والجنة في الآخرة فهو لاقيه، وحال من متّعناه بعرض الدّنيا، ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (٦١)؛العذاب.
والمعنى: ﴿(أَفَمَنْ وَعَدْناهُ)﴾ على إيمانه وطاعته الجنة والثواب الجزيل ﴿(فَهُوَ لاقِيهِ)﴾ أي مدركه ﴿(كَمَنْ مَتَّعْناهُ)﴾ أي كمن هو ممتّع بشيء يفنى ويزول عن قريب ﴿(ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ)﴾ النار. قال قتادة: (يعني المؤمن والكافر، فالمؤمن سمع كتاب الله وصدّقه وآمن بموعود الله فيه، وليس كالكافر الّذي تمتّع بالدّنيا ثمّ هو يوم القيامة من المحضرين في عذاب الله) (١)،قال مجاهد: (نزلت هذه الآية في عليّ وحمزة وأبي جهل) (٢)،وقال السديّ: (نزلت في عمّار والوليد بن المغيرة) (٣).
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ؛﴾ أي ينادي الله المشركين يوم القيامة، ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٦٢)؛في الدّنيا أنّهم كانوا شركائي، والمعنى: واذكر يوم ينادى الكفار وهو يوم القيامة فيقول أين شركائي في قولكم، وليس لله شريك، ولكن خرج هذا الكلام على ما كانوا يلفظون به، فيقولون:
هؤلاء شركاء الله.
قوله تعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ؛﴾ أي الذين حقّت عليهم كلمة العذاب أو وجب عليهم العذاب وهم الرّءوس: ﴿رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا؛﴾ يعنّون سلفهم وأتباعهم، ﴿أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا؛﴾ أي أضللناهم كما ضللنا، ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ؛﴾ منهم، وقيل: تبرّأنا بحملنا إليك من الضّلال، ﴿ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ (٦٣) ما كانوا يعبدوننا بإكراه من جهتنا، وقيل: ما كانوا يعبدوننا بحجّة ولا استحقاق.
стр. 2067
وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ؛﴾ أي يقال لهم: لستم تسألون عن الإغواء والغواية، ولكن ادعوا آلهتكم حتى يذودوا عنكم العذاب، ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ؛﴾ أي لم يجيبوهم إلى نصرتهم ﴿وَرَأَوُا الْعَذابَ؛﴾ أي رأوا كلّهم القادة والأتباع العذاب. وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ (٦٤)؛جواب (لو) محذوف تقديره: لو أنّهم كانوا يهتدون في الدّنيا لما رأوا العذاب.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ (٦٥)؛أي فألبست عليهم الأجوبة يومئذ، ولم يدروا ماذا يقولون من الفزع والتّحيّر، ﴿فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ﴾ (٦٦)؛لا يسأل بعضهم بعضا في تلك السّاعة لردّ الجواب. وقيل: لا يسأل أحد عن حال أحد لانشغال كلّ واحد منهم بنفسه. وقيل: لا يسأل أحد أحدا أن يترك طاعة أو يتحمّل عنه معصية، ومعنى قوله تعالى ﴿(فَعَمِيَتْ)﴾ اي خفيت واشتبهت عليهم الأنباء.
قوله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً؛﴾ أي من تاب من الشّرك وآمن وصدّق بتوحيد الله وبمحمّد ﷺ ﴿(وَعَمِلَ صالِحاً)﴾ أي أدّى الفرائض، ﴿فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ (٦٧)؛أي من النّاجين الفائزين.
قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ؛﴾ وذلك أنّ الوليد بن المغيرة كان يقول: لولا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، يعني نفسه وأبا مسعود الثقفيّ، فأنزل الله هذه الآية ﴿(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ)﴾ من ينبّأ للرسالة والنّبوة؛ أي فكما أن الخلق إليه يخلق ما يشاء، فكذلك الاختيار إليه في جميع الأمور، فيختار ممّن خلق ما يشاء.
قوله تعالى: ﴿ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ؛﴾ ابتداء الكلام نفي الاختيار عن المشركين، وذلك أنّهم اختاروا الوليد بن المغيرة من مكّة وأبو عروة بن مسعود من الطّائف، فقال الله ﴿(ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)﴾ أي ليس لهم الاختيار على الله، ثم نزّه الله نفسه فقال: ﴿سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٦٨)؛ومن قرأ «(ونختار ما كان لهم الخيرة)» من غير أن يقف على «(ونختار)»،جعل ﴿(ما)﴾ بمعنى الّذي، كأنّه قال:
стр. 2068
ونختار الذي لهم الخيرة فيصنع بهم ما صلح لهم، وأنشد محمود الورّاق (١):
توكّل على الرّحمن في كلّ حاجة ... أردت فإنّ الله يقضي ويقدّر
متى ما يريد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه وما للعبد ما يتخيّر
فقد يهلك الإنسان من حيث أمنه ... وينجو بحمد الله من حيث يحذر
قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ؛﴾ أي ما تستر من الكفر والعداوة لله ولرسوله؛ أي يعلم ما تضمر قلوبهم من ذلك، ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ (٦٩) بألسنتهم من الكفر والمعاصي.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ؛﴾ يستحقّ الحمد في الدّارين، ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ؛﴾ أي الفصل بين الخلائق؛ حكم لأهل طاعته بالمغفرة، ولأهل معصيته بالشّقاء والويل، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٧٠)؛أي موضع جزائه.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ أي قل يا محمّد لأهل مكّة: أخبروني إن جعل الله عليكم الليل دائما أبدا إلى يوم القيامة، لا نهار معه، ﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ؛﴾ أي بنهار مضيء تتصرّفون فيه وتطلبون فيه المعيشة، ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ؛﴾ (٧١) سماع قبول وتفهّم فتستدلّون بذلك على توحيد الله.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ؛﴾ أي قل: أخبروني إن جعل الله عليكم النهار دائما، ﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ،﴾ تستريحون فيه من الحركة ومن النّصب؟ ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٧٢)؛أدلّة الله تعالى.
стр. 2069
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ؛﴾ أي ومن نعمته عليكم أن خلق لكم الليل والنّهار لتستريحوا ليلا، ولتنصرفوا نهارا، والمعنى: ﴿(لِتَسْكُنُوا فِيهِ)﴾ أي في اللّيل، ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ؛﴾ أي ولتلتمسوا في النهار من فضل الله، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٧٣)؛الذي أنعم عليكم بهما.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٧٤)؛فقد تقدّم تفسيره.
قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً؛﴾ أي وأخرجنا من كلّ أمّة رسولها الذي يشهد عليهم بالتبليغ وما كان منهم، ﴿فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ؛﴾ أي فقلنا للمشهود عليهم: ﴿(هاتُوا بُرْهانَكُمْ)﴾ أي حجّتكم بأنّ معي شريكا، ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ؛﴾ أي أنّ التوحيد لله، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ؛﴾ أي زال عنهم وبطل في الآخرة، ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٧٥)؛في الدّنيا من قولهم: إنّ مع الله شريكا.
قوله تعالى: ﴿*إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ؛﴾ قال أكثر المفسّرين: كان قارون ابن عمّ موسى من بني إسرائيل، وكان من العلماء بالتّوراة.
وقال بعضهم كان ابن خالته. وقوله تعالى ﴿(فَبَغى عَلَيْهِمْ)﴾ أي بكثرة ماله، والمعنى: أنه تطاول على موسى وقومه وجاوز الحدّ في التّكبّر عليهم. والبغي في اللغة: طلب العلوّ بغير حقّ.
قوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ أي أعطيناه من الأموال المجموعة ما إنّ مفاتحه، قال ابن عبّاس: (أراد بالمفاتح الخزائن، كانت خزائنه لتثقل بالجماعة ذوي القوّة إذا حملوها) (١).
قال بعضهم: هو جمع مفتاح؛ وهو ما يفتح به الباب، وهذا قول قتادة ومجاهد.
وقيل: مفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهي المفتاح، فجمعه مفاتيح. قال خيثمة: (كانت مفاتيح قارون من جلود، كلّ مفتاح مثل الإصبع، مفتاح كلّ خزانة على حدة، فإذا
стр. 2070
ركب حمل المفاتيح على ستّين بغلا) (١).وقال ابن عبّاس: (كان يحمل مفاتيحه أربعون رجلا أقوى ما يكون من الرّجال) (٢).
ومعنى قوله تعالى ﴿(لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ)﴾ وإنّما العصبة تنوء بالمفاتيح؛ أي يثقل في حملها، قيل: هذا شائع في الكلام كما يقال: عرضت الناقة على الحوض، وإنّما يعرض الحوض عليها، ولا تعرض الناقة على الماء. والكنز في اللّغة: اسم للمال الذي يجمع بعضه على بعض، وإذا أطلق أريد به ما يخبّأ تحت الأرض.
وقال خيثمة: (وجدت في الإنجيل: أنّ مفاتيح خزائن قارون وقر ستّين بغلا غرّا محجّلة) (٣)،وقيل: إنّها كانت من جلود الإبل، وكانت من حديد، فلما ثقلت عليه جعلت من خشب، فلما ثقلت عليه جعلت من جلود.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ؛﴾ قال له قومه من المؤمنين من بني إسرائيل: لا تفرح بالكنوز والمال ولا تأشر (٤) ولا تبطر، ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (٧٦)؛أي الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم.
