴿أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٦٨)؛معناه: أم جاءهم أمر بديع لم يأت آباءهم؛ أي ألم يعلموا أن الرّسل قد أرسلوا إلى من قبلهم؟ والمعنى: أجاءهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين فأنكروه وأعرضوا عنه. ويحتمل أن يكون معناه: بل جاءهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين فأنكروه وتركوا التدبر له (١).لأن ﴿(أَمْ)﴾ بمعنى: (بل).
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ؛﴾ بالصّدق والأمانة قبل إظهار الدّعوة؟ ﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (٦٩).قال ابن عبّاس: (كانوا يعرفون محمّدا ﷺ صغيرا وكبيرا صادق اللّسان وفيّ العهد) وفي هذا توبيخ لهم بالإعراض عنه بعد ما عرفوا صدقه وأمانته.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ؛﴾ أي قالوا: إنّ محمّدا مجنون ليصدّوا الوجوه ويصرفوها عنه، وقد كذبوا في ذلك، فإن المجنون يهذي ويقول ما لا يفعل، ﴿بَلْ جاءَهُمْ؛﴾ النبيّ ﷺ ﴿بِالْحَقِّ؛﴾ أي بالقرآن الذي لا تخفى صحّته وحسنه على أحد، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ (٧٠).
قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ،﴾ قال مقاتل والسدي: (الحقّ هو الله) والمعنى: لو جعل مع نفسه شريكا كما تحبّون، ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ؛﴾ كقوله ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ (٢).وقيل:
معناه: لو وضع الحقّ على أهوائهم لهلك أهل السّماوات والأرض؛ لأنّ الحقّ يدعو إلى المحاسن، والهوى يدعو إلى القبائح، ولو جعل الهوى متبوعا لبقيت الأمور على الظّلم والجهالات، فتخلط الأمور أقبح الاختلاط، ولم يوثق بالوعد والوعيد، فأدّى ذلك إلى الفساد؛ لأن الهوى هو ميل النفس إلى المشتهى من غير داعي الهوى.
стр. 1860
قوله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ؛﴾ أي أعطيناهم القرآن الذي فيه عزّهم وشرفهم، وأمروا بالعمل بما فيه، ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ؛﴾ القرآن، ﴿مُعْرِضُونَ﴾ (٧١)؛وهو نظير قوله ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ (١) وقوله ﴿كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ (٢) والمعنى: تولّوا عمّا جاءهم به من شرف الدّنيا والآخرة.
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ؛﴾ معناه: أم تسألهم على تبليغ الرّسالة الجعل فيتثاقلون لذلك، قوله تعالى: ﴿(فَخَراجُ رَبِّكَ)﴾ أي ما وعد الله لك من الأجر والثواب في الآخرة، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ (٧٢)؛أي أفضل المعطين. وأصل الخرج والخراج: الضريبة والعلّة، كخراج الأرض.
وقال النضر بن شميل: (سألت أبا عمرو بن العلاء عن الفرق بين الخرج والخراج، فقال: الخراج ما لزمك ووجب عليك أداؤه، والخرج ما تبرّعت به من غير وجوب) (٣)،
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٧٣)؛أي إلى طريق قائم يرضاه الله وهو الإسلام.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ (٧٤) معناه: وإنّ الذين لا يصدّقون بالقيامة عن دين الحقّ لناكبون؛ أي مائلون عادلون، ومنه النّكباء. وقيل: معناه: إنّهم في الآخرة عن صراط جهنّم يسقطون يمنة ويسرة.
قوله تعالى: ﴿*وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٧٥)؛أي ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من الشدّة التي أصابت أهل مكّة من الجوع والقحط الذي أخذهم سبع سنين للجّوا في طغيانهم؛ أي لتمادوا في ضلالتهم يتحيّرون ويتردّدون. وقيل: ولو رحمناهم في الآخرة فرددناهم إلى الدّنيا لعادوا إلى الكفر كما كانوا. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ (٤).
стр. 1861
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ؛﴾ يعني الجوع الذي أصابهم بدعوة النبيّ ﷺ : [اللهمّ سنين كسنيّ يوسف] (١) فجاعوا حتى أكلوا الوبر والدم (٢)، ﴿فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٧٦)؛أي فما خضعوا لربهم وما تضرّعوا ولا انقادوا في الأمر لله وما رغبوا إليه في الدّعاء، ولو كشف عنهم العذاب لم يشكروا، والاستكانة: طلب السّكون، والتّضرّع: طلب كشف البلاء من القادر عليه.
قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ؛﴾ قيل: إنه القتل يوم بدر، وقيل: إنه عذاب الآخرة، ﴿إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ (٧٧)؛أي آيسون يتحيّرون، والإبلاس: اليأس مع التحيّر. وقيل: لمّا أصابهم من الجوع ما أصابهم، جاء أبو سفيان إلى النبيّ ﷺ وقال: أنشدك الله والرّحم، ألست تزعم أنّك بعثت رحمة للعالمين؟ قال [بلى] قال: فإنّك قد قتلت الآباء بالسّيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٣).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ (٧٨)؛أي خلق لكم السمع تسمعون به، والأبصار تبصرون بها، والقلوب تعقلون بها، فشكركم فيما أعطي (٤) إليكم قليل (٥)،والأفئدة هي القلوب.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي خلقكم في الأرض، ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٧٩)؛أي تجمعون إلى موضع الحساب والجزاء.
стр. 1862
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ؛﴾ أي يحييكم في أرحام أمّهاتكم، ويميتكم عند انقضاء آجالكم، ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ؛﴾ أي له ملك اختلافهما ومرورهما يوما بعد ليلة، وليلة بعد يوم، ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٨٠)؛ أدلّة الله تعالى تستدلّون به على وحدانيّة الله تعالى.
قوله: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ﴾ (٨١)؛أي لم يعقلوا أدلّتنا ولم يستدلّوا بها علينا، بل كذبوا بالبعث كما كذب آباؤهم قبلهم، والمعنى: كذبت قريش بالبعث مثل ما كذب الأولون،
﴿قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (٨٢)؛بعد الموت.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ؛﴾ أي خوّفنا بهذا الذي تخوّفنا به من قبل أن تخوّفنا به، ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٨٣) أي ما هذا الذي تخوّفنا به يا محمّد إلاّ أحاديث الأوّلين.
قوله تعالى: ﴿قُلْ؛﴾ لهم يا محمّد: ﴿لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها؛﴾ من الخلق والعجائب، أجيبوا ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٨٤)؛خالقها. ثم أجاب الله عنهم لمّا علم أنّهم لا يجيبون فقال:
﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ﴾ لهم يا محمّد:
﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٨٥)؛فتستدلّون على أنّ من له ملك السّماوات والأرض وما فيهما قادر على البعث والنّشور، فإنّ من ملك الأرض ومن فيها ملك إنشاءها بعد هلاكها.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (٨٧)؛عقابه على إنكار البعث. ومن قرأ ﴿(سَيَقُولُونَ لِلّهِ)﴾ ومعناه: كأنه قال: لمن السّماوات؟ فقال: لله.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ؛﴾ أي من ذا الذي له خزائن كلّ شيء وهو يغيث ويمنع من السّوء، ولا يمنع منه من أراد به سوء، أجيبوا ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلّهِ؛﴾ ملكوت كلّ شيء، ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمّد ﴿فَأَنّى تُسْحَرُونَ﴾ (٨٩)؛أي تصرفون عن الحقّ إلى ما ليس له أصل ولا حقيقة، وقد ألقي إليكم حقائق الأدلة.
стр. 1863
والمعنى بقوله: ﴿(فَأَنّى تُسْحَرُونَ)﴾ أي كيف يخيّل لكم الحقّ باطلا، والصحيح فاسدا.
قوله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ؛﴾ أي جئناهم بالحقّ وبيّنّا لهم، يعني أتيناهم بالتوحيد والقرآن، ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (٩٠)؛فيما يضيفون إلى الله من الولد والشّريك.
قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ؛﴾ هذا ردّ على اليهود في قولهم: عزير ابن الله، وعلى النصارى في قولهم: المسيح ابن الله، وعلى من قال من المشركين:
الملائكة بنات الله، ﴿وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ،﴾ هذا ردّ على عبدة الأوثان.
وقوله تعالى: ﴿إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ؛﴾ معناه: لو كان معه آلهة لا نفرد كلّ إله بخلقه، لا يرضى أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره، ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ؛﴾ أي لطلب بعضهم قهر بعض، فلم ينتظم أمرهما كما لا ينتظم أمر بلد فيه ملكان قاهران.
قوله تعالى: ﴿سُبْحانَ اللهِ؛﴾ أي تنزيها لله ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ (٩١)؛ من اتّخاذ الولد والشريك،
﴿عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ؛﴾ من خفضه جعله نعت الله، ومن رفعه كان خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو عالم، فقراءة الخفض هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وقراءة الباقين بالرفع (١).ومعنى الآية: عالم ما غاب عن العباد وما علمه العباد، ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٩٢).
قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ (٩٣)؛معناه: قل يا محمّد رب أرني ما يوعدون من العذاب والنّقمة؛ يعني القتل ببدر. وقيل: معناه: قل يا محمّد: يا
﴿رَبِّ؛﴾ إن أريتني ما يوعدون من العذاب، ﴿فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٩٤)؛أي منهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ﴾
стр. 1864
﴿لَقادِرُونَ﴾ (٩٥)؛أي نحن قادرون على تعذيبهم، لكنّ الإمهال لحكمة تقتضي ذلك.
قوله تعالى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ؛﴾ يعني بالإحسان الإعراض والصّفح، والسّيّئة: أذى المشركين إيّاه، وهذا قبل الأمر بالقتال، والمعنى: اذكر لهم المقاتلة والحجة على طريق التلطّف والاستدعاء إلى الحق كما قال تعالى ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ (١).قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ (٩٦)؛أي بما يكذّبون وبما يقولونه من الشّرك فيجازيهم عليه.
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ (٩٧)؛أي اعتصم بك وأمتنع بك من همزات الشّياطين، وهمزات الشياطين: دفعهم الناس إلى المعاصي بالإغواء، ويقال: الهمزة هي الوسوسة الشّاغلة عن أمر الله تعالى،
﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ (٩٨)؛عند القراءة وعند الموت وعند الغضب. وعن الحسن: أنّ النّبيّ ﷺ قام إلى الصّلاة فهلّل وكبّر ثلاثا؛ وقال: [أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم، من همزه ولمزه ونفثه ونفخه] فسئل عن همزه؛ فقال: [هو أخذ الشّيطان للإنسان حتّى يصرع ويجنّ] وسئل عن نفثه؛ فقال: [هو الشّعر] وسئل عن نفخه؛ فقال: [إنّه الكبر] (٢).
قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ (٩٩)؛أخبر الله تعالى أن هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون الرجعة إلى الدّنيا عند معاينة الموت. والمعنى: حتّى إذا عاين أحدهم الموت وأعوانه قال: ربّ ارجعون إلى الدّنيا.
وإنّما قال: ﴿(رَبِّ ارْجِعُونِ)﴾ بلفظ الجماعة لأن الله تعالى يخبر عن نفسه بما يخبر به عن الجماعة في قوله تعالى ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ (٣) وأمثاله، وكذلك العرب
стр. 1865
تخاطب الرجل الواحد بلفظ الجماعة كما يقول الرجل لآخر: أنتم تفعلون كذا ونحن نفعل كذا، ومنه قوله تعالى: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً؛﴾ قال ابن عبّاس: (معناه: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأعمل طاعة الله) (٢) ﴿فِيما تَرَكْتُ؛﴾ أي في ما مضى من عمري، قال الله تعالى: ﴿كَلاّ﴾ لا يرجع إلى الدّنيا، ولا يجوز أن يكون (لعلّ) في هذه الآية للشّكّ؛ لأنه لا معنى لذلك مع حرصه على الرّجعة والنجاة من الموت والعذاب، وإنّما المعنى: لكي أعمل صالحا، و ﴿(كَلاّ)﴾ كلمة ردع وزجر وتنبيه أي لا يكون له ذلك.
قوله تعالى: ﴿إِنَّها؛﴾ أي من مسألة الرّجوع إلى الدّنيا، ﴿كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها،﴾ عند موته ولا فائدة في ذلك، ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١٠٠)؛أي من أمامهم حاجز وحجاب بينهم وبين الرّجوع إلى الدّنيا، وهم فيه إلى يوم يبعثون، فالقبر حاجز، وكل فصل بين شيئين برزخ.
قوله تعالى: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ (١٠١)؛قال ابن عبّاس: (يعني النّفخة الأولى) (٣).وقيل: هي النفخة الثانية. وقوله تعالى: ﴿(فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ)،﴾ قال الحسن: (والله إنّ أنسابهم لقائمة بينهم كما قال الله تعالى ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ (٤) ولكنّهم لا ينتفعون بأنسابهم ولا يتعاطفون عليها، فكأنّهم لا أنساب لهم).
وقيل: معناه: لا تفاخر بينهم كما يتفاخرون في الدّنيا، ولا يتساءلون كما تسأل العرب في الدّنيا: من أيّ قبيل أنت؟ وقيل: لا يسأل بعضهم بعضا عن خبره وحاله كما كانوا في الدّنيا؛ لشغل كلّ واحد منهما بنفسه، ولا يسأل بعضهم بعضا أن يحمل شيئا من ذنوبه.
стр. 1866
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ؛﴾ يعني بالطاعات؛ ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٠٢)؛وقيل: فمن ثقلت موازينه بكلمة التّوحيد، فأولئك هم المفلحون، قال ﷺ : [ولو وضعت السّماوات السّبع وما فيهنّ والأرض في كفّة، رجحت بجميع ذلك] (١).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ؛﴾ يعني بكلمة الشرك ﴿فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ (١٠٣)؛ظاهر المعنى. قوله تعالى:
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ؛﴾ قيل: الفلح هو الإحراق، يقال: لفحته النار إذا أحرقته، وتأثير الفلح أعظم من تأثير النّفح، والنفح مذكور في قوله ﴿نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ﴾ (٢).قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ (١٠٤)؛الكلوح: تقلّص الشّفتين عن الأسنان حتى تبدو الأسنان.
قال الحسن: (تغلظ شفاههم، وترتفع شفته العليا، وتنزل شفته السّفلى، فتظهر الأسنان، فهو أقبح ما يكون).قال ﷺ : [وتشويه النّار حتّى تقلّص شفته العليا فتبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السّفلى حتّى تبلغ سرّته] (٣)،قال ابن مسعود: (ألم تر إلى الرّأس المسموط بالنّار كيف بدت أسنانه وقلّصت شفتاه) (٤).
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ (١٠٥)؛ أي تجحدون،
﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا؛﴾ بكثرة معاصينا، ﴿وَكُنّا قَوْماً ضالِّينَ﴾ (١٠٦)؛في الدّنيا فلم نهتد. قرأ الكوفيّون غير عاصم: «(شقاوتنا)» بالألف وفتح الشّين، وهما بمعنى واحد. الشّقوة: هي المضرّة اللاّحقة في العاقبة،
стр. 1867
والسّعادة: هي المنفعة التي تكون في العاقبة. والشّقوة بفتح الشّين بمنزلة الفعلة الواحدة، وكسر الشّين في هذا دالّ على الكثرة واللّزوم (١).
قوله تعالى: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها؛﴾ أي من النار إلى الدّنيا، ﴿فَإِنْ عُدْنا﴾ إلى التّكذيب والمعاصي، ﴿فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ (١٠٧).
قوله تعالى: ﴿قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ (١٠٨)؛ ﴿(اخْسَؤُا)﴾ كلمة إهانة ومذلّة؛ وهي في الأصل لطرد الكلاب، تقول: خسأت الكلب إذا طردته؛ فخسأ أي تباعد. قال الزجّاج: (معناه تباعدوا تباعد سخط، وابعدوا بعد الكلب، ولا تكلّمون في رفع العذاب عنكم، ولا تسألون الخروج من النّار، فإنّي لا أدفع عنكم العذاب، ولا أهوّنه عليكم) (٢).
قال عبد الله بن عمرو: (أنّ أهل جهنّم يدعون مالكا أربعين عاما فلا يجيبهم، ثمّ يقول: إنّكم ماكثون، ثمّ ينادون ربّهم: ربّنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنّا ظالمون. فلا يجيبهم مقدار عمر الدّنيا، ثمّ يردّ عليهم: اخسئوا فيها ولا تكلّمون بعد ذلك، ويكون لهم زفير كزفير الحمير، وشهيق كشهيق البغال، وعويّ كعويّ الكلاب) (٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ؛﴾ أي يقال لهم: إنه كان طائف من عبادي يقولون: ﴿رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ (١٠٩)؛وهم الأنبياء والمؤمنون، وهذا تعليل لاستحقاقهم العذاب بما عاملوا الأنبياء والمؤمنين باتّخاذهم سخريّا.
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا؛﴾ أي تسخرون منهم وتستهزئون بهم.
قرأ نافع وحمزة والكسائيّ: بضمّ السّين هاهنا وفي ص، وقرأ الباقون بكسرها وهما
стр. 1868
لغتان، ولم يختلفوا في الزّخرف أنه بالضّمّ؛ لأنه بمعنى التّسخير (١).
قوله تعالى: ﴿حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ (١١٠)؛ لاشتغالكم بالسّخرية منهم وبالضّحك، فنسب الأنبياء إلى عباده المؤمنين، وإن لم يفعلوا؛ لما أنّهم كانوا السبب فيه.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا؛﴾ على أذيّتكم واستهزائكم، ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ (١١١)؛في الجنّة. قرأ حمزة والكسائيّ «(إنّهم)» بالكسر على الاستئناف، وقرأ الباقون بالفتح على معنى جزيتهم بالفوز (٢).
