← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

والتّناوش هو التّناول، نشته أنوشه نوشا، إذا تناوله، كأنّه قال: وأنّى لهم التوبة. وقيل: ما يتمنّون. قال ابن عبّاس: (يتمنّون الرّدّ حين لا ردّ) (١). قرأ أبو عمرو والأعمش وحمزة والكسائيّ وخلف: «(التّناؤش)» بالمدّ والهمزة، وهو الإبطاء والبعد؛ أي من أين لهم أن يتحرّكوا فيما لا حيلة لهم فيه. يقال: أنشت الشّيء؛ إذا أخذته من بعيد، والنّيش: الشيء البطيء. وقرأ الباقون بغير همزة من التّناول، يقال: نشته إذا تناولته، وتناوش القوم في الحرب إذا تدانوا وتناول بعضهم بعضا. واختار أبو عبيد ترك الهمز؛ لأنه قال: (معناه من التّناول، فإذا همز كان معناه البعد فكيف يقول: ﴿أَنّى لَهُمُ﴾ البعد من مكان بعيد) (٢).قوله تعالى: ﴿(مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ)﴾ يعني أنّهم يريدون أن يتناولوا التوبة، وقد صاروا في الآخرة، وإنّما تقبل التوبة «في الدنيا» (٣) وقد ذهبت الدّنيا فصارت بعيدا من الآخرة. قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ؛﴾ أي كانوا كافرين بمحمّد ﷺ والقرآن في الدّنيا قبل ما عاينوا من العذاب وأهوال (٤) القيامة. قوله تعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ (٥٣)؛أي ينسبون محمّدا ﷺ إلى السّحر والجنون والكهانة رجما منهم بالغيب والقذف. والرّجم بالغيب: أن يلفظ الإنسان شيئا لا يتحقّق، ومنه سمّي الرمي بالفاحشة قذفا. ومعنى قوله تعالى ﴿(بِالْغَيْبِ)﴾ أن يقذفون محمّدا ﷺ بالظّنّ لا باليقين، والغيب على هذا الظّنّ، وهو ما غاب علمه عنهم (٥).وقوله تعالى ﴿(مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ)﴾ يعني

стр. 2242

بعدهم عن الحقّ. وقال قتادة: (معنى ﴿(وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ)﴾ يقولون: لا بعث ولا جنّة ولا نار) (١). قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ:﴾ أي حيل بين هؤلاء الكفّار وبين الرّجعة إلى الدّنيا، وقال الحسن: (معناه: حيل بينهم وبين الإيمان والتّوبة) (٢)، ﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ؛﴾ أي كما فعل بنظرائهم أو أشياعهم، ومن كان على مثل حالهم من الكفّار، ﴿مِنْ قَبْلُ،﴾ أي قبل هؤلاء، ﴿إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ؛﴾ من البعث ونزول العذاب بهم، ﴿مُرِيبٍ﴾ (٥٤)،أي ظاهر الشّكّ. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [من قرأ سورة سبأ لم يبق رسول ولا نبيّ إلاّ كان له يوم القيامة رفيقا ومصافحا] (٣). آخر تفسير سورة (سبا) والحمد لله رب العالمين.

стр. 2243

سورة الملائكة (فاطر) سورة الملائكة مكّيّة كلّها، وهي ألف ومائة وثلاثون حرفا، وسبعمائة وسبعون كلمة، وخمس وأربعون آية. قال ﷺ : [من قرأها دعته يوم القيامة ثمانية أبواب الجنّة يدخل من أيّ الأبواب شئت] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي خالقهما، مبتدئا من غير مثال سبق، قال ابن عبّاس ﵄: (ما كنت أعرف ما معنى فاطر حتّى اختصم إليّ أعرابيّان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها؛ أي بدأتها) (٢). قوله تعالى: ﴿جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً؛﴾ قال بعضهم: أراد به الملائكة كلّهم، فإنّهم كلّهم رسل الله بعضهم إلى بعض وبعضهم إلى الإنس، وقال بعضهم: أراد بذلك جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت والحفظة، يرسلهم إلى النبيّين وإلى ما شاء من الأمور. قوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ؛﴾ صفة الملائكة أي ذوي أجنحة، ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ،﴾ منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، اختارهم الله تعالى لرسالته من حيث علم أنّهم لا يبدّلون.

стр. 2244

وقوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ؛﴾ أي يزيد في أجنحة الملائكة ما يشاء، فمنهم من له مائة ألف جناح، ومنهم من له أكثر، وعن ابن عبّاس ﵄؛ قال: [رأى النّبيّ ﷺ جبريل ليلة المعراج وله ستّمائة جناح] (١). وعن ابن شهاب قال: (سأل رسول الله ﷺ أن يتراءى له في صورته، فقال له جبريل: إنّك لن تطيق ذلك يا رسول الله، قال: [إنّي أحبّ أن تفعل] فخرج رسول الله ﷺ إلى المصلّى في ليلة مقمرة، فأتاه جبريل في صورته، فغشي على النّبيّ ﷺ حين رآه، ثمّ أفاق وجبريل مسنده (٢) إليه واضع إحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه. فقال النّبيّ ﷺ : [سبحان الله ما كنت أرى شيئا من الخلق هكذا] فقال جبريل ﵇: كيف لو رأيت إسرافيل يا رسول الله؟! له اثنا عشر جناحا، جناح بالمشرق وجناح بالمغرب والعرش على كاهله) (٣). وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (إنّ لله تعالى ملكا يسع البحار كلّها في نقرة إبهامه) (٤).وقيل: معنى قوله ﴿(يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ)﴾ يعني حسن الصّوت، كذلك قال الزهريّ (٥)،وقال قتادة: (هي الملاحة في العينين والشّعر الحسن والوجه الحسن والخطّ الحسن) (٦).

стр. 2245

وقوله تعالى ﴿(وَثُلاثَ وَرُباعَ)﴾ في موضع خفض؛ لأنه لا يتصرّف. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١)؛أي قادر على ما يزيد على الزيادة والنّقصان. قوله تعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها؛﴾ أي ما يرسل الله إلى الناس من رسول فلا مانع له، وذلك لأن إرسال الرسول من الله تعالى رحمة لعباده كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (١). وقيل: أراد بالرحمة هاهنا المطر والرزق والعافية وجميع النّعم، ما يفتح الله من ذلك فلا مانع له، ولا يستطيع أحد من الخلق حبسه ولا إمساكه، وقوله تعالى: ﴿وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ؛﴾ أي وما يمسك الله من ذلك فلا يقدر أحد على إرساله، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)؛أي العزيز فيما أمسك، الحكيم فيما أرسل. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ؛﴾ يعني أهل مكّة اذكروا نعمة الله عليكم إذ أسكنكم الحرم ومنعكم من الغارات، ﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ؛﴾ هذا استفهام، ومعناه التوبيخ؛ أي لا خالق سواه. وقوله تعالى: ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي من السّماء بإنزال المطر ومن الأرض بإخراج النبات، ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٣)؛أي فأنّى تصرفون عن الإله الذي هذه صفته إلى معبود لا يقدر على شيء. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ؛﴾ في هذه الآية تسلية للنبيّ ﷺ لئلاّ يجزع على تكذيب قومه، ويصبر كما صبر على تكذيب الأمم الرسل، ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ؛﴾ عواقب ﴿الْأُمُورُ﴾ (٤)؛في مجازاة المكذّبين ونصرة المسلمين. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ؛﴾ معناه إن الذي وعده الله المجازاة والبعث بعد الموت حقّ كائن، ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا؛﴾ بزينتها

стр. 2246

وزهرتها حتى تشتغلوا بها عن أمر دينكم، ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ (٥)؛ أي ولا يستزلّكم عن طاعة الله الشيطان الذي من عادته الغرور. وقرأ ابن سماك العدويّ: «(الغرور)» بضمّ الغين، وهو أباطيل الدنيا، وأما ﴿(الْغَرُورُ)﴾ بفتح الغين فيه، الشّيطان. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا؛﴾ أي احترزوا (١) من كيده، ولا تقبلوا منه وتطيعوه، ﴿إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ؛﴾ أي أهل طاعته ليكون معه، ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ (٦)؛أي ليسوقهم إلى النار، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٧). قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً؛﴾ نزلن في أبي جهل ومشركي مكّة. وقيل: نزلت في أصحاب الأهواء والملل التي خالفت الهدى، والمعنى: أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسنا كمن هداه الله، ويدلّ على هذا المحذوف قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾. قوله: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ؛﴾ أي لا تغتمّ، ولا تهلك نفسك عليهم حسرات على تركهم الإسلام، ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ (٨)؛في كفرهم فيجازيهم بما هو أولى بهم، قرأ أبو جعفر «(فلا تذهب)» بضم التاء وكسر الهاء، نصب السّين. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً؛﴾ معناه: الله الذي أرسل الرياح لإثارة السّحاب، ﴿فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ،﴾ فأجريناه الى بلد ميت ليس فيه نبات ولا شجر، ﴿فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها،﴾ فأحيا «الله» (٢) بالمطر الأرض بإخراج الزّرع والأشجار منها بعد يبسها وذهاب النبات منها، ﴿كَذلِكَ النُّشُورُ﴾ (٩)؛كذلك البعث في القيامة.