والفرح إذا أطلق أريد المزح الذي يخرج إلى البطر، ولذلك قال: ﴿(لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)﴾، وقال ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (٥)،وأما قوله ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٦) فهو بهداية النّفس وهو حسن جميل، قال الشاعر:
ولست بمفراح إذا الدّهر سرّني ... ولا جازع من صرفه المتقلّب
стр. 2071
قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ؛﴾ أي واطلب فيما أعطاك الله من الأموال والنّعمة الجنّة، وهو أن يقوم بشكر الله فيما أنعم الله وينفقه في رضا الله، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا؛﴾ أي ولا تنس لتعمل لآخرتك، وقال الحسن: (أن يقدّم الفضل وأن يمسك ما يغنيه) (١).
وقوله: ﴿وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ؛﴾ أي أحسن إلى الفقراء والمساكين، كما أحسن الله إليك. وقيل: معناه: أطع الله واعبده كما أنعم عليك، ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي ولا تعمل في الأرض بالمعاصي ومخالفة موسى ﵇، ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٧٧).
قوله تعالى: ﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي،﴾ قال عطاء: (فكفر قارون لمّا رأى أنّ المال حصل له بعلمه ولم ير ذلك من عطاء الله).والمعنى: قال قارون:
إنّما أعطيت هذا المال على علم عندي بوجوه الاكتساب والتّجارات لا يعلمها أحد غيري.
وقيل: معناه: على علم عندي يعني لفضل علمي، فكنت أهلا لما أعطيته، وكان أقرأهم للتوراة، والمعنى: فضّلني الله عليكم بهذا المال، لفضلي عليكم بالعلم، يعني علم الكيمياء.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً؛﴾ معناه: ﴿(أَوَلَمْ يَعْلَمْ)﴾ هذا المسكين الذي قد أعجبته نفسه وما ملك من الدّنيا يعني قارون ﴿(أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ)﴾ بالعذاب ﴿(مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ)﴾ حين كذبوا رسوله ﴿(مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً)﴾ ﴿وَأَكْثَرُ جَمْعاً؛﴾ للمال والخدم والحشم.
قوله تعالى: ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٧٨)؛معناه: لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم في الآخرة، فإنّهم يعرفون بسيماهم. قال قتادة: (إنّهم يدخلون النّار بغير حساب) (٢).
стр. 2072
وأما قوله تعالى ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١) فإنّهم يسألون سؤال تقريع وتوبيخ، كما قال الحسن في معنى هذه الآية (أنّهم لا يسألون سؤال الاختيار ليعلم ذلك من قبلهم، وإنّما يسألون سؤال التّوبيخ والمناقشة) (٢).
قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ؛﴾ قال السديّ: (خرج في جوار بيض؛ على سروج من ذهب؛ على قطف أرجوان؛ «وهنّ» على بغال بيض عليهنّ ثياب حمر وحليّ من ذهب) (٣).وقال مقاتل: (خرج على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب عليه الأرجوان، ومعه أربعة آلاف فارس على الخيل، عليهم وعلى دوابهم الأرجوان، ومعه ألف جارية على بغال شهب سروجهنّ الذهب؛ ولباسهنّ أرجوان أحمر، عليهنّ الحليّ والحلل) (٤).
وقال ابن زيد: (خرج في سبعين ألفا عليهم المعصفرات) (٥).وهذا معنى الحسن في ثياب صفر. قال الزجّاج: (الأرجوان في اللّغة صبغ أحمر، فروي أنه كان عليهم وعلى خيولهم الدّيباج الأحمر) (٦)،قال: (وكان ذلك أوّل يوم رؤيت المعصفرات).
قوله تعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا؛﴾ أي قال مؤمنو أهل ذلك الزّمان لمّا رأوا تلك الزينة والجمال، ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ؛﴾ من المال، ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (٧٩)؛أي ذو نصيب وافر من الدّنيا، وكان الذين تمنّوا هذه الأمنية القوم الذين يرغبون في الدّنيا ويتمنّونها.
стр. 2073
قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً؛﴾ أي قال العلماء العاملون الرّاغبون في الآخرة للّذين تمنّوا ما أوتي قارون: (ويلكم! ثواب الله خير) أي ارتدعوا عن مقالتكم؛ فإنّ ثواب الله في الآخرة خير لمن آمن وعمل صالحا، وقام بالفرائض خير مما أعطي قارون في الدّنيا، وخير من الدّنيا وما فيها.
قوله تعالى: ﴿وَلا يُلَقّاها إِلاَّ الصّابِرُونَ﴾ (٨٠)؛أي لا يؤتى الأعمال الصالحة، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَعَمِلَ صالِحاً﴾ (١)،وقال الكلبيّ: (ولا يعطاها في الآخرة إلاّ الصّابرون على أمر الله) (٢) أي الجنّة، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿(ثَوابُ اللهِ)﴾.
قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ؛﴾ أي فخسفنا بقارون وقصره الذي بناه عقوبة له على كفره، وذلك أنّه لمّا أضاف النّعم التي أعطاه الله إياها إلى فعل نفسه وعمله، ولم ينسبها بتسهيل الله ذلك عليه؛ صار كافرا بنعم الله.
وقيل في سبب خسفه: أنه لمّا حسد موسى وهارون دعا امرأة ذات جمال معروفة بالفجور، وجعل لها ألف درهم-وقيل: ألف مثقال-وقال لها: إنّي أخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غدا إذا حضر بنو إسرائيل، وتذكري أنه راودك عن نفسك! فأجابت قارون إلى ذلك، فلمّا كان من الغد، جمع قارون بني إسرائيل، ثم أتى موسى فقال له: إنّ بني إسرائيل قد اجتمعوا ينظرون خروجهم لتأمرهم وتنهاهم.
فخرج موسى فقام فيهم يعظهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، قال:
يا بني إسرائيل؛ من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه ثمانين، ومن زنى وليست له امرأة جلدناه مائة، ومن زنى وله امرأة رجمناه حتّى يموت. قال قارون: وإن كنت أنت؟! قال: وإن كنت أنا. قال: فإنّ بني إسرائيل يزعمون أنّك فجرت بفلانة! فقال موسى: ادعوها، فدعوها وقد ألهمها الله التوبة والتوفيق، فقالت في نفسها: لإن أحدث اليوم توبة خير من أن يؤذى رسول الله ﷺ .
стр. 2074
فجاءوا بها وقد عقدوا مجلسا استحضر فيه قارون الخاصّ والعامّ، فقال قارون للمرأة: ما تقولين؟ قالت: يا ويلاه! قد عملت كلّ فاحشة، وما بقي إلاّ أن أفتري على نبيّ الله ﷺ ، وأنا أبرأ إلى الله من ذلك.
ثم أخرجت خريطتين مملوءتين دراهم وعليهما خاتم قارون، فقالت: يا أيّها الملأ؛ إنّ قارون أعطاني هاتين الخريطتين على أن آتي جماعتكم فأزعم أنّ موسى راودني عن نفسي، ومعاذ الله أن افتري على نبيّ الله، وأنا أبرأ إلى الله من ذلك، وهذه دراهمه وعليها خاتمه.
فعرف بنو إسرائيل خاتم قارون، فافتضح قارون بين أولئك القوم، وغضب موسى ﵇ فخرّ ساجدا يبكي وهو يقول: اللهمّ إن كنت رسولك فاغضب لي.
فأوحى الله إليه أنّي قد أمرت الأرض تطيعك فمرها بما شئت، فقال موسى ﵇: يا أرض خذيه، فأخذته إلى كعبه، ثم قال: يا أرض خذيه، فأخذته إلى ركبتيه، فناشده الرّحم، فقال: يا أرض خذيه، فأخذته حتى غيّبت حقوته، فتضرّع إلى موسى وناشده الرّحم، فلم يسمع تضرّعه، فقال: يا أرض خذيه، فأخذته حتى غيّبته.
فروي أنه استغاث بموسى وناشده سبعين مرّة، فلم يلتفت موسى إلى ذلك، فأوحى الله إلى موسى: ما أفظّك وأغلظ قلبك! استغاث بك قارون سبعين مرّة فلم ترحمه ولم تغثه، وعزّتي وجلالي لو استغاث بي لأغثته، ولو دعاني لوجدني قريبا مجيبا (١).
واختلفوا في أيّ وقت خسف بداره، قال بعضهم: إنه خسف به معه، وقال بعضهم: لمّا خسف بقارون قالت بنو إسرائيل: إنّ موسى أراد أن يأخذ دار قارون وأمواله وكنوزه، فدعا الله موسى فخسف بداره وأمواله بعد ما خسف بقارون بثلاثة أيّام. قال قتادة: (وذكر لنا أنّ قارون يتجلجل في الأرض هو وداره وماله كلّ يوم قامة لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة) (٢).
стр. 2075
قوله تعالى: ﴿فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ أي ما كان له من جند وجماعة يمنعونه من عذاب الله، ﴿وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ (٨١)؛ أي وما كان من الممتنعين ممّا نزل به من الخسف.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ؛﴾ أي أصبح الذين تمنّوا منزلته وماله بالأمس حين رأوه في زينته يندمون على ذلك التّمنّي، يقول بعضهم لبعض بعد ما خسف به (وي) هذه كلمة تنبيه ومعناها: أما ترون؟.
قال مجاهد: (وسبيلها سبيل: أما تعلم) ويحكى أنّ امرأة من العرب قال لها زوجها: أين أبوك، قالت له: ويكأنّه وراء هذا البيت، يعني أما ترى أنه وراء هذا البيت.
