قوله تعالى: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا؛﴾ ما سمع سماع إفهام إلاّ من يؤمن بآياتنا ويطلب الحقّ بالنظر في القرآن. وقال مقاتل: (إلاّ من يصدّق بالقرآن أنّه من الله) (١) ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٨١)؛أي مخلصون بتوحيد الله، والمعنى ما سمع دعوتك سماع القبول إلاّ من يطلب الحقّ بالنظر في آيات الله، فلا بدّ أن يسلم في ظهور الدّلائل.
قوله تعالى: ﴿*وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ؛﴾ معناه: وإذا وجب القول عليهم بالسّخط والعذاب عند قرب السّاعة ﴿(أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ)﴾،فقال قتادة: (إذا غضب الله عليهم وأوجب أن ينزل بهم ما قال الله وحكم به من عذابه وسخطه عليهم) (٢) أي على الكفّار الذين تخرج عليهم الدّابة، وهو قوله تعالى: ﴿(أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ)﴾ وذلك حين لا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر. قال مخلّد بن الحسين (٣): (لا تخرج الدّابّة حتّى لا يبقى أحد يريد أن يؤمن).قالوا: وتخرج الدّابة من صدع في الصّفا.
وروي أنه تخرج بين الصّفا والمروة، ولا تخرج إلاّ رأسها وعنقها، فيبلغ رأسها السحاب فيراها أهل المشرق والمغرب فيسمعون كلامها باللّسان، فتقول لهم: أيّها الكفّار مصيركم إلى النار، ثم تقبل على المؤمنين فتقول: أيّها المؤمنون مصيركم إلى الجنّة، فتميّز عند ذلك أهل الجنّة من أهل النار.
ويجوز أن يكون قوله ﴿(تُكَلِّمُهُمْ)﴾ من الكلم وهو الجراحة، كما روي في قراءة ابن عبّاس «(تكلمهم)» بنصب التاء وكسر اللام؛ أي تسمهم، تكتب على وجه الكافر:
إنّه كافر، وعلى جبين المؤمن: إنّه مؤمن.
стр. 2032
قال أبو هريرة: (إنها تخرج ومعها عصا موسى وخاتم سليمان) (١)،وعن ابن عمرو بن العاص أنه قال: (تكتب على وجه الكافر نكتة سوداء، فتعثوا في وجهه حتى يسود وجهه، وتكتب على وجه المؤمن نكتة بيضاء، فتعثوا في وجهه حتى يبيض وجهه، فتعرف المؤمن من الكافر عند ذلك) (٢).وعن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه أنه قال: (إذا ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان ذلك الوقت وقت أشراط الساعة وخروج الدابة) (٣).
قوله تعالى: ﴿أَنَّ النّاسَ؛﴾ قرأ أهل الكوفة ويعقوب ﴿(أَنَّ النّاسَ)﴾ بفتح الألف على وجه الحكاية من قول الدابة وعلى معنى: أخرجنا الدابة بأن الناس ﴿كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ (٨٢)؛وقرأ الباقون بالكسر على الابتداء.
وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : [بئس الشعب جياد -مرتين أو ثلاثا-] قالوا: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: [تخرج منه الدابة، فتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين] (٤).
وقال بعضهم: كنت مع ابن عباس بمكة، فبينما هو على الصفا إذ قرع الصفا بعصاة وهو محرم وهو يقول: إن الدابة تسمع قرع عصاي هذه، قال ابن عباس: (هي دابة ذات زغب وريش، ولها أربعة قوائم) (٥).
стр. 2033
وعن أبي هريرة قال: [تخرج الدابة ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فيجلوا وجه المؤمن بالعصا، وتحطم وجه الكافر بالخاتم] (١) والمحاطم هي الأنوف، واحدها محطم بكسر الطاء، وعن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : [دابة الأرض طولها ستون ذراعا لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب] (٢).
وعن ابن الزبير أنه وصف الدابة فقال: (رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين من مفاصلها اثنا عشر ذراعا، معها عصا موسى وخاتم سليمان) (٣).
وقال ﷺ : [تخرج الدابة من الصفا، فيبلغ صدرها الركن اليماني، ولم يخرج ذنبها بعد، وهي دابة ذات قوائم وبر] (٤).وعن ابن عمر أنه قال: (تخرج الدابة من صدع في الصفا، تجري كجري الفرس ثلاثة أيام، وما خرج ثلثها) (٥).
وقال ﷺ : [بينما عيسى ﵇ يطوف بالبيت ومعه المسلمون، إذ تضطرب الأرض تحتهم حتى يتحرك القنديل في المسجد، وينشق الصفا مما يلي المسعى، فتخرج الدابة، فأول ما يبدأ منها رأسها، ذات وبر ورأس لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب، تسمي الناس مؤمنا وكافرا، أما المؤمن فتترك وجهه كأنه كوكب دري، وتكتب بين عينيه: مؤمن، وأما الكافر فتكتب بين عينيه نكتة سوداء، وتكتب بين عينيه: كافر] (٦).
стр. 2034
وعن الحسن: (أن موسى سأل ربه أن يريه الدابة، فخرجت ثلاثة أيام ولياليهن تذهب في السماء ولم تخرج رجلاها، فنظر منها منظرا فظيعا؛ فقال: رب ردها، فردها).
قوله تعالى: ﴿(تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ)﴾ قال مقاتل: (تكلمهم بالعربية، فتقول: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، تخبر أن أهل مكة لم يؤمنوا بالقرآن والبعث والثواب والعقاب) (١).
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا؛﴾ الفوج: الجماعة من الناس كالزمرة والجماعة، وإنما يحشر الرؤساء والمتبوعين، والمعنى: يوم يجمع من كل أمة جماعة من المكذبين بالرسول، وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (٨٢)؛أي يحبسون، يتلاحقون فيساقون إلى الموقف لإقامة الحجة عليهم. وقيل: يحشر أولهم على آخرهم ليجتمعوا ثم يساقوا إلى النار، وقال ابن عباس: (﴿يُوزَعُونَ﴾ أي يدفعون) (٢).
قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً؛﴾ أي حتى إذا جاءوا إلى موقف الحساب، قال الله لهم: ﴿(أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي)﴾ استفهام بمعنى الإنكار عليهم، والوعيد لهم، قال ابن عباس: (معناه: أكذبتم أنبيائي وجحدتم فرائضي وحدودي) ولم تحيطوا بها علما؛ أي ولم تخبروا حتى تفقهوا وتسمعوا.
وقيل: معناه: ﴿(وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً)﴾ أنها باطل. والمعنى: أكذبتم بآياتي غير عالمين بها ولم تتفكروا في صحتها، بل كذبتم بها جهلا بغير علم. وقوله تعالى: ﴿أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨٤)؛حين لم تبحثوا عنها، ولم تتفكروا فيها، وهذا توبيخ لهم وإن كان بلفظ السؤال.
قوله تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا؛﴾ أي وجب العذاب عليهم بما أشركوا، ﴿فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ﴾ (٨٥)؛بحجة عن أنفسهم، بل يختم على أفواههم. ونظيره قوله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ، وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (٣).
стр. 2035
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً؛﴾ أي مضيئا لطلب المعاش، قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٨٦)؛ أي إن فيما ذكرنا من اختلاف الليل والنهار لدلالات للمؤمنين والكافرين، ولكنه خص المؤمنين لأنهم هم الذين ينتفعون بالذكر.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ؛﴾ قال ابن عباس: (يعني النفخة الأولى؛ وهي نفخة الصعق) ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ)؛﴾ أي ماتوا من شدة الخوف كقوله تعالى ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (١)، والمعنى: بلغ منهم الفزع إلى أن يموتوا.
وقوله: ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ؛﴾ قال ابن عباس: (يريد الشهداء وهم أحياء عند ربهم يرزقون،) وقال الكلبي ومقاتل: (يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت).وقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ (٨٧)؛أي كل الخلائق يأتون إلى موضع الجزاء أذلاء صاغرين.
وأما النفخة الثانية فتسمى نفخة البعث، وبينهما أربعون سنة. ويقال: ينفخ في الصور ثلاث نفخات؛ الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق وهو الموت، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين.
وعن عبد الله بن عمر قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ ، فسأله عن الصور، فقال: [هو قرن ينفخ فيه] (٢).وقال مجاهد: (هو كهيئة البوق) (٣).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لما فرغ الله من السماوات والأرض، خلق الصور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص يبصر نحو العرش، ينظر متى يؤمر] قال: قلت يا رسول الله! وما الصور؟ قال: [هو قرن]
стр. 2036
قلت: كيف هو؟ قال: [عظيم، والذي بعثني بالحق إن عظم دائرة فيه كعظم السماوات والأرض. فينفخ ثلاث نفخات؛ النفخة الأولى نفخة الفزع، والنفخة الثانية نفخة الصعق، والنفخة الثالثة نفخة القيام لرب العالمين.
فيأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول له: انفخ نفخة الفزع، فيفزع منها أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله، ويأمره أن يمدها ويطيلها وهو الذي يقول الله ﴿وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ﴾ (١)،ويسير الله الجبال فتمر مر السحاب فتكون سرابا، وترج الأرض بأهلها رجا، فتكون كالسفينة الموثقة في البحر، تضربها الأمواج وتلقيها الرياح، وكالقنديل المعلق ترجه الرياح، وهو قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ، قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ (٢) فتميد الأرض بالناس على ظهرها، فتذهل المراضع؛ وتضع الحوامل؛ ويشيب الأطفال، وتطير الشياطين هاربة من الفزع، حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع، وتولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا وهو قوله تعالى ﴿يَوْمَ التَّنادِ، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾ (٣).فبينما هم كذلك؛ إذ تصدعت الأرض، وتصير السماء كالمهل، وتنشق الأرض وتنشر نجومها وتكسف شمسها وقمرها. ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة الصعق، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله] (٤).