стр. 2247

وهذا احتجاج على منكري البعث، فإن موتهم كموت الأرض، وذهاب أثرهم كذهاب أثر الأشجار والزّروع، والقادر على إخراج الأشجار والزّروع من الأرض قادر على إخراج الموتى من الأرض. ومعنى الآية: ﴿(وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً)﴾ أي تزعجه من حيث هو ﴿(فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ)﴾ أي مكان ليس فيه نبات ﴿(فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها)﴾ أي أنبتنا فيها الزرع والكلأ بعد أن لم يكن، ﴿(كَذلِكَ النُّشُورُ)﴾ أي الإحياء والبعث. وعن أبي رزين العقيليّ قال: (قلت: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ [أو ما مررت بوادي قومك ممحّلا ثمّ مررت به خضرا؟] قلت: بلى، قال: [فكذلك يحيي الله الموتى] وقال: [كذلك النّشور]) (١). قوله تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً؛﴾ أي من كان يطلب العزّة بعبادة الأصنام فليطلبها بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ ، العزيز من أعزّه الله. وذلك أنّ الكفار كانوا يعبدون الأصنام طمعا في العزّة كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ (٢).أو قيل: معناه: من كان يريد أن يعلم العزّة لمن هي فليعلم أنّها لله تعالى. قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ؛﴾ إلى الله تصعد كلمة التوحيد وهو قوله لا إله إلاّ الله، ومعنى ﴿(إِلَيْهِ يَصْعَدُ)﴾ أي يعلم ذلك كما يقال: ارتفع الأمر إلى القاضي والسّلطان أي علمه. وقيل: صعود الكلم الطيّب أن يرفع ذلك مكتوبا أو مقبولا إلى حيث لا مالك إلاّ الله؛ أي إلى سمائه يصعد الكلم الطيّب. قوله تعالى: ﴿وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ؛﴾ قال الحسن: (معناه: ذو العمل الصّالح يرفع الكلم الطّيّب إلى الله تعالى بعرض القول على الفعل، فإن وافق القول الفعل قبل، وإن خالف ردّ، لأنّ العبد إذا وحّد الله وأخلص في عمله ارتفع العمل

стр. 2248

إلى الله تعالى) (١).قال: (ليس الإيمان بالتّحلّي ولا بالتّمنّي، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل، من قال حسنا وعمل غير صالح ردّه الله تعالى، ومن عمل صالحا رفعه العمل) (٢). وقرأ أبو عبد الرحمن «(الكلام الطّيب)» (٣).وعن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ في قوله ﴿(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ)﴾: [هو قول الرّجل: سبحان الله؛ والحمد لله؛ ولا إله إلاّ الله؛ والله أكبر، إذا قالها العبد عرج بها ملك إلى السّماء] (٤). وقيل: الكلام الطيب: لا إله إلاّ الله، والعمل الصالح: أداء فرائضه، ومن لا يؤدّي فرضه ردّ كلامه. وجاء في الخبر: [طلب الجنّة بلا عمل ذنب من الذّنوب] (٥)، وقال النبيّ ﷺ : [لا يقبل الله قولا بلا عمل] (٦)،وعلى هذا المعنى قول الشاعر: لا ترض من رجل حلاوة قوله ... حتّى يصدّق (٧) ما يقول فعال فإذا وزنت فعاله بمقاله ... فتوازنا فإخاء ذاك جمال

стр. 2249

وقال ابن المقفّع: (قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر) (١).وقيل: معناه: والعمل الصالح يرفعه الله؛ أي يقبله. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ؛﴾ أي يفعلونها على وجه المخادعة كما كان الكفار يمكرون بالنبيّ ﷺ في دار النّدوة. وقيل: معناه: الذين يشركون بالله وبعمل السّيّئات لهم عذاب شديد في الآخرة. وقيل: أراد بقوله ﴿(يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ)﴾ يعملون عملا على وجه الرّياء. كما روي أنّ رجلا قال: يا رسول الله؛ فيم النّجاة غدا؟ فقال: [لا تخادع الله، فإنّه من يخادع الله يخدعه ويخلعه من الإيمان].فقال رجل: يا رسول الله فكيف يخادع الله؟ فقال: [أن تعمل بما أمرك الله، لا يقبل مع الرّياء عمل، فإنّ المرائي ينادى يوم القيامة على رءوس الأشهاد بأربعة أسماء: يا كافر؛ يا فاجر؛ يا غادر؛ يا خاسر؛ ضلّ عملك] (٢).قوله تعالى: ﴿وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (١٠)؛ أي يفسد ويهلك ويكسر ولا يكون شيئا. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ؛﴾ أي خلق أصلكم وأباكم آدم من تراب، ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ؛﴾ أي ثم خلق نسل آدم من نطفة، ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً؛﴾ يعني ذكرانا وإناثا، ﴿وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى؛﴾ أو تلد لتمام وغير تمام، ﴿وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ؛﴾ أي ما يطول عمر أحد، ولا ينقص من عمر أحد إلاّ وهو مثبت في اللوح المحفوظ، وقوله: ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (١١)؛أي كتابة الآجال والأعمال وحفظها من غير كتابة على الله هيّن. قوله تعالى: ﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ؛﴾ قيل: هذه مثل ضربه الله، يقول: كما لا يستوي البحران أحدهما عذب في غاية العذوبة هنيء شرابه مريء، والآخر مرّ زعاف لا يستطاع شرابه، فكذلك لا

стр. 2250

يستوي المؤمن والكافر، والتقيّ والفاسق. والسائغ: هو السالك في الحلق. والأجاج: شديد الملوحة. وقرأ عيسى «(سيّغ شرابه)» مثل ميّت وسيّد. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا؛﴾ أي ومن كلّ البحرين تأكلون السمك لا يختلف طعم السّمك لاختلاف ماء البحرين، فكذلك قد يولد للكافر ولد مسلم مثل خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما. وقوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها؛﴾ قيل: أراد به إخراج اللّؤلؤ والمرجان من أحدهما خاصّة وهو الملح. والمعنى: تستخرجون من الملح دون العذب. قيل: إن اللؤلؤ قطر المطر يقع في جوف الصّدف فيكون منه اللؤلؤ. قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ؛﴾ أي ترى السفن جواري في البحر، قال مقاتل: (هو أن ترى سفينتين، أحدهما مقبلة والأخرى مدبرة، وهذه تستقبل تلك، وتلك تستدبر هذه، تجريان بريح واحدة) (١). قوله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ؛﴾ لتطلبوا من رزقه التجارة، فتحمل النّعم فيها من بلد إلى بلد، قوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١٢)؛أي فعل ذلك لتعلموا أنّ هذه النعم من الله، ولكي تشكرونه عليها. قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى؛﴾ قد تقدّم تفسيره. وقوله تعالى: ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ؛﴾ أي الذي يفعل هذه الأشياء هو الله ربّكم، و؛ ﴿لَهُ الْمُلْكُ؛﴾ الدائم الذي لا يزول، ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ؛﴾ من الأصنام، ﴿ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (١٣)؛لا يقدرون على أن ينفعوكم بقدر قطمير، وهو القشرة الدّقيقة الملتزقة بنواة الثّمرة كاللفافة عليها. قوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ؛﴾ ولو كانوا سامعين ما أجابوكم بإغاثة ولا نصرة، والمعنى: إن تدعوهم لكشف ضرّ لا يسمعوا دعاءكم لأنّها

стр. 2251

جماد لا تنفع ولا تضرّ، ﴿وَلَوْ سَمِعُوا؛﴾ بأنّ الله خلق فيهم السمع، ﴿مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ؛﴾ أي يتبرّءون منكم ومن عبادتكم كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ (١) والمعنى بقوله: ﴿(يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ)﴾ اي يتبرّءون من عبادتكم، يقولون: ما كنتم إيّانا تعبدون. قوله تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (١٤)؛معناه: لا يخبرك بحقائق الأمور وعواقبها إلاّ الله؛ لأنه عالم بكلّ الأشياء، لا يخفى عليه منها شيء، ولا تلحقه المضارّ والمنافع. قوله تعالى: ﴿*يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ؛﴾ أي المحتاجون إليه وإلى نعمه ومغفرته حالا بعد حال، ﴿وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ؛﴾ عن إيمانكم وطاعتكم، ﴿(الْحَمِيدُ)﴾ (١٥)؛أي المحمود في أفعاله عند خلقه. وإنّما أمركم بطاعته لتنتفعوا بها لا حاجة به إليها، ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ؛﴾ أي إن يشأ يهلككم، ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١٦)،ويأت بخلق أطوع منكم، ﴿وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ (١٧)؛أي ليس إهلاككم وإتيانه بمثلكم على الله ممتنع. قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى؛﴾ أي لا تحمل يوم القيامة حمل حاملة أخرى؛ أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ؛﴾ بالذّنوب، ﴿إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ،﴾ إلى أن يحمل عنها شيء من ذنوبها لا تحمل من ذنوبها شيء، ﴿وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى،﴾ ولو كانت المدعوّة ذات قرابة من الداعية لما في ذلك من غلط حمل الآثام، ولو تحمّلته لا يقبل حملها؛ لأن كلّ نفس بما كسبت رهينة، فلا يؤخذ أحد بذنب غيره. وسئل الحسن بن الفضل عن الجمع بين هذه الآية وبين قوله ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ فقال (قوله ﴿(وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)﴾ يعني طوعا، وقوله ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ (٢) يعني كرها).قال ابن عبّاس: في