وذهب بعض النّحويّين إلى أنّ قول الرجل: ويكأنّه، بمنزلة: ويلك اعلم. وقال الخليل ويونس: (وي مفصولة من كأنّ، و (وي) كلمة تندّم وتنبيه، و (كأنّ) في هذا الموضع بمعنى الظّنّ والعلم) (١) كأنّهم لمّا رأوا الخسف تكلّموا على قدر علمهم، وقالوا: كأنّ الله يبسط الرّزق لمن يشاء لا لكرامته عليه، ويضيّق على من يشاء لا لهوانه عليه.
وقوله تعالى: ﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا؛﴾ أي لولا أن منّ الله علينا بالعافية والرّحمة والإيمان لخسف بنا. وقرأ يعقوب وحفص: ﴿(لَخَسَفَ)﴾ بفتح الخاء والسّين؛ أي لخسف الله بنا. قوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ (٨٢)؛أي أما ترى أنه لا يسعد من كفر بالله.
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً؛﴾ المراد بالدّار الجنّة، ﴿(نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا)﴾ على خلقي ﴿(فِي الْأَرْضِ)﴾ ولم يتكبّروا كما تكبّر قارون.
стр. 2076
قوله تعالى: ﴿(وَلا فَساداً)﴾ أي ولا دعاء إلى عبادة غير الله. وقيل: ولا فسادا ولا عملا بالمعاصي. وقيل: هو أخذ المال بغير الحقّ. قوله تعالى: ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٨٣)؛أي العاقبة الحميدة لمن اتّقى عقاب الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. وقيل: الذين يتّقون الكفر والعلوّ والفساد.
وعن كعب ﵁ أنه قال: [يحشر المتكبرون يوم القيامة كالذرّ في صور الرّجال، يغشاهم الذّلّ من كلّ مكان، يسلكون في النّار ويسقون من طينة الخبال] قيل: وما طينة الخبال؟ قال: [عصارة أهل النّار] (١).والمراد بالتّكبّر: أن يكون التكبّر لأمر يرجع إلى الدّنيا، فإمّا يكون من ذلك لإزالة المنكر وإقامة حقّ من حقوق الله، فلا يكون ذلك من التّكبّر في شيء، وإنّما هو تمسّك بالدّين.
قوله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها؛﴾ قد تقدّم تفسيره، ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٨٤)؛أي ومن جاء بالسّيئة فلا يزاد في عقوبته أكثر مما يستحقّه. والمعنى: أنّ الذين أشركوا يجزون بما كانوا يعملون من الشّرك وجزاؤهم النار.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ؛﴾ معناه: إنّ الذي فرض عليك العمل بالقرآن لرادّك إلى بلدك يعني مكّة، فإنّ معاد الرجل بلده. وقيل: معناه: ﴿(إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ)﴾ أي أنزل عليك القرآن.
وقال الزجّاج: (فرض عليك العمل بما يوجبه القرآن) (٢).تقدير الكلام: فرض عليك أحكام القرآن أو فرائض القرآن ﴿(لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ)﴾ يعني مكّة.
قال مقاتل: (خرج النّبيّ ﷺ إلى الغار ليلا، ثمّ هاجر من وجهه ذلك إلى المدينة، فسافر في غير طريق مخافة الطّلب، فلمّا أمن رجع إلى الطّريق، فنزل بالجحفة بين مكّة والمدينة، وعرف الطّريق إلى مكّة فاشتاق إليها، وذكر مولده ومولد
стр. 2077
آبائه، فأتاه جبريل فقال له: أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ قال: [نعم] قال جبريل:
فإنّ الله تعالى يقول ﴿(إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ)﴾ يعني إلى مكّة ظاهرا عليها، فنزلت هذه الآية بالجحفة، فليست بمكّيّة ولا مدنيّة) (١).
قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٨٥) هذا جواب كفار مكّة لمّا قالوا للنّبيّ ﷺ : إنّك في ضلال مبين! فقال الله تعالى: ﴿(رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى)﴾ يعني النّبيّ ﷺ ﴿(وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)﴾ يعني المشركين.
والمعنى: إنّ الله قد علم أنّي جئت بالهدى وإنّكم لفي ضلال مبين.
قوله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ معناه: ما كنت يا محمّد ترجو أن يوحى إليك القرآن وأنك تكون نبيّا تتلو على أهل مكّة قصص الأوّلين، إلاّ أنّ ربّك رحمك وأراد بك الخير، فأوحى إليك الكتاب وأكرمك بالنبوّة نعمة منه عليك، ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً؛﴾ أي عونا ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ (٨٦)؛على دينهم، وذلك حين دعوه إلى دين آبائه فذكّره الله النعمة، ونهاه عن مظاهرتهم على ما كانوا عليه وأمره بالتحذّر منهم.
قوله تعالى: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ؛﴾ أي لا يصرفنّك عن العمل بآيات الله بعد إذ أنزلت إليك، ﴿وَادْعُ إِلى رَبِّكَ؛﴾ أي إلى طاعته، ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٨٧)؛قال ابن عبّاس: (الخطاب للنّبيّ ﷺ والمراد به أهل دينه) (٢) أي لا تظاهروا الكفّار ولا توافقوهم.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ؛﴾ أي لا تعبد أحدا سوى الله ولا تدع الخلق إلى أحد دون الله، وقوله تعالى: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ؛﴾ لا معبود سواه، قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ؛﴾ أي إلاّ هو. وانتصب قوله ﴿(وَجْهَهُ)﴾ على الاستثناء كأنه قال: إلاّ إيّاه، وقال عطاء: (معناه: كلّ شيء هالك إلاّ ما أريد به وجهه، وكلّ عمل لغيره فهو هالك إلاّ ما كان له).
стр. 2078
وقوله تعالى: ﴿لَهُ الْحُكْمُ؛﴾ أي الفصل بين الخلائق دون غيره، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٨٨)؛في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم، والله أعلم بالصّواب وإليه المرجع والمآب.
آخر تفسير سورة (القصص) والحمد لله رب العالمين
تم هذا الجزء لمؤلفه الإمام الهمام شيخ الإسلام الشيخ الطبراني الكبير (١).
بسم الله الرحمن الرحيم. وصلّى الله وسلم وشرف وعظم على أشرف الأنبياء والمرسلين وجميع الخلف أجمعين سيدنا ونبينا وحبيبنا وشفيعنا محمّد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته وأهل بيته وجميع المسلمين وسلّم. إنهاء الواقف على هذا التفسير العظيم الذي قلّ أن يوجد له نظير بين العالمين؛ حيث إن مؤلفه الفاضل الهمام الإمام شيخ الإسلام الشيخ الطبراني الكبير مشّاء على طريق الحق القويم في تفسيره هذا للقرآن العظيم، جعله الله خالصا لوجهه الكريم، ونفع به النفع العظيم بمنه وكرمه إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.
وهذا أول الجزء الرابع، ﴿الم. أَحَسِبَ النّاسُ﴾.سورة العنكبوت.
стр. 2079
سورة العنكبوت
«سورة العنكبوت مكّيّة إلاّ عشر آيات، من أوّلها إلى قوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ،﴾ قال الشّعبيّ: (إنّها مدنيّة).وهي أربعة آلاف ومائة وخمسة وتسعون حرفا، وألف وإحدى وثمانون كلمة، وتسع وستّون آية» (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الم (١) أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (٢)؛قد تقدّم تفسير ﴿(الم)﴾.فمن جعل هذه الحروف التي في أوائل السّورة قسما، احتمل أن يكون جواب القسم في قوله: ﴿(وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)؛﴾ واحتمل أن يكون (فليعلمنّ).
وقوله تعالى: ﴿(أَحَسِبَ النّاسُ)﴾ لفظة استخبار، ومعناه التوبيخ والتقرير، كأنه قال: أظنّوا أن نقنع منهم بأن يقولوا آمنّا فقط ولا يمتحنون بالأوامر والنّواهي والتّكليف، ولا يختبرون بما يعلم أنه صدق إيمانهم.
قال الحسن ﵁: (سبب نزول هذه الآية أنّه لمّا أصيب المسلمون يوم أحد وكانت الكرّة عليهم، عيّرهم اليهود والنّصارى بذلك، فشقّ ذلك على المسلمين، فأنزل الله هذه الآية).قال السديّ وقتادة ومجاهد: (معناه: ﴿(أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ)﴾ في أموالهم وأنفسهم بالقتل والتّعذيب) (٢).
стр. 2080
وقال مقاتل: (نزلت هذه الآية في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطّاب ﵁ وكان أوّل قتيل من المسلمين يوم بدر، رماه عامر بن الحضرميّ بسهم فقتله، فقال النّبيّ ﷺ : [سيّد الشّهداء مهجع، وهو أوّل من يدعى إلى باب الجنّة من هذه الأمّة] (١) فجزع عليه أبواه وامرأته، فأنزل الله فيهم هذه الآية وأخبر أنّه لا بدّ لهم من البلاء والمشقّة في ذات الله) (٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ فيه تسلية للمؤمنين، معناه: ولقد امتحنّا الذين من قبلهم، ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ (٢)،فليعلمنّ الله الصادق بوقوع صدقه منه بالصّبر على ما يؤمر به، والكاذب بوقوع كذب منه والجزع والمخالفة في القتال الذي يؤمر به، فالله تعالى قد علم الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهم، ولكن القصد من الآية قصد وقوع العلم بما يجازى عليه؛ لأنّ علم الشّهادة هو الذي يجب به الجزاء، فأما علم الغيب قبل وقوعه فلا يحلّ به الجزاء.
وقال ابن عبّاس ﵁: (ولقد فتنّا الّذين من قبلهم منهم إبراهيم الخليل ﵇ ابتلي بالنّمرود، ومنهم قوم بعده نشروا بالمناشير على دين الله فلم يرجعوا عنه).وقال بعضهم: يعني بني إسرائيل ابتلوا بفرعون فكان يسومهم سوء العذاب.
قوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ (٤) معناه: أظنّوا ﴿(الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ)﴾ يعني الشّرك، قال ابن عبّاس: (يعني الوليد بن المغيرة وأبا جهل والأسود والعاص بن هشام وغيرهم) (٣).
﴿(أَنْ يَسْبِقُونا)﴾ أي أن يفوتونا ويعجزونا ﴿(ساءَ ما يَحْكُمُونَ)﴾ أي بئس ما حكموا لأنفسهم حين ظنّوا ذلك.
стр. 2081
وقيل: إنّ هذه الآية نزلت في عتبة بن ربيعة وأخيه شيبة، وفي الوليد بن عتبة وغير الذين بارزوا عليّا وحمزة وعبيدة بن الحارث يوم بدر، فقتلوا على أيديهم يومئذ (١).
قوله تعالى: ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ؛﴾ أي من كان يطمع في الثّواب ويخشى العقاب ويخاف الحساب، فليبادر إلى طاعة الله قبل الموت، ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ؛﴾ أي فإن أجل الموت لآت لمن يرجو، ولمن لا يرجو، وإنّ ثواب العمل الصالح لقريب، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ؛﴾ لمقالة الكفّار والمؤمنين، ﴿الْعَلِيمُ﴾ (٥)؛بما يستحقّه كلّ واحد منهم. وقيل: إنّ النّبيّ ﷺ لمّا نزلت هذه الآية قال: [يا عليّ؛ يا فاطمة: إنّ الله قد أنزل: من كان يرجو لقاء الله فإنّ أجل الله لآت، وإنّ حقيقة رجاء لقاء الله أن يستعدّ الإنسان لأجل الله إذا كان آتيا باتّباع طاعته واجتناب معاصيه] (٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ؛﴾ أي من يعمل الخير فإنّما يعمل لنفسه، ﴿إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ (٦)؛أي عن أعمالهم
وعبادتهم، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ؛﴾ بالإيمان والتوبة، ومعنى ﴿(لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ)﴾ أي لنبطلنّها حتى كأنّها لم تعمل، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٧)؛أي نجزيهم بأحسن أعمالهم وهي الطاعة، ولا نجزيهم بمساوئ أعمالهم.
قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما؛﴾ نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقّاص، وكان بارّا بأمه، فلما أسلم قالت له أمّه حمنة بنت أبي سفيان بن أميّة: يا سعد؛ بلغني أنّك قد صبأت! فو الله لا يظلّني سقف بيت، وإنّ الطّعام والشّراب عليّ حرام حتّى تكفر بمحمّد ﷺ فأنزل الله هذه الآية.
стр. 2082
فأبى سعد عليها، وبقيت هي لا تأكل ولا تشرب ولا تستظلّ بشيء، فمكثت يوما وليلة لا تأكل، فأصبحت قد جهدت ثمّ مكثت يوما وليلة أخرى لا تأكل، وقالت: يا سعد لتدعنّ دينك هذه أو لا آكل ولا أشرب حتّى أموت فتعيّر بي، فيقال:
يا قاتل أمّه! فقال سعد: يا أمّاه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت أن تأكلي، وإن شئت فلا تأكلي. فلمّا رأت ذلك أكلت، فأنزل الله هذه الآية (١).
ومعناها: ووصّينا الإنسان بالبرّ والإحسان إلى والديه وقلنا له: وإن طلبا منك أن تشرك بي ما ليس لك به علم تطعهما، فإنّ طاعتهما في الإشراك والمعصية «لَيْسَ» (٢) من باب الحسن، بل هي قبيحة. قال رسول الله ﷺ : [لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق] (٣).
وقوله تعالى: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ؛﴾ منقلبكم في الآخرة، ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ؛﴾ فأخبركم، ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨)؛في الدّنيا من الخير والشرّ والبرّ والعقوق.
واختلف النّحاة في نصب قوله ﴿(حُسْناً)﴾،فقال البصريّون: بنزع الخافض؛ تقديره: ووصّينا الإنسان بالحسن، كما يقال: وصيّه خيرا؛ أي بخير، وقال الكوفيّون:
ووصّينا الإنسان أن يفعل حسنا، فحذفه لدلالة الكلام عليه. وقيل: هو مثل قوله ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً﴾ (٤) أي يمسح مسحا. وقيل: معناه: ألزمناه حسنا. وقرأ أبو رجاء:
«(حسنا)» بفتح الحاء والسين، وفي مصحف أبيّ: «(إحسانا)».
стр. 2083
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ﴾ (٩) أي في زمرة الأنبياء والأولياء، وقيل: خواصّ أصحاب محمّد ﷺ .
قوله: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ؛﴾ روي أنّ هذه الآية نزلت في عيّاش بن أبي ربيعة، كان أسلم مع رسول الله ﷺ ، وكان يخاف على نفسه من أمّه وأخويه لأمّه وهما أبو جهل والحارث.
فخرج عيّاش بعد ما أعلن إسلامه هاربا إلى المدينة قبل هجرة النّبيّ ﷺ ، وبلغ أمّه الخبر فجزعت جزعا شديدا، وامتنعت عن الطّعام والشّراب، فخرج أخواه وقومه في طلبه، فأخذوه وقيّدوه، وحلفت أمّه أسماء بنت مخرم بن أبي جندل بالله (١):لا أحلّك من وثاقك حتّى تكفر بمحمّد، ثمّ أقبلت تجلده بالسّياط وتعذّبه حتّى كفر جزعا من الضّرب، فأنزل الله هذه الآية.
قال مقاتل والكلبيّ: (لمّا هاجر عيّاش إلى المدينة خوفا من أمّه وأخويه، حلفت أمّه أسماء بنت مخرم بن أبي جندل ألاّ تأكل ولا تشرب ولا تغسل رأسها ولا تدخل بيتا حتّى يرجع إليها ابنها، فلمّا رأى ابناها أبو جهل والحارث ابنا هشام -وهما أخوا عيّاش لأمّه-جزعها، فركبا في طلبه حتّى أتيا المدينة فلقياه.
فقال له أبو جهل: قد علمت أنّك أحبّ إلى أمّك من جميع أولادها، وكنت بارّا بها، وقد حلفت لا تأكل ولا تشرب ولا تدخل كنّا حتّى ترجع إليها، وأنت تزعم أنّ في دينك برّ الوالدين، فارجع إليها فإنّ ربّك الّذي تعبده بالمدينة هو ربّك بمكّة فاعبده بها. فلم يزالا به حتّى أخذ عليهما المواثيق أن لا يحرّكانه ولا يصرفانه عن دينه، فأعطياه المواثيق فتبعهما، فلمّا خرجوا به من المدينة أخذاه وأوثقاه وضربه كلّ واحد منهما مائة جلدة حتّى تبرّأ من دين محمّد ﷺ جزعا من الضّرب (٢).
стр. 2084
وكان الحارث أشدّهما عليه وأسوأهما قولا فيه، فحلف عيّاش بالله لئن قدر عليه ليضربنّ عنقه، فلمّا رجعوا إلى مكّة مكثوا حينا، ثمّ هاجر النّبيّ ﷺ والمؤمنون إلى المدينة، فهاجر عيّاش وأسلم وحسن إسلامه.
ثمّ إنّ الله تعالى وفّق الحارث بن هشام فهاجر إلى المدينة وبايع النّبيّ ﷺ على الإسلام، ولم يحضر عيّاش، فلقيه عيّاش يوما بظهر قباء ولم يعلم بإسلامه، فضرب عنقه يظنّ أنّه كافر، فقيل له: إنّه قد أسلم، فندم واسترجع وبكى، ثمّ أتى النّبيّ ﷺ فأخبره بذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً﴾.
ومعنى الآية: ومن الناس من يقول آمنّا بالله، فإذا عذّب في طاعة الله جعل تعذيب الناس كتعذيب الله، فأطاع الناس خوفا منهم، كما يطيع الله من خاف عذابه.
قوله: ﴿وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنّا كُنّا مَعَكُمْ؛﴾ أي إذا جاء فتح من ربك ﴿(لَيَقُولُنَّ إِنّا كُنّا مَعَكُمْ)﴾ وهذه صفة المنافقين، يقول الله تعالى:
﴿أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ﴾ (١٠)؛أي بما في قلوب الخلق من الطّمأنينة بالإيمان والانشراح بالكفر،
﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ أي ليجزي الله المؤمنين، ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ﴾ (١١)؛وليميّزنّ المنافقين.
قوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا؛﴾ معناه:
قال كفار مكّة أبو جهل وغيره، لمن آمن من قريش، واتّبع محمّدا ﷺ : اتّبعوا ديننا وملّة آبائنا، ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ،﴾ ونحن الكفلاء بكلّ تبعة تصيبكم من الله في ذلك،
стр. 2085
ونحمل عنكم خطاياكم، إن كان عليكم فيه إثم ووزر، فنحن نحمله عنكم (١).قال الفرّاء: (قوله تعالى: ﴿(وَلْنَحْمِلْ)﴾ لفظه لفظ الأمر، ومعناه: الجزاء؛ أي إن اتّبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم) (٢).قوله: ﴿وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (١٢)؛فيما ضمنوا من حمل خطاياهم، ولا يحفظون العذاب عنهم.
قوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ؛﴾ معناه: أوزار مع أوزارهم، وذلك أنّهم يعاقبون على كفرهم وعلى دعاء غيرهم إلى الكفر، وهذا موافق لقوله ﷺ : [من سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص من أوزارهم شيء] (٣).