وقوله تعالى: ﴿(وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ)﴾،قرأ الأعمش وحمزة وخلف ﴿(أَتَوْهُ)﴾ مقصورا على الفعل بمعنى جاءوه. وقرأ الباقون بالمد وضم التاء (٥)،قوله تعالى: ﴿(داخِرِينَ)﴾ أي صاغرين.
قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ؛﴾ أي تحسبها يا محمد واقفة مستقرة فكأنها وتظنها ساكنة لا تتحرك في رأي العين، وهي
стр. 2037
تسير في الهواء سيرا سريعا، وترى السفينة تحسبها واقفة وهي سائرة، وقوله تعالى:
﴿(وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ)﴾ تسير سير السحاب حتى تقع على الأرض فتستوي بها.
قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ؛﴾ نصب على المصدر؛ كأنه قال: صنع الله ذلك صنعا على الإتقان والإحكام. وقيل: على الإغراء؛ أي أبصروا صنع الله الذي أتقن كل شيء؛ أي أحكم وأبرم ما خلق. ومعنى الإتقان في اللغة:
الإحكام للأشياء.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ (٨٨)؛قرأ نافع وابن عامر والكوفيون بالتاء (١)،والباقون بالياء، والمعنى: إنه خبير بما يفعله أعداؤه من المعصية والكفر، وبما يفعله أولياؤه من الطاعة.
قوله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها؛﴾ معناه: من وا في عرصات القيامة بالحسنات، فله ثواب آجر وأنفع منها. وقيل: معناه: من جاء بالإيمان. قال أبو معشر: (كان إبراهيم يحلف ما ينثني: أن الحسنة لا إله إلا الله) (٢).وقتادة: (الحسنة هي الإخلاص) (٣).والمعنى: من جاء بكلمة الإخلاص بشهادة أن لا إله إلا الله يوم القيامة؛ أي من وافى يوم القيامة بالإيمان فله خير منها. قال ابن عباس: (فمنها يصل الخير إليه) (٤) أي له من تلك الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب. و ﴿(خَيْرٌ)﴾ هاهنا اسم من غير تفضيل؛ لأنه ليس خير من لا إله إلا الله، ولكنه منها خير.
وقال بعضهم: دخلت على علي بن أبي طالب رضى الله عنه فقال لي: (ألا أنبئك بالحسنة التي من جاء بها أدخله الله الجنة، والسيئة التي من جاء بها أدخله الله النار، ولم يقبل منه عملا؟) قلت: بلى، قال: (الحسنة حبنا، والسيئة بغضنا) (٥).ومعنى ﴿(خَيْرٌ مِنْها)﴾:رضوان الله. وقيل: الأضعاف بعطية الله بالواحدة عشرا فصاعدا.
стр. 2038
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ (٨٩)؛قرأ أهل الكوفة ﴿(فَزَعٍ)﴾ منونا بنصب الميم، وقرأ الباقون بالإضافة، واختاره أبو عبيد لأنه أعم ويكون شاملا لجميع فزع ذلك اليوم، وإذا كان منونا كان الفزع دون فزع.
وقال أبو علي الفارسي: (إذا نون يجوز أن يكون الفزع واحدا، ويجوز أن يعني به الكثرة لأنه مصدر، والمصادر تدل على الكثرة وإن كانت مفردة الألفاظ كقوله سبحانه: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (١)) (٢).قال الكلبي: (إذا أطبقت النار على أهلها فزعوا فزعة لم يفزعوا مثلها أبدا، وأهل الجنة آمنون من ذلك الفزع).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ؛﴾ أي من وافى بالشرك والكبائر ﴿(فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ)﴾ أي ألقوا على وجوههم في النار، ويقول لهم خزنة جهنم: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٩٠)؛في الدنيا من الشرك.
قوله تعالى: ﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها؛﴾ أي قل يا محمد للمشركين: ﴿(إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ)﴾ يعني مكة ﴿(الَّذِي حَرَّمَها)﴾ أي الذي حرم فيها ما أحل في غيرها من الاصطياد؛ والاختلاء؛ والقتل؛ والسبي؛ والظلم، وأن لا يهاج فيها أحد حتى يخرج منها، فلا يصاد صيدها ولا يختلى خلالها.
وقيل: معنى ﴿(حَرَّمَها)﴾ أي عظم حرمتها، فجعل لها من الأمن ما لم يجعل لغيرها. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛﴾ لأنّه خالقه ومالكه. وقرأ ابن عبّاس «(الّتي (٣)» حرّمها) أشار إلى البلدة.
стр. 2039
وقوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٩١)؛أي وأمرت أن أكون من المسلمين المخلصين لله بالتّوحيد،
﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ؛﴾ عليكم يا أهل مكّة، يريد تلاوة الدّعوة إلى الإيمان. وفي الآية تعظيم لأمر الإسلام وتلاوة القرآن.
قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ؛﴾ أي من اهتدى فإنّما منفعة اهتدائه راجعة إلى نفسه، ﴿وَمَنْ ضَلَّ؛﴾ أي ومن ضلّ عن الإيمان والقرآن وأخطأ طريق الهدى، ﴿فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٩٢)؛أي من المخوّفين، فليس عليّ إلاّ البلاغ، فإنّي لم اؤمر بالإجبار على الهدى، وليس عليّ إلاّ الإنذار، وكان هذا قبل الأمر بالقتال.
قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ؛﴾ أي قل الحمد لله على نعمه، ﴿سَيُرِيكُمْ آياتِهِ؛﴾ يعني العذاب في الدّنيا، والقتل ببدر، ﴿فَتَعْرِفُونَها؛﴾ حين تشاهدونها، ثم أراهم ذلك، وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم وعجّلهم الله إلى النار، ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٩٣)؛من المنكر والكفر والفساد، وهذا وعيد لهم بالجزاء على أعمالهم.
وعن أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ أنّه قال: [من قرأ سورة النّمل كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من كذب وصدّق بموسى وهود وشعيب وصالح ولوط وإبراهيم واسحاق ويعقوب وسليمان ﵈، وخرج من قبره وهو ينادي: لا إله إلاّ الله] (١).
آخر تفسير سورة (النمل) والحمد لله رب العالمين
стр. 2040
سورة القصص
سورة القصص مكّيّة إلاّ آية واحدة ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ الآية، فإنّها نزلت بالجحفة بين مكّة والمدينة، وعدد حروف السّورة خمسة آلاف وثمانمائة حرف، وألف وأربعمائة وإحدى وأربعون كلمة، وثمان وثمانون آية.
وعن رسول الله ﷺ أنّه قال: [من قرأ سورة القصص لم يبق ملك في السّماوات والأرض إلاّ شهد له يوم القيامة أنّه كان صادقا، كلّ شيء هالك إلاّ وجهه، له الحكم وإليه ترجعون] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ (٢)؛قد تقدّم تفسيره، وقوله تعالى:
﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ؛﴾ أي نقرأ عليك خبر موسى وفرعون بالصّدق بينهما، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي تجبّر وتكبّر في أرض مصر ﴿وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً؛﴾ أي فرقا وأصنافا في الخدمة والتّسخير؛ يكرم قوما ويذلّ آخرين. وقوله تعالى: ﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ؛﴾ يعني بني إسرائيل، ثم فسّر ذلك فقال: ﴿يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ؛﴾ يقتل الأبناء ويترك البنات فلا يقتلهنّ. وقيل: معناه: يذبح أبناءهم صغارا ويبقي نساءهم للخدمة.
стр. 2041
وسبب ذلك: أنّ بعض الكهنة قالوا له: إنّ مولودا يولد في بني إسرائيل يكون سببا لذهاب ملكك. قال الزجّاج: (والعجب من حمق فرعون إن كان ذلك الكاهن عنده صادقا فما ينفع القتل؟! وإن كان كاذبا فما معنى القتل؟) (١).وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٤)؛يعني بالقتل والعمل بالمعاصي.
قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي نريد أن ننعم على الّذين استضعفوا في الأرض وهم بنو إسرائيل، ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً؛﴾ يقتدى بهم في الخير. قال قتادة: (ولاة وملوكا) ودليله قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾ (٢) ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ (٥)؛لملك فرعون، ولمساكن قومه، يرثون ديارهم وأموالهم.
قوله تعالى: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي يمكّنهم ما كان يملك فرعون.
قوله تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (٦)؛أي ما كانوا يخافونه من هذا المولود الذي به يذهب ملكهم على يديه، وذلك أنّهم أخبروا أنّ هلاكهم على يدي رجل من بني إسرائيل، فكانوا على وجل منهم فأراهم الله تعالى ﴿(ما كانُوا يَحْذَرُونَ)﴾ أي ما كانوا يخافون من جهتهم من ذهاب ملكهم على أيديهم.
وقرأ الأعمش وحمزة والكسائيّ وخلف: «(ويري فرعون)» بالياء وما بعده رفعا على أنّ الفعل لهم، وقرأ الباقون بالنّون مضمومة وما بعده نصب بوقوع الفعل عليهم.
قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ؛﴾ لم يرد بالوحي وحي الرّسالة، وإنّما أراد الإلهام كما في قوله تعالى ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ (٣).ويقال:
أراها الله في المنام فعرفته بتفسير الرّؤيا. وقال بعضهم: أتاها ملائكة خاطبوها بهذا الكلام. واسم أمّ موسى نوخابد بنت لاوي بن يعقوب.
стр. 2042
قال وهب بن منبه: (لمّا حملت أمّ موسى بموسى كتمت أمرها عن (١) جميع النّاس فلم يطّلع على حملها أحد من خلق الله تعالى، فلما كانت السّنة التي ولد فيها موسى بعث فرعون القوابل يفتّشن النساء، وحملت أمّ موسى ولم ينتأ بطنها، ولم يتغيّر لونها، ولم يظهر لبنها، وكانت القوابل لا تتعرض لها، فلما كانت الليلة التي ولد فيها ولدته أمّه ولا رقيب عليها ولا قابلة، لم يطّلع عليه أحد إلاّ أخته) (٢).
