قوله تعالى: ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (١١)؛أي حدّث الناس بما أنعم الله عليك من النبوّة والإسلام، وذلك أنّ من شكر النّعم التحدّث تعظيما للمنعم.
ويقال: إن الشّكر على مراتب، فالمرتبة الأولى: أن تعلم أنّ النعمة من الله، والثانية: أن تؤدّي عليها حقوق الله، والثالثة: أن تعترف بذلك وتخبر الناس بها، والرابعة:
الاستظهار بها على معصية الله.
وفي الحديث: [إذا أنعم الله على عبد أحبّ أن يرى أثر نعمته عليه] (١)،وقال ﷺ : [من أعطي خيرا فلم ير عليه، سمّي بغيض الله معاديا لنعمة الله] (٢).قال ﷺ :
[من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر النّاس لم يشكر الله، والتّحدّث بالنّعمة شكر] (٣).
آخر تفسير سورة (الضحى) والحمد لله رب العالمين
стр. 3012
سورة ألم نشرح
سورة ألم نشرح مكّيّة، وهي مائة وثلاثة أحرف، وتسع وعشرون كلمة، وثمان آيات. قال ﷺ : [من قرأها فكأنّما جاءني وأنا مغتمّ ففرّج عنّي] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (١)؛وذلك أنّ النبي ﷺ شقّ بطنه من عند صدره إلى أسفل بطنه فاستخرج منه قلبه فغسل في طشت من ذهب بماء زمزم، ثم ملئ إيمانا وحكمة وأعيد مكانه، قال: وهذا معنى شرح الصّدر. ويقال: إنّ شرح الصّدر، وترحيبه وتليينه؛ لاحتمال الأذى والصبر على المكاره، والطمأنينة بالإيمان وشرائعه. وقيل: معناه: ألم نليّن لك قلبك ونوسّعه بالإيمان والنبوّة والعلم والحكمة.
قوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ (٢)؛أي حططنا عنك ذنبك، كما قال تعالى في آية أخرى ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ (٢)
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ (٣)؛أي أثقل ظهرك،
﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (٤) أي شرّفناك وعظّمنا قدرك بما أوجبناه على خلقنا من التصديق بنبوّتك. وقيل: معناه: قرنّا ذكرك بذكرنا، فلا يذكر الله إلاّ وتذكر معه في كلمة الشّهادة والأذان والخطبة وغير ذلك.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ (٦)؛ معناه إنّ مع الشدّة التي أنت فيها من جهاد «هؤلاء» المشركين رجاء أن يظفرك الله عليهم حتى ينقادوا للحقّ طوعا وكرها (٣)، ﴿(إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)﴾ لتأكيد الوعد وتعظيم
стр. 3013
الرّخاء. وقيل: معناه: فإن مع العسر يسرا في الدّنيا، إنّ مع العسر يسرا في الآخرة.
وقيل: إنّ هذه الآية تسلية للنبيّ ﷺ وأصحابه فيما كانوا فيه من الشدّة والفقر، يقول: إنّ مع الشدّة رخاء وسعة. وروي أنّ النبيّ ﷺ لمّا نزلت هذه الآية قال لأصحابه: [أبشروا فقد آتاكم الله اليسر، لن يغلب عسر يسرين] (١).
وإنما قال ذلك؛ لأنّ العسر معرفة، و (يسرا) نكرة، والمعرفة إذا أعيدت كان الثاني هو الأول، والنّكرة إذا أعيدت كان الثاني غير الأوّل، واليسر الأوّل هو اليسر في الدنيا يعقب العسر، واليسر الثاني هو اليسر في الآخرة بالثواب، يقول الرجل لصاحبه: إذا اكتسبت درهما فأنفق درهما، يريد بالثاني غير الأول، فإذا فقال: إذا اكتسبت درهما فأنفق الدرهم، فالثاني هو الأول.
وعن ابن مسعود قال: «والّذي نفسي بيده، لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتّى يدخل عليه، إنّه لن يغلب عسر يسرين» (٢).
قوله تعالى: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ (٧)؛أي إذا فرغت من أمور الدّنيا فانصب لما أمرت به من الإبلاغ والعبادة. وعن الحسن أنه قال: «فإذا فرغت من الجهاد فانصب للعبادة» أي اتعب لها. وعن عمران بن الحصين أنه قال: «إذا فرغت من الصّلاة فاتعب للدّعاء، وسله حاجتك، وارغب إليه» (٣).وقوله (فانصب) من النّصب والدّءوب في العمل.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (٨)؛ أي ارفع حوائجك إلى ربك، ولا ترفعها إلى أحد من خلقه.
آخر تفسير سورة (الشرح) والحمد لله رب العالمين
стр. 3014
سورة والتّين
سورة والتّين مكّيّة، وهي مائة وخمسون حرفا، وأربع وثلاثون كلمة، وثماني آيات (١).
قال ﷺ : [من قرأ سورة التّين أعطاه الله خصلتين: العافية واليقين ما دام في دار الدّنيا، وأعطاه الله من الأجر بعدد من قرأها صيام يوم] (٢).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (١)؛هذا قسم برب التين والزيتون، وجوابه ﴿(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ)﴾.وسئل ابن عباس عن التين والزيتون فقال: «هو تينكم هذا».
وفي تخصيص التّين من بين سائر الفواكه أنه ثمر شجرة مثل الخبيص على مقدار اللّقمة، ظاهره مثل باطنه، وباطنه مثل ظاهره، لا يخالطه قشر، ولا نوى على صفة ثمار الجنّة. والزيتون ثمر شجرة يعصر منها الزيت بما فيه من الطّيب، وإصلاح الغداء في أكثر الأطعمة مع الاصطباح به والادّهان به. وعن قتادة قال: «التّين هو دمشق، والزّيتون هو بيت المقدس» (٣)،وقال القتيبيّ: «هما جبلان بالشّام، يقال لهما طور تينا وطور زينا؛ لأنّهما ينبتانهما».
قوله تعالى: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ (٢)؛هو الجبل بمدين الذي كلّم الله تعالى بها موسى ﵇، وسينين وسيناء من أسماء ذلك الجبل، وعن السديّ أنه قال:
«معنى سينين الشّجر».
стр. 3015
ويقال: معناه: المبارك. وعن عكرمة: «أنّ معناه الجبل في الشّتاء؛ لأنّه كثير النّبات والأشجار».
قوله تعالى: ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (٣)؛يعني مكّة؛ لأنّ أهلها في أمن من الغارة، وكانوا إذا سافروا لم يتعرّض لهم لحرمة الحرم، والصيد في الحرم آمن، ومن قتل قتيلا، ثم لجأ إلى الحرم لم يقتصّ منه في الحرم.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٤)؛أي في أحسن صورة واعتدال على أحسن صورة وهيئة، وعلى كمال في العقل والفهم، وذلك أنّ الله خلق كلّ شيء منكبّا على وجهه إلاّ الإنسان. وقيل: خلقنا الإنسان مديد القامة يتناول ما يأكله بيده.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ﴾ (٥)؛أي رددناه إلى أرذل العمر، وإلى حال الهرم وفقد العقل بعد الشّباب والقوّة. وقال بعضهم: معناه: رددناه إلى أسفل دركات النار في أقبح صورة.
ثم استثنى المؤمنين المطيعين، فإنّهم لا يردّون إلى أسفل سافلين، ويجوز أن يكون هذا استثناء منقطعا بمعنى لكن،
﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ؛﴾ أي الطاعات فيما بينهم وبين ربهم، ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٦)؛أي ثواب غير مقطوع؛ أي لا ينقطع ثوابهم بموتهم.