ومعنى الآية: وليحملنّ أوزارهم التي حملوها، وأوزارا مع أوزارهم لقولهم للمؤمنين: ﴿(اتَّبِعُوا سَبِيلَنا «وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ)﴾ وهم كاذبون فيما قالوا لهم ووعدوهم» (٤)،وليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة.
وقوله: ﴿وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (١٣)؛أراد به سؤال توبيخ لا سؤال استعلام، يقال لهم: هل كان عندكم من الغيب شيء؟ ومن أين قلتم إنّكم تحملوا أوزار غيركم؟.
стр. 2086
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً؛﴾ أي مكث بين أظهرهم يدعوهم إلى الإيمان ألف سنة إلاّ خمسين عاما، فلم يجبه إلى الإيمان منهم إلاّ قليل، ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ (١٤)،فأهلك الله المكذّبين بالطّوفان وهو الغرق (وهم الظالمون) أي مشركون.
وفي الحديث: [أنّ نوحا ﵇ أرسل إليهم بعد ما أتى عليه مائتان وخمسون سنة، وعاش بعد الطّوفان مائتين وخمسين سنة] (١).وسمي الغرق طوفانا لأنّ الماء في ذلك اليوم طاف في جميع الأرض.
قوله: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ؛﴾ أي أنجينا نوحا من الغرق ومن كان معه من المؤمنين في السّفينة، ﴿وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (١٥)؛أي جعلنا السّفينة عبرة لمن بعدهم من الناس إن عصوا رسولهم فعلنا بهم مثل ذلك.
قوله: ﴿وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ؛﴾ انتصب ﴿(إِبْراهِيمَ)﴾ عطفا على نوح، معناه: وأرسلنا إبراهيم أيضا، ﴿(إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ)﴾ أي وحّدوا الله وأطيعوه واخشوه، ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ؛﴾ أي عبادة الله خير لكم من عبادة الأوثان، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١٦)؛ذلك.
قوله: ﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً؛﴾ أي أصناما تتّخذونها من الحجارة والخشب، ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً؛﴾ أي وتخترعون على الله كذبا في قولكم: إنّها آلهة. ويجوز أن يكون معنى ﴿(وَتَخْلُقُونَ)﴾ أي تنحتون أصناما.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ أي إنّ الذين تعبدون من الأصنام لا يقدرون أن يرزقوكم. قوله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا﴾
стр. 2087
﴿عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١٧)؛أي اطلبوا الرّزق منّي، فأنا القادر على ذلك، ﴿(وَاعْبُدُوهُ)﴾ أي اعبدوا من يملك أرزاقكم، (واشكروا من إليه ترجعون) في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ؛﴾ يعني كذبوا أنبياءهم كما كذبتم نبيّكم فأهلكهم الله تعالى، ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (١٨)؛أي ما عليه إلاّ تبليغ الرسالة عن الله بلغة الّذين أرسلهم إليهم.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ؛﴾ أي أو لم يعلم ويعتبر أهل مكّة كيف يبدئ الله الخلق في أرحام الأمّهات من النّطفة ثم من العلقة ثم من المضغة إلى تمام الخلق، ثم يميته ثم يعيده بعد الموت للبعث خلقا جديدا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (١٩)؛أي إنّ بدأ الخلق وإعادته هيّن على الله، فإنه القادر على الاختراع من غير ابتداء على مثال، قادر على الإعادة، وكانوا يقرّون بأنّ الله هو الذي خلقهم.
قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ؛﴾ أي سافروا في الأرض وابحثوا وانظروا هل تجدون خالقا غير الله، واعتبروا كيف خلق الله من قبلكم ثم أهلكهم بعد ذلك.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ؛﴾ أي ثم إنّ الله يبعث الخلق ثانية يوم القيامة، ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٠)؛من الإحياء والإماتة قادر. قرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن: «(النّشاءة)» بالمدّ، وقرأ الباقون: (النّشأة) بإسكان الشّين والقصر وهما لغتان (١).
قوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ؛﴾ أي يعذّب من يشاء من كان أهلا للتعذيب، ويرحم من يشاء من كان أهلا للرحمة، وقوله تعالى:
﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ (٢١)؛أي تردّون في الآخرة.
стр. 2088
قوله تعالى: ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ؛﴾ أي ما أنتم يا أهل مكّة بفائتين من عذاب الله هربا، ولا في السّماء، فلا تغترّوا لطول الإمهال.
ولا يجوز أن يكون معناه: ولا من في السّماء بمعجزين؛ أي ما أنتم يا كفار مكّة بفائتي الله في الأرض (١) كنتم أو في السّماء كنتم، أينما تكونوا يأت بكم الله فيجزيكم بأعمالكم السيّئة، ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ؛﴾ يتولّى أمركم وحفظكم، ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ (٢٢)؛يمنع العذاب عنكم.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ؛﴾ أي الذين يجحدوا بآيات الله والقرآن والبعث بعد الموت، ﴿أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي؛﴾ أي من جنّتي في الآخرة باعتقادهم أنّها لا يقع بهم، ﴿وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢٣).
قوله تعالى: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ؛﴾ أي ما كان جواب قوم إبراهيم حيث دعاهم إلى الله، إلاّ أن قالوا: اقتلوه أو حرّقوه بالنار، ثم «اتفقوا على تحريقه» (٢) فقذفوه في النار، ﴿فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ؛﴾ سالما، وجعلها عليه بردا وسلاما ولم تحرق منه إلاّ وثاقه، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢٤) بالله ورسله.
قوله تعالى: ﴿وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً؛﴾ أي قال إبراهيم: إنّ ما عبدتم من دون الله أوثانا هي مودّة بينكم، أو تلك مودّة بينكم، والمعنى: أي ألفتكم واجتماعكم على الأصنام ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما﴾
стр. 2089
﴿لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٢٥)؛ثم تنقطع عن قريب، وتنقلب تلك المودّة عداوة بعد الموت، يتبرّأ بعضكم من بعض، ويلعن العابد المعبود، لذلك يلعن العابدون بعضهم بعضا، ويكون مصيرهم في الآخرة النار، وما لكم من مانع يمنعكم من عذاب الله.
ويجوز أن تكون (ما) في قوله تعالى ﴿(إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ)﴾ بمعنى (الذي) كأنه قال: إنّ الذي اتّخذتموه من دون الله أوثانا مودّة بينكم ما دمتم في الحياة الدّنيا، فيكون ﴿(مَوَدَّةَ)﴾ رفعا لأنّها خبر (إنّ)،وقرأ حمزة وحفص ﴿(مَوَدَّةَ)﴾ بالنصب ﴿(بَيْنِكُمْ)﴾ بالخفض على الإضافة؛ بوقوع الاتّحاد عليه، وجعل ﴿(إِنَّمَا)﴾ حرفا واحدا، وقرأ الباقون نصبا منوّنا «(بينكم)» بالنصب على أنه مفعول أيضا، ومعناه: اتّخذتم هذه الأوثان مودّة بينكم تتوادّون وتحابّون على عبادتها وتتواصلون عليها.
قوله تعالى: ﴿*فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ؛﴾ أي صدّق لوط بإبراهيم، وهو أوّل من صدّق به، ﴿وَقالَ؛﴾ إبراهيم: ﴿إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي؛﴾ أي إلى الموضع الذي أمرني ربي بالهجرة إليه، وكان مأمورا بالهجرة من كوثى وهو سواد العراق إلى الشّام.
وقيل: إن كوثى من سواد الكوفة، فهاجر إبراهيم ومعه لوط وهو ابن أخيه ومعه سارة. قال مقاتل: (هاجر إبراهيم وهو ابن خمس وسبعين سنة) (١).وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢٦)؛أي المنتقم ممّن عصاه، الحكيم فيما حكم علينا من الهجرة.
قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ؛﴾ أي لإبراهيم، ﴿إِسْحاقَ؛﴾ من امرأته سارة، ﴿وَيَعْقُوبَ؛﴾ ابن ابنه، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ؛﴾ وذلك أنّ الله لم يبعث نبيّا من بعد إبراهيم إلاّ من صلبه، وقوله تعالى ﴿(وَالْكِتابَ)﴾ أي وجعلنا التّوراة والإنجيل والقرآن في ولده.
стр. 2090
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا؛﴾ أراد به الثّناء الحسن، وموالاة جميع الأمم إيّاه؛ لأن جميع أهل الأديان يحبّونه. وقال السديّ: (إنّه أري مكانه في الجنّة) ثمّ أعلمه الله أنّ له مع ما أعطاه في الدّنيا الدّرجات العلى لقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٢٧)؛أي إنه في الآخرة مع آبائه المرسلين في الجنّة مثل آدم ونوح.
قوله تعالى: ﴿وَلُوطاً؛﴾ أي وأرسلنا لوطا بالنبوّة، ﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ؛﴾ يعني عملهم الخبيث الذي لم يكن يعمله أحد قبلهم.
وقوله تعالى: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ؛﴾ وذلك أنّهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمرّ بهم من المسافرين، فلما فعلوا ذلك شاع الخبر، فترك الناس المرور بهم وانقطع السبيل.
وقوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ؛﴾ النادي المجلس والمتحدّث؛ أي تأتون في مجالسكم الفسق، قيل: إنّهم كانوا يفعل بعضهم ببعض الفاحشة في المجالس. وقيل: إنّهم كانوا يصفّقون بأيديهم ويصفّرون بأفواههم، وقال القاسم بن محمّد: (هو أنّهم كانوا يتضارطون في مجالسهم) (١) ويضربون بالعود والمزامير (ويلعبون بالحمام) (٢).وقيل: في معنى قوله تعالى ﴿(وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ)﴾ قال مجاهد: (كان يجامع بعضهم بعضا في المجالس) (٣).