ثم أوحى الله إليها: أن أرضعيه، ﴿فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ؛﴾ قال: فكتمته ثلاثة أشهر ترضعه في حجرها لا يبكي ولا يتحرك، فلما خافت عليه عملت له تابوتا مطبقا ومهدت له فيه، ثم ألقته في البحر ليلا كما أمرها الله، فلما أصبح فرعون جلس في مجلسه على شاطئ النّيل، فبصر بالتابوت، فقال لمن حوله:
ائتوني بهذا التابوت، فأتوا به، فلما وضع بين يديه فتحوه، فوجدوا فيه موسى، فلما نظر إليه فرعون اغتاظ وقال: كيف أخطأ هذا الغلام الذبح؟!
وكان لفرعون امرأة يقال لها آسية من خيار النّساء من بنات الأنبياء، وكانت أمّا للمسلمين ترحمهم وتتصدّق عليهم، فقالت لفرعون وهي قاعدة إلى جنبه: هذا الولد أكبر من ولد سنة وأنت إنّما أمرت أن تذبح الولدان بهذه السّنة، فدعه يكون قرّة عين لي ولك، لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتّخذه ولدا، فقال فرعون لها: عسى أن ينفعك، فأما أنا فلا أريد نفعه.
قال وهب: (لو قال فرعون كما قالت امرأته: عسى أن ينفعنا؛ لنفعه الله به، ولكنه أبى أن يقول للشّقاء الذي كتبه الله عليه، فتركه فرعون ولم يقتله) (٣).
стр. 2043
قوله تعالى: ﴿(أَنْ أَرْضِعِيهِ)﴾ أي أرضعيه ما لم تخافي عليه الطلب، فإذا خفت عليه الطلب ﴿(فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ)﴾ أي في البحر، فقالت: يا رب؛ إنّي أخاف عليه حيتان البحر، فأمرت أن تجعله في تابوت مقيّر، فذهبت إلى النّجّار، فأمرته أن يصنع لها تابوتا على قدره، فعرف ذلك فذهب إلى الموكّلين بذبح بني إسرائيل ليخبرهم بذلك، فلما انتهى إليهم أعقل لسانه فلم يطق الكلام، فجعل يشير بيده فلم يفهموا، فقال كبيرهم:
اضربوه؛ فضربوه وأخرجوه، فلما انتهى النجّار إلى موضعه ردّ الله عليه لسانه، فرجع إليهم ليخبرهم فاعتقل لسانه، فجعل يشير إليهم بيده، فلم يفهموه فضربوه، ففعل ذلك ثلاث مرّات، فعرف أنه من عند الله تعالى، فخرّ لله ساجدا وأسلم، ثم صنع التابوت وسلّمه إلى أمّ موسى فوضعته فيه وألقته في النّيل.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي؛﴾ أي لا تخافي من الغرق والهلاك، ولا تحزني لفراقه، ﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٧)؛إلى فرعون وقومه.
قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ؛﴾ قال ابن عبّاس: (لمّا ألقته أمّه في البحر أقبل تهوي به الأمواج حتّى اختار منزل فرعون، فخرجت جواري فرعون تسقين الماء، فأبصرت التّابوت بين الشّجر والماء فأخرجته وذهبت به إلى امرأة فرعون، فذلك قوله تعالى ﴿(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ)﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً؛﴾ هذه (لام) العاقبة لأنّ أحدا لا يلتقط الولد ليكون له عدوّا، ونظير هذا قولهم: لدّوا للموت وابنوا للخراب.
وقوله تعالى ﴿(وَحَزَناً)﴾ قرأ أهل الكوفة إلاّ عاصما بضمّ الحاء وجزم الزّاي وهما لغتان، مثل السّقم والسّقم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ (٨)؛ أي متعمّدين في الإقامة على الكفر والمعصية، يقال: خطأ فلان يخطئ خطأ إذا تعمّد الذنب وأخطأ إذا وقع منه على غير الصّواب، وقيل: معناه: إنّ فرعون وهامان وجنودهما كانوا آثمين عاصين.
стр. 2044
قوله تعالى: ﴿وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ؛﴾ وذلك أنّ فرعون همّ بقتله، فقالت له امرأته: ليس من أولاد بني إسرائيل، وقد أتانا الله به من أرض أخرى، ﴿لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا،﴾ فلا تقتله أيّها الملك، فهو قرّة عين لي ولك، وعسى أن ينفعنا في أمورنا، ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٩)؛ أنّ هلاكهم على يديه، وقيل: وهم لا يشعرون أنّي أفعل ما أريد ولا أفعل ما يهوون.
قوله تعالى: ﴿(قُرَّتُ عَيْنٍ)﴾ مشتقّ من القرور؛ وهو الماء البارد، ومعنى قولهم: أقرّ الله عينك؛ أي أبرده معك؛ لأن دمعة السّرور باردة، ودمعة الحزن حارّة.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً؛﴾ أي أصبح قلب أمّ موسى وهي نوخابد بنت لاوي بن يعقوب فارغا من كلّ شيء إلاّ عن همّ موسى وذكره.
قوله تعالى: ﴿إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها؛﴾ أي لولا أن شددنا على قلبها بالصبر عن إظهار ذلك، ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠)؛ أي من المصدّقين بما سبق من الوعد، وهو قوله تعالى: ﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ ولو أظهرت لكان ذلك سببا لقتله.
والرّبط على القلب: هو إلهام الصّبر وتقويته. وقيل: معناه: وأصبح فؤاد أمّ موسى فارغا من الصّبر على فراق موسى لولا أن ربطنا على قلبها لأبدت به. وقيل:
فارغا من الحزن لعلمها بأنه لم يعرفه. قرأ فضالة بن عبيد (١) «(وأصبح فؤاد أمّ موسى فزعا)» بالزّاي والعين من غير ألف من الفزع (٢).
قوله تعالى: ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ؛﴾ أي قالت أمّ موسى لأخته- واسمها مريم-:ابتغي أثره وانظري أين وقع؛ لتعلمي خبره وإلى من صار، فذهبت في إثر التّابوت، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ؛﴾ بموسى، ﴿عَنْ جُنُبٍ؛﴾ أي عن بعد قد
стр. 2045
أخذوه، ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (١١)؛أنّها قد جاءت لتعرف عن خبره.
وقال ابن عبّاس: (الجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى الشّيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به) (١) وكانت مجانبة لتحديق النّظر إليه كيلا يعلم بما قصدت به. وقال قتادة: (كانت تنظر إليه كأنّها لا تريده) (٢)،وكان يقرأ «(عن جنب)» بفتح الجيم وسكون النّون. وقرأ النّعمان بن سالم (٣): «(عن جانب)» أي عن ناحية ﴿(وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)﴾ أنّها أخته.
قوله تعالى: ﴿*وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ؛﴾ المراضع جمع مرضعة، وقوله تعالى: ﴿(مِنْ قَبْلُ)﴾ أي من قبل مجيء أمّه، ومعنى: (حرّمنا عليه) أي منعناه، وقد يذكر التحريم بمعنى المنع. قال الشاعر:
جاءت لسرعتي فقلت لها اصبري ... إنّي امرؤ صرعي عليك حرام (٤)
أي ممتنع.
وذلك أنّ الله تعالى أراد أن يردّه إلى أمّه، فمنعه من قبول ثدي المراضع، فلما تعذر عليهم رضاعه؛ ﴿فَقالَتْ﴾ أخته: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ؛﴾ أي يضمنون لكم القيام به ورضاعه، ﴿وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ﴾ (١٢)؛ أي يشفقون عليه وينصحونه، قالوا لها: من؟ قالت: أمّي، قالوا: ولأمّك لبن؟ قالت:
نعم؛ لبن أخي هارون، وكان هارون ولد في سنة لا يقتل فيها صبيّ، فقالوا: صدقت.
فدلّتهم على أمّ موسى، فدفع إليها لتربيه لهم.
стр. 2046
فلما وجد الصبيّ ريح أمّه قبل ثدييها وأتمّها الله ما وعدها وهو قوله تعالى:
﴿فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ؛﴾ على فراقه، ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ؛﴾ بردّ ولدها إليها، ﴿حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٣) أنّ الله وعدها بردّ ولدها إليها.
قوله تعالى: ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى؛﴾ قال مجاهد: (﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾؛أي ثلاثا وثلاثين سنة)، ﴿(وَاسْتَوى)﴾ أي بلغ أربعين سنة (١)،وهو قول ابن عبّاس وقتادة (٢).
قوله تعالى: ﴿آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ يعني الفقه والعقل والعلم في دينه ودين آبائه، قد تعلّم موسى وحكم قبل أن يبعث نبيّا. وقال ابن عبّاس: (لمّا بلغ موسى أربعين سنة آتاه الله النّبوّة).وقيل: الأشدّ: منتهى الشّباب والقوّة، والاستواء: إتمام الخلق واعتدال الجسم في الطّول والعظم، وإنّما يبلغ المرء هذا الحدّ في اثنين وعشرين سنة إلى أربعين سنة.
قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٤)؛فيه بيان أنّ إنشاء العلم والحكمة يجوز أن يكون على الإحسان؛ لأنّهما يؤدّيان إلى الجنّة التي هي جزاء المحسنين.
قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ؛﴾ أي دخل موسى مدينة فرعون وهي مدينة يقال لها منف، وكانت من مصر على فرسخين (٣).وقوله تعالى: ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها،﴾ قال ابن عبّاس: (في وقت الظّهيرة عند المقيل وقد خلت الطّرق) (٤).
