سورة الزّخرف
سورة الزّخرف كلّها مكّيّة (١)،وهي ثلاثة آلاف وأربعمائة حرف، وثمانمائة وثلاث وثلاثون كلمة، وتسع وثمانون آية (٢).
قال ﷺ : [من قرأ الزّخرف كان ممّن يقال له يوم القيامة: يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، أدخلوا الجنّة بغير حساب] (٣).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ (٢)؛أقسم الله بالقرآن، المبين: الذي أبان طريق الهدى من طريق الضّلالة، وأبان ما يحتاج إليه من الشّرائع، وجواب:
﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣)؛أي إنّا أنزلناه على لغة العرب ليكون أبلغ في الحجّة وأدعى إلى القبول، كي يعقله العرب من غير مترجم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٤)؛أي إنّه مذكور مثبت في اللّوح المحفوظ عندنا، كما قال في آية أخرى ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (٤)،وسمي اللوح أمّ الكتاب؛ لأنه أصل كلّ كتاب، وتسمّى الوالدة:
أمّا؛ لأنّها أصل الولد.
стр. 2452
وقوله تعالى ﴿(لَدَيْنا)﴾ يريد الذي عندنا نخبر عن فضيلته ومنزلته وشرفه أن كذبتم به يا أهل مكّة، فإنه عندنا شريف رفيع محكم من الباطل. ويقال: ذو حكمة لا يحتمل الزيادة والنّقصان، والتبديل والتغيير.
قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ (٥)؛قال الكلبيّ: (يقول الله لأهل مكّة: أفنترك عنكم الوحي صفحا فلا نأمركم ولا ننهاكم ولا نرسل إليكم رسولا؟ وهذا استفهام معناه الإنكار؛ أي لا نفعل ذلك).
ومعنى الآية: أفنمسك عن إنزال القرآن ونهملكم فلا نعرّفكم ما يجب عليكم من أجل أنّكم أسرفتم في كفركم، وهو قوله تعالى: ﴿(أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ)﴾،والمعنى:
لإن كنتم، والكسر في ﴿(أَنْ)﴾ على أنه جزاء استغنى عن جوابه بما تقدّمه، كما تقول:
أنت ظالم إن فعلت كذا، ومثله ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ بالفتح والكسر، وقد تقدّم.
ومعنى الآية: أفنضرب عنكم تذكّرنا إيّاكم الواجب ونترككم بلا أمر ولا نهي معرضين عنكم لئن أسرفتم. والصّفح في اللغة: هو الإعراض، يقال: صفح عن دينه أي أعرض عنه، «صفح» (١) فلان عنّي بوجهه؛ أي أعرض، وهو في صفات الله بمعنى العفو، يقال: أصفح عن دينه؛ أي أعرض عنه. والإضراب والضّرب في الكلام كلاهما بمعنى الإعراض والعدول.
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٧)؛فيه تسلية للنّبيّ ﷺ ، وبيان أنّ دأب كلّ أمة مع رسولهم التكذيب والاستهزاء به، وإنّ من سنة الله تعالى إهلاك المكذّبين، فحدّث أيها الرسول قومك كي لا يسلكوا طريق من قبلهم فينزل بهم من العذاب ما نزل بمن قبلهم.
стр. 2453
وقوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً؛﴾ أي أقوى من قومك، يعني الأوّلين الذين هلكوا بتكذيبهم، ﴿وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٨)؛وسبق فيما أنزلنا إليك تشبيه بتكذيبهم، فعاقبة هؤلاء أيضا الإهلاك.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ؛﴾ معناه:
ولئن سألت قومك من خلق السّماوات والأرض، ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (٩)،وهذا إخبار عن غاية جهلهم إذ أقرّوا بأنّ الله خلق السموات والأرض، ثم عبدوا معه غيره وأنكروا قدرته على البعث، فهم يقرّون بالله ويشركون به غيره، كما قال تعالى في آية أخرى ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (١) وتمّ الكلام والإخبار عنهم.
ثم ابتدأ قوله فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً؛﴾ هذا ابتداء كلام من الله تعالى على معنى: نعم خلقهنّ العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهادا يمكنكم القرار عليها، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً؛﴾ أي طرقا، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٠)؛في الطريق من بلد إلى بلد، وتهتدون بوحدانيّة الله.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ؛﴾ يعني المطر بمقدار معلوم يعلمه خازن المطر ليس كما أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أهلكهم، بل هو بقدر يكون معاشا لكم ولأنعامكم، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً؛﴾ أي فأحيينا بذلك المطر بلدا ميتا بإخراج الأشجار والزرع، ﴿كَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (١١)؛من القبور يوم النشور للحساب والجزاء.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ (١٢)؛معناه والذي خلق الأصناف كلّها والألوان كلّها، ويقال: الذكور والإناث كلّها، وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون عليها في البرّ.
قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ؛﴾ الكناية تعود إلى لفظ ﴿(ما)﴾ أي لتستووا على ظهور ما تركبون، ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ؛﴾
стр. 2454
يعني النعمة بتسخير ذلك المركب في البرّ والبحر، قال مقاتل والكلبي: (وهو أن تقول:
الحمد لله الّذي رزقني هذا وحملني عليه) (١)، ﴿وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا؛﴾ المركب وذلّله لنا، وسهّل ركوبه، ولولا تسخيره لنا، ﴿وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (١٣)؛أي مطيقين ضابطين، يريد: لا طاقة لنا بالإبل ولا بالفلك ولا بالبحر، لولا أنّ الله تعالى سخّر لنا ذلك.
قال قتادة: (قد علّمكم الله كيف تقولون إذا ركبتم) (٢).وعن ابن مسعود أنّه قال: (إذا ركب الرّجل الدّابة فلم يذكر اسم الله، ردفه الشّيطان، فقال له: تغنّ، فإنّ لم يحسن قاله له: ثمن) (٣).
وعن رسول الله ﷺ : [أنّه كان إذا استوى على بعيره خارجا في سفر كبّر ثلاثا سبحان الّذي سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين، وإنّا إلى ربنا لمنقلبون، اللهمّ إنّا نسألك في سفرنا هذا البرّ والتّقوى، والعمل بما ترضى، اللهمّ هوّن علينا سفرنا وأطوعنا بعده، اللهمّ أنت الصّاحب في السّفر، والخليفة في الأهل، اللهمّ إنّي أعوذ بك من وعثاء السّفر وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال].وإذا رجع قال: [آئبون تائبون لربنا حامدون] (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (١٤)؛فيه بيان أنه كما يذكر نعمة الله عليه في الدّنيا، فعليه أن يذكر مصيره إلى الآخرة. وينبغي للعاقل إذا ركب دابّة أو سفينة أن يتذكّر آخر مركبه وهي الجنازة، وإذا لبس أن يتذكّر آخر ملبسه وهو الكفن،
стр. 2455
وإذا اغتسل أن يتذكّر آخر عهده بالغسل، وإذا نام أن يذكّر الحال التي يوضع فيها على جنبه في اللّحد.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً؛﴾ أي جعل الكفار لله تعالى من عباده جزءا؛ لأنّهم قالوا: الملائكة بنات الله، فوصفوا عباد الله بأنّهم جزء من الله، وقد تقدّم أن الذين قالوا هذا القول حيّ من خزاعة، ومعنى الجعل ههنا الحكم بالشيء، والوصف والتسمية كما جعل فلان زيدا من أعلم الناس؛ أي وصفه بذلك، ويقال: إن الجزء في كلام العرب عبارة عن الأنثى كما قال الشاعر (١):
إن أجزأت حرّة يوما فلا عجب ... قد تجزئ الحرّة المذكار أحيانا
أراد ب (أجزأت):ولدت أنثى. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ (١٥)؛أراد بالإنسان الكافر، وقوله تعالى ﴿(لَكَفُورٌ مُبِينٌ)﴾ أي لجحود لنعم الله، ﴿(مُبِينٌ)﴾ ظاهر الكفران.
ثم أنكر عليهم هذا فقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ (١٦)؛هذا استفهام توبيخ وإنكار، يقولوا: أتّخذ ربّكم لنفسه البنات وأصفاكم بالبنين وأخلصكم بهم. والمعنى: كيف اختار لنفسه أهون قسمي الولد، واختار لكم أعلى القسمين، والحكمة لا توجب أن يختار الحكيم الأدون لنفسه والأعلى لغيره.
ثم وصف كراهتهم بالبنات، فقال قوله : ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا؛﴾ أي وإذا أخبر أحدهم بما وصف للرحمن من إضافة البنت إليه صار وجهه مسودّا متغيّرا يعرف فيه الحزن. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (١٧)؛أي يتردّد حزنه في جوفه. وقد تقدم تفسيره في سورة النحل.
стр. 2456
قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ؛﴾ زيادة في الإنكار عليهم والمذمّة لهم، كأنّه قال: أو يختار لنفسه مع استغنائه عن الخلق كلّهم (من ينشّأ في الحلية) أي من ربي في حلية الذهب والفضّة، ﴿وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (١٨)،وهو في الكلام غير ثابت الحجّة.