وسئل رسول الله ﷺ عن المنكر الّذي كانوا يأتونه قوم لوط، فقال: [كانوا يجلسون وعند كلّ واحد منهم قصعة حصى، فإذا مرّ بهم عابر سبيل خذفوه، فأيّهم
стр. 2091
أصابه كان أولى به] (١)،قال ﷺ : [إيّاكم والخذف، فإنّه لا ينكأ العدوّ ولا يصيب الصّيد، ولكن يفقأ العين ويكسر السّنّ] (٢).
قوله تعالى: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا؛﴾ أي فلمّا أنكر لوط على قومه ما كانوا يفعلون من القبائح قالوا استهزاء: ﴿اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٢٩)؛أنّ العذاب نازل، فعند ذلك؛
﴿قالَ؛﴾ لوط ﵇: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٣٠)؛أي انصرني بتحقيق قولي في العذاب على القوم المفسدين العاصين.
فاستجاب الله دعاءه، وبعث جبريل ومعه الملائكة لتعذيب قومه وهو قوله تعالى:
﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى؛﴾ أي بالبشرى بإسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب، ﴿قالُوا إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ؛﴾ يعني سدوم قرية لوط، ﴿إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ (٣١)؛بالشّرك والعمل الخبيث،
﴿قالَ؛﴾ إبراهيم: ﴿إِنَّ فِيها لُوطاً؛﴾ فكيف تهلكونهم؟! ﴿قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ؛﴾ وأهل دينه وابنتيه زعورا وزنبا، ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾ واعلة، ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ (٣٢)؛أي من الباقين في المهلكين.
قوله تعالى: ﴿وَلَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ؛﴾ أي ساء مجيئهم خوفا عليهم من قومه؛ لأنّهم جاءوه على هيئة الغلمان، ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً؛﴾ أي ضاق عليهم بسببهم، ﴿وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ (٣٣) ومنجّوا؛ قال المبرّد: (الكاف في
стр. 2092
﴿(مُنَجُّوكَ)﴾ مخفوضة ولم يجز عطف الظّاهر على المضمر المخفوض، فما جعل الثّاني على المعنى، فصار التّقدير: وننجي أهلك، أو منجون أهلك).
قوله تعالى: ﴿إِنّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ؛﴾ أي عذابا بالحجارة، وقيل: الخسف والحصب، ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٣٤)؛ أي بسبب فسقهم، يروى أنّ تلك القرية كانت مشتملة على سبعمائة ألف رجل.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً؛﴾ أي آثار منازلهم الخربة وهي ترك ديارهم منكوسة عظة وعبرة، وأظهر الله فيها ماء أسودا نتنا يتأذى الناس برائحته، وقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٣٥)؛أي يتفكّرون فيما فعل الله بهم فلا يفعلون مثل فعلهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً؛﴾ أي وأرسلنا إلى أهل مدين أخاهم شعيبا، ﴿فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ؛﴾ أي واخشوا البعث الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٣٦)؛أي لا تعثوا في الأرض بالفساد،
﴿فَكَذَّبُوهُ؛﴾ بالرّسالة، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ؛﴾ أي الزّلزلة، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ (٣٧)؛أي ميّتين باركين على ركبهم.
قوله تعالى: ﴿وَعاداً وَثَمُودَ؛﴾ أي وأهلكنا عادا وثمودا، ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ؛﴾ أي ظهر لكم يا أهل مكّة من منازلهم والحجر واليمن في هلاكهم حيث تمرّون بها، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ؛﴾ القبيحة، ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ؛﴾ أي فصرفهم عن طريق الحقّ، ﴿وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ (٣٨)؛أي عقلاء يمكنهم تمييز الحقّ من الباطل، ويقال:
كانوا معجبين بضلالهم يرون أنّهم على الحقّ، ولم يكونوا كذلك، والمعنى: أنّهم كانوا عند أنفسهم مستبصرين فيما عملوا من الضّلالة، يحسبون أنّهم على هدى.
قوله تعالى: ﴿وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي وأهلكنا قارون وفرعون وهامان بعد ما جاءهم
стр. 2093
موسى بالمعجزات فتعظّموا عن الإيمان به، ﴿وَما كانُوا سابِقِينَ﴾ (٣٩)؛أي لم يكونوا فائتين من عذاب الله.
قوله تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ؛﴾ أي كلّ هؤلاء القوم الذين ذكرناهم عاقبناهم بذنوبهم، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً؛﴾ يعني الحجارة وهم قوم لوط، وقيل: الحاصب الرّيح التي تأتي بالحصباء، وهي الحصى الصّغار، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ؛﴾ وهم قوم صالح وشعيب، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ؛﴾ يعني قارون وأصحابه، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا؛﴾ يعني قوم نوح وفرعون، ﴿وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ؛﴾ بإهلاكه إيّاهم، ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٤٠)؛بالكفر والمعاصي.
قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ؛﴾ يعني الأصنام يتّخذونها أولياء يرجون نصرها ونفعها، ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً،﴾ وبيتها لا يغنيها عن الحرّ والبرد والمطر، كذلك آلهتهم لا ترزقهم شيئا، ولا تملك لهم ضرّا ولا نفعا.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ)﴾ أي لا بيت أضعف منه مما يتّخذه الهوام، ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤١)؛إنّ اتّخاذهم الأولياء سوى الله كاتّخاذ العنكبوت بيتا في قلّة النفع ما اتّخذوهم أولياء.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ؛﴾ قرأ أبو عمرو ﴿(يَدْعُونَ)﴾ بالياء لذكر الأمم قبلها، وقرأ الباقون بالتاء، ومعنى الآية:
أنه عالم بما عبدتموه من دونه فهو يجازيكم على كفركم، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤٢).
وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ؛﴾ يعني أمثال القرآن، ﴿نَضْرِبُها،﴾ نبيّنها، ﴿لِلنّاسِ﴾. قال مقاتل: (يعني لكفّار مكّة) (١) ﴿وَما يَعْقِلُها؛﴾ الأمثال، ﴿إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ (٤٢)؛أي العلماء.
стр. 2094
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ؛﴾ أي للحقّ واظهر الحقّ خلقها، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٤)؛أي لدلالة على قدرة الله وتوحيده.
قوله تعالى: ﴿اُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ؛﴾ أي اقرأ عليهم يا محمّد ما أنزل عليك من القرآن، وأقم الصّلوات الخمس في مواقيتها بشرائطها وسننها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ؛﴾ وذلك أنّ في الصّلاة تكبيرا وتسبيحا وقراءة ووقوفا للعبادة على وجه الذّلّ والخشوع، وكلّ ذلك يدعو إلى شكله ويصرف عن ضدّه وهي الآمر والنّاهي بالقول. والفحشاء: ما قبح من العمل، والمنكر: ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة.
قال ابن عبّاس ﵄: (في الصّلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله) (١) (فمن لم تنهه صلاته عن المعاصي لم يزدد من الله إلاّ بعدا) (٢)،وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلاّ بعدا] (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ؛﴾ أي ولذكر الله إيّاكم بالتوفيق والمغفرة والثواب أكبر من ذكركم إياه بالطاعة، وقيل: ذكر الله في المنع من الفحشاء والمنكر أكبر من الصّلاة، ويجوز أن يكون أكبر في معنى الكبر في الجزاء والثّواب، كما قال : ﴿وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ﴾ (٤).
стр. 2095
قالت الحكماء: ذكر الله للعبد أكبر من ذكر العبد لله؛ لأنّ ذكر الله للعبد على حدّ الاستغناء، وذكر العبد إياه على حدّ الافتقار، ولأنّ ذكر العبد بجرّ نفع أو دفع ضرّ، وذكر الله للعبد للفضل والكرم، ولأنّ ذكر العبد مخلوق، وذكر الله غير مخلوق.
وقال ﷺ في قوله تعالى ﴿(وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ)﴾: [أي ذكر الله على كلّ حال أحسن وأفضل، والذّكر أن تذكره عند ما حرّم، فتدع ما حرّم، وعند ما أحلّ فتأخذ ما أحلّ] (١).وقال ﷺ : [من أحبّ أن يرتع في رياض الجنّة فليكثر من ذكر الله ] (٢).
وقال أبو الدّرداء ﵁: (ألا أخبركم بخير أعمالكم وأحبها إلى مليككم وأتمّها في درجاتكم، وخير لكم من أن تغزوا عدوّكم فتضربوا رقابهم، وخير لكم من إعطاء الدّنانير والدّراهم؟) قالوا: وما هو؟! قال: (ذكر الله ؛ قال الله تعالى:
﴿(وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ)﴾ (٣).
وقال معاد بن جبل: سألت رسول الله ﷺ : أيّ الأعمال أحبّ إلى الله تعالى؟ قال: [أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله ] (٤).وقال ﷺ : [ما من قوم جلسوا في مجلس يذكرون الله فيه؛ إلاّ حفّت بهم الملائكة؛ وغشيتهم الرّحمة؛ وذكرهم الله فيمن عنده] (٥).