стр. 2047
وقيل: دخلها بين المغرب والعشاء، وقيل: دخلها يوم عيدهم وكانوا مشغولين عن موضع مدينتهم باللهو واللّعب، ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ؛﴾ أي من بني إسرائيل، ﴿وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ؛﴾ أي من القبط، وكان القبطيّ يسخّر الإسرائيليّ ليحمل له حطبا إلى مطبخ فرعون، والإسرائيليّ يأبى ذلك، ﴿فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ؛﴾ أي استنصره الإسرائيليّ، ﴿عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ،﴾ على القبطيّ، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى؛﴾ أي ضربه بجمع كفّه في صدره، ﴿فَقَضى عَلَيْهِ؛﴾ أي قتله فوقع القبطيّ ميّتا. وكلّ شيء فرغت منه وأتممته فقد قضيت عليه وقضيته، والوكز: الضّرب بجمع الكفّ.
وكان موسى ﵇ قد أوتي بسطة في الخلق وشدّة القوة والبطش، وكان من نيّة موسى أنه لا يريد قتله ولم يتعمّد هلاكه، بل قال له أوّلا: خلّ سبيله، فقال: إنّما أريده ليحمل الحطب إلى مطبخ فرعون، ﴿(فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ)﴾ أي قتله وفرغ من أمره، والوكز واللّكز والهز بمعنى واحد وهو الدّفع، ويقال: وكزه بعصاه.
فلمّا قتله موسى ﵇ ندم على قتله وقال: لم أدر بهذا، ثم دفعه في الرّمل، ﴿قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ؛﴾ لأنّي كنت لا أريد قتله، ولكن هيّج الشيطان حربي حتى ضربته. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (١٥)؛أي عدوّ لبني آدم مضلّ له مبين عداوته لهم.
ثم استغفر موسى ربّه ف ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي؛﴾ بقتل القبطي قبل ورود الأمر والإذن لي فيه، ﴿فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١٦)
قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ (١٧)؛أي بما أنعمت عليّ بالمغفرة والحلم والعلم فلن أكون عونا للكافرين، وهذا يدلّ على أنّ الإسرائيليّ الذي أعانه موسى كان كافرا.
قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ؛﴾ أي أصبح من عند ذلك اليوم في تلك المدينة التي فعل فيها ما فعل خائفا على نفسه من فرعون وقومه ﴿(يَتَرَقَّبُ)﴾ أي ينظر عاقبة أمره، والتّرقّب: انتظار المكروه؛ أي ينتظر سوءا يناله منهم، ﴿فَإِذَا؛﴾ ذلك الإسرائيليّ، ﴿الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ؛﴾ أي يستغيثه
стр. 2048
على رجل آخر من القبط، ﴿قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١٨)؛أي ضالّ عن طريق الحقّ بيّن الجدال، يقاتل من يقاومه، وقد قتلت أمس في سببك رجلا، وتدعوني اليوم إلى آخر.
ثم أقبل موسى وهمّ أن يبطش الثانية بالقبطيّ، ظنّ الإسرائيليّ أنه يريد أن يبطش به لقوله ﴿(إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ)﴾ فقال الإسرائيليّ: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟ ولم يكن أحد من قوم فرعون علم أنّ موسى هو الذي قتل القبطيّ حتى أفشى عليه هذا الإسرائيليّ، وسمع القبطيّ ذلك فأتى فرعون فأخبره، وذلك معنى
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ؛﴾ وكان أيضا هذا القبطيّ الثاني سخّر الإسرائيليّ يحمل عليه حطبا.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّاراً فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي ما تريد إلاّ أن تكون قتّالا في أرض مصر بالظّلم. قال الزجّاج: (الجبّار في اللّغة: الّذي لا يتواضع لأمر الله، والقاتل بغير حقّ جبّارا) (١).
وقوله تعالى: ﴿وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ (١٩)؛أي من الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. فلمّا سمع القبطيّ مقالة الإسرائيليّ علم أنّ موسى هو الذي قتل القبطيّ بالأمس، ولم يكن أحد علم ذلك قبل هذا فانطلق القبطيّ فأخبر فرعون، فأرسل فرعون إلى أولياء المقتول أن اقتلوا موسى.
قوله تعالى: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ؛﴾ من شيعة موسى، ﴿مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ؛﴾ أي من آخرها إلى موسى فأخبره بذلك، وقوله تعالى: ﴿يَسْعى؛﴾ أي يمشي على رجليه مسرعا وهو حزقيل بن صوريا مؤمن من آل فرعون، ﴿قالَ؛﴾ له:
﴿يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ؛﴾ أي أنّ الخواصّ من قوم فرعون يتشاورون في قتلك، ﴿فَاخْرُجْ؛﴾ من المدينة، ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ (٢٠)؛
стр. 2049
وقال الزجّاج: (﴿يَأْتَمِرُونَ﴾ أي يأمر بعضهم بعضا بقتلك) (١).فاخرج إنّي لك من النّاصحين في أمري لك بالخروج،
﴿فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً؛﴾ أي خرج موسى من المدينة، ﴿يَتَرَقَّبُ؛﴾ أي ينظر متى يلحق فيؤخذ، ﴿قالَ؛﴾ عند ذلك: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٢١)؛أي من فرعون وقومه أين يذهب.
قوله تعالى: ﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ؛﴾ أي لمّا سار نحو مدين، وكان قد خرج بغير زاد ولا حذاء ولا ركوبة، بل خرج هائما على وجهه هاربا من فرعون وقومه لا يدري أين يذهب، فخاف أن يخطئ الطريق. ومدين اسم ماء لقوم شعيب، وبينه وبين مصر ثمانية أيّام، سمي ذلك الماء باسم مدين بن إبراهيم ﵇.
فلمّا لم يكن لموسى علم بالطريق خشي أن يذهب يمينا وشمالا ف ﴿قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (٢٢)؛أي يرشدني قصد الطريق إلى مدين، فلمّا دعا موسى بهذا جاءه ملك على فرس فانطلق به إلى مدين. قال المفسّرون: خرج موسى من مصر بلا زاد ولا درهم ولا ركوبة إلى مدين، وبينهما مسيرة ثمان ليال، ولم يكن له طعام إلاّ ورق الشّجر.
قوله تعالى: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ؛﴾ أي بلغ بئرهم التي كانوا يسقون منها، قال ابن عبّاس: (ورد ماءهم وأنّه ليرى خضرة الشّجرة في بطنه من الهزال) (٢).
وقوله: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ؛﴾ أي وجد على ذلك الماء جماعة من الناس يسقون أغنامهم مواشيهم، ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ؛﴾ أي تحبسان غنمهما عن الماء حتى تفرغ الناس ويخلو لهما الماء، وهما بنتا شعيب.
والذود في اللغة: الطّرد والدفع والكفّ، ومعنى ﴿(تَذُودانِ)﴾ تدفعان وتكفّان الغنم من أن يخلط بأغنام الناس، وحتى يقرب الماء إلى أن يفرغ القوم.
стр. 2050
قوله تعالى: ﴿قالَ ما خَطْبُكُما؛﴾ أي قال موسى لابنتي شعيب: ﴿(ما خَطْبُكُما)﴾ أي ما شأنكما لا تسقيان غنمكما مع الناس؟ ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ؛﴾ قرأ الحسن وابن عامر وأبو عمرو بفتح الياء وضمّ الدال، جعلوا الفعل للرّعاء؛ أي حتى يرجع الرّعاء عن الماء، وقرأ الباقون «(يصدر)» بضمّ الياء وضمّ الدال؛ أي حتى يصدروا مواشيهم من وردهم، فيخلوا لنا الموضع فنسقي أغنامنا فضل ما في الحوض. والرّعاء جمع راع (١).
قال ابن اسحاق: (قالتا: نحن امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرّجال ﴿وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (٢٢)؛لا يقدر أن يسقي ماشيته من الكبر والضّعف، وليس له أحد غيرنا، فلذلك احتجنا ونحن نساء أن نسقي الغنم.
قوله تعالى: ﴿فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إِلَى الظِّلِّ؛﴾ فلما سمع موسى قولهما رحمهما، فقام ليسقي لهما غنمهما، فوجد بقربهما بئرا أخرى على رأسها صخرة عظيمة لا يطيق رفعها إلاّ جماعة من الناس، فاقتلعها وحده ثم أخذ الدّلو من القوم، فأدلاها في البئر، ونزعها وأفرغها في الحوض، ثم دعا بالبركة فشرب الغنم حتى روي.
وقيل: إنه زاحم القوم على بئرهم وسقى لهما غنمهما، فذلك قوله تعالى:
﴿(فَسَقى لَهُما)﴾ أي سقى لهما أغنامهما قبل الوقت الذي كانا يسقيان فيه، ثم رجع من الشّمس إلى ظلّ شجرة فجلس تحتها من شدّة الحرّ، وهو جائع، ﴿فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٢٤)؛أي إنّي لمحتاج فقير إلى ما قدّرت لي من الطعام، وكان خرج من مصر بغير زاد وكان لا يأكل في الأيام الثمانية إلاّ الحشيش والشّجر إلى أن بلغ ماء مدين، فلما أدركه الجوع الشديد؛ وكان لا يقدر على شيء؛ سأل الله أكله من الطعام.
стр. 2051
قال ابن عبّاس: (سأل الله فلق خبز أن يقيم به صلبه) (١)،قال سعيد بن جبير:
(لقد قال موسى: إنّي لما أنزلت إليّ من خبز فقير، وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلى شقّ تمرة) (١)،وقال محمّد: (ما سأل الله إلاّ الخبز).واللام في قوله تعالى ﴿(إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ)﴾ بمعنى: إليّ، يقال: فقراء وفقير إليه.
