← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولقد حدّث الطبراني عن أكثر من ألف شيخ، سمع منهم وروى عنهم، منفردا أو مع آخرين، هذا فضلا عن مشائخه الذين درس عليهم وعرف بهم. ولا غرابة في ذلك لبدئه في طلب العلم وعمره ثلاث عشرة سنة؛ ثم لطول عمر حيث عاش أكثر من مائة سنة، فعمر مبارك بدأه بطلب العلم من السّنة، وختمه بتفسير القرآن الكريم على ما يترجّح عندنا، حيث النضوج في التعامل مع النص، والخبرة المستفادة، وسعة الاطلاع. قال ابن الدمياطي: (قال أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الرحمن: سليمان بن أحمد الطبرانيّ أشهر من أن يدلّ على فضله وعلمه، حدّث بأصبهان ستين سنة. فسمع منه الآباء ثم الأبناء ثم الأسباط حتى لحقوا بالأجداد؛ وكان واسع العلم، كثير التصانيف. وقيل: ذهبت عيناه في آخر أيامه، فكان يقول: الزنادقة سحروني) (١). وسمع منه خلق كثير، وحدّث عنه بعض شيوخه، منهم أبو خليفة وهو الفضل ابن الحبّاب الجمحي، قال الذهبيّ: (مسند عصره بالبصرة، وكان ثقة عالما. مات سنة (٣٠٥) من الهجرة) (٢).ومنهم أيضا ابن عقدة وهو أبو العبّاس أحمد بن محمد بن سعيد الكوفيّ، حافظ العصر، والمحدّث البحر. كما حدّث عنه من تلامذته الكثير، منهم الحافظ أبو بكر بن مردويه، وأبو نعيم الحافظ الكبير، صاحب الحلية، وأبو الفضل أحمد بن محمد الجارودي، وأبو الحسين بن فادشاه المعتزليّ. وأبو بكر محمد بن عبد الله الأصبهاني التاجر بن ريذة مسند أصبهان، وهو راوية أبي القاسم الطبراني، وآخر من روى عنه وأخذ الإجازة منه، قال يحيى بن منده: (ثقة أمين، كان أحد وجوه الناس، مكرما لأهل العلم، حسن الخط، يعرف طرفا من النحو واللغة، توفي في شهر رمضان (٤٤٠) من الهجرة). _________ (١) الذيل: ج ١١ ص ٩١. (٢) ميزان الاعتدال: ج ٣ ص ٣٥٠.وتذكرة الحفاظ: ج ٢ ص ٦٧٠.

стр. 72

سعة علم المصنّف وأقوال العلماء فيه: قال الذهبي: (الطبرانيّ مسند الدّنيا) وقال السيوطي: (مسند الدنيا وأحد فرسان هذا الشأن).وقال ابن عساكر: (أحد الحفّاظ المكثرين والرحّالين).وقال ابن عبد الهادي الحنبليّ: (الإمام العلاّمة الحافظ الكبير الثّبت، مسند الدنيا ... من فرسان هذا الشأن مع الصّدق والأمانة).وقال ابن منده: (أحد الحفّاظ المذكورين). وقال الحافظ أحمد بن منصور الشيرازي: (وكتبت عن الطبراني في ثلاثمائة ألف حديث، وهو ثقة، إلا أنه كتب عن شيخ وكان له أخ فسماه باسمه غلطا).وأجاب عليه الحافظ ابن حجر قال: (ذلك أنه وهم وحدّث بالمغازي عن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، وإنما أراد عبد الرحيم أخاه، فتوهّم أنّ شيخه عبد الرحيم اسمه أحمد، واستمرّ على هذا يروي عنه ويسميه أحمد. وقد مات أحمد قبل دخول الطبراني مصر بعشر سنين أو أكثر) (١). قال الذهبيّ: (وكان ثقة صدوقا، واسع الحفظ، بصيرا بالعلل والرجال والأبواب، كثير التصانيف).وقال ابن العميد: (ما كنت أظنّ أن في الدنيا حلاوة ألدّ من الرئاسة، والوزارة التي أنا فيها. حتى شهدت مذاكرة سليمان ابن أحمد الطبراني وأبي بكر الجعابيّ بحضرتي، فكان الطبرانيّ يغلب الجعابيّ بكثرة حفظه، وكان الجعابيّ يغلب الطبرانيّ بفطنته وذكاء أهل بغداد حتى ارتفعت أصواتهما ولا يكاد أحدهما يغلب صاحبه، فقال الجعابيّ: عندي حديث ليس في الدنيا إلاّ عندي، فقال الطبرانيّ: هاته. فقال: حدّثنا أبو خليفة حدثنا سليمان بن أيّوب، وحدّث بالحديث. فقال الطبرانيّ: أنا سليمان بن أيوب، ومتى سمع أبو خليفة فاسمع منّي حتى يعلو إسنادك، فإنك تروي عن أبي خليفة عني. فخجل الجعابي وغلبه الطبراني. قال ابن العميد: فوددت في مكاني أن الوزارة والرئاسة ليتها لم تكن لي، وكنت الطبرانيّ، وفرحت مثل الفرح الذي فرحه الطبراني لأجل الحديث) (٢). _________ (١) لسان الميزان: ج ٣ ص ٧٣. (٢) المعجم الكبير: ج ٢٥ ص ٣١٢.تحقيق حمدي السّلفي.

стр. 73

ومن خصائص الطبرانيّ ﵀ وفضائله: ترك الكبر في طلب العلم مع جلال قدره، ووفور علمه، وتوقير مشائخه له، وبتبجيلهم إياه واحترامهم له في كلّ المحافل والمجالس (١). وفاته: توفّي الإمام الطبراني ﵀ لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة، وله مائة سنة وعشرة أشهر، فهو من المعمّرين، دفن إلى جنب قبر الصحابيّ الشهيد حممة ابن أبي حممة الدوسي بباب المدينة من أصبهان، وحضر الحافظ أبو نعيم الأصبهاني الصلاة عليه (٢). مؤلفاته: للطبرانيّ أكثر من مائة كتاب في الحديث والتفسير، وأشهرها المعاجم الثلاثة، ودلائل النبوة، وحديث الشاميّين، والدعاء، وقد ذكرها المحقق السّلفي في نهاية كتابه المعجم الكبير: (ومنها تفسير القرآن العظيم) (٣). وقال السيوطي: (وأشياء كثيرة جدا-أي من مؤلفاته-وقد ذكر ابن منده أشياء أخرى).وقال الذهبي: (وأشياء لم نقف عليها). فرحم الله إمامنا الطبرانيّ. _________ (١) قاله يحيى بن عبد الوهاب بن منده في مناقب الإمام الطبراني في ذيل المعجم الكبير: ج ٢٥ ص ٣١٢. (٢) أخبار أصبهان: ج ١ ص ٧١. (٣) ينظر: المعجم الكبير: ج ٢٥ ص ٣٢٥،التسلسل (١٢).

стр. 74

مقدّمة التّحقيق توصيف المخطوط ونسبته إلى مؤلّفه: اتفق كلّ من ترجم للإمام الطبرانيّ أنّ له كتابا في التفسير (١).ووجد هذا الكتاب مخطوطا في المكتبة الوطنية والجامعيّة في (ستراسبورغ) في فرنسا، تحت الرقم (٤١٧٤).وعلى صفحته الأولى كتب الناسخ: (هذا كتاب تفسير فريد دهره وحكيم عصره شيخ الإسلام الإمام الهمام الشيخ الطبرانيّ الكبير عن تفسير القرآن العظيم). تتألف المخطوطة من (٥٣٠) ورقة موزعة على (١٠٦٠) صفحة بحجم (٣١* ٥،٢١) سم. ومتوسط عدد السطور (٣٥) سطرا. كتبها الناسخ بخطّ قريب من خط النّسخ. ورسم آيات القرآن باللون الأحمر، وسائر التفسير باللون الأسود، وأرّخ لانتهاء عمله أنه فرغ منه يوم الثلاثاء قبيل العصر بافتتاح شهر رجب الفرد سنة (٩٦٤) من الهجرة. ولم يكتب اسمه، وإنما أشار إلى أنه نسخ لقاضي القضاة، ويحتمل أنه عبد الصّمد، هكذا ورد اسمه في هامش المخطوط في صفحات متفرقة. واستثنى الناسخ الورقة الأولى من التسلسل المذكور، حيث جعلها فهرسا لمحتويات التفسير، يذكر اسم السّورة ومبتدأها في الصفحة رقما مذكورا، فمثلا: جعل (سورة الفاتحة ١/) أي في الورقة (١) و (سورة البقرة ٣/) أي في الورقة (٣) وهكذا ضبط تسلسل السّور بأرقام الورقات، لا بأرقام الصفحات. قسّم الكتاب على أربعة أجزاء، يبدأ الجزء الأول بسورة الفاتحة، وينتهي بآخر تفسير سورة المائدة الورقة (١٦٨)،ليبدأ الجزء الثاني الورقة (١٦٩) وكتب في أوّله: (هذا الجزء الثاني من تفسير القرآن العظيم إلى فريد دهره ووحيد عصره شيخ الإسلام الشيخ الطبرانيّ الكبير). _________ (١) انظر: معجم مصنفات الحنابلة: ج ١،ص ٣٥٦،تأليف أ. د. عبد الله الطريقي الطبعة الأولى.