وفي الحديث: [إنّ المؤمن إذا عمل في حال شبابه وقوّته، ثمّ مرض أو هرم، كتب الله له حسناته، كما كان يعمل في حال شبابه وقوّته، لا ينقص منه شيء] (١).
وعن رسول الله ﷺ أنّه قال: [إذا مات المؤمن فدفن في قبره قال ملكان: يا رب قد مات عبدك فلان، فأذن لنا أن نصعد إلى السّماء فنسبحك، فيقول الله تعالى:
سمائي مملوءة من ملائكتي يسبحونني، فيقولون: يا رب فأين تأمرنا؟ فيقول: قوما
стр. 3016
على قبر عبدي فسبحاني وكبراني واحمداني وهلّلاني، واكتبا ثواب ذلك لعبدي حتّى أبعثه من قبره] (١).
قوله تعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ (٧)؛أي ما يحملك على التكذيب أيّها الكافر بعد هذا البيان من الله تعالى بمجازاة الله في الآخرة. وقيل: معناه:
ما يكذّبك أيّها الإنسان بعد الصّورة الحسنة والشباب، ثم الهرم والموت والحساب، أفلا تعتبر بحالك لتعلم أنّ الذي خلقك قادر على أن يبعثك.
وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ (٨)؛أي أليس الله بأفضل الفاضلين وأعدل العادلين، وكان ﷺ إذا قرأ هذه السّورة قال: [بلى يا رب أنت أحكم الحاكمين، وأنا على ذلك من الشّاهدين] (٢).
آخر تفسير سورة (التين) والحمد لله رب العالمين
стр. 3017
سورة العلق
سورة العلق مكّيّة، وهي مائتان وثمانون حرفا، واثنتان وتسعون كلمة، وتسع عشرة آية. قال ﷺ : [من قرأها أعطي من الأجر كمن قرأ المفصّل كلّه] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١)؛قالت عائشة ﵂:
«أوّل ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرّؤيا الصّالحة في النّوم، كان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلق الصّبح. ثمّ حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتعبّد فيه حتّى جاءه الحقّ وهو في غار حراء.
فجاءه جبريل فقال له: اقرأ، فقال: [ما أنا بقارئ] قال: [فأخذني فغطّني حتّى أخذ منّي الجهد ثمّ أرسلني، فقال لي: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثّانية كذلك ثمّ أرسلني، فقال لي: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطّني الثّالثة ثمّ أرسلني، فقال لي: ﴿[اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ]﴾.
فرجع رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة فقال: [زمّلوني زمّلوني]، فزمّلوه حتّى ذهب عنه الرّوع، فأخبر خديجة بالخبر وقال: [خشيت على نفسي].
فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل وهو ابن عمّها، وكان امرءا تنصّر في الجاهليّة، وكان يكتب من الإنجيل بالعبرانيّة، وكان شيخا كبيرا قد ضعف بصره، فقالت له خديجة: يا ابن عمّ اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة بن نوفل: يا ابن أخي ماذا رأيت؟ فأخبره بما رأى، فقال ورقة: هذا هو النّاموس الّذي نزل على موسى، فيا
стр. 3018
ليتني أكون حيّا حين يخرجك قومك، فقال ﷺ : [أو مخرجيّ هم؟!] (١) قال: لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلاّ عودي وأوذي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا. ثمّ إنّ ورقة لم يدرك وقت الدّعوة أن توفّي» (٢).
واختلفوا في الباء في قوله ﴿(بِاسْمِ رَبِّكَ)﴾ قال بعضهم: هي زائدة؛ وتقديره: اقرأ اسم ربك، كما يقال: قرأت بسورة كذا. وقال بعضهم: افتح القراءة بسم الله. وقيل:
معناه: اقرأ القرآن بعون الله وتوفيقه. وقوله تعالى ﴿(الَّذِي خَلَقَ)﴾ أي خلقك. وقيل:
خلق الأشياء كلّها.
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (٢)،قال بعضهم: أراد به آدم، خلقه من طين يعلق باليد. وقال بعضهم: الإنسان هذا اسم جنس، والعلق جمع العلقة، وهي الدم الخاثر المنعقد الذي يضرب إلى السواد.
قوله تعالى: ﴿اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ (٣)؛أي اقرأ القرآن في صلاتك وتبليغك إلى الناس وربّك الأعظم الذي يعطي من النّعم ما لا يقدر على مثله غيره.
ويجوز أن يكون الإكرام ههنا أنه تعالى يعينه على حفظ القرآن وتبليغه، ويثيبه على ذلك جزيل الثواب. وقيل: الأكرم الحليم على جهل العباد، فلا يعجّل عليهم بالعقوبة.
قوله تعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ (٤)؛أي الذي علّم الملائكة ما في اللوح المحفوظ، وأضيف إلى القلم؛ لأنّه هو الذي كتب ما في اللوح. وقيل: معناه:
الذي علّم الناس علم الكتابة بالقلم، وهو نعمة عظيمة، ولولا القلم لضاعت الحقوق ودرست العلوم واختلّت أمور المعايش.
стр. 3019
قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٥)؛أي علّم آدم الأسماء كلّها.
وقيل: علّم جميع الناس بالقلم من أمر دينهم ما لم يعلموا من قبل. وقيل: الإنسان ههنا محمّد ﷺ ، بيانه ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى﴾ (٦)؛أي حقّا إن الإنسان الذي خلقه الله من علق وتمّم نعمته عليه ليطغى بأنعم الله، ويتكبّر على توحيده، ومعنى (ليطغى) ليتجاوز حدّه، فيستكبر على ربه،
﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ (٧)، أن رأى نفسه مستغنيا بكثرة ماله. روي: أنّ هذه الآية نزلت في أبي جهل (٢)،وكان ﷺ يقول: [أعوذ بك من فقر ينسي، ومن غنى يطغي] (٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ (٨)؛فيه تخويف بالرّجعة إلى الآخرة للحساب؛ أي إنّ إلى ربك المرجع في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلّى﴾ (١٠)؛نزلت في أبي جهل نهى النبيّ ﷺ عن الصّلاة حين فرضت عليه، وكان يؤذيه، ويعبث به حتى يشغله عن الصّلاة، وكان يهدّد النبيّ ﷺ وكان يقول: إذا رأيت محمّدا يصلّي توطّأت عنقه، وهذه الآية متروكة الجواب، معناه: أرأيت يا محمّد الذي ينهى عن الصّلاة لا تراه يفلح.
قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى﴾ (١١)؛معناه: أرأيت أيّها الناهي إن كان المنهيّ عن الصلاة على الهدى،
﴿أَوْ أَمَرَ،﴾ الخلق، ﴿بِالتَّقْوى﴾ (١٢)،أكنت تنهاه وتعاديه على ذلك. وقيل: معناه: أرأيت-يا محمّد-إن كان الناهي على الهدى، أو أمر بالتقوى، أليس كان خيرا له.
стр. 3020
قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ (١٣)؛معناه: أخبرني يا محمّد إن كذب أبو جهل بالقرآن، وتولّى عن الإيمان؛ أي أعرض عنه،
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى﴾ (١٤)،ألم يعلم أبو جهل أنّ الله يرى صنعه.
وقوله تعالى: ﴿كَلاّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ﴾ (١٥)؛قسم من الله تعالى: لئن لم يمتنع أبو جهل عن مقالته وصنعه لنأخذنّ بمقدم شعر رأسه، ولنأمرنّ بجذبه إلى النار، والسّفع في اللغة: هو الجذب الشديد، والعرب لا تأنف من شيء أنفها من ذكر النّاصية. وقيل: معنى السّفع الإحراق، واللّفح نظيره، والمعنى: لنحرقن موضع ناصيته، وقال الحسن: «معناه: لنجمعنّ ناصيته وقدميه» كما قال تعالى ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ (١٦)؛إبدال الاقدام النكرة من المعرفة، والمراد بالناصية هاهنا صاحب الناصية كاذب خاطئ، يأكل رزق الله، ويعبد غيره.
قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ (١٨)؛قال ابن عبّاس: «لمّا قال أبو جهل للنّبيّ ﷺ : ألم أنهك عن الصّلاة، انتهره النّبيّ ﷺ وأغلظ له وتهدّده، فقال أبو جهل: أتهدّدني وأنا أكبر أهل الوادي، والله لأملأنّ عليك الوادي خيلا جردا ورجالا مردا» (٢)،فأنزل الله تعالى ﴿(فَلْيَدْعُ نادِيَهُ، سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ)﴾ أي فليدع قومه وعشائره ليعاونوه، سندع الزبانية ليأخذوه.
والنّادي في اللغة: المجلس، والمراد بالمجلس هاهنا أهل المجلس. والزبانية: هم الملائكة الموكّلون بتعذيب أهل النار، واحدهم زبن، والزّبن الدفع، يقال: زبنت الناقة الحالبة إذا ركضته برجلها، قال ﷺ : [لو نادى ناديه لأخذته الزّبانية عيانا] (٣).
стр. 3021
وقوله تعالى: ﴿كَلاّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (١٩)؛هذا قسم من الله، ويجوز أن يكون معناه: ليس كما يقول أبو جهل، لا تطعه فيما يأمرك به من ترك الصّلاة، وصلّ لله واقترب إلى رحمته بالسّجود على رغم من ينهاك عنه.
روي (١):أنّ النبيّ ﷺ كان يصلي بعد هذه السّورة، فأتاه أبو جهل ليؤذيه على عادته، فوجده يقرأ هذه السّورة، فخاف وانصرف. فقيل له: أخفته؟! وما الذي منعك أن تفعل به ما هممت به؟ قال: وجدت عنده حارسا يحرسه، وسمعته يهدّدني بالزّبانية، أما الحارس فهو فحل أهوى إليّ أراد أن يأكلني، والله ما أدري ما زبانيته فهربت (٢).
آخر تفسير سورة (العلق) والحمد لله رب العالمين
стр. 3022
سورة (القدر)
سورة القدر مكّيّة، وهي مائة واثنا عشر حرفا، وثلاثون كلمة، وخمس آيات.
قال ﷺ : [من قرأها فكأنّما صام رمضان، وأحيا ليلة القدر] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١)؛معناه: إنّا أنزلنا القرآن في ليلة القدر، والهاء في قوله (أنزلناه) كناية عن المضمر المذكور في السّورة التي قبل هذه السّورة، وهو القرآن، فإنه تقدّم في أوّلها ﴿اِقْرَأْ؛﴾ أي اقرأ القرآن. ويجوز أن يكون معناه: إنّا أنزلنا جبريل بهذا القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان.
وذلك أنّ القرآن أنزل جملة واحدة إلى السّماء الدّنيا إلى الكتبة، ثم أنزل بعد ذلك نجوما في عشرين سنة-وقيل: ثلاث وعشرين-.وسميت هذه الليلة ليلة القدر؛ لأنّها ليلة الحكم والقضاء، يقدّر الله فيها كلّ شيء يكون في السّنة إلى السّنة، ومعنى تقديره: أن يأمر الملائكة أن يكتبوه ويقرءوه.
وقوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ (٢)؛تعجّب وتعظيم لحرمتها؛ أي ما أعلمك يا محمّد ما شرف هذه الليلة لولا أنّ الله أعلمك بذلك،
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (٣)؛أي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر، وعلى هذا قالوا: إنّ من صلّى فيها ركعتين كان له ثواب من صلّى ليالي ألف شهر ركعتين، بل ثواب هاتين الركعتين أكثر من ثواب تلك الصلاة كلّها.
وسبب نزول هذه السورة: أنّ رسول الله ﷺ ذكر يوما لأصحابه: [أنّ أربعة من بني إسرائيل وهم: أيّوب وزكريّا وحزقيل ويوشع بن نون عبدوا الله ثمانين سنة
стр. 3023
لم يعصوه فيها طرفة عين]،فتعجّب أصحاب النبيّ ﷺ من ذلك، فأتى جبريل فقال له: عجبت أمّتك من عبادة هؤلاء النّفر ثمانين سنة لم يعصوا الله فيها طرفة عين، فقد أنزل الله عليك خيرا منه، ثم قرأ ﴿(إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ... )﴾ إلى آخرها، وقال: هذا أفضل مما عجبت منه أنت وأمّتك، فسرّت الصحابة بذلك (١).
وروي: أنّ النبيّ ﷺ ذكر رجلا من بني إسرائيل حمل السّلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك عجبا شديدا، وتمنّى النبيّ ﷺ أنّ يكون مثله في أمّته، فأعطاه الله ليلة القدر (٢).
واختلفوا في وقتها؛ فقال بعضهم: كانت على عهد رسول الله ﷺ ثم رفعت، والصحيح: أنّها لم ترفع وأنّها إلى يوم القيامة، لما روي عن النبيّ ﷺ قيل له: هل رفعت ليلة القدر؟ فقال: [بل هي إلى يوم القيامة] (٣).عن عبد الله بن حسن قال:
قلت لأبي هريرة ﵁: زعموا أنّ ليلة القدر قد رفعت، قال: «كذب من قال» قلت:
أهي كلّ شهر رمضان؟ قال: «نعم» (٤).
وقال بعضهم: هي في ليالي السّنة كلّها، وأنّ من علّق طلاق امرأته أو عتق عبده بليلة القدر لم يقع شيء من ذلك إلى مضي سنة من يوم حلفه. والجمهور من العلماء: أنّها في شهر رمضان في كلّ عام. وسئل الحسن عن ليلة القدر فقال «والله الّذي لا إله إلاّ هو؛ إنّها في كلّ رمضان» (٥).
стр. 3024
واختلفوا في أيّ ليلة هي، فقال أبو رزين العقيلي: «هي أوّل ليلة في شهر رمضان» (١)،وقال الحسن: «هي ليلة سبع عشرة، وهي اللّيلة الّتي كانت صبيحة وقعة بدر».
والصحيح: أنّها في العشر الأواخر من رمضان، وقال أبو سعيد الخدري: «هي ليلة إحدى وعشرين» (٢)،وعن أبيّ بن كعب قال عن رسول الله ﷺ أنّه قال:
[تحرّوا ليلة القدر من كلّ سبع وعشرين من رمضان] (٣).
وروي أن عمر قال لابن عبّاس: «أخبرني برأيك في ليلة القدر. فقال: إنّ الله وتر يحبّ الوتر، السّماوات سبع؛ والأرضون سبع؛ والطّواف سبع؛ والرّمي للجمار سبع، فلا أراها إلاّ في سبع وعشرين من رمضان».
قال: «وعدد حروف سورة القدر إلى قوله تعالى (سلام) هي سبع وعشرون، فيجب أن تكون ليلة سبع وعشرين»،وأراد بالحرف الكلمة، فقال له عمر: «وافق رأيي رأيك. ثم ضرب على منكبه فقال: ما أنت بأقلّ القوم علما» (٤).
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ في ليلة القدر: [من كان متحرّيا فليتحرّها في ليلة سبع وعشرين] (٥).وعن أبي بن كعب قال: سمعت
стр. 3025
رسول الله ﷺ بأذنيّ وإلاّ فصمّتا: [أنّ ليلة القدر سبع وعشرين] (١).