قوله تعالى: ﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ؛﴾ وذلك أنّ موسى ﵇ لمّا سقى لهما، رجعا إلى أبيهما سريعا، فقال لهما أبوهما: ما أعجلكما؟ قالتا:
وجدنا رجلا صالحا رحمنا، فسقى لنا أغنامنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي، فجاءته تمشي مستحية مشي من لا يعتاد الدّخول والخروج، واضعة كفّها على وجهها، معرضة من الحياء، وكانت التي أرسلها أبوها إلى موسى هي الصّغرى منهما، واسمها صورا، قال عمر بن الخطّاب في قوله تعالى: ﴿(فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ)﴾: (واضعة ثوبها على وجهها؛ أي مستترة بكمّ ذراعها) (٢).قال أهل اللّغة:
السّلفع: الجريئة التي هي غير مستحية (٣).
وقوله تعالى: ﴿قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ أي ليعطيك ذلك، فلما قالت ذلك لموسى شقّ عليه قولها، وهمّ أن لا يتبعها وكان بينه وبين أبيها مقدار ثلاثة أميال، ثم إنه لم يجد بدّا من اتّباعها؛ لأجل الجهد والجوع الذي حلّ به ولأجل الخوف الذي خرج لأجله، فانطلق معها، وكانت الريح تضرب ثوبها فنكّرته (٤) بردفها فتصف له عجيزتها، وكانت ذات عجز، فجعل موسى يغضّ
стр. 2052
بصره ويعرض عنها، ثم قال لها: (يا أمة الله كوني خلفي، وانعتي لي الطّريق بقولك، ودلّيني عليها إن أنا أخطأت، فإنّا بنوا يعقوب لا نستطيع النّظر إلى أعجاز النّساء) (١).
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٢٥)؛أي فلمّا جاء موسى إلى شعيب إذ هو بالعشاء مهيّأ، فقال له شعيب: من أنت؟ قال: أنا رجل من بني إسرائيل من أهل مصر، وحدّثه بما كان منه من قتل القبطيّ وفراره من فرعون، فقال له شعيب: اجلس ﴿(لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ)﴾ أي نجوت من فرعون وقومه، فإنّهم لا سلطان لهم بأرضنا، ولسنا مملكته.
فجلس معه موسى ﵇ فقال له شعيب: هاك فتعشّ، فقال: أعوذ بالله، فقال له شعيب: ولم ذلك وأنت جائع؟ قال: أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لكم، وإنّا أهل بيت لا يبغ شيئا من عمل الآخرة بملء الأرض ذهبا، فقال شعيب: لا والله! ولكنّها عادتي وعادة آبائي، نقري الضّيف ونطعم الطعام، فجلس موسى ﵇ يتعشّى حينئذ.
قوله تعالى: ﴿قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (٢٦)؛أي قالت إحداهما وهي التي تزوّجها موسى: يا أبت اتّخذه أجيرا يرعى لنا غنمنا، فإنّ خير من استأجرت الذي يقوى على العمل، ويؤدّي الأمانة.
فقال لها أبوها: وما علمك بقوّته وأمانته؟ فقالت: أمّا قوّته فإنه لمّا رأى أغنامنا محبوسة عن الماء، قال لنا: هل بقربكما بئر؟ قلنا: نعم؛ لكن عليها صخرة عظيمة لا يرفعها إلاّ أربعون رجلا، قال: انطلقا بي إليها، فانطلقا به إليها، فأخذ الصخرة بيده ونحّاها سهلا من غير كلفة. وأمّا أمانته فإنه قال لي في بعض الطّريق:
امش خلفي، فإن أخطأت الطريق فارم قبلي بحصاة حتى أنهج نهجا، فإنّا قوم لا ننظر
стр. 2053
إلى وراء النّساء. ولهذا المعنى قال عمر ﵁: (لا يصلح لأمور المسلمين إلاّ القويّ من غير عنف، والرّقيق من غير ضعف) (١).
قال فلمّا ذكرت المرأة من حال موسى ازداد أبوها رغبة فيه و ﴿قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ؛﴾ أي على أن ترعى غنمي، ويكون فيها أجرا إلى ثمان سنين، ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ؛﴾ فهو بفضل منك ليس بواجب عليك، ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ؛﴾ في العشر، ولا أكلّفك إلاّ العمل المشروط، والمراد بالحجج السّنين. قوله تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٢٧)؛ممن وافق فعله.
وقيل: ستجدني إن شاء الله من الوافين بالعهد، المحسنين الصّحبة.
ف ﴿قالَ﴾ موسى لشعيب: ﴿ذلِكَ؛﴾ الشرط ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ؛﴾ يعني الذي وصفت وشرطت على ذلك، وما شرطت لي من تزويج إحداهما عليّ فلي، والأمر بيننا. وثم السّلام. ثم قال: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ؛﴾ أيّ الأجلين من الثّمان أو العشر، ﴿قَضَيْتُ؛﴾ أي أتممت وفرغت، ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ؛﴾ أي لا ظلم ولا حرج ولا كلفة. قال الفرّاء: (ما) صلة في قوله: ﴿(أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ)﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ (٢٨)؛أي شهيد على ما عقد بعضنا على بعض. قال ابن عبّاس: (والله شهيد بيني وبينك).
стр. 2054
وعن ابن عبّاس ﵄ قال: سئل رسول الله ﷺ أيّ الأجلين قضى موسى؟ فقال: [أوفاهما وأبطئهما] (١).وعن أبي ذرّ (٢) قال: قال رسول الله ﷺ :
[وإذا سئلت عن أيّ الأجلين قضى موسى؟ فقل: خيرهما أو أبرّهما، وإن سئلت أيّ المرأتين تزوّج؟ فقل الصّغرى منهما والّتي جاءت فقالت: يا أبت استأجره] (٣).
قوله تعالى: ﴿*فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ؛﴾ أي فلمّا وفّى موسى أتمّ الأجلين وهو عشر سنين، وسار بأهله نحو مصر، قال مقاتل: (استأذن موسى صهره شعيب في العود إلى مصر لزيارة والديه وأخته، فأذن له، فسار بأهله نحو مصر؛ ﴿آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ﴾ فأبصر باللّيل الظّليم عن يسار الطّريق، أي الجبل، ﴿ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا؛﴾ أي انزلوا هاهنا، ﴿إِنِّي آنَسْتُ؛﴾ أي أبصرت، ﴿ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ؛﴾ أي من عند النار بخبر، وأعلم لم أوقدت تلك النار. ويقال: كان أخطأ الطريق فأراد أن يسأل عن الطريق من يجده عند النار. وقوله تعالى: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ؛﴾ معناه: أو آتيكم بقطعة من الحطب في رأسها شعلة من النار لكي تدفّئوا من البرد، وكانوا في شدّة الشّتاء).
وفي قوله ﴿(جَذْوَةٍ)﴾ ثلاث قراءات: فتح الجيم وهي قراءة عاصم، وضمّها وهي قراءة حمزة، وكسرها وهي قراءة الباقين، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (٢٩)؛أي تدفئون بها عن البرد.
стр. 2055
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ؛﴾ أي فلمّا أتى موسى النار نودي من جانب الوادي الأيمن أراد يمين موسى، وقوله تعالى ﴿(فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ)﴾ أي المقدّسة، وقوله تعالى: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ أي من الشّجرة وهي شجرة العنّاب في قول ابن عبّاس، وقال مقاتل:
(هي عوسجة) (١)،وسمّيت البقعة مباركة؛ لأن الله كلّم موسى فيها وبعثه نبيّا. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٣٠)؛قد تقدّم تفسيره.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ؛﴾ أي نودي بأن ألق عصاك من يدك، وموضع ﴿(أَنْ أَلْقِ)﴾ نصب، ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ؛﴾ أي فلما رآها بعد ما ألقاها تتحرّك (٢) في غاية الاضطراب كأنّها جانّ في الخفّة مع عظمها، ﴿وَلّى مُدْبِراً؛﴾ أي هاربا، ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ؛﴾ أي ولم يلتفت إلى ما رآه، فقال الله له:
﴿يا مُوسى أَقْبِلْ،﴾ إليها، ﴿وَلا تَخَفْ﴾ منها؛ ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ (٣١) من أن ينالك منها مكروه، فأخذها موسى فإذا هي عصا كما كانت، ويقال سميت جانّ في هذه الآية؛ لأنّها صارت جانّا في البقعة المباركة، وثعبانا عند فرعون.
قوله تعالى: ﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ؛﴾ أي أدخلها في جيبك، ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ؛﴾ لها شعاع كشعاع الشّمس، ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ؛﴾ أي من غير برص، ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ؛﴾ أي ضع يدك على صدرك ليسكن ما بك من الفزع، فتصير آمنا مما كنت تخافه، وهذا لأنّ من شأن الخائف أن يرتعد ويقلق (٣) فيكون ضمّ يده إلى نفسه في معنى السّكون.
قال مجاهد: (كلّ من فزع فضمّ جناحيه إليه ذهب عنه الفزع، وقرأ هذه الآية) (٤).وجناح الإنسان: عضده، ويقال: اليد كلّها جناح. وقال بعضهم: معنى قوله
стр. 2056
﴿(وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ)﴾ أي سكّن روعك، وضمّ الجناح هو السّكون، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (١) يريد الرّفق، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) أي ارفق بهم، وألن جناحك بهم. وقال الفرّاء (أراد بالجناح العصا) (٣).وقوله تعالى ﴿(مِنَ الرَّهْبِ)﴾ وقرئ «(من الرّهب)» أيضا وهما لغتان مثل الرّشد والرّشد، ويقال: إنّ قوله ﴿(مِنَ الرَّهْبِ)﴾ متّصل بقوله ﴿(مِنَ الْآمِنِينَ)﴾ (٤).
قوله تعالى: ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ؛﴾ يعني اليد والعصا حجّتان من الله لموسى على صدقه، والمعنى: هما حجّتان من ربك أرسلناك بهما ﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ؛﴾ أي أشراف قومه، ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ؛﴾ (٣٢) أي خارجين عن طاعة الله تعالى (٥)، «وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد النون» (٦) وقرأ الباقون بالتخفيف. قال الزجّاج: (التّشديد تثنية ذلك، والتّخفيف تثنية ذاك) (٧).
قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً؛﴾ يعني القبطيّ الذي قتله، ﴿فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ (٣٣)،
﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً؛﴾ أي أبين منّي كلاما وأحسن بيانا، وكان في لسان موسى عقدة من قبل الجمرة التي تناولها،
стр. 2057
ولذلك قال فرعون: ولا يكاد يبين. قوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً؛﴾ أي عونا ومصدّقا لي، يقال: فلان ردء فلان؛ إذا كان ينصره ويشدّ ظهره. وقرأ نافع «(ردا)» من غير همز طلبا للخفّة (١).
قوله تعالى: ﴿يُصَدِّقُنِي؛﴾ قرأ عاصم وحمزة: ﴿(يُصَدِّقُنِي)﴾ بضمّ القاف، وقرأ الباقون بالجزم على الجواب بالأمر، ومن رفع كان صفة لنكرة، جوابا للمسألة تقديره: ردءا مصدّقا لي، والتصديق هارون في قول الجمع. وقال مقاتل: (لكي يصدقني فرعون) (٢) إنى أخاف أن يكذبون (٣٤).
قوله تعالى: ﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ؛﴾ أي قال الله تعالى لموسى:
سنعينك ونقوّيك وننصرك بأخيك، وشدّ العضد كناية عن التقوية، وقوله تعالى:
﴿وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً﴾ حجّة وبيّنة تدلّ على النبوّة، ﴿فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما﴾ بقتل ولا سوء ولا أذى، ﴿بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ﴾ (٣٥)؛ لمن خالفكما، وقوله تعالى: ﴿(بِآياتِنا)﴾ موضعه التقديم؛ والمعنى: ونجعل لكما سلطانا بآياتنا؛ أي بما نعطيكما من المعجزات.
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ؛﴾ يعني المعجزات فلم يقدروا على دفع تلك الآيات، ﴿قالُوا ما هذا إِلاّ سِحْرٌ مُفْتَرىً،﴾ إلاّ أن قالوا هذا سحر مفترى؛ أي مخترع من قبل نفسك ولم تبعث به، ﴿وَما سَمِعْنا بِهذا؛﴾ الذي تدعونا إليه، ﴿فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ (٣٦).
قوله تعالى: ﴿وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ؛﴾ أي هو أعلم بالحقّ منّا وبمن يدعو إلى الضّلالة؛ أي أنا الذي جئت بالهدى من عند الله.
وقرأ ابن كثير: ﴿(قالَ مُوسى)﴾ بغير واو. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ؛﴾ أي هو أعلم بمن تكون له الجنّة، ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ (٣٧)؛أي لا يسعد من أشرك بالله.
стр. 2058
قوله تعالى: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي؛﴾ أي قال فرعون لخواصّ قومه: ﴿(ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي)﴾ وهذه إحدى كلمتيه اللّتين أخذه الله بهما، والأخرى قوله ﴿(أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى)﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ؛﴾ أي اتّخذ لي آجرّا، ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً؛﴾ أي قصرا طويلا متّسعا مرتفعا، ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى؛﴾ أي أصعد إليه، ظنّ بجهله أنه يتهيأ له أن يبلغ بصرحه إلى السّماء، وظنّ أن إله موسى جسما مشاهدا كما تقول المشبهة، تعالى الله عن ذلك.
قال المفسّرون: لمّا أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصّرح، جمع خمسين ألف بنّاء سوى الاتباع والأجراء ممن يطبخ الآجرّ والجصّ، وينحت الخشب والأبواب، ويضرب المسامير. قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٣٨)؛أي في ادّعاء (إلها غيري) وأنه رسوله، وهذا اعتراف من فرعون بالشّك لأنه شاكّ لا يدري من في السّماء، ولو كان إلها لم يجهل ولم يشكّ، والمبطل تظهر عليه المناقضة.
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ؛﴾ تعظّموا عن الإيمان ولم ينقادوا للحقّ، وقوله تعالى ﴿(فِي الْأَرْضِ)﴾ أي في أرض مصر ﴿(بِغَيْرِ الْحَقِّ)﴾ أي بالباطل والظّلم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ (٣٩)؛أي يردّون إلينا بالبعث للحساب والجزاء.
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ؛﴾ أي طرحناهم في البحر. قال عطاء: (يريد البحر المالح بحر القلزم) ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ (٤٠)؛حين صاروا إلى الهلاك.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ؛﴾ أي جعلناهم في الدّنيا أئمّة ضلالة وقادة في الكفر والشّرك، يقودون الناس إلى الشّرك، وهو قوله تعالى: ﴿(يَدْعُونَ إِلَى النّارِ)﴾ لأن من أطاعهم ضلّ ودخل النار، ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ (٤١)؛أي لا يدفع عنهم عذاب الله،
﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾؛ يعني لعنة الملائكة والمؤمنين، ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ
стр. 2059
الْمَقْبُوحِينَ﴾ (٤٢)؛أي من المشوّهين في النّار، سواد وجوههم وزرقة الأعين، فعلى هذا يكون المعنى: هم المقبوحين. وقيل: معناه: هم من المبعدين الملعونين من القبح، وهو الإبعاد. قال أبو يزيد: (يقال: قبّح الله فلانا قبحا وقبوحا؛ أي أبعده من كلّ خير).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ؛﴾ يعني القرون الأولى قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، كانوا قبل موسى. وقوله تعالى ﴿(بَصائِرَ لِلنّاسِ)﴾ أي أعطينا موسى التّوراة من بعد ما أهلكنا الأمم الماضية عظة وعبرة للناس ليبصروا بها أمر دينهم؛ أي ليبصروا بالتوراة ويهتدوا بها، وهو قوله تعالى: ﴿وَهُدىً؛﴾ من الضّلالة لمن عمل به؛ أي بالكتاب ﴿وَرَحْمَةً؛﴾ لمن آمن به، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٤٣)؛أي يتذكّروا بما فيه من المواعظ والبصائر.
وعن أبي سعيد الخدريّ؛ أنّ النبيّ ﷺ قال: [ما أهلك الله قوما ولا قرنا ولا أمّة ولا أهل قرية بعذاب من السّماء منذ أنزل التّوراة على وجه الأرض غير أهل القرية الّذين مسخوا قردة، ألم تر أنّ الله قال ﴿(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى)﴾] (١).
قوله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ؛﴾ معناه: ما كنت يا محمّد بجانب الوادي الغربيّ ﴿(إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ)﴾ أي إذ أوحينا الأمر بما ألزمناه وقومه، ﴿وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ (٤٤)؛تلك الحالة، وإنّما أخبرناك بذلك لتكون معجزة لك.
وقوله تعالى: ﴿وَلكِنّا أَنْشَأْنا قُرُوناً؛﴾ أي خلقنا قرنا بعد قرن، ﴿فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ؛﴾ أي طالت عليهم المهل فنسوا عهد الله، وتركوا أمره، وكذبوا الرّسل فأهلكناهم قرنا بعد قرن، وهذا كلام يدلّ على أنه قد عهد إلى موسى
стр. 2060
وقومه عهودا في محمّد ﷺ والإيمان به، فلما تطاول عليهم العمر، وخلقت القرون بعد القرون، وتركوا الوفاء بها.
قوله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ ثاوِياً؛﴾ أي مقيما ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ؛﴾ كقيام موسى وشعيب فيهم، ﴿تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا؛﴾ أي تذكّرهم بالوعد والوعيد.
قال مقاتل: (والمعنى: لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكّة خبرهم كخبر من شاهدهم) (١) ﴿وَلكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ (٤٥)؛أي أرسلناك إلى أهل مكّة، وأنزل عليك هذه الأخبار، ولولا ذلك لما علمتها.
قوله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا؛﴾ أي وما كنت يا محمّد بناحية الجبل الذي كلّم الله عليه موسى إذ نادينا موسى: إنّي أنا الله، ويا موسى أقبل ولا تخف، ﴿وَلكِنْ؛﴾ أوحيناها إليك وقصصناها عليك، ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ؛﴾ لم يأتهم رسول يخوّف قبلك، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٤٦)؛أي يتّعظون.
ومعنى ﴿(رَحْمَةً)﴾ أي رحمناك رحمة بإرسالك والوحي إليك. وقوله تعالى:
﴿(لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ)﴾ يعني أهل مكّة لعلّهم يتّعظون، واسم الجبل الذي نودي عليه موسى جبل رسمه (٢).قرأ عيسى بن عمر: «(ولكن رحمة)» بالرفع على معنى: ولكن هي رحمة من ربك إذ أطلعك الله عليه.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ؛﴾ قال مقاتل:
(معناه: ولولا أن يصيبهم العذاب في الدّنيا بما قدّمت أيديهم من الكفر والمعاصي) (٣) يعني كفار مكّة، ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً؛﴾ أي هلاّ أرسلت إلينا رسولا، ﴿فَنَتَّبِعَ آياتِكَ،﴾ يعني القرآن، ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٧).
стр. 2061
والمعنى: لولا أنّهم يحتجّون بترك الإرسال إليهم لعجّلناهم بالعقوبة بكفرهم.
وحقيقة كشف معنى الآية: لولا أنّه إذا أصابتهم مصيبة؛ أي عقوبة بما قدّمت أيديهم من الكفر فيقولوا عند نزول العذاب بهم: ربّنا هلاّ أرسلت إلينا رسولا فنتّبع كتابك ورسولك، ونكون من المؤمنين؛ لعجّلناهم العقوبة. قيل: معناه: لولا إذا أصابتهم عقوبة الآخرة فيقولوا ربّنا لولا أرسلت إلينا رسولا في الدّنيا لما أرسلناك. وفي الآية بيان أنّ الله تعالى أرسل النبيّ ﷺ مبالغة في الحجّة وقطع المعذرة.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا؛﴾ أي فلما جاء أهل مكة الحقّ من عندنا وهو محمّد والقرآن، ﴿قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى؛﴾ أي هلاّ أعطي مثل ما أعطي موسى، يعنون هلاّ أنزل عليه القرآن جملة كما أنزل التوراة على موسى جملة واحدة، وهلاّ أعطى محمّدا اليد والعصا والمنّ والسّلوى وغير ذلك من الآيات.