стр. 75

وينتهي الجزء الثاني بآخر تفسير سورة الإسراء الورقة (٢٩١) ويبدأ الجزء الثالث بأوّل سورة الكهف الورقة (٢٩٢).ويؤكد الناسخ نسبة الكتاب لمؤلّفه الإمام الطبرانيّ ﵀. وينتهي الجزء الثالث بآخر تفسير سورة القصص الورقة (٣٧٠) ويبدأ الجزء الرابع بأوّل تفسير سورة العنكبوت الورقة (٣٧١).وينتهي الجزء الرابع بآخر تفسير سورة الناس الورقة (٥٣٠). نسبة المخطوط إلى مؤلّفه: للإمام الطبراني أكثر من تأليف في التفسير، فله (تفسير الحسن) ذكره له الذهبي في تذكرة الحفاظ، وقال: (جزءان)،والسيوطي في طبقات الحفاظ (١).وله أيضا (كتاب مسانيد تفسير بكر بن سهل) ذكره له يحيى بن مندة في جزء الطبراني (٢).قال الذهبي: (وغير ذلك، وقد سماها الحافظ يحيى بن مندة، وأكثرها أسانيد حفاظ وأعيان، ولم نرها) (٣). أما التفسير الكبير، فذكره له يحيى بن مندة في جزء الطبراني، والذهبي في سير أعلام النبلاء، وقال: (كتاب التفسير كبير جدا) (٤).وذكره له أيضا ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة والسيوطي في طبقات الحفاظ، والداودي في طبقات المفسرين، وغيرهم (٥). وعلى الرغم من البحث المتواصل عن نسخة أخرى للتفسير الكبير للإمام الطبراني غير النسخة التي أشار إليها الأستاذ الدكتور عبد الله الطريقي في كتابه معجم مصنفات الحنابلة، لم نجد ضالتنا هذه. وكنت بعد أن انتهيت من تحقيق الكتاب على ما _________ (١) انظر: معجم مصنفات الحنابلة: ج ١ ص ٣٦٣. (٢) انظر: المعجم الكبير: ج ٢٥ ص ٣٦٠.ومعجم مصنفات الحنابلة: ج ١ ص ٣٧٢. (٣) سير أعلام النبلاء: ج ١٠ ص ٦٩،مكتبة الصفا، تحقيق محمد بن عيادي. (٤) انظر: المعجم الكبير: ج ٢٥ ص ٣٦٠.وسير أعلام النبلاء: ج ١٠ ص ٦٩. (٥) انظر: معجم مصنفات الحنابلة: ج ١ ص ٣٥٦.

стр. 76

استطعت، بلغني أن البعض يشكك في نسبة المخطوط لمؤلفه؛ ثم اطلعت على ما كتبه الأستاذ (إبراهيم باجس عبد المجيد) كتب مقالا في المجلد الثاني: العدد الأول: مجلة عالم المخطوطات والنوادر: لشهر محرم (١٤١٨) من الهجرة عنوانه: (تفسير الطبراني أم تفسير الغزنوي) مشككا في نسبة التفسير إلى مؤلفه الإمام الطبراني. وعلى الرغم من محاولتي في البحث عن نسخة ثانية للمخطوط زيادة في التوثيق، إلا أنني لم أجد، فاقتضى الحال مني أن أجاوب على ما كتب بطريقة التحليل والتقرير، ومن الله التوفيق. فأقول: أسّس الأستاذ إبراهيم في مقالته، أن التفسير ليس للإمام الطبراني، ونسبه للقاضي عبد الصمد بن محمود بن يونس الغزنوي الحنفي. وأقام رأيه هذا على ملاحظات لفتت نظره وكوّنت الرأي عنده إلى صحة هذه النسبة حسب مفهومه، فاقتضى الجواب وكما يأتي: ١.إن الباحث لم يكن موضوع بحثه نسبة التفسير إلى مؤلفه على وجه الخصوص؛ وإنما كان مدار بحثه دقة فهرسة المكتبات نسبة المخطوطات أو دقة المعلومات المدونة حول المخطوطة المراد الحصول عليها. وأتى للمثال على موضوعه وضرورة الاهتمام بما قال عنه: (ومن أمثلة ذلك: التفسير المنسوب للإمام أبي القاسم الطبراني).وهو المخطوط الذي اعتمدناه في تحقيقنا، وعدّ الخطأ في النسبة من المسلمات على حد ظنه. ٢.كوّن الباحث رأيه في نسبة الكتاب قال: (حينما نلقي نظرة فاحصة على الصفحة الأولى من الكتاب، أو على أية صفحة منه ندرك أنه ليس هو الكتاب المعنى، فالعارف بأسلوب الطبراني ومنهجه في التأليف يجد أنه مغاير تماما لمنهج الكتاب الذي بين أيدينا، فالإمام الطبراني يعتمد منهج الحديث ... ). والجواب من وجوه عديدة: الوجه الأول: من حيثية المنهج الذي اعتمده المفسر: أولا: للباحث أن يتصور منهج الطبراني في التفسير قياسا على غيره من المفسرين،

стр. 77

وأن يقارب إلى صفة الإمام الطبراني بوصفه محدّثا، ولكن هذا لا يمنع أن ينحى الإمام الطبراني منهجا في التفسير مغايرا لمنهج المحدثين، سيما أنه كتب على أسلوب المحدّثين أكثر من تفسير كما تقدم ذكره، فلا ضير أن يسلك منهج علماء التفسير مؤسسا تفسيره الكبير على أصول منهجهم، وسيما أن الباحث أشار إلى ذلك فقال: (وإن كان المصنف يعتمد منهج التفسير بالمأثور).وعلى هذا فليس هذا الملحظ بحجّة في التشكيك في نسبة المخطوط للإمام الطبراني. ثانيا: ربما مما يدخل به على ملاحظته أن أسقط الناسخ أو غيره الأسانيد للأحاديث والآثار، اختصارا أو تخفيفا من الناسخ أو ممن أراد الكتاب على هذا الوجه وطلبه من الناسخ، هذا إذا أراد الباحث بمنهج المحدثين ذكر السند، وسيما أن الناسخ يشير إلى أن هذه المخطوطة نسخت بناء على طلب أحدهم، حيث جعل نسخته «للشيخ الفاضل قاضي القضاة» ولم يسمّه. ولهذا السبب أو ذاك يدرك أنه لا تكفي هذه الملاحظة لتوجيه نسبة المخطوط إلى غير الإمام الطبراني. ثالثا: يلاحظ أنّ منهج العلوم الشرعية بحسب أصولها ثلاثة: منهج الفقهاء، ومنهج المحدثين، ومنهج المفسرين، وقد يحصل تأثر للفقيه أو المفسّر أو المحدّث، ويتداخل عند البحث الفقهي ويتواصل مع الحديث أو التفسير، ولكن هذا لا يعني عدم إمكان الفقيه بالاستقلال في منهج النظر في الموضوع بحسب أصوله في العلم الشرعي تفسيرا أو حديثا أو فقها. فمثلا: نجد الإمام ابن حجر في شرح صحيح البخاري يسلك منهجا فكريا فقهيا على غير منهجه في كتبه الأخرى الحديثية والتراجم. فإمكان إفراد المؤلف في كتبه بمنهج يتفق والعلم الشرعي في الموضوع المعين حسب أصوله وارد وممكن، والوقوف على محاولة إلزام كل إمام أو شيخ بمنهج واحد في تقديرنا نوع من التمحك يضيق واسعا. الوجه الثاني: من حيثية ذكر الناسخ لأسماء بعض العلماء: أشار الباحث إلى أن في الكتاب نقولات عن علماء بعد زمن الإمام الطبراني، فقال: (كما أن في هذا الكتاب نقولا عن علماء مفسرين كانوا بعد عصر الطبراني: مثل أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي المتوفى سنة ٤٢٧ هـ).

