تقديم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أمابعد
فإن الشيخ الأخ عبد الله بن عمر بن طاهر أحد من أكثر القراءة عليّ في فنون مختلفة، ما يقارب العشر سنوات، وقد درسته في ثلاث مستويات، في كلية الشريعة، كما درسته في المعهد العالي للقضاء، كما تدارست معه في المسجد في عدد من المتون، كفتاوى شيخ الإسلام ابن تيميّة، وقواعد ابن رجب، وغيرهما، وقد عرفت عنه عددًا من الصفات الجميلة، من أهمها: حرصه الشديد على التعلم والتعليم، وجودة فهمه، وحسن معتقده وخلقه وسؤاله وأدبه وسمته، كما أشرف على طبع شرحي على المنظومة السعدية في القواعد الفقهية، والتي نظمها الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀.
وقد رغب مني أن أقدم لرسالته في الماجستير، وعنوانها (العقود المضافة إلى مثلها)، فقرأت أولها، وتصفَّحت بعض معلوماتها؛ ولذا فإني مرتاح لطبع هذه الرسالة.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه
سعد بن ناصر الشثري
١٢/ ١١/١٤٣٢
стр. 2
مقدمة
اللهم لك الحمد السَّرمد، الذي لا يحصيه العدد، ولا يبلغه الأمد، حمدًا كما ينبغي أن تحمد، أنت له أهل، وهو علينا حق، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد، أمَّا بعد.
فقد خصّ الله هذه الأمة ممتنًا عليها بأن أنزل عليها أفضل كتبه، وأرسل إليها خاتم رسله وسيد خلقه، وشرع لها أكمل شريعة لا يشذُّ فعلٌ عن حكمها، وجعلها بين غلو الغالين وتفريط المفرطين، إنه حكيم عليم، ومما مَنّ به علي أن وفقني للالتحاق بالمعهد العالي للقضاء لدراسة المرحلة العليا (الماجستير)، وله الحمد والمنة، وقد اخترت هذا الموضوع ليكون بحثًا تكميليًا لهذه المرحلة، راجيًا منه أنه يكون عملًا مقبولًا وأن يعين -بفضله ورحمته- على تمامه كما وفق لاختياره، وذلك في الفصل الدراسي الثاني من العام الجامعي ١٤٣٠ - ١٤٣١، بإشراف الشيخ د. أحمد بن عبد الرحمن آل الشيخ، وعنوان البحث (العقود المضافة إلى مثلها) (١)، ومرادي من ذلك جمع ودراسة المسائل الفقهية المتعلقة بالعقود التي أضيف فيها العقد إلى عقدٍ آخر من جنسه ونوعه وإن خالف عينه، كمضاربة المضارب وإعارة المعار وإجارة المؤْجَر، وهذه الإضافات تأتي على ثلاثة أضرب:
الأول: إضافة المصدر لفاعله، وذلك نحو توكيل الوكيل، أي أن يوكل الوكيلُ غيرَه، وربما تكون التسمية بما هو أشهر، فتأمين المؤمِّن أشهر منه: إعادة التأمين.
الثاني: إضافة المصدر إلى مفعوله، ومثاله بيع المبيع ورهن المرهون، والمراد أن تُرهَن العين المرهونة مرة أخرى.
الثالث: إضافة المصدر إلى نفسه، وهذا راجع لأحد الضربين السالفين، كمبحث إقالة الإقالة والجعالة على الجعالة.
وهذا المعنى الجامع لمباحث البحث لا يستلزم اتحادَها في الحكم، شأنه في ذلك شأن سائر الدراسات العلمية المبنية على السبر والفحص وجمع الأشباه والنظائر، فلا يلزم أن تتفق حكمًا، بعد أن تنتظم في عقد واحد اسمًا ورسمًا.
واجتمع لي -ولله الحمد- بعد استقراء عددٍ من المطولات جملة صالحة للبحث، وقد قمت ببعض التعديلات والإضافات بعد تسليم البحث ونيل الدرجة بحمد الله تعالى.
