← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

وقال بعضهم: تجب عليه في كلّ مجلس مرّة بمنزلة سجدة التّلاوة. وقال الطّحاويّ: (تجب الصّلاة على النّبيّ ﷺ كلّما ذكر) واستدلّ بما روي أنّ جبريل ﵇ قال للنبيّ ﷺ : [من ذكرت عنده فلم يصلّ عليك فلا غفر الله له] (١).وقال الشافعيّ ﵁: (الصّلاة عليه فرض في كلّ صلاة) وهذا قول لم يقل به أحد غيره (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ،﴾ قال المفسّرون: هم المشركون واليهود والنصارى، وصفوا الله بالولد فقالوا: عزيز ابن الله، والمسيح ابن الله، والملائكة بنات الله، وكذبوا رسوله وشجّوا وجهه وكسروا رباعيته، وقالوا: مجنون، وشاعر، وساحر كذاب. قال ﷺ : [ما من أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى، جعلوا له ندّا وجعلوا له ولدا، وهو مع ذلك يعافيهم ويعطيهم ويرزقهم] (٣) وكذلك قالت اليهود: يد الله مغلولة، وقالوا: إن الله فقير. ومعنى: يؤذون الله، أي يخالفون أمر الله ويعصونه ويصفونه بما هو منزّه عنه، والله تعالى لا يلحقه أذى. وقوله تعالى: ﴿(لَعَنَهُمُ اللهُ)﴾ أي باعدهم الله يعني بالقتل والجلاء في الدّنيا، والعذاب بالنار في الآخرة، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً﴾ (٥٧)،أي ذي هوان. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا،﴾ أي يرمونهم بما ليس فيهم، قال قتادة والحسن: (إيّاكم وإيذاء المؤمن؛ فإنّ الله يغضب له ويؤذي من آذاه) (٤).وعن عبد الرحمن بن سمرة (٥) قال:

стр. 2207

خرج النّبيّ ﷺ على أصحابه فقال: [رأيت اللّيلة عجبا، رأيت رجالا معلّقون بألسنتهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الّذين يرمون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا]. قوله تعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ (٥٨)،أي فقد قالوا كذبا وجنوا على أنفسهم وزرا وعقوبة. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ،﴾ أي قل لنسائك وبناتك والحرائر من النساء يلقين على رءوسهن ووجوههنّ من جلابيبهن، والجلباب: هو المقنعة التي تستر بها المرأة ما يظهر من العنق والصدر، وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة. قال المفسّرون: يغطّين رءوسهن ووجوههن إلا عينا واحدة. وظاهر الآية يقتضي أن يكنّ مأمورات بالسّتر التام عند الخروج إلى الطّرق، فعليهن أن يستترن إلا بمقدار ما يعرفن به الطريق. وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٥٩)،معناه: ذلك أقرب أن يعرفن الحرائر من الإماء فلا يؤذي الحرائر؛ لأن الناس كانوا يومئذ يمازحون الإماء ولا يمازحون الحرائر، وكان المنافقون يمازحون الحرائر، فإذا قيل لهم في ذلك، قالوا: حسبنا أنّهن إماء. فأمر الله الحرائر بهذا النوع من السّتر قطعا لأعذار المنافقين. وعن عمر ﵁: أنّه كان يضرب الإماء ويقول: (اكشفن رءوسكنّ ولا تتشبّهن بالحرائر) (١).ومرّت جارية بعمر ﵁ متقنّعة، فعلاها بالدرّة وقال: (يا لكاع، أتتشبّهين بالحرائر، ألقي القناع) (٢).

стр. 2208

ويقال في معنى ذلك: ﴿(أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ)﴾ أي أقرب إلى أن يعرفن بالسّتر والصلاح؛ فييئس منهن فسّاق الرّجال، فلا يطمعون فيهن كطمعهم فيمن تتبرّج وتتكشّف. قوله تعالى: ﴿*لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ،﴾ أي لإن لم ينته المنافقون عن نفاقهم، ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ،﴾ يعني الفجور وهم الزّناة وضعفاء الدّين عن أذى المؤمنين، ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ،﴾ وهم قوم كانوا يوقعون الأخبار بما يكره المؤمنون، ويقولون: قد أتاكم العدوّ، ويقولون لسراياهم: أنهم قتلوا وهزموا، يخيفون المؤمنين بذلك. لئن لم ينتهوا عن هذه الأفعال القبيحة، ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ،﴾ أي لنسلطنّك عليهم، ونأمرك بقتلهم حتى تقتلهم وتخلو منهم المدينة، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٦٠)،أي في المدينة، والمعنى: لا يساكنونك في المدينة إلا يسيرا حتى يهلكوا، ﴿مَلْعُونِينَ،﴾ مطرودين مبعدين عن الرّحمة، ﴿أَيْنَما ثُقِفُوا،﴾ أي أينما وجدوا وأدركوا. قوله تعالى: ﴿(مَلْعُونِينَ)﴾ نصب على الحال، وقيل: على الذمّ، وتقدير النصب على الحال: لا يجاورونك إلا وهم ملعونون مطرودون مخذولون. وقوله تعالى: ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ (٦١)،أي أخذوا وقتلوا مرّة بعد مرّة؛ لأنه إذا ظهر أمر المنافقين كانوا بمنزلة الكفّار، ومن حقّ الكفار أن يقتلوا حيث يوجدون. قال قتادة: (أراد المنافقون أن يظهروا ما في قلوبهم من النّفاق، فلمّا وعدهم الله في هذه الآية فكتموه) (١). قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ،﴾ أراد بالسّنة الطريقة التي أمر الله بلزومها واتباعها، وقد كانت هذه السّنة في الأمم الماضية، لمّا آذى المنافقون أنبياءهم، أمر الله أنبياءه بقتالهم.

стр. 2209

قال الزجّاج: (سنّ الله في الّذين ينافقون الأنبياء ويرجفون بهم أن يقتلوا حيثما ثقفوا) (١) ولا يبدّل الله سنّته فيهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ (٦٢)،أي هكذا سنة الله فيهم إذا أظهروا النفاق. قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ،﴾ قال الكلبيّ: (سأل أهل مكّة النّبيّ ﷺ عن السّاعة وعن قيامها) فقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ،﴾ أي قل لهم يا محمّد: إنّما العلم بوقت قيامها عند الله، لا يطلع أحدا عليها. وقوله تعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ (٦٣)،أي أيّ شيء يعلمك أمر الساعة ومتى يكون قيامها، أي أنت لا تعرفه، ثم قال: ﴿(لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً)﴾. وما بعد هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (٦٥)،ظاهر المعنى. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ،﴾ أي تقلّب وجوه الكفار ظهر البطن، وقيل: تقلّب إلى سواد، وقيل: تقلّب إلى الأقفية. وقرأ أبو جعفر: «(تقلّب)» بفتح التاء بمعنى تتقلّب. وقرأ عيسى بن عمر: «(نقلّب)» بالنون وكسر اللام «(وجوههم)» بالنصب. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ (٦٦)،في الدّنيا. قوله تعالى: ﴿وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ (٦٧) أي صرفونا عن الدّين وعن سبيل الهدى. قرأ الحسن وابن عامر ويعقوب: «(ساداتنا)» بالألف وكسر التاء على جمع الجمع. قوله تعالى: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ،﴾ أي عذّبهم مثلي عذابنا، فيكون ضعف على كفرهم وضعف على دعائهم لنا إلى الضلال. وقوله: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ (٦٨)،قرأ عاصم ﴿(كَبِيراً)﴾ بالباء؛ أي عظيما، وقرأ الباقون بالثاء من الكثرة، وإنما اختاروا الكثرة لقوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ (٢) وقوله

стр. 2210

تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١) فهذا يشهد للكثرة. حدثنا محمّد بن الحسن العسقلاني، قال: (سمعت محمّد بن السري يقول: رأيت في المنام كأنّي في مسجد عسقلان، وكأنّ رجلا يناظرني ويقول: ﴿(وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً)﴾ وأنا أقول: «(كثيرا)».وإذا بالنبيّ ﷺ فدخل علينا المسجد، وكان في وسط المسجد منارة لها باب، وكان النبيّ ﷺ يقصدها. فقلت: هذا النبيّ ﷺ ، فقلت: السّلام عليك يا رسول الله استغفر لي. فأمسك عنّي، فجئته عن يمينه فقلت: يا رسول الله استغفر لي، فأعرض عني، فقمت من تلقاء صدره، حدّثنا سفيان بن عيينة عن محمّد بن المنكدر وعن جابر بن عبد الله: [أنّك ما سئلت شيئا قط فقلت لا] فتبسّم ﵇ وقال: [اللهم اغفر له].فقلت: يا رسول الله إني وهذا نتكلّم في قوله تعالى: (والعنهم لعنا كثيرا)،فأنا أقول: (كثيرا) وهذا يقول: ﴿(كَبِيراً)﴾،قال: فدخل النبيّ ﷺ المنارة وهو يقول: كثيرا، كثيرا، بالثاء إلى أن غاب عني صوته) (٢). قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا،﴾ أي لا تكونوا في أذى محمّد ﷺ كبني إسرائيل، الذين آذوا موسى بعيب أضافوه إليه، فبرّأه الله مما قالوا عليه، ﴿وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾ (٦٩)، أي رفيع القدر والمنزلة. واختلفوا في العيب الذي أضافه بنوا إسرائيل إلى موسى، قال بعضهم: كان هارون أحبّ إلى بني إسرائيل من موسى لزيادة رفقه بهم، فلما مات هارون في حال غيبتهما عنهم، قالوا: إنّ موسى قتله لتخلص له النّبوة، فأحياه الله تعالى حتى كذبهم. وقال بعضهم: كان أذاهم له أنهم رموه بالأدرة لكثرة حيائه واستتاره عن الناس، وكانت بنوا إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان

стр. 2211

موسى يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر (١). قال: فذهب يغتسل مرّة، فوضع ثوبه على حجر، فذهب الحجر بثوبه، فخرج موسى من الماء في إثر الحجر، يقول: ثوبي يا حجر، حتى نظرت بنوا إسرائيل إلى سوأته ﵇، فقالوا: والله ما به من بأس. فقام الحجر بعد ما نظروا إليه وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضربا. قال أبو هريرة: [والله إنّ بالحجر ندب ستّة أو سبعة من ضرب موسى] (٢).قوله تعالى: ﴿(وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً)﴾ أي حظيّا لا يسأله شيئا إلا أعطاه. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ،﴾ أي اتّقوا عذاب الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ﴿وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ (٧٠)،قال ابن عباس: «(صوابا)»،وقال الحسن: «(صادقا)» يعني كلمة التوحيد: لا إله إلاّ الله. وقوله تعالى: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ،﴾ قال ابن عبّاس: (معناه: يتقبّل حسناتكم) ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ،﴾ بسداد قولكم، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٧١)،أي فقد نال الخير كلّه وظفر به، والفوز العظيم هو الظّفر بالكرامة والرضوان من الله تعالى. قوله تعالى: ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ،﴾ معناه: إنا عرضنا الأمانة التي هي الشرائع والفرائض التي يتعلّق بأدائها الثواب وبتركها العقاب. قال ابن عباس: (عرضت الأمانة على السّماوات السّبع الّتي زيّنت بالنّجوم وحملت العرش العظيم، فقيل لهنّ بأخذ الأمانة بما فيها، قلن: وما فيها، قيل: إن أحسنتنّ جزيتنّ، وإن أسأتنّ عوقبتنّ، قلن: لا. ثمّ عرضت الأمانة على الجبال الصّمّ الشّوامخ الصّلاب البواذخ) (٣)، ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها﴾. قال

стр. 2212

ابن جريج: (قالت السّماء: يا رب خلقتني وجعلتني سقفا محفوظا، وأجريت فيّ الشّمس والقمر والنّجوم، لا أعمل فريضة ولا أبتغي ثوابا. وقالت الأرض: يا رب جعلتني بساطا ومهادا، وشققت فيّ الأنهار، وأنبتّ فيّ الأشجار، لا أتحمّل فريضة ولا أبتغي ثوابا ولا عقابا) (١). ومعنى قوله: ﴿(فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها)﴾ أي مخافة وخشية لا معصية ولا مخالفة، والعرض كان تخييرا لا إلزاما، قوله: ﴿(وَأَشْفَقْنَ مِنْها)﴾ أي خفن من الأمانة أن لا توفّيها، فيلحقهنّ العقاب، فأبوا ذلك تعظيما لدين الله وخوفا أن لا يقوموا به، وقالوا: نحن مسخّرات لأمرك لا نريد ثوابا ولا عقابا. قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (٧٢)،يعني: وحملها آدم ﵇ قال الله له: يا آدم إني عرضت الأمانة على السّماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ولم يطقنها، فهل أنت آخذها بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. فتحمّلها آدم، وقال: حملتها بين أذنيّ وعاتقي. قال ابن عباس: (عرض الله على آدم أداء الصّلوات الخمس في مواقيتها، وأداء الزّكاة عند محلّها، وصيام رمضان، وحجّ البيت، على أنّ له الثّواب وعليه العقاب، فقال: بين أذنيّ وعاتقي) (٢). وقال مقاتل: (قال الله تعالى لآدم: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حقّ رعايتها؟ فقال آدم: وما لي عندك؟ قال: إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة، فلك الكرامة وحسن الثّواب في الجنّة، وإن عصيت وأسأت معذّبك ومعاقبك. قال: قد رضيت يا رب، وتحمّلها. فقال الله : قد حمّلتكها. فذلك قوله تعالى: ﴿(وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً)﴾.

стр. 2213

قال الكلبيّ: (ظلمه حيث عصى ربّه وأخرج من الجنّة، وجهله حيث تحمّلها). وقال مقاتل: (ظلوما لنفسه، جهولا بعاقبة ما حمّل) (١).وقال مجاهد: (لمّا خلق الله السّماوات والأرض والجبال، عرضت الأمانة عليها فلم تقبلها، فلمّا خلق الله آدم عرضها عليه فقال: قد تحمّلتها يا رب. قال مجاهد: فما كان بين أن تحمّلها وبين أن أخرج من الجنّة إلاّ قدر ما بين العصر والظّهر) (٢). وعن ابن عبّاس ﵄ قال: (إنّ الله قال لآدم: إنّي عرضت الأمانة على السّماوات والأرض فلم يطقنها، فهل أنت حاملها بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن حفظتها أجرت، وإن ضيّعتها عوقبت، قال: قد تحمّلتها. فما بقي في الجنّة إلاّ كقدر ما بين الظّهر والعصر حتّى خرج منها) (٣). وقال زيد بن أسلم: (الأمانة هي الصّوم والغسل من الجنابة)،وقال بعضهم: (هي أمانات النّاس والوفاء بالعهود، فحقّ على كلّ مؤمن أن لا يغشّ مسلما في شيء لا قليل ولا كثير). وقال السديّ: (هي ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده، وذلك أنّ آدم ﵇ لمّا أراد أن يحجّ إلى مكّة، قال: يا سماء احفظي أولادي بالأمانة، فأبت. وقال للأرض كذلك، فأبت. وقال للجبال كذلك، فأبت. ثمّ قال لابنه قابيل: أتحفظهم بالأمانة؟ قال: نعم، تذهب وترجع فتجد أهلك كما يسرّك. فانطلق آدم ورجع وقد قتل قابيل هابيل، فذلك قوله تعالى: ﴿(وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً)﴾ يعني قابيل حين حمل أمانة أبيه ثمّ لم يحفظها) (٤). قوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ،﴾ أي ليعذبهم الله بما خانوا الأمانة وكذبوا الرّسل، ونقض الميثاق

стр. 2214

الذي أقرّوا به حين أخرجوا من ظهر آدم. قال الحسن: (هؤلاء الّذين خانوها، وهم الّذين ظلموها). قوله تعالى: ﴿وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ،﴾ لأنّهم أدّوا الأمانة، وهي الفرائض. وقيل: معنى الآية: إنّا عرضنا الأمانة ليظهر نفاق المنافق، وشرك المشرك فيعذّبهم الله، ويظهر إيمان المؤمنين فيتوب الله عليهم، أي يعود عليهم بالمغفرة والرّحمة إن حصل منهم تقصير في بعض الطاعات، وكذلك ذكر بلفظ التوبة، فدلّ على أن المؤمن العاصي خارج من العذاب، ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً،﴾ للمؤمنين إذا تابوا، ﴿رَحِيماً﴾ (٧٣)،بمن مات على التوبة. آخر تفسير سورة (الأحزاب) والحمد لله رب العالمين.

стр. 2215

سورة سبأ سورة سبأ مكّيّة، وهي ألف وخمسمائة واثنى عشر حرفا، وثمانمائة وثلاثون كلمة، وخمس وخمسون آية. قال ﷺ : [من قرأ سورة سبأ لم يبق نبيّ ولا رسول إلاّ كان يوم القيامة له رفيقا ومصافحا] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ الحمد: الوصف بالجميل على جهة التّعظيم، وقوله تعالى: ﴿(لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ)﴾ المعنى: له ما في السموات والأرض ملكا وخلقا، ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ؛﴾ أي يحمده أهل الآخرة على دوام نعمه عليهم كما يحمده أهل الدّنيا، ولكنّ الحمد في الدّنيا تعبّد، وفي الآخرة شكر على سبيل السّرور؛ لأنه لا يكلّف في الآخرة، يقول أهل الآخرة: الحمد لله الّذي صدقنا وعده، والحمد لله الّذي هدانا لهذا، والحمد لله الّذي أذهب عنّا الحزن والنّقم في الدّارين كلّها منه. قوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (١)؛أي الحكيم في أفعاله، الخبير بأحوال عباده. وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها؛﴾ أي ما يدخل في الأرض ويغيب فيها من المطر والحيوانات من الميتة، ويعلم ما يخرج منها من أنواع النّبات والزّروع وغير ذلك مما لا يعلمه إلاّ هو، ويعلم ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ؛﴾ من الأمطار التي هي سبب أرزاق العباد، ويعلم ﴿وَما يَعْرُجُ؛﴾

стр. 2216

في السّماء؛ أي من يصعد، ﴿فِيها؛﴾ من الملائكة الحفظة لديوان العباد، وما يرتفع فيها من الرّياح والحرّ والبرد، ويعلم ما يصعد فيها من أعمال العباد. يقال: عرج يعرج؛ إذا صعد، وعرج يعرج إذا صار أعرجا. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ (٢)؛أي الرّحيم بعباده، الغفور لمن استحقّ المغفرة. قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ؛﴾ أي قال الكفّار: لا تأتينا القيامة، ﴿قُلْ؛﴾ لهم يا محمّد: ﴿بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ؛﴾ على ما أخبر الله تعالى، ﴿عالِمِ الْغَيْبِ﴾. قرأ حمزة والكسائيّ ﴿(عالِمِ الْغَيْبِ)﴾ بخفض الميم على وزن فعال على المبالغة، كقوله: علاّم الغيوب، وقرأ نافع وابن عامر: «(عالم)» برفع الميم على تقدير: هو عالم، وقرأ ابن كثير وأبو عمر وعاصم ﴿(عالِمِ)﴾ بالكسر نعت لقوله ﴿(وَرَبِّي)﴾ (١). قوله تعالى: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ؛﴾ أي لا يغيب عنه ولا يبعد عليه معرفة وزن ذرّة، ﴿فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ؛﴾ وخصّ الذرّة بالذّكر لأنّها أصغر شيء يدخل في أوهام البشر، وهذا مثل؛ لأنه سبحانه لا يخفى عليه ما هو دون الذرة، والمعنى: الله يعلم كلّ شيء دقّ أو جلّ. قوله تعالى: ﴿وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٣)؛الكتاب المبين في هذه الآية هو اللّوح المحفوظ. وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٤)؛معناه: لتأتينّكم الساعة ليجزي الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات على أعمالهم بالمغفرة والرّزق الكريم؛ أي الثواب الحسن في الجنّة. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ؛﴾ أي سعوا فيها بعد ظهورها ووضوحها بالتكذيب لها والجحود بها، مقدّرين أنّهم سيفوتوننا، ويعاجزون