стр. 78

والجواب عليه من وجوه عديدة أيضا: أولا: يلاحظ أن هذه النقولات التي أشار إليها الباحث ليست بنقولات، وإنما هي ذكر عبارة واضحة تخالف منهج المفسر، فيدرجها الناسخ بقوله: (كذا في تفسير الثعلبي) أو (كذا قال عبد الصمد) أو (كذا في الصحيحين).فهي في تقديرنا إدراج من الناسخ وليس من المؤلف. هذا أولا. ثانيا: ثم إن هذا الاستدراك من الناسخ يأتي دائما في نهاية عبارة المصنف وبعد إتمام فكرته وانتهائه منها. ثم يذكر العبارة على سبيل الحكاية، لا على سبيل الرواية أو الإسناد، والإدراج فيها واضح. وحقيقة في البدء اضطرب عندي الأمر وأنا أنظر في هذه العبارة المقحمة، ثم وجدت بعد أن اعتدت على أسلوب المصنف ﵀، أن هذه العبارات مقحمة من الناسخ، وهذا يرد عند النسّاخ فعله وهو لا يخفى بعد التأمل. ثالثا: بل ربما لا يخفى على الناظر، أن الإمام أبي إسحاق الثعلبي أنه ينقل من تفسير الإمام الطبراني، أو من تفسير من نقل عنه، حتى أنه يكاد يأتي بالعبارة نفسها، أو بالآثار ونصوص الأحاديث ذاكرا الإسناد، وكل من أتى بعد الثعلبي كان يشير إلى تفسير الثعلبي حين ينقل عنه بقولهم: (قال الثعلبي) كما هو معروف في كتب التفسير كالجامع لأحكام القرآن وغيره على سبيل الرواية والإسناد إليه، لا على سبيل الحكاية والمثال أنه كذا في تفسير الثعلبي أو غيره من كتب التفسير، وهذا مما ينبغي ملاحظته عند المحقق أو التحقيق. رابعا: ويلاحظ في هامش التفسير تعليقات القاضي عبد الصمد وهي كثيرة تكاد تكون في غالب صفحات المخطوط، وعلى ما يبدو لي أن الناسخ أو دارس المخطوط قد نقل من تفسير عبد الصمد ونسب القول إليه، كما في سائر نقولاته على هامش المخطوط، إذ أنه يحيل النص في الهامش ويعزوه إلى قائله، وهذا هو الراجح، حيث أنه أشار إلى نقولات من تفسير الكشاف والبيضاوي والقرطبي وعبد الصمد. كل ذلك في الهامش مما يدل على أنه ينقل عنهم ويراجع فيهم وينظر، وهو ما يؤكد أن التفسير ليس كما قال الأستاذ باجس من أنه تفسير

стр. 79

لعبد الصمد الغزنوي، وإلا ما احتاج أن ينقل منه في الهامش ويشير إليه في إحالاته. وعلى هذا يرجح خطأ نسبة المخطوط إلى القاضي عبد الصمد والراجح أن الناسخ أو مالك المخطوط نقل عنه وعن غيره في الهامش وهو يدرس الكتاب أو يدرّسه، وهذا راجح كثيرا مما يؤكد خطأ استنتاج الأستاذ باجس وربما تعجله في هذه الملحوظة. الوجه الثالث: مقارنة الكتاب بالنسخ الأخرى: أشار الباحث إلى نسخ أخرى لتفسير الإمام الغزنوي، وحاولنا الحصول عليها ولم يتسن لنا حتى الآن الحصول عليها، ونحن نراسل الجهات المعنية لأجل ذلك (١). والملاحظ هنا وحتى لا نتأخر في نشر الكتاب ما يأتي: أولا: إن الباحث أشار إلى عدة نسخ مجتزءات، وأشار إلى نسخة كاملة من التفسير يتكون المجلد الأول من (٤٩٤) ورقة والمجلد الثاني والثالث كل منهما من (٤٠٠) ورقة، وكتب الأول والثاني سنة (٩٣٥ هـ) والثالث سنة (٩٣٦) هـ ومجموع ورقات المخطوط (١٢٩٤) ورقة، وهو سفر ضخم يكاد يكون حجمه _________ (١) تم بحمد الله تعالى وتوفيقه الحصول على مخطوطة (تفسير الفقهاء وتكذيب السفهاء) للإمام أبي الفتح عبد الصّمد بن محمود بن يونس الغزنويّ والموجودة في مكتبة المصغرات الفيلمية في قسم المخطوطات في عمادة شئون المكتبات في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة. ورقمها في القسم [٢/ ٤٤٨٧] ورقم الحاسب (٢١/ ٤٠٤) والمكتوبة بخط مغربي وعدد الأوراق (٢٥٩) وعدد الأسطر (١٧) ومصدرها المغرب-فاس-مكتبة القرويّين. وقد قمنا بمقارنة تفسير الطبراني بتفسير الغزنوي فوجدناهما مختلفين اختلافا كليا، شكلا ومضمونا، وثبت لدينا بالقطع أن هذا غير ذاك. ولقد كنا قبل حصولنا على تفسير الغزنوي قد أكدنا على نسبة الكتاب الذي بين أيدينا إلى مصنفة الإمام الحافظ أبي القاسم سليمان الطبراني وذلك من خلال توثيق الناسخ لهذه النسبة من جهة، ومن جهة أخرى إثبات مذهب الإمام الطبراني وعقيدته، ومن جهة ثالثة فلقد أكدنا مرارا أن محتوى التفسير الذي بين أيدينا والمنسوب إلى الإمام الطبراني لا يدل ولا يتفق مع اسم تفسير الغزنوي والذي يطلق عليه اسم"تفسير الفقهاء وتكذيب السفهاء"ومعلوم أن الاسم يدل على المسمى. والآن وقد وفقنا الله تعالى وأرشدنا إلى تفسير الغزنوي وأصبح بين أيدينا كلا التفسيرين، نكون بذلك أنهينا الجدل وقطعنا الشك باليقين حول نسبة كتاب"التفسير الكبير"لصاحبه الإمام الحفاظ أبي القاسم سليمان الطبراني والحمد لله كثيرا على هذا التوفيق (الناشر).

стр. 80

ثلاث مرات حجم المخطوط الذي بين أيدينا، ومهما كان حجم الورقة، وإن أغفله الباحث، ولكن المقدر أنه نفس الحجم المعروف (٣١*٢١) سم الذي لمثله يلجأ النسّاخ، وهذا مما يشكك الناظر في توافق المخطوطتين على أنهما تحملان محتوى واحدا. ثانيا: وعلى هذا فإن الراجح نسبة الكتاب إلى الإمام الطبراني كما هو في أصل المخطوط، حيث إن الآثار تدل على ذاتها، وتنسب الى صفتها، وهذا المخطوط يعزو نفسه الى الإمام الطبراني كما هو مدون عليه، فالأصل أن تبقى هذه النسبة وتعزز بهذا الأثر ما لم يأت دليل مقنع يدحظها، استصحابا للحال المذكور، فيبقى الأصل على ما وثق، والله المستعان. وجزى الله خيرا جميع الباحثين لخدمة هذا الدين في جميع المجالات، وجزى الله خيرا الباحث إبراهيم باجس على ما أثاره من جدل موضوعي حول هذه المخطوطة، ورأينا صواب يحتمل الخطأ، والأمور تقوم بشواهدها، والأخبار تصدق بشهودها، وما نقل إلينا من هذه المخطوطة عن طريق واحد، تدل على نسبة الكتاب للإمام الطبراني. وعلى هذا يتبين أن نسبة الكتاب إلى الإمام الطبرانيّ من خلال توثيق الناسخ في المخطوطة. ونسأل الله أن يعيننا على إثبات نسبته أكثر في طبعات قادمة (١). مذهب الإمام الطّبرانيّ وعقيدته: ربما يقع البعض في الخطأ عند ما يقيسون الأمور قياسا عاما، وينظرون إلى كل محدّث على أنه حنبلي المذهب، ومن ذلك نظرتهم لمذهب الإمام الطبراني ﵀، حيث نجد أن البعض يدرجه في تراجم الحنابلة وطبقاتهم، فنقف عند هذا الملحظ لنصحح الرأي فيه، مع أن الأمر سيان، حيث إنه لا يؤثر مذهب الفقيه أو المفسر أو المحدّث في التعامل مع فكره في الرأي والفقه، ولكن للضرورة العلمية ومن خلال دراستنا لكتابه التفسير الكبير، نجد أن الإمام الطبراني حنفي المذهب، متوازن الرأي _________ (١) لقد أعاننا الله ووفقنا وأرشدنا إلى ما يدل على صحة نسبة هذا الكتاب لصاحبه وذلك بالحصول على تفسير الغزنوي كما بيّنا سابقا.

стр. 81

منصف للآخر، بل إن الإمام الطبراني فضلا عن وضوح آرائه في الاتجاه الحنفي، فإنه من الناحية التاريخية لم يكن حنبليا أيضا كما تشير الدراسات إلى ذلك وكما يأتي: ١.أن الإمام الطبراني قضى أكثر من نصف حياته المباركة في أصفهان بلد العلم والعرفان. ومدينة أصفهان (كانت من القرون الأولى الإسلامية مهاجرة العلماء لطلب الحديث، ومحط رحالهم، حتى كانت تضاهي بغداد في العلو والكثرة كما قال السخاوي) (١).ويقول السيد مصلح الدين مهدوي: (إن أصبهان كانت من القرون الأولى الإسلامية مركز العلم والعرفان، ونبغ فيها جماعة من العلماء والعرفاء والحكماء والشعراء والمحدّثين والخطباء والوعاظ، وكانوا يرحلون لأخذ العلم وطلب الحديث من بلد الى بلد، ويحضرون مجلس العلماء والمحدّثين) (٢). وعلى هذا، فإن ذاك الزمان لم يكن الأمر فيه تقصد النسبة للمذهب، والظاهر آنذاك السعي لطلب العلم من غير تحيز. ٢.أن مذهب أهل أصفهان بين الشافعية والحنفية، فبعد فتحها سنة (٢١) للهجرة وانتشار الإسلام في أهلها، استقام أمرهم على السّنة، وقوي واشتد على ذلك الى أن لجأ إليها الخوارج في عهد بني أمية؛ (ولكن عتاب بن ورقاء واليها من قبل مصعب بن الزبير أخرجهم منها، فلجأوا إلى الأهواز وعادت القوة فيها لأهل السّنة، ويغلب عليهم المذهب الشافعي والحنفي، ويتولى زعامة الشافعية فيها أسرة الخجنديين، وزعامة الأحناف أسرة الصاعديين، واستمر الأمر على هذا، سوى ما كان من ظهور الشيعة والزيدية بين الفينة والفينة) (٣).وعلى هذا فإن الرأي العام في أصفهان مستقر بتفاهم الشافعية والأحناف ما لم يكدر عليهم أحد كما حصل _________ (١) انظر: طبقات المحدثين بأصبهان والواردين إليها: لأبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر المعروف بأبي الشيخ: ج ١ ص ١٥:دراسة وتحقيق عبد الغفور البلوشي؛ مؤسسة الرسالة. والإعلان التوبيخ: ص ١٤٣. (٢) انظر: تذكرة القبور، مترجم عن الفارسية. نقله البلوشي في مقدمته لكتاب طبقات المحدثين بأصبهان: ج ١ ص ٤١. (٣) انظر: اقتصاد شهر أصفهان: ص ٢٠٠.نقلا عن مقدمة البلوشي لطبقات المحدثين بأصبهان: ج ١ ص ٥٧.