وقال أبو بكر الورّاق: «إنّه قسّم كلمات هذه السّورة على عدد ليالي رمضان، فلمّا بلغ إلى السّابعة والعشرين أشار إليها فقال: هي» (٢).وقال بعضهم: هي ليلة إحدى وعشرين.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [ليلة القدر ليلة السّابع والعشرين أو التّاسع والعشرين، وأنّ الملائكة في تلك اللّيلة بعدد الحصى] (٣).وعن رسول الله ﷺ :
[في اللّيلة من علامتها أنّها ليلة سمحة لا حارّة ولا باردة، تطلع الشّمس صبيحتها ليس لها شعاع] (٤).
وقال بعضهم: إنّ من علامتها أنّ ماء البحر فيها يكون عذبا سلسا!
وعن عائشة ﵂ أنّها قالت للنّبيّ ﷺ إذا أدركت ليلة القدر فما أقول؟ قال: [قولي: اللهمّ إنّك عفوّ تحبّ العفو فاعف عنّي] (٥).
قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها؛﴾ أي تنزل ملائكة السّماوات السبع إلى السّماء الدّنيا وجبريل معهم، ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (٤)؛أمرهم الله به في تلك الليلة.
стр. 3026
وقد يقام حرف من مقام الباء، كما في قوله تعالى ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ (١) معناه: أي بأمر الله، فكذلك معنى ﴿(مِنْ كُلِّ أَمْرٍ)﴾ أي بكلّ أمر قدّره الله تعالى في تلك الليلة إلى مثلها من السّنة القابلة. ويقال: إنّ الملائكة ينزلون إلى الدّنيا في تلك الليلة، ويسلّمون على المؤمنين على كلّ قائم وراكع وساجد إلى طلوع الفجر.
قرأ طلحة بن مصرّف «(تنزل الملائكة)» مخفّفا (٢).والمراد بالرّوح جبريل في قول أكثر المفسّرين، وقال مقاتل: «الرّوح طائفة من الملائكة، لا تراهم الملائكة إلاّ تلك اللّيلة، ينزلون من غروب الشّمس إلى طلوع الفجر».وقيل: هو ملك عظيم.
قوله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ؛﴾ تمام الكلام عند قوله تعالى ﴿(مِنْ كُلِّ أَمْرٍ)﴾،ثم ابتدأ فقال: ﴿(سَلامٌ هِيَ)﴾ أي ليلة القدر، سلامة هي؛ أي خير كلّها ليس فيها شرّ، قال الضحّاك: «لا يقدّر الله في تلك اللّيلة إلاّ السّلامة، فأمّا اللّيالي غيرها فيقضي فيهنّ البلاء والسّلامة».قال مجاهد: «هي سالمة لا يستطيع الشّيطان أن يعمل فيها شرّا ولا أذى».وقال الشعبيّ: «هو تسليم الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد من حين تغيب الشّمس إلى أن يطلع الفجر».
وفي قراءة ابن عبّاس «(من كلّ أمر سلام)» معناه: من كلّ ملك سلام على المؤمنين في هذه الليلة، وقيل: على هذه القراءة أيضا أن (من) بمعنى (على)؛تقديره:
على كلّ امرئ من المسلمين سلام من الملائكة، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ (٣) أي على القوم.
قوله تعالى: ﴿حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٥)؛أي إلى مطلع الفجر، و (حتّى) حرف غاية، قرأ الأعمش والكسائي وخلف «(مطلع)» بكسر اللام، وقرأ الباقون بفتحها وهو الاختيار؛ لأن المطلع بفتح اللام بمعنى الطّلوع، يقال: طلعت الشمس
стр. 3027
طلوعا ومطلعا، وأما المطلع بكسر اللام، فإنه موضع الطّلوع، ولا معنى للاسم هاهنا.
والحكمة في إخفاء ليلة القدر على العباد: أنّهم لو عرفوها لقصدوها بالعبادة، وأهملوا في سائر الليالي، وإذا لم يعرفوها بعينها عبدوا الله في جميع ليالي شهر رمضان رجاء أن يدركوها.
آخر تفسير سورة (القدر) والحمد لله رب العالمين
стр. 3028
سورة لم يكن
سورة (لم يكن) مكّيّة، وقيل: مدنيّة، وهي ثلاثمائة وسبعة وتسعون حرفا، وأربع وتسعون كلمة، وثمان آيات.
قال ﷺ : [لو يعلم النّاس ما في (لم يكن) لعطّلوا الأهل والمال وتعلّموها، لا يقرؤها منافق أبدا، وإنّ الملائكة المقرّبون ليقرءوها منذ خلق الله السّماوات والأرض لا يفترون عن قراءتها. وما من عبد يقرؤها في ليل إلاّ بعث الله ملائكة يحفظونه في دينه ودنياه، ويدعون له بالمغفرة والرّحمة، وإن قرأها نهارا أعطي من الثّواب مثل ما أضاء عليه النّهار وأظلم عليه اللّيل] (١).وقال ﷺ : [من قرأ (لم يكن) كان يوم القيامة مع خير البريّة ميّتا ومقبلا].
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ؛﴾ وهم اليهود والنصارى، ﴿وَالْمُشْرِكِينَ؛﴾ وهم عبدة الأوثان، ﴿مُنْفَكِّينَ؛﴾ أي منتهين عن كفرهم وشركهم، وقيل: لم يكونوا زائلين، ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (١)؛الواضحة، وهي محمّد ﷺ أتاهم بالقرآن، فبيّن ضلالتهم وجهالتهم ثم دعاهم.
ثم فسّر البيّنة فقال: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً﴾ (٢)؛من الباطل والتناقض،
﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (٣)؛أي مستقيمة عادلة، ومعنى قوله تعالى ﴿(رَسُولٌ مِنَ اللهِ)﴾ يعني محمّدا ﷺ ﴿(يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً)﴾ أي يقرأ عليهم ما
стр. 3029
تضمّنته الصّحف المطهّرة من المكتوب، سمّيت مطهّرة؛ لأنّها مطهّرة من الباطل والتناقض، ولا يمسّها إلاّ المطهّرون من الأنجاس وهم الملائكة، وأراد بها الصّحف التي في أيديهم كما قال ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ (١)،في تلك الصّحف ﴿(كُتُبٌ قَيِّمَةٌ)﴾ أي مستقيمة في جهة الصّواب، لا تؤدّي إلى اعوجاج، ولا تدلّ إلاّ على الحقّ.
قوله تعالى: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (٤)؛فيه تقريع لليهود والنصارى، فإنّهم ما اختلفوا في أمر النبيّ ﷺ إلاّ من بعد ما جاءهم النبيّ ﷺ بالقرآن والمعجزات،
﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ؛﴾ أي ما أمر هؤلاء الذين سبق ذكرهم من اليهود والمشركين في جميع كتب الله إلاّ أن يعبدوا الله، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ؛﴾ في دينهم؛ ﴿حُنَفاءَ؛﴾ مائلين عن كلّ دين سوى الإسلام؛ وأن؛ ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ؛﴾ بحقوقها في مواقيتها، وأن؛ ﴿وَيُؤْتُوا؛﴾ يعطوا؛ ﴿الزَّكاةَ؛﴾ المفروضة، ﴿وَذلِكَ دِينُ؛﴾ الله ﴿الْقَيِّمَةِ﴾ (٥)؛أي المستقيمة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ (٦)؛أي شرّ خليقة، ومنه برئ الله، والبرءة بالهمز هم الخليقة، ومنه برأ الله الخلق، ومنه البارئ بمعنى الخالق. ومن قرأ بغير الهمز كأنه ترك الهمز على وجه التخفيف.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (٧)؛أي خير الخليقة،
﴿جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ؛﴾ أي بساتين إقامة، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ الأربعة، ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً ﵃؛﴾ بإيمانهم، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ؛﴾ بالثّواب الذي أكرمهم الله به، ﴿ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (٨)؛بامتثال أوامره، واجتناب معاصيه.