стр. 2252

قوله (وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء) قال: (يقول الأب والأمّ: يا بنيّ احمل عنّي، فيقول: حسبي ما عليّ) (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ؛﴾ يقول: إنما ينتفع بإنذارك ووعظك الذين يطيعون ربّهم في السرّ، ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ؛﴾ المفروضة، ولأن من خشي الله واجتنب المعاصي في السرّ من خشية الله تعالى، اجتنبها لا محالة في العلانية. ويقال: إنّ الخشية في السرّ، والإقدام على الطاعة في السرّ، واجتناب المعصية في السرّ، أعظم عند الله ثوابا، كما قال النبيّ ﷺ : [ما تقرّب امرئ بشيء أفضل من سجود خفيّ في اللّيلة المظلمة] (٢).وأما عطف الماضي في قوله تعالى ﴿(وَأَقامُوا الصَّلاةَ)﴾ على المستقبل في قوله ﴿(يَخْشَوْنَ)﴾،ففائدة ذلك أنّ وجوب خشية الله لا تختصّ بزمان دون زمان ولا بمكان دون مكان، ووجوب إقامة الصّلاة يختصّ ببعض الأوقات. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَزَكّى فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ؛﴾ أي ومن تطهّر من دنس الذّنوب والشّرك ليكون عند ربه زكيّا، فإن منفعة تطهّره راجعة إلى نفسه، ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ (١٨)؛أي إليه يرجع الخلق كلّهم في الآخرة، ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ (١٩)؛يعني المشرك والمؤمن، ﴿وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ﴾ (٢٠)؛ أي ولا الشّرك ولا الضّلال كالنور والهدى والإيمان. وقوله تعالى: ﴿وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ (٢١)؛ولا الجنّة ولا النار. وقال عطاء: (يعني ظلّ اللّيل وسموم النّهار)، ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ؛﴾ يعني المؤمنين والكافرين، وهذه أمثال ضربها الله تعالى، كما لا تستوي هذه الأشياء، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن.

стр. 2253

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ؛﴾ أي يسمع كلامه من يشاء؛ أي يتّعظ ويهتدي، قال عطاء: (يعني أولياءه الّذين خلقهم لجنّته).قوله تعالى: ﴿وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٢٢)؛أي كما لا تقدر تسمع من في القبور، فكذلك لا تقدر أن تسمع الكفار، شبّههم بالموتى لأنّهم لا ينتفعون كالموتى. وقرأ أبو رزين العقيليّ (١) «(ما أنت بمسمع من في القبور)» بلا تنوين بالإضافة، وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ﴾ (٢٣)؛أي ما أنت إلاّ رسول تنذرهم النار وتخوّفهم، وليس عليك غير ذلك. قوله تعالى: ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ (٢٤)؛أي ما من أمّة إلاّ سلف فيها نبيّ، ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ؛﴾ فلست بأوّل رسول كذّب، ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ؛﴾ الواضحات، ﴿وَبِالزُّبُرِ؛﴾ وهي الكتب، وقوله تعالى: ﴿وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ (٢٥)؛يعني التوراة. وقيل: إنّما كرّر الزبور هي الكتب أيضا لاختلاف صفات الكتاب؛ لأن الزبور هو الكتابة الثابتة كالنّقرة في الصخرة، ثم قال ﴿(وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ)﴾ الموصوف واحد والصفات مختلفة. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ أي أخذتهم بالعقوبة، ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ (٢٦)؛أي إنكاري عليهم وتعذيبي لهم. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً؛﴾ يعني المطر، ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها؛﴾ وطعمها. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ﴾ (٢٧)؛أي وخلقنا من الجبال ﴿(جُدَدٌ بِيضٌ)﴾ أي طرق يكون في الجبال كالعروق بيض وسود وحمر، واحدها جدّة، قال المبرّد: (﴿جُدَدٌ﴾:طرق وخطوط ونحو هذا، والجدد الجدّة، وهي الطّريقة كالمدّة والمدد والعدّة والعدد، وأمّا الجدد بضمّتين فهي جمع الجديد مثل سرير وسرر).

стр. 2254

وقوله تعالى ﴿(وَغَرابِيبُ سُودٌ)﴾ يجوز أن يكون الغرابيب هي الجبال السّود، كأنّه قال: ومن الجبال غرابيب، والغرابيب الذي لونه كلون الغراب، ولذلك حسن أن يقال سود، وقال الفرّاء: (هذا على التّقديم والتّأخير، تقديره: وسود غرابيب) (١). قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ؛﴾ كاختلاف الثّمار والجبال، وتمّ الكلام على، ﴿كَذلِكَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ؛﴾ قال ابن عبّاس: (معناه: إنّما يخافون من خلقي من علم جبروتي وعزّتي وسلطاني) (٢)،وقال مقاتل: (أشدّ الناس لله خشية أعلمهم به) (٣)،وقال مسروق: (كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا) (٤).قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ؛﴾ أي عزيز قاهر وغالب في ملكه، ﴿غَفُورٌ﴾ (٢٨)؛لذنوب المؤمنين. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ؛﴾ يعني القرآن في الصّلاة وغيرها، ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ؛﴾ المفروضة، ﴿وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً؛﴾ أي وأنفقوا مما أعطيناهم من الأموال تطوّعا سرّا فيسلموا بذلك عن تهمة الرّياء، وفريضة جهرا فيسلمون بذلك عن تهمة المنع، ويقال: أراد بذلك النفقة في الجهاد، ﴿يَرْجُونَ؛﴾ بذلك، ﴿تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ (٢٩)؛أي لن تكسد ولا يرد عليها الفساد والبطلان. قوله تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ؛﴾ ليعطيهم أجر أعمالهم كاملة، ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ؛﴾ فوق ما يستحقّوه، قال ابن عبّاس: (يعني سوى

стр. 2255

الثّواب) (١)،وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٣٠)؛إنه غفور لذنوبهم، شكور يعامل بالأحسن معاملة الشاكر، قال ابن عبّاس: (غفر العظيم من ذنوبهم، وشكر اليسير من أعمالهم) (٢). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ؛﴾ أي موافقا لما قبله من الكتب، لأن كتب الله تعالى كلّها دالّة على توحيده وإن اختلفت بالشرائع، ﴿إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (٣١)؛أي خبير بأقوالهم وأفعالهم ونيّاتهم فيجزيهم بما يستحقّون. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا؛﴾ قال مقاتل: (يعني القرآن) (٣)،وقوله تعالى ﴿(الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا)﴾ يريد أمّة محمّد ﷺ . ثم قسّمهم ورتّبهم فقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ؛﴾ وهو الذي مات على كبره ولم يتب عنها، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ؛﴾ وهو الذي لم يصب كبيرة، ﴿وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ؛﴾ يعني المقرّبين الذين سبقوا إلى أعمال، وقال الحسن: (الظّالم: الّذي ترجّح سيّئاته على حسناته، والمقتصد: الّذي استوت حسناته سيّئاته، والسّابق: من رجحت حسناته على سيّئاته). وعن عمر بن الخطّاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [سابقنا سابق] (٤) أي إلى الجنّة أو إلى رحمة الله تعالى بالخيرات؛ أي بالأعمال الصالحة، ﴿بِإِذْنِ اللهِ؛﴾ أي بإرادة الله، ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (٣٢)؛معناه: إيراثهم الكتاب هو الفضل الكبير، وسمي إعطاء الكتاب إيراثا لأنّهم أعطوه بغير مسألة ولا اكتساب.

стр. 2256

وعن رسول الله ﷺ أنّهم قالوا: [السّابقون يدخلون الجنّة بغير حساب، والمقتصدون يحاسبون حسابا يسيرا ثمّ يدخلون الجنّة، والظّالمون يحاسبون ما شاء الله أن يحاسبوا، ثمّ يرحمهم الله تعالى فيدخلهم الجنّة، وهم الّذين يقولون: الحمد لله الّذي أذهب عنّا الحزن ... ] إلى آخر الآيتين (١). وعن الحسن أنه قال: (السّابق الّذي ترك الدّنيا، والمقتصد الّذي أخذ الحلال، والظّالم الّذي لا يبالي من أين أخذ).ويقال: الظالم صاحب الكبائر، والمقتصد صاحب الصّغائر، والسّابق الذي اتقى سيئاته. فإن قيل ما الحكمة في تقديم الظالم وتأخير السابق؟ قيل: الواو لا توجب الترتيب كما قال تعالى ﴿فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ (٢).وقيل: قدّم الظالم لئلاّ ييأس من رحمته، وأخّر السابق لئلا يعجب بنفسه. وقيل: قدّم الظالم فإذا لم يكن له شيء يتّكل عليه إلاّ رحمة الله تعالى، وثنّى بالمقتصد لحسن ظنّه بربه. وقيل: لأنه بين الخوف والرّجاء، وأخّر السابق لأنه اتّكل على حسناته. وقيل: لئلا يأمن أحد مكره، وكلّهم في الجنّة بحرمة كلمة الإخلاص. وعن عقبة بن صهبان قال: (سألت عائشة عن قوله: ﴿(فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ)﴾ فقالت: يا بنيّ كلّهم في الجنّة، وأمّا السّابق فمن مضى على عهد رسول الله ﷺ شهد له النّبيّ ﷺ بالجنّة، وأمّا المقتصد فمن تبع أثره من أصحابه حتّى لحق به، وأمّا الظّالم فمثلي ومثلك) (٣).وقال سهل بن عبد الله: (السّابق العالم، والمقتصد المتعلّم، والظّالم الجاهل) (٤).