قوله تعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ (١١٢)؛أي كم لبثتم في القبور؟ وقيل المكث في الدنيا، يقول الله تعالى للكفار يوم البعث: كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟
﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ؛﴾ فيرون أنّهم لم يلبثوا إلاّ يوما أو بعض يوم لعظم ما هم فيه من العذاب، نسوا ذلك. ويقال: يلحقهم دهشة وحيرة فينسون ذلك. وقوله تعالى: ﴿فَسْئَلِ الْعادِّينَ﴾ (١١٣)؛يعني الملائكة الذين يحفظون عليهم آجالهم. وقرأ ابن كثير: «(قل كم لبثتم)» على فعل الأمر، وقوله:
﴿قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً؛﴾ في جنب لبثكم في العذاب (٣)؛ ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١١٤)
قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً﴾ أي أظننتم أنا خلقناكم للعبث تأكلون وتشربون وتفعلون ما تريدون وتموتون، ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ (١١٥)؛أي فلا تحشرون للحساب، ولا ترجعون إلى موضع لا تملكون فيه لأنفسكم ضرّا ولا نفعا؟
قال ابن عبّاس: (معناه: أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثا كما خلقنا البهائم، لا ثواب لها ولا عقاب عليها لما قال ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ (٤) أي يهمل
стр. 1869
كما تهمل البهائم؟
قوله تعالى: ﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ؛﴾ أي هو الملك الحقّ الذي له الملك؛ لأنه ملك غيره، وكلّ من ملك غيره فملكه مستعار له، فإنه لا يملك إلاّ بتمليكه الله إياه، فكأنه لا يعتدّ بملكه في ملك الله.
قوله تعالى: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (١١٦)؛سمي العرش كريما لكثرة خيره بمن حوله، يقال: فلان كريم؛ أي كثير الخير.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ؛﴾ أي من يدع مع الله إلها آخر لم ينزل بعبادته كتاب ولا بعث لها رسول ولا حجّة له عليه، فإنّما حسابه عند ربه، فهو يجازيه بما يستحقّ كما قال تعالى:
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ (١)،وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ (١١٧)؛ أي لا يسعد من جحد وكذب، ولا يأمن ولا ينجو من عذاب الله الكافرون.
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ (١١٨)؛يحتمل أن يكون أمرا للنبيّ ﷺ بالاستغفار منه، كما روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: [إنّي لأستغفر الله كلّ يوم سبعين مرّة] (٢)،ويروى [مائة مرّة] (٣).
وعن ابن مسعود: أنّه مرّ بشابّ مبتلى، فقرأت في أذنه ﴿(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً)﴾ حتّى ختم السّورة فبرئ، فقال رسول الله ﷺ : [وماذا قرأت في أذنه؟] فأخبره، فقال: [والّذي بعثني بالحقّ نبيّا؛ لو أنّ رجلا مؤمنا قرأها على جبل لزال] (٤).
آخر تفسير سورة (المؤمنون) والحمد لله رب العالمين
стр. 1870
سورة النّور
سورة النّور مدنيّة، وهي خمسة آلاف وستّمائة وثمانون حرفا، وألف وثلاثمائة وستّ عشرة كلمة، وأربع وستّون آية.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها؛﴾ أي هذه سورة أنزلنا جبريل ﵇ بها، وقرأ طلحة بن مصرّف «(سورة)» بالنصب على معنى: أنزلنا سورة كما يقال: زيدا ضربته، ويجوز أن يكون نصبا على الإغراء (١).قوله تعالى: ﴿(فَرَضْناها)﴾ أي أوحينا فيها أحكاما وفرائض مختلفة عليكم وعلى من بعدكم إلى يوم القيامة، وجحد من قرأ بالتخفيف، قوله ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ (٢) أي أحكام القرآن، والتشديد في «(فرّضناها)» لكثرة ما فيها من الفرائض (٣).قال مجاهد: (يعني الأمر بالحلال والنّهي عن الحرام) (٤).قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١)؛أي دلالات واضحات على وحدانيّتنا وأحكامنا لكي تتّعظوا فتعملوا بما فيها.
قوله تعالى: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ؛﴾ قال سيبويه: (معناه في الفرائض عليكم الزّانية والزّاني؛ لأنّه لولا ذلك لنصب بالأمر الّذي في قوله: فاجلدوا) (٥).والجلد في اللّغة: ضرب الجلد، يقال: جلده؛ إذا ضرب جلده ورأسه، إذا ضرب رأسه وبطنه، إذا ضرب بطنه.
стр. 1871
ومعنى الآية: الزّانية والزّاني إذا كانا حرّين بالغين عاقلين بكرين غير محصنين، فاضربوا كلّ واحد منهما مائة جلدة. فأمّا إذا كانا مملوكين، فيحدّ كلّ واحد منهما خمسون جلدة في الزّنا لقوله تعالى في الإماء: ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ﴾ (١) يعني إذا عقلن فعليهنّ نصف حدّ الحرائر.
وإذا كان الزّاني محصنا فحدّه الرجم؛ لأنّ رسول الله ﷺ رجم ماعز بن مالك الأسلميّ بزناه، وكان قد أحصن. وكان عمر ﵇ يقول: (إنّي لأخشى إن طال الزّمان أن يقول قائل: لا نجد الرّجم في كتاب الله تعالى، فيضلّوا بترك الفريضة أنزلها الله، وقد قرأنا: [الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة] ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، ولولا أنّ النّاس يقولون: زاد عمر في كتاب الله لكتبت ذلك على حاشية الكتاب) (٢).واجتمعت الأمة على رجم المحصنين إذا زنيا إلاّ الخوارج.
وأما الإحصان في هذا فهو أن يكون حرّا بالغا عاقلا مسلما قد تزوّج قبل ذلك نكاحا صحيحا، ودخل بزوجته في وقت كانا جميعا فيه على صفة الإحصان، وهذا قول أبي حنيفة ومحمّد، فإنّهما يشرطان هذه الشّرائط السبعة في إحصان الزّاني.
وأما أبو يوسف فلا يجعل الإسلام من شرائط الإحصان، ولا يشترط كونهما على صفة الإحصان وقت الدّخول في النكاح الصحيح، فجعل الرجل البالغ العاقل المسلم محصنا بالدخول بزوجته الأمة والصبيّة والكتابيّة، ويجعل الزوجين الرّقيقين محصنين بالدخول في النكاح الذي بينهم إذا أعتقا بعد ذلك، فإن لم يوجد الدخول في ذلك النكاح بعد العتق إلى أن زنى واحد منهما، فهما غير محصنين عنده.
وعن أبي هريرة ﵁: أنّ رجلا من الأعراب جاء إلى رسول الله: أنشدك الله
стр. 1872
إلاّ قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر: نعم يا رسول الله؛ اقض بيننا بكتاب الله، فقال ﷺ : [قل] قال: إنّ ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإنّي أخبرت أنّ على ابني الرّجم، فافتديته بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنّ على ابني مائة جلدة وتغريب عام، وأنّ على امرأة هذا الرّجم، فقال ﷺ : [والّذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم ردّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها] قال: فغدا عليها، فاعترفت؛ فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت (١).
قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ؛﴾ أي لا تأخذكم بهما رأفة ورحمة يمنع عن إقامة الحدّ، ويحلّ بمقدار عدده وصفته، فإنه ليس من صفات المؤمنين تضييع حدود الله، وقوله تعالى: ﴿(فِي دِينِ اللهِ)،﴾ قال ابن عبّاس: (في حكم الله) كقوله ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ (٢) أي في حكمه، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ،﴾ ولا تعطّلوا الحدود. قرأ ابن كثير «(رأفة)» بفتح الهمزة. وإنّما ذكر الضّرب بلفظ الجلد لئلاّ يبرّح ولا يبلغ به اللحم.
واختلف العلماء في قوله ﴿(وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ)﴾ فقال قوم: معناه: ولا تأخذكم الرأفة بهما فتعطّلوا الحدود ولا تقيموها شفقة عليهما، وهو قول عطاء ومجاهد وقتادة وعكرمة وسعيد بن جبير والنخعي والشعبيّ. وقال الزهريّ وسعيد بن المسيّب والحسن: (معناه: اجتهدوا في الجلد ولا تخفّفوا كما يخفّف في حدّ الشّرب، بل يوجع الزّاني ضربا، ولا يخفّف رأفة له، كأنّه قال: لا تأخذكم بهما فتخفّفوا الضّرب، بل أوجعوهما ضربا) (٣).
قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)؛أي ليكن إقامة الحدّ عليهما بحضرة جماعة من المؤمنين ليستفيض الخبر بهما، ويبلّغ الشاهد
стр. 1873
الغائب، فيرتدع الناس عن مثله، ويرتدع المضروب ويستحيي فلا يعود إلى مثل ذلك.
واختلفوا في مبلغ عدد الطائفة، فقال الزهريّ: (أقلّه ثلاثة)،وقال ابن زيد: (أربعة بعد شهود الزّنا) (١)،وقال قتادة: (نفر من المسلمين) (٢).