آخر تفسير سورة (البينة) والحمد لله رب العالمين
стр. 3030
سورة الزّلزلة
سورة الزّلزلة مكّيّة، وهي مائة وتسعة وأربعون حرفا، وخمس وثلاثون كلمة، وثمان آيات.
قال ﷺ : [من قرأها أربع مرّات كان كمن قرأ القرآن كلّه] (١).وقال: [(إذا زلزلت) تعدل نصف القرآن، و ﴿(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)﴾ تعدل ثلث القرآن، و ﴿(قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ)﴾ تعدل ربع القرآن] (٢).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ (١)؛وذلك أنّ رسول الله ﷺ سئل عن قيام السّاعة متى يكون، فأنزلت هذه السّورة لبيان أشراطها وصفاتها. والزّلزلة هي الحركة الشديدة، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ (٣)،وذلك أنّ الأرض تحرك يومئذ حركة شديدة حتى يتقطّع جميع ما فيها من بناء وجبل وشجر، حتى يدخل فيها كلّ ما على وجهها.
قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ (٢)؛أي لفظت الأرض عند ذلك ما فيها من الأموات والأموال، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها﴾
стр. 3031
﴿وَتَخَلَّتْ﴾ (١).وفائدة إلقاء الكنوز وإظهارها أن تتحسّر عليها نفوس الذين كنزوها، وأن يعذّبوا بها، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها﴾ (٣)؛الإنسان هاهنا اسم جنس أريد به الذين يخرجون من جوفها، يقول كلّ منهم ما للأرض وما حالها؟ ولأيّ شيء زلزالها؟
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ (٤)؛أي يومئذ تخبر الأرض بما عمل على ظهرها من خير، أو شرّ عبرة للمتفكّر فيها، تقول في المؤمن:
صلّى عليّ وحجّ وصام، فيفرح المؤمن، وتقول في الكافر: أشرك عليّ وسرق وزنا وشرب الخمر، فيحزن، وذلك الإخبار بأنّ الله ألهمها وأنطقها، كما أنطق الله الجوارح.
قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ (٥)؛أي أذن لها وأمرها.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً؛﴾ أي يصدرون من قبورهم متفرّقين إلى أرض المحشر فرقا فرقا أهل كلّ دين على حدة، فيسار بهم إلى موضع الحساب. قوله تعالى: ﴿لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ﴾ (٦)؛من كتبهم التي تسجّل (٣) أعمالهم فيها. وقيل: يرجعون من موضع الحساب متفرّقين ليروا جزاء أعمالهم، فريق في الجنّة وفريق في السّعير.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٨)؛اختلفوا في مثقال الذرّة، قال بعضهم: هو ما يقع في الكون من شعاع الشمس من الهباء (٤)،وقال بعضهم: هي النملة الحمراء الصغيرة (٥)،وذلك أنّ قوما كانوا لا يرون أنّهم يؤجرون على قليل من الخير، ولا يعاقبون على قليل من الشرّ، فأنزل الله هذه، وحثّهم على كلّ خير قلّ أو كثر،
стр. 3032
وحذرهم من كلّ شرّ قلّ أو كثر، كما روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: [اتّقوا النّار ولو بشقّ تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيّبة] (١).
آخر تفسير سورة (الزلزلة) والحمد لله رب العالمين
стр. 3033
سورة العاديات
سورة العاديات مكّيّة، وقيل: مدنيّة، وهي مائة وثلاثة وستّون حرفا، وأربعون كلمة، وإحدى عشرة آية. قال ﷺ : [من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من بات بالمزدلفة وشهد جمعا] (١)،والله الموفّق.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً﴾ (١)؛أقسم الله تعالى بالخيول العاديات في سبيله إكراما للغزاة، ولله أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لنا أن نقسم إلاّ به. والضّبح حمحمة الخيل، وما يسمع من أصوات أنفاسها إذا عدت (٢).
وعن عليّ ﵁: «أنّ المراد بالعاديات الذاهبة إلى العدوّ، يوم بدر قال: ولم يكن معدّا يومئذ إلاّ فرس واحد ركبها المقداد» (٣).وانتصب قوله (ضبحا) على المصدر تقديره: والعاديات تضبح ضبحا.
قوله تعالى: ﴿فَالْمُورِياتِ قَدْحاً﴾ (٢)؛أي فالمظهرات بسنابكها النار بوطئها بنعالها للحجارة، وبضربها الحصى بعضها ببعض كنار القادح، والقدح والإيراء بمعنى واحد، وتقديره: فالقادحات قدحا.
стр. 3034
قوله تعالى: ﴿فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً﴾ (٣)؛يعني الخيل تغير عند الصّبح في سبيل الله، أضاف الإغارة إليها وأراد بذلك ركّابها، وذلك أنّهم كانوا يسيرون إلى العدوّ ليلا ويأتوهم صبحا.
قوله تعالى: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾ (٤)؛أي هجمت بالمكان الذي انتهت إليه غبارا. وإن ما لم يذكر المكان؛ لأن في الكلام دليلا عليه، وذلك أن إثارة الغبار لا يكون إلاّ بمكان.
قوله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ (٥)؛أي دخلن في ذلك المكان في وسط جمع المشركين للإغارة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ؛﴾ هذا جواب القسم هاهنا، والإنسان عبارة عن جنس الناس، وقيل: المراد به الكافر، والكنود هو الكافر، الذي [يمنع رفده، ويأكل وحده، ويجلد عبده] (١) وهكذا قال النبيّ ﷺ ، وقال الكلبيّ:
«الكنود بلسان معدّ: العاص»،وبلسان مضر وربيعة وقضاعة: الكفور، وبلسان بني مالك: البخيل. وقال الحسن: «يعدّ المصائب، وينسى النّعم» (٢) وقال عطاء:
«الكنود الّذي لا خير فيه».والأرض الكنود الذي لا تنبت ثانيا، وقيل: هو الحقود الحسود.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ (٧)؛معناه: إنّ الله على صنع هذا الكنود وكفرانه لنعمه لشهيد يحصي عليه أعماله. وقيل: معناه: إنّ الإنسان على نفسه لشهيد، يشهد بذلك حاله في بخله، وإعراضه عما يجب عليه، فالهاء على هذا القول راجعة للإنسان.
стр. 3035
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٨)؛الضمير عائد على الإنسان، معناه: إنّ الإنسان في حقّه، ويقال في معناه: وإنّه لحبه المال لبخيل، ويقال:
رجل شديد إذا كان بخيلا.
قال ابن زيد: «سمّي المال خيرا وعسى أن يكون خبيثا وحراما، ولكنّ النّاس يعدّونه خيرا، وسمّى المال خيرا، وسمّى الجهاد سوء، فقال ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ (١)» (٢) أي فقال وليس هو عند الله سوء ولكن يسمّونه سوء. ومعنى الآية شأنه من أجل حب المال الشديد بخيل، ويقال للبخيل: شديد ومتشدّد، قال طرفة:
أرى الموت يعتام (٣) ... الرّجال ويصطفي
عقيلة مال الفاحش المتشدّد
والفاحش البخيل، قال الله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾ (٤) أي بالبخل.
وقوله تعالى: ﴿*أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ﴾ (٩)؛معناه:
أفلا يعلم هذا الإنسان إذا بعث الموتى من قبورهم،
﴿وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ﴾ (١٠)،أي وأظهر ما في صدورهم من الخير والشرّ والسّخاء والبخل،
﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ (١١)؛أي عالم يعلم ما أسرّوه وما أعلنوه، ويجازيهم على أعمالهم.