стр. 2257

وقيل: السابق الذي اشتغل بمعاده، والمقتصد بمعاده ومعاشه، والظالم الذي اشتغل بمعاشه عن معاده. وقيل: الظالم طالب الدّنيا، والمقتصد طالب العقبى، والسابق طالب المولى. وقيل: الظالم المرائي في جميع أفعاله، والمقتصد المرائي في بعض أفعاله دون بعض، والسابق المخلص في أفعاله كلّها. وقيل: الظالم من كان ظاهره خيرا من باطنه، والمقتصد من استوى ظاهره وباطنه، والسابق الذي باطنه خير من ظاهره. وقيل: الظالم الذي يجزع عند البلاء، والمقتصد الذي يصبر عند البلاء، والسابق الذي يتلذذ بالبلاء! وقيل: الظالم الذي يعبد الله خوفا من النار، والمقتصد الذي يعبده طمعا في الجنّة، والسابق الذي يعبده لا لسبب من الأسباب إلاّ لرحمته الكريم! وقيل: الظالم الذي يعبد الله على الغفلة، والمقتصد الذي يعبده على الرّغبة، والسابق الذي يعبده على الهيبة. وقيل: الظالم الذي أعطي فمنع، والمقتصد الذي أعطي فبذل، والسابق الذي أعطي فشكر. وقيل: الظالم غافل، والمقتصد طالب، والسابق واصل. وقيل: الظالم من استغنى بماله، والمقتصد من استغنى بدينه، والسابق من استغنى بربه. وقيل: السابق الذي يدخل المسجد قبل الأذان، والمقتصد الذي يدخل وقت الأذان، والظالم الذي يدخل وقت أقيمت الصلاة! وقيل: الظالم الذي يحبّ نفسه، والمقتصد الذي يحب دينه، والسابق الذي يحبّ ربّه. وقيل: الظالم مدعوّ، والمقتصد مأذون له، والسابق مقرّب. قوله تعالى: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها؛﴾ يعني الأصناف الثلاثة: الظالم؛ والمقتصد؛ والسابق. ومعنى الآية: ﴿(جَنّاتُ عَدْنٍ)﴾ أي بساتين إقامة لا تزول، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ؛﴾ أي يلبسون أقلبة من ذهب وسوار القلب (١). وقوله تعالى: ﴿وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ (٣٣)؛من قرأ بالكسر فالمعنى من ذهب ومن لؤلؤ، ومن قرأ بالنصب فمعناه: ويحلّون لؤلؤا.

стр. 2258

قوله تعالى: ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ؛﴾ أي يقولون بعد دخولهم الجنّة: (الحمد لله الّذي أذهب عنّا الحزن) أي حزن الموت وأهوال يوم القيامة، وقيل: حزن المعاش وهموم الدّنيا، فإنّ الدنيا سجن المؤمن. وقال عكرمة: (حزن الذّنوب والسّيّئات)، وعن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ليس على أهل لا إله إلاّ الله وحشة في قبورهم، ولا في محشرهم، كأنّي بأهل لا إله إلاّ الله يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التّراب عن رءوسهم وهم يقولون: الحمد لله الّذي أذهب عنّا الحزن] (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٣٤)؛أي متجاوز عن الذنوب، يقبل اليسير من العمل، ويعطي الجزيل من الثواب. قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ؛﴾ أي دار المقام وهي الجنة، ﴿مِنْ فَضْلِهِ،﴾ بتفضّله لا بالأعمال. وسمي دار المقامة لأن من دخلها يخلد لا يموت، ويقيم فيها لا يحوّل. قوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ؛﴾ أي لا يمسّنا فيها تعب؛ ﴿وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ (٣٥)؛أي مشقّة وتعب وإعياء وقبور. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ؛﴾ أي الذين كفروا بمحمّد ﷺ والقرآن لهم في الآخرة نار جهنم، ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا؛﴾ فلا يقضى عليهم بموت فيستريحون من العذاب، ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها؛﴾ من عذاب النار طرفة عين. قرأ الحسن: «(فيموتون)» بالنّون ولا يكون حينئذ جوابا للنفي، والمعنى: لا يقضى عليهم ولا يموتون كقوله ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ (٣٦)؛أي هكذا يجزى في الآخرة كلّ كفور بنعم الله تعالى. قرأ العامّة ﴿(نَجْزِي)﴾ بالنون ونصب اللام، وقرأ أبو

стр. 2259

عمرو وحده بضم الياء وفتح الزاي على ما لم يسمّ فاعله ورفع اللام (١). قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها؛﴾ أي يستغيثون في النار وهو افتعال من الصّراخ يقولون: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا؛﴾ من النار، ﴿نَعْمَلْ صالِحاً؛﴾ أي بقول لا إله إلاّ الله، وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ؛﴾ أي غير الشّرك. فوبّخهم الله تعالى فقال: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ،﴾ معناه: أو لم نعمّركم مقدار ما يتّعظ فيه من كان يريد أن يتّعظ ويؤمن. قال عطاء: (يريد ثمانية عشر سنة)، وقال الحسن: (أربعين سنة)،وقال ابن عبّاس: (ستّين سنة) (٢). قال: (هو العمر الّذي أعذر الله إلى ابن آدم، قال النّبيّ ﷺ : [من عمّره الله تعالى ستّين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر]) (٣).وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [أعمار أمّتي ما بين السّتّين إلى السّبعين، وأقلّهم من يجوز ذلك] (٤).قال النّبيّ ﷺ : [منزل منايا أمّتي ما بين السّتّين إلى السّبعين] (٥). قوله تعالى: ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ؛﴾ قال جمهور المفسّرين: يريد النّبيّ ﷺ . وروي عن عكرمة وسفيان بن عيينة: (المراد من النّذير الشّيب) ومعناه: أولم نعمّركم حتى شبتم؟.وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [من أناف سنّه على أربعين سنة ولم تغلب حسناته على سيّئاته فليتجهّز إلى النّار] (٦).

стр. 2260

قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ (٣٧)؛أي فذوقوا العذاب فما للمشركين من مانع يمنعهم من العذاب. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٣٨)؛أي عالم سرّ أهل السموات والأرض، إنه عليم بما في القلوب من الخير والشرّ. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي جعلكم خلفاء عن من كان قبلكم أمّة بعد أمة، وقرنا بعد قرن، ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاّ خَساراً﴾ (٣٩)؛ أي إلاّ نقصا، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ؛﴾ أي خبروني عن شركائكم الذين أشركتموهم مع الله في العبادة؛ بأيّ شيء أوجبتهم لهم شركاء مع الله تعالى؟ بخلق خلقوه من الأرض؛ أم لهم نصيب في خلق السّماوات؛ أم أعطيناهم كتابا فيه ما يدّعونه فهم على بيّنة منه. قوله تعالى: ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاّ غُرُوراً﴾ (٤٠) (١)؛ولكن ما يعد الظالمون بعضهم بعضا إلاّ خداعا وأباطيل. قوله تعالى: ﴿*إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا؛﴾ أي منعهما من الزّوال والذهاب، ﴿وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ؛﴾ أي ولو زالتا عن أماكنها لم يمسكهما أحد غير الله. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (٤١)؛أي حليما عن مقالة الكفّار، غفورا لمن تاب منهم، والحكيم هو القادر الذي لا يعجّل بالعقوبة، والغفور كثير الغفران. قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ؛﴾ أي حلف كفار مكّة بالله غاية أيمانهم قبل أن يأتيهم محمّدا ﷺ ، ﴿لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ؛﴾ أي رسول، ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ؛﴾ أي ليكوننّ أسرع إجابة وأصوب دينا من

стр. 2261

إحدى الأمم، اليهود والنصارى والصّابئين وغيرهم، ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ؛﴾ يعني محمّدا ﷺ ، ﴿ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً﴾ (٤٢)؛عن الحقّ وتباعدا عن الهدى، وقوله تعالى: ﴿اِسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ؛﴾ منصوب على أنه مفعول له (أي ﴿ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً.)﴾ الاستكبار في الأرض عتوّا على الله وتكبّرا عن الإيمان، وقيل: على البدل من قوله ﴿(نُفُوراً)﴾.وقيل: على المصدر. وقوله تعالى: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ؛﴾ أي القصد أي الإضرار بالنبيّ ﷺ وأصحابه من حيث لا يشعرون. قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ؛﴾ أي لا يحيق ضرر المكر السيّئ إلاّ بفاعله، فقتلوا يوم بدر، والمكر السيّئ هو العمل القبيح، وقوله تعالى ﴿(وَلا يَحِيقُ)﴾ أي ولا يحلّ ولا ينزل إلاّ بأهله. قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ؛﴾ أي ما ينظر أهل مكّة إلاّ أن ينزل بهم العذاب مثل ما نزل بمن قبلهم من الأمم السّالفة المكذّبة. قوله تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ (٤٣)؛أي لا يقدر أحد أن يحوّل العذاب عنهم إلى غيرهم. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ معناه: أو لم يسافروا في الأرض فينظروا كيف صار آخر أمر الّذين من قبلهم عند تكذيبهم الرسل كيف فعل الله بهم؟ ﴿وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ؛﴾ من أهل مكّة، ﴿قُوَّةً؛﴾ ومكّن لهم ما لم يمكّن لهؤلاء. قوله تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي لن يعجزه أحد من الخلق في السّماوات ولا في الأرض، ﴿إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ (٤٤)؛أي عليما بخلقه، قادرا عليهم. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ؛﴾ أي لو يؤاخذهم بما كسبوا من المعاصي ما ترك على ظهر الأرض من دابّة، ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ؛﴾ بفضله، ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى؛﴾ إلى وقت معلوم، ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ؛﴾ فإذا جاء ذلك الوقت، ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً﴾ (٤٥)؛يفعل به ما يستحقّونه من ثواب وعقاب. آخر تفسير سورة (فاطر) والحمد لله رب العالمين.