قال المبرّد: (تقدير الآية: أو تجعلون له من ينشّأ في الحلية، يعني البنت نبتت) (١). ﴿(وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ)﴾؛أي وهو عند المخاصمة غير مبين الحجّة.
قال قتادة: (قلّ ما تكلّمت امرأة بحجّتها إلاّ تكلّمت بحجّتها عليها) (٢) لضعف رأيها ونقصان عقلها (٣).
ويستدلّ من هذه الآية على ثبوت الترخّص للنساء في التزيّن بحلية الذهب والفضّة، كما قال ﷺ وقد أخذ الذهب بإحدى يديه، والحرير بالأخرى وقال: [هذان محرّمان على ذكور أمّتي، حلّ لإناثهم] (٤).
стр. 2457
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً؛﴾ معناه:
ووصفوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن أنّهم بنات الله، وقرئ «(عبد الرّحمن)» وكلّ صواب، وقد جاء القرآن بالأمرين معا، وذلك قوله ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (١) وقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ (٢)،وفي قوله تعالى ﴿(عِبادُ الرَّحْمنِ)﴾ دلالة على رفع المنزلة والقربة من الكرامة (٣).
وقوله تعالى: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ؛﴾ معناه: أحضروا عند خلقهم فعلموا ذلك، والشهادة هاهنا من الحضور، ووبّخهم الله على ما قالوا ما لم يشاهدوه. وقرأ نافع: ﴿(أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ)﴾ بهمزة الاستفهام وتخفيف الهمزة الثانية على معنى أحضروا وعاينوا خلقهم حتى علموا أنّهم إناث، وهكذا كقوله ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ﴾ (٤).
قال ابن عبّاس: (يريد: أحضروا وعاينوا خلقهم؟)،قال الكلبيّ: (لمّا قالوا هذه المقالة سألهم النّبيّ ﷺ فقال: [ما يدريكم أنّهم إناث؟] قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنّهم لم يكذبوا أنّهم إناث) (٥) فقال الله: ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ (١٩)؛عنها في الآخرة.
стр. 2458
قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ؛﴾ يعني بني مليح من خزاعة، كانوا يعبدون الملائكة، ﴿(وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ)﴾ أي ما عبدوا الملائكة، وإنما عبدناهم بمشيئة الله تعالى. وإنما كانوا يقولون هذا القول إبلاغا لعذرهم عند سفلتهم، يقول الله تعالى: ﴿ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ؛﴾ بقولهم إنّ الملائكة بنات الله وإنّهم كذبوا في ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ (٢٠)؛ أي ما هم إلا يكذبون فيما قالوا، ولم يتعرّض لقولهم ﴿(لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ)﴾ بشيء؛ لأن هذا القول حقّ، وإن كان من الكفار، وهذا كقوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) أي ولو جعلت قوله ﴿(ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ)﴾ ردّا لقولهم ﴿(لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ)﴾ كان المعنى: أنّهم قالوا: إنّ الله قدّرنا على عبادتهم فلم يعاقبنا لأنه رضي ذلك، وهذا كذب منهم؛ لأنّ الله تعالى وإن قدّر كفر الكافر لا يرضاه، وتقدير الكفر من الكافر لا يكون رضى من الله له.
قوله تعالى: ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ؛﴾ أي هل أعطيناهم كتابا من قيل القرآن بأن يعبدوا غير الله، ﴿فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ (٢١)؛أي آخذون بما فيه. ثم أعلم الله أنّهم اتّبعوا آباءهم في الضّلالة فقال تعالى:
﴿بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ؛﴾ أي على سنّة وملّة ودين.
ومن قرأ «(على إمّة)» بكسر الهمزة فمعناه: على طريقة؛ أي ليس لهم حجّة إلاّ هذا القول، ﴿وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢٢)؛أي ليس لهم حجّة إلاّ تقليد آبائهم.
قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها﴾ أي ملوكها وأغنياؤها ورؤساؤها: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (٢٣)؛بهم.
فقال الله تعالى لنبيّه ﷺ : ﴿*قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ؛﴾ معناه: أتتّبعون دين آبائكم وتكفرون مثلهم، ولو جئتكم بأرشد
стр. 2459
مما وجدتم عليه آباءكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك؛ و ﴿قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ (٢٤).
ثم ذكر ما فعل بالأمم المكذّبة تخويفا لهم فقال تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢٥)؛يعني ما صنع بقوم نوح وعاد وثمود.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ (٢٦) معناه واذكر يا محمّد إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه حين خرج من السّرب وهو ابن سبع عشرة سنة، رأى أباه وقومه يعبدون الأصنام، فقال لهم: إنّي براء مما تعبدون من دون الله تعالى،
﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ (٢٧)،إلاّ من الذي خلقني فإنه سيحفظني ويرشدني لدينه وطاعته.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ؛﴾ أي وجعل براءته عن عبادة غير الله وهي كلمة التوحيد: لا إله إلاّ الله؛ باقية في عقبه لكي يرجعوا إلى التوحيد، ويدعوا الخلق إليه، فلا يزال في ولده من يوحّد الله تعالى. ومعنى الآية:
وجعلها كلمة باقية في ذريّة إبراهيم ونسله، فلا يزال في ذريّته من يعبد الله ويوحّده، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢٨)؛أي لعلّ أهل مكّة يتّبعون هذا الدّين ويرجعون إلى دينك دين إبراهيم، إذ كانوا من ولده. وقال السديّ: (لعلّهم يتوبون ويرجعون عمّا هم عليه إلى عبادة الله تعالى) (١).
ثم ذكر نعمته على قريش فقال: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ؛﴾ يعني المشركين متّعتهم بأموالهم وأنفسهم وأنواع النّعم، ولم أعاجلهم بعقوبة كفرهم، بل أمهلتهم زيادة في الحجّة وقطعا للمعذرة، ﴿حَتّى جاءَهُمُ الْحَقُّ؛﴾ أي القرآن، ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ (٢٩)؛للحجج وهو النّبيّ ﷺ بيّن لهم الأحكام والدين.
وكان من حقّ الإنعام أن يطيعوا الرسول بإجابته، فلم يجيبوه وعصوا، وهو قوله:
﴿وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ (٣٠)؛أي لما جاء هم الرسول والقرآن، نسبوا القرآن إلى السّحر وجحدوا به.
стр. 2460
قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (٣١)؛أي قال كفّار مكّة: هلاّ نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين مكّة والطائف، وعنوا بالرّجلين إما الوليد بن المغيرة من مكّة، وإما أبا مسعود الثقفيّ من الطائف (١)،ظنّوا بجهلهم أنّ استحقاق النبوّة إنما يكون بشرف الدّنيا مع اعترافهم بأنّ النبيّ ﷺ من أرفعهم نسبا.
فقال الله تعالى ردّا عليهم وإنكارا لما قالوا: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ؛﴾ يعني النبوّة التي هي من أعظم النّعم، وذلك أنّهم اعترضوا على الله بقولهم: لم لم ينزل هذا القرآن على غير محمّد، فبيّن الله تعالى أنه الذي يقسم النبوّة لا غيره.
قال مقاتل: (يقول الله تعالى: أبأيديهم مفاتيح الرّسالة فيضعونها حيث شاءوا).
فبيّن الله تعالى أنه لم يجعل أمر معايشهم مع قلّة خطر ذلك إلى رأيهم، بل رفع بعضهم فوق بعض في الرّزق، وتلقاه شذ على ما توجبه الحكمة (٢)،فقال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ أي قسمنا الرزق في المعيشة، وليس لأحد أن يتحكّم في شيء من ذلك، فكيف نجعل أمر النبوّة مع عظم قدره ورفعة شأنه إلى رأيهم، قال قتادة في معنى ﴿(نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ)﴾: (تلقى الرّجل ضعيف الحيلة عيّ اللّسان وهو مبسوط في الرّزق، وتلقاه شديد الحيلة بسط اللّسان وهو مقتّر عليه) (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ؛﴾ يعني الفضل في الغنى والمال ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا؛﴾ أي ليستخدم بعضهم بعضا،
стр. 2461
فيسخّر الأغنياء بأموالهم الفقراء ليلتئم قوام أمر العالم، وقال قتادة: (ليملك بعضهم بعضا فيتّخذونهم عبيدا ومماليك) (١).والسّخريّ بالكسر من الاستهزاء، وبالضمّ من التسخير.
وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ (٣٢)؛أي وما خصّك الله به من النبوّة خير لك مما يجمعون من المال. وقيل: معناه: ورحمة ربك يعني الجنّة للمؤمنين خير مما يجمع الكفّار من الأموال.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (٣٣)؛معناه: ولولا أن تميل بالناس الدّنيا فيصير الخلق كلّهم كفّارا لأعطى الله الكافر في الدّنيا غاية ما يتمنّى فيها لهوانها وقلّتها عند الله تعالى، ولكنّه لم يفعل ذلك لعلمه بأن الغالب على الخلق حبّ العاجلة.