стр. 82

في فتنة المغول حين استغلوا الخلاف بين المذهبين وأضعفوهما (١). ٣.لم يغير أهل أصفهان مذهبهم حتى زمن الشاه إسماعيل، يقول المؤرخ ميرزا حسن الأنصاري: (إن مذهب أهل السنة والجماعة كان هو المذهب الرسمي السائد في أصفهان إلى بدية القرن العاشر الهجري سنة (٩١٠)،وإن كان البويهيون قد ادعوا مذهب التشيع ... ثم قال: في سنة (٩٠٦) هجرية فتح الشاه إسماعيل الصفوي العراق وجعل أهل السنة شيعة علنا، وارتفع خلاف الشافعية والحنفية منذ ذلك التاريخ، ولكن حل محله اختلاف الفرقة الحيدرية والنعمتية) (٢).وعلى هذا كان الإمام الطبراني يعيش أجواء طلب العلم والانفتاح على الرأي الآخر من مذاهب أهل السنة، ويدور فقهيا كغيره في دائرة الشافعية أو الأحناف، ولولا موقفه في التفسير بنسبة الرأي الذي يتبناه إلى الأحناف لما علم مذهبه. ٤.انسجم الإمام الطبراني مع مناخ أصفهان الفكري والفقهي، فنجد عامل أصفهان أبو علي بن أحمد بن محمد بن رستم الذي شغفه حب العلماء يستقبل الطبراني عند قدومه المرة الثانية سنة (٣١٠) هجرية (ويسهل له البقاء بأصبهان، فيكرمه بتعيين معونة معلومة يقبضها من دار الخراج، وتستمر حتى حين وفاته بها) (٣). ٥.لم يصرح الإمام الطبراني بمذهبه الفقهي كغيره من علماء زمانه، إلا للضرورة البحثية كما في التفسير، فمذهب أصفهان السائد في ذاك الوقت بل في إيران مذهب الشافعية والأحناف من أهل السنة (٤)،فتبنى مذهب الأحناف على ما يترجح عنده بالدليل، حيث لا نجده يتعصب لرأي، بل يسلك منهج العلماء في _________ (١) قاله علي كلباسي في اقتصاد شهر أصفهان: ص ٢٠١،ونقله البلوشي في مقدمته: ج ١ ص ٥٧. (٢) كتاب تاريخ أصفهان: ج ١ ص ٣٨.وأصل العبارة بالفارسية ترجم ألفاظها البلوشي كما في مقدمته: ج ١ ص ٥٨. (٣) سير أعلام النبلاء: ج ١٠ ص ٦٦. (٤) انظر: معجم البلدان: ج ١ ص ٦٠٩ لياقوت. وكتاب اقتصاد شهر أصفهان: ص ٢١٠ للدكتور علي كلباسي. وطبقات المحدثين بأصبهان: ج ١ ص ٢.

стр. 83

تبنيه المذهب والجواب على مسائل الشافعية، وهو ما نجده واضحا في تفسيره عند التعامل مع الرأي الآخر بهدوء وموضوعية. ٦.يعد الإمام الطبراني من كبار علماء أصفهان، وإليه ينتهي العلم في الحديث، وأنه يسير على منهج أهل زمانه فقها وعلما ولا يبتدع. ذكر الذهبي في ترجمة محمد بن أحمد القاضي العسال أن أبا جعفر أحمد بن محمد الزاهد قال أبياتا منها (١): لقد مات من يرعى الأنام بعلمه ... وكان له ذكر وصيت فينفع وقد مات حفّاظ الحديث وأهله ... وممّن رأينا وهو في النّاس مقنع أبو أحمد القاضي وقد كان حافظا ... ولم يك من أهل الضّلالة يتبع وكان أبو إسحاق ممّن شهرته ... يدرّس أخبار الرّسول ويوسع وثالثهم قطب الزّمان وعصره ... أبو القاسم اللّخميّ قد كان يبدع ورابعهم كان ابن حبّان آخرا ... ومات فكيف الآن في العلم يطمع وعلى هذا فإن الإمام الطبراني حنفي المذهب من أهل السنة والجماعة محدّث بارع ومفسر، بارك الله له في عمره وجعل خاتمة أعماله على ما يبدو لنا هذا السفر الكبير في تفسير القرآن العظيم. منهج الإمام الطّبرانيّ في التّفسير: ربما يفاجأ القارئ المطّلع ويتعجب متسائلا عن سبب تأخير ظهور هذا التفسير، وبخاصة أن الإمام الطبراني يسلك فيه منهج المفسّرين ويسير بطرائقهم وفق قواعد علم التفسير وأصوله، وهو العالم المحدّث الحافظ ليراه على غير المعهود الذهنيّ الذي يرسمه النابه للمحدّث؛ حيث صورته في التعامل مع النصّ القرآني، ليس كما هو معروف من أسلوب المحدّثين حين النظر في موضوع الآيات وإسناد أسباب النزول أو ما يتعلق بدلالة الآية في المجال الحديثيّ. _________ (١) سير أعلام النبلاء: ج ١٠ ص ٦،وقال الذهبي: (أبو إسحاق هو إبراهيم بن محمد الحافظ، توفي سنة ثلاثة وخمسين وثلاثمائة. واللخمي هو سليمان بن أحمد الطبراني الحافظ مات سنة ستين وثلاثمائة. وابن حبان هو الحافظ أبو الشيخ، توفي سنة تسع وستين وثلاثمائة عن بضع وتسعين سنة).

стр. 84

نجد الإمام الطبرانيّ في منهجه يسير على أصول علم التفسير منضبطا بقواعده متعاملا مع النصّ بالبيان من السّنة، والتعريف بدلالة ألفاظ النص على معهود لسان العرب أو مفردات لغتهم بأسلوب المفكّر المفسّر غير المتأثّر بأساليب أهل الحديث من الوقوف عند ظاهر النص، أو أساليب أهل الكلام من التعامل الجدلي مع الرأي الآخر. ومن ذلك أنه كان للشواهد الشّعرية أثر واضح في أسلوب الإمام الطبراني، حيث أفاد إفادة واضحة منه في تقرير الوجهة النحويّة أو البلاغية أو الدلالية التي تعطي المعنى المراد على وجهه المقصود، وبما يؤدّي إلى الفهم المراد فيه. فسيجده القارئ أنه كثير الاحتجاج بأشعار العرب بقصد توضيح معاني الألفاظ القرآنيّة، وأنه حين يتناول الإعراب يأتي بالشّاهد الشعريّ حسب المناسبة، وكذلك يفعل حين يتناول معنى غريب الألفاظ، فيوضّح لغتها، وييسّر معناها. ويلاحظ بشكل جليّ أن الإمام الطبرانيّ يسير على خطى أسلوب المحدّثين، حيث ينسب العلم لأهله، وكأنه يؤسّس لذلك في غير مجال الحديث على نهج المحدّثين مختصرا الإسناد، ومن بركة العلم أن ينسب لأهله. فغالبا يشير إلى معتمده في الفهم الذي يتبنّاه من أقوال السلف، فيذكر من يرجع إليه في ذلك، فكان غالب رجوعه إلى الفرّاء وابن النحّاس والزّجّاج والأخفش، وغيرهم من أهل المعاني والعربيّة، وغالبا ما يجمل القول، فيقول: (قال المفسّرون) أو (قال بعض المفسرين) أو (قال أهل التفسير) هذا إذا لم يذكر العالم الذي أخذ عنه أو رجع إليه. وكان عمدة الإمام الطبراني في تفسيره أن يأتي بالشواهد البيانيّة من السّنة النبوية أيضا، فيأتي بالأحاديث في موضوع الآية ويذكرها من غير إسناد، حيث يكتفي بذكر الراوي من الصّحابة رضوان الله عليهم غالبا، أو بذكر التابعي، أو من نقل عنه الأثر، فيفيد من الحديث أو الأثر أو المأثور من أقوال السّلف في بيان معنى الآية ودلالتها على المراد المقصود. وعماده أيضا في هذا المجال أن يذكر أسباب النزول، أو يبيّن متعلّق الآية في الحدث حسب الزمان والمكان معتمدا على أخبار السّيرة النبوية، وتحديدا سيرة ابن إسحاق. فيأتي بالشواهد من السّيرة النبوية بما يجلي الصورة الذهنية، ويوضح المراد على أتمّ وجه يراه من غير إملال أو إطناب.