стр. 2262

سورة يس سورة يس مكيّة، وهي ثلاثة آلاف حرف، وسبعمائة وتسعة وعشرون كلمة، وثلاثة وثمانون آية. قال النّبيّ ﷺ : [لكلّ شيء قلب، وقلب القرآن يس، فمن قرأها كان كمن قرأ القرآن عشر مرّات] (١). وقال ﷺ : [وهي تشفع لقارئها وتستغفر لمستمعها، يس تدعى المعمّة] قيل: يا رسول الله وما المعمّة؟ قال: [تعمّ صاحبها بخير الدّنيا والآخرة، وتدعى الدّافعة والقاضية، تدفع من كلّ سوء، وتقضي له كلّ حاجة، ومن قرأها عدلت له عشرين حجّة، ومن قرأها كان كمن له ألف مثقال ينفقها في سبيل الله، ومن كتبها وشربها دخل جوفه ألف دواء وألف يقين وألف زلفة وألف رحمة! ونزع من كلّ داء وغلّ] (٢). وقال النّبيّ ﷺ : [من قرأ يس يريد بها وجه الله، غفر الله له وأعطي من الآخرة كأنّما قرأ القرآن اثنى عشرة مرّة. وأيّما مريض قرئ عنده سورة يس نزل عليه بعدد كلّ حرف عشر أملاك يقومون بين يديه صفوفا، فيصلّون عليه ويستغفرون له،

стр. 2263

ويشهدون قبضه وغسله، ويشيّعون جنازته ويصلّون عليه ويشهدوا دفنه، وأيّما مريض قرأ سورة يس وهو في سكرات الموت أو قريب عنده، لم تقبض روحه حتّى يجيئه رضوان خازن الجنان بشربة من الجنّة، فيشربها فيموت وهو على فراشه وهو ريّان، ويبعث وهو ريّان، ويحاسب وهو ريّان، ويدخل الجنّة وهو ريّان، ويرد (١) إلى حوض من حياض الأنبياء ﵈]. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يس؛﴾ (١) قال ابن عبّاس: (يريد: يا إنسان) (٢)،يعني محمّدا ﷺ ، وقال أبو العالية: (يا رجل)،وقال سعيد بن جبير: (يا محمّد ﷺ (٣)،قرأ أبو عمرو وحمزة وعاصم بإظهار النّون (٤)،وقرأ عيس بن عمر «(يس)» بالنصب تشبيها بأين وكيف، وقرأ ابن أبي إسحاق «(يس)» بكسر النّون تشبيها بأمس وحذام وقطام، وقرأ هارون الأعور بضمّ النون تشبيها بمنذ وحيث وقطّ، وقرأ الآخرون بإخفاء النّون (٥). قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ (٢)؛أي المحكم من الباطل، وقيل: أحكم بالحلال والحرام والأمر والنهي. قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣)؛وذلك أنّ كفار مكّة قالوا لمحمّد ﷺ : لست مرسلا، فأقسم الله تعالى بالقرآن الحكيم إنّك مرسل. قوله تعالى: ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤)؛يعني دين الإسلام وطريق الأنبياء ﵈ الذين مضوا قبلك.

стр. 2264

وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ (٥)؛أي هو تنزيل العزيز في ملكه، الرحيم بخلقه، قال مقاتل: (معناه: هذا القرآن الحكيم تنزيل العزيز الرّحيم) (١). وقول ابن عامر وأهل الكوفة ﴿(تَنْزِيلَ)﴾ بالنصب على المصدر، كأنّه قال: ونزّل تنزيلا. وقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ؛﴾ متّصل بقوله ﴿(إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)﴾ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾؛أي لتنذر قوما لم يأتهم نذير قبلك (٢)؛لأنّهم كانوا في الفترة وهو معنى قوله: ﴿فَهُمْ غافِلُونَ﴾ (٦)؛أي عن حجج التّوحيد وأدلّة البعث، وقيل: ﴿(فَهُمْ غافِلُونَ)﴾ عن أمر الآخرة. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٧)؛أي لقد حقّت كلمة العذاب على أهل مكّة لكثرة كفرهم (٣) فهم لا يصدّقون، وهذا إخبار عن علم الله فيهم أنّهم لا يؤمنون، فقتلوا يوم بدر على الكفر. وقوله تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً؛﴾ أي في أعناقهم وأيمانهم أغلالا، ولم يذكر الأيمان في الآية لأنّ الكلام دليل عليه؛ لأن الغلّة لا يكون في العنق دون اليد، ولا في اليد دون العنق، وإنما تغلّ الأيدي إلى الأعناق. وقوله تعالى: ﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ؛﴾ كناية عن الأيدي دون الأغلال، وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ (٨)؛أي رافعوا رءوسهم، والمقمح: الرافع رأسه الغاضّ بصره. واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية، فروي عن ابن عبّاس: (أنّ الآية نزلت في قوم من الكفّار فيهم أبو جهل، تواطئوا على أن يقتلوا النّبيّ ﷺ إذا رأوه يصلّي، وحلف أبو جهل أنّه إذا رآه يصلّي ليدمغنّه بالحجر، فأتوه يوما وهو يصلّي، فجاءه أبو جهل ومعه الحجر، فرفع الحجر ليدمغنّ به النّبيّ ﷺ فيبست يده إلى عنقه

стр. 2265

والتزق الحجر إلى يده، فلمّا رجع إلى أصحابه خلّصوا الحجر، فأخبرهم بأمر الحجر، فقال رجل من بني مغيرة: أنا أقتله! وأخذ الحجر ودنا من النّبيّ ﷺ ، فطمس الله على بصره فلم ير النّبيّ ﷺ وكان يسمع قراءته). فذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ (٩)؛أي جعلنا من بين أيديهم غطاء وسدّا ومن خلفهم كذلك فأغشينا أبصارهم حتى لم يروا. قال الفرّاء: (معنى أغشينا: ألبسنا أبصارهم غشوة أي عمى) (١)،وعن ابن خثيم قال: (سمعت عكرمة يقرأ «(فأعشيناهم)» بالعين المهملة) (٢)،وروي ذلك عن ابن عبّاس أيضا (٣)،وقال الحسن: (هذا على طريق المثل) وذلك أنّ الله تعالى لمّا حال بينهم وبين من أرادوا من النّبيّ ﷺ كانوا كمن غلّت يده إلى عنقه لا يمكنه أن يبسطها إلى شيء وهو طافح رأسه لا يبصر موضع قدمه، قد سدّ عليه طريقه في الذهاب والرّجوع. قوله تعالى: ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠)؛ أي من أضلّه الله هذا الضلال لم ينفعه الإنذار، ﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ؛﴾ معناه: إنما ينفع الإنذار من اتّبع القرآن، ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ؛﴾ أي وخاف من الله بحيث لا يراه، ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ؛﴾ لذنوبه، ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ (١١)؛ وثواب حسن في الجنّة.

стр. 2266

قوله تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا؛﴾ أي ما أسلفوا من الخير والشرّ، وقوله تعالى: ﴿وَآثارَهُمْ؛﴾ أي خطاهم، فإنّ كلّ خطوة في الطاعة طاعة، وكلّ خطوة في المعصية معصية. وقيل: معنى ﴿(وَآثارَهُمْ)﴾ أي ما استنّ به من بعدهم، قال النّبيّ ﷺ : [من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سنّة سيّئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة] (١). قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ (١٢)؛أي وكلّ شيء من الأعمال أثبتناه في اللوح المحفوظ. وقيل: أراد بالإمام المبين: الصحائف التي يكتبها الملائكة، وسمي الإمام مبينا لأنه لا يندرس أثر مكتوبه. قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً؛﴾ أي مثل لأهل مكّة مثل، ﴿أَصْحابَ الْقَرْيَةِ؛﴾ يعني أنطاكيّة؛ ﴿إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ (١٣)،رسل الله تعالى، ﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ (١٤). وذلك أنّ عيسى ﵇ أرسل إلى أهل أنطاكيّة رسولين من الحواريّين ليدعوهم إلى عبادة الله تعالى. وإنّما أضيف الإرسال في الآية إلى الله تعالى لأنّ إرساله كان بأمر الله تعالى. قوله تعالى: ﴿قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ (١٥) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧) قالُوا إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (١٩) والقصّة: أنّ عيسى ﵇ لمّا بعث الرسولين إلى أنطاكيّة وقربا من المدينة، وجدا شيخا كبيرا يرعى غنيمات له وهو حبيب النجّار فسلّما عليه، فقال لهما: من