стр. 2217

الرسول ﷺ ، ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ (٥)؛من عذاب مؤلم، والرّجز: أسوأ العذاب. قرأ ابن كثير ﴿(أَلِيمٌ)﴾ بالرفع على نعت العذاب، وقرأ الباقون بالخفض على نعت الرّجز. قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٦)؛أوّل هذه الآية عطف على قوله ﴿(لِيَجْزِيَ)﴾ أي ولكي يعلم الّذين أوتوا العلم الّذي أنزل إليك من ربك وهو القرآن وآيه يهدي إلى صراط العزيز بالنّقمة لمن لا يؤمن به، الحميد لمن وحّده، أي يهدي إلى دين الله. وقوله تعالى ﴿(الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)﴾ يعني مؤمني أهل الكتاب. وقال قتادة: (يعني أصحاب رسول الله ﷺ (١).وقوله ﴿(هُوَ الْحَقَّ)﴾ إنّما دخلت ﴿(هُوَ)﴾ في هذا الموضع للفصل عند البصريّين، ويسمّى ذلك عمادا، ولا يدخل العماد إلاّ في المعرفة، قال الشاعر: ليت الشّباب هو الرّجيع على الفتى ... والشّيب كان هو البديء الأوّل (٢) قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (٧)؛أي قال الكفّار على وجه التّعجّب والإنكار؛ أي قال بعضهم لبعض: هل ندلّكم على رجل يعنون محمّدا ﷺ يزعم أنّكم تبعثون بعد أن تكونوا عظاما ورفاتا! وذلك قوله تعالى: ﴿(يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)﴾ أي يقول لكم بليتم وتقطّعت أجسامكم واندرست آثاركم تعودون. وقوله تعالى ﴿(كُلَّ مُمَزَّقٍ)﴾ أي إذا تفرّقتم في الأرض وتفرّقت العظام والجلود كلّ تفريق، ﴿(إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)﴾ أي نجدّد خلقكم بأن تبعثوا.

стр. 2218

وقوله تعالى: ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً؛﴾ هذا من قول الكفّار بعضهم لبعض؛ قالوا: افترى محمّد على الله كذبا حين زعم أنّا نبعث بعد الموت! ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ؛﴾ أي جنون، يقولون: زعم كذبا أم به جنون. فردّ الله عليهم مقالتهم بقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ (٨)؛أي ليس الأمر على ما قالوا من افتراء وجنون، كأنه قال: لا هذا ولا ذاك، ولكنّ الذين لا يؤمنون بالبعث في الآخرة، والخطأ البعيد في الدّنيا. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ؛﴾ معناه: إنّ سماءنا محيطة بهم والأرض حاملة لهم، ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ؛﴾ هذه، ﴿الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ﴾ تلك، ﴿كِسَفاً مِنَ السَّماءِ﴾ فما يحذرون هذا فيرتدعون عن التكذيب بآياتنا. والمعنى: أنّ الإنسان حيث ما نظر رأى السماء فوقه، والأرض قدّامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله، فكأنه تعالى قال: إنّ أرضي وسمائي محيطة بهم، وأنا القادر عليهم، إن شئت خسفت بهم، وإن شئت أسقط عليهم قطعة من السماء. قرأ حمزة والكسائي وخلف: «(إن يشأ)» و «(يخسف)» و «(يسقط)» في ثلاثتها بالياء لذكر الله تعالى قبله، وقوله تعالى ﴿(أَفْتَرى)﴾ ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فلذلك سقطت. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (٩)؛أي إنّ فيما ذكر من منيعه وقدرته وفيما ترون من السّماء والأرض لعلامة تدلّ على قدرة الله تعالى على البعث، وعلى من يشاء من الخسف بهم، لكلّ عبد أناب إلى الله ورجع إلى طاعته وتأمّل ما خلق. قال الحسن: (المنيب: الرّاجع إلى الله تعالى بقلبه وقوله وفعله، فإذا نوى نوى لله، وإذا قال قال لله، وإذا عمل عمل لله) (١).

стр. 2219

قوله تعالى: ﴿*وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً؛﴾ يعني النبوة والكتاب والملك. قوله تعالى: ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ؛﴾ أي سبحي معه إذا سبّح، فكان داود ﵇ إذا سبّح سبّحت الجبال معه حتى يسمع صوت تسبيحها. وقرئ «(أوبي معه)» أي عودي في التّسبيح معه كلّما عاد فيه. وقال القتيبيّ: (أصله من التّأويب، وهو السّير باللّيل كلّه، كأنّه أراد ادني النّهار كلّه بالتّسبيح معه).وقيل: تسير معه كيف شاء. وقوله ﴿(وَالطَّيْرَ)﴾،قرأ العامة بالنصب، وله وجوه؛ أحدها: بالفعل؛ تقديره: وسخّرنا له الطير، تقول: أطعمته طعاما وماء أي وسقيته ماء. والثاني: بالنّداء، يعني بالعطف على موضع النداء، لأنّ موضع كلّ منادى النصب. والثالث: بنزع الخافض، كأنه قال: أوّبي معه الطّير، كما يقال: لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها؛ أي مع فصيلها. وقرأ يعقوب «(والطّير)» بالرفع عطفا على الجبال. وقيل: على الابتداء، قال الشاعر: ألا يا زيد والضّحاك سيرا ... فقد جاوزتما خمر الطّريق يروى هذا البيت بنصب (الضّحّاك) ورفعه (١). وقوله تعالى: ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (١٠)؛أي جعلنا له الحديد ليّنا يضربه كيف شاء من غير نار ولا مطرقة، وكان عنده مثل الشّمع والطين المسلول والعجين. قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ؛﴾ أي قلنا له اعمل دروعا واسعات تامّات يجرّها لابسها على الأرض، فكان داود ﵇ أوّل من عمل الدّروع، والسّابغ: هو الذي يغطّي كلّ ما على الرجل حتى يفضل، فكان داود يبيع كلّ درع بأربعة آلاف، فيأكل ويطعم عياله ويتصدّق على الفقراء والمساكين. قوله تعالى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ؛﴾ أي اجعل حلق الدّرع متتابعة متناسقة بعضها إلى بعض على مقدار معلوم لا يتفاوت على وجه، ولا تنفذ فيه السّهام ولا

стр. 2220

السّنان. يقال: سرد الكلام يسرده إذا ذكره بالتأليف على وجه تحصل به الفائدة، ومن هذا يقال لصانع الدّروع: سرّاد وزرّاد. والسّرود والزّرد للوصل. وقال بعضهم: السّرد سمرك طرفي الحلق؛ أي لا تجعل المسامير دقاقا فتنغلق، ولا غلاظا فتكسر الحلق، واجعل ذلك على قدر الحاجة. والقول الأول أقرب إلى الآية، لأن الدروع التي عملها داود كانت بغير المسامير؛ لأنه كانت معجزة. قوله تعالى: ﴿وَاعْمَلُوا صالِحاً؛﴾ أي قال الله لآل داود: اعملوا صالحا فيما بينكم وبين ربكم، ﴿إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١١)؛من شكر وطاعة. قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ؛﴾ أي وسخّرنا لسليمان الرّيح كانت تحمل سريره فتذهب في الغدوّ مسيرة شهر، وترجع في الرّواح مسيرة شهر. قال الفرّاء: (نصب ﴿(الرِّيحَ)﴾ على المفعول؛ أي وسخّرنا لسليمان الرّيح) (١). وقرأ عاصم «(الرّيح)» بالرفع على معنى: وله تسخير الرّيح، والمعنى أنّ الريح كانت تسير في اليوم مسيرة شهرين للرّاكب المسرع. قوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ؛﴾ أي أذبنا له عين النّحاس، فسالت له ثلاثة أيّام كما يسيل الماء، وإنّما انتفع الناس بما أخرج الله لسليمان، وكان قبل سليمان لا يذوب. والقطر هو الرّصاص. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛﴾ أي وسخّرنا له من الجنّ ﴿(مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ)﴾ من القصور والبنيان، ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا؛﴾ أي من يمل من الشّياطين عن أمرنا الذي أمرناه من الطاعة لسليمان، ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (١٢)؛أي من عذاب النّار الموقدة. وقيل: إنّ الله تعالى وكّل ملكا بيده سوط من نار، فمن زاغ منهم من طاعة سليمان ضربه ضربة أحرقته.