стр. 3
أهمية الموضوع وأسباب اختياره
تظهر أهمية الموضوع وأسباب اختياره في النقاط الآتية:
١ - الانتشار، فإن هذه العقود يتعامل بها كثيرٌ من الأشخاص: الأفراد والاعتباريين، والثاني أكثر، واعتبر ذلك بأمثلة، وهي: استصناع الصانع، (الاستصناع الموازي) وكذلك مقاولة المقاول (المقاولة بالباطن) وكذلك مضاربة المضارب، فإن كثيرًا من العقود الكبيرة -التي يكون فيها العمل كثيرًا والتكلفة باهظة وتستدعي كفاءات متنوعة- ترسى في مناقصة ما -مثلًا- على جهة تقوم بدورها بإبرام عقود مع جهات أخرى؛ لإنجاز العمل المتفق عليه، فهذا وأمثاله -وما هو أقل منه من صور العقود الفورية- يُعدُّ من المعاملات المنتشرة في العصر الحاضر، مما يحتاج إلى جمع ودراسة وتحرير.
٢ - الحاجة لجمع ودراسة هذه الصور من العقود، والتوصل لحكمها من خلال العرض المنهجي والأسلوب العلمي؛ لتكميل الجهود العلمية الأخرى المتعلقة ببعض جوانب البحث.
٣ - اشتمال البحث على موضوعات عصرية ومسائل حديثة وقضايا مستجدة هي من قبيل النوازل الفقهية، والمساهمة بما يمكن أن يفيد في النظر والعمل بهذه النوازل، من ضوابط أو شروط أو إثراءات علمية.
٤ - أنني لم أجد بحثًا يجمع هذه المسائل كلها، ويخصها بالبحث، مما يدعو للقيام بذلك، ومن جانب آخر: دعوة الباحثين في جميع التخصصات لمثل ذلك في ما يتعلق بفنونهم، فقد وجدت أثناء استقرائي مسائل من هذا القبيل، لكنها ليست محلًا لدراستي؛ لأنها ليست من العقود، مثل: السهو في سجود السهو، الشهادة على الشهادة، والسرقة من السارق، والغصب من الغاصب، وقتل القاتل بلا ولاية دم، والإكراه على الإكراه، والاستثناء من الاستثناء في باب الإقرار، والخِطبة على خطبة أخيه، والسوم على سومه، والمسألة السريجية، وهي من مسائل تعليق الطلاق على الطلاق، وكذلك في أصول الفقه: تقليد المقلد، والقياس على ما ثبت بالقياس، ومثلها في القواعد الفقهية: المشغول لا يشغل، وغيرها، وفي الفرائض توريث الغرقى والهدمى والمناسخات، وفي السنة الإجازة بالمجاز، وفي العربية مانع المانع من الإمالة، وعدم تكبير المكبَّر أو تصغير المصغَّر أو تعريف المعرَّف، ونحوه مما ينبه هذا البحث على مثله.
٥ - ظهور ألقاب جديدة، لم تكن معروفة في الزمان الأول، لعقود معروفة لديهم حقيقةً وحكمًا، كالسلم الموازي.
стр. 4
الدراسات السابقة
تنقسم الدراسات السابقة التي تحوم في موضوع البحث وتقاربه إلى قسمين:-
الأول: البحوث الاستقرائية العامة، وهي التي تناولت جانب تداخل العقود وتركيبها بشكل عام، دون التوافق مع موضوع البحث في شيء من فصوله، ورسائل هذا القسم:
١ - العقود المالية المركبة، دراسة فقهية تأصيلية وتطبيقية، للشيخ د. عبد الله بن محمد العمراني -وفقه الله-، وهي رسالة دكتوراة من قسم الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام بالرياض. وقد تناول فضيلة الشيخ حكم اشتراط عقدٍ في عقدٍ وحكم اجتماع عقدين مختلفي الحكم في عقد واحد كالبيع والقرض، وأثر ذلك في الخيار والقبض والجهالة وغيرها، وَوَضَعَ ضوابط للعقود المركبة، ودرس التطبيقات المعاصرة لذلك كالإجارة المنتهية بالتمليك والمشاركة المتناقصة والمرابحة المركبة من مواعدة وبيع والتأمين المركب من تأمين وإجارة أو تأمين ومضاربة وعقود الخيارات المركبة في الأسواق المالية المعاصرة والبطاقات المصرفية الائتمانية. وهو بحث قيم بيد أن موضوع بحثي في نوعٍ خاص من التركيب مع استقراء صوره، وليس هناك اشتراك في أي مسألة من مسائل البحثين.