فاحتجّ الله عليهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ؛﴾ أي فقد كفروا بما أوتي موسى، كما كفروا بآيات محمّد و ﴿قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا؛﴾ أي تعاونا على السّحر والضّلال، يعنون موسى ومحمّدا ﵈. وقرأ أهل الكوفة ﴿(سِحْرانِ)﴾ بغير ألف التّوراة والقرآن، ﴿وَقالُوا إِنّا بِكُلٍّ،﴾ من التّوراة والقرآن، ﴿كافِرُونَ﴾ (٤٨).
قال الله لنبيّه ﷺ : ﴿قُلْ؛﴾ لكفّار مكّة: ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما؛﴾ أي من التّوراة والقرآن حتى ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤٩)؛أنّهما كانا سحران.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ؛﴾ أي فإن لم يأتوا بمثل التّوراة والقرآن، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ؛﴾ وإنّ ما ركبوه من الكفر لا حجّة لهم فيه، وإنّما آثروا فيه الهوى.
ثمّ ذمّهم الله فقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ؛﴾ أي لا أحد أضلّ ممّن اتّبع هواه بغير رشاد ولا بيان جاء من الله، ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٥٠)؛ومعنى قوله ﴿(فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ)﴾ أي فإن لم يجيبوك إلى ما سألتهم ولا يجيبون.
стр. 2062
قوله: ﴿*وَلَقَدْ وَصَّلْنا؛﴾ رسلنا، ﴿لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٥١)
أي وصّلنا لأهل مكّة ذكر الأنبياء والأمم وأقاصيص بعضهم لبعض، وأخبرناهم أنّا أهلكنا قوم نوح بكذا وقوم صالح بكذا لكي يتّعظوا بالقرآن، ويخافوا أن ينزل بهم مثل ما نزل بمن قبلهم.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ؛﴾ أي من قبل القرآن، ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥٢)؛أي بمحمّد ﷺ . قال السديّ: (يعني مسلمي اليهود عبد الله بن سلام وأصحابه) (١).وقال مقاتل: (يعني مسلمي أهل الإنجيل، وهم الّذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة) (٢).
ثم نعتهم الله تعالى فقال: ﴿وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ؛﴾ يعني القرآن، ﴿قالُوا آمَنّا بِهِ؛﴾ أي صدّقنا بالقرآن، ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا؛﴾ لا ذكر النبيّ ﷺ ، وكان مكتوبا عندهم في التّوراة والإنجيل فلم يعاندوا، وقالوا للقرآن: إنّه الحقّ من ربنا، ﴿إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ؛﴾ قبل القرآن، ﴿مُسْلِمِينَ﴾ (٥٢)؛مخلصين لله بالتوحيد، مؤمنين بمحمّد ﷺ أنّه نبيّ.
ثم أثنى الله عليهم خيرا، فقال: ﴿أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا؛﴾ مرّة بتمسّكهم بدينهم حتى أدركوا محمّدا ﷺ فآمنوا به، ومرّة بإيمانهم به. وقال قتادة: (كما صبروا على الكتاب الأوّل والكتاب الثّاني)،وقيل: مرّة لإيمانهم بموسى ومرّة لإيمانهم بمحمّد ﷺ (٣).
قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ؛﴾ أي يدفعون بشهادة أن لا إله إلاّ الله الشّرك، كذا قال ابن عبّاس، وقال مقاتل: (يدفعون ما يلحقهم من
стр. 2063
أذيّة الكافرين وشتمهم لهم بالعفو والصّفح والاحتمال). ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٥٤)؛من الأموال في طاعة الله.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ؛﴾ أي وإذا خوطبوا بالسّفاهة وشتمهم المشركون ردّوا عليهم جميلا، وأعرضوا عن الكلام الذي لا فائدة فيه، ﴿وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا﴾ أي ديننا، ﴿وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ أي دينكم.
وذلك أنّهم عيّروهم بترك دينهم. قال السديّ: لمّا أسلم عبد الله بن سلام جعل اليهود يشتمونه، وهو يقول: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ (٥٥)؛قال الزجّاج: (لم يريدوا التّحيّة، والمعنى أنّهم قالوا: بيننا وبينكم المتاركة والتّسلّم، وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال) (١)،فكأنّهم قالوا: سلمتم منّا لا نعترضنّكم بالشّتم.
ومعنى قوله تعالى ﴿(لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ)﴾ أي لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسّفه.
وقال الكلبيّ: (معناه: لا نحبّ دينكم الّذي أنتم عليه).
قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ؛﴾ ذهب أكثر المفسّرين أنّ هذه الآية نزلت في أبي طالب، وذلك أنّه لمّا مرض مرضه الّذي مات فيه، دخل عليه رسول الله ﷺ فقال له: [يا عمّ؛ قل لا إله إلاّ الله أشهد لك بها يوم القيامة] قال:
لولا أن يعيّرني نساء قريش ويقلن: إنّه حمله على ذلك الجزع عند الموت، لأقررت بها عينك، فأنزل الله تعالى ﴿(إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ)﴾ (٢) هدايته. وقيل: إنّك لا تهدي من أحببته.
وعن رسول الله ﷺ أنّه دخل على عمّه أبي طالب في مرضه الّذي مات فيه، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أميّة بن المغيرة، فقال له: [يا عمّ؛ قل لا إله إلاّ الله أحاج لك بها عند الله] فقال له أبو جهل وعبد الله بن أميّة: أترغب عن ملّة عبد المطّلب؟!
стр. 2064
فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه وهما يعاودانه على تلك المقالة حتّى قال أبو طالب آخر ما كلّمهم به: أنا على ملّة عبد المطّلب، وأبى أن يقول: لا إله إلاّ الله، فأنزل الله في أبي طالب، وقال لرسوله: ﴿(إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ)﴾ (١) ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ؛﴾ قال الزجّاج: (ابتداء نزولها بسبب أبي طالب، وهي عامّة؛ لأنّه لا يهدي إلاّ الله (٢). ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٥٦).
قوله تعالى: ﴿وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا؛﴾ أي قالت قريش لمحمّد ﷺ : إن اتّبعناك على دينك يتخطّفنا العرب على أنفسنا أن يخرجوا من أرضنا مكّة إن تركنا ما يعبدون. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ أي ذا أمن يأمن فيه الناس.
وذلك أن العرب كانت يغير بعضهم على بعض، وأهل مكّة آمنون في الحرم من القتل والسّيف والغارة؛ أي فكيف يخافون إذا أسلموا وهم في حرم آمنون. ومعنى ﴿(أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً)﴾ أي أو لم نجعله مكانا لهم.
وقوله تعالى: ﴿يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ؛﴾ ومعنى ﴿(يُجْبى)﴾ أي يحمل إلى الحرم ﴿(ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً)﴾.قرأ نافع ويعقوب: «(تجبى)» بالتاء لأجل الثّمرات، وقرأ الباقون بالياء لقوله ﴿(كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً)﴾ ومعنى «(تجبى)» أي تحمل إلى الحرم ﴿(ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ)﴾ من مصر والشّام واليمن والعراق.
وقوله تعالى: ﴿رِزْقاً مِنْ لَدُنّا؛﴾ أي رزقا من عندنا، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥٧)؛أنّا فعلنا ذلك يعني أهل مكّة، والمعنى: أو لم يجعل أهل مكّة في أمان قبل الإيمان يجبى إلى الحرم ثمرات كلّ شيء نعمة من عندنا، فكيف يخافون زوال الأمان، ﴿(وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)﴾ لأنّهم لا يتدبّرون ولا يتفكّرون.
ثم خوّفهم بمثل عذاب الأمم الخالية، فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها؛﴾ أي وكم أهلكنا من أهل قرية بطرتها معيشتها، والبطر: الطّغيان
стр. 2065
عند النّعمة، وقيل: معناه: بطرت في معيشتها. قال عطاء: (عاشوا في البطرة، فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام) (١).
وقوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلاً؛﴾ أي منازلهم التي كانوا يسكنونها لم يسكنها أحد إلاّ المسافرون ومارّوا الطريق ينزلون ببعضها يوما أو ساعة ثم يرحلون. والمعنى لم تسكن من بعدهم إلاّ سكونا قليلا، ﴿وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ﴾ (٥٨)؛أي لم نجعل لهم أحدا بعد هلاكهم في منازلهم، فبقيت خرابا غير مسكونة كقوله ﴿إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا؛﴾ معناه: وما كان ربّك يا محمّد معذّب القرى الكافرة أهلها حتى يبعث في أعظمها قرية رسولا ينذرهم ويقرأ عليهم آياتنا، وخصّ الأعظم من القرى ببعثة الرّسول فيها؛ لأن الرّسول إنّما يبعث إلى الأشراف، وأشراف القوم وملوكهم يسكنون المدائن والمواضع التي هي أمّ ما حولها.
وقوله تعالى: ﴿وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ﴾ (٥٩)؛ أي ما نهلكهم إلاّ بظلمهم وشركهم، وقيل: المراد بالقرى القرى التي حول مكّة، والمراد بأمّها مكّة سميت أمّ القرى؛ لأن الأرض دحيت من تحتها.
وقوله تعالى: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها؛﴾ تتمتّعون بها أيّام حياتكم ثم تنقطع وتفنى وتنقضي، ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ؛﴾ من الثّواب والجنة، ﴿وَأَبْقى؛﴾ وأدوم لأهله وأفضل مما أعطيتم في الدّنيا، ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٦٠)؛أنّ الباقي أفضل من الفاني الذاهب. وقيل: ﴿(أَفَلا تَعْقِلُونَ)﴾ خير الأمرين فتطلبوه وشرّ الأمرين فتتركوه. قرأ أبو عمرو «(أفلا يعقلون)» بالياء.