стр. 2221

قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ؛﴾ أي يعملون لسليمان ما يشاء ﴿(مِنْ مَحارِيبَ)﴾ أي مساجد، كان هو والمؤمنون يصلّون فيها. ويقال: أراد بالمحاريب الغرف والمواضع الشريفة، يقال لأشرف موضع في الدار محراب، والمحراب مقدّم كلّ مسجد ومجلس وبيت. وقوله تعالى ﴿(وَتَماثِيلَ)﴾ أي تماثيل كلّ شيء، يعني صورا من نحاس وزجاج ورخام، كانت الجنّ تعملها، وكانوا يصوّرون له الأنبياء والملائكة في المسجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة، وهذا يدلّ على أن التصوير كان مباحا في ذلك الزمان، ثم صار حراما في شريعة نبيّنا محمّد ﷺ كما روي في الحديث: [إنّ الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة] (١).وروي: [لعن الله المصوّرين بما صوّروا] (٢). قوله تعالى: ﴿وَجِفانٍ كَالْجَوابِ؛﴾ الجفان جمع جفنة وهي القصعة الكبيرة من الصّفر. وقوله ﴿(كَالْجَوابِ)﴾ أي كالحياض العظام، فهي كحياض الإبل، والجواب جمع الجابية، وسمّي الحوض جابية؛ لأنّه يجبي الماء؛ أي يجمعه، والجباية جمع الماء. يقال: إنه كان يجتمع على جفنة واحدة ألف رجل يأكلون بين يديه. قوله تعالى: ﴿وَقُدُورٍ راسِياتٍ؛﴾ أي ثابتات عظام من الحجر كالجبال لا ترفع من أماكنها، ولكن يوقد تحتها حتى ينطبخ ما فيها من الأطعمة فيأكل منها الألوف، وكانت هذه الأعمال التي يعملونها معجزة لسليمان ﵇. وقوله تعالى: ﴿(اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً؛﴾ أي قلنا لهم: اعملوا بطاعة الله شكرا له على هذه النّعم التي منّ بها عليكم. وقيل: انتصب قوله ﴿(شُكْراً)﴾ على المصدريّة. وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ (١٣)؛أي قليل من عبادي من يشكر لي؛ لأن الشّاكرين وإن كثروا فقليل في جنب من لم يشكر.

стр. 2222

قوله تعالى: ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ؛﴾ وذلك أنّ سليمان ﵇ كان يعتاد طول القيام في الصّلاة، وكان إذا أعيا اتّكأ على عصاه، فاتّكأ ذات يوم على عصاه، فقبض الله روحه، فبقي على تلك الحالة سنة، والعملة في أعمالهم يعملون كما هم ولم يجترئ أحد أن يدنو منه هيبة له. وقوله ﴿(ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ)﴾ دابّة الأرض هي الأرضة التي تأكل الخشب، وقوله تعالى ﴿(مِنْسَأَتَهُ)﴾ أي عصاه التي كان يتّكئ عليها. وقوله تعالى: ﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ (١٤)؛أي فلمّا سقط سليمان لتآكل المنسأة، تبيّن الجنّ للإنس؛ أي ظهروا أنّهم لا يعلمون الغيب، فلو علموا ما عملوا له سنة وهو ميّت، فذلك قوله تعالى: ﴿(ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ)﴾ أي في العذاب من أعمالهم الشاقّة التي كانوا يعملونها في بناء بيت المقدس وغيره، فلمّا علموا بموته لسقوط العصا تركوا الأعمال. ثم أن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطّعام لآتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب لآتيناك بأطيب الشراب، ولكنّا سننقل إليك الطين والماء، فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت، فما رأيتموه من الطّين في جوف الخشب فهو مما ينقله الشياطين إليها شكرا لها! وسميت العصا منسأة لأنه ينسأ بها الغنم وغيره؛ أي يؤخّر ويطرد، يقال: أنسأ الله في أجله؛ أي أخّر الله في أجله. وأكثر القرّاء يقرءون ﴿(مِنْسَأَتَهُ)﴾ بالهمزة، وقرأ أبو عمرو ونافع بترك الهمزة، وهما لغتان. وقوله تعالى ﴿(أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ)﴾ أي ظهر أمرهم. وقيل: في موضع النصب تقديره: علمت وأيقنت الجنّ ﴿(أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ)﴾،وكان الإنس قبل هذا يظنّون أن الشّياطين يعلمون السّرّ يكون بين اثنين، فظهر لهم يومئذ أنّهم لا يعلمون ذلك.

стр. 2223

قال أهل التّاريخ: كان عمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة، ومدّة ملكه أربعون سنة، وملك يوم ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه، وكان عمر داود مائة وأربعون سنة (١). قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ؛﴾ قال فروة بن مسيك: أتيت رسول الله ﷺ فسألته عن سبأ ما هو؟ فقال: [رجل من العرب أولد عشرة أولاد، تيامن منهم ستّة، وتشامّ منهم أربعة. فأمّا الّذين تيامنوا فالأزد وكندة وحمير ومذحج والأشعريّون وأنمار ومنهم بجيلة. وأمّا الّذين شاموا فعاملة وغسّان ولخم وجذام] (٢).والمراد بسبإ القبيلة الذين هم من أولاد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وقوله تعالى ﴿(فِي مَسْكَنِهِمْ)﴾ أنه كانت مساكنهم بمأرب من اليمن (آية) أي علامة يدلّ على قدرة الله وأنّ المنعم عليهم هو الله تعالى. ثم فسّر تلك الآية فقال: ﴿جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ؛﴾ أي عن يمين واديهم وشماله قد أحاطتا بذلك الوادي الذي بين مساكنهم. والمعنى: لقد كان لأهل سبأ في مواضعهم علامة، وهي جنّتان؛ أي بستانان؛ إحداهما عن يمين الطريق، وأخرى عن يسار الطّريق، ويقال: كان بستانين عن يمين الطريق وبستانين عن شمال الطريق، إلاّ أنّ البساتين كلّ واحد من الجانبين سمي جنّة لاتّصال بعضها ببعض، وكانوا في النّعمة بحيث كانت المرأة تمشي في تلك الطريق بين البساتين وعلى رأسها الزّنبيل فيمتلئ من ألوان الفاكهة من غير أن تمسّ شيئا بيدها.

стр. 2224

قرأ حمزة والنخعيّ وحفص ﴿(فِي مَسْكَنِهِمْ)﴾ بفتح الكاف على الواحد، وقرأ الأعمش والكسائي وخلف: «(مسكنهم)» بكسر الكاف على الواحد أيضا، وقرأ الباقون: «(مساكنهم)» على الجمع (١). قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ؛﴾ أي قيل لهم: ﴿(كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ)﴾ يعني هذه النّعم، ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ؛﴾ أي لله على نعمة هذه، وهذا حدّ الكلام، ثم ابتدأ فقال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ؛﴾ أي هذه بلدة طيبة أو لكم بلدة طيبة، يعني ليست بسبخة، ولم يكن يرى بعوضة قط، ولا دباب ولا برغوث ولا حيّة ولا عقرب، وأنّ الرجل الغريب ليأتيها وفي ثوبه القمل والدوابّ، فحين يرى بيوتهم تموت الدواب والقمل. والمعنى: بلدة طيّبة الهواء. وقوله تعالى: ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ (١٥)؛أي غفور الخطايا، كثير العطايا. قوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ؛﴾ أي فأعرضوا عن الحقّ وكفروا وكذبوا أنبياءهم، ولم يشكروا نعم الله، وقالوا: لا نعرف لله تعالى نعمة علينا! وقالوا لأنبيائهم: قولوا لربكم الذي يزعمون أنه منعم فليحبس عنّا نعمه إن استطاع! قال وهب: (بعث الله تعالى إلى سبأ ثلاثة عشر نبيّا، فدعوهم إلى الله وذكّروهم نعمه، وخوّفوهم عقابه، فكذبوهم وقالوا: ما نعرف لله علينا نعمة) (٢). قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ)،﴾ قال ابن الأعرابيّ: (العرم: السّيل الّذي لا يطاق) (٣)،وقال مقاتل: (العرم وادي سبأ) (٤).وقيل: العرم: المطر الشديد الذي يأتي منه سيل لا يطاق دفعه، وعرمة الماء ذهابه في كلّ مذهب.

стр. 2225

وقيل: العرم هو الفأر الذي نقب السدّ عليهم، وصفة ذلك: أن الماء كان يأتي أرض سبأ من الشّجر وأودية اليمن، فردموا ردما بين جبلين وحبسوا الماء في ذلك الرّدم، وجعلوا لذلك الرّدم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، وكانوا يسقون من الباب الأعلى، ثم من الباب الثاني، ثم من الباب الأسفل، فلا ينفذ الماء حتى يأتي ماء السّنة الثانية، فأخصبوا وكثرت أموالهم. فلمّا كذبوا الرّسل بعث الله عليهم جرذا نقب ذلك الرّدم، فاندفع الماء عليهم وعلى جنّتيهم، فدفن السّيل بيوتهم وأغرق جنّتيهم وخرّب أراضيهم (١). قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ؛﴾ أي بدّلناهم بالجنّتين اللّتين أهلكناهما جنّتين، ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ؛﴾ الأكل: اسم لما يؤكل. والخمط: شجر الأراك، ويقال: الخمط كلّ نبت قد أخذ طعما من مرارة حتى لا يمكن أكله. وقيل: هو شجر ذات شوك. قرأ أبو عمرو ويعقوب «(أكل خمط)» بالإضافة، وقرأ الباقون ﴿(أُكُلٍ)﴾ بالتّنوين، وهما متقاربان في المعنى. وقوله تعالى: ﴿وَأَثْلٍ؛﴾ الأثل: ما عظم من شجر الطّرفاء (٢)،وقوله تعالى: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ (١٦)؛والسّدر إذا كان برّيّا لا ينتفع به ولا يصلح ورقة للغسول، كما يكون ورق السّدر الذي نبت على الماء. ومعنى قوله تعالى ﴿(وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ)﴾ يعني أن الخمط والأثل كان أكثر في الجنّتين المبدّلتين من السّدر. قال قتادة: (كان شجر القوم من خير الشّجر، فبدّله الله من شرّ الشّجر بأعمالهم) (٣)،والسّدر: هو شجر النّبق.