وفي الخبر: [إقامة حدّ في أرض خير لأهلها من مطر أربعين يوما] (٣).وعن رسول الله ﷺ أنّه قال: [يا معشر النّاس؛ اتّقوا الزّنا فإنّ فيه ستّ خصال؛ ثلاث في الدّنيا وثلاث في الآخرة، فاللّاتي في الدّنيا: تذهب البهاء، وتورث الفقر، وتنقص العمر. وأمّا اللاّتي في الآخرة: فتوجب السّخط؛ وسوء الحساب؛ والخلود في النّار] (٤).
وقال ﷺ : [أعمال أمّتي تعرض عليّ في كلّ يوم مرّتين، فاشتدّ غضب الله على الزّناة] (٥).وعن وهب بن منبه قال: (مكتوب في التوراة: الزّاني لا يموت حتى يفتقر، والقوّاد لا يموت حتى يعمى).
فإن قيل: لم بدأ الله بذكر الزّانية قبل ذكر الزّاني فقال تعالى ﴿(الزّانِيَةُ وَالزّانِي)﴾،
стр. 1874
وبذكر السّارق قبل ذكر السّارقة في آية السّرقة فقال: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ﴾ (١)؟ قيل:
لأن الرجل هو الذي يسرق غالبا، والمرأة هي السبب في الزّنا غالبا، فأخرج الخطاب في المؤمنين على الأغلب.
قوله تعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في قوم من المهاجرين، دخلوا المدينة ولم يكن لهم مساكن ولا مال يأكلون منه ولا أهل يأوون إليهم، وفي المدينة باغيات سافحات يكرين أنفسهم ويضربن الرّايات على أبوابهنّ يكتسبن بذلك، وكان أولئك المهاجرين الفقراء يطلبون معايشهم بالنّهار ويأوون إلى المساجد باللّيل، فقالوا: لو تزوّجنا منهنّ فعشنا معهم إلى يوم يغنينا الله عنهنّ، وقصدوا أن يتزوّجوهنّ وينزلوا منازلهنّ، ويأكلوا من كسبهنّ، فشاوروا النّبيّ ﷺ في ذلك، فأنزل الله هذه الآية، فنهوا أن يتزوّجوهنّ على أن يحلّوهنّ والزّنا) (٢).
والمعنى: لا يرغب في نكاح الزانية إلاّ زان مثلها، ونظيره قوله تعالى:
﴿(الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ)﴾ ميل الخبيث إلى الخبيث وميل الطيّب إلى الطيب، وقد يقع الطيب مع الخبيث، لكن الأعمّ والأغلب ما ذكرنا.
قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)؛أي حرّم على المؤمنين تزويج تلك الباغيات المعلنات بالزّنا، وفيه بيان أن من يتزوج بامرأة منهنّ فهو زان، فالتحريم كان خاصّة على أولئك دون الناس.
ومذهب سعيد بن المسيّب: أنّ التحريم كان عامّا عليهم وعلى غيرهم، ثم نسخ التحريم بقوله تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ﴾ (٣)،فإن تزوج الرجل امرأة وعاين منها الفجور لم يكن ذلك تحريما بينهما ولا طلاقا، ولكنه يؤمر بطلاقها تنزّها عنها، ويخاف عليه الإثم في إمساكها؛ لأن الله تعالى شرط على المؤمنين نكاح المحصنات من المؤمنات.
стр. 1875
من المؤمنات.
وروي أنّ رجلا قال: يا رسول الله؛ إنّ امرأتي لا تردّ يد لامس! فقال له النّبيّ ﷺ : [طلّقها] فقال: إنّي أحبّها، وأخاف إن طلّقتها أن أصيبها حراما، فقال له:
[أمسكها إذا] (١).إلاّ أنّ هذا الحديث فيه خلاف الكتاب؛ لأن الله تعالى أذن في نكاح المحصنات، ثم أنزل الله في القاذف لامرأته آية اللّعان، وسنّ رسول الله ﷺ التفريق بينهما، ولا يجتمعان أبدا، فكيف يأمره بالوقف على عاهرة لا تمتنع عمّن أرادها، والحديث الذي ذكر لم يصحّ عن رسول الله ﷺ ، ثم إن صحّ فتأويله أنّها امرأة ضعيفة الرّأي في تضييع مال زوجها، فهي لا تمنعه من طالب ولا تحفظه من سارق، وهذا التأويل أشبه بالنبيّ ﷺ وأحرى لحديثه (٢).ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿(وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)﴾ إشارة إلى الزّنا.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: (أنّ هذه الآية نزلت في مرثد
стр. 1876
الغنويّ، كان قد أمره النّبيّ ﷺ وكان يحمل ضعفة (١) المسلمين من مكّة إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكّة، وكانت له صديقة في الجاهليّة يقال لها: عناق، فلقيته بمكّة فدعته إلى نفسها فأبى وقال: إنّ الإسلام قد حال دون ذلك، فقالت له: فانكحني، فقال: حتّى أشاور رسول الله ﷺ ، فسعت به إلى المشركين، فهرب إلى المدينة وأخبر النّبيّ ﷺ وشاوره في تزوّجها، فأنزل الله هذه الآية) (٢).وبيّن أن نكاح المشركة زنا؛ لأنّها لا تحلّ له، وقرن بين الزّنا والشّرك على طريق المبالغة في الزّجر عن الزّنا حين كان القوم يألفون الزنا ألفا شديدا.
وكان بحسب ظاهر الآية أن يكون للزاني أن يتزوج المشركة، وللزّانية أن تتزوج المشرك، ولا خلاف أن ذلك غير جائز، وأنّ نكاح المشركات وتزوّج المشركين منسوخ بقوله تعالى ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ،﴾ وبقوله ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ (٣).
وذهب بعض المفسّرين إلى أنّ معنى الآية: الزاني لا يطأ إلاّ زانية؛ أي لا يزني حين يزني إلاّ بزانية مثله، وكذلك الزانية لا يزني بها إلاّ زان مثلها، حتى إذا طاوع أحدهما الآخر، فهما سواء في استحقاق الحدّ وعقاب الآخرة، فكأنّ المراد بالنكاح الوطء.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ؛﴾ أي يرمونهم بالزنا، ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ؛﴾ على صحّة قذفهم إياهنّ بالزنا، ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾.
والمحصنات: الحرائر المسلمات البالغات العاقلات العفيفات عن فعل الزّنا. وفي ذكر عدد الأربعة من الشّهود دليل على أن المراد القذف بصريح الزنا؛ لأن هذا العدد
стр. 1877
لا يشترط إلاّ في الزّنا، ولا يقبل في ذلك شهادة النساء. وفي الآية دليل على أن من قذف جماعة من المحصنات لم يضرب إلاّ حدّا واحدا، وإذا كان القاذف عبدا فحدّه النّصف كما بيّنّا في حدّ الزنا.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً؛﴾ يعني المحدودين في القذف لا تقبل شهادتهم أبدا، ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٤)؛أي الخارجون عن طاعة الله برميهم إياهنّ زورا وكذبا.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ؛﴾ أي ندموا على قذفهم وعزموا على ترك المعاودة ﴿وَأَصْلَحُوا؛﴾ أعمالهم فيما بينهم وبين ربهم، ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ؛﴾ لمن تاب منهم، ﴿رَحِيمٌ﴾ (٥)؛لمن مات على التوبة.
قال ابن عبّاس: (هذا الاستثناء لا يرجع إلى الشّهادة، وإنّما يرجع إلى الفسق) (١).وقيل: إنّ توبته فيما بينه وبين الله مقبولة، وأما شهادته فلا تقبل أبدا، وهو قول شريح والحسن وإبراهيم (٢)،وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وأصحابه.
وذهب بعض العلماء إلى أن الاستثناء راجع إلى الفسق وإلى ردّ الشهادة، ويكون معنى قوله تعالى ﴿(أَبَداً)﴾ ما دام على القذف ولم يتب عنه. وأجمعوا جميعا أنّ هذا الاستثناء لا يرجع إلى الجلد، وذلك يقتضي أن يكون مقصورا على ما يليه وهو الفسق.
وأجمعوا أن المقذوفة إذا ماتت ولم تطالب بحدّ القذف ولم يحدّ القاذف ثم تاب، فإنه يجوز قبول شهادته؛ لأن على أصلنا أنّ الحاكم إذا أقام الحدّ على القاذف
стр. 1878
فكذبه وأبطل حينئذ شهادته، ولو جعل بطلان الشهادة حكما معلقا بتسمية الفسق ولم يجعل حكما على حاله مرتّبا على الجلد لبطلت فائدة قوله ﴿(وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً)﴾ من كتاب الله؛ لأن كلّ فاسق لا تقبل شهادته إلاّ بعد توبته عن الفسق.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٧)؛الآية، وذلك أنّ الله سبحانه لمّا أنزل الآية التي قبل هذه الآية في قذف المحصنات وشرط فيها الإتيان بأربعة شهداء وإلاّ جلد ثمانين جلدة، قرأها النبيّ ﷺ على المنبر.
