← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 3046–3082 · переход к 3051.

стр. 3046

سورة الهمزة سورة الهمزة مكّيّة، وهي مائة وثلاثون حرفا، وثلاثون كلمة، وتسع آيات. قال ﷺ : [من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمّد ﷺ وأصحابه] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ (١)؛قال ابن عبّاس: «نزلت في الأخنس ابن شريق، كان يهمز النّاس ويلمزهم مقبلين ومدبرين» (٢).وقال مقاتل: «نزلت في الوليد بن المغيرة» (٣).وحرف (كلّ) يقتضي أنّ هذا الوعيد لكلّ كافر يغتاب الناس ويعيبهم. والويل كلمة تقولها العرب في كلّ من وقع في هلكة، ويقال: إنه واد في جهنّم مملوء من القيح والصّديد مما يسيل من أهل النار. والهمزة: الطاعن على غيره بغير حقّ بالسّفه والجهل، واللّمزة: المغتاب المعياب، وعن أبي العالية قال: «الهمزة: الّذي يلمز من خلف، واللّمز: هو العيب، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٤) أي لا يعيبنّ بعضكم على بعض».وقال ابن عبّاس: «الهمزة اللّمزة: هم المشّاءون بالنّميمة المفرّقون بين الأحبّة» (٥).

стр. 3047

وقيل: الهمزة: الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم، واللّمزة: الطعّان عليهم. وقيل: اللّمزة: الذي يكرم الناس بلسانه ويهمزهم بعينه، وقال ابن كيسان: «الهمزة: الّذي يؤذي جليسه بسوء اللّفظ، واللّمزة: الّذي يكسر عينه على جليسه، ويشير برأسه، ويومئ بعينيه، ويرمز بحاجبه» (١). قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ﴾ (٢)؛قرأ ابن كثير وأبو عامر ونافع وعاصم «(جمع)» بتخفيف الميم، وقرأ غيرهم بالتشديد، ومعنى الآية: الذي جمع مالا كثيرا من الحرام وعدّده لنوائب دهره. وقيل: عدّه وأحصاه وأحرزه، وقرأ الحسن «(وعدده)» بالتخفيف؛ أي جمعه وعدده؛ أي وخدمه واتباعه، تقول العرب: جمعت الشيء إذا كان متفرّقا، وجمّعت الشيء بالتشديد اذا أكثرت الجمع منه. قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ (٣)؛معناه: يحسب هذا الكافر الطاعن اللعّان أنّ كثرة ماله تخلده وتبقيه؟ أي يعمل عمل من يظنّ أن ماله يبقيه؟ قوله تعالى: ﴿كَلاّ؛﴾ أي حاشا أن يخلد أحد في الدنيا. ويجوز أن يكون معناه: حقّا؛ ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ (٤)؛أي ليطرحنّ فيها، وقرأ الحسن «(لينبذان)» أي ليطرحانّ هو وماله. والحطمة: اسم دركة من دركات النار، سميت بذلك؛ لأنّها كثيرة الحطم للكفار، وأصل الحطم الكسر، يقال: رجل حطمة إذا كان كثير الأكل. قوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ (٥)؛تفخيم لشأنها، وقوله تعالى: ﴿نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ﴾ (٦)؛أي لا تخمد أبدا، وقوله تعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ (٧)؛أي تشرف على القلوب، تأكل كلّ شيء من الجلود واللّحوم والعظام والعروق حتى يبلغ إحراقها إلى القلوب.

стр. 3048

قوله تعالى: ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ (٨)؛أي إنّ الحطمة عليهم؛ أي على الكفار مطبقة الأبواب مغلقة لا تدخل فيها روح، ولا يخرج منها غمّها (١). قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ (٩)؛قرأ أهل الكوفة «(عمد)» بضمّتين، وقرأ غيرهم بالنصب، واختاره أبو عبيد لقوله تعالى ﴿رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ (٢)، والعمد والعمد جمع عمود، قال الفرّاء: «هو جمع عماد، وهو الاسطوانة» (٣)، والمعنى: تمدّ أيديهم وأرجلهم إلى عمد ممدودة في النار، وتجعل في أعناقهم السلاسل؛ ليكون ذلك زيادة في تعذيبهم. آخر تفسير سورة (الهمزة) والحمد لله رب العالمين

стр. 3049

سورة الفيل سورة الفيل مكّيّة، وهي ستّة وسبعون حرفا، وثلاث وعشرون كلمة، وخمس آيات. قال ﷺ : [من قرأ سورة الفيل عافاه الله أيّام حياته في الدّنيا من القذف والمسخ] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ﴾ (١)؛وذلك أنّ فئة من قريش خرجوا تجّارا إلى أرض النجاشيّ، فساروا حتى دنوا من ساحل البحر، ثم نزلوا بحضرة بيت، وكان ذلك البيت مصلّى للنجاشيّ وقومه من النّصارى، فأجّجوا نارا استعملوها لبعض ما احتاجوا إليه، ثم رحلوا ولم يطفئوا تلك النار، وكان ذلك في يوم عاصف، فهاجت الريح فاحترق البيت الذي كان مصلّى للنجاشيّ، وكانوا يعظّمون ذلك البيت كتعظيم العرب الكعبة، فقصدوا بذلك السبب مكّة عازمين على تحريق بيت الله تعالى، ويستبيحوا أهل مكّة. فبعث النجاشيّ أبرهة، فخرج أبرهة في سائر الحبشة، وخرج معه بالفيل، فسمعت بذلك العرب، فأعظموه ورأوا جهاده حقّا عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة، فخرج إليه ملك من ملوك حمير يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من العرب إلى حرب أبرهة وجهاده، فأجابه من أجابه فقاتله، فهزم ذو نفر وأصحابه، وأخذ ذو نفر أسيرا، فلما أراد أبرهة أن يقتله قال له ذو نفر: لا تقتلني فإنّي عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من قتلي، فتركه من القتل وحبسه معه في وثاق، وكان أبرهة رجلا حليما.