وقوله «(سقفا)» من قرأه بالوحدان فهو على معنى جعلنا لكلّ بيت سقفا من فضّة. ومن قرأ ﴿(سُقُفاً)﴾ بضمّتين فهو جمع سقف، مثل رهن ورهن (٢).ومن قرأه «(سقفا)» بضمّ السين وجزم القاف فعلى تخفيف سقف مثل رهن (٣).قوله تعالى:
﴿(وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ)﴾ يعني الدّرج عليها يرتفعون ويعلون، واحدها معرج، ويقال معراج ومعاريج ومعارج، مثل مفاتيح ومفاتح في جمع مفتاح، والمعنى: وكذلك جعلنا لهم معارج من فضّة عليها يصعدون.
قوله تعالى: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ﴾ (٣٤)؛أي ولبيوتهم أبوابا من فضّة وسررا من فضّة، على سرر الفضّة يجلسون ويتّكئون، وقوله تعالى:
﴿وَزُخْرُفاً؛﴾ الزّخرف هو الذهب، كأنّه قال: وجعلنا أمتعتهم من الذهب.
стр. 2462
هكذا في التفاسير أنّ المراد بالزّخرف الذهب، إلاّ أنّه في اللغة الزّخرف: كمال الزّينة (١)،كما قال تعالى ﴿حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها﴾ (٢)،ويجوز أن يكون قوله ﴿(وَزُخْرُفاً)﴾ عطفا على قوله ﴿(مِنْ فِضَّةٍ)﴾ كأنّه قال: من فضّة وزخرفا، إلاّ أنه لمّا قال حذف ﴿(لِمَنْ)﴾ جعل نصبا (٣)،وهذا إنما يكون على قول الكوفيّين.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ من قرأ ﴿(لَمّا)﴾ بالتشديد فالمعنى: ما كلّ ذلك إلاّ متاع الحياة الدّنيا، ومن قرأ بالتخفيف ف (ما) صلة زائدة، والمعنى: وإن كلّ لما متاع الحياة الدنيا، يتمتّع به إلى حين ثم يفنى، وثواب ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣٥)؛الكفر والفواحش، والذي قرأ ﴿(لَمّا)﴾ بالتشديد حمزة جعله في معنى إلاّ، وحكي عن سيبويه: نشدتك لمّا فعلت، بمعنى إلاّ فعلت.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [لولا أن يجزع عبدي المؤمن لعصبت الكافر بعصابة من حديد، ولصبّيت الدّنيا عليه صبّا] (٤).قال (٥):ومصداق ذلك قوله تعالى:
﴿(وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ)﴾.
стр. 2463
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً؛﴾ أي من يعرض عن ذكر الرّحمن نسبب له شيطانا يضلّه، يجعل ذلك جزاؤه، ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (٣٦)؛لا يفارقه في الدّنيا والآخرة، يقال: عشي إلى النار باللّيل إذا تنوّرها فقصدها، وعشي عنها إذا أعرض عنها قاصدا لغيرها، ونظير هذا مال إليه ومال عنه، قال الشاعر (١):
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
ومن قرأ «(يعش)» بفتح الشين وهو من عشى يعشى إذا لم يبصر بالليل، والمعنى:
ومن يعم عن ذكر الرّحمن.
قال الزجّاج: (معنى الآية: ومن يعرض عن القرآن وما فيه من الحكمة إلى أباطيل المضلّين، نعاقبه بشيطان نقيّضه له حتّى يضلّه ويلازمه قرينا له فلا يهتدي، مجازاة له حين آثر الباطل على الحقّ المبين) (٢).
وقوله تعالى: ﴿(فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)﴾ أي صاحب يزيّن له العمى، ويخيّل إليه أنّه على الهدى وهو على الضّلالة، وذلك
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ؛﴾ معناه: وإنّ الشياطين ليمنعونهم عن سبيل الهدى، ﴿وَيَحْسَبُونَ؛﴾ الكفار، ﴿أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣٧).
قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاءَنا؛﴾ يعني الكافر إذا جاء يوم القيامة ﴿قالَ،﴾ لقرينه وهو الشيطان الذي يجعل معه في سلسلة واحدة: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ؛﴾ المشرق والمغرب إذ كنّا في الدّنيا فلم أرك ولم ترني، ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ (٣٨)؛كنت لي.
وإنما سمّي المشرق والمغرب باسم الواحد للازدواج، كما يقال للشّمس والقمر: القمران، وفي تثنية أبي بكر وعمر: العمرين، قال الشاعر (٣):
стр. 2464
أخذنا بآفاق السّماء عليكم ... لنا قمراها والنّجوم الطّوالع
وقرئ: ﴿(حَتّى إِذا جاءَنا)﴾ يعني الكافر وشيطانه يبعثان يوم القيامة في سلسلة واحدة، كما روي أنّ الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ بيده شيطانه فلم يفارقه حتى يصيّرهما الله إلى النار، فلذلك حيث يقول: ﴿(يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ)﴾،ويقول الله في ذلك اليوم للكافرين «و» (١) أنت أيها الشيطان:
﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ؛﴾ أي إذا أشركتم في الدّنيا، ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (٣٩)؛قال المفسّرون: لا يخفّف عنهم الإشراك شيئا من العذاب، لأنّ لكلّ واحد منهم الحظّ الأوفر من العذاب، ولا يستأنس بعضهم ببعض.
قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ؛﴾ أي أفأنت تسمع الكفار الذين يتصاممون عن الحقّ ويتعامون عنه، ﴿وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٤٠)؛أي بيّن قد ظهرت ضلالته.
وقوله تعالى: ﴿فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ؛﴾ أي نميتك قبل أن نريك النّقمة في كفار مكّة، ﴿فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ (٤١)؛بالقتل بعدك،
﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ؛﴾ في حياتك ما، ﴿الَّذِي وَعَدْناهُمْ؛﴾ من الذّلّ، ﴿فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ (٤٢).بيّن الله تعالى أنه قادر على عقوبتهم في حال حياة النّبيّ ﷺ وبعد وفاته.
والأصل في (إما): (إن ما) فحذف الشرط (ان وما) صلة ومتى دخلت (ما) في الشرط للتوكيد دخلت النون الثّقيلة المؤكّدة في الفعل المذكور بعدها.
ومعنى الآية: أنّ الله تعالى «قال» (٢) مطيّبا لقلب نبيّه ﷺ : إن ذهبنا بك انتقمنا لك ممّن كذبك بعدك أو نرينّك في حياتك ما وعدناهم من العذاب، فإنّا قادرون عليهم متى شئنا عذبناهم ثم أري ذلك يوم بدر.
стр. 2465
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ؛﴾ أي استمسك بالقرآن، ﴿إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ؛﴾ أي القرآن شرف لك ولهم، ﴿وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ (٤٤)؛عن شكر هذه النّعمة، يعني ما أعطاه الله من الحكمة وقومه المؤمنين من الهدى بالقرآن إلى إدراك الحقّ، وقال مجاهد: (القوم هاهنا العرب، والقرآن لهم شرف إذ نزل بلغتهم) (١).
قوله تعالى: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (٤٥)؛وذلك أنه لمّا أسري بالنبيّ ﷺ بعث الله آدم وجميع المرسلين وأذن جبريل ثم أقام، وقال: يا محمّد تقدّم فصلّ بهم، فلمّا فرغ من الصّلاة قال جبريل: سل يا محمّد من أرسلنا من قبلك، هل أرسلنا عليهم جواز عبادة غير الله؟ فقال ﷺ : [لا أسأل قد اكتفيت] (٢).
وقيل: معناه: اسأل أمم من أرسلنا قبلك، يعني مؤمني أهل الكتاب سلهم هل جاءتهم الرّسل إلاّ بالتوحيد، فلم يشكّ ولم يسأل، (ومعنى الأمر بالسّؤال لتقرير مشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله تعالى) (٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ﴾ (٤٧)؛أي يهزءون ويضحكون منها جهلا وغفلة.
وقوله تعالى: ﴿وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها؛﴾ يعني ما نرادف عليهم من الطّوفان والجراد والقمّل والضفادع والدّم والطّمس، وكانت كلّ آية من هذه الآيات أكبر من التي قبلها، وهي العذاب المذكور في قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٤٨)؛لأنّهم عذّبوا بهذه الآيات.
стр. 2466
قوله تعالى: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا السّاحِرُ؛﴾ قال الكلبيّ: (يا أيّها العالم، وكان السّاحر فيهم عظيما يعظّمونه، ولم يكن «السّحر» صفة ذمّ، وكان علماؤهم في ذلك الوقت السّحرة، فكانوا يوقّرونه بهذا القول، ولم يريدوا شتمه) (١).
وقوله تعالى: ﴿اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ؛﴾ أي سل ربّك بما عهد عندك فيمن آمن بك ليكشف العذاب عنّا، والمعنى: بما عهد فيمن آمن به من كشف العذاب عنه، ﴿إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ (٤٩)؛مؤمنون بك.
