قوله تعالى: ﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ؛﴾ أي تعظّموا عن الإيمان بنبيهم وأعجبتهم أجسامهم، ﴿وَقالُوا؛﴾ لنبيّهم: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً؛﴾ بالبدن فيهلكنا، وذلك أنّ هودا ﵇ خوّفهم وهدّدهم بالعذاب، فقالوا:
نحن نقدر على دفعه بفضل قوّتنا، وكانت لهم أجسام طويلة وخلق عظيم، فلما أتتهم الريح قاموا ليصدّون عنهم فحملتهم إلى عنان السّماء ثم صرعتهم على وجوههم ثم ألقت عليهم الرّمل حتى غطّتهم، وكان يسمع أنينهم تحت التّراب حتى أهلكهم الله.
فلمّا قالوا لنبيّهم: ﴿(مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً)﴾ قال الله تعالى ردّا عليهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً؛﴾ لأن الخالق للشّيء لا بدّ أن تكون له مزية على خلقه، ﴿وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ (١٥)؛أي يكفرون.
قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً؛﴾ أي عاصفا شديد الصّوت، مأخوذ من الصّرّة وهي الصيحة، وقال ابن عبّاس: (يعني الباردة، مأخوذ من الصّرّ وهو البرد).قال الفرّاء: (هي الباردة تحرق كما تحرق النّار) (١) وهي ريح باردة شديدة الهبوب، ذات صوت تحرق كالنّار.
وقوله تعالى: ﴿فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ؛﴾ أي نكدات مشئومات عليهم، ذات نحوس، قال ابن عبّاس: (كانوا يتشاءمون بتلك الأيّام).قرأ ابن عامر وأهل الكوفة ﴿(نَحِساتٍ)﴾ بكسر الحاء، وقرأ الباقون بسكونها، يقال: يوم نحس ونحس.
قوله تعالى: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ أي عذاب الهون والذّلّ وهو العذاب الذي يخزون به، والخزي والفضيحة والنّكال كلّه بمعنى واحد، ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ (١٦)،وعذاب الآخرة أبلغ في المذلّة وأبقى وأشدّ، لا يدفع عنهم ولا يخفّف عنهم.
قوله تعالى: ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى؛﴾ أي وأمّا ثمود فبيّنّا لهم سبيل الهدى ودعوناهم ودللناهم على الخير بإرسال الرّسل، فاختاروا
стр. 2417
الكفر على الإيمان بعد أن أريناهم الأدلّة وأخرجنا لهم ناقة عشراء من صخرة ملساء، ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ؛﴾ أي ذي الهوان، ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٧)،بكفرهم وعقرهم الناقة،
﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ بصالح، ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ (١٨)؛الشّرك والكبائر.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ إِلَى النّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (١٩)؛ قرأ نافع ويعقوب «(نحشر)» بنون مفتوحة وضمّ الشّين، ونصب «(أعداء)»،وقرأ الباقون ﴿(يُحْشَرُ)﴾ بالياء المضمومة ورفع ﴿(أَعْداءُ)﴾.ومعنى الآية: وأنذرهم يوم يجمع أعداء الله ويساقون إلى النار بالعنف، وقوله تعالى ﴿(فَهُمْ يُوزَعُونَ)﴾ أي يحبس أوّلهم على آخرهم ليتلاحقوا ثم يقذفون في النار.
وقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا ما جاؤُها؛﴾ أي حتّى إذا جاءوا النار التي لم يقذفوا (١) ثم يقذفون في النار. قوله تعالى: حشر أعداء الله حبسوا عندها وهم يعاينونها، ويقال لهم: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون، فيجحدون ويقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، فعند ذلك يختم على أفواههم وتستنطق جوارحهم ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ؛﴾ وكلّ عضو من أعضائهم بما ارتكبوا من الكفر والمعاصي.
قوله تعالى: ﴿وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢٠)؛قال ابن عبّاس: (يريد فروجهم، كنّى عنها بالجلود) (٢).وقيل: الجلود الجوارح،
﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ،﴾ فيقول الكفّار لجلودهم بعد ما يردّ النطق إلى ألسنتهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا؛﴾ وعملتم على هلاكنا، ﴿قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ؛﴾ وتمّ الكلام.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢١)؛أي ليس إنطاقه الجلود أبدع من خلقه إيّاكم ابتداء وإعادة بعد الموت، وليس هذا من كلام الجلود.
стр. 2418
قوله تعالى: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ؛﴾ معناه: ما كنتم تستترون بالمعاصي عن الناس مخافة من أن تشهد عليكم هذه الجوارح في الآخرة؛ لأنّكم ما كنتم تظنّون ذلك، ﴿وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٢٢)؛ولكن عملتم بالمعاصي عمل من يظنّ أنّ الله لا يعلم بما يعمله في السرّ. قال ابن عبّاس: (كان الكفّار يقولون: إنّ الله لا يعلم ما في أنفسنا ولكنّه يعلم ما يظهر!).
قوله تعالى: ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ؛﴾ أي ظنكم أن الله لا يعلم ما تعملون، ﴿أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٢٣)؛أي أهلككم فصرتم من المنبذين بالوزر والعقوبة. وقيل: معنى ﴿(أَرْداكُمْ)﴾ أي طرحكم في النار (١).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ؛﴾ أي فإن يمسكوا عن الاستغاثة ولم ينطقوا بشكوى فالنار مسكن لهم منتقمة منهم، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ (٢٤)؛أي وإن يطلبوا العتبى وهي الرّضا فما هم عن «أن» يطلبوا رضاهم ويقبل عذرهم. يقال: أعتبني فلان؛ أي أرضاني بعد إسخاطه إيّاي، واستعتبته طلبت منه أن يعتب أي يرضى.
قوله تعالى: ﴿(*وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ؛﴾ معناه: سبّبنا لهم أعوانا وقرناء من الشّياطين حتى أضلّوهم وهو قوله تعالى: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ؛﴾ من أمر الآخرة أن لا جنّة ولا نار ولا بعث ولا حساب، ﴿وَما خَلْفَهُمْ؛﴾ من أمر الدّنيا أن لا ينفقوا في وجوه البرّ، وأن يتلذذوا في الدّنيا ويجمعوا الأموال، ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ؛﴾ أي وجب عليهم، ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ (٢٥).
قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢٦)؛وذلك أنّ كفار قريش قالوا لأتباعهم: لا تسمعوا هذا القرآن
стр. 2419
الّذي يقرؤه عليكم محمّد، فإذا سمعتموه يقرأ فارفعوا أصواتكم بالأشعار والأراجيز والغوا فيه بالمكاء والصّفير، وقابلوه بكلام اللّغو حتى تغلبوه فيسكت.
يقول الله تعالى: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً؛﴾ أي في الدّنيا بالقتل والأسر، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢٧)،ولنعاقبنّهم في الآخرة بعذاب أشدّ من عذابهم في الدّنيا،
﴿ذلِكَ؛﴾ العذاب، ﴿جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿النّارُ؛﴾ بدل من العذاب؛ أي بدل من قوله ﴿(جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ)﴾.وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ؛﴾ أي لهم في النّار دار الإقامة، ﴿جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ (٢٨)؛يعني القرآن جحدوا أنه من عند الله.
قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ؛﴾ معناه: يقول الّذين كفروا في النار: يا ربّنا أرنا اللّذين أضلاّنا عن الحقّ.
قال بعضهم: يريد به إبليس وقابيل أوّل من أحدث المعصية في بني آدم، ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا؛﴾ أي أسفل منّا في النار، ﴿لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ (٢٩)؛في الدّرك الأسفل. وقيل: معناه: ليكونا أشدّ عذابا منّا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ؛﴾ أي إنّ الذين وحّدوا الله، ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا،﴾ على الإيمان ولم يشركوا. وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: (اللهمّ أنت ربّنا فارزقنا الاستقامة) (١).
وقال أبو بكر ﵁: (يعني ثمّ استقاموا على أنّ الله رب لهم) (٢)،وقال مجاهد:
(هم الّذين لم يشركوا به شيئا حتّى يلقوه) (٣).وقال بعضهم: يعني الاستقامة على أداء الفرائض ولزوم السّنة. وروي عن عمر ﵁: (استقاموا لله بطاعته ولم يروغوا روغان الثّعالب) (٤).
стр. 2420
وقوله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ؛﴾ يعني قبض أرواحهم فتقول لهم:
﴿أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٣٠)؛أي لا تخافوا ما أنتم واقفون عليه، ولا تحزنوا على الدّنيا وأهلها، وتقول لهم عند خروجهم حين يرون أهوال القيامة:
﴿نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ؛﴾ تولّيناكم وحفظنا أعمالكم، ونتولاّكم في الآخرة ونحفظكم.
وعن ثابت أنه قال: (بلغنا أنّ المؤمن إذا خرج من قبره يوم القيامة، نظر إلى حافظين قائمين على رأسه يقولان له: لا تخف اليوم ولا تحزن وأبشر بالجنّة الّتي كنت توعد) (١).
وقال عثمان ﵁ في معنى قوله: ﴿(ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾:ثمّ أخلصوا العمل لله (٢).وقال مجاهد وعكرمة: (معناه: ثمّ استقاموا على شهادة أن لا إله إلاّ الله حتّى لحقوا بالله) (٣).