стр. 85

وقد يذكر هاهنا أنه مما يؤاخذ عليه ﵀ في هذا التفسير، أنه أدرج فيه بعض القصص التوراتية والأخبار من الاسرائيليات التي كان يغنيه عنها الأخبار الصحيحة. وقد أشرنا إلى ذلك حسب مناسبة إيراده في هوامش التحقيق والتعليق. ومن الجدير بالذكر، أن للقراءات أثرا بالغا في تفسير الإمام الطبراني ونهجه في إدراك المراد في دلالة الآية، فكان يأتي بالقراءات ويتعامل معها بوصفها أفهاما وأوجه تفسير، لا المراد منها التلاوة كما يفهم البعض أو ظنّ ذلك. وعماده في ذلك-فضلا عن كتب المعاني-ما جاء في كتاب الحجّة للقراءات السبعة لأبي عليّ الفارسي، وذكره في مناسبات من هذا التفسير. كما أنه ذكر الإمام محمد بن جرير الطبري في مجال تفسيره للآية (١٣) من سورة الأنعام؛ وغالبا ما كان ينقل عنه الآثار أو القراءات وأوجه فهمها عند القرّاء لها. كما أنه ذكر تفسير النقّاش في سورة الحاقة تفسير الآية (١٢) منها. وذكر أبا حاتم الرازي الجصّاص، وكأنه كان ينقل عنه مسائل آيات الأحكام، ويناقش الخلاف فيها. ومع أنه حنفيّ المذهب، ولكني وجدته يتعامل مع الأدلة وأوجه الاستدلال بعقلية المجتهد لا المقلّد، فيبيّن فيها وجه الاستدلال الذي ينتصر به لمذهبه إذا ترجّح عنده ذلك، أو أنه يبيّن وجه ما تبناه في المسألة. ولا يخفى على القارئ أن الإمام الطبراني أفاد كثيرا من سابقيه ومعاصريه، وجمع جهودهم في تفسيره من غير تقليد أو اجترار أو تكرار، وإنما بذل جهدا في تأليف ذلك بتسلسل فكريّ، وانتباه يقظ يؤدي إلى إحساس فكري عند المتلقّي القارئ بعمق لتفسيره. فهو يتعامل مع النصّ القرآنيّ بوصفه مفسّرا جمع فائدة الحديث في البيان، وفائدة اللّغة واللسان لفهم المراد، وبما يوصله إلى الفكر والفقه فيه. على أن منهج الإمام الطبراني يفعّل لسان العرب وأصول التفسير في إدراك النصّ القرآني مبيّنا المراد بالسّنة والحديث الشريف، ومعضّدا بالشواهد من الشّعر، وآثار السلف وأقوالهم، ومن تبعهم من أهل العلم. وعلى قدر ما أعلم، أجدني وأنا أراجع كتب التفسير: أن الجميع بعده عيال عليه، وإن لم يذكره أحد منهم، أو ينسب قولا إليه، بل إني وجدت الإمام الثعلبي في

стр. 86

تفسيره الكشف والبيان، ينقل عبارات تفسير الإمام الطبراني بنصّها من غير نسبة، بل لا أغالي إن قلت إنّ تفسير الكشف والبيان للثعلبي فيه إيجاز لتفسير الطبرانيّ، أو إسناد لما لم يسنده الطبرانيّ، أو اختصار لعبارته، أو نقل حرفيّ لها من غير أن يعزو ذلك إلى تفسير الإمام الطبرانيّ. وهكذا وجدت الأمر بالنسبة للإمام البغويّ في معالم التنزيل. أو ربما نقلوا عمن نقل عنه الإمام الطبراني في تفسيره. وعلى ما يبدو لي أن هذا التفسير بحقّ بنى كيانه على عطاء سابقيه وأفاد منهم، وأنضج أفكارهم، وأسّس لمن يأتي بعده لينهل منه فكرا وفقها ومنهجا، فيمثل بحقّ نقلة منهجية في مجال علم التفسير على قدر ما أعلم. وأخيرا، فإنه على قدر ما أنا مسرور بإخراج هذا الكتاب إلى نور أذهان القراء، وشعاع أبصارهم، وإحساس فكرهم، كم أنا متألّم لتأخّر هذا الكتاب عن متناول أهل الإنصاف، أو التمكين لإخراجه إلى أبصار طلاّب العلم وقراءاتهم ودراستهم، ففيه من مجالات البحث الكثير: في اللغة، والقراءات، والأفكار، والأحكام. فالحقّ يقال: إن هذا الإمام قد سبق، وبارك الله له في عمره، فعرف محدثا، وأستطيع أن أقول: إنه اليوم يعرف مفسّرا من المنزلة الأولى من منازل المفسّرين، وإن تأخر في طبقاتهم. ورحم الله الإمام أبي القاسم الطبرانيّ وأثابه على ما قدّم، فالخير كلّ الخير فيمن طال عمره وحسن عمله. اللهمّ لا تحرمنا أجره وبارك يا أكرم الأكرمين. منهج تحقيق التّفسير والعمل فيه اعتمدنا في تحقيق التفسير الكبير (تفسير القرآن العظيم للإمام الطبراني) على نسخة واحدة، تامّة، بخطّ واضح غالبا؛ اكتنفه بعض اضطراب قليل جدا، يكاد لا يذكر، وللأمانة العلميّة أنوّه لذكره. وتمّ ضبط بعض الكلمات غير المقروءة بشكل واضح على ما جاء في كتب التفسير أو الحديث، وقد نوّهنا إلى ذلك في مظانّه، وأكاد لم أدع منه شيئا إلا نوّهت له، وبيّنت ذلك في الهامش.

стр. 87

ومن الملاحظ أن الناسخ قد أدرج بعض النقولات في متن التفسير، بأسلوب واضح فيه الإدراج، ظاهر لا يخفى على النّابه من غير أهل الاختصاص؛ لاختلاف أسلوب المدرج عن أسلوب المصنّف في تأليفه، مع أن الناسخ يشير لإدراجه بعبارة متميّزة تخالف معهود المصنف، كأن يقول: (كذا في ... ) ويذكره غالبا في نهاية كلام المصنف، مما ينبّه إلى أن العبارة ليست من المتن. وقد نوّهت إلى ذلك في مظانّه أيضا. أما باقي الجهد لإخراج الكتاب على أتمّ صورة حسنة أقدر عليها، فهو ما سيلاحظه القارئ في تعليقنا على التحقيق، وتدقيقنا لأصوله، ولا نريد أن نصف جهدنا حتى لا نطيل، فهو معروف واضح لأهل الإنصاف، ونقرّر هنا، أنه مهما بذلنا من جهد فلسنا أكثر من خدمة لأهل العلم وطلابه، ورحم الله علماء هذه الأمة على ما قدّموا، وأعاننا الله أن نشارك العاملين لتقديم هذا التراث الفكريّ بالصورة التي تليق به، وتنهض بعزم الأمة إلى علوّ الهمة التي أورثها هؤلاء العلماء، وتركوها للأمة لترفع بأبنائها من جديد إلى الحياة الأمثل، والله الموفق لكلّ خير. السّيرة الذّاتيّة والعلميّة للمحقّق الاسم والكنية والإجازة العلمية: - هشام بن عبد الكريم بن صالح بن عبد القادر البدرانيّ الحسينيّ الموصليّ. -كناه الشيخ عبد القادر الدبوني (الشيخ المجيز) في الإجازة العلمية ب (عزّ الدين). -مواليد الموصل ١٩٥٨/ ٣/٢٣ ميلادية. -درس في المدارس الرسمية في مدينة الموصل، وتخرّج من معهد المعلمين المهنيّين سنة ١٩٧٨ ميلادية. -درس العلوم الشرعية بين يدي الشيخ صادق بن محمّد سليم المزوريّ، والشيخ ذنون البدرانيّ، والشيخ عبد القادر الدبونيّ. ابتداء من سنة ١٩٨٥؛وأجازه الشيخ عبد القادر بن فائق بن صالح الدبوني إجازة علميّة عامة بعلوم الشريعة الإسلامية

стр. 88

في /٢٢ جمادى الأولى ١٤١٧/ من الهجرة، الموافق /٤ تشرين الأول ١٩٩٦/ ميلادية. -عضو مجلس شورى هيئة علماء المسلمين في العراق. -إمام للصلاة ومدرّس في مسجد العبادلة في الموصل. المؤلفات والتحقيقات: في مجال التّأليف: ١. رؤية إسلامية في مفهوم العقل، (١٩٩٠ م-العراق). ٢.العقلية الإسلامية-بناؤها وتكوينها (١٩٩٠ م-العراق). ٣.خطاب هادئ إلى الشباب (١٩٩٤ م-العراق). ٤.الحضارة والمدنيّة في الفكر الإسلامي (١٩٩٤ م-العراق). ٥.مدخل إلى الفهم الإسلامي (١٩٩٤ م-العراق). ٦.مناهج الأدلة في بحث أسماء الله وصفاته (١٩٩٨ م-دار البيارق)، (٢٠٠٢ م- دار الكتاب). ٧.منهاج الإيمان في الإسلام (١٩٩٨ م-دار البيارق)، (٢٠٠٢ م-دار الكتاب). ٨.عجالة المتفقّه إلى معرفة أصول الفقه (١٩٩٨ م-دار البيارق)، (٢٠٠٢ م-دار الكتاب). ٩.مدخل إلى دراسة العلوم الشرعيّة (٢٠٠١ م-دار الكتاب). ١٠.مسائل فكريّة وفقهية (١٩٩٨ م-دار البيارق). ١١.الحكم الشرعيّ في الألعاب الرياضية (١٩٩٨ م-دار البيارق). ١٢.الحكم الشرعي في تصنيع الخمر لأغراض التداوي (١٩٩٨ م-دار البيارق). ١٣.الأمة الإسلامية-حقيقة الفكرة وواقع الممارسة (١٩٩٨ م-دار البيارق). ١٤.مفاهيم علماء النّفس-دراسة وتحليل (١٩٩٨ م-دار البيارق).