فدعا موسى ربّه فكشف عنهم فلم يؤمنوا، فذلك
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ (٥٠)؛العهد الذي عاهدوا موسى، معناه: إذا هم ينقضون عهودهم.
قوله تعالى: ﴿وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ؛﴾ إلى قوله: ﴿قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٥١)؛يعني أنهار النّيل تجري من تحتي؛ أي من تحت قصوري وفي بساتيني، وقال الحسن: (بأمري) (٢) فعلى هذا معناه: من تحت أمري، أفلا تبصرون عظمتي وشدّة ملكي وفضلي على موسى.
قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ؛﴾ أي بل أنا خير من هذا الذي هو ضعيف حقير، يعني موسى؛ وإنما وصفه بهذا لأنه كان يقوم بأمر نفسه، ولم يكن أحد يقوم بأمره، ومن ذلك المهنة، وقوله تعالى: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ (٥٢)؛أي لا يكاد يبين الكلام، يعني أنه كان بلسانه لثغة من أثر العقدة التي كانت، وكان مع ذلك بليغا مبينا.
قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ؛﴾ معناه: قال فرعون: هلاّ ألقي على موسى أسورة من ذهب إن كان رسولا كما يسوّر الملوك رسلهم تعظيما لهم، وكان آل فرعون يلبسون الأساور، والأسورة جمع السّوار، والأساور جمع الأسورة.
стр. 2467
وقوله تعالى: ﴿أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ (٥٣)؛أي متتابعين يعينونه على أمره الذي بعث له، ويشهدون له بصدقه. والمعنى: أنّ فرعون قال: هلاّ جاء معه الملائكة متعاونين يمشون معه فيدلّون على صدقه بنبوّته.
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ؛﴾ أي استخفّ فرعون عقول قومه القبط فوجدهم خفاف العقول فأطاعوه على تكذيب موسى، ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ (٥٤)؛أي خارجين عن أمرنا.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ؛﴾ أي فلمّا أغضبونا انتقمنا منهم، وجازيناهم على معاصيهم، ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٥٥).والآسف:
الغضب في هذه الآية، وأصله في اللغة: الحزن، إلاّ أن الحزن لا يجوز في صفات الله.
وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً؛﴾ أي متقدّمين، وقيل: سلفا إلى النار، ﴿وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ﴾ (٥٦)؛يتمثّل بهم في الهلاك إلى آخر الدّهر.
وقرأ حمزة «(سلفا)» بالضمّ في السين واللام: جمع سليف وهو الماضي مأخوذ من سلف بضمّ اللام يسلف؛ أي تقدّم فهو سليف. ومن قرأ «(سلفا)» بضمّ السين وفتح اللام فهو جمع سلفة وهي الفرقة التي قد مضت.
قوله تعالى: ﴿*وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ (٥٧)؛قال ابن عبّاس ﵄: (لمّا نزل قوله تعالى ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ .. ﴾. الآية، قرأها النّبيّ ﷺ ، قال ابن الزّبعرى: أخاصّ هذا أم عامّ؟ فقال: [عامّ] فقال ابن الزّبعرى: فإنّ عيسى تعبده النّصارى، فهو والنّصارى في النّار، وعزير تعبده اليهود، وخزاعة تعبد الملائكة، فإن كان هؤلاء في النّار فآلهتنا خيرا منهم، فأنزل الله تعالى ﴿(وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً))﴾ (١).
стр. 2468
والمعنى: لمّا شبّهوه بآلهتهم ﴿(إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ)﴾ يعني قومه الكفار كانوا يضجّون ضجيج المجادلة، حيث خاصموه وقالوا: رضينا أن تكون آلهتنا، وهو قولهم:
﴿وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ؛﴾ أي ليست آلهتنا خيرا من عيسى، فإن كان عيسى في النار بأنه يعبد من دون الله فآلهتنا في النار.
قرئ ﴿(يَصِدُّونَ)﴾ بكسر الصاد وضمّها، قال الفرّاء والزجّاج والأخفش والكسائيّ: (هما لغتان، معناهما: يضجّون) (١).وقيل: يصدّون: يعرضون. ومن قرأ بكسر الصاد فمعناه: يضحكون.
قوله تعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً؛﴾ أي ما ذكروا لك وصف عيسى إلاّ ليجادلوك به؛ لأنّهم قد علموا أن المراد بحصب جهنّم ما اتخذوه من الموات.
ثم ذكر أنّهم أصحاب خصومات فقال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (٥٨)؛ أي جدلون بالباطل، وعن أبي أمامة الباهليّ أنه قال: (ما ضلّ قوم إلاّ أوتوا الجدل.
ثمّ قرأ هذه الآية) (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ؛﴾ فيه بيان أنّ عيسى ﵇ عبد مثلهم فضّله بالنبوّة والرسالة، والمعنى: أنعمنا عليه بالنبوّة، ﴿وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٥٩)؛أي جعلنا خلقه بغير الأب آية تدلّهم على وحدانيّة الله تعالى وقدرته على ما يريد.
ثم خاطب كفار مكّة فقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً؛﴾ أي لو نشاء أهلكناكم وجعلنا بدلا منكم ملائكة، ﴿فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ (٦٠)؛كم يكون خلفا منكم.
стр. 2469
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ؛﴾ يعني نزول عيسى من أشراط السّاعة نعلم به، ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها؛﴾ أي لا تشكّنّ في القيامة إنّها كائنة، ولا تكذّبوا، و؛ قل لهم: ﴿وَاتَّبِعُونِ؛﴾ على التوحيد، و ﴿هذا؛﴾ الذي أنا عليه، ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٦١)؛أي دين قائم لا عوج فيه،
﴿وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ؛﴾ أي لا يصرفنّكم عن هذا الدين، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٦٢)؛أي ظاهر العداوة.
قوله تعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ؛﴾ أي بالمعجزات، وقال قتادة:
(يعني الإنجيل) (١)،وقوله تعالى: ﴿قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ؛﴾ أي بالإنجيل، وقيل: بالنبوّة، و؛ جئتكم ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ؛﴾ فيما بينكم، قال مجاهد: (من أحكام التّوراة) (٢).
فإن قيل: فهلاّ بيّن لهم جميع ما اختلفوا فيه وقد أرسل إليهم؟ قلنا: قد اختلفوا فيه؛ قال بعضهم: إنّ الذي جاء به عيسى في الإنجيل إنما هو بعض الذي اختلفوا فيه، وقد بيّن لهم من غير الإنجيل ما احتاجوا إليه.
وقال بعضهم: معناه: لأبيّن لكم بعض الكتاب الذي تختلفون فيه، إذ كانوا مختلفين في بعض التّوراة. وقال بعضهم معناه: لأبيّن لكم أمر دينكم لأنّهم كانوا مختلفين في أمر دينهم ودنياهم، والمقصود من إرسال الرسل بيان الدين، فكان ذلك بعض ما اختلفوا فيه، وقد يذكر البعض أيضا بمعنى الكلّ، كما قال الشاعر (٣):
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل
وأراد بالبعض الكلّ، لأن المستعجل أيضا قد يدرك البعض،
﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٦٤).
стр. 2470
قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ؛﴾ يعني اليهود والنصارى، وقيل: المراد به فرق النصارى على ما تقدّم ذكره من الاختلاف فيما بينهم في عيسى ﵇، وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ (٦٥)؛أي هل ينظرون إلاّ القيامة أن تأتيهم فجأة على غرّة منهم، «من» غير تأهّب ولا استعداد، ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٦٦)؛ وقت مجيئها.
فإن قيل: كيف تسمّى القيامة الساعة وهي تشتمل على خمسين ألف سنة؟ قلنا:
إنما سمّيت ساعة لسرعة مجيئها، ولأنّها في جنب ما وراءها ساعة، وهي سريعة الانقضاء على المؤمنين.
قوله تعالى: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٦٧)؛ يعني الأخلاّء في يومئذ؛ أي يوم تأتي الساعة ﴿(بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)﴾ يعني إذا كانت الخلّة على المعصية والكفر صارت عداوة يوم القيامة، ﴿(إِلاَّ الْمُتَّقِينَ)﴾ يعني المؤمنين الذين يخالل بعضهم بعضا على الإيمان والتقوى، فإنّ خلّتهم لا تصير عداوة.
وفي الحديث: [أنّ الأخلاّء أربعة: مؤمنان وكافران، فإذا سئل المؤمن عن خليله، قال: ما علمته إلاّ أمّارا بالمعروف نهّاء عن المنكر، ويسأل المؤمن الثّاني عن خليله، فيقول مثل ذلك، ويثني كلّ واحد منهما على صاحبه خيرا، فتزداد مخاللتهما في الآخرة على الّتي كانت في الدّنيا. ثمّ يسأل أحد الكافرين عن خليله، فيقول: بئس الأخ؛ ما علمته إلاّ أمّارا بالمنكر، نهّاء عن المعروف، اللهمّ أضلله كما أضلّني، ويقول الآخر مثل ذلك، ويثني كلّ واحد منهما على صاحبه شرّا وتنقلب مخاللتهما عداوة، لأنّها لم تكن في ذات الله تعالى] (١).