стр. 3050

ثم مضى أبرهة على وجهه للذي يريد، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعميّ فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ نفيل أسيرا وأتي به إلى أبرهة، فلما همّ بقتله قال له: لا تقتلني فإنّي دليلك في أرض العرب، فخلّى سبيله، وخرج معه يدلّه. حتى إذا مرّ بالطائف خرج إليه مسعود الثقفيّ في رجال من ثقيف، فقالوا له: أيّها الملك؛ إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، ليس لنا عندك خلاف، وليس بيننا هذا الذي تريد هدمه-يعنون اللاّت-إنما تريد البيت الذي بمكّة، ونحن نبعث معك من يدلّك عليه، فتجاوز عنهم، واللات بيت لهم بالطائف كانوا يعظّمونه نحو تعظيمهم الكعبة. قال ابن اسحاق: فبعثوا معه أبا رغال يدلّه على الطريق إلى مكّة، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال، فهنالك رجمت العرب قبره، فهو القبر الذي يرجم بالمغمس، فلما نزل أبرهة بالمغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له: الأسود بن مقصود، على خيل له حتى انتهى إلى مكّة، فساق إليه أموال أهل يمامة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطّلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيّدها، فهمّت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم أن يقاتلوه، ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به فتركوا ذلك. وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكّة وقال له: سل عن سيّد هذا البلد وشريفهم، وقل له: إنّي لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربي فأتني به. فلمّا دخل حناطة مكّة سأل عن سيّد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطّلب بن هاشم، فجاءه فقال له ما أمره أبرهة، فقال له عبد المطّلب: ما لنا به من طاقة ولا نريد حربه، ولكن هذا بيت الله وبيت خليله إبراهيم، فإن لم يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن لم يحل بينه وبينه، فو الله ما عندنا دفع عنه. فقال له حناطة: انطلق معي إليه، فإنه قد أمرني أن آتيه بك. فانطلق معه عبد المطلب حتى أتى المعسكر، فسأل عن ذي نفر وكان له صديقا حتى دخل عليه وهو في مجلسه، فقال: يا ذا نفر، هل عندك من غنى فيما نزل بنا، فقال: وما غنى رجل أسير

стр. 3051

بيد ملك ينتظر أن يقتله غدوّا أو عشيّا، ما عندي من غنى في شيء إلاّ أنّ أنيسا سائس الفيل صديق لي، فسأرسل إليه وأوصيه بك، وأعظّم عليه حقّك، وأسأله أن يستأذن لك الملك، ويكلّمه بما يدنيك إليه، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك. فقال: افعل. فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال له: إنّ عبد المطلب سيد قريش وصاحب عير مكّة، يطعم الناس بالسهل، والوحش في رءوس الجبال، وقد أخذ له الملك مائتي بعير، فاستأذن له عليه واشفع له عنده بما استطعت. فكلّم أنيس أبرهة فقال: أيّها الملك هذا سيّد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو رجل يطعم الناس بالسهل، والوحش في رءوس الجبال، فأذن له حتى يدخل عليك فيكلّمك في حاجته. فأذن له أبرهة، وكان عبد المطلب من أوسم الناس وأجملهم، فلما رآه أبرهة أجلّه وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه وأجلسه معه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: قل له اذكر حاجتك، فقال له: حاجتي أن يردّ عليّ الملك مائتي بعير أخذها. فلمّا قال له ذلك، قال له أبرهة: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلّمتني في مائتي بعير أخذتها لك، وتترك شيئا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه فلم تكلّمني فيه. قال له عبد المطلب: إنّي أنا ربّ الإبل، وإنّ للبيت ربّا سيمنعكه. قال: ما كان ليمتنع منّي، قال: أنت وذاك. فردّ أبرهة على عبد المطّلب إبله، فأخذها ورجع إلى قومه، فأمرهم بالخروج من مكّة والتحرّز في شعف الجبال والشّعاب خوفا من معرّة الجيش إذا دخل. ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطّلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:

стр. 3052

لاهمّ (١) ... إنّ العبد يم نع رحله فامنع حلالك (٢) لا يغلبنّ صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك (٣) عمدوا حماك بجهلهم جهلا ... وما رقبوا جلالك إن كنت تاركهم وكعب ... تنا فأمر ما بدا لك ثم أرسل عبد المطلب حلقة الباب، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال، فتحرّزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكّة إذا دخلها، فلما أصبح أبرهة تهيّأ لدخول مكّة، وهيّأ فيله وعبّأ جيشه، وكان اسم الفيل محمودا، وأبرهة مجمع لهدم البيت. فلما وجّهوا الفيل إلى مكّة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأذنه فقال: ابرك محمودا أو ارجع راشدا من حيث أتيت، فإنّك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل وخرج نفيل يشتدّ حتى صعد الجبل، فضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوه في رأسه بالطّبرزين وهو الكلاّب ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه (٤) فبزغوه (٥) بها ليقوم فأبى، فوجّهوه راجعا فقام يهرول، ووجّهوه نحو الشّام فغطّ مثل ذلك، ووجّهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجّهوه نحو مكّة فبرك، فجعل كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف، مع كلّ طائر منهم ثلاثة أحجار يحملها، حجرا في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمّص، لا تصيب أحدا منهم إلاّ هلك، وليس كلّهم أصابت.

стр. 3053

وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي جاءوا منها، ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلّهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته: أين المفرّ والإله الطّالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب وكان أبرهة أشرم من ضربة ضربه إياها إرياط بحربة على جبهته، فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفتيه، فكان يسمى الأشرم من حينئذ. قال ابن اسحاق: فجعل عسكر أبرهة يتساقطون من الحجارة بكلّ طريق، ويهلكون على كلّ منهل، وأصيب أبرهة في جسده وخرجوا به معهم تسقط أنامله أنملة أنملة، كلّما سقطت أنملة منها تبعتها مدّة تمثّ (١) قيحا ودما (٢)،حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه (٣). فلمّا بعث الله محمّدا ﷺ كان مما يعدّ الله على قريش من النّعم عليهم وفضله ما ردّ عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم، فقال تعالى ﴿(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ ... )﴾ إلى آخرها. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ (٢)؛معناه: ألم يجعل مكرهم في بطلان حيث لم ينتفعوا به. قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ؛﴾ من البحر؛ ﴿طَيْراً أَبابِيلَ﴾ (٣)؛ أي كثيرة يتبع بعضها بعضا، وقيل: أقاطيع كالإبل المؤبّلة، والأبابيل: جماعة في تفرقة، زمرة لا واحد لها عند أبي عبيدة والفرّاء، ويقال: واحدها أبول كما يقال عجول وعجاجيل، ويجوز أن يكون واحدها إبيل، كما يقال: إكليل وأكاليل. قوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (٤)؛أي بحجارة من طين مطبوخ خالصة، كما يطبخ الآجر. وقيل: السجّيل الشديد، كأنه قال: من شديد

стр. 3054

عذابه، وعن أبي صالح قال: «رأيت في بيت أمّ هانئ بنت أبي طالب نحوا من قفيز من تلك الحجارة سود مخطّطة بخطوط حمر على قدر بعر الغنم، كأنّها جزع ظفاري (١)» (٢). قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (٥)؛أي جعلهم كورق الزّرع الذي وقع فيه الدّود فخرقه، وكان ابن عبّاس يقول في صفة الطّير الأبابيل: «لها خراطيم كخراطيم الطّير، وأكفّ ككفّ الكلاب، وكان إذا وقع الحجر على رأس الإنسان منهم خرج من دبره» (٣). واختلفوا في تاريخ عام الفيل، فقال الكلبيّ: «كان قبل مولد رسول الله ﷺ بثلاث وعشرين سنة».وروي: أنّه كان في العام الذي ولد فيه رسول الله ﷺ ، وعلى هذا أكثر العلماء، وعن عائشة ﵂ قالت: «رأيت قائد الفيل وسائسه بمكّة أعميين مقعدين يستطعمان» (٤). آخر تفسير سورة (الفيل) والحمد لله رب العالمين