стр. 89

١٥.استدراكات وإيضاحات (١٩٩٨ م-دار البيارق). ١٦.المحلّى على شرح المحلّى لورقات الجوينيّ في علم أصول الفقه (٢٠٠٣ م- دار الكتاب). ١٧.الأنوار اللاّمعة، شرح المقصد الأول من المقاصد النافعة للإمام النوويّ (٢٠٠٣ م-العراق). ١٨.النظام السياسي بعد هدم دولة الخلافة، دراسة شرعية (٢٠٠٤ م-العراق). في مجال التّحقيق: ١٩. عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج لابن الملقّن (فقه شافعي) شرح منهاج الطالبين للإمام النووي في أربع مجلدات، (٢٠٠١ م-دار الكتاب). ٢٠.توضيح المشكلات شرح كتاب الورقات في علم أصول الفقه-وهو المشهور بشرح المحلّى على ورقات الجويني في علم أصول الفقه، طبع في القسم الأول من كتاب المحلّى على شرح المحلّى-قسم التحقيق-حيث حقّق على ثلاث نسخ مخطوطة، وأكثر من خمسة نسخ مطبوعة. ٢١.حبل الاعتصام في وجوب الخلافة في دين الإسلام للشيخ محمّد حبيب العبيدي الموصلي، (دار الكتاب-٢٠٠٤ م). ٢٢.جنايات الإنكليز على البشر عامّة وعلى المسلمين خاصّة للشيخ محمّد حبيب العبيدي الموصلي، (دار الكتاب-٢٠٠٤ م). ٢٣.كنز الراغبين شرح منهاج الطالبين للإمام المحلّى (فقه شافعيّ) شرح منهاج الطالبين للإمام النووي، يقع في أربع مجلدات. ٢٤.إيقاظ الفكر. وهو تحقيق لكتاب الفكر الإسلامي للشيخ الأستاذ محمّد محمّد إسماعيل. ٢٥.التفسير الكبير، تفسير القرآن العظيم، للإمام الطبراني. ٢٦.نظام الشورى-نمط التفكير الجماعي.

стр. 90

شكر وتقدير ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أقدّم الشكر الجزيل إلى كل من ساهم في إنجاز هذا العمل وعاونني عليه، فالمرء كثير بأخيه، وفي هذا المقام أخصّ بالذكر دار الكتاب الثقافي للنشر والتوزيع، وبخاصة مديرها الأستاذ بلال إبراهيم الشلول على ما بذله من حرص شديد لإخراج هذا الكتاب بأتم وجه، فهو بذل جهدا في جلب المخطوط ثم إيصاله إلينا للعمل على إخراجه بعد التحقيق والتعليق عليه، وقد تابع كثيرا ما كتب عنه ونقله إلينا، ورافق هذا العمل في كل مراحله وعمل على تذليل كل الصعوبات ومعالجة كل المعوّقات لإخراج ونشر هذا العمل الفريد في هذه الصورة الحسنة فجزاه الله خيرا. ثم أذكر الأخ الفاضل الدكتور (جعفر الكنج الدندشي) الذي كانت له يد العون في الحصول على صورة المخطوط. والأخ المنسق الفني (عدي أنور الثقفي) على ما بذله من جهد في صفّ حروف الكتاب وتنسيق سطوره بأحسن صورة؛ وجزى الله خيرا جميع الأحباب الذين قدّموا يد العون بالفعل أو الدعاء. والله الموفق لكلّ خير وسداد. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيدنا محمّد الأمين نبيّنا ورسولنا المصطفى المبين وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الذين حموا هذا الدين بدمائهم الزكيّة، وعلى سائر العلماء العاملين الذين خطّوا بمداد أقلامهم ماهية العلم الشريف وبيانه من الشّرع الكريم. آمين آمين. المحقق هشام بن عبد الكريم البدراني

стр. 91

التّفسير الكبير تفسير القرآن العظيم للإمام الحافظ العلاّمة أبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيّوب الطّبرانيّ (٢٦٠ - ٣٦٠) من الهجرة ضبطه على أصله وخرّج أحاديثه وعلّق عليه هشام بن عبد الكريم البدرانيّ الموصليّ

стр. 92

هذا الجزء الأوّل من تفسير القرآن العظيم تأليف فريد عصره الإمام الهمام شيخ الإسلام الشّيخ الطّبرانيّ الكبير نفع الله به النّفع العميم. التّفسير الكبير تفسير القرآن العظيم الحمد لله الّذي أكرمنا بالنّور المبين؛ وهدانا للحقّ اليقين؛ كتاب الله العزيز الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ تنزيل من حكيم حميد. والصّلاة والسّلام على نبيّ الرّحمة وإمام الحكمة المنتخب من طينة الكرم؛ وسلالة المجد الأقدم؛ سيّد المرسلين؛ وخاتم النّبيّين؛ وعلى آله التّائبين الطّاهرين. تفسير البسملة قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) قوله : ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾. تعليم منه سبحانه؛ ليذكروا اسمه عند افتتاح القراءة وغيرها؛ تبرّكا به. ومعناه أبدا: ﴿(بِسْمِ اللهِ)؛﴾ لأنّ حرف الباء مع سائر حروف الجرّ لا يستغني عن فعل مضمر أو مظهر؛ فكان ضمير الباء في هذه الآية: الأمر. واختلف الناس في معنى اشتقاق الاسم؛ وأكثر أهل اللّغة على أنه مشتقّ من السّموّ؛ وهو الرّفعة. ومعنى الاسم التنبيه على المسمّى والدلالة عليه. وقال بعضهم: مشتقّ من السّمة؛ وهي العلامة؛ فكان الاسم علامة للمسمّى. وأمّا (الله) فقال بعضهم: هو اسم لا اشتقاق له؛ مثل قولك: فرس؛ ورجل؛ وجبل؛ ومعناه عند أهل اللّسان: المستحقّ للعبادة؛ ولذلك سمّت العرب أصنامهم:

стр. 93

آلهة؛ لاعتقادهم استحقاقها للعبادة. وقال بعضهم: هو من قولهم: أله الرجل إلى فلان يأله إلاهة؛ إذا فزع إليه من أمر نزل به؛ فآلهه أي أجاره وأمّنه. ويقال للمألوه إليه: إلها. كما قالوا للمؤتمّ به: إماما؛ فمعناه أن الخلائق يألهون ويتضرّعون إليه في الحوائج والشدائد. واختلفوا في ﴿(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)﴾ هل هي آية من الفاتحة؟ فقال قرّاء الكوفة: هي آية منها؛ وأبى ذلك أهل المدينة والبصرة. وأما قوله ﴿(الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)﴾ فهما اسمان مأخوذان من الرّحمة؛ وزنهما من الفعل نديم وندمان من المنادمة، وفعلان أبلغ من فعيل، وهو من أبنية المبالغة. ولا يكون إلا في الصفات؛ كقولك: شبعان وغضبان؛ ولهذا كان اسم (الرّحمن) مختصّا بالله لا يوصف به غيره. وأمّا اسم (الرّحيم) فمشترك. وعن عثمان ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: [الرّحمن العاطف على جميع خلقه بإدرار الرّزق عليهم] (١) فالرحمة من الله تعالى الإنعام على المحتاج؛ ومن الآدميّين رقّة القلب؛ وإنّما جمع بين الرّحمن والرّحيم للنهاية في الرّحمة والإحسان بعد الاحتنان. وعن ابن عبّاس ﵄ أنه قال: [هما اسمان رقيقان أحدهما أرقّ من الآخر] ولو قال: لطيفان لكان أحسن (٢).