وقال مقاتل: (استقاموا على المعرفة، ولم يرتدّوا، تتنزّل عليهم الملائكة) (٤) في ثلاث مواطن: عند الموت، وفي القبر، وفي وقت البعث: أن لا تخافوا على صنيعكم ولا تحزنوا على مخلّفيكم (٢).
وقال مجاهد: (أن لا تخافوا على ما تقدمون عليه من أمر الآخرة، ولا تحزنوا على خلفتكم في الدّنيا من ولد وأهل، فإنّه سيخلفكم في ذلك كلّه) (٢).وقال السديّ: (لا تخافوا من ذنوبكم فإنّي أغفرها لكم).
стр. 2421
وقال بعضهم: معنى هذه الآية: أنّ الّذين قالوا: ﴿(رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا)﴾ بالوفاء على ترك الخنى (١) تتنزّل عليهم الملائكة بالرّضى: أن لا تخافوا من الغنى ولا تحزنوا على الغنى وأبشروا بالبقاء مع الذي كنتم توعدون من اللقاء. وقيل: معناه: ألاّ تخافوا فلا خوف على أهل الاستقامة، ولا تحزنوا فإن لكم أنواع الكرامة وأبشروا بالجنة التي هي دار السّلامة، لا تخافوا فعل دين الله إن استقمتم، ولا تحزنوا، فبحبل الله اعتصمتم، وأبشروا بالجنة إن تبتم لا تخافوا ما دمتم ولا تحزنوا فقد نلتم ما طلبتم، وأبشروا بالجنة التي فيها رغبتم، ولا تحزنوا فأنتم أهل الإيمان، ولا تحزنوا وأنتم أهل الغفران، وأبشروا بالجنة التي هي دار الرّضوان، لا تخافوا وأنتم أهل الشّهادة، ولا تحزنوا فأنتم أهل السّعادة، وأبشروا بالجنة التي هي دار الزّيادة، لا تخافوا فأنتم أهل النّوال، ولا تحزنوا فأنتم أهل الوصال، وابشروا بالجنة التي هي دار الحلال، لا تخافوا فقد أمنتم الثّبور، ولا تحزنوا فإن لكم الحور، وأبشروا بالجنة التي هي دار السرور، ولا تخافوا فسعيكم مشكور، ولا تحزنوا فذنبكم مغفور، وابشروا بالجنة التي هي دار النور، لا تخافوا فطالما كنتم خائفين، ولا تحزنوا فقد كنتم عارفين، وأبشروا بالجنة التي عجز عنها وصف الواصفين، لا تخافوا فأنتم من أهل الإيمان، ولا تحزنوا فأنتم من أهل الحرمان، وأبشروا بالجنة التي هي دار الأمان. لا تخافوا فسلمتم من أهل الجحيم، ولا تحزنوا فقد وصلتم إلى الرب الرحيم، وأبشروا بالجنة التي هي دار النعيم، لا تخافوا فقد زالت عنكم المخافة، ولا تحزنوا فقد سلمتم من كلّ آفة، وابشروا بالجنة التي هي دار الضيافة، لا تخافوا العزل من الولاية، ولا تحزنوا على ما قدّمتم من الجناية، وأبشروا بالجنة التي هي دار الهداية، لا تخافوا حلول العذاب، ولا تحزنوا من هول الحساب، وأبشروا بالجنة التي هي دار الثواب، لا تخافوا فأنتم سالمون من العقاب، ولا تحزنوا فأنتم واصلون إلى الثواب، وأبشروا بالجنة فأنّها نعم المآب.
قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ؛﴾ أي تقول لهم الملائكة:
نحن أولياؤكم؛ أي نحن الحفظة الذي كنا معكم في الأولى، ونحن أحبّاؤكم أولياؤكم
стр. 2422
في الآخرة، لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة، ﴿(وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ)﴾ من الكرامات واللّذات، يعني ولكم في الآخرة ما تشتهي أنفسكم،
﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ (٣٢)؛أي أنزلهم الله نزلا، ولا يجوز أن يكون قوله ﴿(نُزُلاً)﴾ جمع نازلة، ويكون المعنى: ولكم ما تدّعون من غفور رحيم نازلين.
ويجوز أن يراد به القوت الذي يقام للنازل والضّيف، والمعنى: ثبت لهم ما يدّعون ﴿(نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ)﴾ أي كثير المغفرة، رحيم بمن كان على الإيمان والتوبة.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: لمّا نزلت هذه الآية ﴿(إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا)﴾ قال: [أمّتي ورب الكعبة] (١)،لأنّ اليهود قالوا ربّنا الله ثم لم يستقيموا إذ قالوا: عزير ابن الله! والنصارى قالوا: ربنا الله، ثم لم يستقيموا إذ قالوا: المسيح ابن الله!
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحاً؛﴾ قال ابن عبّاس ﵄: (أنّ رسول الله ﷺ دعا إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله)،وقال الحسن: (هو المؤمن أجاب الله دعوته ودعوة النّاس إلى ما أجاب الله فيه دعوته وعمل صالحا في إجابته) (٢) ﴿وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣٣)؛وقالت عائشة ﵂: (إنّ هذه الآية نزلت في المؤذّنين الّذين يدعون إلى الصّلاة ويصلّون بين الأذان والإقامة) (٣).
قوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ؛﴾ ولا تستوي كلمة التّوحيد وكلمة الشّرك، وقيل: هما الطاعة والمعصية، ويقال: الخصلة الحميدة والخصلة السيّئة.
وقيل: الحلم والجهل، والعفو والإساءة.
стр. 2423
ودخول ﴿(لا)﴾ في قوله: ﴿(وَلا السَّيِّئَةُ)﴾ زائدة للتأكيد وبعد المساواة (١)؛لأن المعنى:
لا تستوي الحسنة والسيئة، ومثله قول الشاعر:
ما كان يرضى رسول الله فعل ... هم والطّيّبان أبو بكر وعمر
وقوله تعالى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ؛﴾ أي ادفع السّفاهة والعجلة بالأناة وبالرّفق، وذلك أنه إن لقيت بعض من يضمر في نفسه عداوتك فتبدأه بالسّلام أو تبتسم في وجهه لأن ذلك يلين لك قلبه، ويسلم لك صدره فذلك قوله تعالى:
﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٣٤)؛أي إذا فعلت ذلك صار الذي يعاديك صديقا قريبا لك. وتسمّي العرب القريب حميما؛ لأنه يحمي لما يهم صاحبه.
قوله تعالى: ﴿وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا؛﴾ أي ما يلقى هذه الخصلة التي هي دفع السّيئة بالحسنة إلاّ الذين صبروا على كظم الغيظ واحتمال المكروه وصبروا على طاعة الله، وصبروا عن معصيته، ﴿وَما يُلَقّاها،﴾ أي وما يعطاها، ﴿إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (٣٥)؛من الخير. وقيل: من الصبر، وقيل: الحظّ العظيم الجنّة، أي ما يلقّاها إلاّ من وجبت له الجنّة. وقيل: الحظّ العظيم القدر، العظيم عند الله.
قوله تعالى: ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ؛﴾ أي وإمّا يلحقنّك من الشيطان وسوسة عند هفوة غيرك وعند ما يدعو بك إلى معصية الله فتصرفك الوسوسة عن الاحتمال، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ؛﴾ أي اعتصم بالله من شرّ الشّيطان، امض على حكمك، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ؛﴾ لمقالة أعدائك، ﴿الْعَلِيمُ﴾ (٣٦)؛بهم وبمجاراتهم.
ثم ذكر الله علامات توحيده ودلائل قدرته؛ فقال: ﴿وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ؛﴾ أي ومن آياته الدّالة على ربوبيّته ووحدانيّته الليل والنهار بما فيهما من المنافع والمقاصد، والشمس والقمر بما فيهما من البدائع، ﴿لا﴾
стр. 2424
﴿تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ؛﴾ أي لا تعبدوا الشمس والقمر، واعبدوا الله الذي خلقهنّ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٣٧)؛أي إن كنتم تريدون بعبادة الشّمس والقمر عبادة الله.
وذلك أنّ قوما من الكفّار يسجدون لهما ويزعمون أنّهم يتقرّبون بذلك إلى الله تعالى، فقيل لهم: إن كنتم تريدون بذلك عبادة الله تعالى، فالسّجود لخالقهما أولى من السّجود لهما.
فإن قيل: ما معنى قوله ﴿(خَلَقَهُنَّ)﴾ والقمر مذكّر والشمس مؤنّثة، والمذكّر والمؤنث إذا اجتمعا غلب المذكّر؟ قلنا: إنّ قوله ﴿(خَلَقَهُنَّ)﴾ راجع إلى الآيات التي سبق ذكرها في أوّل هذه الآية من الليل والنهار والشّمس والقمر، ويكون ضمير ما لا يعقل على لفظ التأنيث كما يقال: هذه كباش ذبحن وذبحت.
قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ؛﴾ أي فإن تكبّروا عن عبادتي والسجود لي فالملائكة الذين عند ربك بقرب الكرامة والمنزلة يصلّون له بالليل والنهار، وينزّهونه عن كلّ ما لا يليق به، ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ (٣٨)؛أي لا يميلون على عبادته ولا يفترون.
واختلفوا في موضع السّجود من هذه السّورة؛ فقال الحسن: (عند قوله ﴿(تَعْبُدُونَ)﴾.وهو قول الشّافعي. وقال ابن عبّاس ومسروق: (هو عند قوله: ﴿لا يَسْأَمُونَ)﴾ وهو قول علمائنا، وهو الأصحّ لأنه موضع تمام الكلام (١).