стр. 3055

سورة قريش سورة قريش مكّيّة، وهي ثلاثة وسبعون حرفا، وسبع عشرة كلمة، وأربع آيات. قال ﷺ : [من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من طاف بالكعبة واعتكف بها]. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ (١)؛اختلفوا في هذه اللام المذكورة، قال بعضهم: هي لام كي أي «متعلق ب» ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (١) أو ليؤلف قريشا (٢). ثم فسّر الإيلاف فقال تعالى: ﴿إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ﴾ (٢)؛ أي ليؤلفهم رحلة الشّتاء ورحلة الصيف. وإنما قال ذلك لأنّهم لمّا خافوا من أبرهة، فتفرّقوا في البلاد، فمنّ الله عليهم فقهر عدوّهم. وكانت مكّة بلدا لم يكن فيها زرع ولا شجر؛ ولا رطب، وكان معاش أهلها ما ينقل إليها، فأهلك الله عدوّهم ليأتلفوا؛ لأن تأليف رحلة الشتاء والصيف في التجارة، ولولا تجارتهم في هاتين الرّحلتين لاضطرّوا إلى الخروج والتفرّق في البوادي، فأراد الله أن يكثروا بمكّة إلى أن يبعث الله محمّدا ﷺ منهم نبيّا إليهم وإلى غيرهم.

стр. 3056

وكان بعضهم يعدّ السّورتين سورة واحدة، وقال سفيان بن عيينة: «كان لنا إمام لا يفصل بينهما ويقرؤهما معا» (١).وقال عمرو بن ميمون: «صلّيت خلف عمر ابن الخطّاب ﵁ صلاة المغرب، فقرأ في الرّكعة الأولى ﴿وَالتِّينِ،﴾ وفي الثّانية ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ و ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ» (٢).والمعنى: أنّ هلاك أصحاب الفيل كان سببا لبقاء إيلاف قريش، ونظام حالهم. وقريش هم ولد النّضر بن كنانة، فمن ولده النّضر فهو قرشيّ، ومن لم يلده فليس بقرشيّ. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [إنّ الله اصطفى بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم] (٣).وسمّوا قريشا من التّقريش؛ وهو التكسّب والتقلب والجمع والطلب، وكانوا قوما تجّارا على المال. قوله تعالى: ﴿(إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ)﴾ بدل من الإيلاف الأوّل. واختلفوا في انتصاب (رحلة)،فقيل: انتصب على المصدر؛ أي ارتحالهم رحلة، وإن شئت نصبته بوقوع (إيلافهم) عليه، وإن شئت على الظّرف. واختلفوا في تفسير رحلة الشتاء والصيف، فروي عن ابن عبّاس قال: «كانوا يشتون بمكّة، فأمرهم الله تعالى أن يقيموا بالحرم، ويعبدوا ربّ هذا البيت» (٤). وقيل: كانت لهم في السّنة (٥) رحلتان: إحداهما في الشّتاء إلى اليمن لأنّها أدفأ، والأخرى في الصّيف إلى الشّام، وكان الحرم جدبا لا زرع فيه ولا ضرع ولا شجر، وإنما كان قريش يعيشون بتجارتهم ورحلتهم، وكان لا يتعرض لهم أحد بسوء،

стр. 3057

وكانت الناس تقول: سكّان حرم الله، فلولا الرّحلتان لم يكن لأحد بمكة مقام، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرّف. قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٤)؛الّذي (١) سبّب أرزاقهم وأمنهم من خوف العدوّ ومن خوف الطريق. ويقال: أراد بالإطعام: أنّ أهل مكة كانوا أصابتهم سنون كسنيّ يوسف بدعاء النبيّ ﷺ عليهم حتى أكلوا الجيف والعظام المحرّقة، فأزال الله عنهم الجوع وأمّنهم بعد ارتفاع ذلك من الجذام الذي يبتلى به ذلك الوقت أهل البلد التي وراء مكّة. وقيل: معناه: لا يتعرض لهم (٢) أحد في الجاهليّة. آخر تفسير سورة (قريش) والحمد لله رب العالمين

стр. 3058

سورة الماعون سورة (الماعون) مكّيّة، وهي مائة وخمسة وعشرون حرفا، وخمس وعشرون كلمة، وسبع آيات. قال ﷺ : [من قرأها أعطاه الله من الأجر ثواب المصلّين الخاشعين]. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ (٣)؛قال مقاتل والكلبي: «نزلت في العاص بن وائل السّهميّ» (١)،معناه: أرأيت أعلمت يا محمّد الذي كذب بالبعث والحساب والجزاء. وكان العاص بن وائل أوّل من أنكر إظهار البعث، وكان في حجره يتيم ظلمه ومنعه حقّه وأكل ميراثه، وكان لا يطعم المسكين بنفسه، ولا يأمر غيره بالإطعام. وهذه السّورة فيها تهديد له ولكلّ من يعمل عمله. قوله تعالى: ﴿(يَدُعُّ الْيَتِيمَ)﴾ الدّعّ: هو الدفع على وجهه العنيف (٢). قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ (٥)؛أراد بذلك المنافقين الذين يسهون في صلاتهم عن ذكر الله من حيث لا يقصدون عبادته والتقرّب إليه، ولذلك قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ﴾ (٦)؛إذا رآهم المخلصون صلّوا معهم رياء، وإذا لم يروهم لم يصلّوا. وفي هذا بيان أنه ليس المراد في الآية سهو نسيان.