стр. 2096
وروي أنّ رجلا أعتق أربع رقاب، وآخر قال: سبحان الله؛ والحمد لله؛ ولا إله إلاّ الله؛ والله أكبر، ثم إنّ الذي لم يعتق سأل حبيب (١) سرّا وفي أصحابه فقال: ما تقولون فيمن أعتق أربع رقاب وأنا قلت: سبحان الله؛ والحمد لله؛ ولا إله إلاّ الله؛ والله أكبر، فأيّهما أفضل؟ فنظروا هنيهة وقالوا: ما نعلم شيئا أفضل من ذكر الله.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ (٤٥)؛أي ما تعملون من الخير والشرّ، لا يخفى عليه شيء.
قوله تعالى: ﴿*وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ؛﴾ أي لا تخاصموا أهل الكتاب إلاّ بالطريقة التي هي أحسن، وهي أن تعظوهم بالقرآن على وجه النّصح لهم والاستمالة إلى دين الإسلام وتعظيم الله تعالى وطلب ثوابه، ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ؛﴾ أي إلاّ من ظلم من أهل الكتاب فمنع الجزية أو نقض العهد، وعاد حربا لكم، فجادلوهم باللّسان والسّنان، وأغلظوا عليهم حتى يسلموا، ﴿وَقُولُوا؛﴾ لمن قبل الجزية منهم إذا أخبروكم بشيء من كتبهم:
﴿آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ؛﴾ أي آمنّا بالقرآن والتوراة والإنجيل والزبور، ﴿وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٤٦)؛أي مخلصون بالعبادة والتوحيد، وهذه صفة المجادلة الحسنة.
قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ؛﴾ أنزلنا إليك يا محمّد القرآن كما أنزلنا إليهم الكتب، ﴿فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي الذين أكرمناهم بعلم التّوراة وهم عبد الله بن سلام وأصحابه يؤمنون بالقرآن بدلالة التّوراة. وقوله: ﴿وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ؛﴾ أراد به من كفّار مكّة من يؤمن به، يعني يسلم منهم.
وقوله تعالى: ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ﴾ (٤٧)؛أي ما يجحد بمحمّد ﷺ وبالقرآن بعد المعرفة إلاّ الكافرون من اليهود، وذلك أنّهم عرفوا أنّ محمّدا نبيّ والقرآن حقّ فجحدوا وأنكروا.
стр. 2097
قوله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ؛﴾ أي ما كنت يا محمّد تقرأ من قبل القرآن ﴿(مِنْ كِتابٍ)﴾ أي ما كنت قارئا قبل الوحي ولا كاتبا، وقوله: ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٤٨)؛ولا تكتبه بيمينك، ولو كنت تقرأه وتكتب لوجد المبطلون طريقا إلى التّشكيك في أمرك والارتياب في نبوّتك، ويقولون إنه يقرؤه من الكتب الماضية، فلمّا كان معلوما عندهم أنه ﵇ كان لا يقرأ ولا يكتب، ثم أتى بالقرآن الذي عجزوا عن الإتيان بسورة مثله، دلّهم ذلك على أنه من عند الله، ولأنّه كانت صفته في التّوراة والإنجيل:
أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، ولو كنت قارئا كاتبا لشكّ اليهود فيك، وقالوا: إنّ الذي نجده في التوراة أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب.
قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ؛﴾ قال الحسن: (يعني القرآن آيات بيّنات في صدور الّذين أوتوا العلم يعني المؤمنين الّذين حملوا القرآن على عهد النّبيّ ﷺ وحملوه بعد) (١).
وقال مقاتل: ﴿(بَلْ هُوَ)﴾ يعني محمّدا ﷺ ﴿(آياتٌ بَيِّناتٌ)﴾ أي دو آيات بيّنات في صدور أهل العلم من أهل الكتاب؛ لأنّهم يجدونه بنعته وصفته). ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظّالِمُونَ﴾ (٤٩)،يعني كفار اليهود.
قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ؛﴾ أي قال كفّار مكّة: هلاّ أنزل على محمّد آية من ربه كما كانت الأنبياء تجيء بها إلى قومهم، أرادوا بها الآيات التي كانوا يقترحونها عليه من قولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ الآية (٢).
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائيّ وخلف: «(آية)» على التوحيد، وقرأ الباقون بالجمع.
стр. 2098
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي في حكم الله إن شاء أنزلها، ﴿وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٥٠)؛أي رسول مخوّف لكم بلغة تعرفونها، وليس إنزال الآيات بيده.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ؛﴾ معناه: أو لم يكن لهم كفاية في معرفة نبوءتك أنّا أنزلنا عليك القرآن الذي تقرأه عليهم بلغتهم مما فيه أخبار الأمم الماضية مع عجزهم عن الإتيان بحديث مثله، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً؛﴾ أي في إنزال القرآن لرحمة لمن آمن به وعمل بما فيه، ﴿وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥١)،أي وذكرى وموعظة لهم.
قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: كفى الله شهيدا بأنّي رسول إليكم، ﴿يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ؛﴾ أي صدّقوا بالأصنام وجحدوا وحدانيّة الله، ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٥٢)؛ بالعقوبة وفوت المثوبة.
قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ؛﴾ أي يستعجلك كفار مكّة بالعذاب قبل وقته استهزاء وتكذيبا منهم بذلك، ﴿وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ؛﴾ أي لولا أنّ الله جعل لعذابه أجلا مسمّى قد سمّاه وهو يوم القيامة.
وقيل يعني مدّة أعمارهم؛ لأنّهم إذا ماتوا صاروا إلى العذاب لعجّل لهم العذاب في الحال، ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٥٣)؛بإتيانه.
قوله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ (٥٤)؛ فيه تعجيب باستعجالهم مع أنّ جهنّم محيطة بهم في الآخرة، جامعة لهم،
﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ؛﴾ فلا يبقى جزء منهم إلاّ وهو معذب في النار جزاء، ويقال لهم: ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٥٥).
قرأ الكوفيّون ونافع: ﴿(وَيَقُولُ)﴾ بالياء، يعني الموكّل بعذابهم يقول لهم ذلك، وقرأ الباقون بالنّون؛ لأنه لمّا كان بأمره سبحانه جاز أن ينسب إليه.
стр. 2099
قوله تعالى: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (٥٦)؛قال مقاتل: (نزلت في ضعفاء مسلمي مكّة، تقول: إن كنتم في ضيق بمكّة من إظهار الإيمان) (١) فاخرجوا منها وأمروا بالهجرة من الموضع الّذي لا يمكنهم فيه من عبادة الله، وكذلك يجب على كلّ بلد، من كان في بلد فعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث يتهيّأ له أن يعبد الله حقّ عبادته.
ثم خوّفهم بالموت لتهون عليهم الهجرة؛ فقال:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ؛﴾ أي كلّ أحد ميّت أينما كان، فلا تقيموا بدار الشّرك خوفا من الموت، ﴿ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ (٥٧)،بعد الموت فيجزيكم بأعمالكم. وقال سعيد بن جبير: (معنى الآية: إذا عمل في أرض بالمعاصي فاخرجوا منها، فإنّ أرضي واسعة) (٢)،وقال عطاء: (إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا منها، فإنّ أرض الله واسعة) (٣)،وقال مجاهد:
(إنّ أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا) (٤).
وقال الكلبيّ: (نزلت في المستضعفين من المؤمنين الّذين كانوا بمكّة لا يقدرون على إظهار الإيمان وعبادة الرّحمن، فحثّهم على الهجرة إلى المدينة، فشقّ عليهم وقالوا: كيف يكون حالنا إذا انتقلنا إلى دار الغربة وليس بها أحد يعرفنا فيواسينا، ولا نعرف وجوه الاكتساب فيها، فقطع الله عذرهم بهذه الآيات).
ومعناها: إنّ أرضي واسعة آمنة، وقيل: ﴿(واسِعَةٌ)﴾ أي رزقي لكم واسع، فاخرجوا من هذه الأرض التي أنتم فيها. وعن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : [من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب الجنّة، وكان رفيق إبراهيم ومحمّد ﵉] (٥).
стр. 2100
ثم ذكر ثواب من هاجر، فقال:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ؛﴾ يعني المهاجرين، ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ قال ابن عبّاس ﵄: (لنسكننّهم غرف الدّرّة والزّبرجد والياقوت، ولننزلنّهم قصور الجنّة)،وقرأ حمزة والكسائيّ: «(لنثوينّهم)» يقال: ثوى الرجل إذا أقام، وأثويته إذا أنزلته منزلا يقيم فيه، والمعنى: والذين آمنوا لننزلنّهم من الجنّة غرفا عوالي تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ﴿خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ (٥٨)؛لله.
ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا؛﴾ أي على دينهم فلم يتركوه لشدّة لحقتهم، ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٥٩)؛قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ المهاجرين توكّلوا على الله وتركوا دورهم وأموالهم).وقيل: معناه: ﴿(وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)﴾ في أرزاقهم وجهاد أعدائهم ومهمّات أمورهم.
قال مقاتل: (إنّ أحدهم كان يقول بمكّة: كيف أهاجر إلى المدينة وليس لي بها مال ولا معيشة) (١).
فقال الله : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا؛﴾ أي وكم من دابّة في الأرض؛ وهي كلّ حيوان يدبّ على الأرض مما يعقل ومما لا يعقل.
والمعنى: كم من نفس دابّة لا تحمل رزقها؛ أي لا ترفع رزقها معها ولا تدّخر شيئا لغد، ﴿اللهُ يَرْزُقُها؛﴾ حيث توجّهت، ﴿وَإِيّاكُمْ؛﴾ يرزقكم إن أخرجتم إلى المدينة، وإن لم يكن لكم زاد ولا نفقة. قال سفيان: (وليس شيء ممّا يخبئ ويدّخر إلاّ الإنسان والفأر والنّملة والغراب على ما قيل) (٢).