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ استفهام يعني التقرب، أي كيف يستوي حال من وعدناه الثواب
стр. 2066
والجنة في الآخرة فهو لاقيه، وحال من متّعناه بعرض الدّنيا، ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (٦١)؛العذاب.
والمعنى: ﴿(أَفَمَنْ وَعَدْناهُ)﴾ على إيمانه وطاعته الجنة والثواب الجزيل ﴿(فَهُوَ لاقِيهِ)﴾ أي مدركه ﴿(كَمَنْ مَتَّعْناهُ)﴾ أي كمن هو ممتّع بشيء يفنى ويزول عن قريب ﴿(ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ)﴾ النار. قال قتادة: (يعني المؤمن والكافر، فالمؤمن سمع كتاب الله وصدّقه وآمن بموعود الله فيه، وليس كالكافر الّذي تمتّع بالدّنيا ثمّ هو يوم القيامة من المحضرين في عذاب الله) (١)،قال مجاهد: (نزلت هذه الآية في عليّ وحمزة وأبي جهل) (٢)،وقال السديّ: (نزلت في عمّار والوليد بن المغيرة) (٣).
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ؛﴾ أي ينادي الله المشركين يوم القيامة، ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٦٢)؛في الدّنيا أنّهم كانوا شركائي، والمعنى: واذكر يوم ينادى الكفار وهو يوم القيامة فيقول أين شركائي في قولكم، وليس لله شريك، ولكن خرج هذا الكلام على ما كانوا يلفظون به، فيقولون:
هؤلاء شركاء الله.
قوله تعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ؛﴾ أي الذين حقّت عليهم كلمة العذاب أو وجب عليهم العذاب وهم الرّءوس: ﴿رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا؛﴾ يعنّون سلفهم وأتباعهم، ﴿أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا؛﴾ أي أضللناهم كما ضللنا، ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ؛﴾ منهم، وقيل: تبرّأنا بحملنا إليك من الضّلال، ﴿ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ (٦٣) ما كانوا يعبدوننا بإكراه من جهتنا، وقيل: ما كانوا يعبدوننا بحجّة ولا استحقاق.
стр. 2067
وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ؛﴾ أي يقال لهم: لستم تسألون عن الإغواء والغواية، ولكن ادعوا آلهتكم حتى يذودوا عنكم العذاب، ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ؛﴾ أي لم يجيبوهم إلى نصرتهم ﴿وَرَأَوُا الْعَذابَ؛﴾ أي رأوا كلّهم القادة والأتباع العذاب. وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ (٦٤)؛جواب (لو) محذوف تقديره: لو أنّهم كانوا يهتدون في الدّنيا لما رأوا العذاب.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ (٦٥)؛أي فألبست عليهم الأجوبة يومئذ، ولم يدروا ماذا يقولون من الفزع والتّحيّر، ﴿فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ﴾ (٦٦)؛لا يسأل بعضهم بعضا في تلك السّاعة لردّ الجواب. وقيل: لا يسأل أحد عن حال أحد لانشغال كلّ واحد منهم بنفسه. وقيل: لا يسأل أحد أحدا أن يترك طاعة أو يتحمّل عنه معصية، ومعنى قوله تعالى ﴿(فَعَمِيَتْ)﴾ اي خفيت واشتبهت عليهم الأنباء.
قوله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً؛﴾ أي من تاب من الشّرك وآمن وصدّق بتوحيد الله وبمحمّد ﷺ ﴿(وَعَمِلَ صالِحاً)﴾ أي أدّى الفرائض، ﴿فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ (٦٧)؛أي من النّاجين الفائزين.
قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ؛﴾ وذلك أنّ الوليد بن المغيرة كان يقول: لولا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، يعني نفسه وأبا مسعود الثقفيّ، فأنزل الله هذه الآية ﴿(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ)﴾ من ينبّأ للرسالة والنّبوة؛ أي فكما أن الخلق إليه يخلق ما يشاء، فكذلك الاختيار إليه في جميع الأمور، فيختار ممّن خلق ما يشاء.
قوله تعالى: ﴿ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ؛﴾ ابتداء الكلام نفي الاختيار عن المشركين، وذلك أنّهم اختاروا الوليد بن المغيرة من مكّة وأبو عروة بن مسعود من الطّائف، فقال الله ﴿(ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)﴾ أي ليس لهم الاختيار على الله، ثم نزّه الله نفسه فقال: ﴿سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٦٨)؛ومن قرأ «(ونختار ما كان لهم الخيرة)» من غير أن يقف على «(ونختار)»،جعل ﴿(ما)﴾ بمعنى الّذي، كأنّه قال:
стр. 2068
ونختار الذي لهم الخيرة فيصنع بهم ما صلح لهم، وأنشد محمود الورّاق (١):
توكّل على الرّحمن في كلّ حاجة ... أردت فإنّ الله يقضي ويقدّر
متى ما يريد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه وما للعبد ما يتخيّر
فقد يهلك الإنسان من حيث أمنه ... وينجو بحمد الله من حيث يحذر
قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ؛﴾ أي ما تستر من الكفر والعداوة لله ولرسوله؛ أي يعلم ما تضمر قلوبهم من ذلك، ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ (٦٩) بألسنتهم من الكفر والمعاصي.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ؛﴾ يستحقّ الحمد في الدّارين، ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ؛﴾ أي الفصل بين الخلائق؛ حكم لأهل طاعته بالمغفرة، ولأهل معصيته بالشّقاء والويل، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٧٠)؛أي موضع جزائه.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ أي قل يا محمّد لأهل مكّة: أخبروني إن جعل الله عليكم الليل دائما أبدا إلى يوم القيامة، لا نهار معه، ﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ؛﴾ أي بنهار مضيء تتصرّفون فيه وتطلبون فيه المعيشة، ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ؛﴾ (٧١) سماع قبول وتفهّم فتستدلّون بذلك على توحيد الله.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ؛﴾ أي قل: أخبروني إن جعل الله عليكم النهار دائما، ﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ،﴾ تستريحون فيه من الحركة ومن النّصب؟ ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٧٢)؛أدلّة الله تعالى.
стр. 2069
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ؛﴾ أي ومن نعمته عليكم أن خلق لكم الليل والنّهار لتستريحوا ليلا، ولتنصرفوا نهارا، والمعنى: ﴿(لِتَسْكُنُوا فِيهِ)﴾ أي في اللّيل، ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ؛﴾ أي ولتلتمسوا في النهار من فضل الله، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٧٣)؛الذي أنعم عليكم بهما.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٧٤)؛فقد تقدّم تفسيره.
قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً؛﴾ أي وأخرجنا من كلّ أمّة رسولها الذي يشهد عليهم بالتبليغ وما كان منهم، ﴿فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ؛﴾ أي فقلنا للمشهود عليهم: ﴿(هاتُوا بُرْهانَكُمْ)﴾ أي حجّتكم بأنّ معي شريكا، ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ؛﴾ أي أنّ التوحيد لله، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ؛﴾ أي زال عنهم وبطل في الآخرة، ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٧٥)؛في الدّنيا من قولهم: إنّ مع الله شريكا.
قوله تعالى: ﴿*إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ؛﴾ قال أكثر المفسّرين: كان قارون ابن عمّ موسى من بني إسرائيل، وكان من العلماء بالتّوراة.
وقال بعضهم كان ابن خالته. وقوله تعالى ﴿(فَبَغى عَلَيْهِمْ)﴾ أي بكثرة ماله، والمعنى: أنه تطاول على موسى وقومه وجاوز الحدّ في التّكبّر عليهم. والبغي في اللغة: طلب العلوّ بغير حقّ.
قوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ أي أعطيناه من الأموال المجموعة ما إنّ مفاتحه، قال ابن عبّاس: (أراد بالمفاتح الخزائن، كانت خزائنه لتثقل بالجماعة ذوي القوّة إذا حملوها) (١).
قال بعضهم: هو جمع مفتاح؛ وهو ما يفتح به الباب، وهذا قول قتادة ومجاهد.
وقيل: مفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهي المفتاح، فجمعه مفاتيح. قال خيثمة: (كانت مفاتيح قارون من جلود، كلّ مفتاح مثل الإصبع، مفتاح كلّ خزانة على حدة، فإذا
стр. 2070
ركب حمل المفاتيح على ستّين بغلا) (١).وقال ابن عبّاس: (كان يحمل مفاتيحه أربعون رجلا أقوى ما يكون من الرّجال) (٢).
ومعنى قوله تعالى ﴿(لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ)﴾ وإنّما العصبة تنوء بالمفاتيح؛ أي يثقل في حملها، قيل: هذا شائع في الكلام كما يقال: عرضت الناقة على الحوض، وإنّما يعرض الحوض عليها، ولا تعرض الناقة على الماء. والكنز في اللّغة: اسم للمال الذي يجمع بعضه على بعض، وإذا أطلق أريد به ما يخبّأ تحت الأرض.
وقال خيثمة: (وجدت في الإنجيل: أنّ مفاتيح خزائن قارون وقر ستّين بغلا غرّا محجّلة) (٣)،وقيل: إنّها كانت من جلود الإبل، وكانت من حديد، فلما ثقلت عليه جعلت من خشب، فلما ثقلت عليه جعلت من جلود.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ؛﴾ قال له قومه من المؤمنين من بني إسرائيل: لا تفرح بالكنوز والمال ولا تأشر (٤) ولا تبطر، ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (٧٦)؛أي الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم.
والفرح إذا أطلق أريد المزح الذي يخرج إلى البطر، ولذلك قال: ﴿(لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)﴾، وقال ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (٥)،وأما قوله ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٦) فهو بهداية النّفس وهو حسن جميل، قال الشاعر:
ولست بمفراح إذا الدّهر سرّني ... ولا جازع من صرفه المتقلّب