ولولا دخول اللام في جواب (إنّ) لجاءت مفتوحة لوقوع العلم عليها، ولكن لما دخلت اللام كسرت (إنّ) على عادة العرب، كما في قوله تعالى ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ (٥).
стр. 3036
ويحكى: أنّ الحجاج غلط في قراءة هذه السّورة فقال (أنّ ربّهم) بالفتح، واستدرك الغلط من جهة العربية وحذف اللام فقال: (خبير) فالتفت الحسن إلى أصحابه وقال: «ألا تنظرون إلى عدوّ الله يغيّر كتاب الله ليقوّم لسانه!» (١).
آخر تفسير سورة (العاديات) والحمد لله رب العالمين
стр. 3037
سورة القارعة
سورة القارعة مكّيّة، وهي مائة واثنان وخمسون حرفا، وستّ وثلاثون كلمة، وإحدى عشرة آية. قال ﷺ : [من قرأها ثقّل الله موازينه يوم القيامة] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الْقارِعَةُ﴾ (١)؛القارعة من أسماء القيامة، سميت بذلك؛ لأنّها تقرع القلوب بالأهوال والأفزاع. والمعنى: ستأتيك القارعة، ويقال: إنّ القارعة هي الصيحة العظيمة،
وقوله تعالى: ﴿مَا الْقارِعَةُ﴾ (٢)،تفخيم لأمر القيامة،
﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ﴾ (٣)،تقديره: القارعة ما هي؟ وأيّ شيء هي؟ وما أعلمك ما هي لو لم أعلمك؟ وهذا كما يقال: وأيّ فقيه؟
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ﴾ (٤)؛ معناه: يوم يموج الناس بعضهم في بعض حين يخرجون من قبورهم، كالجراد الكثير المتفرّق الذي يدخل بعضه في بعض، ويركب بعضه بعضا يعني الغوغاء، وهي صغار الجراد، نظيره قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ (٢) وسمي الجراد فراشا؛ لأنه يتفرش حين يتفرّق، ويقال: الفراش ما يطير حول السّراج من البقّ ونحوه، وإنما شبّه الناس يومئذ بالفراش؛ لأنّهم يذهبون في ذلك اليوم على وجوههم لا يدرون من أين يجيئون، ولا أين يذهبون.
قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (٥)؛ معناه: تصير في ذلك اليوم بعد القوّة والشدة كالصّوف، والمنفوش: المندوف، وذلك أوهى ما يكون من الصّوف.
стр. 3038
قوله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ (٦)؛يعني بالطّاعات والحسنات،
﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ (٧)؛أي ذات رضى يرضاها الله، وقيل: معنى (راضية) أي مرضيّة.
قوله تعالى: ﴿وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ (٩)؛ أي خفّت من الأعمال الصالحة فمسكنه ومأواه الهاوية، يأوي إليها، كما يأوي الولد إلى أمه. وقيل: يهوي على أمّ رأسه في النار دركة من دركات النار.
واختلفوا في كيفيّة وزن الأعمال، فقال بعضهم: توزن صحائف الحسنات في كفّة، وصحائف السيّئات في كفّة. وقال بعضهم: يخلق الله من الحسنات نورا يكون علامة للحسنات، فتوضع في كفّة الحسنات، ويخلق من السيّئات ظلمة تكون علامة للسيّئات، فتوضع في كفّة السيّئات.
واختلفوا فيمن يزن الميزان، قال بعضهم: يتولاّه ملك من الملائكة موكّل بالموازين. وقال بعضهم: يتولاّه جبريل فيقف بين الكفّتين ويزن الأعمال، فمن رجحت حسناته على سيّئاته نادى بصوت يسمعه أهل الموقف: الآن فلان بن فلان، سعد سعادة لا شقاء بعدها أبدا، ومن رجحت سيّئاته على حسناته نادى الملك بصوت يسمعه أهل الموقف: الآن فلان بن فلان، شقي شقاوة لا سعادة بعدها أبدا.
قوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ﴾ (١٠)؛أي ما أعلمك-يا محمّد- ما الهاوية لو لم أعلمك؟ وهذه الهاء تسمى هاء السّكت.
وقوله تعالى:
﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ (١١)؛تفسير للهاوية؛ ومعناه: نار قد تناهت حرارتها منتهاها.
ويروى: «أنّ الفضيل بن عياض كان كلّما افتتح هذه السّورة قطعته العبرة من شدّة الهول، ففارق الدّنيا وما ختمها».
آخر تفسير سورة (القارعة) والحمد لله رب العالمين
стр. 3039
سورة التّكاثر
سورة التّكاثر مكّيّة، وهي مائة وعشرون حرفا، وثمان وعشرون كلمة، وثماني آيات (١).قال ﷺ : [من قرأها لم يحاسبه الله بالنّعيم الّذي أنعم به عليه في الدّنيا، وأعطي من الأجر كمن قرأ ألف آية] (٢).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ (٢)؛أي شغلتكم المباهاة والمفاخرة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم حتى متّم ودفنتم في المقابر قبل أن تتوبوا، ويقال لمن مات: زار حفرته، وتوسّد لحده. هذا خطاب لمن حرص على الدّنيا وجمع أموالها وهو يريد التكاثر والتفاخر بها.
وقيل: إنّ هذه السّورة نزلت في حيّين من قريش؛ أحدهما: بنو عبد مناف، والآخر: بنو سهم، فعدّوا أيّهم أكثر، فكثّرهم بنو عبد مناف، فقال بنو سهم: إنما أهلكنا البغي في الجاهليّة، فعدّوا أمواتنا وأمواتكم وأحياءنا وأحياءكم، فتعادّوا فكثّرهم بنو سهم، فأنزل الله هذه السورة تهديدا لهم. والمعنى: شغلكم التفاخر بالأنساب والمناقب عن توحيد الله حتى عددتم الموتى في المقابر.
ثم زاد في وعيدهم فقال: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣)؛أي حقّا سوف تعلمون ماذا تلقون من العذاب عند الموت وفي القبر،
﴿ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٤)،أي ثم حقّا سوف تعلمون ماذا تلقون في الآخرة من عذابها، ولا
стр. 3040
بدّ أن يكون المراد بهذا الثاني غير المراد الأول، وكيف يكون هذا تكرارا، وقد دخل بينهما حرف (ثمّ) التي هي للتراخي.
قوله تعالى: ﴿كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ (٥)؛قال بعضهم:
جواب هذا محذوف؛ أي حقّا لو علمتم ماذا ينزل بكم في الآخرة علم اليقين لما تفاخرتم في الدّنيا، وما ألهاكم التكاثر.
قوله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ (٦)؛أي لترونّ الجحيم في الموقف إن متّم على هذا،
﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ (٧)،معاينة، إذا دخلتموها، وتشاهدون في الآخرة كلّ ما شككتم فيه في الدّنيا،
﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (٨)؛ثم لتسألنّ يوم القيامة عن اشتغالكم بنعيم الدّنيا حتى تركتم ما لزمكم من الفرائض.
واختلفوا في هذا السّؤال، قال بعضهم: هو سؤال توبيخ وتقريع للكفّار في النار، يقال للكافر وهو في النار: أين ذهب تفاخرك وملكك ومملكتك وعددك، ويؤيّد هذا ما روي: أنّ أبا بكر ﵁ سأل النّبيّ ﷺ عن أكلة أكلها مع رسول الله ﷺ في بيت أبي الهيثم بن التّيهان الأنصاريّ من لحم وخبز شعير وماء عذب وبسر قد ذنّب، فقال: يا نبيّ الله أتخاف علينا أن يكون علينا من النّعيم الّذي نسأل عنه؟ فقال ﷺ : [إنّ ذلك للكفّار، ثمّ ثلاث لا يسأل الله العبد عنهم يوم القيامة: ما يواري به عورته، وما يقيم به صلبه، وما يكنّه من الحرّ والبرد. وهو مسئول بعد ذلك عن كلّ نعمة] (١).