٢ - التداخل بين الأحكام في الفقه الإسلامي، للشيخ د. خالد بن سعد الخشلان -وفقه الله-، وهي رسالة ماجستير، في قسم الفقه من كلية الشريعة بجامعة الإمام بالرياض. وهو بحث قائم على جمع المسائل التي اجتمع فيها أسباب لها حكم واحد فتداخلت واستغني بحكم أحدها، وهو بحث مهم غير أنه لم يذكر في فصل التداخل في العقود إلا مسألة التداخل في عوض لبن المصراة عند تعددها واختيار ردها، علاوةً على أنه مغاير لموضوع هذا البحث وفكرته.
الثاني: البحوث الجزئية الخاصة، وهي دراساتٌ في مبحثٍ من مباحث هذا البحث أو في عدد منها، وقد وجدت من ذلك بعد البحث في عناوين الرسائل الجامعية بمكتبة المعهد العالي للقضاء ومكتبة كلية الشريعة بقسميها: الفقه والأصول ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية وبعض المكتبات التجارية العناوين الآتية:-
١ - عقد الإجارة من الباطن، دراسة مقارنة، بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير، للباحث: فهد بن سواد العقيلي-وفقه الله-، في المعهد العالي للقضاء، قسم الفقه المقارن، ضمن بحوث عام ١٤٢٢.
стр. 5
٢ - عقد المقاولة من الباطن في الفقه والنظام، بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير، للباحث: محمد بن عبد العزيز الماجد -وفقه الله-، في المعهد العالي للقضاء، قسم السياسة الشرعية، ضمن بحوث عام ١٤١٦.
فحصل الاشتراك في هاتين المسألتين، وهما يشكلان عُشر هذا البحث، ولكلٍّ منهجه وطريقته ومن ثم نتيجته الخاصة.
٣ - العقد الباطن في الفقه الإسلامي، للشيخ د. سامي بن عبد العزيز الماجد -وفقه الله-، وهي رسالة دكتوراة من قسم الفقه بكلية الشريعة، وهذا البحث فيه بابان: الأول في تعريف العقد الباطن وحكمه العام وأسبابه وأركانه، وهذا لا علاقة لبحثي به، والثاني في ذكر العقود من الباطن، وذكر فيها ٩ عقود، اشتركت معه في ٧ منها، وانفرد باثنين، ومجموع العقود المذكورة في هذا البحث الذي بين يديك ٢٥ عقدًا، ومن العقود المشتركة العنوان السابقان: المقاولة والإجارة من الباطن، كما أن هذه الرسالة لا تتفق مع هذا البحث في تقسيم المباحث والمطالب في المسائل المشتركة، وذلك أنني جمعت المسائل ورسمت هذه الخطة بجميع مباحثها قبل الاطلاع على هذه الرسالة ثم وقعت لي فعرضتها على ما قمت به فظهرت النتيجة السابقة، وهي أن هذا البحث امتاز بـ ١٨ عقدًا.
والعقدان اللذان امتاز بهما بحث الدكتور: التوريد من الباطن والصيانة من الباطن.
منهج البحث
المنهج المتبع في هذا البحث هو المنهج الآتي:
أولًا: أصوِّر المسألة المراد بحثها تصويرًا دقيقًا قبل بيان حكمها؛ ليتضح المقصود من دراستها.
ثانيًا: إذا كانت المسألة من مواضع الاتفاق فأذكر حكمها بدليله مع توثيق الاتفاق من مظانه المعتبرة.
ثالثًا: إذا كانت المسألة من مسائل الخلاف، فأتبع ما يلي:
أ- أحرّر محل الخلاف إذا كانت بعض صور المسألة محل خلاف، وبعضها محل اتفاق.