стр. 3059

وعن الحسن أنه قال: «يسهون عن ميقاتها حتّى تفوت»،وقال مجاهد: «يسهون عنها، ويلهون ولا يفكّرون فيها»،وعن أنس قال: «الحمد لله الّذي لم يجعل السّهو هاهنا في صلاتهم، وإنّما جعل السّهو عن صلاتهم».وعن عطاء بن دينار أنه قال: «الحمد لله الّذي قال: ﴿(عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ)﴾ ولم يقل: في صلاتهم ساهون» (٣).وقيل: السّاهي عنها هو الذي إذا صلاّها؛ صلاّها رياء، وإذا فاتته لم يندم. قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ (٧)؛روي عن ابن مسعود وابن عبّاس «ما يبذله الجيران بعضهم لبعض مثل الفأس والمسحاة والقدر والدّلو وأشباه ذلك» (٤).وقيل: الماعون: ما لا يحلّ منعه مثل الماء والملح والنار. وعن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله ما الّذي لا يحلّ منعه؟ قال: [الماء والنّار والملح] قلت: يا رسول الله؛ هذا الماء فما بال النّار والملح؟ قال: [يا حميراء من أعطى نارا فكأنّما تصدّق بجميع ما طبخ بذلك النّار، ومن أعطى ملحا فكأنّما تصدّق بجميع ما طيّب بذلك الملح، ومن سقى شربة من الماء حيث يوجد الماء فكأنّما أعتق ستّين رقبة، ومن سقى شربة حيث لا يوجد الماء فكأنّما أحيا نفسا] (٥). وعن عليّ ﵁: «أنّ الماعون الزّكاة المفروضة» (٦). آخر تفسير سورة (الماعون) والحمد لله رب العالمين

стр. 3060

سورة الكوثر سورة (الكوثر) مكّيّة، وقيل: مدنيّة، وهي اثنان وأربعون حرفا، وعشر كلمات، وثلاث آيات. قال ﷺ : [من قرأها سقاه الله من أنهار الجنّة، وأوتي من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ قرآن قرأ به العباد في كلّ يوم عيد] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ (١)؛الخطاب للنبيّ ﷺ ، والكوثر في اللغة: الخير الكثير، وهو فوعل (٢) من الكثرة كنوفل من النّفل. واختلفوا في الكوثر في هذه السّورة؛ قال ابن مسعود: «أريد به القرآن» (٣)،وقال الحسن: «النّبوّة ورفعة الذّكر والنّصر على الأعداء» (٤). وعن أنس وأبي سعيد الخدري أنّ النبي ﷺ قال: [رأيت ليلة أسري بي نهرا في الجنّة، حافّتاه اللّؤلؤ-وقيل: من الزّبرجد، وقيل: من الذهب-ومجراه على الدّرّ والياقوت، وطينه أطيب من المسك الأدفر، وماؤه أشدّ بياضا من اللّبن، وأحلى من العسل، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا].

стр. 3061

وعن عائشة ﵂ أنّها قالت: «الكوثر نهر في الجنّة، من أدخل إصبعيه في أذنيه سمع خرير ذلك النّهر» (١). والكوثر يصبّ في حوض رسول الله ﷺ ، وصفة الحوض: حصاؤه الياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر، والدرّ والمرجان، وحمأته المسك الأذفر، وترابه الكافور، ماؤه أشدّ بياضا من اللبن وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، يخرج من أصل سدرة المنتهى، عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب، وحوله من الآنية والأباريق عدد نجوم السّماء، لا يشرب منه أحد فيظمأ بعده أبدا. قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢)؛أي فاشكر الله على هذه النعمة العظيمة بالصّلاة والنحر، قال ابن عبّاس: «إنّه أراد بذلك صلاة العيد، ثمّ نحر البدن يوم الأضحى».وقيل: أراد بذلك صلاة الفجر في يوم النحر. وقيل: أراد بذلك جميع الصّلوات المكتوبة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (٣)؛أي مبغضك هو الأبتر الذي لا عقب له ولا خير له في الدّنيا والآخرة، ونزل ذلك في العاص بن وائل السّهمي، كان يكلّم النبيّ ﷺ على باب المسجد الحرام بعد موت عبد الله بن رسول الله ﷺ . فلما انطلق النبيّ ﷺ قيل للعاص: من هذا الذي كنت معه قائما تكلّمه؟ قال: هذا الأبتر محمد. يريد أنه ليس له ابن يخلفه ويقوم مقامه، فأنزل الله هذه السّورة إكراما للنبيّ ﷺ وجوابا للخبيث، يقول: سنميته عن أهله وماله فلا يذكر بخير أبدا، وأما أنت يا محمّد فقد جعلت ذكرك مع ذكري فلا ينقطع ذكرك أبدا، والشّانئ من الشّنئان وهو البغض. آخر تفسير سورة (الكوثر) والحمد لله رب العالمين

стр. 3062

سورة (الكافرون) سورة (الكافرون) مكّيّة، وهي أربعة وتسعون حرفا، وستّ وعشرون كلمة، وستّ آيات. قال ﷺ : [من قرأها فكأنّما قرأ ربع القرآن، وتباعدت عنه مردة الشّياطين، وبرئ من الشّرك، ويعافى من الفزع الأكبر] (١)،وقال ﷺ : [مروا صبيانكم فليقرءوها عند المنام فلا يعرض لهم شيء] (٢).قال ابن عبّاس: «ليس في القرآن سورة أشدّ لغيظ إبليس من هذه السّورة؛ لأنّها توحيد وبراءة من الشّرك» (٣). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ (٢)؛نزلت في رهط من المشركين من قريش، منهم الحارث بن قيس السهميّ؛ والعاص بن وائل؛ والوليد بن المغيرة؛ والأسود بن عبد يغوث؛ والأسود بن عبد المطّلب؛ وأمية بن خلف، قالوا: يا محمّد هلمّ فاتّبع ديننا، ونتّبع دينك ونشركك في أمرنا كلّه، تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فقال: [معاذ الله أن أشرك به غيره] قالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدّقك ونعبد إلهك (٤).

стр. 3063

فأنزل الله تعالى هذه السّورة ﴿(قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ)﴾ أي قل لهم: يا أيّها الكافرون توحيد الله، ليست في حالتي هذه بعابد ما تعبدون من الأصنام، ﴿وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ (٣)؛أي ولا أنتم عابدون إلهي بجهلكم الإخلاص في عبادة الله، ﴿وَلا أَنا عابِدٌ؛﴾ فيما استقبل، ﴿ما عَبَدْتُّمْ﴾ (٤)؛من الأصنام، ﴿وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ؛﴾ فيما تستقبلون، ﴿ما أَعْبُدُ﴾ (٥)، إلهي الذي أعبده. وفي هذه القصّة أنزل الله تعالى ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ (١)،فلمّا نزلت هذه السورة غدا رسول الله ﷺ إلى المسجد الحرام وفيه ملأ من قريش، فقام على رءوسهم، ثم قرأها عليهم، فآيسوا منه عند ذلك وآذوه وآذوا أصحابه. وأما تكرار الكلام فمعناه: لا أعبد ما تعبدون في الحال، ولا أنتم عابدون ما أعبد في الحال، ولا أنتم عابدون ما أعبد في الحال، ولا أنا عابد ما عبدتم في الاستقبال، ولا أنتم عابدون ما أعبد في الاستقبال. وهذا خطاب لمن سبق في علم الله تعالى أنّهم لا يؤمنون. وقال بعضهم: نزل القرآن بلغة العرب، ومن مذهب العرب التكرار في الكلام على وجه التأكيد حتما للإطماع، كما أنّ من مذهب الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز، ومثل هذا كثير في الكلام والأشعار، كما روي أنّ النبيّ ﷺ صعد المنبر فقال: [إنّ بني مخزوم استأذنوني في أن ينكحوا عليّا فتياتهم، فلا آذن، فلا آذن، إنّ فاطمة بضعة منّي، يسوءني ما يسوءها، ويسرّني ما يسرّها] (٢).