стр. 2226

قوله تعالى: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا؛﴾ أي جزيناهم ذلك التّبديل والتّخريب بكفرهم بنعم الله تعالى، ﴿وَهَلْ نُجازِي؛﴾ بمثل هذه العقوبة وتعجيل سلب النّعمة، ﴿إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ (١٧)؛أي الكافر المعاند، وقيل: معناه: إنّ المؤمن نكفّر عنه ذنوبه بطاعاته، والكافر يجازى على كلّ سوء يعمله. وقال الفرّاء: (المؤمن يجزى ولا يجازى) (١) أي يجزى الثّواب بعمله، ولا يكافأ بسيّئاته. قرأ أهل الكوفة: ﴿(نُجازِي)﴾ بالنّون وكسر الزّاي. ونصب ﴿(الْكَفُورَ)﴾ لقوله ﴿(جَزَيْناهُمْ)﴾ ولم يقل جوزوا، وقرأ الآخرون «(يجازي)» بياء مضمومة ورفع «(الكفور)». وقوله تعالى ﴿(لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ)﴾ من قرأ بالنصب فهو اسم قبيلة، فلهذا لم ينصرف، ومن نوّنه وخفضه فهو اسم لرجل. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً﴾ أي جعلنا بين أهل سبأ وبين قرى الأرض التي باركنا فيها وهي الأرض المقدّسة باركنا فيها بالماء والشّجر، يعني قرى الشّام ومصر، وقوله ﴿(قُرىً ظاهِرَةً)﴾ أي قرى متقاربة متّصلة، إذا خرج الرجل من واحدة من القرى ظهرت له الأخرى، فكانوا لا يحتاجون في سيرهم إلى الشّام إلى زاد، وكانت المرأة تخرج ومعها مغزلها، وعلى رأسها مكتلها، ثمّ تغزل ساعة فلا ترجع بيتها حتى يمتلئ مكتلها من الثّمار، وكان ما بين الشّام وأرض سبأ على تلك الصفة. قوله تعالى: ﴿وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ؛﴾ أي جعلنا القرى مواصلة بقدر السّير المتّصل على قدر المقيل والمبيت من قرية إلى قرية، أنعمنا عليهم في مسيرهم كما أنعمنا عليهم في مساكنهم، فقلنا لهم: ﴿سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيّاماً؛﴾ إن شئتم باللّيالي وإن شئتم بالأيّام، ﴿آمِنِينَ﴾ (١٨)؛من الظّلم والجوع والعطش وعن جميع ما يخاف في الطريق.

стр. 2227

ومعنى الآية: ﴿(وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ)﴾ من القرية إلى القرية مقدارا واحدا، نصف يوم، وقلنا لهم: ﴿(سِيرُوا فِيها)﴾ في تلك القرى، ﴿(لَيالِيَ وَأَيّاماً)﴾؛ليلا شئتم السير أو نهارا ﴿(آمِنِينَ)﴾ من الجوع والعطش والسّباع والتّعب ومن كلّ خوف. ثم إنّهم بطروا النعمة، وسألوا أن تكون القرى والمنازل بعضها أبعد من بعض، ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا؛﴾ أي اجعل بيننا وبين الشّام فلوات ومفاوز لنركب عليها الرّواحل ونتزوّد الأزواد (١)،ذلك أنّهم قالوا لو كانت ثمارنا أبعد مما هي لكان أجدر أن نشتهيها، فاجعل بين منازلنا وبين مقصدنا المفاوز. ويقال: كانت هذه المسألة من تجّارهم ليربحوا في أموالهم. قرأ ابن كثير وأبو عمرو «(بعّد)» على وجه الدّعاء. وقرأ ابن الحنفيّة ويعقوب «(ربّنا)» برفع الباء «(باعد)» بألف وفتح العين والدلالة على الخبر، استبعدوا أسفارهم بطرا منهم وأشرا. وقرأ الباقون ﴿(رَبَّنا)﴾ بفتح الباء و ﴿(باعِدْ)﴾ بالألف وكسر العين وجزم الدّال على الدّعاء. وقد قرئ «(بعد)» بضمّ العين و «(بين)» بالرفع؛ أي بعد ما يتّصل بسفرنا. قوله تعالى: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ؛﴾ يعني بترك الشّكر والطاعة، وقيل: بالكفر، ﴿فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ؛﴾ لمن بعدهم يتحدّثون بأمرهم وشأنهم، ولم يبق منهم ولا من ديارهم أثر. وقوله تعالى: ﴿وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ؛﴾ أي فرّقناهم في البلاد المختلفة كلّ تفريق، وذلك أنّهم شرّدوا في البلاد، وصاروا بحيث يتمثل بهم العرب يقولون: تفرّق القوم أيدي سبأ وأيادي سبأ. قال الشعبيّ: (أمّا غسّان فلحقوا بالشّام، وأمّا الأنصار فلحقوا بيثرب، وأمّا خزاعة فلحقوا بتهامة، وأمّا الأزد فلحقوا بعمان) (٢) وكانت غسّان ملوك الشّام. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ؛﴾ أي فيما فعل بسبإ ﴿لَآياتٍ؛﴾ لعبر ودلالات ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ،﴾ عن معاصي الله، ﴿شَكُورٍ﴾ (١٩)؛لأنعمه.

стр. 2228

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢٠)؛قرأ أهل الكوفة ﴿(صَدَّقَ)﴾ بالتشديد؛ أي ظنّ فيهم ظنّا حيث قال: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١) ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ (٢) فصدّق ظنّه وحقّقه بفعله ذلك واتّباعهم إيّاه. وقرأ الآخرون «(صدق)» بالتخفيف؛ أي صدق عليهم في ظنّه بهم. وقوله تعالى ﴿(عَلَيْهِمْ)﴾ أي على أهل سبأ، وقال مجاهد: على النّاس كلّهم إلاّ من أطاع الله ﴿(فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)﴾ وهم الّذين قال الله تعالى فيهم ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ (٣). وقيل: إن إبليس لمّا وسوس إلى آدم وعملت فيه وسوسته، طمع في ذرّيته؛ فقال: إنّه مع فضله وعقله، وعملت فيه وسوستي؛ فكيف لا تعمل في ذرّيته؟ فأخبر الله في هذه الآية: أنّ القوم اتبعوه فصدّقوا ظنّه، إلاّ طائفة من المؤمنين لم يتّبعوه في شيء. وقيل: إن إبليس لمّا سأل النّظرة فأنظره الله تعالى قال: لأضلّنّهم ولأمنّينّهم ولأموّهنّهم (٤)،ولم يكن في وقت هذه المقالة مستيقنا، وإنّما قال ظنّا منه، فلما اتّبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنّه فيهم. وقوله تعالى: ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ؛﴾ أي ما كان لإبليس عليهم من حجّة ولا نفاذ أمر إلاّ بالتّزيين والوسوسة. وقوله: ﴿إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ؛﴾ أي ما كان تسليطنا إياه عليهم إلاّ لنعلم المؤمنين من الشاكرين. والمعنى: ما سلّطناه عليهم إلاّ لنعلم إيمان المؤمن ظاهرا وكفر الكافر ظاهرا، وقد يذكر العلم ويراد به الإظهار. وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (٢١)؛أي عالم بكلّ شيء من الإيمان وشكّ وغير ذلك.

стр. 2229

قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي قل لكفّار مكّة: ادعوا الّذين زعمتم أنّهم آلهة من دون الله، قال مقاتل: (أي ادعوهم ليكشفوا عنكم الضّرر الّذي نزل بكم في سنين الجوع). وقيل: معناه: ادعوا الذين زعمتم أنّهم آلهة لكم لكي يرزقوكم ويدفعوا عنكم الشدائد، ثم إنّهم لا يملكون مثقال ذرّة؛ أي لم يخلقوا زنة ذرّة في السّماوات ولا في الأرض، فمن أين يستحقّون العبادة؟! وقوله تعالى: ﴿وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ؛﴾ أي ما لهم في السّماوات والأرض من شرك في خلقهما، وقوله تعالى: ﴿وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ (٢٢)؛ أي وما الله تعالى منهم من معين فيما خلق. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ؛﴾ أي ولا تنفع شفاعة ملك مقرّب ولا نبيّ ولا أحد حتى يأذن الله له في الشّفاعة. وهذا تكذيب من الله لهم حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف «(أذن)» بضمّ الألف، وقرأ غيرهم بالفتح، فمن فتح كان المعنى لمن أذن الله له في الشّفاعة، وكذلك من قرأ بالضمّ لأنّ الآذن هو الله تعالى في القراءتين جميعا. قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٢٣)؛قرأ ابن عامر ويعقوب: «(فزّع)» بفتح الفاء والزاي، وقرأ غيرهما بضمّ الفاء وكسر الزاي. والمعنى: حتى إذا كشف الفزع والجزع عن قلوبهم. ومن قرأ بالفتح فالمعنى: حتّى إذا كشف الله الفزع عن قلوبهم. واختلفوا في هذه الكتابة والموصوفين بهذه الصّفة، من هم؟ ومن النّصب الذي من أجله فزّع عن قلوبهم؟ فقال قوم: هم الملائكة. واختلفوا في سبب ذلك، فقال بعضهم: إنّما فزّع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماع كلام الله .