وقال ﷺ : [ما أنعم الله على عبد من نعمة صغيرة أو كبيرة فقال عليها:
الحمد لله، إلاّ أعطي خيرا ممّا أخذ] (٢).
стр. 3041
وعن أنس قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال له جبريل: من يستطيع أن يؤدّي شكر ما أنعم الله عليه؟ قال: [من علم أنّ تلك النّعمة من قبل الله فقد أدّى شكرها] (١).
وسئل ابن مسعود عن النعيم المذكور في هذه الآية فقال: «الأمن والصّحّة»، وسئل عليّ ﵁ عن ذلك فقال: «خبز الشّعير، والماء القراح».ويقال: إنّه بارد الشّراب، وظلّ المساكن، وشبع البطون. ويقال: يسأل عن الماء البارد في شدّة الحرّ، وعن الماء الحارّ في شدّة البرد.
وهذا كلّه محمول على ما إذا تشاغل بشيء من هذه المباحات، فترك بها واجبا عليه، وأمّا إذا لم يكن ذلك، فإنه لا يسأل عنها ولا يحاسب عليها.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [النّعيم الماء البارد والرّطب] (٢).وقال عبد الله ابن عمر: «هو الماء البارد في الصّيف».وفي الخبر المأثور: [أنّ أوّل ما يسأل الله العبد يوم القيامة أن يقول له: [ألم نصحّ لك جسمك؟ ألم أروك من الماء البارد؟] (٣).
стр. 3042
وقال ﷺ : [إذا شرب أحدكم الماء، فليشرب أبرد ما يقدر عليه] قيل: ولم؟ قال: [لأنّه أطفأ للمرء، وأنفع للعلّة، وأبعث للشّكر] (١).وقال أبو حاتم: «الماء البارد يستخرج الحمد من وسط القلب» (٢).
وقال رجل للحسن: إنّ لنا جارا لا يأكل الفالوذج ويقول: ما أقوم بشكره، فقال: «ما أجهل جاركم هذا! إنّ نعمة الله بالماء البارد أكثر من نعمة تجتمع عليها الحلواء» (٣).
عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: [من أكل خبز البرّ وشرب الماء البارد وكان له ظلّ، فذاك النّعيم الّذي يسأل عنه] (٤).
وعن ابن عبّاس قال: «لمّا نزلت ﴿(ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)﴾ قالت الصّحابة: يا رسول الله وأيّ نعيم نحن فيه، وإنّما نأكل في أنصاف بطوننا الشّعير؟! فأوحى الله إليه: [أن قل لهم: أليس تجدون النّعال وتشربون الماء البارد؟ فهذا من النّعيم]».
وعن أنس قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله هل عليّ من النّعمة شيء؟ قال:
[نعم؛ التّنعّل، والظّلّ، والماء البارد] (٥).
وقيل: يسأل الله العباد يوم القيامة عن خمس: شبع البطون، وبارد الشّراب، ولذة النوم، وظلّ المساكن، واعتدال الخلق. وعن إبراهيم النخعيّ: «من أكل فسمّى، وفرغ فحمد الله تعالى، لم يسأل عن نعيم ذلك الطّعام».
стр. 3043
وقال ابن عبّاس: «النّعيم صحّة الأبدان والأسماع والأبصار، ويسأل الله العباد فيما استمعوه، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ (١)» (٢).
وقيل: إنّ من نعمة الله على عباده الأكل والشراب، وتسهيل خروج الأخبثين، قال بكر بن عبد الله: «يا لها من نعمة! يأكل متلذّذا ويخرج ذلك سهلا».
آخر تفسير سورة (التكاثر) والحمد لله رب العالمين
стр. 3044
سورة العصر
سورة العصر مكّيّة، وهي ثمانية وستّون حرفا، وأربع عشرة كلمة، وثلاث آيات. قال ﷺ : [من قرأها ختم الله له بالصّبر، وكان من أصحاب الحقّ يوم القيامة] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالْعَصْرِ﴾ (١)؛معناه: والدّهر، أقسم الله بالدهر في تردّده وتقلّبه لما فيه من الدّلالة على وحدانيّة الله، ويجوز أن يكون المراد به: ورب العصر، وقال بعضهم: المراد بالعصر العشي، وفائدة ذكره: ما فيه من الدّلالة على توحيد الله من إقبال اللّيل، وإدبار النهار، وذهاب سلطان الشمس.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢)؛هذا جواب القسم، والإنسان هاهنا جنس أراد به جميع الناس، ولذلك استثنى منهم المؤمنين المطيعين.
وقيل: المراد بالإنسان هاهنا الكافر بخسره نفسه وماله وأهله ومنزله وخدمه في الجنّة، ويرثه المؤمن.
ويقال: معنى الخسر هاهنا نقصان العمر، كلّ إنسان رأس ماله «العمر»، والمؤمن وإن كان ينقص من عمره الذي هو رأس ماله، فإنه يربح عليه بالطاعة فلا يعدّ ذلك خسرانا؛ لأنه لا يتوصّل إلى الربح إلاّ بإخراج رأس المال من يده، فمعنى الخسران لا يتحقّق إلاّ في الكافر.
وفي الحديث عن النبيّ ﷺ أنه قال: [من استوى يوماه فهو مغبون، وإن كان يومه خيرا من أمسه فهو مغبوط، ومن كان يومه شرّا من أمسه فهو ملعون، ومن لم
стр. 3045
يكن في الزّيادة فهو في النّقصان، ومن كان في النّقصان فالموت خير له من الحياة] (١).
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣)؛فهؤلاء هم الذين يتمسّكون بما يؤدّيهم إلى الفوز بالثواب، والنجاة من العقاب، فإنّهم لا يقصرون على طاعة أنفسهم بل يحثّون غيرهم على الطاعة ليقتدى بهم وليكونوا سببا في طاعة غيرهم. وقوله تعالى: ﴿(وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ)﴾ أي أوصى بعضهم بعضا باتّباع القرآن، وطاعة الله، ﴿(وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ)﴾ على الشّدائد في ذات الله.
وعن أبيّ بن كعب قال: قرأت على رسول الله ﷺ (والعصر) فقلت: يا رسول الله ما تفسيرها؟ فقال: [أقسم ربّك بآخر النّهار ﴿(إِنَّ الْإِنْسانَ)﴾ وهو أبو جهل ﴿(لَفِي خُسْرٍ)﴾، ﴿(إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا)﴾ يعني أبا بكر الصّدّيق ﴿(وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ)﴾ يعني عمر بن الخطّاب، ﴿(وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ)﴾ يعني عثمان بن عفّان، ﴿(وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ)﴾ يعني عليّ بن أبي طالب] رضوان الله عليهم أجمعين (٢).
آخر تفسير سورة (العصر) والحمد لله رب العالمين
стр. 3046
سورة الهمزة
سورة الهمزة مكّيّة، وهي مائة وثلاثون حرفا، وثلاثون كلمة، وتسع آيات. قال ﷺ : [من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمّد ﷺ وأصحابه] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ (١)؛قال ابن عبّاس: «نزلت في الأخنس ابن شريق، كان يهمز النّاس ويلمزهم مقبلين ومدبرين» (٢).وقال مقاتل:
«نزلت في الوليد بن المغيرة» (٣).وحرف (كلّ) يقتضي أنّ هذا الوعيد لكلّ كافر يغتاب الناس ويعيبهم. والويل كلمة تقولها العرب في كلّ من وقع في هلكة، ويقال:
إنه واد في جهنّم مملوء من القيح والصّديد مما يسيل من أهل النار.