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً؛﴾ من آياته الدّالة على وحدانيّته وقدرته أنّك ترى الأرض مغبرة يابسة لا نبات فيها، ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ؛﴾ تحرّكت للنبات وانتفخت وارتفعت له حتى يكاد النبات يظهر، ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْياها؛﴾ بإنزال المطر، ﴿لَمُحْيِ الْمَوْتى؛﴾ في الآخرة، ﴿إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣٩)؛من الإحياء والإماتة.
стр. 2425
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا؛﴾ أي يميلون عن الحقّ في آياتنا إلى جانب الباطل، قال مقاتل: (يميلون عن الإيمان بالقرآن (١)) (٢)،وقال مجاهد:
(يلحدون بآياتنا بالمكاء واللّغط) (٣)، ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا،﴾ بأشخاصهم وأفعالهم وأقوالهم وعزائمهم. واللّحد واللّحاد بمعنى واحد وهو الميل، ومنه الملحد لعدوله عن الحقّ، ومنه اللّحد الذي في القبر لأنه في جانب منه.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ هو تقدير نفي المساواة بين الفريقين. قيل: المراد قوله ﴿(أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ)﴾ أبو جهل وجدله ﴿(خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ)﴾ حمزة، وقوله: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤٠)؛لفظه لفظ الأمر، ومعناه التهديد والوعيد.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ؛﴾ أي بالقرآن، ﴿لَمّا جاءَهُمْ؛﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ (٤١)؛محذوف الجواب، تقديره: ﴿(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ)﴾ سينزل بهم من العذاب ما هو مذكور في الكتاب العزيز.
والعزيز: هو الكريم على الله. وقيل: هو الممتنع على من يريد معارضته وتغييره بزيادة ونقصان.
قوله تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ؛﴾ أي لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله ولا يجيء بعده كتاب فيبطله، وقال الزجّاج: (معناه: أنّه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه، أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه) (٤)،فمعنى الباطل على هذا الزيادة والنقصان. وفي عين المعاني: (الباطل إبليس).
стр. 2426
وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٤٢)؛أي منزّل من عالم بوجوه الحكمة، مستحقّ للحمد على خلقه بإنعامه عليهم.
قوله تعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ؛﴾ فيه تسلية للنبيّ ﷺ على ما كان يلحقه من أذيّة قومه؛ أي قد قيل للأنبياء قبلك ساحر، وكذّبوا كما كذّبت. ويجوز أن يكون معناه: ما أقول لك ولا آمرك بتبليغ الوحي والرسالة إلاّ ما قد قيل للرّسل قبلك.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤٣)؛أي لذو مغفرة لمن تاب وآمن، وذو عقاب أليم لمن ثاب (١) على الكفر.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ؛﴾ أي لو جعلناه قرآنا بلغة غير لغة العرب لقال العرب: ولو بيّنت آياته بلغة العرب حتى نفهمها عندك بغير مترجم.
قوله تعالى: ﴿ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ؛﴾ استفهام على وجه الاستبعاد؛ كأنّهم قالوا: كتاب أعجميّ ورسول عربيّ، كيف يكون هذا؟! فينكرونه أشدّ الإنكار. يقال:
رجل أعجميّ إذا كان لا يفصح سواء كان من العرب أو العجم، ورجل عجميّ إذا كان منسوبا إلى العجم وإن كان فصيحا، ورجل أعرابيّ إذا كان من أهل البادية سواء كان من العرب أو لم يكن، ورجل عربيّ إذا كان منسوبا إلى العرب وإن كان غير فصيح.
ومعنى الآية: أنّهم كانوا يقولون: إنّ المنزّل عليه عربيّ، والمنزّل أعجميّ، فكان ذلك أشدّ لتكذيبهم، ﴿قُلْ؛﴾ يا محمّد: ﴿هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ؛﴾ يعني القرآن هدى للذين آمنوا من الضّلالة وشفاء من الأوجاع. وقال مقاتل: (شفاء لما في القلوب بالبيان الّذي فيه) (٢).
стр. 2427
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ؛﴾ أي إنّهم في ترك القبول بمنزلة الصّمّ العمي، وسيؤدّيهم تكذيبهم إلى العمى، وقوله تعالى:
﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى؛﴾ أي عموا عن القرآن وصمّوا عنه.
وقال السديّ: (عمت قلوبهم عنه) (١).والمعنى: وهو عليهم ذو عمى. وانتصب قوله (عمى) على المصدر. وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ (٤٤)؛أي إنّهم لا يسمعون ويفهمون كما أنّ من دعا من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم. والمعنى: أنّه بعيد عندهم من قلوبهم ما يتلى عليهم.
قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ؛﴾ يعني التوراة، ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ؛﴾ قومه كما اختلف قومك في القرآن، وهذا تسلية للنبيّ ﷺ (٢)؛أي كما آتيناك الكتاب وكذب به قومك وصدّق به بعضهم كذلك آتينا موسى الكتاب فكذب به بعض قومه وصدّق به بعضهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ؛﴾ معناه:
ولولا كلمة سبقت من ربك في تأخير العذاب عن هذه الأمة إلى يوم القيامة كما قال تعالى ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ (٣) لعذبهم بعذاب الاستئصال. وقيل: أراد بسبق الكلمة: أن لا يعذّبهم وأنت فيهم.
والمعنى: ولولا كلمة سبقت من ربك في تأخير العذاب عن مكذّبي القرآن إلى أجل مسمّى يعني القيامة، لقضي بينهم بالعذاب الواقع بمن كذب، ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ،﴾ من صدقك وكتابك، ﴿مُرِيبٍ﴾ (٤٥)؛أي موقع لهم الرّيبة، وقيل: إنّهم لفي شكّ من القرآن ظاهر الشّكّ.
стр. 2428
قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٤٦)؛ظاهر المراد.
قوله تعالى: ﴿*إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ؛﴾ أي لا يعلم متى وقت قيامها إلاّ الله تعالى، ولا يجاب فيها بشيء، ويقال: الله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها؛﴾ قرأ نافع وابن عامر ﴿(ثَمَراتٍ)﴾ بالجمع، وقرأ الباقون «(ثمرة)» على الوحدان. وقوله تعالى ﴿(مِنْ أَكْمامِها)﴾ الأكمام جمع الكمّة (١)،وهي ليف النّخل، وقال ابن عبّاس: (الأكمام الكفرّى قبل أن ينشقّ، فإذا انشقّ فليس بأكمام) (٢) ﴿وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ؛﴾ بيّن الله أنّ الذي يعلم الثّمار في الأكمام، والأولاد في الأرحام مع مشاهدة الأكمام، والأمّهات هو الله تعالى لا يعلمه أحد غيره، ومن لم يشاهد شيئا منها أولى.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي؛﴾ فيه وعيد للمشركين؛ أي يقال للمشركين يوم القيامة: أين شركائي في ظنّكم وزعمكم؟! فيقولون: ﴿قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ (٤٧)؛أي أعلمناك وعرّفناك أنّا كنا في الدّنيا جهلاء غير عارفين، ما منّا من شهيد أنّ لك شريكا، يتبرّءون يومئذ من أن يكون مع الله شريك.
وقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ؛﴾ أي ضاع، ﴿ما كانُوا يَدْعُونَ؛﴾ يعبدون، ﴿مِنْ قَبْلُ؛﴾ في الدّنيا. قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (٤٨)؛ أي أيقنوا أنه لا خلاص لهم من النّار.
وقوله تعالى: ﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ؛﴾ أي لا يملّ الإنسان من الخير، ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ؛﴾ والمكروه والأمراض والأسقام والشّدائد،
стр. 2429
﴿فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ﴾ (٤٩)؛أي يصير آيس شيء من عود النّعمة، وزوال المكروه عنه، فيضجر على ذلك غاية الضّجر.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا؛﴾ أي نعمة منّا، ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ؛﴾ من بعد مكروه مسّه، ﴿لَيَقُولَنَّ هذا لِي؛﴾ أي بفضلي وقوّتي وعمل استحققته، وهذا من اختلاف الكفّار. قوله تعالى: ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً؛﴾ هذا يدلّ على أنّ هذا الإنسان كافر.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى؛﴾ أي لست على يقين من البعث، فإن كان الأمر على ذلك ورددت إلى ربي أنّ لي عنده الجنة ويعطيني في الآخرة أفضل ما أعطاني في الدّنيا. قال الله تعالى: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ (٥٠)؛وعيد لهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ؛﴾ أي اذا أنعمنا على الكافر أعرض عن الطاعة والشّكر وتباعد عن الواجب كبرا، ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ (٥١)،وإذا أصابه مكروه الدّهر فإذا هو يئس يدعو الله ليكشف ذلك عنه.
والمعنى بقوله تعالى ﴿(دُعاءٍ عَرِيضٍ)﴾ أي كثير لا يملّ من الدّعاء. وإنّما لم يقل:
طويل؛ لأن ذكر العريض أبلغ في باب الامتداد والانبساط، لأن العريض يدلّ على الطويل، ولا يدلّ الطويل على العريض.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ؛﴾ أي قل يا محمّد لأهل مكّة: أرأيتم إن كان القرآن من عند الله، ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ؛﴾ عن الحقّ والهدى، ﴿مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ (٥٢)؛خلاف للحقّ بعيد عنه، وهو أنتم، فلا أحد أضلّ منكم.
وقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ؛﴾ أي سنريهم دلائل التوحيد من مسير النّجوم وجريان الشّمس والقمر طلوعا وغروبا على مرّ الدّهور، وفي الأرض من الجبال والأودية والأشجار. قوله تعالى: ﴿(وَفِي أَنْفُسِهِمْ)﴾ من مخارج الأنفاس ومجاري الدّم وموضع العقل والفكر والفهم وآلات الكلام.
стр. 2430
وقيل: معنى ﴿(سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ)﴾ أي سنريهم ما نفتح من القرى على محمّد ﷺ في النواحي والأطراف ﴿(وَفِي أَنْفُسِهِمْ)﴾ فتح مكّة (١).قال الحسن: يعني (سنريهم ظهور محمّد على الآفاق وعلى مكّة حتّى يعرفوا أنّه مؤيّد من قبل الله تعالى بعد أن كان واحدا لا ناصر له) (٢).وذلك معنى قوله تعالى: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ؛﴾ أي ما يقول لهم النبيّ ﷺ هو الحقّ.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٥٣)؛معناه:
أو لم يكف بربك شاهدا أنّ القرآن من الله وأنّ النبيّ ﷺ صادق وشهيد هو العالم.
قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ؛﴾ معناه: ألا إنّهم في شكّ من البعث والثواب والعقاب، ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ (٥٤)؛أحاط بكلّ شيء علما؛ إنّه يعلم الغيب والشّهادة.
آخر تفسير سورة حم السجدة (فصلت)،والحمد لله رب العالمين
стр. 2431
سورة الشّورى
سورة الشّورى مكّيّة، وهي ثلاثة آلاف وخمسمائة حرف وثمانون حرفا (١)، وثمانمائة وستّ وستّون كلمة، وثلاث وخمسون آية.
قال رسول الله ﷺ : [من قرأ سورة حم عسق كان ممّن تصلّي عليه الملائكة ويستغفرون له ويسترحمون له] (٢).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿حم (١) عسق﴾ (٢)؛ (ح) حلمه و (م) مجده و (ع) علمه و (س) سناؤه و (ق) قدرته، أقسم الله بها (٣)،
﴿كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣)؛اخبارا بالغيب ويكون قبل أن يكون، وقيل: الحاء من الرّحمن، والميم من ملك، والعين من عزيز والسين من قدّوس والقاف من قاهر، ومعنى ﴿(كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ)﴾ مثل ما أوحينا إليك بهذه السّورة أوحينا إلى من قبلك من الرّسل. وعن ابن عبّاس ﵁ أنه قال: (ليس من نبيّ إلاّ وقد أوحي إليه ب حم عسق كما أوحي إلى نبيّنا محمّد ﷺ (٤).
стр. 2432
قوله تعالى: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٤) ظاهر المعنى.
وقوله تعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ؛﴾ أي تكاد كلّ سماء تشقّق فوق التي تليها من قول المشركين: اتّخذ الله ولدا، ومن استعظام كفر أهل الأرض مع عظم نعم الله تعالى عليهم.
قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ؛﴾ أي ينزّهون الله عن القول الذي تكاد السّماوات يتفطّرن منه، ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٥)؛لأوليائه وأهل طاعته.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ؛﴾ يعني كفار مكّة اتّخذوا آلهة فعبدوها من دون الله، وقوله تعالى: ﴿اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ؛﴾ أي الله حفيظ على أعمالهم ليجازيهم بها، ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ (٦)؛أي لم يوكّلك حتى تؤخذ بهم وتعاقب بمخالفتهم.
قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها؛﴾ أي كما أنزلنا على من قبلك بلسان قومهم أنزلنا عليك قرآنا بلغة العرب لتخوّف به أمّ القرى وهي مكّة، سمّيت أمّ القرى لأنّ الأرض دحيت من تحتها.
وقوله تعالى: ﴿(وَمَنْ حَوْلَها)﴾ أي لتنذر أهل أمّ القرى ومن حولها من البلدان، وقيل:
يعني قرى الأرض كلّها.
قوله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ؛﴾ وهو يوم القيامة، يجمع الله فيه الأوّلين والآخرين، وأهل السموات وأهل الأرض، ﴿لا رَيْبَ فِيهِ؛﴾ أي لا شكّ في الجمع فيه أنه كائن، ثم بعد الجمع يتفرّقون كما قال الله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (٧)؛أي طائفة من أهل الجمع وهم المؤمنون يساقون إلى الجنّة يتنعّمون ويتمتعون، وطائفة يساقون إلى النار ذات الوقود وهم الكفّار فيها يعذبون.
стр. 2433
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً؛﴾ أي لو شاء لجمعهم على دين الإسلام بأن يعرّفهم طريق الحقّ بالاضطرار، ولكنّه لم يفعله، أراد أن يعرضهم (١) للثواب والإلجاء يمنع من ذلك، ومثل قوله تعالى ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ (٢).وقوله تعالى: ﴿وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ؛﴾ أي في دين الإسلام، ﴿وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (٨)،يمنعهم؛ أي والكافرون ما لهم من وليّ يدفع عنهم العذاب ولا نصير يمنعهم من «النار» (٣).
قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ؛﴾ بل اتّخذ الكفار من دون الله أربابا، ﴿فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ؛﴾ قال ابن عبّاس: (وليّك يا محمّد ووليّ من اتّبعك) (٤) ﴿وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى؛﴾ يبعثهم للجزاء، ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؛﴾ من الإحياء والإماتة، ﴿قَدِيرٌ﴾ (٩).
قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ؛﴾ معناه: وما اختلفتم فيه من شيء من الدّين فردّوا حكمه إلى كتاب الله، واعتمدوا الأدلّة دون التقليد والشبه كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٥).
وقوله تعالى: ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي؛﴾ الذي ادعوكم إلى عبادته وهو الله ربي، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ؛﴾ في كفاية مهمّاتي، ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (١٠)؛أي أرجع في المعاد.
قوله تعالى: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي هو مبتدعهما ومدبرهما، ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً؛﴾ أي خلق لكم من مثل خلقكم
стр. 2434
نساء، وخلق لكم، ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً؛﴾ ذكورا وإناثا لتكمل منافعكم بها، يعني خلق الذكر والأنثى من الحيوان كلّه. قوله تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ؛﴾ أي يخلقكم في الرّحم ويكثركم بالتزويج، ولولاه لم يكن الناس.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ؛﴾ في العلم والقدرة والتدبير، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ؛﴾ بمقالة العباد، ﴿الْبَصِيرُ﴾ (١١)؛بأعمالهم، والكاف في ﴿(كَمِثْلِهِ)﴾ زائدة مؤكّدة، والمعنى: ليس مثله شيء، إذ لا يجوز أن يقال: ليس مثل مثله شيء؛ لأن من قال ذلك فقد أثبت المثل لله عن ذلك علوّا كبيرا.
قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي له مفاتيحها، قال ابن عبّاس: (يريد مفاتيح الرّزق في السّماوات والأرض) (١).وقال الكلبيّ: (مقاليد السّماوات خزائن المطر، وخزائن الأرض النّبات) (١).والمعنى أنه يقدر على فتحها، يملك فتح السّماء بالمطر، وفتح الأرض بالنبات، يدلّ على هذا قوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ؛﴾ أي يوسّعه على من يشاء، ويضيّقه على من يشاء؛ لأن مفاتيح الرزق بيده، ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١٢)؛من البسط والضّيق ما لا يفعل ذلك جزافا، ولكن يرزق كلّ أحد على ما توجبه الحكمة.
قوله تعالى: ﴿*شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ؛﴾ أي بيّن وأوضح من الدين، ﴿ما وَصّى بِهِ نُوحاً؛﴾ يعني التوحيد، ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ؛﴾ من القرآن وشرائع الإسلام، ﴿وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى؛﴾ وشرع لكم ما وصّى به إبراهيم وموسى وعيسى.
ثم بيّن ما وصّى به هؤلاء فقال: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ؛﴾ يعني التوحيد، ﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ؛﴾ أي لا تختلفوا في التوحيد، قال مجاهد: (يعني شرع لكم ولمن قبلكم من الأنبياء دينا واحدا (٢)؛لأنّ الله تعالى لم يبعث نبيّا إلاّ وصّاه بإقامة الصّلاة
стр. 2435
وإيتاء الزّكاة، والإقرار بالله تعالى والطّاعة في كلّ شيء أمره الله به، فذلك دينه الّذي شرعه لهم) (١).
قوله تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ؛﴾ قال مقاتل:
(معناه: عظم على مشركي مكّة ما دعاهم النّبيّ ﷺ من توحيد الله تعالى والإخلاص له وحده وخلع الأنداد) (٢).
قوله تعالى: ﴿اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ؛﴾ أي يصطفي من عباده لدينه من يشاء، ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ؛﴾ إلى دينه؛ ﴿مَنْ يُنِيبُ﴾ (١٣)؛أي من يقبل إلى طاعته. وقيل: معناه: الله يختار لرسالته من يشاء ممّن تقتضي الحكمة اختياره، ويهدي إلى جنّته وثوابه من يرجع إلى طاعته.