стр. 3064

وكذلك قال الشاعر: يا علقمه يا علقمه يا علقمه ... خير تميم كلّها وأكرمه وقال: أخيركم نعمة كانت ... لكم كم وكم قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (٦)؛قرأ نافع «(ولي)» بالتحريك، ومعناه: لكم جزاؤكم على عبادة الأوثان، ولي جزائي على عبادة الرّحمن. وقيل: إن هذه الآية منسوخة بآية السّيف. آخر تفسير سورة (الكافرون) والحمد لله رب العالمين

стр. 3065

سورة النّصر سورة النّصر مدنيّة (١)،وهي سبعة وسبعون حرفا، وتسع عشرة كلمة، وثلاث آيات. قال ﷺ : [من قرأها فكأنما شهد مع النّبيّ ﷺ فتح مكّة] (٢). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ (١)؛قال ابن عبّاس: «نزلت هذه السّورة في الحديبية»،ومعناه: إذا جاء نصر الله على الأعداء من قريش وغيرهم، وجاء فتح مكّة، ﴿وَرَأَيْتَ؛﴾ يا محمّد، ﴿النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ؛﴾ الإسلام، ﴿أَفْواجاً﴾ (٢)؛جماعات جماعات بعد أن كانوا في ابتداء الإسلام واحدا واحدا واثنين اثنين. قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ؛﴾ أي صلّ له مع شكرك إياه على إنعامه عليك، ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ؛﴾ لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، ﴿إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾ (٣)؛أي متجاوزا عن المستغفرين. فلمّا نزلت هذه السّورة جعل رسول الله ﷺ يكثر التسبيح، وعاش رسول الله ﷺ بعد هذه السّورة سنتين (٣)،وكان كثيرا

стр. 3066

ما يقول: [سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك] فقيل له في ذلك، فقال ﷺ : [قد جعلت لي علامة في أمّتي، إذا رأيتها قلتها] (١). وكان الحسن يقول: «اختموا أعمالكم بخير، فإنّ النّبيّ ﷺ لمّا قرب أجله أمر بكثرة التّسبيح والاستغفار». آخر تفسير سورة (النصر) والحمد لله رب العالمين

стр. 3067

سورة تبّت (المسد) سورة المسد مكّيّة، وهي تسعة وتسعون حرفا، وعشرون كلمة، وخمس آيات. قال ﷺ : [من قرأها رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبي لهب في دار واحدة] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (١)؛روي عن ابن عبّاس أنه قال: ««لمّا» (٢) نزل قوله تعالى ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٣) صعد رسول الله ﷺ على الصّفا ونادى: [يا صباحاه] فاجتمعت إليه قريش فقال ﷺ : [يا بني عبد المطّلب، يا بني فهر، يا بني لؤيّ، لو أخبرتكم أنّ خيلا بسفح الجبل قد أظلّتكم أكنتم تصدّقونني؟] قالوا: نعم، قال: [فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد] فقال أبو لهب: تبّا لك! ألهذا دعوتنا؟ فأنزل الله تعالى ﴿(تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)﴾.» (٤). والتّباب: الخسران الذي يؤدّي إلى الهلاك، والمعنى: خسرت يداه من كلّ خير. وأضافه (٥) إلى اليدين؛ لأنّ العمل أكثر ما يجري على اليدين. ومعنى قوله (وتبّ) أي وخسر هو بنفسه خسرانا لا يفلح بعده أبدا، واختلفوا في المعنى الذي ذكره الله بالكنية، قال بعضهم: إنما ذكره بها؛ لأنه كان اسمه عبد

стр. 3068

العزّى فلذلك ذكر بالكنية. وقال بعضهم كان مشهورا بهذه الكنية. وقال بعضهم: كانت وجنتاه حمراوين. قوله تعالى: ﴿ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ﴾ (٢)؛أي لا تنفعه كثرة ماله في الآخرة ولا ينفعه ما أعدّ من الكيد والحيل. وقيل: معناه: ما أغنى عنه ماله وولده، سمّي الولد كسبا؛ لأن ولد الرجل من كسبه، قال ﷺ : [إنّ أفضل ما أكل الرّجل من كسبه، وإنّ ولده من كسبه] (١). قوله تعالى: ﴿سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ﴾ (٣)؛أي سيدخل أبو لهب نارا لا يسكن لهبها ولا يطفأ جمرها، قرأ أبو رجاء «(سيصلّى)» بالتشديد وضمّ الياء. قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (٤)؛اسمها أمّ جميل بنت حرب، أخت أبي سفيان، يصليها الله معه، وكانت عوراء، وقوله تعالى ﴿(حَمّالَةَ الْحَطَبِ)﴾ أي نقّالة للكذب، قال ابن عباس: «إنّها كانت تمشي بالنّميمة» (٢)،تقول العرب: فلان يحطب على فلان؛ أي ينمّ عليه. وقال الضحّاك: «كانت تأتي بالشّوك والفضلات، فتطرحها باللّيل في طريق النّبيّ ﷺ وأصحابه لتعقرهم، وكانت تعيّر رسول الله ﷺ بالفقر، فعيّرها الله تعالى بالاحتطاب» (٣). وهو ما تحمله من الشوك. قراءة العامّة «(حمّالة)» بالرفع، على أنه خبر لمبتدإ، ويجوز أن يكون نعتا وخبر المبتدأ ﴿(فِي جِيدِها)﴾،ومن نصب (حمّالة) فعلى الذمّ

стр. 3069

والشتم، كقوله تعالى ﴿مَلْعُونِينَ﴾ (١) والمعنى: أعني حمّالة الحطب، وفي قراءة عبد الله «(ومريّته حمّالة الحطب)» (٢)،وقراءة أبي قلابة (٣) «(وامرأته حاملة الحطب)» على وزن فاعلة. قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ (٥)؛أي في عنقها حبل في الآخرة له ثقل الحديد، وحرارة النار، وخشونة اللّيف، وقال ابن عبّاس: «معناه: في عنقها سلسلة ذرعها سبعون ذراعا من حديد، لو وضعت منها حلقة على جبل لذاب، كما يذوب الرّصاص، تدخل في فيها، وتخرج من دبرها، ويلوى سائر باقيها في عنقها، وذلك لأنّها كانت لها قلادة فاخرة وكانت تقول: لأنفقنّها في عداوة محمّد ﷺ » (٤). ويقال: إنّها اختنقت في الدّنيا بحبل من ليف خنقها الله به فأهلكها، ويجعل في الآخرة في عنقها جبل من نار تساق به إلى النار. والمسد في اللغة: الفتل، والممسود: المفتول. وقيل: المسد: الحديدة التي تدور عليها البكرة تجعل في عنقها سلسلة، وتجعل السلسلة في تلك الحديدة، فهي تجتذب بها في النار وتختلف بها في النار، كما تختلف بالدّلو في البئر على البكرة، يشهرها الله بهذه العلامة في جهنّم، ترفع مرّة، وتخفض أخرى مع سائر أنواع العقوبات. آخر تفسير سورة (المسد) والحمد لله رب العالمين