ب- أذكر الأقوال في المسألة، وأبين من قال بها من أهل العلم.
ج- أقتصر على المذاهب الفقهية المعتبرة، مع العناية بذكر ما تيسر الوقوف عليه من أقوال السلف الصالح، وإذا لم أقف على الحكم في مذهب ما للمسألة فأسلك بها مسلك التخريج.
د- أوثِّق الأقوال من مصادرها الأصلية.
هـ- أستقصي أدلة الأقوال مع بيان وجه الدلالة عند الحاجة، وأذكر ما يرد عليها من
стр. 6
مناقشات وما يجاب به عنها إن وجد، وأذكر ذلك بعد الدليل مباشرة.
و- أرجح مع بيان سبب الترجيح، وأذكر ثمرة الخلاف إن وجدت، والترجيح يشمل القول الراجح والصواب والحق، وأعبر عن جميع ذلك بالقول الراجح دون تمييز في التعبير ... –إن وجد-.
رابعًا: أعتمد على أمَّات المصادر والمراجع الأصلية –إن وجد فيها ما يغني عن غيره-، في التحرير والتوثيق والتخريج والجمع، وإذا لم يكن العزو نصيًّا أقول: ينظر.
خامسًا: أركز على موضوع البحث وأتجنب الاستطراد، إلا نادرًا في الحواشي، فأضع فيها بعض الفوائد المناسبة، ومنها ما أذكره لإزالة توهم الخطأ (١).
سادسًا: أعتني بضرب الأمثلة، خاصةً الواقعية.
سابعًا: أتنكب ذكر الأقوال الشاذة.
ثامنًا: أعتني بدراسة ما جَدَّ من القضايا مما له صلة واضحة بالبحث.
تاسعًا: أنقل الآيات برسمها من مصحف المدينة النبوية وأرقمها وأبين سورها مضبوطة الشكل، وذلك في صلب البحث.
عاشرًا: أخرِّج الأحاديث من مصادرها الأصلية، وأثبت الكتاب والباب ورقم الحديث والجزء والصفحة، وأبين ما ذكره أهل الشأن في درجتها، إلم تكن في الصحيحين أو أحدهما، فإن كانت كذلك فأكتفي حينئذ بعزوها إليها.
حادي عشر: أخرج الآثار من مصادرها الأصلية.
ثاني عشر: عندما يستدعي الأمر أضع تنبيهًا أو أكثر في نهاية المبحث أو الفرع، وأذكر فيه ما له علاقة بالبحث وليس من صلبه.
ثالث عشر: أعرف بالمصطلحات من كتب الفن الذي يتبعه المصطلح أومن كتب المصطلحات المعتمدة.
رابع عشر: أوثق المعاني من معاجم اللغة المعتمدة، وتكون الإحالة عليها بالمادة والجزء والصفحة.
خامس عشر: أعتني بقواعد اللغة العربية والإملاء، وعلامات الترقيم، ومنها علامات التنصيص للآيات الكريمة، وللأحاديث الشريفة وللآثار ولأقوال العلماء، مع تمييز العلامات أو الأقواس فيكون لكل منها علامته الخاصة.
стр. 7
وأضع علامة " " لأسماء الكتب المذكور في أثناء الكلام في المتن أو الحاشية، تمييزًا لها عن الكلام، وإن تميزت بنفسها لم أضعه، كأن يكون اسم الكتاب مذكورا في الحاشية للتوثيق.
سادس عشر: إذا ورد في البحث ذكر أماكن أو قبائل أو فرق أو أشعار أو غير ذلك فأضع له فهارس خاصة إن كان لها من العدد ما يستدعي ذلك.
سابع عشر: أترجم للأعلام غير الأئمة الأربعة بإيجاز بذكر اسم العلم ونسبه وتاريخ وفاته ومذهبه العقدي أو الفقهي والعلم الذي اشتهر به، وأهم مؤلفاته ومصادر ترجمته، في ثبت خاص آخر البحث.
ثامن عشر: أضع خاتمة متضمنة أهم النتائج، وتعطي فكرة واضحة عما يتضمنه البحث.