قوله تعالى: ﴿وَما تَفَرَّقُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ؛﴾ أي ما اختلف اليهود والنّصارى إلاّ من بعد ما وضح لهم أمر النبيّ ﷺ ، وذلك أنّهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فأنكر من أنكر من علمائهم للبغي والعداوة على طلب الدّنيا، خافوا أن تذهب عنهم رئاستهم ومكانتهم (٣)،وأن يصيروا تابعين بعد أن كانوا متبوعين، فتركوا اسم الإسلام، وقوله تعالى ﴿(بَغْياً بَيْنَهُمْ)﴾ أي بغيا منهم على محمّد ﷺ .
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ؛﴾ أي لولا حكم الله بإنظارهم وتأخير العذاب عن هذه الأمة ﴿(إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى)﴾ يعني يوم القيامة ﴿(لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ)﴾ أي بين من آمن ومن كفر بنزول العذاب بالمكذّبين في الدّنيا. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ؛﴾ يعني اليهود والنصارى أورثوا التوراة من بعد أنبيائهم وأسلاف أحبارهم (٤)، ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ (١٤)؛من دين الإسلام ظاهر الشكّ.
стр. 2436
قوله تعالى: ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ؛﴾ أي فلذلك الذي سبق ذكره، يعني الذي وصّى به الأنبياء من التوحيد فادع. وقيل: معناه:
فلأجل ما وقع منهم من الشكّ فادع واستقم على دين الإسلام كما أمرت، ولا تتّبع أهواء أهل الكتاب، وذلك أنّهم دعوا إلى دينهم، ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ؛﴾ أي آمنت بكتب الله كلّها. وإنما قال ذلك لأنّ الذين تفرّقوا آمنوا ببعض الكتب دون بعض. وقوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ؛﴾ أي أمرت أن لا أحيف عليكم بأكثر مما افترض الله عليكم في الأحكام.
وقوله تعالى: ﴿اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ؛﴾ أي إلهنا وإلهكم وإن اختلفت أعمالنا، وكلّ يجازى بما عمل. قوله تعالى: ﴿لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ؛﴾ لنا جزاء أعمالنا ولكم جزاء أعمالكم، لا يؤاخذ أحد بعمل غيره، قوله تعالى: ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ؛﴾ أي قد ظهر الحقّ وسقط الباطل، ومع ذلك الحجّة لنا عليكم لظهورها، وقوله تعالى: ﴿اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا؛﴾ وبينكم في الآخرة فيجازي كلاّ بعمله، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (١٥).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ؛﴾ أي والذين يخاصمون في دين الله من بعد ظهور دلائله، وهم اليهود والنصارى قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبيّنا قبل نبيّكم، فنحن خير منكم! فهذه خصومتهم وإنما قصدوا بما قالوا دفع ما أتى به محمّد ﷺ ، وقوله تعالى: ﴿(مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ)﴾ أي من بعد ما دخل الناس في الإسلام وأجابوا النبيّ ﷺ إلى ما دعاهم إليه، ﴿حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ؛﴾ أي خصومتهم باطلة حين زعموا أن دينهم أفضل من الإسلام، وقوله ﴿(عِنْدَ رَبِّهِمْ)﴾ أي في حكم ربهم، وإنما قال ذلك لأنّها لم «تكن» (١) باطلة في زعمهم، ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ؛﴾ من الله، ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ (١٦) في الآخرة.
стр. 2437
قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ؛﴾ معناه: الله الذي أنزل القرآن بالحقّ؛ أي بما ضمّنه من الأمر والنهي والفرائض والأحكام، وكلّه حقّ من الله تعالى. وقوله تعالى ﴿(وَالْمِيزانَ)﴾ اختلفوا في إنزال الميزان، قال الحسن ومجاهد والضحّاك: (أراد به العدل) (١) وإنما كنّى عن العدل بالميزان لأنّ الميزان طريق معه العدل والمساواة.
وقال بعضهم: أنزل الميزان الذي يوزن به في زمن نوح ﵇. وقال ابن عبّاس:
(أمر الله بالوفاء، ونهى عن البخس) (٢).
قوله تعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ (١٧)؛هذا تخويف للمشركين من قرب الساعة لينزجروا، وقد كان قوم من المشركين سألوا النبيّ ﷺ عن الساعة تكذيبا بها، فأنزل الله هذه الآية، وإنّما قال ﴿(قَرِيبٌ)﴾ ولم يقل قريبة؛ لأن تأنيث الساعة غير حقيقيّ كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (٣) ولأن معنى الساعة البعث.
قوله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها؛﴾ والذين يستعجلون بها قصد الإتيان بها استبعادا لقيامها لأنّهم لا يؤمنون بها، وهذه طريقة الجهلاء في كلّ شيء يجحدونه من حقائق الأمور.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها؛﴾ أي خائفون منها لا يدرون على ما يقدمون عليه لأنّهم موقنون أنّهم مبعوثون محاسبون، ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ؛﴾ أي الساعة لا ريب فيها.
قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ؛﴾ تدخلهم المرية والشكّ في القيامة، ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ (١٨)؛حين لم يفكّروا فيعلموا أن الذي خلقهم أوّلا قادر على بعثهم.
стр. 2438
قوله تعالى: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ؛﴾ أي بارّ رحيم بهم، يعني أهل طاعة، وقال مقاتل: (لطيف بالبرّ والفاجر، لا يهلكهم جوعا) (١)،يدلّ على هذا قوله تعالى:
﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ؛﴾ وكلّ من رزقه الله من مؤمن وكافر ذي روح ممن يشاء أن يرزقه، ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ؛﴾ على ما أراد من رزق من يرزقه، ﴿الْعَزِيزُ﴾ (١٩)
يعني الغالب الذي لا يلحقه عجز فيما أراد. واللطيف هو الموصل للنفع إلى غيره من جهة يدقّ استدراكها.
قوله تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ؛﴾ أي من كان يريد بعمله نفع الآخرة ﴿(نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ)﴾ أي نعينه على العبادة، ونسهّل له، وقيل: نزد له في ثوابه الحسنة بعشر أمثالها. وقيل: نزد له في قوّته ونشاطه وخشيته في العمل، كما قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا؛﴾ أي ومن كان يريد بعمله نفع الدّنيا من رزق أو محمدة، ﴿نُؤْتِهِ مِنْها؛﴾ ما نشاء على ما تقتضيه الحكمة، ﴿وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (٢٠)؛من ثواب؛ لأنه عمل لغير الله (٣)،قال السديّ: (هذا المنافق، وكان رسول الله ﷺ يعطيه سهمه من الغنيمة).
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ؛﴾ يعني كفار مكّة ألهم آلهة سنّوا من الدين والشريعة ما لم يعلم الله به؟ قال ابن عبّاس: (شرعوا لهم دينا غير دين الإسلام) (٤) ﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ؛﴾ أي لولا حكم الله بأن يفصل بينهم يوم القيامة لعاجلهم بالعقوبة، ﴿وَإِنَّ﴾
стр. 2439
﴿الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢١)؛أي وجيع في الآخرة
﴿تَرَى الظّالِمِينَ،﴾ الذين يكذبونك خائفين يوم القيامة، ﴿مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا؛﴾ من الكفر والتكذيب، ﴿وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ؛﴾ أي وجزاؤه واقع بهم.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ؛﴾ الرّوضة: هي البستان الجامع لأنواع الرّياحين، والجنّة هي البستان الجامع لأنواع الشّجر، ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ؛﴾ من النعيم في حكمة ربهم، ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (٢٢)؛أي المنّ العظيم من الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ؛﴾ أي ذلك الذي سبق ذكره من النعيم يبشّر الله عباده المؤمنين المخلصين.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى؛﴾ أي لا أسألكم على تبليغ الرسالة؛ أي تعليم الشريعة أجرا، وهذا دأب كلّ نبيّ مع قومه، وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى؛﴾ أي لا أسألكم عليه أجرا إلاّ أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة. قال ابن عبّاس: (لم يكن بطن من بطون قريش إلاّ ولرسول الله ﷺ قرابة فيهم) (١).
والمعنى: قل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من الحقّ إلاّ أن تحفظوني في قرابتي بيني وبينكم. وقال مجاهد: (معناه: يا معشر قريش لا أسألكم على ما أقول أجرا، ارقبوني في الدّعاء بيني وبينكم، ولا تعجلوا إليّ ودعوني والنّاس).وقال الحسن: (معناه: إلاّ أن تؤدّوا إلى الله فيما يقرّبكم إليه من العمل الصّالح) (٢).
وعن ابن عبّاس قال: (لمّا نزلت ﴿(قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)﴾ قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الّذين يأمرنا الله بمودّتهم؟ قال: [عليّ
стр. 2440
وفاطمة وولدهما]) (١).
وعن عليّ ﵁ قال: (قال فينا، في آل محمّد، في حم آية لا يحفظ مودّتنا إلاّ كلّ مؤمن، ثمّ قرأ: ﴿(قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى))﴾،وقال الكلبيّ:
(معناه: لا أسألكم على الإيمان جعلا إلاّ أن توادّوا أقاربي، حثّ الله النّاس على مودّة ذوي قرابته).