стр. 2267

أنتما؟ قالا: رسولا عيسى ﵇ ندعوكم إلى عبادة الله تعالى، قال: هل معكما آية؟ قالا: نعم؛ نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى. فقال الشيخ: إنّ لي ابنا مريضا صاحب فراش منذ سنين، قالا: فانطلق بنا إليه. فانطلق بهما إليه، فمسحا ابنه فقام من ساعته صحيحا بإذن الله تعالى. ففشا الخبر في المدينة، وشفى الله على أيديهما كثيرا من المرضى، وآمن حبيب النجّار، وجعل يعبد الله تعالى في غار جبل في أبعد أطراف المدينة. فسمع الملك بخبر هذين الرّسولين، وكان يعبد الأصنام، فدعا لهما فأتياه، فقال لهما: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى ﵇ ندعوك إلى عبادة الله تعالى، قال: وما آيتكما؟ فقالا: نبرئ الأكمه والأبرص، فغضب الملك وأمر بهما فحبسا، وجلد كلّ واحد منهما مائة جلدة. فلمّا كذّب الرسولان، بعث عيسى رسولا ثالثا يقال له: شمعون المصفّي على إثرهما لينصرهما، فدخل شمعون البلد متنكّرا، وجعل يعاشر حاشيته حتى أفشوا به، فرفع خبره الى الملك فدعاه فأكرمه وأنس به. فقال له ذات يوم: أيّها الملك؛ بلغني أنّك حبست رجلين في السّجن وضربتهما حين دعياك الى دين غير دينك، فهل كلّمتهما وسمعت قولهما؟ قال: لا، قال: فإن رأى الملك أن يدعوهما ويسمع قولهما حتى يطّلع على ما عندهما. فدعاهما الملك، فقال لهما شمعون: من أرسلكما؟ قالا: الله الذي خلق كلّ شيء وليس له شريك. فقال لهما شمعون: صفاه وأوجزا، فقالا: إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، قال شمعون: وما آيتكما؟ قالا: ما تتمنّاه. فأمر الملك حتى جاءوا بغلام مطموس العينين، موضع العينين كلّ لجهة، فما زالا يدعوان الله حتى انشقّ موضع البصر، ثم أخذا بندوقتين فوضعتا في الحدقتين، فصارتا مقلتين يبصر بهما، فعجب الملك من ذلك. فقال شمعون للملك: إن سألت إلهك أن يصنع مثل هذا، فصنعه كان لك ولآلهتك الشرف. فقال الملك: ليس لي عنك سرّ أسرّه إليك: إنّ إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع.

стр. 2268

ثم قال للمرسولين: إنّ هنا ميّتا مات منذ سبعة أيّام، فلم أدفنه وأخّرته حتى يرجع أبوه، وكان أبوه غائبا، فإن قدر إلهكما على إحيائه آمنت به. قالا: إنّ إلهنا قادر على كلّ شيء، ثم جعلا يدعوان الله علانية، وجعل شمعون يدعو ربّه سرّا، فقام الميّت حيّا بإذن الله تعالى، وقد تغيّر وانتنّ وهو يقول: أيّها الملك إنّي متّ منذ سبعة أيّام، ووجدت مشركا فأدخلت في سبعة أودية من النار، فأنا أحذّركم ما أنتم عليه، فآمنوا بالله واتّبعوا هؤلاء الثلاثة. فقال الملك: ومن الثلاثة؟ قال: شمعون وهذان، وأشار الى الرّسولين. فتعجّب الملك من ذلك، وأجمع هو وقومه على قتل الرّسل. فبلغ ذلك حبيبا النجّار وهو على باب المدينة الأقصى (١). وقيل: إنّ الملك قال لهم: إنّكم توافقتم على هذا الكلام، ثم أمر بهم فأخذوا ونتفت حواجبهم وشعور أعينهم، وطيف بهم، فلمّا سمع حبيب النجّار ذلك أقبل من أبعد أطراف المدينة يسعى؛ أي يعدو لينصر الرسل ويذكرهم ويدعو إلى طاعة المرسلين، وذلك: قوله تعالى: ﴿وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢٠)؛وقال حبيب للرّسل: أتريدون أجرا على ما جئتم به؟ قالوا: لا، فقال لقومه: ﴿اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢١)؛ أي مصيبون في مقالتهم، فقالوا له: صبوت إليهم يا حبيب ودخلت في دينهم؟ فقال: ﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي؛﴾ أي أيّ شيء لي إذا لم أعبد خالقي، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٢)،أي إليه ترجعون عند البعث فيجزيكم بكفركم. ثم إنّ أهل المدينة قالوا: ليس الرّسل بأولى بالنبوّة منا فيما تقولون، قالوا: ربّنا يعلم إنّا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين، أي ليس علينا إلاّ التبليغ البيّن.

стр. 2269

فقال القوم للرسل: إنا تطيّرنا بكم، أي تشاءمنا منكم، وقد كان حبس عنهم المطر، فقالوا ما أصابنا هذا الشر إلاّ من قبلكم ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ أي لئن لم تنتهوا من مقالتكم هذه لنقتلنّكم رجما وليمسّنكم منا عذاب، يعنون القتل والضرب. فقالت لهم الرسل: ﴿طائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي شؤمكم معكم وهو كفركم بالله تعالى. قوله تعالى: ﴿(أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ)﴾ معناه لئن وعظتم بمواعظ الله تشاءمتم بنا بما لا يوجب التشاؤم ولكن أنتم قوم مسرفون، متجاوزون عن الحدّ في الذنب والمعصية. قوله تعالى: ﴿(وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى)﴾ يعني حبيبا النجّار ﴿(قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ)﴾ أي من لا يسألكم أموالكم على ما جاءكم به من الهدى، فقالوا له: أتبعتهم أنت يا حبيب؟ قال: نعم ﴿(وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)﴾ في الآخرة. ثم أنكر عليهم اتخاذ الأصنام وعبادتها، فقال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً،﴾ كما اتّخذتم، ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ،﴾ في جسدي أو في معيشتي، ﴿لا تُغْنِ عَنِّي،﴾ لا تنفع عنّي، ﴿شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً،﴾ يعني لا شفاعة لها، ﴿وَلا يُنْقِذُونِ﴾ (٢٣)؛أي ولا يخلّصون من ذلك المكروه ولا من عذاب الله، قوله تعالى: ﴿إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢٤)،إن عبدت غير الله كنت إذا في الخاطئين، ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ (٢٥)؛مقالتي. وقيل: إنّ قوله ﴿(إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ)﴾ خطاب المرسل، قال لهم اسمعوا كلامي لتشهدوا لي به في الآخرة، فلمّا قال هذا وثب عليه قومه وثبة رجل واحد فقتلوه، قال ابن مسعود: (ووطؤه بأرجلهم حتّى خرجت أمعاؤه من دبره، فأدخله الله الجنّة فهو حيّ فيها يرزق) (١)،وذلك قوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ؛﴾ فلما دخلها، ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٢٧)؛

стр. 2270

تمنّى أن يعلموا أنّ الله غفر له ليرغبوا في دين الرّسل، والمعنى: يا ليت قومي يعلمون بغفران ربي لي وإكرامه إيّاي بإدخاله لي الجنّة. قوله تعالى: ﴿*وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ (٢٨)؛وذلك أنّهم لمّا قتلوه وغضب الله عليهم وعجّل لهم العذاب، ومعنى الآية: وما أنزلنا على قوم حبيب بإهلاكهم من جند من السّماء يعني الملائكة؛ أي لم تنتصر منهم بجند من السّماء، ﴿(وَما كُنّا مُنْزِلِينَ)﴾ ولا كنّا ننزّل ذلك بمن قبلهم من الأمم إذا أهلكناهم. ثم بيّن الله تعالى كيف كانت عقوبتهم وعذابهم فقال تعالى: ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ (٢٩)؛أي ميّتون لا يتحرّك منهم أحد. قال المفسّرون: أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة وصاح بهم صيحة واحدة، فتطايرت قلوبهم فإذا هم ميّتون، ولم يسمع لهم حسّ، كالنار إذا طفئت. قوله تعالى: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٣٠)؛قال مقاتل: (يا ندامة عليهم في الآخرة باستهزائهم بالرّسل في الدّنيا) (١).والحسرة: أن يركب الإنسان من شدّة اللّوم ما لا نهاية بعده حتى يبقى قلبه حسيرا، والعرب إذا دعت نكرة موصولة بشيء آثرت النصب، تقول: يا رجلا كريما أقبل (٢).ثم بيّن الله تعالى سبب الحسرة فقال: ﴿(ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)﴾. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ (٣١)؛معناه: ألم ير أهل مكّة كم أهلكنا قبلهم من الأمم الماضية فخافوا أن يعجّل لهم في الدّنيا مثل ما عجّل لغيرهم وهم يعلمون أنّهم لا يعادون إلى الدّنيا أبدا.