стр. 2230

قال عبد الله بن مسعود: (إذا تكلّم الله تعالى بالوحي، سمع أهل السّماء صلصلة مثل صلصلة السّلسلة على الصّفوان، فيصعقون لذلك ويخرّون سجّدا، فإذا علموا أنّه وحي فزّع عن قلوبهم فتردّ إليهم، فينادي أهل السّماوات بعضهم بعضا: ﴿(ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)﴾ (١). وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [إنّ الله تعالى إذا تكلّم بالوحي، سمع أهل السّماء صلصلة كجرّ السّلسلة على الصّفا، فيصعقون فلا يزالون كذلك حتّى يأتيهم جبريل، فيقولون له: ماذا قال ربّك؟ قال: يقول الحقّ] (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا قضى الله الأمر في السّماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضوعا لقوله، كأنّه سلسلة على صفوان، فإذا فزّع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربّكم؟ قالوا: الحقّ] (٣). وقال ﷺ : [إذا تكلّم الله بالوحي، أخذت السّماوات منه رجفة أو رعدة شديدة خوفا من الله تعالى، فإذا سمع ذلك أهل السّماوات صعقوا وخرّوا سجّدا، فيكون أوّل من رفع رأسه جبريل ﵇، فيكلّمه الله من وحيه بما أراد، ثمّ يمرّ جبريل بالملائكة، فكلّما مرّ بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربّنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العليّ الكبير، فيقول مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي حيث أمر الله] (٤).

стр. 2231

وقال مقاتل والكلبيّ: (لمّا كانت الفترة بين عيسى ومحمّد ﷺ خمسمائة وخمسون عاما، فلمّا بعث الله محمّدا ﷺ كلّم الله تعالى جبريل بالرّسالة إلى محمّد ﷺ ، فسمعت الملائكة الصّوت بالوحي، فظنّوا أنّها القيامة قامت، فصعقوا ممّا سمعوا، فلمّا انحدر جبريل بالرّسالة، جعل أهل كلّ سماء يسألونه على وجه التّعرّف بعد ما انكشف الفزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربّكم؟ قال جبريل ومن معه: قال الحقّ) (١). وقيل: لمّا سمعت الملائكة الوحي صعقوا فخرّوا سجّدا ظانّين أنّها القيامة، فلما نزل جبريل بالوحي انكشف فزعهم فرفعوا رءوسهم، وقال بعضهم لبعض: ﴿(ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا الْحَقَّ)﴾ يعني الوحي ﴿(وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)﴾ أي الغالب القاهر السيّد المطاع الكبير العظيم، فلا شيء أعظم منه. وقرأ الحسن «(حتّى إذا فزع عن قلوبهم)» بالعين المعجمة والزّاي بمعنى فزعت قلوبهم من الفزع، وذهب بعض المفسّرين إلى أنّ قوله ﴿(حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ)﴾ راجع إلى المشركين، فإنّهم إذا شاهدوا أهوال يوم القيامة غشي عليهم، فيزيل الله ذلك عن قلوبهم، ثم تقول لهم الملائكة: ماذا قال ربّكم في الدّنيا والآخرة؟ فيقولون: الحقّ، فأقرّوا حين لا ينفعهم الإقرار. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ؛﴾ أي قل يا محمّد لكفّار مكّة: من يرزقكم من السّماوات المطر، ومن الأرض النبات والثمر؟ وإنّما أمر بهذا السّؤال احتجاجا عليهم؛ لأنّ الذي يرزق هو المستحقّ للعبادة لا غيره، وذلك أنه إذا استفهمهم عن الرّزق لم يمكنهم أن يبيّنوا رازقا غير الله، فيتحيّروا في الجواب فيؤمر النّبيّ ﷺ بالجواب، فيقول لهم: إنّ الذي يرزقكم هو الله ، وثمّ الكلام.

стр. 2232

ثم أمر بأن يخبرهم أنّهم على الضّلال بعبادة غير الله تعالى بقوله تعالى: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢٤)؛وهذا على وجه الإنصاف في الحجّة لاستمالة قلوبهم، كما يقول القائل من المسارعين: أحدنا كاذب؛ وهو يعلم أنّه صادق وصاحبه كاذب. والمعنى: ما نحن وأنتم إلاّ على أمر واحد؛ أحد الفريقين مهتد والآخر ضالّ، فالنبيّ ﷺ ومن اتّبعه على الهدى، ومن خالفه في ضلال مبين. قوله تعالى: ﴿قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٢٥) أي قل يا محمّد للكفّار لا تؤاخذون بجرمنا، ولا نؤاخذ بجرمكم، فانظروا لأنفسكم واعلموا أنّ حرصنا على إيمانكم لا ينفعكم، وهذا على وجه التّبرّؤ منهم ومن كفرهم. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا؛﴾ يعني بعد البعث في الآخرة في المحشر، ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ؛﴾ أي ثم يقضي بيننا ويحكم بيننا بالعدل، ﴿وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ﴾ (٢٦)؛أي وهو القاضي العليم بما يقضي. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاّ؛﴾ أي قل لهم أروني الّذين ألحقتموهم بالله تعالى وجعلتموهم شركاء الله في العبادة؛ هل لهم قدرة على الخلق والأمر، وهل يرزقون ويخلقون؟ وقوله تعالى ﴿(كَلاّ)﴾ كلمة ردع وزجر؛ أي ارتدعوا عن مقالتكم وانزجروا؛ فإنّكم لا تقدرون أن تجعلوا لله شركاء، ﴿بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢٧)؛أي المنيع الغالب لكلّ شيء (١)،الحكيم في تدبيره لخلقه، فأنّى يكون له شريك في ملكه. وقيل: معناه: قل أروني الذين ألحقتموهم بالله في العبادة شركاء هل يرزقون ويخلقون؟ كلاّ؛ لا يرزقون ولا يخلقون، بل الذي يخلق ويرزق هو الله العزيز في ملكه، الحكيم في أمره. قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً؛﴾ أي ما أرسلناك يا محمّد إلاّ للناس كافّة أي كلّهم، أحمرهم وأسودهم. وقيل: معناه: إلاّ

стр. 2233

مانعا للناس من الكفر والضّلال، والكفّ على هذا هو المنع. وأدخلت الهاء هاهنا للمبالغة كالرّواية والعلامة، ﴿(بَشِيراً)﴾ بالخير لمن أطاع الله، ﴿(وَنَذِيراً)﴾ أي ومخوّفا بالنار لمن كفر بالله، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٨)؛يعني كفّار مكّة لا يتدبّرون القرآن، فلو تدبّروا لعلموا. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ؛﴾ أي يقول الكفّار: متى هذا الوعد الذي تخوّفونا به من البعث والعذاب، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٩)؛ في مقالتكم، ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٣٠)؛ أي قل لبعثكم وعذابكم ميقات يوم لا يؤخّر عن وقت الوعد ولا يقدّم وهو يوم القيامة. قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ؛﴾ أي قال الكفّار: لن نؤمن بصدق هذا القرآن ولا بالّذي بين يديه من أمر الآخرة، والنشأة الثانية. وقيل: معنى ﴿(وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)﴾ يعنون التّوراة والإنجيل، وذلك: أنّه لمّا قال مؤمنو أهل الكتاب: إنّ صفة محمّد ﷺ في كتابنا وهو نبيّ مبعوث، كفر أهل مكّة بكتابهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا؛﴾ أي ولو ترى يا محمّد مشركي مكّة محبوسون في المحشر للحساب يوم القيامة، يتجاوبون فيما بينهم يردّ بعضهم على بعض القول في الجدال، ويحمل كلّ واحد منهم الذنب على صاحبه، فيقول الأتباع لرؤسائهم: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ؛﴾ ودعاؤكم إيّانا إلى الكفر، ﴿لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ (٣١)؛كغيرنا، بل أنتم منعتمونا وصددتمونا عن الإيمان. فأجابهم رؤساؤهم على وجه الإنكار: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ (٣٢) باختياركم الكفر على الإيمان.

стр. 2234

فقال الأتباع للرّؤساء: ﴿وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً؛﴾ قال الأخفش: (اللّيل والنّهار لا يمكران بأحد، ولكن يمكر فيهما، وهذا كقوله ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ (١) وهذا من سعة العربيّة) (٢). والمعنى: بل مكركم بنا في الليل والنهار إذ تأمروننا، وكذلك يقال: فلان نهار صائم وليله قائم، وقال الشّاعر: (ما ليل المطي بنائم) (٣).ومثله قوله تعالى: ﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ (٤).وقيل: مكر اللّيل والنهار بهم طول السّلامة فيهما، كقوله ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٥). قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ؛﴾ أي أضمروها في أنفسهم؛ لأن موضع النّدامة القلب. وقيل: أظهروها فيما بينهم، أقبل بعضهم يلوم بعضا، ويعرض بعضهم بعضا الندامة، وهذا من ألفاظ الأضداد، يقال: أسرّ إذا كتم، وأسرّ إذا أظهر. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ أي غلّت أيمانهم إلى أعناقهم، ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣٣)؛من الشّرك في الدّنيا. قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها؛﴾ أي ما أرسلنا في أهل قرية من رسول إلاّ قال رؤساؤها وأعيانها وأولو النّعمة فيها: ﴿إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ؛﴾ من الإيمان والتّوحيد، ﴿كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا؛﴾ للرّسل:

стр. 2235

﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً؛﴾ فكما فضّلنا عليكم في الدّنيا لن نعذب بذنوبنا في الآخرة! افتخر مشركوا مكّة على رسول الله والمؤمنين بأموالهم وأولادهم، وظنّوا أنّ الله إنّما خوّلهم المال والولد كرامة لهم عنده، فقالوا ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (٣٥)؛أي إنّ الله أحسن إلينا بالمال والولد فلا يعذّبنا! فقال الله تعالى لنبيّه ﵇: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ؛﴾ يعني أنّ بسط الرزق وتضييقه من الله تعالى بفعله ابتلاء وامتحانا، ولا يدلّ البسط على رضا الله تعالى، ولا التضييق على سخطه، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٦)؛يعني أهل مكّة لا يعلمون حين ظنّوا أنّ أموالهم وأولادهم دليل على كرامة الله لهم. قوله تعالى: ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ؛﴾ أي ليست كثرة أموالكم ولا أولادكم ب الخصلة ﴿بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى؛﴾ أي بالتي تقرّبكم إلى الثواب والكرامة قربة. وقيل: معناه: بالّتي تقرّبكم عندنا قربى. قال الأخفش: ﴿(زُلْفى﴾: اسم المصدر؛ كأنّه أراد: بالّتي تقرّبكم عندنا تقريبا) (١). ﴿إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً؛﴾ بصرف المال في وجوه الخير، وبصرف الأولاد في طاعة الله تعالى. وقيل: معناه: إلاّ من آمن وعمل صالحا فإنّ إيمانه وعمله يقرّبه منّي. وقوله تعالى: ﴿فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا؛﴾ أي لهم الجزاء المضاعف على حسناتهم بالحسنة الواحدة عشرا، ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ؛﴾ الجنّة، ﴿آمِنُونَ﴾ (٣٧)؛من كلّ آفة ومكروه. والغرفة: هي البيوت فوق الأبنية. قرأ حمزة «(وهم في الغرفة)» على الواحدة، لقوله ﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ (٢)، وقرأ الباقون ﴿(فِي الْغُرُفاتِ)﴾ على الجمع، لقوله ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً﴾ (٣)،وقرأ

стр. 2236

يعقوب «(فأولئك لهم جزاء)» بالنصب منوّنا «(الضّعف)» بالرفع تقديره: فأولئك لهم الضعف جزاء على التقدير والتأخير. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ؛﴾ أي يسعون في دلائل التوحيد والنبوّة معاندين، يحسبون أنّهم يفوتوننا ويعجزوننا، ﴿أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ (٣٨)؛أي محبوسون. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ؛﴾ قد تقدّم تفسيره. وقوله تعالى: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ؛﴾ أي ما أنفقتم من مال في غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه في الدّنيا بالعوض، وفي الآخرة بالحسنات والدّرجات. وقوله تعالى ﴿(فَهُوَ يُخْلِفُهُ)﴾ لكم أو عليكم، يقال: أخلف الله له وعليه؛ إذا أبدل الله له ما ذهب عنه، وعن رسول الله ﷺ أنّه قال: [من فقه المراد فقه في معيشته] (١). وقال الكلبيّ: (معناه: وما أنفقتم في الخير والبرّ فهو يخلفه، إمّا أن يعجّله في الدّنيا، وإمّا أن يدّخر له في الآخرة) (٢).وعن سعيد بن بشّار قال: قال رسول الله ﷺ : [ما من يوم يصبح العباد فيه إلاّ وملكان أحدهما يقول: اللهمّ أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهمّ أعط ممسكا تلفا] (٣).وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ (٣٩)؛أي وهو خير المخلفين، وإنّما خير الرّازقين لأنه قد يقال: رزق السّلطان الجند.

стр. 2237

قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً؛﴾ يعني المشركين، ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ (٤٠)؛هذا استفهام توبيخ للعابدين كقوله تعالى لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (١).فنزّهت الملائكة ربّهم عن الشّرك و ﴿قالُوا سُبْحانَكَ؛﴾ تنزيها لك مما أضافوا إليك من الشّركاء، ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ؛﴾ أي ما اتّخذناهم عابدين، ولا تولّيناهم ولسنا نريد غيرك وليّا، وأنت العالم بأمورنا وافترائهم علينا، كنّا نواليك ولا نواليهم، ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ (٤١)،أي أطاعوا الشّياطين في عبادتهم إيّانا؛ لأن الشياطين كانت دعوتهم إلى ذلك، فكان أكثرهم بالشّياطين مؤمنين. قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا؛﴾ أي يقال لهم: اليوم لا يقدر بعضكم لبعض جرّ نفع ولا دفع ضرّ، ﴿وَنَقُولُ،﴾ خزنة النار بأمر الله، ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ (٤٢) في الدّنيا. قوله تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ؛﴾ معناه: إذا يقرأ على أهل مكّة آياتنا وهي القرآن واضحات الحجج، ﴿قالُوا ما هذا؛﴾ يعنون محمّدا ﷺ ﴿إِلاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاّ إِفْكٌ مُفْتَرىً،﴾ وقالوا: ما هذا الذي أتانا به إلاّ كذب مفترى؟ يعنون القرآن، ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ؛﴾ وهو القرآن: ما هذا القرآن؟ ﴿إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٤٣). قوله تعالى: ﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ (٤٤)؛أي ما آتينا أهل مكّة من كتب يقرءونها. والمعنى: من أين كذبوك، ولم يأتهم كتاب ولا نذير بهذا الذي فعلوه، وما أرسلنا إليهم قبلك يا محمّد من رسول.

стр. 2238

ثم خوّفهم وأخبر عن عاقبة من كذب قبلهم فقال: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ يعني أمم كافرة، ﴿وَما بَلَغُوا؛﴾ يعني أهل مكّة، ﴿مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ؛﴾ أي ما بلغ هؤلاء الذين أرسلت إليهم عشر ما أوتي الأمم قبلهم من القوّة والعدّة، ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ (٤٥)؛فانظر كيف كان إنكاري عليهم وتعذيبي لهم، أليسوا مهلكين بالعذاب إذ لم يؤمنوا به معشار. والعشر والعشير جزء من عشرة. قال ابن عبّاس: (المعنى: وما بلغ قومك معشار ما آتيناهم من القوّة وكثرة المال وطول العمر فأهلكهم الله) (١). قوله تعالى: ﴿*قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ؛﴾ أي آمركم وأوصيكم بخصلة واحدة وهي: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى؛﴾ أي تقوموا لله اثنين اثنين وواحدا واحدا، ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا،﴾ فيناظروا ويذكّروا في أمر النبيّ ﷺ (٢)،هل ترون في فعله وقوله ودعائه إلى توحيد الله ما يكون من كلام المجانين وأفعالهم، وهو كلام عالم حازم؟ قال مقاتل: (والمعنى: ألا يتفكّر منكم واحد ومع صاحبه ينظروا أنّ خلق السّماوات والأرض دليل على أنّ خالقها واحد لا شريك له) (٣). قوله تعالى: ﴿ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ؛﴾ وذلك أنّ المشركين قالوا: إنّ محمّدا ﷺ ساحر مجنون! فقال الله تعالى: ﴿(ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ)﴾ وما صاحبكم بمجنون، فعلى هذا المعنى يكون قوله ﴿(ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ)﴾ ابتداء كلام من الله تعالى، ويجوز أن يكون المعنى: ثم تتفكّروا فتعلموا بطلان قولكم في نسبته إلى الجنون. وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ؛﴾ أي ما هو إلاّ رسول مخوّف، ﴿بَيْنَ﴾

стр. 2239

﴿يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ (٤٦)؛أي بين يدي القيامة لكي تخلّصوا أنفسكم من عذاب الله بالتّلافي والتّوبة. قوله تعالى: ﴿قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ؛﴾ معناه: قل لهم يا محمّد: ما سألتكم على تبليغ الرّسالة أجرا فتتّهموني، وقوله تعالى ﴿(فَهُوَ لَكُمْ)﴾ هذا الرجل يقول لغيره: ما أعطيتني فخذه، يريد بذلك لم يعطه شيئا، وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ؛﴾ أي ما ثوابي إلاّ على الله، ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؛﴾ من أعمال العباد ﴿شَهِيدٌ﴾ (٤٧). قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ (٤٨)؛القذف: هو الرّمي بألسنتهم والحصى والكلام، قال الكلبيّ: (فمعنى الآية: قل إنّه يأتي بالحقّ؛ أي يتكلّم بالوحي وهو القرآن يلقيه إلى نبيّه ﵇.والمعنى: قل إنّ ربي ينزل الوحي من السّماء فيقذفه ويلقيه إلى الأنبياء ﵈، وقوله تعالى ﴿(عَلاّمُ الْغُيُوبِ)﴾ ظاهر المعنى. قوله تعالى: ﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ؛﴾ يعني الإيمان والقرآن؛ أي ظهر الإسلام والقرآن، ﴿وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾ (٤٩)؛معناه: ذهب الباطل وزهق، فلم يبق له بقيّة يبدئ بها ولا يعيد. قال الحسن: (﴿الْباطِلُ﴾:كلّ معبود سوى الله، فإنّ كلّ معبود سوى الله لا يبدئ لأهله خيرا في الدّنيا، ولا يعيد بخيره في الآخرة).فقال قتادة: (الباطل إبليس؛ أي ما يخلق إبليس أحدا ولا يبعثه) (١). ويجوز أن يكون هذا استفهاما، كأنّه قال: وأيّ شيء يبدئ الباطل؟ وأيّ شيء يعيده؟ وعن ابن مسعود قال: دخل رسول الله ﷺ مكّة وحول الكعبة ثلاثمائة وستّون صنما، فجعل يطعنها بعود معه ويقول: [جاء الحقّ وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقا، جاء الحقّ وما يبدئ الباطل وما يعيد] (٢) أي ذهب الباطل بحيث لا يبقى