стр. 2471
قوله تعالى: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٦٩)؛أي يقال للمتّقين: يا عبادي لا خوف عليكم من أهوال القيامة وما بعدها، ولا أنتم تحزنون إذا حزن الناس، فقوله:
﴿(الَّذِينَ)﴾ موضع نصب على النعت لعبادي، لأن عبادي منادى مضاف.
وقوله تعالى: ﴿(وَكانُوا مُسْلِمِينَ)﴾ أي خاضعين منقادين، يقال لهم:
﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ (٧٠)؛أي لأنتم وحلائلكم المؤمنات تكرمون غاية الإكرام بالتّحف والهدايا. ويقال: معنى: تحبرون: تسرّون، والحبور السّرور.
قوله تعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ؛﴾ أي يطوف عليهم خدمهم بقصاع من ذهب فيها من أنواع الأطعمة اللّذيذة الشّهيّة، وواحد الصّحاف:
صحفة؛ وهي القصعة الواسعة العريضة، وقوله تعالى: ﴿وَأَكْوابٍ؛﴾ أي وأكواب من ذهب، والأكواب جمع الكوب، وهو إناء مستدير مدوّر الرأس لا عروة له. وقيل:
الأكواب هي الأباريق التي لا خراطيم لها ولا أذن.
قوله تعالى: ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ؛﴾ أي في الجنّة ما تتمنّى الأنفس وتستحسنه الأعين، ﴿وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٧٢)؛من الأعمال الصالحة،
﴿لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ؛﴾ ألوان الفاكهة الكثيرة، ﴿مِنْها تَأْكُلُونَ﴾ (٧٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ (٧٤)؛أي إنّ المجرمين في عذاب جهنّم دائمون،
﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ؛﴾ أي يرفّه عنهم ولا يهوّن عليهم، ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ (٧٥)؛أي آيسون من الرّوح والرّاحة.
والإبلاس هو: اليأس من الخير، والمبلس هو الساكت المنقطع ليأسه من الفرح،
﴿وَما ظَلَمْناهُمْ؛﴾ بهذا العذاب، ﴿وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ (٧٦) لأنفسهم بالكفر والمعاصي.
وفي قراءة ابن مسعود «(الظّالمون)» بالرفع على لغة تميم يعملون المضمر قبله، وأما على القراءة التي ليست في المصحف (فهم) زيادة وفصل لا موضع لها من
стр. 2472
الإعراب بمنزلة (ما) في قوله ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ؛﴾ وذلك أنّه إذا اشتدّ عليهم العذاب وقد صيّرهم، تمنّوا الموت، فنادوا مالكا خازن جهنّم: يا مالك ادع لنا ربّك يقضي علينا بالموت فنستريح من العذاب بعد أربعين سنة، ﴿قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ (٧٧)؛مقيمون دائمون، وعن ابن عبّاس: (أنّهم ينادون مالكا ألف سنة فيجيبهم: إنّكم ماكثون في العذاب) (٢)،وقرأ عليّ وابن مسعود (٣): «(يا مال)» بالترخيم (٤).
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ؛﴾ أي لقد أرسلنا إليكم يا معشر قريش محمّدا رسولنا بالحقّ، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ (٧٨).
стр. 2473
وقوله تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنّا مُبْرِمُونَ﴾ (٧٩)؛أي بل احكموا عند نفوسهم أمرا في كيد محمّد ﷺ والمكر به، فإنّا محكمون أمرا في مجازاتهم شرّا بشرّ.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٨٠)؛السّرّ ما يعقده الإنسان في نفسه ويضمره بقلبه، والنّجوى ما يحدّث به غيره في الخفية، وقوله تعالى ﴿(بَلى)﴾ أي نسمع سرّهم ونجواهم، ورسلنا هم الحفظة عندهم، يكتبون عليهم ذلك.
ويقال: إنّ هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر من المشركين، وهم صفوان بن أمية، وربيعة بن عمرو وأخوه حبيب بن عمرو، وكانوا يمكرون في قتل النبيّ ﷺ ، فقالوا:
أخبرنا أنّ النبيّ ﷺ يقول لأصحابه: إنّ الله يعلم السرّ يكون بين الاثنين، أفترونه يعلم ما نقول؟ قال ربيعة: أراه يعلم بعض ما نقول ولا يعلم بعضا، فقال صفوان: ولا كلمة واحدة، ولو علم بعضه لعلمه كلّه، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١).
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ (٨١)؛وذلك أنّ المشركين لمّا قالوا: لله ولد! ولم يرجعوا عن مقالتهم، أنزل الله هذه الآية، والمعنى: قل لهم يا محمّد: ﴿(إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ)﴾ في زعمكم ﴿(فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ)﴾ من عبد الله وحده وكذبكم بما تقولون، هكذا روي عن مجاهد (٢).
وقال قتادة والحسن: (معناه: ما كان للرّحمن ولد، وأنا أوّل من عبد الله من أهل هذا الزّمان) (٣).وقيل: معناه: إن كان للرّحمن ولد كما تزعمون فأنا أوّل من غضب للرحمن، فعلى هذا القول العابد من العبد بمعنى الغضب. وقال الفرّاء: (عبد
стр. 2474
عليه أي غضب عليه).وقيل: معناه: فأنا أوّل الآنفين، يقال: عبد يعبد؛ إذا أنف وغضب.
قوله تعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ نزّه الله تعالى نفسه مما يقول المشركون؛ أي تنزيها لخالق السّماوات والأرض، ﴿رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ (٨٢)؛يضيفون إليه من الولد.
وقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ (٨٣)؛أمر بتركهم على وجه التوبيخ؛ أي اترك يا محمّد كفار مكّة يخوضوا في أباطيلهم، ويلعبوا في دنياهم بمقالتهم حتى يعاينوا يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ؛﴾ أي هو معبود من في السّماوات ومن في الأرض، لا معبود غيره ولا إله إلاّ هو، ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ؛﴾ في أمره وقضائه، ﴿الْعَلِيمُ﴾ (٨٤)؛بخلقه وتدبيرهم.
وقوله تعالى: ﴿وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما؛﴾ أي تعالى ودام الذي بيده خزائن السموات والأرض وما بينهما، ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ؛﴾ أي علم قيام الساعة، لا يعلم وقتها أحد غيره، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٨٥)؛في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ؛﴾ أي لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة، ثم استثنى عيسى والعزير والملائكة فقال:
﴿إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ؛﴾ أي من شهد أنّه لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٨٦)؛بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم. والمعنى: إلاّ من شهد بكلمة التوحيد، وعلم بقلبه أنّها حقّ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٨٧)؛ أي ولئن سألت هؤلاء الذين عبدوا غير الله: من خلقهم وخلق معبودهم؟ ليقولنّ:
الله خلقهم، فمن أين يصرفون عن عبادة الله مع معرفتهم بأنه الخالق، والخالق أولى بالعبادة من المخلوق؟
стр. 2475
قوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٨٨)؛من قرأ بنصب اللام؛ فمعناه: يعلم قيام الساعة، ويعلم «(قيله)» محمد يا ربّ؛ لأن معنى ﴿(وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ)﴾ ويعلم قيام الساعة. وقيل: انتصب عطفا على قوله ﴿(سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ)﴾ كأنه قال: أم يحسبون أنا لا نسمع سرّهم ونجواهم، ﴿(وَقِيلِهِ)﴾ يا ربّ في شكوى منهم إلى ربه. قال المبرّد: (العطف على المنصوب حسن وإن تباعد المعطوف على المعطوف عليه).
ومن قرأ ﴿(وَقِيلِهِ)﴾ بكسر اللام فهو على معنى: وعنده علم الساعة وعلم قيله.
والقيل مصدر كالقول، يقال: قلت قولا وقيلا وقالا. ولو قرئ «(وقيله)» بالرفع على معنى: وقيل محمّد ﷺ ، هذا كان جائزا في الكلام (١).
قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ؛﴾ أي أعرض عنهم إلى أن تؤمر فيهم بشيء، ﴿وَقُلْ سَلامٌ،﴾ قال عطاء: (يريد مداراة حتّى ينزل حكمي)،ومعناه: المتاركة؛ أي سلام هجران وترك لا سلام تحيّة، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٨٩)؛عاقبة كفرهم، وماذا ينزل بهم فيندمون حين لا ينفعهم الندم.
ومن قرأ «(تعلمون)» فعلى الأمر للنبيّ ﷺ بأن يخاطبهم بهذا، قال مقاتل: (نسخ السّيف الإعراض والسّلام) (٢).
آخر تفسير سورة (الزخرف) والحمد لله رب العالمين.