والهمزة: الطاعن على غيره بغير حقّ بالسّفه والجهل، واللّمزة: المغتاب المعياب، وعن أبي العالية قال: «الهمزة: الّذي يلمز من خلف، واللّمز: هو العيب، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٤) أي لا يعيبنّ بعضكم على بعض».وقال ابن عبّاس: «الهمزة اللّمزة: هم المشّاءون بالنّميمة المفرّقون بين الأحبّة» (٥).
стр. 3047
وقيل: الهمزة: الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم، واللّمزة: الطعّان عليهم.
وقيل: اللّمزة: الذي يكرم الناس بلسانه ويهمزهم بعينه، وقال ابن كيسان: «الهمزة:
الّذي يؤذي جليسه بسوء اللّفظ، واللّمزة: الّذي يكسر عينه على جليسه، ويشير برأسه، ويومئ بعينيه، ويرمز بحاجبه» (١).
قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ﴾ (٢)؛قرأ ابن كثير وأبو عامر ونافع وعاصم «(جمع)» بتخفيف الميم، وقرأ غيرهم بالتشديد، ومعنى الآية: الذي جمع مالا كثيرا من الحرام وعدّده لنوائب دهره. وقيل: عدّه وأحصاه وأحرزه، وقرأ الحسن «(وعدده)» بالتخفيف؛ أي جمعه وعدده؛ أي وخدمه واتباعه، تقول العرب: جمعت الشيء إذا كان متفرّقا، وجمّعت الشيء بالتشديد اذا أكثرت الجمع منه.
قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ (٣)؛معناه: يحسب هذا الكافر الطاعن اللعّان أنّ كثرة ماله تخلده وتبقيه؟ أي يعمل عمل من يظنّ أن ماله يبقيه؟
قوله تعالى: ﴿كَلاّ؛﴾ أي حاشا أن يخلد أحد في الدنيا. ويجوز أن يكون معناه: حقّا؛ ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ (٤)؛أي ليطرحنّ فيها، وقرأ الحسن «(لينبذان)» أي ليطرحانّ هو وماله. والحطمة: اسم دركة من دركات النار، سميت بذلك؛ لأنّها كثيرة الحطم للكفار، وأصل الحطم الكسر، يقال: رجل حطمة إذا كان كثير الأكل.
قوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ (٥)؛تفخيم لشأنها،
وقوله تعالى: ﴿نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ﴾ (٦)؛أي لا تخمد أبدا،
وقوله تعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ (٧)؛أي تشرف على القلوب، تأكل كلّ شيء من الجلود واللّحوم والعظام والعروق حتى يبلغ إحراقها إلى القلوب.
стр. 3048
قوله تعالى: ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ (٨)؛أي إنّ الحطمة عليهم؛ أي على الكفار مطبقة الأبواب مغلقة لا تدخل فيها روح، ولا يخرج منها غمّها (١).
قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ (٩)؛قرأ أهل الكوفة «(عمد)» بضمّتين، وقرأ غيرهم بالنصب، واختاره أبو عبيد لقوله تعالى ﴿رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ (٢)، والعمد والعمد جمع عمود، قال الفرّاء: «هو جمع عماد، وهو الاسطوانة» (٣)، والمعنى: تمدّ أيديهم وأرجلهم إلى عمد ممدودة في النار، وتجعل في أعناقهم السلاسل؛ ليكون ذلك زيادة في تعذيبهم.
آخر تفسير سورة (الهمزة) والحمد لله رب العالمين
стр. 3049
سورة الفيل
سورة الفيل مكّيّة، وهي ستّة وسبعون حرفا، وثلاث وعشرون كلمة، وخمس آيات. قال ﷺ : [من قرأ سورة الفيل عافاه الله أيّام حياته في الدّنيا من القذف والمسخ] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ﴾ (١)؛وذلك أنّ فئة من قريش خرجوا تجّارا إلى أرض النجاشيّ، فساروا حتى دنوا من ساحل البحر، ثم نزلوا بحضرة بيت، وكان ذلك البيت مصلّى للنجاشيّ وقومه من النّصارى، فأجّجوا نارا استعملوها لبعض ما احتاجوا إليه، ثم رحلوا ولم يطفئوا تلك النار، وكان ذلك في يوم عاصف، فهاجت الريح فاحترق البيت الذي كان مصلّى للنجاشيّ، وكانوا يعظّمون ذلك البيت كتعظيم العرب الكعبة، فقصدوا بذلك السبب مكّة عازمين على تحريق بيت الله تعالى، ويستبيحوا أهل مكّة.
فبعث النجاشيّ أبرهة، فخرج أبرهة في سائر الحبشة، وخرج معه بالفيل، فسمعت بذلك العرب، فأعظموه ورأوا جهاده حقّا عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة، فخرج إليه ملك من ملوك حمير يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من العرب إلى حرب أبرهة وجهاده، فأجابه من أجابه فقاتله، فهزم ذو نفر وأصحابه، وأخذ ذو نفر أسيرا، فلما أراد أبرهة أن يقتله قال له ذو نفر: لا تقتلني فإنّي عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من قتلي، فتركه من القتل وحبسه معه في وثاق، وكان أبرهة رجلا حليما.
стр. 3050
ثم مضى أبرهة على وجهه للذي يريد، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعميّ فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ نفيل أسيرا وأتي به إلى أبرهة، فلما همّ بقتله قال له: لا تقتلني فإنّي دليلك في أرض العرب، فخلّى سبيله، وخرج معه يدلّه. حتى إذا مرّ بالطائف خرج إليه مسعود الثقفيّ في رجال من ثقيف، فقالوا له: أيّها الملك؛ إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، ليس لنا عندك خلاف، وليس بيننا هذا الذي تريد هدمه-يعنون اللاّت-إنما تريد البيت الذي بمكّة، ونحن نبعث معك من يدلّك عليه، فتجاوز عنهم، واللات بيت لهم بالطائف كانوا يعظّمونه نحو تعظيمهم الكعبة.
قال ابن اسحاق: فبعثوا معه أبا رغال يدلّه على الطريق إلى مكّة، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال، فهنالك رجمت العرب قبره، فهو القبر الذي يرجم بالمغمس، فلما نزل أبرهة بالمغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له: الأسود بن مقصود، على خيل له حتى انتهى إلى مكّة، فساق إليه أموال أهل يمامة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطّلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيّدها، فهمّت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم أن يقاتلوه، ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به فتركوا ذلك.
وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكّة وقال له: سل عن سيّد هذا البلد وشريفهم، وقل له: إنّي لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربي فأتني به. فلمّا دخل حناطة مكّة سأل عن سيّد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطّلب بن هاشم، فجاءه فقال له ما أمره أبرهة، فقال له عبد المطّلب: ما لنا به من طاقة ولا نريد حربه، ولكن هذا بيت الله وبيت خليله إبراهيم، فإن لم يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن لم يحل بينه وبينه، فو الله ما عندنا دفع عنه.
فقال له حناطة: انطلق معي إليه، فإنه قد أمرني أن آتيه بك. فانطلق معه عبد المطلب حتى أتى المعسكر، فسأل عن ذي نفر وكان له صديقا حتى دخل عليه وهو في مجلسه، فقال: يا ذا نفر، هل عندك من غنى فيما نزل بنا، فقال: وما غنى رجل أسير