تاسع عشر: أُتبِع ذلك بالفهارس الفنية المتعارف عليها، وهي:
-
- فهرس الآيات القرآنية.
- فهرس الأحاديث والآثار.
- فهرس الأعلام.
- فهرس المصادر والمراجع.
- فهرس الإجماعات.
- فهرس الفوائد.
- فهرس الموضوعات.
خطة البحث
ينقسم البحث إلى ثلاثة فصول، يقدمها تمهيد، يكتنفها مقدمة -هي هذه- وخاتمة، ويلي الجميع الفهارس العلمية ومنها سرد المصادر والمراجع، وذلك على هذا النحو:
المقدمة: وتشتمل على عنوان البحث وأهمية الموضوع وأسباب اختياره والدراسات السابقة ومنهج البحث وخطته.
تمهيد: تعريف العقود والأصل في حكمها وقواعد في إضافة العقود إلى مثلها، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف العقود.
المبحث الثاني: الأصل في العقود.
المبحث الثالث: القواعد والضوابط المتعلقة بالعقود المضافة إلى مثلها، وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: الأصل في العقود التي يجوز أن يقوم فيها غير المعقود معه مقامه.
المطلب الثاني: قاعدة نقل الملك بنفس العقد المستفاد به المملوك.
المطلب الثالث: قاعدة نفي الضرر.
المطلب الرابع: قاعدة سد الذريعة.
المطلب الخامس: ضابط فقهي.
стр. 8
الفصل الأول: عقود المعاوضات المضافة إلى مثلها، وفيه أحد عشر مبحثًا:
المبحث الأول: بيع المبيع، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف البيع وحكمه.
المطلب الثاني: حكم بيع المبيع، وفيه فرعان:
الفرع الأول: بيع البائع للمبيع.
الفرع الثاني: بيع المشتري للمبيع، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: بيع المشتري المبيع بعد قبضه.
المسألة الثانية: بيع المشتري المبيع قبل قبضه.
المبحث الثاني: الإجارة على الإجارة، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الإجارة وحكمها.
المطلب الثاني: حكم إجارة المؤجِر العين المؤجَرة وإجارة الأجير من يقوم بالعمل المطلوب منه في عقد الإجارة، وفيه فرعان:
الفرع الأول: إجارة المؤجِر العين المؤجَرة.
الفرع الثاني: إجارة الأجير مَن يقوم بالعمل المطلوب منه في عقد الإجارة.
المطلب الثالث: حكم إجارة المستأجر العينَ المؤجَرة، وفيه ثلاثة أفرع:
الفرع الأول: إجارتها لغير المؤجِر، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: إجارتها بمثل أجرتها أوأقل.
المسألة الثانية: إجارتها بأزيدَ من أجرتها.
الفرع الثاني: إجارتها للمؤجِر.
الفرع الثالث: إجارة المستأجر منافع الأجير.
المبحث الثالث: إقالة الإقالة (١)، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الإقالة وحكمها.
المطلب الثاني: حكم إقالة الإقالة.
المبحث الرابع: مضاربة المضارب، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف المضاربة وحكمها.
المطلب الثاني: حكم مضاربة المضارب، وفيه فرعان:
стр. 9
الفرع الأول: مضاربة المضارب (العامل) بدفع رأس المال لآخر.
الفرع الثاني: مضاربة المضارب (العامل) بتقبل رأس المال من أجنبي.
المبحث الخامس: مزارعة المزارع ومساقاة المساقي، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف المزارعة والمساقاة وحكمهما، وفيه فرعان:
الفرع الأول: تعريف المزارعة وحكمها.
الفرع الثاني: تعريف المساقاة وحكمها.
المطلب الثاني: حكم مزارعة المزارع ومساقاة المساقي، وفيه فرعان:
الفرع الأول: مزارعة المزارع ومساقاة المساقي بدفع الأرض أو الزرع لآخر ليقوم بذلك.
الفرع الثاني: مزارعة المزارع ومساقاة المساقي بتقبل أرضٍ أو زرعٍ من أجنبي.