стр. 2476
سورة الدّخّان
سورة الدّخّان مكّيّة كلّها، وهي ألف وأربعمائة وواحد وثلاثون حرفا، وثلاثمائة وستّ وأربعون كلمة، وتسع وخمسون آية. قال ﷺ : [من قرأها في ليلة الجمعة غفر له] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ (٢)؛أوّل السورة قسم، وجوابه:
﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ؛﴾ وقيل: جوابه: ﴿(إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ)﴾ لأنه ليس من عادة العرب أن يقسموا بنفس الشيء الذي يخبرون عنه، فعلى هذا يكون قوله: ﴿(إِنّا أَنْزَلْناهُ)﴾ معترضا بين القسم والجواب، ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ (٣)،والليلة المباركة:
هي ليلة القدر،
﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٤)،أنزل الله فيها القرآن إلى السّفرة في السّماء الدّنيا، فوضعوه في بيت العزّة، ثم كان جبريل ينزل به على النبيّ ﷺ شيئا بعد شيء على مقدار الحاجة، هكذا روي عن ابن عبّاس، وقد قدمنا ذلك في قوله تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٢).
стр. 2477
وسمّيت هذه الليلة مباركة لأنّ فيها الرحمة ومغفرة الذنوب، وفيها يقدّر الله الأشياء من أرزاق العباد وآجالهم وغير ذلك من الأمور. ويقال: إنما سمّيت مباركة لأنه لا يقدّر فيها شيئا من المكاره، كما قال تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (١).
وعن عكرمة أنه كان يقول: (اللّيلة المباركة هي ليلة النّصف من شعبان، فيها يقضى كلّ أمر فيه حكمة، وفيها ينسخ لجبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت جميع ما هم موكّلون به من سنة إلى سنة) (٢).وكان ابن عبّاس يقول: (إنّك لتلقى الرّجل في السّوق قد كتب اسمه في الموتى) (٣).والصحيح: أنّ الليلة المباركة هي ليلة القدر، وعليه أكثر المفسّرين.
قوله تعالى: ﴿أَمْراً مِنْ عِنْدِنا؛﴾ انتصب ب ﴿(يُفْرَقُ)﴾ بمنزلة ﴿(يُفْرَقُ)﴾ لأن ﴿(أَمْراً)﴾ بمعنى فرقا، وفيه بيان أنّ الذي يفرق في هذه الليلة لا يكون إلاّ من عند الله تعالى وتدبيره، كأنّه قال: بأمر من عندنا. قوله تعالى: ﴿إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ (٥)؛ أي مرسلين محمّدا ﷺ ومن قبله من الأنبياء،
﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ؛﴾ أي رأفة منّي بخلقي ونعمة عليهم. وانتصب على أنه مفعول له على تقدير الرّحمة، وقال الزجّاج: (تقديره: إنّا أنزلناه في ليلة مباركة للرّحمة) (٤). ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ؛﴾ لما يقوله المحقّ والمبطل، ﴿الْعَلِيمُ﴾ (٦)،بأفعال العباد.
قوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما؛﴾ بالخفض على البدل من قوله ﴿(رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ)﴾.وقوله تعالى ﴿(وَما بَيْنَهُما)﴾ يعني من الهواء والخلق.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ﴾
стр. 2478
﴿آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٨)؛معناه: أنّ الذي دبّر السموات والأرض هو الذي دبّر بإرسال الرّسل رحمة منه، فإن كنتم موقنين بتدبيره في السّماوات والأرض، فأيقنوا إنّما هو مثله. واليقين: ثلج الصّدر بالعلم، ولذلك يقال: وجد برد اليقين، ولا يجوز في صفات الله تعالى: موقن، ويجوز: عليم وعالم.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ؛﴾ يعني الكفار من هذا القرآن، ﴿يَلْعَبُونَ﴾ (٩)؛أي يهزءون به لاهين عنه.
قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ (١٥)؛وذلك أنّ المشركين بالغوا في إيذاء النّبيّ ﷺ ويئس من إيمانهم به ودعا عليهم فقال: [اللهمّ اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف] (١).
فأنزل الله تعالى هذه الآيات، فأخذتهم السّنة حتّى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحرّقة من الجوع، وارتفع القطر وأجدبت الأرض، وكانوا إذا نظروا إلى السّماء رأوا دخّانا بين السّماء والأرض للظّلمة الّتي غشيت أعينهم وأبصارهم من شدّة الجوع. ويقال: يبست الأرض وانقطع الغيث.
والمعنى: فانتظر يا محمّد يوم تأتي السّماء بدخان مبين، فجاء أبو سفيان فقال:
يا محمّد جئت تأمرنا بصلة الرّحم وإنّ قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، فقال ﷺ :
[اللهمّ دعوتك فأجبتني، وسألتك فأعطيتني، اللهمّ اسقنا غيثا مغيثا مريّا مريعا طبقا عاجلا غير آجل نافعا غير ضارّ]،فما برح النّبيّ ﷺ حتّى أنزل الله المطر.
стр. 2479
وجاء النّاس يشتدّون وقالوا: الغرق الغرق، فقرأ رسول الله ﷺ ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ فكشف الله عنهم الشّدّة، ثمّ عادوا إلى الكفر (١).فذلك
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى؛﴾ وذلك يوم بدر، ﴿إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ (١٦).
وهذا التأويل إنما يستقيم على قول ابن مسعود فإنه كان يقول: (خمس قد مضين: الدّخّان والرّوم والبطشة واللّزام وانشقاق القمر) (٢) وكان يذهب إلى أنّ البطشة الكبرى هي التي أصابتهم يوم بدر، وذلك أعظم من الجوع الذي أصابهم بمكّة.
وذهب بعض المفسّرين إلى أنّ المراد بالدّخان في هذه الآيات: الدخان الذي ينزله الله تعالى عند قيام الساعة، ثم يغشاهم عذاب أليم بعد ذلك، كما روي عن مسروق أنه قال: (إذا كان يوم القيامة نزل دخّان من السّماء، فأخذ بأسماع الكفّار والمنافقين وأبصارهم حتّى تصير رءوسهم كالرّأس الحنيذ، ويأخذ المؤمنين بمنزلة الزّكام) (٣).
فعلى هذا القول يكون معنى قوله تعالى: ﴿(أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى)﴾ أي من أين لهم الذّكرى، أي من أين ينفعهم إيمانهم ﴿(وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ)﴾ في الوقت الذي كانوا مكلّفين فيه ثمّ أعرضوا عن الإيمان به ﴿(وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ)﴾ أي هو معلّم يعلّمه الجنّ، ويعترضون له. وقيل: معناه: يعلّمه بشر مجنون بادّعائه النبوّة. ويكون معنى
стр. 2480
قوله: ﴿(إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ)﴾ أي عذاب الدّنيا بعد مجيء الرسول إلى وقت الدّخان، فمهّلهم لكي يتوبوا، ولن يتوبوا.
والمراد بالبطشة الكبرى على هذا القول يوم القيامة، وأما على القول الأوّل فقوله: ﴿(أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى)﴾ أي التذكّر والاتّعاظ، يقول: كيف يتذكّرون ويتّعظون، وحالهم أنه قد جاءهم رسول مبين ظاهر الصّدق والدلالة، ﴿(ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ)﴾ أي أعرضوا ولم يقبلوا قوله.
وقوله تعالى: ﴿(إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ)﴾ يعني عذاب الجوع ﴿(قَلِيلاً)﴾ أي زمانا يسيرا، قال مقاتل: (يعني يوم بدر إنّكم عائدون في كفركم وتكذيبكم) وفيه إعلام أنّهم لا يتّعظون، وإنه إذا رفع عنهم العذاب عادوا إلى طغيانهم. قوله تعالى: ﴿(يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى)﴾ أي واذكر لهم ذلك اليوم، يعني يوم بدر.
قوله تعالى: ﴿*وَلَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ؛﴾ أي كلّفنا قبل أهل مكّة قوم فرعون من الطاعة ما اشتدّ عليهم، ﴿وَجاءَهُمْ؛﴾ موسى، ﴿رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ (١٧)،لا خلاف على الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ؛﴾ أي بأن أدّوا إليّ بني إسرائيل، وهذا قول موسى، يقول: أطلقوا بني إسرائيل من العذاب والتسخير، فإنّهم أحرار، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ؛﴾ من الله، ﴿أَمِينٌ﴾ (١٨)؛على الرسالة، لست بخائن ولا كذاب ولا كاتم مما أوحي إليّ،
﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ؛﴾ أي لا تتجبّروا عليه بترك طاعته، ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (١٩)؛بحجّة بيّنة ظاهرة تدلّ على صدقي.
فلمّا قال موسى هذه المقالة توعّدوه بالقتل بالحجارة، فقال:
﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ (٢٠)،أي اعتصمت بخالقي وخالقكم من أن تقتلوني بالحجارة،
﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ (٢١)؛أي وإن لم تصدّقون فاتركوني لا معي ولا عليّ، فلا أقلّ من أن تكفّوا شرّكم عنّي.
فأبوا أن يقبلوا منه، ولم يؤمنوا به،
﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ (٢٢)؛أي مشركون، ولم يدع إلاّ بعد أن أذن له في الدّعاء عليهم، فدعا عليهم.