وقيل: إنّ رسول الله ﷺ قال للمؤمنين الّذين كانوا بمكّة وقد آذاهم المشركون: [أخرجوا إلى المدينة وهاجروا، ولا تجاوروا الظّلمة فيها] فقالوا: يا رسول الله! كيف نخرج إلى المدينة وليس لنا بها عقار ولا مال، فمن يطعمنا
стр. 2101
ويسقينا؟ فأنزل الله هذه الآية ﴿(وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ)﴾ (١) يوما بيوم؛ أي يرزق من يحمل ومن لا يحمل، فكم من دابّة لا تجمع رزقها لغد، ولا يقدر على حمل رزقها لضعفها، الله يرزقها وإيّاكم، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٦٠)؛ أي السّميع لأقوالهم: نخشى إن فارقنا أوطاننا العيلة، العليم بما في قلوبهم ونفوسهم، فلا يتركوا عبادة الله بسبب الرّزق، ولا يهتمّوا لأجل ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ؛﴾ يعني لئن سألت مشركي مكّة: من خلق السّماوات، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٦١)؛أي يصرفون عن عبادة الله الذي هذه صفته إلى عبادة جمادات لا تنفع ولا تضرّ.
قوله تعالى: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ؛﴾ أي يبسط الرّزق على قوم، ويضيّق على قوم، يفعل ذلك عن علم وحكمة، لا عن غلط وخطأ، ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٦٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ؛﴾ يعني كفّار مكّة أيضا، ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ؛﴾ أي الحمد لله على إقرارهم؛ لأن ذلك يلزمهم الحجّة، ويوجب عليهم التوحيد.
وقيل: معناه: الحمد لله على هذه النّعم، وعلى ما تفضّل به جلّ ذكره من الإنعام على العباد، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٦٣)؛بتوحيد ربهم مع إقرارهم بأنه خلق السّماوات والأرض وأنزل المطر.
قوله تعالى: ﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ أي باطل وغرور وعبث تنقضي عن قريب بسرعة، ﴿وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ؛﴾ يعني الجنّة هي الحيوان؛ أي الحياة والدّوام والبقاء الذي لا نفاد له، والحيوان والحياة واحد. وقوله تعالى: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٦٤)؛أي لو كانوا يعلمون
стр. 2102
الفرق بين الحياة الدّائمة والحياة الفانية لرغبوا في الباقي الدائم عن الفاني الزّائل، ولكنّهم لا يعلمون.
قوله تعالى: ﴿فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ؛﴾ يعني المشركين إذا ركبوا في السّفينة وهاجت الرياح واضطربت الأمواج، وخافوا الغرق والهلاك، ﴿(دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)﴾ أي دعوا الله مفردين له بالدّعاء، وتركوا شركاءهم وأصنامهم فلا يدعونهم لإنجائهم، ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ؛﴾ أي فلمّا خلّصهم من تلك الأهوال، وأخرجهم إلى البرّ؛ ﴿إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ؛﴾ أي عادوا إلى شركائهم لكي يكفروا بما أعطيناهم، ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا؛﴾ في كفرهم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٦٦)؛جزاء فعلتهم. قال عكرمة: (كان أهل الجاهليّة إذا ركبوا في البحر حملوا معهم الأصنام، فإذا اشتدّت بهم الرّيح ألقوا تلك الأصنام في البحر، وصاحوا: يا الله يا الله).
وقيل: إنّ (اللام) في قوله ﴿(لِيَكْفُرُوا)﴾ لام الأمر، ومعناها: التهديد والوعيد، كقوله ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ (١) ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ (٢)،وكذلك عقّبه بقوله: ﴿(فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)﴾.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ أي ألم ير كفار مكّة ﴿(أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً)﴾ يعني مكّة، ويسلب الناس من حولهم فيقتلون ويؤسرون وتؤخذ أموالهم، وأهل مكّة آمنون من ذلك، ﴿أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ؛﴾ أي فيقرّون ويصدّقون بالباطل وهي الأصنام بعد قيام الحجّة، ﴿وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ﴾ (٦٧)؛أي بمحمّد والإسلام يجحدون.
والتّخطّف: هو تناول الشيء بسرعة.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً؛﴾ أي لا أجد أظلم ممّن زعم أنّ لله شريكا، ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُ؛﴾ يعني
стр. 2103
محمّدا والقرآن، ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ (٦٨)؛أي أما لهذا الكافر المكذّب مأوى في جهنّم، وهو استفهام، ومعناه: التقرير.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا؛﴾ أي الذين جاهدوا الكفار لابتغاء مرضاتنا لنهدينّهم سبلنا إلى الجنّة؛ أي لنوفّقنّهم لإصابة الطريق المستقيمة. وقيل: معناه: والذين قاتلوا لأجلنا أعداءنا لنهدينّهم سبيل الشّهادة والمغفرة.
وقال الفضيل: (معناه: والّذين جاهدوا فينا في طلب العلم بالعمل به)،وقال أبو سليمان الدّارانيّ: (معناه: الّذين يعملون بما يعلمون يهديهم الله إلى ما لا يعلمون).وعن ابن عبّاس: (أنّ معناه: والّذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينّهم سبل ثوابنا).
وقيل: معناه: والذين جاهدوا بالصّبر على المصائب والنّوائب لنهدينهم سبل الوصول للمواهب. وقيل: والذين جاهدوا بالثّبات على الإيمان لنهدينّهم دخول الجنان. وقال سهل بن عبد الله: (والّذين جاهدوا في إقامة السّنّة لنهدينّهم سبل دخول الجنّة).قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦٩)؛أي من بالنّصر على أعدائهم، والمعونة في دنياهم والثواب والمغفرة في عقباهم.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المؤمنين والمنافقين] (١).
آخر تفسير سورة (العنكبوت) والحمد لله وحده
стр. 2104
سورة الرّوم
سورة الرّوم مكّيّة، وهي ثلاثة آلاف وخمسمائة وأربعة وثلاثون حرفا، وثمانمائة وتسع عشرة كلمة، وستّون آية.
قال رسول الله ﷺ : [من قرأ سورة الرّوم كان له من الأجر عشر حسنات، بعدد كلّ ملك يسبح لله بين السّماء والأرض] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (٣)؛أي غلبت فارس الروم، ففرح بذلك كفار مكّة وقالوا:
الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم كتاب، وافتخروا بذلك على المسلمين وقالوا لهم: نحن أيضا نغلبكم كما غلبت فارس الروم.
وقصّة ذلك: أن كسرى ملك فارس أرسل شهريار إلى الرّوم، فسار إليهم بأهل فارس ليغزوهم، فظهر على الروم فقتلهم وخرّب مدائنهم، وكان قيصر ملك الروم قد بعث بجيش لمّا سمع بقدوم شهريار، فالتقيا بأذرعات وبصرى وهي أدنى الشّام إلى أرض العرب والعجم، فغلبت فارس الروم حتى انتزعوا بيت المقدس من الروم، وكان ذلك موضع عبادتهم.
فبلغ ذلك النبيّ ﷺ وأصحابه بمكّة فشقّ ذلك عليهم، وكان ﷺ يكره أن يظهر الأميّون من المجوس على أهل الكتاب من الرّوم، وفرح بذلك كفار مكّة وشمتوا، فلقوا أصحاب النبيّ ﷺ وقالوا: إنّكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، وقد ظهر
стр. 2105
إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الرّوم، وإنّكم إن قاتلتمونا لنظهرنّ عليكم، فأنزل الله هذه الآيات ﴿(الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ)﴾ (١).
فخرج أبو بكر ﵁ إلى الكفّار وقال: (أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا؟! فلا تفرحوا ولا يقرّ الله أعينكم، فو الله ليظهرنّ الرّوم على فارس، أخبرنا بذلك نبيّنا) فقام إليه أبيّ بن خلف الجمحيّ وقال له: كذبت! فقال له أبو بكر: أنت أكذب يا عدوّ الله) فقال أبيّ بن خلف: كما غلبت عبدة النّيران أهل الكتاب، فكذلك نحن نغلبكم) واستبعد المشركون ظهور الرّوم على فارس لشدّة شوكة أهل فارس.
فقال أبو بكر لأبيّ بن خلف: (أنا أراهنك على أنّ الرّوم تغلب إلى ثلاث سنين) فراهنه أبيّ على خمس من الإبل، وقيل: على عشر من الإبل، (فإن ظهرت الرّوم على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس غرمت أنا) ثمّ جاء أبو بكر إلى النّبيّ ﷺ فأخبره بذلك، فقال ﷺ : [زد في الخطر (٢) وأبعد في الأجل] ففعل ذلك، وجعل الأجل تسع سنين، وكان ذلك قبل تحريم القمار.
روي أنّ النّبيّ ﷺ قال لأبي بكر: [إنّما البضع ما بين الثّلاث إلى التّسع].
قرأ: [زده في الخطر ومادّه في الأجل] فخرج أبو بكر فلقي أبيّا فقال: لعلّك ندمت! فقال: أزيدك في الخطر وأمادّك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد أخاف فعلت.
فلمّا خشي أبيّ بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكّة، أتاه فلزمه وقال أبيّ: إن تخرج من مكّة فأقرّ لي كفيلا، فكفل له ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلمّا أراد أبيّ بن خلف أن يخرج إلى أحد، أتاه عبد الله بن أبي بكر فلزمه وقال: لا والله لا أدعك حتّى تعطيني كفيلا، فأعطاه كفيلا ومضى إلى أحد، ثمّ رجع فمات بمكّة من جراحته