وعلى الأقوال كلّها قوله ﴿(إِلاَّ الْمَوَدَّةَ)﴾ استثناء ليس من الأوّل، وليس المعنى:
أسألكم المودّة في القربى؛ لأن الأنبياء لا يسألون أجرا على تبليغ الرسالة، والمعنى ولكنّي أذكّركم المودة في قرابتي.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً؛﴾ أي ومن يكتسب حسنة نجازيه عليها أضعافا، بالواحدة عشرا فصاعدا، ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ؛﴾ لذنوب الناس، ﴿شَكُورٌ﴾ (٢٣)؛للقليل حتى يضاعفه.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً؛﴾ يعني كفّار مكّة قالوا:
اختلق محمّد كذبا حين زعم أن القرآن من عند الله، فاغتممت لذلك يا محمّد، ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ؛﴾ أي يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشقّ عليك قولهم، ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ،﴾ ويذهب الله ما يقولون من الباطل، ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ؛﴾ يعني الإسلام، ﴿بِكَلِماتِهِ؛﴾ أي بما أنزل من كتابه، وقد فعل الله ذلك فأزهق باطلهم وأعلى كلمة الإسلام، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢٤)؛أي بما «في» (٢) قلوب خلقه.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ (٢٥)؛من خير وشرّ، من قرأ بالتاء فهو خطاب للمشركين وتهديد
стр. 2441
لهم،
﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ؛﴾ أي يجيبهم ما سألوه. قال ابن عبّاس: (يثيبهم)، ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ؛﴾ سوى ثواب أعمالهم تفضّلا عليهم، وقال أبو صالح: (يشفّعهم في إخوانهم) (١)، ﴿وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ (٢٦).
قوله تعالى: ﴿*وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي لو وسّع على عباده لطغوا وتطاولوا، وقال مقاتل: (معناه: لو وسّع الله لعباده فرزقهم من غير كسب لعصوا وبطروا النّعمة وطلبوا ما ليس لهم أن يطلبوه) (٢)؛لأنّ الّذي يوسّع عليه يرتفع من منزلة إلى منزلة، ومن مركب إلى مركب، ومن ملبس إلى ملبس، ويستطيل بذلك على النّاس، ويستعين برزق الله على المعصية.
وقوله تعالى: ﴿وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ؛﴾ معناه: ولكن يوسّع على قوم، ويضيّق على آخرين على ما تقتضيه الحكمة، ﴿إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (٢٧) أي أعلم بهم من أنفسهم، منهم من يصلح له الفقر ولو أغناه لكان شرّا له، ومنهم من يصلح له الغنى، ولو أفقره لكان شرّا له.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا؛﴾ أي ينزّل المطر من بعد ما يئسوا منه، ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ؛﴾ بإخراج النبات والثّمار، وقيل:
معنى ﴿(يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ)﴾ أي يبسط مطره، ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ؛﴾ لمن أطاعه، وقيل: وهو الوليّ بإنزال المطر عاما بعد عام، ﴿الْحَمِيدُ﴾ (٢٨)؛المستحقّ للحمد على خلقه بإنعامه عليهم.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ؛﴾ معناه: ومن دلائل توحيده خلق السّماوات والأرض بما فيهما من الشّمس والقمر والنّجوم والجبال والبحار والأشجار ﴿(وَما بَثَّ فِيهِما)﴾ أي وما فرّق فيهما من الملائكة والناس وغيرهم، وقيل: معناه: وما بثّ في الأرض من دابّة، وهذا كقوله
стр. 2442
﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ (١) وإنما يخرج من أحدهما، ﴿وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ؛﴾ في الآخرة، ﴿إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ (٢٩).
قوله تعالى: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ؛﴾ يعني وما أصابكم من المعاصي في النّفس والمال والولد أو نكبة حجر أو عثرة قدم، ﴿فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ،﴾ يعني المعاصي، ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣٠)؛فلا يعاقب بها لطفا بهم.
قال ﷺ : [ما من خدشة عود أو عثرة قدم أو اختلاج عرق إلاّ بذنب، وما يعفو الله تعالى أكثر] (٢).وقال الحسن: (معنى الآية: وما أصابكم من حدّ في سرقة أو زنى فبما كسبت أيديكم) (٣).وقال الضحّاك: (ما حفظ رجل القرآن ثمّ نسيه إلاّ بذنب) وقرأ هذه الآية وقال: إنّ أعظم الذّنوب نسيان القرآن) (٤).
وفي مصاحف المدينة والشّام (بما كسبت أيديكم).قال الزجّاج: (وإثبات الفاء أجود لأنّ الفاء جواب الشّرط) (٥).ومن حذفها فعلى أنّ (ما) بمعنى (الّذي) تقديره:
والّذي أصابكم وقع بما كسبت أيديكم)
﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ؛﴾ يا معشر المشركين لا تعجزوني في السّماوات حيث كنتم، ولا تسبقونني هربا في الأرض ولا في السّماء لو كنتم فيهما، ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (٣١).
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ (٣٢)؛أي ومن آياته الدّالة على توحيده وقدرته الجواري في البحر، وهي السّفن جمع جارية تجري في
стр. 2443
البحر، ﴿(كَالْأَعْلامِ)﴾ اي كالجبال الطّوال،
﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ؛﴾ معناه: إن شاء الله يسكن الرّيح التي تجري بها السّفن فيبقين واقفات على ظهر الماء، ويبقى أهلها حيارى لا يجدون حيلة في الخلاص؛ لأن ماء البحر راكد لا تجري السفينة فيه إلاّ بريح تجريه، فذلك معنى قوله تعالى: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ؛﴾ يعني السّفن رواكد؛ أي ثوابت على ظهر البحر لا تجري ولا تبرح، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ؛﴾ أي لدلالات على توحيد الله تعالى، ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ؛﴾ على طاعته، ﴿شَكُورٍ﴾ (٣٣)؛على نعمه. وقيل: لكلّ صبّار في الشدّة، شكور في الرّخاء.
قوله تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا؛﴾ أي يهلكهنّ بالريح العاصف، ويغرقهنّ، يعني: أهلهنّ ﴿(بِما كَسَبُوا)﴾ أي بما أشركوا واقترفوا من الذنب، ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣٤)؛من ذنوبهم فينجّيهم من الغرق والهلاك. والمعنى: ﴿(أَوْ يُوبِقْهُنَّ)﴾ وإن يشأ يعف عن كثير فتجري السّفن على ما يشاءون.
قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (٣٥)؛ يعني أن الكفار الذين يكذّبون بالقرآن إذا صاروا إلى الله بعد البعث علموا أن لا مهرب لهم من عذاب الله تعالى.
فمن قرأ «(ويعلم)» بالرفع فعلى الابتداء من غير أن يكون معطوفا على ﴿(وَيَعْفُ)﴾ لأنّ علم الله تعالى مقطوع به لا يجوز تعليقه بمشيئة، ومن قرأ بالنصب فهو نصب على إضمار (أن) معناه: ولئن يعلم الذين ينازعون في آياتنا بالتكذيب أنه لا مخلص لهم في الآخرة من عذابه، كما لا مخلص لأهل السّفينة من البحر إلاّ بالله.
قوله تعالى: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ أي ما أعطيتم من شيء مما في أيديكم فهو متاع يتمتّع به إلى حين، ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى؛﴾ من الثواب أفضل وأدوم مما في أيديكم، ثم بيّن الله لمن الثواب فقال: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٣٦).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (٣٧)؛قد تقدّم الكلام في الكبائر والفواحش في سورة النّساء، قال
стр. 2444
مقاتل: (الفواحش ما يقام فيها الحدّ في الدّنيا) (١).وقيل: الفواحش الزّنى وأنواعه، وكبائر الإثم الشّرك، كذا قال ابن عبّاس. وقرأ حمزة «(كبير الإثم)» على الوحدان وهو يريد الجمع (٢).
وقوله تعالى ﴿(وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)﴾ أي يكظمون الغيظ ويعفون عمّن ظلمهم، ويطلبون بذلك ثواب الله وعفوه. وهذه الآية نزلت في أبي بكر ﵁ حين أقبل رجل من المشركين يشتمه ويقع فيه ولم يردّ عليه أبو بكر ﵁.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ؛﴾ أي أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعبادة، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣٨) أي فعالا من المشورة، وهي الأمر الذي يتشاور فيه، يقال: صار هذا الأمر شورى بين القوم إذا تشاوروا فيه.
والمعنى أنّهم يتشاورون فيما يبدو لهم، ولا يعجلون في الأمر. وقال الحسن:
(والله ما تشاور قوم إلاّ هداهم الله تعالى لأفضل ما بحضرتهم) (٣).والمعنى: أنّهم إذا حدث بهم أمر لا نصّ فيه من كتاب ولا سنة ولا إجماع؛ شاور بعضهم بعضا لإظهار الحقّ.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (٣٩)،معناه:
الذين إذا أصابهم البغي والظّلم والعدوان هم ينتصرون ممّن ظلمهم، قال عطاء:
(يعني المؤمنين الّذين أخرجهم الكفّار من مكّة وبغوا عليهم، ثمّ مكّنهم الله تعالى في الأرض حتّى انتصروا ممّن ظلمهم) (٤).
стр. 2445
قال ابن زيد: (جعل الله المؤمنين صنفين: صنف يعفون عمّن ظلمهم، فبدأ بذكرهم فقال: ﴿(وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)﴾.وصنف ينتصرون ممّن ظلمهم، وهم الّذين ذكروا في هذه الآية، ومن انتصر فأخذ حقّه ولم يجاوز في ذلك ما حدّ الله فهو مطيع لله، ومن أطاع الله فهو محمود).