стр. 2481
قال الله تعالى له: ﴿فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً؛﴾ حتى تقطع بهم البحر، ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ (٢٣)؛يتبعكم فرعون وقومه فيكون ذلك سببا لغرقهم، فسار موسى بمن معه من بني إسرائيل حتى أتى بهم البحر، فضربه بعصاه بأمر الله تعالى فانفلق ودخله أصحابه.
ثم عطف موسى ليضرب البحر بعصاه ليلتئم ويخلط الطريق التي جعلها الله لبني إسرائيل حتى لا يعبر فيها فرعون وقومه، فقيل له:
﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً؛﴾ أي ساكنا منفتحا على ما هو عليه حتى يدخله فرعون وجنوده، ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ (٢٤)؛في حكم الله تعالى.
قال ابن عبّاس: (معنى قوله اتركه رهوا؛ أي اتركه طريقا) (١).والرّهو: يكون بمعنى الفرجة بين الشّيئين، ونظر أعرابيّ إلى فالج؛ فقال: سبحان الله! رهو بين سنامين، فيكون المعنى على هذا: واترك البحر ذا رهو؛ أي ذا فرجة، وهي الطريق التي أظهرها الله تعالى في الماء.
قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ (٢٦) أي كم ترك فرعون وقومه بعد الغرق من بساتين عامرة بليغة الأشجار، وعيون ظاهرة عذبة فيها زرع ومساكن شريفة حسنة،
﴿وَنَعْمَةٍ؛﴾ أي وعيش ليّن، ﴿كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ (٢٧)؛أي ناعمين متعجّبين،
﴿كَذلِكَ؛﴾ كانت حالهم. وقيل: كذلك أفعل بمن عصاني، ﴿وَأَوْرَثْناها؛﴾ وأورثنا ما تركوه، ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ (٢٨)؛ وهم بنو إسرائيل، رجعوا بعد هلاك فرعون إلى مصر فصارت أموال قوم فرعون ونعيمهم لهم من غير كلفة ولا مشقّة، كالميراث الذي ينقل من المورث إلى الوارث من غير مشقّة تلحق الوارث، وهذا من غاية إنعام الله على بني إسرائيل.
قوله: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ؛﴾ أي ما بكت على فرعون وقومه؛ أي كانوا أهون من أن يبكي عليهم أحد من أهل السّماء والأرض، إنّهم كانوا في مقام الجدي.
стр. 2482
قال ﷺ : [ما من مؤمن إلاّ وله في السّماء بابان: باب يصعد فيه عمله، وباب ينزل فيه رزقه، فإذا مات بكيا عليه، وكذلك مصلاّه الّذي كان يصلّي فيه من الأرض] فذلك قوله تعالى: ﴿(فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ)﴾ (١).وعن مجاهد أنه قال: (إذا مات المؤمن بكت عليه الأرض أربعين يوما صباحا) (٢).وعن السديّ قال:
(لمّا قتل الحسين ﵁ بكت السّماء عليه، وبكاؤها حمرة أطرافها) (٣).
والمعنى على هذا: لم يكن لفرعون وقومه موضع طاعة في الأرض ولا مصاعد طاعات في السّماء فتفقدهم وتبكي عليهم، بخلاف المؤمنين. وقوله تعالى: ﴿وَما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ (٢٩)؛أي لم ينظروا ولم يمهلوا حين أخذهم العذاب لتوبة ولا لغيرها.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ (٣٠)؛أي خلّصناهم مما كان فرعون يفعل بهم من ذبح الأبناء واستحياء النّساء واستعمالهم في الأمور الشاقّة.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً؛﴾ أي متكبرا؛ ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٣١)،من المتجاوزين عن الحدّ حتى ادّعى الإلهيّة.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٣٢)؛أي اخترنا بني إسرائيل بكثرة الأنبياء صلوات الله عليهم فيهم على عالمي زمانهم،
﴿وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ؛﴾ من فلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المنّ والسّلوى وغير ذلك، ﴿ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ﴾ (٣٣)؛أي نعمة ظاهرة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى؛﴾ راجع إلى ذكر كفّار مكّة يقولون: ما الموتة نموتها في الأولى ثم لا نبعث بعدها، ومعنى قوله: ﴿وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ (٣٥)؛أي بمبعوثين، وهذا ذمّ لهم على الجهل.
стр. 2483
وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٣٦)؛أي قالوا فأحيي يا محمد آباءنا الذين ماتوا حتى نسألهم: أحقّ ما تقول أم باطل؟ وروي أنّهم كانوا يقولون: إن كان ما تقوله فأت بقصيّ بن كلاب ليخبرنا عنك، فإنه كان صدوقا فيما بيننا.
قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (٣٧)؛خوّفهم الله تعالى مثل عذاب الأمم الخالية، فقال: ﴿(أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ)﴾ أي ليسوا خيرا منهم، يعني أقوى وأشدّ وأكثر، والمعنى أهم خير في القدرة والقوّة والمال، أم قوم ملك اليمن ﴿(وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)﴾.
وخصّ ملك اليمن بالذّكر لأنه كان أقرب إلى زمانهم. وتبّع اسم لكلّ من كان من ملوك اليمن، كما أنّ فرعون اسم ملك مصر، وقيصر اسم ملك الروم، وكسرى اسم ملك العجم. وإنما سمّي ملك اليمن بهذا الاسم لكثرة تبعه.
وجاء في التفسير: أنّ ملك اليمن الذي كان أقرب إلى زمانهم كان مؤمنا، وكان اسمه أسعد بن ملكي كرب، وكان قومه كفّارا. وروي عن عائشة أنّها قالت: (كان تبّع رجلا صالحا، ألا ترى أنّ الله تعالى ذمّ قومه ولم يذمّه) (١).وروي: (أنّه وجد مكتوبا على قبرين بناحية حمير: هذان قبرا رضوى وحصيا ابني تبّع ماتا لا يشركان بالله شيئا) (٢).
قوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ (٣٨)؛ أي لم نخلقهما عابثين،
﴿ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ)؛﴾ أي للحقّ؛ أي للثواب على
стр. 2484
الطاعة والعقاب على المعصية، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ؛﴾ أكثر المشركين، ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٩).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤٠)؛معناه: إنّ يوم الفصل بين الخلائق ميعادهم أجمعين، يوافي يوم القيامة الأوّلون والآخرون.
ثم نعت ذلك اليوم فقال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً؛﴾ أي يوم لا ينفع فيه صديق صديقا ولا قريب قريبا، ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٤١)؛ أي ولا يمنعون من عذاب الله،
﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللهُ؛﴾ وهم المؤمنون، فإنه يشفع بعضهم لبعض، قال رسول الله ﷺ : [وإنّ الرّجل من أمّتي ليشفع لأكثر من ربيعة ومضر] (١). ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ؛﴾ في انتقامه من أعدائه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ (٤٢)؛ بالمؤمنين.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ﴾ (٤٤)؛قد تقدّم تفسير شجرة الزقّوم، والأثيم ذو الإثم وهو أبو جهل، قال أهل اللغة: الأثيم كثير الإثم، وعن ابن مسعود: (أنّه كان يلقّن رجلا: ﴿(إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ)﴾ فكان الرّجل يقول: طعام اليتيم! فقال له: قل: طعام الفاجر) (٢).
﴿كَالْمُهْلِ؛﴾ درديّ الزيت (٣) وعكر القطران، وهو أسود غليظ. وقيل: المهل كلّ ما يمهل في النار من نحاس أو فضّة أو غير ذلك حتى يذوب وينماع يشتدّ حرّه.
وقوله تعالى: ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ (٤٥)؛أي في بطون الكفّار، وقرئ ﴿(يَغْلِي)﴾ بالياء يعني الطعام، واختاره أبو عبيد (٤)؛لأن المهل مذكّر، وقرئ بالتاء يعني
стр. 2485
الشّجرة، قال أبو علي الفارسي: (لا يجوز أن يحمل الغلي على المهل؛ لأنّ المهل إنّما ذكر للتّشبيه به في الذوب، ألا ترى أنّ المهل لا يغلي في البطون إنّما يغلي ما شبه به) (١).
قوله تعالى: ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ (٤٦)؛يعني الماء الحارّ إذا اشتدّ غليانه.
وقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ (٤٧)؛يقال للزّبانية: ﴿(خُذُوهُ)﴾ يعني الآثم ﴿(فَاعْتِلُوهُ)﴾ أي قودوه بالعنق دفعا وسحبا إلى وسط الجحيم، يقال: عتله يعتله، ويعتله إذا جرّه وذهب به إلى مكروه، وقال مجاهد: (فادفعوه على وجهه إلى وسط الجحيم) (٢).وقيل للوسط: سواء لاستواء المسافة بينهما وبين أطرافه المحيطة به.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ﴾ (٤٨)؛قال مقاتل (٣): (إنّ خازن النّار يضربه على رأسه «بمقمعة من حديد» فينقب رأسه عن دماغه، ثمّ يصبّ فيه ماء حميما قد انتهى حرّه، ويقول له):
﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (٤٩).