стр. 2240

له بقيّة، لا إقبال ولا إدبار ولا إبداء ولا إعادة كما قال تعالى ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ (١).ويقال: فلان ظهرت عليه الحجّة، فما يبدئ وما يعيد، وما يحل وما يمرّ. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي؛﴾ وذلك أنّ كفار مكّة قالوا للنّبيّ ﷺ : لقد ضللت حين تركت دين آبائك! فقال الله تعالى ﴿(قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي)﴾ أي ضرر ذلك راجع إلى نفسي، ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ؛﴾ إلى الحقّ، ﴿فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي؛﴾ من القرآن والبيان، ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ؛﴾ لكلّ ما يقوله الخلق من حقّ وباطل، ﴿قَرِيبٌ﴾ (٥٠)؛منّي، لا تخفى عليه خافية. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ؛﴾ ولو ترى يا محمّد الكفّار، يعني عند البعث، فلا يمكنهم الغوث ولا الهرب من ما هو نازل بهم، لرأيت ما يعتبر به غاية الاعتبار. ومعنى الآية: ﴿(وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا)﴾ عند البعث فلا يفوتونني؛ أي لا يفوتني أحد ولا ينجوا منّي ظالم. وقوله تعالى: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ (٥١)؛يعني من القبور حيث كانوا، فهم من الله قريب لا يبعدون عنه ولا يفوتونه. تعني هذه الآية؛ قال بعضهم: أراد بقوله ﴿(إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ)﴾ مما أصابهم يوم بدر عند القتال. وقال بعضهم: أراد به يوم القيامة إذ فزعوا من مشاهدة عذاب جهنّم، وعلموا أنّهم لا يفوتون لله، وأخذوا بالعذاب من مكان قريب إلى جهنّم فقذفوا فيها. ﴿وَقالُوا،﴾ عند رؤية العذاب: ﴿آمَنّا بِهِ،﴾ أي آمنّا بالله تعالى وبرسوله، يقول الله تعالى: ﴿وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ (٥٢)؛أي أين لهم تناول ما أرادوا بلوغه من مكان بعيد، يعني من الآخرة وقد تركوه في الدّنيا؟ يعني أنّهم قد تعذر عليهم تناول الإيمان كما يتعذر على الإنسان تناول النّجوم.

стр. 2241

والتّناوش هو التّناول، نشته أنوشه نوشا، إذا تناوله، كأنّه قال: وأنّى لهم التوبة. وقيل: ما يتمنّون. قال ابن عبّاس: (يتمنّون الرّدّ حين لا ردّ) (١). قرأ أبو عمرو والأعمش وحمزة والكسائيّ وخلف: «(التّناؤش)» بالمدّ والهمزة، وهو الإبطاء والبعد؛ أي من أين لهم أن يتحرّكوا فيما لا حيلة لهم فيه. يقال: أنشت الشّيء؛ إذا أخذته من بعيد، والنّيش: الشيء البطيء. وقرأ الباقون بغير همزة من التّناول، يقال: نشته إذا تناولته، وتناوش القوم في الحرب إذا تدانوا وتناول بعضهم بعضا. واختار أبو عبيد ترك الهمز؛ لأنه قال: (معناه من التّناول، فإذا همز كان معناه البعد فكيف يقول: ﴿أَنّى لَهُمُ﴾ البعد من مكان بعيد) (٢).قوله تعالى: ﴿(مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ)﴾ يعني أنّهم يريدون أن يتناولوا التوبة، وقد صاروا في الآخرة، وإنّما تقبل التوبة «في الدنيا» (٣) وقد ذهبت الدّنيا فصارت بعيدا من الآخرة. قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ؛﴾ أي كانوا كافرين بمحمّد ﷺ والقرآن في الدّنيا قبل ما عاينوا من العذاب وأهوال (٤) القيامة. قوله تعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ (٥٣)؛أي ينسبون محمّدا ﷺ إلى السّحر والجنون والكهانة رجما منهم بالغيب والقذف. والرّجم بالغيب: أن يلفظ الإنسان شيئا لا يتحقّق، ومنه سمّي الرمي بالفاحشة قذفا. ومعنى قوله تعالى ﴿(بِالْغَيْبِ)﴾ أن يقذفون محمّدا ﷺ بالظّنّ لا باليقين، والغيب على هذا الظّنّ، وهو ما غاب علمه عنهم (٥).وقوله تعالى ﴿(مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ)﴾ يعني

стр. 2242

بعدهم عن الحقّ. وقال قتادة: (معنى ﴿(وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ)﴾ يقولون: لا بعث ولا جنّة ولا نار) (١). قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ:﴾ أي حيل بين هؤلاء الكفّار وبين الرّجعة إلى الدّنيا، وقال الحسن: (معناه: حيل بينهم وبين الإيمان والتّوبة) (٢)، ﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ؛﴾ أي كما فعل بنظرائهم أو أشياعهم، ومن كان على مثل حالهم من الكفّار، ﴿مِنْ قَبْلُ،﴾ أي قبل هؤلاء، ﴿إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ؛﴾ من البعث ونزول العذاب بهم، ﴿مُرِيبٍ﴾ (٥٤)،أي ظاهر الشّكّ. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [من قرأ سورة سبأ لم يبق رسول ولا نبيّ إلاّ كان له يوم القيامة رفيقا ومصافحا] (٣). آخر تفسير سورة (سبا) والحمد لله رب العالمين.

стр. 2243

سورة الملائكة (فاطر) سورة الملائكة مكّيّة كلّها، وهي ألف ومائة وثلاثون حرفا، وسبعمائة وسبعون كلمة، وخمس وأربعون آية. قال ﷺ : [من قرأها دعته يوم القيامة ثمانية أبواب الجنّة يدخل من أيّ الأبواب شئت] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي خالقهما، مبتدئا من غير مثال سبق، قال ابن عبّاس ﵄: (ما كنت أعرف ما معنى فاطر حتّى اختصم إليّ أعرابيّان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها؛ أي بدأتها) (٢). قوله تعالى: ﴿جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً؛﴾ قال بعضهم: أراد به الملائكة كلّهم، فإنّهم كلّهم رسل الله بعضهم إلى بعض وبعضهم إلى الإنس، وقال بعضهم: أراد بذلك جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت والحفظة، يرسلهم إلى النبيّين وإلى ما شاء من الأمور. قوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ؛﴾ صفة الملائكة أي ذوي أجنحة، ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ،﴾ منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، اختارهم الله تعالى لرسالته من حيث علم أنّهم لا يبدّلون.

стр. 2244

وقوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ؛﴾ أي يزيد في أجنحة الملائكة ما يشاء، فمنهم من له مائة ألف جناح، ومنهم من له أكثر، وعن ابن عبّاس ﵄؛ قال: [رأى النّبيّ ﷺ جبريل ليلة المعراج وله ستّمائة جناح] (١). وعن ابن شهاب قال: (سأل رسول الله ﷺ أن يتراءى له في صورته، فقال له جبريل: إنّك لن تطيق ذلك يا رسول الله، قال: [إنّي أحبّ أن تفعل] فخرج رسول الله ﷺ إلى المصلّى في ليلة مقمرة، فأتاه جبريل في صورته، فغشي على النّبيّ ﷺ حين رآه، ثمّ أفاق وجبريل مسنده (٢) إليه واضع إحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه. فقال النّبيّ ﷺ : [سبحان الله ما كنت أرى شيئا من الخلق هكذا] فقال جبريل ﵇: كيف لو رأيت إسرافيل يا رسول الله؟! له اثنا عشر جناحا، جناح بالمشرق وجناح بالمغرب والعرش على كاهله) (٣). وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (إنّ لله تعالى ملكا يسع البحار كلّها في نقرة إبهامه) (٤).وقيل: معنى قوله ﴿(يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ)﴾ يعني حسن الصّوت، كذلك قال الزهريّ (٥)،وقال قتادة: (هي الملاحة في العينين والشّعر الحسن والوجه الحسن والخطّ الحسن) (٦).

стр. 2245

وقوله تعالى ﴿(وَثُلاثَ وَرُباعَ)﴾ في موضع خفض؛ لأنه لا يتصرّف. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١)؛أي قادر على ما يزيد على الزيادة والنّقصان. قوله تعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها؛﴾ أي ما يرسل الله إلى الناس من رسول فلا مانع له، وذلك لأن إرسال الرسول من الله تعالى رحمة لعباده كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (١). وقيل: أراد بالرحمة هاهنا المطر والرزق والعافية وجميع النّعم، ما يفتح الله من ذلك فلا مانع له، ولا يستطيع أحد من الخلق حبسه ولا إمساكه، وقوله تعالى: ﴿وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ؛﴾ أي وما يمسك الله من ذلك فلا يقدر أحد على إرساله، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)؛أي العزيز فيما أمسك، الحكيم فيما أرسل. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ؛﴾ يعني أهل مكّة اذكروا نعمة الله عليكم إذ أسكنكم الحرم ومنعكم من الغارات، ﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ؛﴾ هذا استفهام، ومعناه التوبيخ؛ أي لا خالق سواه. وقوله تعالى: ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي من السّماء بإنزال المطر ومن الأرض بإخراج النبات، ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٣)؛أي فأنّى تصرفون عن الإله الذي هذه صفته إلى معبود لا يقدر على شيء. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ؛﴾ في هذه الآية تسلية للنبيّ ﷺ لئلاّ يجزع على تكذيب قومه، ويصبر كما صبر على تكذيب الأمم الرسل، ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ؛﴾ عواقب ﴿الْأُمُورُ﴾ (٤)؛في مجازاة المكذّبين ونصرة المسلمين. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ؛﴾ معناه إن الذي وعده الله المجازاة والبعث بعد الموت حقّ كائن، ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا؛﴾ بزينتها
следующие страницы →