المبحث السادس: استصناع الصانع (الاستصناع الموازي)، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الاستصناع وحكمه.
المطلب الثاني: حكم استصناع الصانع.
المبحث السابع: مقاولة المقاول (المقاولة من الباطن)، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف المقاولة وحكمها.
المطلب الثاني: حكم المقاولة من الباطن.
المبحث الثامن: الجعالة على الجعالة، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الجعالة وحكمها.
المطلب الثاني: حكم الجعالة على الجعالة.
المبحث التاسع: إحالة المحال، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الحوالة وحكمها.
المطلب الثاني: حكم إحالة المحال.
المبحث العاشر: السلم الموازي (المتوازي)، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف السلم وحكمه.
المطلب الثاني: حكم السلم الموازي، وفيه فرعان:
الفرع الأول: حكم إسلام المسلَم فيه بعينه.
الفرع الثاني: حكم الإسلام في مثل المسلَم فيه.
المبحث الحادي عشر: تورق المتورق (إعادة التورق)، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف التورق وحكمه.
стр. 10
المطلب الثاني: حكم تورق المتورق (إعادة التورق).
الفصل الثاني: عقود التبرعات المضافة إلى مثلها، وفيه أحد عشر مبحثًا:
المبحث الأول: استدانة المدين وإقراض القرض، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الدين وحكمه.
المطلب الثاني: حكم استدانة المدين، وفيه أربعة أفرع:
الفرع الأول: استدانة المدين غير المعسر.
الفرع الثاني: استدانة المدين المعسر لحاجة نفسه ومن يمون، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: استدانة المدين المعسر لحاجة نفسه ومن يمون قبل الحجر عليه.
المسالة الثانية: استدانة المدين المعسر لحاجة نفسه ومن يمون بعد الحجر عليه.
الفرع الثالث: استدانة المدين المعسر لقضاء دين الغرماء.
الفرع الرابع: إقراض القرض.
المبحث الثاني: توكيل الوكيل، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الوكالة وحكمها.
المطلب الثاني: حكم توكيل الوكيل، وفيه ثلاثة أفرع:
الفرع الأول: حكم توكيل الوكيل إذا نهاه موكِّله عن التوكيل.
الفرع الثاني: حكم توكيل الوكيل إذا أذن له موكله في التوكيل.
الفرع الثالث: حكم توكيل الوكيل إذا أطلق موكله الوكالة، وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: أن يكون العمل مما لا يقوم الوكيل بمثله.
المسألة الثانية: أن يكون العمل مما يقوم الوكيل بمثله ولكنه يعجز عنه بنفسه.
المسألة الثالثة: أن يكون العمل مما يقوم الوكيل بمثله ولا يعجز عنه بنفسه.
المبحث الثالث: إبضاع المبضَع، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الإبضاع وحكمه.
المطلب الثاني: حكم إبضاع المبضَع.
المبحث الرابع: إعارة المعار، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الإعارة وحكمها.
المطلب الثاني: حكم إعارة المعار.
المبحث الخامس: إيداع الوديعة، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الوديعة وحكمها.
стр. 11
المطلب الثاني: حكم إيداع الوديعة.
المبحث السادس: وقف الوقف، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الوقف وحكمه.
المطلب الثاني: حكم وقف الوقف من قبل الموقوف عليه.
المبحث السابع: هبة الموهوب، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الهبة وحكمها.
المطلب الثاني: حكم هبة الموهوب.
المبحث الثامن: إيصاء الوصي (الموصَّى) وتوصية الموصى له والموصي، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الإيصاء وحكمه.
المطلب الثاني: حكم إيصاء الوصي وتوصية الموصى له والموصي، وفيه ثلاثة أفرع:
الفرع الأول: حكم إيصاء الوصي.
الفرع الثاني: حكم توصية الموصى له.
الفرع الثالث: حكم توصية الموصي بالوصية.
المبحث التاسع: إعتاق الرقيق، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف العتق والرق وحكمهما.
المطلب الثاني: حكم إعتاق الرقيق (١)، وفيه خمسة أفرع:
الفرع الأول: إعتاق القن.