стр. 94

وكان النبيّ ﷺ يكتب في أوائل الكتب في أوّل الإسلام: [بسمك اللهمّ] حتى نزل ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها﴾ (١) فكتب [بسم الله].ثم نزل: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ﴾ (٢) فكتب: [بسم الله الرّحمن].فنزل: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣) في سورة النّمل؛ فكتب حينئذ: [بسم الله الرحمن الرحيم] (٤). فإن قيل: لم قدّم اسم الله على الرّحمن؟ قيل: لأنه اسم لا ينبغي إلا لله . وقيل في تفسير قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٥) أي هل تعرف في السهل والجبل والبرّ والبحر والمشرق والمغرب أحدا اسمه الله غير الله؟ وقيل: هو اسمه الأعظم. وقدّم الرّحمن على الرّحيم؛ لأن الرحمن اسم خصّ به الله؛ والرحيم مشترك؛ يقال: رجل رحيم، ولا يقال: رجل رحمان. وقيل: الرّحمن أمدح؛ والرحيم أرأف.

стр. 95

وإنّما أسقطت الألف من اسم الله وأصله باسم الله؛ لأنّها كثرت على ألسنة العرب عند الأكل والشّرب والقيام والقعود؛ فحذفت اختصارا من الخطّ وإن ذكرت اسما غيره من أسماء الله لم تحذف الألف لقلّة الاستعمال؛ نحو قولك: باسم الرب، وباسم العزيز؛ وإن أتيت بحرف سوى الباء لم تحذف الألف أيضا؛ نحو قولك: لاسم الله حلاوة في القلوب؛ وليس اسم كاسم الله. وكذلك باسم الرّحمن؛ واسم الجليل؛ و ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾.

стр. 96

سورة الفاتحة سورة الفاتحة سبع آيات؛ وخمس وعشرون كلمة؛ ومائة وثلاث وعشرون حرفا. وهي مكّيّة عند ابن عبّاس؛ ومدنيّة عند مجاهد وقتادة، والله أعلم. قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ،﴾ الحمد والشكر نظيران؛ إلا أن الحمد أعمّ من حيث إن فيه معنى المدح من المنعم عليه؛ وغير المنعم عليه؛ ولا يكون الشّكر إلا من المنعم عليه. والشكر أعمّ من الحمد من حيث إنه يكون من اللسان والقلب والجوارح؛ والحمد لا يكون إلا باللسان؛ ويتبيّن الفرق بينهما بنقيضهما. فنقيض الحمد الذمّ؛ ونقيض الشكر الكفران. وقوله: ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٢).الربّ في اللغة: اسم لمن يربي الشيء ويصلحه؛ يقال لسيد العبد: ربّ؛ ولزوج المرأة: ربّ؛ وللمالك: ربّ. ولا يقال: الربّ معرفا بالألف واللام إلا لله . والله تعالى هو المربي والمحوّل من حال إلى حال؛ من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى غير ذلك إلى أجل مسمّى. وقوله ﴿(رَبِّ الْعالَمِينَ)﴾ العالم: جمع لا واحد له من لفظه؛ كالنّفر والرّهط؛ وهو اسم لمن يعقل مثل الإنس والجنّ والملائكة؛ لأنك لا تقول: رأيت عالما من الإبل والبقر والغنم؛ إلا أنه حمل اسم العالم في هذه السّورة على كلّ ذي روح دبّ ودرج لتغليب العقلاء على غيرهم عند الاجتماع. وربّما قيل للسّموات وما دونها مما أحاطت به: عالم؛ كما روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: [إنّ لله ثمانية عشر ألف عالم؛ وإنّ دنياكم منها عالم] (١).

стр. 97

وقوله: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣).قد تقدّم تفسيره. وقوله : ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤).أي يوم الحساب؛ فإن قيل: لم خصّ يوم الدّين؛ وهو ملك الدّنيا والآخرة؟ قيل: لأن الله تعالى لا ينازعه أحد في ملكه ذلك اليوم؛ كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ (١). قرأ عاصم (٢) والكسائي (٣): ﴿(مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)﴾ بالألف (٤)؛والباقون بغير ألف. قال أهل النّحو: (ملك) أمدح من (مالك) لأن المالك قد يكون غير ملك ولا يكون الملك إلا مالكا (٥).وروي أنّ أبا هريرة ﵁ كان يقرأ: «(مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)» على النّداء

стр. 98

المضاف؛ أي يا مالك يوم الدّين. وقرأ أنس بن مالك: «(ملك يوم الدّين)» جعله فعلا ماضيا. قوله : ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٥).لا يحسن إدخال (إيّاك) في غير المضمرات. وحكي عن الخليل: (إذا بلغ الرّجل السّتّين فإيّاه؛ وإيّا الشّواب).فأضافه إلى ظاهر؛ وهو قبيح مع جوازه ولا يكون إلاّ إذا تقدّم، فإن تأخّر؛ قلت: نعبد؛ ولا يجوز: نعبد إياك. فإن قيل: لم قدّم ﴿(إِيّاكَ نَعْبُدُ)﴾ وهلاّ قال: نعبدك؟ قيل: إنّ العرب إذا ذكرت شيئين قدّمت الأهمّ فالأهمّ؛ ذكر المعبود في هذه الآية أهمّ من ذكر العبادة فقدّمه عليها. والكاف من (إيّاك) في موضع خفض بمنزلة عصاك؛ وأجاز الفرّاء: أن تكون في موضع نصب؛ فكأنه جعل (إيّاك) بكماله ضمير المنصوب. فإن قيل: لم عدل عن المغايبة إلى المخاطبة؟ قلنا: مثله كثير في القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ﴾.

стр. 99

قوله : ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٦)؛أي أرشدنا الطريق القائم الذي ترضاه؛ وهو الإسلام (١).وهذا دعاء؛ ومثله بلفظ الأمر؛ لأن الأمر لمن دونك؛ والمسألة لمن فوقك. فإن قيل: ما معنى قولكم: اهدنا! وأنتم مهتدون؟ قيل: هذا سؤال في مستقبل الزّمان عند دعوة الشّيطان. وقيل: معناه: ثبتنا على الطّريق المستقيم؛ لا تقلّب قلوبنا بمعصيتنا. ونظير قوله تعالى في قصّة إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٢) أي أثبت على الإسلام (٣). وفي ﴿(الصِّراطَ)﴾ أربع لغات: صراط بالصّاد؛ وسراط بالسّين، وبالزاي الخالصة، وبإشمام الصّاد والزّاي، وكلّ ذلك قد قرئ به؛ فبالسّين قراءة قنبل (٤)،وبإشمام الزّاي قراءة خلف (٥)؛وقرأ الباقون بالصاد الصّافية (٦).

стр. 100

وقوله تعالى: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ؛﴾ هم الأنبياء وأهل طاعة الله تعالى. واختلاف القراءة في «(صراط)» كاختلافهم في ﴿(الصِّراطَ)﴾. قوله : ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ (٧) ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)﴾ هم اليهود؛ و ﴿(الضّالِّينَ)﴾ هم النصارى. وأما (آمين) فليس من السّورة؛ ولكن روي عن النبيّ ﷺ أنه كان يقوله ويأمر به. وقال: [لقّنّي جبريل ﵇ بعد فراغي من فاتحة الكتاب: آمين، وقال: إنّه كالطّابع على الكتاب].وقيل: معنى آمين: اللهمّ استجب. وقيل: معناه: يا آمين؛

стр. 101

أي يا الله. فآمين اسم من أسماء الله. وقيل: معناه: اللهمّ اغفر لي. وفي آمين لغتان: المدّ والقصر؛ قال الشاعر في القصر: تباعد منّى فطحل إذ رأيته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا وقال آخر في المدّ: صلّى الإله على لوط وشيعته ... أبا عبيدة قل بالله آمين وقال آخر في المدّ أيضا: يا ربّ لا تسلبنى حبّها أبدا ... ويرحم الله عبدا قال آمينا قال ﷺ : [فاتحة الكتاب رقية من كلّ شيء إلاّ السّأم] (١) وهو الموت. وروي

стр. 102

أن جبريل قال للنبيّ ﷺ : [كنت أخشى العذاب على أمّتك فلمّا نزلت الفاتحة أمنت؛ لأنّها سبع آيات؛ وجهنّم لها سبعة أبواب، فمن قرأها صارت كلّ آية طبقا على باب]. آخر تفسير سورة (الفاتحة) والحمد لله رب العالمين

стр. 103

سورة البقرة سورة البقرة خمسة وعشرون ألف حرف وخمسمائة حرف، وستّة آلاف كلمة ومائة وإحدى وعشرون كلمة؛ ومائتان وستّة وثمانون آية. قال رسول الله ﷺ : [إنّ لكلّ شيء سناما؛ وإنّ سنام القرآن سورة البقرة، من قرأها في بيته نهارا لم يدخل بيته شيطان ثلاثة أيّام، ومن قرأها في بيته ليلا لم يدخل بيته شيطان ثلاث ليال] (١).وقال ﷺ : [تعلّموا البقرة وآل عمران، فإنّهما يجيئان يوم «القيامة» كالغمامتين أو كفرقين من طير صوافّ يحاجّان عن صاحبهما] (٢).