وذلك أنّ أبا جهل قال للنّبيّ ﷺ : بأيّ شيء تهدّدني! فو الله ما تستطيع أنت ولا ربّك «أن» تفعلا (٤) بي شيئا، وإنّي لمن أعزّ أهل هذا الوادي وأكرمهم! فيقول له الملك: ذق العذاب أيّها المتعزّز المتكرّم في زعمك كما كنت تقوله (٥).وقرأ الكسائيّ «(أنّك)» بالفتح على تقدير: ذق بأنّك أو لأنّك أنت العزيز الكريم، أو بهذا القول الذي قلته في الدّنيا) (٦).
стр. 2486
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ (٥٠)؛أي يقول لهم الخازن: إنّ هذا العذاب الذي كنتم به تشكّون في الدّنيا أو تكذبون به.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (٥٢) الأمين هو المقام الذي أمنوا فيه الغير من الموت والحوادث، والمقام هو المجلس، وقرئ «(مقام)» بضمّ الميم، يريد موضع الإقامة، ومعنى القراءتين واحد.
وقوله: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ؛﴾ السّندس ما لطف من الدّيباج، والاستبرق ما غلظ منه مع دقّة السّلك، وهما نوعان من الحرير. وقوله تعالى:
﴿مُتَقابِلِينَ﴾ (٥٣)؛أي يقابل بعضهم بعضا في المجالس بالتحيّة والمحبّة.
قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (٥٤)؛أي كذلك حالهم في الجنّة، وقرنّاهم بحور عين، والحور: الشّديدة بياض العين، الشديدة سوادها، البيضاء البشرة والعين، جمع العيناء، واسعة العين الحسنة، قال مجاهد: (الحور: هنّ اللّواتي يحار الطّرف فيهنّ، يرى مخّ سوقهنّ من وراء ثيابهنّ، يرى النّاظر وجهه في صدر إحداهنّ كالمرآة من رقّة الجلد وصفاء اللّون) (١).
قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ (٥٥)؛فيه بيان أنّ بساتين الجنّة تشتمل على كلّ الفواكه في كلّ وقت من الأوقات بخلاف بساتين الدّنيا، وقوله تعالى: ﴿(آمِنِينَ)﴾ من الانقطاع والنّقصان، وآمنين مما يخاف من الفواكه من التّخم والأمراض والأسقام.
قوله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى؛﴾ أي لا يموتون سوى الموتة التي ذاقوها في الدّنيا، ﴿وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ (٥٦)؛ أي ودفع عنهم ربّهم عذاب النار مع ما أعطاهم من النعيم المقيم. وقوله تعالى:
﴿فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٥٧)؛أي فعل الله ذلك بالمتّقين تفضّلا منه عليهم. وسمي الثواب «فَضْلاً» لأنّ الله تعالى لم يكلّفهم لحاجته، ولكن ليصلوا إلى ذلك الثواب.
стр. 2487
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ؛﴾ أي أنزلنا القرآن بلغتك ولغة قومك ليسهل عليهم، و ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٥٨)؛يتّعظون فيؤمنوا به، ولولا تيسير الله حفظهما ما قدر أحد على حفظه لعظم أمره وجلال قدره.
قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ (٥٩)؛أي انتظر بالكفّار ما وعدناهم من العذاب إنّهم منتظرون هلاكك.
قال رسول الله ﷺ : [من قرأ سورة الدّخّان في ليلة الجمعة إيمانا واحتسابا وتصديقا بها، أصبح مغفورا له، وإن قرأها في سائر اللّيالي كانت له نورا يوم القيامة] (١).
آخر تفسير سورة (الدخان) والحمد لله رب العالمين.
стр. 2488
سورة الجاثية
سورة الجاثية مكّيّة، وهي ألفان ومائة وواحد وسبعون حرفا، وأربعمائة وثمان وثمانون كلمة، وسبع وثلاثون آية (١).قال ﷺ : [من قرأها ستر الله عورته، وسكّن روعته عند الحساب] (٢).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٢)؛ ﴿(حم)﴾ مبتدأ وخبره ﴿(تَنْزِيلُ)﴾،و
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) أي لدلالات على الحقّ تدلّ بخلقها على أنّ لها خالقا قديما لا أوّل له، ويدلّ تعظيمها وبقاؤها من غير علاقة فوقها ولا عماد تحتها على قادر لا يعجزه شيء. وقوله تعالى ﴿(لَآياتٍ)﴾ في موضع نصب؛ لأنه اسم ﴿(إِنَّ)﴾،كما يقال: إنّ في الدار لزيدا.
قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ؛﴾ أي وفي خلقكم حالا بعد حال من نطفة إلى أن يصير إنسانا ثم يصير فيه العقل ثم الحواسّ، وما يبثّ من دابّة على وجه الأرض على اختلاف أجناس الدواب ومنافعها وصورها، وما يقصر من منافعها في ذلك دلالات واضحة على وحدانيّة الله تعالى، ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٤)؛يطلبون علم اليقين، ويوقنون أنّه لا إله غيره.
وقرأ حمزة «(آيات)» ﴿(وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ)﴾ بالكسر على أنّهما منصوبان نسقا على قوله تعالى ﴿(إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)﴾ على معنى وإنّ في خلقكم آيات، ومن رفع
стр. 2489
فعلى الاستئناف بعد أن، تقول العرب: إنّ لي عليكم مالا وعلى أخيك مال، ينصبون الثاني ويرفعونه (١).
قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ؛﴾ أي وفي ذهابهما ومجيئهما، وما يحدث في كلّ واحد منهما من الزيادة والنّقصان من غير أن يكونا جميعا أزيد من أربع وعشرين ساعة، ﴿وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ،﴾ وفيما أنزل الله من السّماء من المطر فأحيا به الأرض بعد يبسها، وفي تقلّب الرياح شمالا وجنوبا وقبولا ودبورا وعذابا ورحمة، ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٥)؛الدلالة ويتدبّرونها.
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ؛﴾ أي تلك التي سبق ذكرها دلائل الله لعباده يتلوها عليك جبريل بأمرنا بقصصنا عليك بالحقّ، ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ،﴾ كتاب، ﴿اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦)؛إن لم يؤمنوا بهذا القرآن. ومن قرأ بالتاء فعلى تأويل: قل لهم يا محمّد: فبأيّ حديث تؤمنون.
قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٨)؛يعني النضر بن الحارث، كان يروي من أحاديث العجم للمشركين فيستملحون حديثه، وكان إذا سمع آيات القرآن استهزأ بها، فجعل الله له العذاب مرّتين، مرّة أليما ومرّة مهينا، وقد ذكرنا تفسير الآية في سورة لقمان.
ومعنى الآية: ويل لكلّ كذاب فاجر كثير الإثم، يسمع القرآن يقرأ عليه ولا يتدبّره، ولا يخشع لاستماعه، بل يقيم على كفره متعظّما عن الإيمان بالله، كأن لم يسمع آيات الله، فخوّفه يا محمّد بعذاب وجيع يخلص وجعه إليه.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً؛﴾ أي إذا سمع من آيات القرآن شيئا اتّخذها هزوا، ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٩).
стр. 2490
قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ؛﴾ أي لهم من بعد موتهم جهنّم، ﴿وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً؛﴾ ولا ينفعهم ما كسبوا من الأموال والأولاد شيئا، ﴿وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ؛﴾ أربابا في دفع شيء من عذاب الله، ﴿وَلَهُمْ؛﴾ في الآخرة؛ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٠)؛كلّ ذلك للنّضر بن الحارث وأمثاله.
وقوله: ﴿هذا هُدىً؛﴾ أي هذا القرآن بيان للحقّ من الباطل في كلّ ما يحتاج إليه من أمر الدّين والدّنيا، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ؛﴾ الله أي جحدوا دلائل الله، ﴿لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ (١١)؛أي عذاب من عذاب وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم، وقرئ ﴿(أَلِيمٌ)﴾ بالرفع على نعت العذاب، وبالكسر على نعت الرّجز.
قوله تعالى: ﴿*اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ؛﴾ أي هو الّذي ذلّل لكم البحر بتسهيل السبيل إلى سلوكها باتّخاذ السّفن وإصلاحها، ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١٢)،وباقي الآية قد تقدّم تفسيرها.
قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ؛﴾ من شمس وقمر ونجوم ومطر وثلج وبرد، ﴿وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ من دابّة وشجر ونبات وثمار وأنهار، ومعنى سخّره لنا: هو أنّه خلقها لانتفاعنا بها على الوجه الذي يريده. قوله تعالى:
﴿جَمِيعاً مِنْهُ؛﴾ أي الكلّ رحمة منه وبفضله ومنّه، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١٣)؛في صنع الله وإحسانه، فيوحّدونه.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ؛﴾ نزلت في عمر ﵁: شتمه رجل من بني غفار بمكّة، فهمّ أن يبطش به، فأمره الله بالعفو والتّجاوز (١).والمعنى: قل للّذين آمنوا اغفروا، ولكنه شبّهه بالشرط والجزاء كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (٢).