стр. 3070

سورة الإخلاص سورة الإخلاص مكّيّة، وهي سبعة وأربعون حرفا، وخمس عشرة كلمة، وأربع آيات. قال ﷺ : [من قرأ سورة الإخلاص فكأنّما قرأ ثلث القرآن، ويعطى من الحسنات بعدد من آمن بالله، وبعدد من أشرك به] (١). وعن ابن عبّاس: أنّ رسول الله ﷺ بعث سريّة إلى الغزو، وأمّر عليهم رجلا يقال له كلثوم، وكان إذا صلّى بهم قرأ الفاتحة وسورة، ثمّ سورة الإخلاص، فلمّا رجعوا إلى رسول الله ﷺ أخبروه بذلك، فقال له: [ما حملك على ما فعلت؟] فقال: يا رسول الله إنّي أحبّ هذه السّورة، فقال له: [حبّك إيّاها يدخلك الجنّة] (٢). وعن أنس ﵁ قال: غزا رسول الله ﷺ غزوة تبوك، فلمّا أن قدمها طلعت الشّمس بأحسن طلوع بضياء وشعاع ونور لم تكن طلعت بمثله فيما مضى، فتعجّب النّبيّ ﷺ من ذلك، فأتاه جبريل بالوحي، فسأله عن ذلك فقال: إنّه مات اليوم معاوية اللّيثيّ بالمدينة، وإنّ الله تعالى بعث سبعين ألف ملك يصلّون عليه، قال: [فبم ذلك؟] قال: بكثرة تلاوة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ قائما وقاعدا وفي ممشاه، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلّي عليه؟ قال: [نعم] فصلّى عليه ثمّ رجع، ثمّ قال ﷺ : [استكثروا منها؛ فإنّها نسبة الله ، من قرأها خمسين مرّة رفع الله له بها خمسين ألف درجة، وحطّ عنه خمسين ألف سيّئة، وكتب له خمسين ألف

стр. 3071

حسنة، ومن زاد زاده الله] (١). وقال ﷺ : [من قرأها إحدى عشرة مرّة بنى الله له قصرا في الجنّة من لؤلؤة بيضاء على عمود من ياقوت أحمر، فيه اثنتا عشرة ألف ألف غرفة، ومن قرأها خمسين مرّة بنى الله له منازل من نور، وأجازه على الصّراط، ومن قرأها مائة مرّة غفر الله له ذنوب ستّين سنة] (٢). وقال ﷺ : [من قرأها تناثر الخير على رأسه من عنان السّماء، ونزلت عليه السّكينة، وغشيته الرّحمة، ونظر الله إليه وجعله في كلاءته (٣) وحرزه وأعطاه ما سأل] (٤).وفضائلها أكثر من أن تحصى. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (١)؛اختلف المفسّرون في سبب نزول هذه السّورة فروي عن ابن عبّاس: «أنّ المشركين قالوا للنّبيّ ﷺ : صف لنا ربّك الّذي تدعونا إليه».وعن مقاتل: «أنّ عامر بن الطّفيل العامريّ قال للنّبيّ ﷺ : انعت لنا ربّك من ذهب هو أم من فضّة أم من نحاس أم من حديد أم من صفر، فإنّ آلهتنا من هذه الأشياء؟! قال: بيّن لنا أيأكل ويشرب؟! وكيف هو؟ فشقّ على النّبيّ ﷺ ، فأنزل الله هذه السّورة» (٥).

стр. 3072

وعن سعيد بن جبير: «أنّ اليهود قالوا للنّبيّ ﷺ : يا أبا القاسم إنّك أخبرتنا أنّ الله خلق السّماء من دخان وخلق الجانّ من مارج من نار وخلق آدم من طين، فأخبرنا عن ربك ممّ خلقه؟!» (١).وروي أنّهم قالوا: إنّ هذا الخلق خلق الله فمن خلقه؟ فغضب النّبيّ ﷺ حتّى جعل لحمه يربو عليه وحتّى همّ أن يباسطهم، فأوحى إليه جبريل: أن اسكن، وأنزل الله عليه هذه السّورة. وقال ابن (٢) كيسان: «قالت اليهود: صف لنا ربّك، فإنّه قد نزل نعته في التّوراة، فما طوله وما عرضه؟ فارتعد النّبيّ ﷺ ووضع إصبعيه في أذنيه وفاضت عيناه، فجعل أبو بكر ﵁ يمسح الدّموع عن وجنتيه، فأنزل الله هذه السّورة جوابا لهم تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا». والمعنى: قل لهم يا محمّد: الذي سألتم عن تبيين نسبه هو الله، وهذا الاسم معروف عند جميع أهل الأديان والملل، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ (٣).والأحد والواحد في اللغة بمعنى واحد، وقال ثعلب: «واحد وأحد وفرد سواء». قوله تعالى: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ (٢)؛معناه: هو الله الذي يصمد إليه في الحوائج وإليه المفزع في الشدائد، تقول العرب: صمدت إلى فلان أصمد صمدا بسكون الميم إذا قصدته، والمصمود: المقصود. وعن ابن عبّاس: (أنّ الصّمد السّيّد الّذي قد كمل في سؤدده، والشّريف الّذي قد كمل في شرفه، والعظيم الّذي قد كمل في عظمته، والجبّار الّذي قد كمل في جبروته، والغنيّ الّذي قد كمل في غناه، والعليم الّذي قد كمل في علمه، والحكيم الّذي قد كمل في حكمته، والحليم الّذي قد كمل في حلمه، فهو الله الّذي له هذه

стр. 3073

الصّفات كلّها لا تنبغي إلاّ له» (١). وقال قتادة: «الصّمد: الباقي بعد فناء خلقه» (٢)،وقيل: هو الدائم، وقال السديّ: «الصّمد المقصود إليه في الرّغائب، المستعان به عند المصائب»، والعرب تسمي السيّد الصمد، قال الشاعر: ألا بكّر النّاعي بخير بني أسد ... بعمر وبن مسعود وبالسّيّد الصّمد وعن أبيّ بن كعب قال: «الصّمد الّذي لم يلد ولم يولد؛ لأنّه لا شيء يلد إلاّ سيورث، وليس شيء يولد إلاّ سيموت، والله سبحانه لا يورث ولا يموت» (٣). وكتب أهل البصرة إلى الحسن بن عليّ يسألوه عن معنى الصّمد، فكتب إليهم: «بسم الله الرّحمن الرّحيم: أمّا بعد؛ فلا تخوضوا في القرآن بغير علم، فإنّ الله جلّ ذكره قد فسّر الصّمد فقال: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ». وعن محمّد بن الحنفية قال: «الصّمد الغنيّ عن غيره»،وعن زيد بن عليّ قال: «الصّمد الّذي أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون». قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٣)؛أي لم يلد أحدا فيرث ملكه، ولم يولد عن أحد فيرث عنه الملك، والحاصل من هذا يرجع إلى نفي الحدث والحاجة عن الله تعالى؛ لأنه لو كان مولودا لكان محدثا، ولو كان له ولد لكان محتاجا، لأن أحدا لا يستولد إلاّ لحاجته إلى الولد والاستمتاع، والله تعالى منزّه عن هذه الصّفات كما قال تعالى ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤).