ثم اعلم: أن أوّل هذه الآية يقتضي أنّ الاقتصار بأخذ الواجب من القصاص أو نحوه أفضل؛ لأن الله تعالى عطف هذه الآية على الآية التي ذكر فيها الاستجابة لله تعالى وإقام الصّلاة.
وتكلّموا في معنى ذلك، قال بعضهم: أراد به الانتصار ممّن فارقهم في دينهم، فأما من المسلمين فالانتصار مباح، كما قال ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١) والعفو أفضل، كما قال تعالى ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ (٢)،وقال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ (٣).
وقال بعضهم: إذا كان العفو يؤدّي إلى الإخلال بشيء من حقوق الله مثل العفو عن الفاسق الذي لا يرتدع، والعفو عن الباغي الذي لا يكون مصرّا على قصده، فالانتصار أولى من العفو، وإذا كان العفو لا يؤدّي الى إسقاط شيء من حقوق الله تعالى فالعفو أفضل كما قال تعالى في آية القصاص ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ (٤).وفي بعض التّفاسير: إنما جعل الانتصار في أوّل هذه الآيات أفضل لأنّهم كانوا يكرهون أن يذلّلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفسّاق.
قوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها؛﴾ فيه بيان أنه لا تجوز الزيادة على السّيئة الأولى، وإنما سميت الثانية سيئة لأنّها في مقابلة الأولى، والأولى سيّئة لفظا ومعنى، والثانية سيئة لفظا لا معنى، وسميت بهذا الاسم لأن مجازاة السّوء لا تكون إلاّ بمثله، قال مقاتل: (معنى هذه الآية في القصاص في الجراحات والدّماء) (٥).
стр. 2446
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ؛﴾ أي من عفى عمّن ظلمه وأصلح بالعفو بينه وبين ظالمه فأجره على الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ (٤٠)؛يعني من يبدأ بالظّلم. وفيه بيان أنّ الله تعالى إنما ندب المظلوم إلى العفو لا لميله إلى الظالم أو لحبه إياه، ولكن ليعرّض المظلوم لجزيل الثّواب بالعفو.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ؛﴾ أي بعد ظلم الظالم إيّاه، فالمصدر هاهنا مضاف إلى المفعول، كقوله: ﴿مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ﴾ (١) و ﴿بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾ (٢)، ﴿فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ؛﴾ يعني الذين يبدءون بالظّلم، ﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ؛﴾ أي يعملون بالمعاصي، ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ؛﴾ يعني من صبر ولم ينتصر وغفر، ﴿إِنَّ ذلِكَ؛﴾ الصبر والتّجاوز، ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤٣)؛قال مقاتل: (من الأمور الّتي أمر الله بها) (٣)،والمراد بذلك إذا كان الجاني نادما مقلعا. والعزم على الشيء هو أن يعقد قلبه على أنّه سيفعله، وكلّها كانت رغبة الصابر في الثواب أكثر كان عزمه على التجاوز أتمّ لتيقّنه بالخلف والثواب.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ؛﴾ أي من يخذله الله بعناده وجحوده، ويضلّه عن الهدى، ﴿فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ؛﴾ أي ما له من أحد يلي هدايته بعد إضلال الله إيّاه. وقيل: معناه: من يهلكه الله ويضيّعه فما له من وليّ يلي أمره ويدفع عنه العذاب.
قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الظّالِمِينَ؛﴾ أي ترى المشركين يا محمّد، ﴿لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ؛﴾ في الآخرة يسألون الرجعة إلى الدّنيا، ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٤٤).
стр. 2447
قوله تعالى: ﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها؛﴾ أي على النار قبل أن يدخلوها، ﴿خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ؛﴾ أي أذلاّء من الهوان، وقيل: ساكنين متواضعين، ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ؛﴾ أي ينظرون إلى النار سارقة (١) الأعين نظر الخائف؛ أي من يخافه فزعا منه. وقيل: معنى ﴿(خاشِعِينَ)﴾ مطرقين من الخجل والوجل، والطّرف هو العين.
وعن ابن عبّاس أنه قال: (ينظرون بقلوبهم نظر الأعمى، إذا سمع حسّا وقف مستمعا خائفا منه لأنّ الله تعالى قال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا﴾ (٢)).
قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ أي عرف المؤمنون خسران الكفّار في ذلك اليوم فقالوا:
﴿(إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ)﴾ بأن صاروا إلى النّار، وأهليهم في الجنّة بأن صاروا لغيرهم. وقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ الظّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ (٤٥)؛ أي دائم لا ينقطع،
﴿وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٤٦).
قوله: ﴿اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ؛﴾ أي أجيبوا داعي ربكم، يعني محمّدا ﷺ ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ؛﴾ لا يقدر أحد على دفعه وهو يوم القيامة، ﴿ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ؛﴾ تلجئون إليه، ﴿وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ (٤٧)؛ينكر العذاب ويدفعه عنكم، وقيل: معناه: لا تقدرون أن تنكروا ما توقفون عليه من ذنوبكم وما ينزل بكم.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً؛﴾ فإن أعرضوا عن إجابتك يا محمّد فما أرسلناك عليهم حفيظا تحفظ أعمالهم وأقوالهم، ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ؛﴾ عن الله.
стр. 2448
قوله تعالى: ﴿وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً؛﴾ أي غنى وصحّة، ﴿فَرِحَ بِها؛﴾ يعني الكافر، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ؛﴾ أي قحط، ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ؛﴾ من الكفر، ﴿فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ﴾ (٤٨)؛لما تقدّم من نعم الله عليه ويجحد.
قوله تعالى: ﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي له التصرّف فيهما بما يريد (١)، ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً؛﴾ مثل ما وهب للوط ﵇، ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ (٤٩)؛مثل ما وهب لإبراهيم ﵇ لم يكن له ولد أنثى،
﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً؛﴾ أي يجمع لمن يشاء البنين والبنات، كما وهب لنبيّنا محمّد ﷺ فإنه كان له ثلاثة بنين وأربع بنات، ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً؛﴾ لا يولد له مثل يحيى وعيسى ﵇، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ؛﴾ بعواقب الأمور وأواخرها وأوائلها، وفواتحها وخواتمها، وظواهرها وبواطنها، ﴿قَدِيرٌ﴾ (٥٠)؛ على كلّ شيء، لا يلحقه عجز ولا يعتريه منع.
قوله تعالى: ﴿*وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ؛﴾ أي ما كان لآدميّ أن يكلّمه الله مواجهة بغير حجاب، إلاّ أن يوحي أن يقذف في قلبه ويلهم إما في المنام أو بالإلهام (٢)، كما أخبر الله في قصّة إبراهيم ﵇ في قوله ﴿إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿(أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ)﴾ كما كلّم موسى ﵇، كان يسمع كلامه من حيث لا يراه، أو يرسل من الملائكة جبريل أو غيره فيوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن الله ما يشاء الله.
قال الزجّاج: (المعنى: أنّ كلام الله للبشر إمّا أن يكون بإلهام أو يكلّمهم من وراء حجاب كما كلّم موسى، أو برسالة ملك إليهم) (٤).فمن قرأ ﴿(أَوْ يُرْسِلَ)﴾ بنصب
стр. 2449
اللام فمعناه: أو أن يرسل رسولا من الملائكة، كما أرسل جبريل ﵇، وتقديره: وما كان لبشر أن يكلّمه الله إلاّ وحيا أن يوحي إليه أو يكلّمه من وراء حجاب أو يرسل رسولا. ومن قرأ بالرفع أراد: وهو يرسل فهو ابتداء واستئناف، والوقف كاف على ما قبله.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٥١)؛أي هو أعلى من أن يدركه الخلق بالأبصار الفانية بلا حجاب، الحكيم فيما يأمر وينهى.
قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا؛﴾ أي كما أوحينا إلى الرّسل من قبلك أوحينا إليك جبريل بالقرآن الذي «فيه» (١) حياة القلوب من الجهل.
ومن هذا سمّي القرآن روحا؛ لأنه سبب حياة الدّين، كما أنّ الروح سبب حياة الجسد. وقال مقاتل: (معنى قوله ﴿(رُوحاً)﴾ يعني الوحي) (٢) وهو القرآن؛ لأنّه يهتدى به، ففيه حياة من موت الكفر. وقوله ﴿(مِنْ أَمْرِنا)﴾،وقيل: إنّ الروح هاهنا جبريل.
وقوله: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ؛﴾ أي ما كنت تدري قبل الوحي ما الكتاب ولا ما الإيمان؛ قيل: لأنه كان لا يعرف القرآن قبل الوحي، ولا كان يعرف بشرائع الإيمان ومعالمه، وهي كلّها إيمان، وهذا اختيار الإمام محمّد بن جرير، واحتجّ بقوله ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ (٣) يعني الصّلاة سمّاها إيمانا.
وقيل: معناه: ما كنت تدري ما الإيمان قبل البلوغ، يعني حين كان طفلا في المهد.
وقال الحسين بن الفضل: (هذا من باب حذف المضاف؛ معناه: «أي ما كنت تدري ما الكتاب» (٤) ولا أهل الإيمان «أي» (٥) من الّذي يؤمن ومن الّذي لا يؤمن)،وفي الجملة لم يكن النّبيّ ﷺ على الكفر قطّ، وإنّه كان على فطرة الإسلام حين ولد،
стр. 2450
وكذلك جميع أنبياء الله صلوات الله عليهم قبل الوحي كانوا مؤمنين، وكان محمّد ﷺ يعبد الله قبل الوحي على دين إبراهيم ﵇.
قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً؛﴾ يعني الوحي ودليلا على الإيمان والتوحيد، ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا؛﴾ إلى دين الحقّ، ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥٢)؛أي لتدعو الخلق كلّهم بوحينا إليك إلى طريق قائم يرضاه الله وهو الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ خفض على البدل، وقوله تعالى: ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (٥٣)؛أي إليه ترجع عواقب الأمور في الآخرة.
آخر تفسير سورة (الشورى) والحمد لله رب العالمين
стр. 2451
سورة الزّخرف
سورة الزّخرف كلّها مكّيّة (١)،وهي ثلاثة آلاف وأربعمائة حرف، وثمانمائة وثلاث وثلاثون كلمة، وتسع وثمانون آية (٢).
قال ﷺ : [من قرأ الزّخرف كان ممّن يقال له يوم القيامة: يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، أدخلوا الجنّة بغير حساب] (٣).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ (٢)؛أقسم الله بالقرآن، المبين: الذي أبان طريق الهدى من طريق الضّلالة، وأبان ما يحتاج إليه من الشّرائع، وجواب:
﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣)؛أي إنّا أنزلناه على لغة العرب ليكون أبلغ في الحجّة وأدعى إلى القبول، كي يعقله العرب من غير مترجم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٤)؛أي إنّه مذكور مثبت في اللّوح المحفوظ عندنا، كما قال في آية أخرى ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (٤)،وسمي اللوح أمّ الكتاب؛ لأنه أصل كلّ كتاب، وتسمّى الوالدة:
أمّا؛ لأنّها أصل الولد.
стр. 2452
وقوله تعالى ﴿(لَدَيْنا)﴾ يريد الذي عندنا نخبر عن فضيلته ومنزلته وشرفه أن كذبتم به يا أهل مكّة، فإنه عندنا شريف رفيع محكم من الباطل. ويقال: ذو حكمة لا يحتمل الزيادة والنّقصان، والتبديل والتغيير.
قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ (٥)؛قال الكلبيّ: (يقول الله لأهل مكّة: أفنترك عنكم الوحي صفحا فلا نأمركم ولا ننهاكم ولا نرسل إليكم رسولا؟ وهذا استفهام معناه الإنكار؛ أي لا نفعل ذلك).
ومعنى الآية: أفنمسك عن إنزال القرآن ونهملكم فلا نعرّفكم ما يجب عليكم من أجل أنّكم أسرفتم في كفركم، وهو قوله تعالى: ﴿(أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ)﴾،والمعنى:
لإن كنتم، والكسر في ﴿(أَنْ)﴾ على أنه جزاء استغنى عن جوابه بما تقدّمه، كما تقول:
أنت ظالم إن فعلت كذا، ومثله ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ بالفتح والكسر، وقد تقدّم.
ومعنى الآية: أفنضرب عنكم تذكّرنا إيّاكم الواجب ونترككم بلا أمر ولا نهي معرضين عنكم لئن أسرفتم. والصّفح في اللغة: هو الإعراض، يقال: صفح عن دينه أي أعرض عنه، «صفح» (١) فلان عنّي بوجهه؛ أي أعرض، وهو في صفات الله بمعنى العفو، يقال: أصفح عن دينه؛ أي أعرض عنه. والإضراب والضّرب في الكلام كلاهما بمعنى الإعراض والعدول.
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٧)؛فيه تسلية للنّبيّ ﷺ ، وبيان أنّ دأب كلّ أمة مع رسولهم التكذيب والاستهزاء به، وإنّ من سنة الله تعالى إهلاك المكذّبين، فحدّث أيها الرسول قومك كي لا يسلكوا طريق من قبلهم فينزل بهم من العذاب ما نزل بمن قبلهم.
стр. 2453
وقوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً؛﴾ أي أقوى من قومك، يعني الأوّلين الذين هلكوا بتكذيبهم، ﴿وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٨)؛وسبق فيما أنزلنا إليك تشبيه بتكذيبهم، فعاقبة هؤلاء أيضا الإهلاك.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ؛﴾ معناه:
ولئن سألت قومك من خلق السّماوات والأرض، ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (٩)،وهذا إخبار عن غاية جهلهم إذ أقرّوا بأنّ الله خلق السموات والأرض، ثم عبدوا معه غيره وأنكروا قدرته على البعث، فهم يقرّون بالله ويشركون به غيره، كما قال تعالى في آية أخرى ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (١) وتمّ الكلام والإخبار عنهم.
ثم ابتدأ قوله فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً؛﴾ هذا ابتداء كلام من الله تعالى على معنى: نعم خلقهنّ العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهادا يمكنكم القرار عليها، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً؛﴾ أي طرقا، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٠)؛في الطريق من بلد إلى بلد، وتهتدون بوحدانيّة الله.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ؛﴾ يعني المطر بمقدار معلوم يعلمه خازن المطر ليس كما أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أهلكهم، بل هو بقدر يكون معاشا لكم ولأنعامكم، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً؛﴾ أي فأحيينا بذلك المطر بلدا ميتا بإخراج الأشجار والزرع، ﴿كَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (١١)؛من القبور يوم النشور للحساب والجزاء.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ (١٢)؛معناه والذي خلق الأصناف كلّها والألوان كلّها، ويقال: الذكور والإناث كلّها، وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون عليها في البرّ.
قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ؛﴾ الكناية تعود إلى لفظ ﴿(ما)﴾ أي لتستووا على ظهور ما تركبون، ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ؛﴾
стр. 2454
يعني النعمة بتسخير ذلك المركب في البرّ والبحر، قال مقاتل والكلبي: (وهو أن تقول:
الحمد لله الّذي رزقني هذا وحملني عليه) (١)، ﴿وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا؛﴾ المركب وذلّله لنا، وسهّل ركوبه، ولولا تسخيره لنا، ﴿وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (١٣)؛أي مطيقين ضابطين، يريد: لا طاقة لنا بالإبل ولا بالفلك ولا بالبحر، لولا أنّ الله تعالى سخّر لنا ذلك.
قال قتادة: (قد علّمكم الله كيف تقولون إذا ركبتم) (٢).وعن ابن مسعود أنّه قال: (إذا ركب الرّجل الدّابة فلم يذكر اسم الله، ردفه الشّيطان، فقال له: تغنّ، فإنّ لم يحسن قاله له: ثمن) (٣).
وعن رسول الله ﷺ : [أنّه كان إذا استوى على بعيره خارجا في سفر كبّر ثلاثا سبحان الّذي سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين، وإنّا إلى ربنا لمنقلبون، اللهمّ إنّا نسألك في سفرنا هذا البرّ والتّقوى، والعمل بما ترضى، اللهمّ هوّن علينا سفرنا وأطوعنا بعده، اللهمّ أنت الصّاحب في السّفر، والخليفة في الأهل، اللهمّ إنّي أعوذ بك من وعثاء السّفر وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال].وإذا رجع قال: [آئبون تائبون لربنا حامدون] (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (١٤)؛فيه بيان أنه كما يذكر نعمة الله عليه في الدّنيا، فعليه أن يذكر مصيره إلى الآخرة. وينبغي للعاقل إذا ركب دابّة أو سفينة أن يتذكّر آخر مركبه وهي الجنازة، وإذا لبس أن يتذكّر آخر ملبسه وهو الكفن،
стр. 2455
وإذا اغتسل أن يتذكّر آخر عهده بالغسل، وإذا نام أن يذكّر الحال التي يوضع فيها على جنبه في اللّحد.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً؛﴾ أي جعل الكفار لله تعالى من عباده جزءا؛ لأنّهم قالوا: الملائكة بنات الله، فوصفوا عباد الله بأنّهم جزء من الله، وقد تقدّم أن الذين قالوا هذا القول حيّ من خزاعة، ومعنى الجعل ههنا الحكم بالشيء، والوصف والتسمية كما جعل فلان زيدا من أعلم الناس؛ أي وصفه بذلك، ويقال: إن الجزء في كلام العرب عبارة عن الأنثى كما قال الشاعر (١):
إن أجزأت حرّة يوما فلا عجب ... قد تجزئ الحرّة المذكار أحيانا
أراد ب (أجزأت):ولدت أنثى. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ (١٥)؛أراد بالإنسان الكافر، وقوله تعالى ﴿(لَكَفُورٌ مُبِينٌ)﴾ أي لجحود لنعم الله، ﴿(مُبِينٌ)﴾ ظاهر الكفران.
ثم أنكر عليهم هذا فقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ (١٦)؛هذا استفهام توبيخ وإنكار، يقولوا: أتّخذ ربّكم لنفسه البنات وأصفاكم بالبنين وأخلصكم بهم. والمعنى: كيف اختار لنفسه أهون قسمي الولد، واختار لكم أعلى القسمين، والحكمة لا توجب أن يختار الحكيم الأدون لنفسه والأعلى لغيره.
ثم وصف كراهتهم بالبنات، فقال قوله : ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا؛﴾ أي وإذا أخبر أحدهم بما وصف للرحمن من إضافة البنت إليه صار وجهه مسودّا متغيّرا يعرف فيه الحزن. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (١٧)؛أي يتردّد حزنه في جوفه. وقد تقدم تفسيره في سورة النحل.