فقال عاصم بن عديّ: يا رسول الله! جعلني الله فداك، أرأيت إن رأى رجل منّا مع امرأته رجلا على بطنها، فأراد أن يخرج من بيته فيجيء بأربعة شهداء قضى الرّجل حاجته وخرج، وإن هو عجّل فقتله قتلتموه، وإن تكلّم بذلك جلدتموه، وإن سكت؛ سكت على غيظ شديد؟
فقال ﷺ : [كفى بالسّيف] أراد أن يقول شاهدا، فأرسل عليه جبريل بالسّكوت، فأمسك لئلاّ يتسارع أحد من الرّجال إلى قتل أزواجهم (١).
وقال ابن عبّاس: (لمّا نزلت: ﴿(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً)﴾،قرأها النّبيّ ﷺ على المنبر يوم الجمعة-فقال عاصم بن عديّ مقالته الّتي ذكرناها (٢) -وقال: يا رسول الله! كيف لنا بالشّهداء
стр. 1879
ونحن إذا التمسناهم قضى الرّجل حاجته وخرج. وكان لعاصم هذا ابن عمّ يقال له عويمر، وكانت له امرأة يقال لها خولة بنت قيسي، فأتى عويمر عاصما فقال: لقد وجدت شريك بن سحماء على بطن امرأتي خولة، فأتى رسول الله ﷺ في الجمعة الأخرى، فقال: يا رسول الله؛ ما أسرع ما ابتليت بالسّؤال الّذي سألت في الجمعة الماضية في أهل بيتي؟ فقال ﷺ : [وما ذاك؟] قال: يا رسول الله؛ أخبرني عويمر أنّه رأى شريك بن سحماء على بطن امرأته خولة.
وكان عويمر وخولة وشريك كلّهم بني عمّ عاصم، فدعا رسول الله ﷺ بهم جميعا، وقال لعويمر: [اتّق الله؛ اتّق الله في زوجتك وخليلتك وابنة عمّك فلا تعذّبها بالبهتان] فقال: يا رسول الله؛ أقسم بالله أنّي رأيت شريكا على بطنها. فقال ﷺ : [اتّق الله وأخبريني بما صنعت] فقالت: يا رسول الله؛ إنّ عويمرا رجل غيور، وإنّه رآني وشريكا نتحدّث، فحملته الغيرة على ما قال).
وروى عكرمة عن ابن عبّاس: (لمّا نزل قوله: ﴿(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً)﴾ قال سعد بن عبادة: والله لو أتيت لكاع وقد تفخّذها رجل لم يكن لي أن أقتله ولا أهيّجه ولا أخرجه حتّى آتي بأربعة شهداء، ولم يأت بهم حتّى فرغ من حاجته ويذهب! فإن قلت بما رأيت ضربتم ظهري ثمانين جلدة!
فقال ﷺ : [يا معشر الأنصار ألا تسمعون إلى ما يقول سيّدكم!؟] قالوا: لا تلمه فإنّه رجل غيور، ما تزوّج امرأة قطّ إلاّ بكرا، ولا طلّق امرأة فاجترأ أحد منّا أن يتزوّجها. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله! بأبي وأمّي أنت، والله إنّي لأعرف أنّها من الله وأنّها لحقّ، ولكنّني عجبت من ذلك. فقال ﷺ : [والله يأبى إلاّ ذلك؟] فقال: صدق الله ورسوله.
فلم يلبثوا إلاّ يسيرا حتّى جاء هلال بن أميّة إلى رسول الله ﷺ وهو جالس مع أصحابه، فقال: يا رسول الله؛ إنّي جئت أهلي عشاء فوجدت رجلا مع امرأتي يزني بها، رأيت بعيني وسمعت بأذني. فكره رسول الله ﷺ ما أتى به، وثقل عليه حتّى عرف ذلك في وجهه، وقال هلال: يا رسول الله؛ إنّي لأرى الكراهة في وجهك
стр. 1880
لما أتيتك به، والله يعلم أنّي لصادق وما قلته إلاّ حقّا، وإنّي لأرجو أن يجعل الله لي فرجا، فهمّ رسول الله ﷺ أن يضربه الحدّ.
واجتمعت الأنصار وقالوا: ابتلينا بما قال سعد بن عبادة إلاّ أن يجلد هلالا.
فبينما هم كذلك ورسول الله ﷺ يريد أن يأمر بضربه، إذ نزل عليه الوحي، فأمسكوا عن الكلام حين عرفوا أنّ الوحي قد نزل. فلمّا فرغ تلا رسول الله ﷺ هذه الآية:
(والّذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلاّ أنفسهم ... ) إلى آخر الآيات، فقال ﷺ : [أبشر يا هلال؛ فإنّ الله قد جعل لك فرجا] فقال: قد كنت أرجو ذلك من الله.
فقال ﷺ : [أرسلوا إليها] فجاءت، فلمّا اجتمعا عند رسول الله ﷺ قالت:
كذب عليّ يا رسول الله، فقال هلال: يا رسول الله! ما قلت إلاّ حقّا وإنّي لصادق، فقال ﷺ : [الله يعلم أنّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟] فقال هلال: والله يا رسول الله ما كذبت. فقال ﷺ : [لاعنوا بينهما].
فقيل لهلال: اشهد بالله أربع مرّات إنّك لمن الصّادقين، فقال هلال: أشهد بالله إنّي لمن الصّادقين فيما رميتها به، قال ذلك أربع مرّات. فقال له ﵇ عند الخامسة: [اتّق الله يا هلال، فإنّ عذاب الدّنيا أهون من عذاب الآخرة، وإنّ عذاب الله أشدّ من عذاب النّاس، وإنّ هذه الخامسة هي الموجبة الّتي توجب عليكما العذاب].فقال هلال: والله ما يعذّبني الله عليها، كما لم يجلدني عليها رسول الله ﷺ . فشهد الخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزّنا.
ثمّ قيل للمرأة: اشهدي أنت، فقالت أربع مرّات: أشهد بالله إنّه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزّنا. فقال لها النّبيّ ﷺ عند الخامسة: [اتّق الله فإنّ الخامسة هي الموجبة، وإنّ عذاب الله أشدّ من عذاب النّاس] فسكتت ساعة وهمّت بالاعتراف، ثمّ قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة أنّ غضب الله عليها إن كان من الصّادقين فيما رماها به من الزّنا. ففرّق رسول الله ﷺ بينهما، وقضى أنّ الولد لها ولا يدعى لأب.
стр. 1881
ثمّ قال رسول الله ﷺ : [وإن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا فهو للّذي قيل فيه].فجاءت به غلاما أحمر كأنّه جمل أورق على الشّبه المكروه، وكان بعد ذلك أميرا على مصر لا يدري من أبوه (١).
وعلى القول الأول أن القصة بين شريك بن سحماء وعويمر؛ قالوا: أمر (٢) رسول الله ﷺ بالملاعنة، فقام فقال: أشهد بالله أنّ خولة بنت قيس زانية، وإنّي لمن الصّادقين فيما رميتها به. فقال في الثّانية: أشهد بالله إنّي رأيت شريكا على بطنها، وإنّي لمن الصّادقين. وقال في الثّالثة: أشهد بالله إنّها حبلى من غيري، وإنّي لمن الصّادقين-وكان عويمر قد اعتزلها أربعة أشهر لم يقربها، فظهر بها الحمل، فعلم أنّه من وطئ غيره-ثمّ قال في الخامسة: أنّ لعنة الله على عويمر-يعني نفسه-إن كان من الكاذبين فيما قال.
فأمره النّبيّ ﷺ بالقعود (٣) وقال لزوجته: [قومي] فقامت فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وأنّ عويمرا لمن الكاذبين. ثمّ قالت في الثّانية: أشهد بالله أنّه ما رأى شريكا على بطني، وإنّه لمن الكاذبين. ثمّ قالت في الثّالثة: أشهد بالله أنّي حبلى منه، وإنّه لمن الكاذبين. ثمّ قالت في الرّابعة: أشهد بالله ما رأى عليّ فاحشة قطّ، وإنّه لمن الكاذبين. ثمّ قالت في الخامسة: أنّ غضب الله على خولة-تعني نفسها-إن كان من الصّادقين.
ففرّق رسول الله ﷺ بينهما، وقال: [لولا هذه الأيمان لكان لي في أمرها رأي، وكان لي ولها شأن].ثمّ قال: [إن جاءت بالولد صهيبا أثيبج (٤) يضرب إلى
стр. 1882
السّواد، فهو لعويمر (١)،وإن جاءت به أورق جعد جماليا خدلج السّاقين، فهو لشريك بن سحماء الّذي رميت به. قال ابن عبّاس: (فجاءت بأشبه خلق الله بشريك ابن سحماء).
وعن الضّحاك عن ابن عبّاس قال (٢): (لمّا نزل قوله تعالى: ﴿(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ)﴾ الآية، قال عاصم بن عديّ: يا رسول الله! لو وجدت على بطن امرأتي رجلا؛ فقلت لها: يا زانية؛ أتجلدني ثمانين جلدة إلاّ أن آتي بأربعة شهداء؟! وإن مضيت لأربعة شهداء قضى الرّجل حاجته ومضى؟ فقال ﷺ : [هكذا أنزل يا عاصم]،قال: فخرج سامعا مطيعا، فلم يصل إلى منزله حتّى استقبله هلال بن أميّة يسترجعه، فقال: ما وراءك؟ قال: شرّ، وجدت شريك بن سحماء على بطن امرأتي خولة يزني بها، فرجع معه إلى رسول الله ﷺ وأخبره بذلك، فبعث إليها فجاءت.