стр. 3074

قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (٤)؛تقديره: ولم يكن أحد كفؤا له؛ أي ليس كمثله شيء، و «في» قوله تعالى (كفوا) ثلاث قراءات، قرأ حمزة ويعقوب وخلف ساكنة الفاء مهموزة، ومثله مرويّ عن أبي عمرو ونافع، وقرأ حفص عن عاصم كفوا مثقلة غير مهموزة، وقرأ الباقون كفؤا مهموزة مضموم الفاء، والكفؤ والكفاء والكفء واحد، وهو المثل والنظير، تعالى الله عن المثل والنظير. آخر تفسير سورة (الإخلاص) والحمد لله رب العالمين

стр. 3075

سورة الفلق سورة الفلق مكّيّة، وهي أربعة وسبعون حرفا، وثلاث وعشرون كلمة، وخمس آيات. قال ﷺ : [من قرأ المعوّذتين فكأنّما قرأ الكتب الّتي أنزلها الله تعالى كلّها] (١). وعن عقبة بن عامر الجهنيّ: أنّ رسول الله ﷺ قال: [ألا أخبرك بخير ما يتعوّذ به المتعوّذون؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: [قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب النّاس] (٢). وقال عقبة بن عامر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [لن تقرأ سورة أحبّ إلى الله من قل أعوذ برب الفلق، فإن استطعت أن لا تدعها في صلاة فافعل] (٣). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾ (٢)؛قال الكلبيّ: «هذه السّورة والّتي بعدها أنزلت على النّبيّ ﷺ حين سحر، فأمر النّبيّ ﷺ أن يتعوّذ بهما، وذلك أنّ رجلا من اليهود يقال له: لبيد بن أعصم، سحر النّبيّ ﷺ واشتدّ شكواه حتّى تخوّف عليه.

стр. 3076

فبينا النّبيّ ﷺ بين النّائم واليقظان إذ أتاه ملكان؛ أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الّذي عند رأسه للثّاني: أيّ شيء به؟ قال: سحر، قال: من فعل به؟ قال: لبيد بن أعصم اليهوديّ، قال: فأين جعله؟ قال: في بئر لبني زريق، وجعله في صخرة في كوبة، قال: فما دواؤه؟ قال: نبعث إلى تلك البئر فينزح ماؤها، ثمّ تقلع الصّخرة فتستخرج الكوبة من تحتها فيها إحدى عشرة عقدة. وإنّما قال ذلك؛ لكي يفهم النّبيّ ﷺ ، فانتبه النّبيّ ﷺ وقد فهم ما قالا. فأرسل النّبيّ ﷺ عمّار بن ياسر في نفر من أصحابه إلى تلك البئر، فانتهى إليها عمّار، وقد تغيّر ماؤها كهيئة الحنّاء من ذلك السّحر، فنزحوا ذلك الماء حتّى بدت الصّخرة فإذا تحتها كوبة، فأخذوها وإذا في الكوبة وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فجاء بها إلى النّبيّ ﷺ فأحرقت وأنزلت المعوّذتان إحدى عشرة آية فحلّت كلّ آية عقدة، وأمر النّبيّ ﷺ أن يتعوّذ بهما، وكان ﷺ يعوّذ بهما الحسن والحسين، فكان لبيد بعد ذلك يأتي النّبيّ ﷺ فما رأى في وجه النّبيّ ﷺ شيئا من ذلك قطّ ولا ذاكره إيّاه. وفي بعض الروايات: أنّ بنات لبيد بن أعصم اللّواتي سحرن النّبيّ ﷺ ، فذهب بذلك لبيد فجعله في وعاء الطّلع-أعني كوزي النّخل-وجعله في بئر تحت صخرة، فلمّا أطلع الله نبيّه على ذلك بعث أبا بكر وعمر حتّى أخرجاه. وقيل: بعث عليّا في استخراجه، فأنزل الله هاتين السّورتين (١). والفلق على قول الكلبيّ وقتادة: «الصّبح عند بيانه وظهوره»،وعن ابن عبّاس: «أنّ الفلق الخلق يخرجون من أصلاب آبائهم وأرحام أمّهاتهم كما ينفلق الحبّ من النّبات».وهذا القول أعمّ من الأول وأقرب إلى تعظيم الله تعالى، لأن

стр. 3077

الفلق كلمة جامعة من لطائف القرآن، والله تعالى فالق الإصباح وفالق الحب والنوى، وفالق البحر لموسى. ومعنى السّورة: قل يا محمّد: امتنع واعتصم واستعذ بربّ الفلق من شرّ كل ذي شرّ من الجنّ والإنس والسباع والحيّات والعقارب وغيرها، وعن كعب الأحبار أنه قال: «الفلق بيت في النّار لو فتح بابه صاح جميع أهل النّار من شدّته» (١).قال السديّ: «الفلق بئر في جهنّم» (٢). قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ﴾ (٣)؛الغاسق: هو الليل إذا اشتدّت ظلمته، ووقوب الليل دخوله في الظّلام، هكذا عن قتادة، وأصل الغسق: الجريان بالضّرر من قولهم: غسقت القرحة إذا جرى صديدها، والغاسق صديد أهل النار، والغاسق كلّ هاجم بالضّرر كائنا ما كان، وسمّي الليل غاسقا؛ لأنه تخرج فيه السّباع من آجامها، والهوامّ من مكانها. وإنما أضيف الشرّ إلى الليل؛ لأن الإنسان يحذر في أوقات الليل من الشرّ ما لا يحذر مثله بالنهار، كأنه قال تعالى: ومن شرّ ما في الغاسق، كما يقال: أعوذ بالله من هذا البلد إذ كثر فيه الظّلم والفساد. وعن عليّ ﵁ أنه قال: «الغاسق هو الظّالم، ووقوبه دخوله على الظّلم». ويقال: الغاسق سقوط الثّريا؛ لأن الطواعين والأسقام تكثر عند سقوطها، وترتفع عند طلوعها. وعن عائشة ﵂ قالت: أراني رسول الله ﷺ القمر فقال: [تعوّذي بالله من شرّ هذا الغاسق إذا وقب] أي إذا كسف واسودّ (٣).