стр. 2271

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ (٣٢)؛أي وما كلّ منهم إلاّ لدينا محضرون في أرض المحشر للحساب والجزاء، هذا على قراءة من قرأ «(لمّا جميعا)» بالتشديد، وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة، وأما على قراءة من قرأ بالتخفيف فإن (ما) صلة مؤكّدة، فإن ﴿(إِنْ)﴾ للإثبات كأنه قال: وإن كلّ لجميع لدينا محضرون (١). ثم وعظ الله كفار مكّة ليعتبروا فقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها؛﴾ أي وعلامة لهم تدلّهم على التوحيد والبعث، الأرض الميتة اليابسة التي لا نبات فيها ولا شجر ﴿(أَحْيَيْناها)﴾ بإخراج الأشجار والزّروع، ﴿وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ (٣٣)،ما يقتات من الحبوب جمع الحب، ﴿وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ؛﴾ أي في الأرض بساتين، ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ﴾ (٣٤)؛أي من عيون الماء. وقوله تعالى: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ؛﴾ أي من ثمر النخيل والأعناب على اختلاف طعومها وألوانها، فيستدلّوا بذلك على قدرة الله تعالى. قرأ الأعمش «(ثمره)» بضمّ الثاء وسكون الميم، وقرأ طلحة ويحيى وحمزة والكسائي وخلف «(ثمره)» بضمّ الثاء والميم، وقرأ الباقون بفتحهما (٢). قوله تعالى: ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ؛﴾ أي وما عملت أيديهم شيئا مما ذكرناه، وإنما هو من فعلنا، ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ (٣٥)؛نعم الله، ويجوز أن يكون معناه: ليأكلوا من ثمره ومن ثمر ما عملت أيديهم، يعني الغروس والحرث. قرأ أهل الكوفة «(وما عملت)» بغير هاء، ويجوز في ﴿(ما)﴾ ثلاثة أوجه: النفي بمعنى ولم تعمل أيديهم؛ أي وجدوها معمولة فلا صنع لهم فيها، وهذا قول الضّحاك ومقاتل (٣).والثاني: أن يكون بمعنى المصدر؛ أي ومن عمل أيديهم. والثالث: بمعنى

стр. 2272

(الّذي) أي ومن الذي عملت أيديهم من الغرس والحرث. ومن قرأ ﴿(عَمِلَتْهُ)﴾ بالهاء، فالهاء عائدة على ﴿(ما)﴾ التي بمعنى الذي. قوله تعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٦)؛أي سبحان الذي خلق الأصناف كلّها من أجناس الفواكه والحبوب، وأصناف ما تنبت الأرض من الحلو والحامض والأبيض والأحمر وغير ذلك من الطّعوم والألوان. وقوله تعالى: ﴿(وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ)﴾ أي وخلق من أنفسهم الذّكران والإناث. وقوله تعالى: ﴿(وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ)﴾ أي وخلق في البرّ والبحر وأجواف السّماوات والأرض من جميع الأنواع والأشياء. قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ (٣٧)؛ أي وعلامة لهم أخرى تدلّ على قدرتنا، الليل المظلم ينزع منه النهار فإذا هم داخلون في الظّلام، وذلك أنّ الأصل هو الظّلمة، والنهار داخل عليها لأنّ الله خلق الدّنيا مظلمة، فإذا طلعت الشمس صارت الدّنيا مضيئة تشبه ضوء النهار باللّباس، فإذا ذهب الضوء بغروب الشمس كان ذهاب ذلك بمنزلة سلخ جلد الشّاة عن الشاة، وسلخ الثوب الرجل عن الرجل، والمعنى: إذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل أن كشفها فأزيل فتظهر الظّلمة. قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها؛﴾ معناه: وآية لهم ﴿(الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها)﴾ أي إلى مستقرّ لها وهو آخر مدّة الدنيا ثم تجري بعدها، ويقال: مستقرّها منازلها إذا انتهت الى أقصى منازلها التي لا تجاوزها في الصيف رجعت، ويقال: سمعت منازلها مستقرّها، كما يقال في منزل الرجل: هو مستقرّه، وإن تصرّف فيه وتحرّك. وعن أبي ذرّ قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى ﴿(وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها)﴾ قال: [مستقرّها تحت العرش] (١).قوله تعالى: ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾

стр. 2273

﴿الْعَلِيمِ﴾ (٣٨)؛أي ذلك الذي سبق ذكره تقدير العزيز في ملكه، العليم الذي لا يخفى عليه شيء. وفي قراءة ابن عبّاس: «(تجري لا مستقرّ لها)» أي لا قرار لها فهي جارية أبدا ما دامت الدّنيا. قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ؛﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب «(والقمر)» بالرفع عطفا على قوله ﴿(وَالشَّمْسُ تَجْرِي)﴾،وقيل: على الابتداء، وقرأ الباقون بالنصب على معنى وقدّرناه القمر وقدّرنا منازل، كما تقول: زيدا ضربته. والمعنى: قدّرنا له منازل ينزل في كلّ ليلة منزلة، وجملة منازل ثمانية وعشرون، فإذا صار إلى آخر منزله وهي ليلة ثمان وعشرين، ﴿حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (٣٩)؛وهو عذق النخلة الذي فيه الشّماريخ إذا يبس، ولأن العذق إذا مضت عليه الأيام جفّ وتقوّس ويبس ودقّ واصفرّ وصار شبه الأشياء بالقمر في أوّل الشهر وآخره، لا يقدر على ذلك إلاّ الله تعالى. قوله تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ؛﴾ يعني أنّ الشمس أبطأ مسيرا من القمر فلا تدركه، وذلك أنّ الشمس تقطع منازلها في سنة، والقمر يقطع منازله في شهر، وهما مسخّران مقهوران على ما ذكرهما الله تعالى. ويقال معنى قوله: ﴿(لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ)﴾ أي لا يدخل النّهار على الليل قبل انقضائه، ولا يدخل الليل على النهار قبل انقضائه، كلاهما يسيران دائبين، ولكلّ حدّ لا يعدوه ولا يقصر دونه، فإذا جاء سلطان هذا ذهب ذلك، فإذا جاء سلطان ذلك ذهب هذا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ؛﴾ أي لا تتأخّر الشمس عن مجراها، فتسبق ظلمة الليل في وقت النّهار. قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٤٠)؛أي كلّ من الشمس والقمر والنّجوم الغاربة والطّالعة في فلك يسيرون ويجرون بالأبساط. والفلك: هو مواضع النجوم من الهواء؛ أي الذي يجري فيه، سمّي بهذا الاسم لأنه يدور بالنجوم، ومنه فلكة المغزل لأنّها تدور بالمغزل.

стр. 2274

قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (٤١)؛ معناه: وآية لهم أخرى يعني أهل مكّة تدلّهم على توحيد الله تعالى: أنّا حملنا ذرّيتهم في السّفينة المملوءة، وهي سفينة نوح ﵇، وذرّيّته في كلام العرب: الآباء والأبناء والأجداد. قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ (٤٢)؛أي وخلقنا لهم مثل سفينة نوح ﵇ ما يركبون فيه على البحر، يعني السّفن التي عملت بعد سفينة نوح ﵇ على هيأتها وصورتها. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ؛﴾ أي أنّ الله ذكر تفضّله أنّه يحفظهم، ولو شاء أغرقهم فلم يغنهم أحد ولم ينقذهم من الغرق، ومعنى قوله تعالى: ﴿(فَلا صَرِيخَ لَهُمْ)﴾ أي فلا مغيث لهم، ﴿وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ (٤٣)؛من المكروه والغرق. والصّريخ: بمعنى الصّارخ لهم بالاستغاثة. وقيل: الصّريخ المعين على الصّراخ، كأنه قال: فلا معين لهم ﴿(وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ)﴾ أي ولا هم يخلّصون من الغرق، ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ﴾ (٤٤)،إلاّ أن تداركهم رحمة الله فتنقذهم إلى حين آجالهم. قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ؛﴾ أي وإذا قيل لهؤلاء الكفار اتّقوا ما بين أيديكم من أمر الآخرة فاعملوا لها، وما خلفكم من أمر الدّنيا، فاحذروهم ولا تغترّوا بها، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤٥)؛أي لتكونوا على رجاء الرحمة من الله تعالى، وجواب ﴿(إِذا)﴾ محذوف تقديره: إذا قيل لهم هذا أعرضوا. قوله تعالى: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ؛﴾ من عبرة ودلالة تدلّ على صدق النبيّ ﷺ ﴿إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ (٤٦). قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ؛﴾ قال مقاتل: (وذلك أنّ المؤمنين قالوا لكفّار قريش: أنفقوا على الفقراء والمساكين ما زعمتم من أموالكم أنّه لله، وهو ما

стр. 2275

جعلوه من حروثهم وأنعامهم لله، فقال الكفّار: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ورزقه) (١). قال الحسن: (كان أهل الجاهليّة أهل إجبار، فقالوا: لم يشأ الله أن نطعمه، ولو شاء الله لأطعمناه).ويقال لهم: ظنّوا بجهلهم أنه تعالى إذا كان قادرا على أن يطعمهم فيغنيهم عن إنفاق الناس، وهذا القول منهم خطأ؛ لأنّ الله تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم ليبلي الغنيّ بالفقير فيما فرض له في ماله من الزّكاة، والمؤمن لا يعترض على المشيئة، وإنما يوافق الأمر. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٤٧)؛هذا من قول الكفّار للمؤمنين، يقولون لهم: إن أنتم في اتّباعكم محمّدا ﷺ وترك ديننا إلاّ في خطأ بيّن. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤٨)؛أي يقول كفار مكّة: متى هذا الوعد الذي تعدنا يا محمّد ﷺ من القيام إن كنتم صادقين أنت وأصحابك أنّا نبعث بعد الموت فأروني ذلك. يقول الله تعالى: ﴿ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ (٤٩) قال ابن عبّاس: (يعني النّفخة الّتي تفجرهم وهم يخصّمون في أمر الدّنيا وفي مصرفاتهم)،والمعنى: تأخذهم الصيحة وهم يختصمون في البيع والشّراء ويتكلّمون في الأسواق والمجالس، وهي نفخة إسرافيل. قيل: قرأ ابن كثير وورش «(يخصّمون)» بفتح الخاء وتشديد الصاد، وقرأ نافع غير ورش ساكنة الخاء مشدّدة الصاد، وقرأ أبو عمرو بالإخفاء، وقرأ حمزة ساكنة الخاء مخفّفة؛ أي فغلب بعضهم بعضا بالخصام، وأجود القراءة فتح الخاء مع تشديد الصاد، ولأن الأصل يختصمون فألقيت حركة ألف المدغم على الساكن الذي قبله وهو الخاء، وقرأ الباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد (٢).