стр. 104

وقال ﷺ : [من قرأ سورة البقرة وآل عمران جعل الله له يوم القيامة جناحين يطير بهما على الصّراط كالبرق الخاطف] (١).وقال ﷺ : [تعلّمها بركة، وتركهما حسرة، ولا تستطيعهما البطلة] (٢) يعني السّحرة. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قوله : ﴿الم﴾ (١)؛اختلفوا في تفسير ﴿(الم)﴾ وسائر حروف التهجّي، وروي عن عمر وعثمان وابن مسعود: (أنّ الحروف المقطّعة من المكتوم الّذي لا يفسّر).ووافقهم في ذلك الشعبيّ (٣)؛وقال: (إنّ لله تعالى سرّا في كتبه؛ وإنّ سرّه في القرآن الحروف المقطّعة) وقال بعضهم: إنّها من المتشابهات التي استأثر الله بعلمها فنحن نؤمن بتنزيلها ونكل إلى الله تأويلها. وقال عليّ ﵁: (لكلّ شيء صفوة؛ وصفوة هذا الكتاب حروف التّهجّي).

стр. 105

وعن ابن عباس ﵄: (أنّ معنى ﴿(الم)﴾:أنا الله أعلم وأرى، و ﴿(المص)﴾:أنا الله أعلم وأفصل، و ﴿(كهيعص)﴾:الكاف من كاف، والهاء من هاد، والياء من حكيم، والعين من عليم، والصّاد من صادق).ويقال: الألف: مفتاح اسمه الله؛ واللام: لطيف، والميم: مجيد، ومعناه اللطيف المجيد أنزل الكتاب. ويقال: الألف: الله، واللام: جبريل، والميم: محمّد، معناه: الله أنزل جبريل على محمد بهذا القرآن. وقيل: هذا قسم أقسم الله به أنّ هذا الكتاب الذي أنزل على محمّد هو الكتاب الذي عند الله، وجوابه: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾. وقال محمّد بن كعب: (الألف آلاء الله، واللاّم لطفه، والميم ملكه).وقال أهل الإشارة: الألف أنا، واللاّم لي، والميم منّي. فصل: وهذه الحروف موقوفة؛ لأنّها حرف هجاء، وحروف الهجاء لا تعرب كالعدد في قوله: واحد اثنان. ولغاية أدخلوا الواو وحرّكوه؛ لأنه صار في حدّ الأسماء، فيقال: ألف ولام كالعدد. وكذلك قال الأخفش: (هي ساكنة لا تعرب). وقوله: ﴿(الم)﴾ رفع بالابتداء؛ و ﴿(ذلِكَ)﴾ خبره؛ و ﴿(الْكِتابُ)﴾ صلة لذلك. ويحتمل أن يكون ﴿(الم)﴾ خبرا مقدّما تقديره: ذلك الكتاب الذي وعدت أن أوحيه إليك ﴿(الم)﴾.ومن أبطل محلّ الحروف جعل ﴿(ذلِكَ)﴾ ابتداء و ﴿(الْكِتابُ)﴾ خبره. و ﴿(الم)﴾ صلة؛ فيكون لذلك معنيان؛ أحدهما: أن ﴿(ذلِكَ)﴾ بمعنى، وقد يستعمل ﴿(ذلِكَ)﴾ بمعنى (هذا).قال خفاف (١): أقول له والرّمح يأطر متنه ... تأمّل خفافا إنّنى أنا ذلكا أي إنّني هذا أطرا لعود عطفه. والثاني: على الإضمار؛ كأنه قال: هذا القرآن ﴿(ذلِكَ الْكِتابُ)﴾ الذي وعدت في

стр. 106

التوراة والإنجيل أن أوحيه إليك. وقيل: ﴿(الم)﴾ ابتداء؛ و ﴿(ذلِكَ)﴾ ابتداء آخر؛ و ﴿(الْكِتابُ)﴾ خبره، والجملة خبر الأول. وقال بعض المفسرين: اختلف في ﴿(ذلِكَ الْكِتابُ)،﴾ فقال الحسن وابن عباس وقتادة ومجاهد: (هو القرآن).فعلى هذا يكون ﴿(ذلِكَ)﴾ بمعنى (هذا) كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ (١) أي هذه حجّتنا (٢).وقيل: معناه: ﴿(ذلِكَ الْكِتابُ)﴾ الذي ذكرته في التوراة والإنجيل. وقوله : ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ؛﴾ أي لا شكّ فيه. ونصب ﴿(رَيْبَ)﴾ لتعميم النفي؛ ألا ترى أنك تقول: لا رجل في الدار؛ بالنصب، فيكون نفيا عامّا. وإذا قلت: لا رجل في الدار؛ بالرفع، جاز أن يكون في الدار رجلان أو ثلاثة (٣).

стр. 107

قوله : ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢)؛نصب على الحال؛ إما من ﴿(ذلِكَ الْكِتابُ)؛﴾ كأنه قال: ذلك الكتاب هاديا. وإما من ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ كأنه قال ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في حال هدايته. ويجوز أن يكون موضعه رفعا على إضمار (هو)،أو ﴿(فِيهِ)﴾. فإن قيل: لم خصّ المتقين؛ وهو هدى لهم ولغيرهم؟ قيل: تخصيص الشيء بالذكر لا يدلّ على نفي ما عداه، وفائدة التخصيص تشريف المتقين، ومثله: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ (١) ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ؛﴾ أي بالبعث والحساب والجنّة والنار. وقيل: (الغيب) هو الله. قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ،﴾ أي الصّلوات الخمس بشرائطها في مواقيتها. قوله تعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣)؛يعني الزكاة؛ وهو الأظهر؛ لأن الله تعالى قرن بين الصلاة والزكاة في مواضع كثيرة، وإقامة الصلاة طهارة الأبدان؛ وإعطاء الزكاة طهارة الأموال. وبالأموال قوام الأبدان، وقد قيل: هو نفقة الرجل على أهله.

стр. 108

قيل: لمّا نزل قوله : ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ الآية، قالت اليهود: نحن نؤمن بالغيب ونقيم الصلاة وننفق مما رزقنا الله؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ،﴾ والذي أنزل إليه القرآن والذي أنزل من قبله التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزّلة؛ فنفروا من ذلك. فإن قيل: لم قال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٤)،ولم يقل يؤمنون؟ قيل: لأنّ الإيقان توكيد الإيمان؛ واليقين بالآخرة يقين خبر ودلالة، ومعنى الآية: وبالدار الآخرة هم يعلمون ويستيقنون أنّها كائنة (١). قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥). أي أهل هذه الصفة على رشد وثبات وصواب من ربهم. والمفلحون: الناجون الفائزون بالجنة، ونجوا من النار. وقيل: هم الباقون بالثواب والنعيم المقيم. قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٦)،يعني مشركي العرب. وقال الضحّاك: (نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته).وقال الكلبيّ (٢): (يعني اليهود) وقيل: المنافقين. والكفر: هو الجحود والإنكار (٣).قوله تعالى: ﴿(أَأَنْذَرْتَهُمْ)﴾ الإنذار: التحذير والتخويف. ﴿(أَمْ لَمْ﴾

стр. 109

﴿تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)﴾ وهذه الآية خاصّة فيمن حقّت عليه كلمة العذاب والشقاوة في سابق علم الله. قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾. أي طبع على قلوبهم؛ والختم والطبع بمعنى واحد؛ وهو التغطية للشيء. والمعنى طبع الله على قلوبهم؛ أي

стр. 110

أغلقها وأقفلها؛ فليست تفقه خيرا ولا تفهمه. ﴿(وَعَلى سَمْعِهِمْ)﴾ فلا يسمعون الحقّ ولا ينتفعون به؛ وإنّما وحّده وقد تخلّل بين جمعين؛ لأنه مصدر؛ والمصدر لا يثنى ولا يجمع. وقيل: أراد سمع كلّ واحد منهم كما يقال: أتاني برأس كبشين؛ أراد برأس كلّ واحد منهما. وقال سيبويه: (توحيد السّمع يدلّ على الجمع؛ لأنّه توسّط جمعين) كقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ (٢) يعني الأنوار والإيمان؛ وقرأ ابن عبلة: «(وعلى أسماعهم)». وتمّ الكلام عند قوله: ﴿(وَعَلى سَمْعِهِمْ)﴾ ثم قال: ﴿وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾. أي غطاء وحجاب فلا يرون الحقّ. وقرأ المفضّل بن محمّد: «(غشاوة)» بالنصب؛ كأنه أضمر فعلا أو جملة على الختم؛ أي ختم على أبصارهم غشاوة، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ (٣).وقرأ «(غشاوة)» بضمّ الغين. وقرأ الجحدريّ: «(غشاوة)» بفتح الغين. وقرأ أصحاب عبد الله: «(غشوة)» بفتح الغين بغير ألف. ومن رفع «(غشاوة)» فعلى الابتداء. قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٧)،يعني القتل والأسر. وقال الخليل: (العذاب ما يمنع الإنسان من مراده).وقيل: هو إيصال الألم إلى الحيّ مع الهوان به؛ ولهذا لا يسمّى ما يفعل الله بالبهائم والأطفال عذابا؛ لأنه ليس على سبيل الهوان. قوله : ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٨)،نزلت هذه الآية في المنافقين: عبد الله بن أبي بن أبي سلول؛
следующие страницы →