فقال لها النّبيّ ﷺ : [ما تقولين؟] فقالت: يا رسول الله؛ إنّ شريك بن سحماء كان يأتينا، فنزل بنا فربّما تركه زوجي عندي وخرج ولم ينكر عليه من ليل ولا نهار، فلا أدري إنّه الآن أدركته الغيرة؛ أم بخل عليّ بالطّعام؟! فأنزل الله تعالى آية اللّعان ﴿(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ. وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ)﴾.
فأقامه النّبيّ ﷺ بعد العصر، وقال: [يا هلال! أنت الشّاهد أنّك رأيتها تزني] فقال: أشهد بالله رأيته على بطنها يزني بها وإنّي لمن الصّادقين، ما قربتها منذ أربعة أشهر، وإنّ حملها هذا الّذي في بطنها من شريك بن سحماء، وإنّي لمن الصّادقين.
أشهد بالله ما برئت منه ولا برئ منها، وإنّي لمن الصّادقين ... إلى أن قال في
стр. 1883
الخامسة: أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من ذلك. فقال القوم:
آمين.
فقال ﷺ : [يا خولة ويحك! إن كنت ألممت بذنب فأقرّي به، فإنّ الرّجم بالحجارة في الدّنيا أيسر عليك من غضب الله في الآخرة، وإنّ غضبه عذابه] فقالت: يا رسول الله كذب. فأقامها مقامه، فقالت: أشهد بالله ما أنا زانية، وإنّه لمن الكاذبين، ما رآه على بطني. أشهد بالله لقد برئت من الزّنا وبرئ شريك بن سحماء منّي، وإنّه لمن الكاذبين. أشهد بالله لقد قربني منذ أربعة أشهر وإنّ ما في بطني لهلال، وإنّه لمن الكاذبين. وقالت في الخامسة: أنّ غضب الله عليها إن كان من الصّادقين. ثمّ فرّق رسول الله ﷺ وقال: [المتلاعنان لا يجتمعان أبدا] (١).
قوله: ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ؛﴾ أي يدفع عنها الحدّ: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٩)؛وقرأ حفص: ﴿(وَالْخامِسَةَ)﴾ بالنصب، كأنه قال: وشهد الخامسة. وقرئ «(فشهادة أحدهم أربع شهادات)» بالرفع في قوله «(أربع)» على أنّها خبر المبتدأ، ويقرأ بالنصب على معنى: فشهادة أحدهم أن يشهد أربع شهادات (٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ؛﴾ محذوف الجواب؛ تقديره:
لولا فضل الله عليكم ورحمته لفضحكم بما تركبون من الفواحش، ولعجّلكم بالعقوبة من غير إمهال، ولبيّن الصادق من الكاذب، فيقام الحدّ على الكاذب ﴿وَأَنَّ اللهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾ (١٠)؛أي توّاب على من رجع عن معاصي الله، حكيم فيما فرض من الحدود.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ؛﴾ وذلك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يخرج إلى سفر أقرع بين نسائه، فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه.
стр. 1884
قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها وهي غزوة بني المصطلق، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ ، وذلك بعد ما أنزل الحجاب كنت أحمل في هودجي، وأحمل فيه حتّى إذا فصل رسول الله ﷺ من غزوته ورجع ودرنا إلى المدينة.
فلمّا كان ذات ليلة قمت حين آذنوا بالرّحيل، فمشيت حتّى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى الرّحل فلمست صدري فإذا عقدي قد انقطع، وكان من جزع ظفار (١)،فرجعت ألتمس عقدي وحبسني ابتغاؤه.
فأقبل الرّهط (٢) الّذين كانوا يرحلون (٣) لي، فحملوا هودجي على بعيري الّذي كنت أركب عليه وهم يحسبون أنّي فيه، وكنّ نساء إذ ذاك خفافا لم يغشهنّ اللّحم، إنّما يأكلن العلقة (٤) من الطّعام، ولم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رفعوه، وكنت جارية حديثة السّنّ، فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمرّ الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيمّمت (٥) منزلي الّذي كنت فيه، وظننت أنّ القوم يفقدونني فيرجعون إليّ.
فبينما أنا جالسة في مجلسي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطّل السّلميّ قد عرّس (٦) من وراء الجيش، فأدلج (٧) فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتى إليّ فعرفني حين رآني، وقد كان رآني قبل أن يضرب الحجاب، فما استيقظت إلاّ باسترجاعه (٨) حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، فو الله ما
стр. 1885
كلّمني بكلمة غير استرجاعه، فأناخ راحلته فوطأت على يدها وركبتها، وانطلق يقود في الرّاحلة حتّى أتينا الجيش بعد ما نزلوا وقت الظّهيرة. فهلك من هلك في شأني، وخاض عبد الله بن أبيّ وحسّان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش الأسديّة في ذلك، وكان الّذي تولّى كبره منهم عبد الله بن أبيّ بن سلول.
فقدمت المدينة، فأصابني مرض حين قدمتها شهرا، والنّاس يخوضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، ورسول الله ﷺ يزورني في وجهي لا أرى منه اللّطف الّذي كنت أرى منه إذا مرضت من قبل ذلك، إنّما كان يدخل فيقول: [كيف تيكم؟] فذلك يحزنني ولا أشعر بالسّرّ حتّى خرجت بعد ما نقهت.
فخرجت معي أمّ مسطح قبل المناصع (١) وهي متبرّزنا، ولا نخرج إلاّ من ليل إلى ليل، وذلك قبل أن نتّخذ الكنف، وأمرنا أمر العرب الأوّل في التّبرّز. فانطلقت أنا وأمّ مسطح-وهي عاتكة بنت أبي رهم بن عبد المطّلب بن عبد مناف، وأمّها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصّدّيق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عبّاد بن عبد المطّلب (٢) -فأقبلنا حتّى فرغنا من شأننا، فبينما نحن في الطّريق عثرت أمّ مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح! فقلت لها: بئس ما قلت! أتسبين رجلا شهد بدرا؟ قالت: أي هنتاه (٣)،أي أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي.
فلمّا رجعت إلى بيتي، دخل رسول الله ﷺ فسلّم ثمّ قال: [كيف تيكم؟] قلت:
أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ وإنّما قلت ذلك حينئذ لأتيقّن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ . فجئت أبويّ، فقلت لأمّي: يا أمّاه! ماذا يتحدّث النّاس؟ فقالت: أي بنيّة هوّني عليك، فو الله لقلّما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها ولها ضرائر إلاّ
стр. 1886
وأكثرن عليها. قلت: سبحان الله! وقد تحدّث النّاس بهذا؟ قالت: نعم. قالت:
فمكثت تلك اللّيلة حتّى أصبحت لا يرقأ (١) لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثمّ أصبحت أبكي.
ودعا رسول الله ﷺ أسامة بن زيد وعليّ بن أبي طالب حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله، فأمّا أسامة فأشار عليه بالّذي يعلم من براءتي وبالّذي يعلم في نفسه لهم من الودّ؛ فقال: يا رسول الله هم أهلك وما نعلم إلاّ خيرا. وأمّا عليّ بن أبي طالب ﵁ فقال: لم يضيّق الله عليك، والنّساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك. فدعا رسول الله ﷺ بريرة جارية عائشة فقال: [أي بريرة؛ هل رأيت من شيء يريبك في أمر عائشة؟].فقالت: لا؛ والّذي بعثك بالحقّ نبيّا ما رأيت عليها أمرا قطّ أغمضته عليها أكثر من أنّها حديثة السّنّ، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الدّاجن فتأكله.
قالت: فقام رسول الله ﷺ فاستعذر من عبد الله بن أبيّ بن سلول وهو على المنبر، فقال: [يا معشر المسلمين؛ من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي، فو الله ما علمت في أهلي إلاّ خيرا؟] فقال سعد بن معاذ الأنصاريّ: يا رسول الله؛ أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.
فقام سعد بن عبادة الخزرجيّ وكان رجلا صالحا، ولكن احتملته الحميّة (٢) فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على ذلك. فقام أسيد بن حصين؛ وهو ابن عمّ سعد بن معاذ؛ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله؛ لتقتله فإنّك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيّان الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر يحفظهم حتّى سكنوا.
стр. 1887
قالت عائشة: فمكثت يومي لا يرقأ لي دمع، وأبويّ يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها فجلست تبكي معي. فبينما نحن كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ ثمّ جلس، قالت:
ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبثت شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء. قالت: فتشهّد رسول الله ﷺ حين جلس، ثمّ قال: [أمّا بعد يا عائشة؛ فإنّه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرّؤك الله، وإن كنت قد ألممت بذنب فاستغفري الله ثمّ توبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بالذنب ثمّ تاب، تاب الله عليه].