стр. 2276

وقوله تعالى: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً؛﴾ أي فلا يستطيع أحد أن يوصي في شيء من أمره، ﴿وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٥٠)؛أي ولا يلبث أحد أن يصير إلى منزله وأهله؛ لأنّها تأخذهم بغتة فيموتون في مكانهم وفي أسواقهم. قال النبيّ ﷺ : [والّذي نفسي بيده لتقومنّ السّاعة وقد نشر الرّجلان ثوبا جديدا يريد أحدهما أن يدفعه إلى صاحبه فيحول قيام السّاعة بينه وبين تسليمه إلى صاحبه، والّذي نفسي بيده لتقومنّ السّاعة وقد أهوى الرّجل بلقمة ليضعها في فيه فيحول قيام السّاعة بينه وبين وصولها إلى فيه] (١). وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ (٥١)؛أي ونفخ في الصور نفخة البعث، فإذا هم من القبور الى عرصات القيامة يخرجون مسرعين، والنّسلان مقاربة الخطو مع الإسراع، ومنه نسلان الذّئب وهو هرولته وخببه، والأجداث هو القبور. وقوله تعالى: ﴿قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا؛﴾ قال المفسّرون: إنّما يقولون هذا؛ لأنّ الله يرفع عنهم العذاب فيما بين النّفختين فيرقدون، فلما بعثوا في النفخة الآخرة وعاينوا القيامة ودعوا بالويل والثّبور، فقالوا: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا؟ فيقول الملائكة: ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٥٢)؛ على ألسنة الرّسل أنه يبعثكم بعد الموت في موعد البعث. وقال قتادة: (أوّل الآية للكافرين وآخرها للمؤمنين، فقال الكافر: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، وقال المسلم: هذا ما وعد الرّحمن وصدق المرسلون) (٢).ويجوز أن يكون قوله هذا من نعت المرقد، كأنّهم يقولون: من بعثنا من مرقدنا هذا الذي كنّا راقدين فيه؟ فيقال لهم: ما وعد الرحمن الذي بعثكم. ويجوز أن يكون ما وعد

стр. 2277

الرحمن على هذا القول خبر مبتدأ محذوف تقديره: حقّ ما وعد الرحمن، وهذا ما وعد الرحمن. قوله تعالى: ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ (٥٣)؛هذا في النفخة الثانية؛ أي ما كانت نفخة البعث إلاّ صيحة واحدة لا تثنّى، فإذا هم الأوّلون والآخرون في عرصات القيامة محضرون، فإهلاكهم كان صيحة واحدة، وبعث الخلائق كلّهم كان صيحة واحدة. قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً؛﴾ أي لا ينقص من حسنات أحد ولا يزاد على سيّئات أحد، ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٥٤)،ولا يجزى كلّ عامل إلاّ ما عمل من خير أو شرّ. قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ (٥٥)؛معناه: إن أصحاب الجنّة في الآخرة في شغل فاكهون. قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بجزم الغين، وقرأ الباقون ﴿(فِي شُغُلٍ)﴾ بضمّ الغين، وهما لغتان مثل: السّحت والسّحت (١). واختلف المفسّرون في شغلهم، قال مقاتل: (شغلوا بافتضاض العذارى عن أهل النّار فلا يذكرونهم ولا يهتمّون بهم) (٢).وقال الحسن: (شغلوا بما في الجنّة من النّعم عن ما فيه أهل النّار من العذاب) (٣). وعن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ أهل الجنّة كلّما جامعوا نساءهم عدن أبكارا] (٤).قوله تعالى: ﴿(فاكِهُونَ)﴾ أي أصحاب فاكهة، كما يقال: شاحم لاحم (٥)؛أي ذو شحم ولحم، وعاسل ذو عسل، وقرأ أبو جعفر

стр. 2278

«(فكهون)» بغير ألف، والفكه: الفرح الضّحوك، الطيّب النفس، ويقال: فاكه وفكه كحاذر وحذر. قوله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ؛﴾ أي هم وحلائلهم في ظلال أشجار الجنّة، ﴿عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ﴾ (٥٦)،على السّرر في الحجال جالسون بالاتّكاء جلسة الملوك. والأرائك: هي السّرر عليها الحجال، وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ؛﴾ أي لهم في الجنّة ألوان الفواكه، ﴿وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ﴾ (٥٧)؛أي ولهم ما يتمنّون ويسألون، وقال مقاتل: (معناه: ولهم ما يريدون) (١).وقيل: معناه: من ادّعى شيئا فهو له يحكم الله لأنّهم ما يدّعون إلاّ ما يحسن. وقوله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (٥٨)؛أي لهم سلام يسمعونه من الله، ويعلمهم بدوام الأمن والسلامة مع سبوغ النعمة والكرامة. ويقال: تحيّيهم الملائكة عن الله تعالى، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (٢). وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : [بينما أهل الجنّة في نعيمهم إذا سطع لهم نور، فيرفعوا رءوسهم، فإذا الرّبّ قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السّلام عليكم يا أهل الجنّة، فذلك قوله تعالى: ﴿(سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ)﴾ فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتوا إلى شيء من النّعيم ما داموا ينظرون إليه حتّى يحجب عنهم، فيبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم] (٣). قوله تعالى: ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (٥٩)؛عناه: تفرّقوا، وقال السديّ: معناه: (كونوا على حدة) (٤)،ومقاتل: (معناه: اعتزلوا اليوم يعني في الآخرة

стр. 2279

من الصّالحين) (١).وقال الزجّاج: (معناه: تفرّدوا عن المؤمنين) (٢).ومعنى الآية: أنه يقال للمجرمين: تميّزوا عن المؤمنين، وذلك أنّ الخلق كلّهم يحشرون مختلطين. قوله تعالى: ﴿*أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ؛﴾ أي ألم آمركم وأوص إليكم، وقال الزجّاج: (معناه: ألم أقدم لكم على ألسنة الرّسل يا بني آدم أن لا تعبدوا الشّيطان، أي لا تطيعوا الشّيطان، ومن أطاع شيئا فقد عبده) (٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٦٠)؛أي عدوّ ظاهر العداوة، أخرج أبويكم من الجنّة، ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي؛﴾ أي أطيعوني ووحّدوني، ﴿هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٦١)؛أي طريق مستقيم قائم، يعني دين الإسلام. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً؛﴾ أي ولقد أضلّ الشيطان منكم أمما كثيرة، وقيل: خلقا كثيرا. قرأ عليّ ﵁ «(جبلا كثيرا)» بسكون الباء مخفّفا، وقرأ عاصم ونافع وأيوب: «(جبلا)» بكسر الجيم والباء وتشديد اللام. وقرأ يعقوب بضمّ الجيم والباء وتشديد اللام، وقرأ ابن عامر وأبو عمرو: «(جبلا)» بضمّ الجيم وسكون الباء مخفّفا، وقرأ الباقون بضمّ الجيم والباء وتخفيف اللام، وكلّها لغات، ومعناها الخلق والجماعة. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ (٦٢)؛أي أفلم تعقلوا ما رأيتم من الأمم إذ أطاعوا إبليس وعصوا الرّسول فأهلكوا. قوله تعالى: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٦٣)؛أي يقال لهم حين دنوا من النار: ﴿(هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)﴾ بها في الدّنيا. قوله تعالى:

стр. 2280

﴿اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٦٤)؛أي الزموها اليوم بكفركم، وقاسوا حرّها، وقوله تعالى ﴿(الْيَوْمَ)﴾ يعني يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ؛﴾ وذلك أنّهم ينكرون الشّرك فيقولون: والله ربنا ما كنّا مشركين، فيختم الله على أفواههم، ﴿وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ؛﴾ وتكلّمت جوارحهم فشهدت عليهم بما عملوا، وقوله تعالى: ﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٦٥)؛قال عقبة بن عامر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [أوّل عظم ينطق من الإنسان فخذه من رجله الشّمال] (١).وروي عن النبيّ ﷺ قال: [أوّل ما تكلّم من الإنسان فخذه وكفّه] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ؛﴾ أي ولو نشاء ذهبنا أعينهم وجعلناها بحيث لا يبدو لها شقّا ولا جفنا، والمعنى: ولو نشاء لأعميناهم في أسواقهم ومجالسهم بتكذيبهم إيّاك يا محمّد كما فعلنا بقوم لوط حين راودوه عن ضيفه. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ؛﴾ فغلبوا السّبق وتبادروا إلى الطريق إلى منازلهم، ﴿فَأَنّى يُبْصِرُونَ﴾ (٦٦)؛لو فعلنا ذلك بهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ؛﴾ أي في منازلهم فصيّرناهم قردة وخنازير وحجارة ليس فيها روح، ﴿فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ (٦٧)؛أي لا يقدرون على ذهاب ومجيء، والمسخ في اللغة نهاية التبديل. قوله: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ؛﴾ أي ومن نطوّل عمره في الدّنيا نرده إلى الحالة الأولى من الضّعف، قال الزجّاج: (معناه: من أطلنا عمره نكّسنا خلقه،
следующие страницы →