стр. 3078

قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (٤)؛أي من شرّ السّواحر ينفثن؛ أي يسحرن في عقد السحر، وهن الجماعات السواحر، وذلك أنّهن إذا أردن الإضرار بإنسان نفثن عليه ورقّينه بكلام فيه كفر وشرك وتعظيم الكواكب من الأدوية الضارّة والسّموم القاتلة بالاحتيال، ثم يزعمن إذا ظهر الضّر عليه أنّ ذلك من رقاهنّ. وإذا أردن نفع إنسان نفثن عليه، واحتلن أن يسقينه شيئا من الأدوية النافعة، ثم إذا اتّفق للعليل خفّة الوجع أوهمن أنّهن اللّواتي نفعنه من النفع والرقى. والنّفث هو أن يلقي الإنسان بعض ريقه على من يعوّذه، يقال: نفث ينفث، وتفل يتفل بمعنى واحد. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ﴾ (٥)؛معناه: إن الحاسد يستعظم نعمة صاحبه ويريد زوالها، فيحمله ذلك على الظّلم والبغي والاحتيال بكلّ ما يقدر عليه لإزالة تلك النعمة عنه. والحسد في اللغة بمعنى زوال النّعمة عن صاحبها لما يدخل على النفس من المشقّة بها. ويقال: معناه: التلهّف على جود الله تعالى، وهذا هو الحسد المذموم، وأما إذا تمنى لنفسه نعمة من الله تعالى مثل نعمة صاحبه من غير أن يتمنّى زوالها عنه، فذلك يكون غبطة، ولا يكون حسدا. وذهب بعض المفسّرين إلى أنّ المراد بهذه الآية: استعاذة من شرّ عين الحاسد، واستدلّ على ذلك بما روي: أنّ النّبيّ ﷺ أمر عائشة أن تسترقى من العين (١)، ويستحبّ للعائن عند إعجابه بما يراه أن يقول: ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله، كما روى أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال: [من رأى شيئا يعجبه فقال: الله الله! ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله، لم يضرّه شيء] (٢).

стр. 3079

وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [العين حقّ، فلو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا] (١). وإنما ختمت السورة بالحسد؛ ليعلم أنه أخسّ من الأشياء التي قبله، وهو أخسّ الطبائع. آخر تفسير سورة (الفلق) والحمد لله رب العالمين

стр. 3080

سورة النّاس سورة النّاس مدنيّة (١)،وهي سبعة وسبعون حرفا، وعشرون كلمة، وستّ آيات. قال ﷺ : [قال لي جبريل: ألا أخبرك بأفضل ما يتعوّذ به؟ قلت: ما هو؟ قال: المعوّذتان فما تعوّذ متعوّذ بمثلهما] (٢). وقال ﷺ : [من قرأ سورة الفلق وسورة النّاس أعطاه الله من الأجر كأنّما قرأ جميع الكتب الّتي أنزلها الله تعالى على الأنبياء ومحمّد ﷺ ] (٣). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ (١) مَلِكِ النّاسِ (٢) إِلهِ النّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ﴾ (٤)؛أي قل يا محمّد: امتنع واعتصم بخالق الخلق المقتدر عليهم، المالك لنفعهم وضرّهم وحياتهم وموتهم، المستحقّ للعبادة الذي إليه مفزعهم وملجأهم، من شرّ الشيطان ذي الوسواس المستقر المختفي عن أعين الناس، ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ﴾ (٥)،الذي يصل بوسوسته إلى صدور الناس، كما جاء في الحديث: [إنّ الشّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم، فتعوّذوا بالله منه] (٤).

стр. 3081

قال قتادة: «إنّ الخنّاس له خرطوم كخرطوم الكلب في صورة الإنسان، جاثم على قلب ابن آدم، إذا غفل العبد عن ذكر الله وسوس، وإذا ذكر الله خنس» (١).وروي: أن عيسى ﵇ دعا ربّه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم، فجلى له فإذا رأسه رأس الحيّة واضع رأسه على ثمرة القلب، فإذا ذكر العبد ربّه خنس، وإن لم يذكر ربّه وضع رأسه على ثمرة قلبه وحدّثه (٢). قوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ (٦)؛قيل: ذلك عائد على الوسواس، كأنه قال: شرّ الوسواس الذي هو من الجنّة، والوسواس الذي هو من الناس. ويقال: معناه: من شرّ كلّ مارد من الجنّ والإنس. وقيل: إنّ قوله تعالى ﴿(مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ)﴾ عائد على لفظ الناس المذكور في قوله تعالى ﴿(فِي صُدُورِ النّاسِ)؛﴾ لأن اسم الناس يصلح للإنس والجنّ، كما قال تعالى ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ (٣) فجعلهم رجالا، والشيطان يوسوس في صدور الجنّ، كما يوسوس في صدور الإنس، ودليل هذا قوله تعالى في أوّل السورة ﴿(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ)﴾ أراد به ربّ الإنس والجنّ جميعا. وبالله التوفيق. آخر تفسير سورة (الناس) وبحمد الله تعالى وفضله ومنّه تمّ ضبط هذا التفسير على أصله الموسوم (التفسير الكبير-تفسير القرآن العظيم) للعالم الإمام الحافظ أبي القاسم أحمد بن سليمان الطبراني ﵀.

стр. 3082

تمّ الجزء المبارك بمعونة الله تعالى وحسن توفيقه، والحمد لله وحده، وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد خاتم النّبيّين والمرسلين وسلطان الصّدّيقين وإمام المقرّبين، وعلى آله وصحبه وسلّم آمين. وكان الفراغ من تعليق هذا الجزء العظيم قدره، الشريف مجده، يوم الثّلاثاء المبارك على يد أقلّ العباد وأحقرهم، خويدم نعال الفقراء الطفيلي فيما بينهم. . . . . . . (١) الشافعي، قبيل العصر بافتتاح شهر رجب الفرد، سنة أربعة وستّين وتسعمائة، ومستنسخه الشيخ الفاضل قاضي القضاة وشيخ الإسلام العالم العلاّمة البحر، أدام الله تعالى نعمة مولانا المذكور ولا زال علم علمه مرفوعا أبدا، وبناء مجده منتصبا بحفظ من العدى، ولا زالت أقلامه لأفعال الشكّ جازمة، ووفور السّعد عن أعدائه متعدية، ولآرائه لازمة، لا زال باب مولانا للخير والصّلة، وحال محارمه متّصلة لا منفصلة، بمنّه وكرمه إنه على ما يشاء قدير وبالاجابة جدير آمين.