قالت: فلمّا قضى رسول الله ﷺ قلص دمعي (١) حتّى ما أحسّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله ﷺ فيما قال. فقال: والله لا أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله ﷺ ، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت: وأنا جارية حديثة السّنّ لا أقرأ كثيرا من القرآن، والله لقد عرفتم إنّكم قد سمعتم هذا حتّى استقرّ في أنفسكم وصدّقتم به، ولئن قلت لكم إنّي بريئة والله يعلم أنّي بريئة لا تصدّقوني في ذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم إنّي بريئة لتصدّقوني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلاّ ما قال أبو يوسف ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ (٢).
قالت: ثمّ تحوّلت فاضطجعت على فراش، وأنا والله أعلم حينئذ أنّي بريئة، وأنّ الله منزّل ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظنّ أن ينزل في شأني وحيا يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم الله فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في منامه رؤيا يبرّئني الله بها. قالت: فو الله ما قام رسول الله ﷺ من مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتّى تغشّاه الوحي وأخذه ما كان يأخذه من البرحاء (٣) عند نزول الوحي، حتّى أنّه ليتحدّر منه من الجمان (٤) من العرق في اليوم الشّاتى. فلمّا سري عن رسول الله ﷺ إذا هو يضحك، فكان أوّل كلمة تكلّم
стр. 1888
بها أن قال: [أبشري يا عائشة؛ إنّ الله قد برّأك] فقالت لي أمّي: قومي إليه، فقلت:
والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلاّ الله سبحانه الّذي أنزل براءتي، فأنزل الله :
﴿(إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ)﴾ وهي عشر آيات.
فلمّا أنزل الله براءتي قال أبو بكر ﵁-وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره-:والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الّذي قال لعائشة ما قال. فأنزل الله تعالى ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى قوله تعالى ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾ قال أبو بكر: بلى؛ والله إنّي أحبّ أن يغفر الله لي. وأعاد إلى مسطح النّفقة وقال: لا أنزعها منه أبدا (١).
ثمّ إنّ الخبر بلغ إلى صفوان؛ فقال: سبحان الله! والله ما كشفت كنف أنثى.
فقتل شهيدا في سبيل الله، وزاد في آخره: قالت: وقعد صفوان بن المعطّل لحسّان ابن ثابت فضربه بالسّيف، وقال حين ضربه:
تلقّ ذباب السّيف عنّي فإنّني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر
ولكنّني أحمي حماي وأنتقم ... من الباهت الرّامي البراء الظّواهر
فصاح حسّان واستغاث بالنّاس على صفوان، وجاء حسّان إلى رسول الله ﷺ يستغيث به على صفوان في ضربه إيّاه، فسأله النّبيّ ﷺ أن يهب له ضربة صفوان إيّاه، فوهبها للنّبيّ ﷺ فعوّضه عليها حائطا من نخل عظيم وجارية روميّة. ثمّ باع حسّان ذلك الحائط من معاوية في ولايته بمال عظيم، وقال حسّان بن ثابت في براءة عائشة:
حصان رزان ما تزنّ بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
خليّة خير النّاس دينا ومنصبا ... نبيّ الهدى والمكرمات الفواضل
عقيلة حيّ من لؤيّ بن غالب ... كرام المساعي مجدها غير زائل
مهذبة قد طيّب الله خيمها (٢) ... وطهّرها من كلّ شين وباطل
стр. 1889
فإن كان ما قد جاء عنّي قلته ... فلا رفعت سوطي إليّ أناملي
فكيف وودّي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل
له رتب عال على النّاس فضلها ... تقاصر عنها سطوة المتطاول
ثمّ أمر رسول الله ﷺ بالّذين رموا عائشة فجلدوا جميعا ثمانين) (١).
قوله تعالى: ﴿(إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ)﴾ وهم أربعة: حسّان؛ ومسطح؛ وعبد الله بن أبي بن سلول؛ وحمنة بنت جحش. وقيل: العصبة من الواحد إلى الأربعين. والإفك في اللغة: الكذب.
قوله تعالى: ﴿(لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ)﴾ خطاب للنبيّ ﷺ ولأبي بكر ولعائشة فيما لحقهم من الحزن والغمّ الشديد. والمعنى: لا تحسبوه شرّا لكم بل هو خير لكم؛ لأنكم تؤجرون على ما قيل لكم من الأذى، وبما يكتب لكم من الثواب في الآخرة على الصّبر، ولما بيّن الله من طهارة عائشة وبراءتها بآيات تتلى في المحراب إلى يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ؛﴾ أي لكلّ امرئ من الخائضين في هذا الأمر جزاء ما كسب من الإثم. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ؛﴾ أي والذي تحمّل معظمه فبدأ بالخوض فيه وهو عبد الله بن أبيّ هو الذي بالغ في إشاعة هذا الحديث، وكان أهل الحديث يجتمعون عنده ويسيقون ذلك بأمره، ﴿لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١١)؛يصغر في مقابلته كلّ عذاب يكون في الدّنيا.
قرأ حميد الأعرج ويعقوب «(كبره)» بضم الكاف، قال أبو عمرو بن العلاء:
(هو خطأ لأنّ الكبر هو بضمّ الكاف في الولاء والسّنّ، ومنه الحديث [الولاء الكبر]) (٢).
стр. 1890
وروى ابن أبي مليكة عن عائشة قالت في حديث الإفك: (ثمّ ركبت وأخذ صفوان بالزّمام، فمررنا بملإ من المنافقين، فقام عبد الله بن أبيّ بن سلول، فقال: من هذا؟ قالوا: عائشة، قال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيّكم باتت مع رجل حتّى أصبحت، ثمّ جاء يقودها. وشرع في ذلك حسّان ومسطح وحمنة، ثمّ فشا ذلك في النّاس) (١).وقوله تعالى ﴿(لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ)﴾ يريد في الدّنيا الجلد ثمانين جلدة، وفي الآخرة يصيّره الله إلى النار.
قوله تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً؛﴾ أي هلاّ إذ سمعتموه أنّها العصبة الكاذبة؛ أي هلاّ إذ سمعتم قذف عائشة بصفوان، ظنّ المؤمنون والمؤمنات من العصبة الكاذبة يعني حمنة بنت جحش وحسّان ومسطح بأنفسهم خيرا. قال الحسن: (بأهل دينهم لأنّ المؤمنين كنفس واحدة).ألا ترى ظنّ المؤمنون الذي هم كنفس واحدة فيما جرى عليها من الأمور بأنفسهم خيرا، ﴿وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ (١٢)؛أي كذب ظاهر بيّن.
وروي: أن المراد بهذه الآية أبو أيّوب الأنصاريّ وامرأته أمّ أيوب، قالت: أما تسمع ما يقول النّاس في عائشة؟ قال: بل وذلك الكذب البيّن، أرأيت يا أمّ أيّوب كنت تفعلين ذلك؟ قالت: لا؛ والله ما كنت أفعله، قال: فعائشة والله خير منك، سبحان الله! هذا بهتان عظيم، فأنزل الله هذه الآية (٢).والمعنى: هلاّ إذا سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا كما فعل أبو أيّوب وامرأته قالا فيها خيرا.
قوله تعالى: ﴿لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ؛﴾ أي هلاّ جاء العصبة الكاذبة على قذفهم عائشة بأربعة شهداء يشهدون بأنّهم عاينوا منها ذلك، ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ (١٣)؛أخبر الله تعالى أنّهم كاذبون في قذفها، يعنى: إنّهم كاذبون في الظاهر والباطن، وكفى بهذا براءة لعائشة
стр. 1891
رضي الله عنها، فمن جوّز صدق أولئك في أمر عائشة صار كافرا بالله لا محالة؛ لأنه ردّ شهادة الله لها بالبراءة.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٤)؛معناه: لولا منّة الله وإنعامه عليكم في الدّنيا والآخرة بتأخير العذاب عنكم، وقبول التوبة لمن تاب لمسّكم فيما خضتم فيه من الإفك عذاب عظيم هائل في الدنيا والآخرة لا انقطاع له.
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ؛﴾ قال الكلبيّ: (وذلك أنّ الرّجل منهم كان يلقى الرّجل فيقول: بلغني كذا وكذا، ويتلقّونه تلقّيا)،قال الزجّاج: (يلقيه بعضكم إلى بعض) (١)، ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ؛﴾ ولا بيان ولا حجّة، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً؛﴾ أي تظنّون أن ذلك القذف سهل لا إثم فيه ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ (١٥)؛في الوزر والعقوبة. قرأ أبيّ: «(إذ تتلقّونه)» بتاءين، وقرأت عائشة «(إذ تلقونه)» بكسر اللام وتخفيف القاف من الولق، والولق الكذب، يقال: ولق فلان إذا استمرّ على الكذب، وولق فلان السّرّ إذا استمرّ به (٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا؛﴾ معناه:
هلاّ قلتم حين سمعتم ذلك: لا يحلّ لنا أن نتكلّم بهذا. قوله تعالى: ﴿سُبْحانَكَ؛﴾ أي تنزيها لله تعالى أن تكون امرأة نبيّه زانية، قوله تعالى: ﴿هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ (١٦)؛أي كذب، يقال: بهته يبهته بهتا وبهتانا؛ إذا أخبره بالكذب عليه.
وقوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً؛﴾ أي ينهاكم الله ويخوّفكم ويحرّم عليكم أن تعودوا لمثل هذا القذف، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٧)؛لأن قذف المحصنات لا يكون من صفات المؤمنين، وقوله تعالى ﴿(لِمِثْلِهِ)﴾ أي إلى مثله.
قوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ؛﴾ أي الأمر والنهي، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ؛﴾ بمقالة الكاذبين في أمر عائشة، ﴿حَكِيمٌ﴾ (١٨)؛في ما شرّع من الأحكام.
стр. 1892
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ فيه بيان على أن العزم على الفسق فسق، وأنّ على الإنسان أن يحبّ للناس ما يحبّ لنفسه، وأن يكون في قلبه سلامة للمؤمنين، كما يكون مأمورا بكفّ اللسان والجوارح. ومعنى الآية: إن الذين يحبّون أن يفشو ويظهر الزّنا في الذين آمنوا بأن ينسبوه إليهم ويقذفوهم به، ﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا؛﴾ يعني الجلد، ﴿وَالْآخِرَةِ؛﴾ يعني عذاب النار، يريد بذلك المنافقين، ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ؛﴾ ما خضتم فيه من الإفك، وما فيه من سخط الله، ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (١٩)؛ ذلك، فحذر رسول الله ﷺ جميع قاذفي عائشة.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٠) محذوف الجواب تقديره: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته) لعجّل لكم العذاب وعاقبكم في ما قلتم في أمر عائشة ومحبّتكم إشاعة الفاحشة فيها، ﴿(وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ)﴾ فلم يعاقبكم في ذلك. قال ابن عبّاس: (يريد مسطح وحسّان وحمنة).
قوله تعالى: ﴿*يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ؛﴾ أي لا تسلكوا طرق الشّيطان، ولا تعملوا بتزيينه ووسوسته في قذف عائشة، ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ؛﴾ أي يأمر بعصيان الله وكلّ ما يكره الله مما لا يعرف في شريعة ولا سنّة. وقيل: الفحشاء: القبيح من القول والعمل، والمنكر:
الفساد الذي ينكر العقل صحّته ويزجر عنه.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً؛﴾ أي ما صلح منكم من أحد أبدا. وقيل: معناه: ما طهر منكم أحد يذنب ولا صلح أمره بعد الذي قال في عائشة ما قال، ولا قبل توبة أحد منكم، ﴿وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ؛﴾ أي يطهّر من يشاء من الإثم بالرحمة والمغفرة، فيوفّقه للتوبة، ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ؛﴾ أي سميع لمقالتكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ (٢١)؛بما في نفوسكم من النّدامة والتوبة. وقيل: معناه: سميع لمقالة الخائضين في أمر عائشة وصفوان، عليم ببراءتهما.
قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ؛﴾ أي لا يحلف ذوو الغنى والسّعة منكم أن يعطوا
стр. 1893
ذوي القربى والمساكين والمهاجرين من مكّة إلى المدينة. نزل ذلك في أبي بكر ﵁ حين بلغه مقالة مسطح وأصحابه في خوضهم في أمر عائشة، حلف بالله لا ينفق عليه.
قيل: إنّه دعاه وقال له: (أغدوك يا مسطح بمالي وتؤذيني في ولدي؟ والله لا أنفق عليك).وكان مسطح ابن خالة أبي بكر ﵁، وكان مسطح من المهاجرين البدريّين. فلمّا نزلت هذه الآية تلاها رسول الله ﷺ على أبي بكر ﵁ فقال: (بلى؛ أحبّ أن يغفر الله لي، أطيع ربي وأرغم أنفي وأردّ النّفقة عليه) (١).
وقوله تعالى ﴿(أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى)﴾ معناه: أن لا يؤتوا فحذف (لا).قال ابن عباس: (قال الله لأبي بكر ﵁: قد جعلت فيك يا أبا بكر الفضل والمعرفة بالله وصلة الرّحم، وجعلت عندك السّعة فأنفق على مسطح، فله قرابة وله هجرة وله مسكنة).وقوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٢)؛قال مقاتل: (قال النّبيّ ﷺ لأبي بكر: [أما تحبّ أن يغفر الله لك؟] قال: بلى، قال: [فاعف واصفح] قال: قد عفوت وصفحت، لا أمنعه معروفي بعد اليوم أبدا، وقد جعلت له مثل ما كان قبل اليوم) (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ؛﴾ معناه: إن الذين يقذفون العفائف الغافلات عمّا قذفن به كغفلة عائشة عن ما قيل فيها، ﴿الْمُؤْمِناتِ،﴾ بالله ورسوله، ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ؛﴾ أي عذّبوا في الدّنيا بالحدّ، وفي الآخرة بعذاب النار. وسمّيت عائشة غافلة؛ لأنّها قذفت بأمر لم يخطر ببالها، فأصاب كلّ واحد من قاذفيها ذاهبة في الدّنيا. أمّا ابن أبيّ فقد مات كافرا ونهى النبيّ ﷺ عن الصّلاة عليه، وأما حسّان فقد دخل على عائشة ﵂ بعد ما ذهب بصره في آخر عمره، وأنشدها في بيتها:
حصان رزان ما تزنّ بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
стр. 1894
قالت: إنّك لست كذلك، فلمّا خرج من عندها، قيل لعائشة: إنّ الله وعدهم بعذاب في الدّنيا والآخرة؟ فقالت: أوليس هذا عذاب؟ يعني ذهاب بصره.
واختلف المفسّرون في هذه الآية ﴿(لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ)﴾ ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢٣)؛فقال مقاتل: (هذه الآية خاصّة في عبد الله بن أبيّ المنافق ورميه عائشة) (١)،وقال ابن جبير: (هذا الحكم خاصّة فيمن قذف عائشة، فمن قذفها فهو من أهل هذه الآية) (٢)،وقال الضحّاك والكلبيّ: (هذا في عائشة وفي جميع أزواج النّبيّ ﷺ خاصّة دون سائر المؤمنين) (٣)،قال ابن عبّاس: (هذه الآية في شأن أمّهات المؤمنين خاصّة ليس فيها توبة، وأمّا من قذف امرأة مؤمنة من غيرهنّ، فقد جعل الله له توبة).ثمّ قرأ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ إلى قوله:
﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا،﴾ قال: (فجعل الله لهؤلاء توبة، ولم يجعل لأولئك) (٤).
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [من أشاع على رجل كلمة فاحشة وهو منها بريء يريد أن يسبّه بها في الدّنيا، كان حقّا على الله أن يدسّه بها في النّار. وأيّما رجل جاء في شفاعة حدّ من حدود الله تعالى فعليه لعنة الله إلى يوم القيامة] (٥).
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ؛﴾ قال الكلبيّ: (تشهد عليهم يوم القيامة ألسنتهم بما تكلّموا به من الفرية في قذف عائشة) ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢٤)،قال ابن عبّاس: (تنطق بما عملت في الدّنيا)،وهذه عامّة في القاذفين وغيرهم. قرأ حمزة والكسائيّ: «(يوم يشهد)» بالياء لتقدّم الفعل.
стр. 1895
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ؛﴾ أي يوفّيهنّ جزاءهم الواجب على قدر أعمالهم، ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ (٢٥)؛أي ويعلمون يومئذ أنّ الله تعالى هو الحقّ المبين، يقضي بحقّ ويأخذ بحقّ ويعطي بحقّ.
قال ابن عباس: (وذلك أنّ عبد الله بن أبيّ بن سلول كان يشكّ في الدّين، ويعلم يوم القيامة أنّ الله هو الحقّ المبين).قرأ مجاهد: «(يومئذ يوفّيهم الله دينهم الحقّ)» برفع القاف على أنه نعتا لله، وتصديقه قراءة أبيّ «(يومئذ يوفّيهم الله الحقّ دينهم)» (١).وقوله تعالى ﴿(الْمُبِينُ)﴾ أي يبيّن لهم حقيقة ما كان بعدهم في الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ؛﴾ معناه: الكلمات الخبيثات للخبيثين من الرّجال؛ أي لا يتكلم بالكلمات الخبيثات إلاّ الخبيث من الرجال والنساء. وقيل: معناه: إن الخبيث من القول لا يليق إلاّ بالخبيث من الناس، وكلّ كلام إنّما يحسن في أهله، فيضاف سيّء القول إلى من يليق به ذلك، وكذلك الطيّب من القول، وعائشة لا يليق بها الخبيثات؛ لأنّها طيّبة فيضاف إليها طيّبات الكلام من الثّناء الحسن وما يليق بها.
وقال بعضهم: معنى الآية: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرّجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء للمشاكلة التي بينهما، والطيّبات من النساء للطيّبين من الرجال، والطيّبون من الرجال للطيّبات من النساء. وفي هذا تبرئة عائشة ﵂؛ لأنّ النبيّ ﷺ كان من أطيب الطيّبين، فلا يكون له إلاّ امرأة طيّبة.