الفرع الثاني: إعتاق المبعض.
الفرع الثالث: إعتاق المكاتب.
الفرع الرابع: إعتاق أم الولد.
الفرع الخامس: إعتاق المدبر وتدبيره.
المبحث العاشر: مكاتبة المكاتب، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف المكاتبة وحكمها.
المطلب الثاني: حكم مكاتبة المكاتب.
المبحث الحادي عشر: إقطاع المقطَع، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الإقطاع وحكمه.
стр. 12
المطلب الثاني: حكم إقطاع المقطع.
الفصل الثالث: عقود التوثقة المضافة إلى مثلها، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: رهن المرهون، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الرهن وحكمه.
المطلب الثاني: حكم رهن المرهون، وفيه فرعان:
الفرع الأول: رهن المرهون من طرفٍ ثالثٍ.
الفرع الثاني: رهن المرهون من المرتهن (الزيادة في الدين).
المبحث الثاني: كفالة الكفيل وضمان الضمين (الضامن)، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الكفالة والضمان وحكمهما، وفيه فرعان:
الفرع الأول: تعريف الكفالة وحكمها.
الفرع الثاني: تعريف الضمان وحكمه.
المطلب الثاني: حكم كفالة الكفيل وضمان الضمين.
المبحث الثالث: إعادة التأمين، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف التأمين وحكمه.
المطلب الثاني: حكم إعادة التأمين.
الخاتمة.
الفهارس:
- فهرس الآيات القرآنية.
- فهرس الأحاديث والآثار.
- فهرس الأعلام.
- فهرس المصادر والمراجع.
- فهرس الإجماعات.
- فهرس الفوائد.
- فهرس الموضوعات.
وقد تكون بعضُ المسائل أطولَ من بعض نظرًا لطبيعة المسألة خلافًا وتحريرًا، فربما كان المطلب الأول محل إجماع فيبدو قصيرًا، كما هو حاصلٌ في مبحث البيع ومبحث التوكيل، وربما كان محل خلاف عريض وليس في المطلب الثاني بحث طويل، كما في المساقاة والمزارعة، ففي أحكام بعض العقود من التفصيل ما ليس في حكم إضافته لمثله، ولا يصح الخوض في حكم العقد المضاف قبل تحرير حكم أصله، وأهل الشأن يقدرون المسائل قدرها، ويدركون أوجه الفرق بينها.
стр. 13
وأختم المقدمة بحمد الله على ما هدى، ثم بالشكر ودعاء الله العلي القدير لوالديَّ على ما ربياني عليه صغيرًا، فاللهم أطل أعمارهما على طاعتك واكفهما همومهما وغمومهما وارزقهما السعادة والهداية، ولزوجي وأختي الكبيرة على ما بذلوه لي من مساعدة، فاللهم جازهم عني خير الجزاء واصرف عنهم الهم والبلاء يا رب الأرض والسماء، ولكل من ساعدني في طباعته وإخراجه أو نصح لي فيه، بكثير أو يسير، فاللهم وفقهم واهدهم وسددهم واجزهم عني خيرًا، وللمشرف بخاصة والمعهد العالي للقضاء وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بعامة على إتاحة فرصة الالتحاق بهذا القسم، فاللهم اكشف لهم وجوه الحقائق وخذ بأيديهم في المضائق، هذا ومن الله أستمد العون والتوفيق، والهداية والسداد، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
للتواصل: Ebnomar.٣@gmail.com
стр. 14
تمهيد
تعريف العقود والأصل في حكمها وقواعد إضافة العقود إلى مثلها
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف العقود.
المبحث الثاني: الأصل في العقود.
المبحث الثالث: القواعد والضوابط المتعلقة بالعقود المضافة إلى مثلها.
стр. 15
المبحث الأول: تعريف العقود .
العقود لغةً جمع عقد، والعقد مصدر عَقَدَه يعقِده عقدًا وتَعقادًا، وهو نقيض الحَلِّ (١)، قال في "مقاييس اللغة": (العين والقاف والدال أصلٌ واحدٌ يدلُّ على شدٍّ وشدّةِ وثوقٍ، وإليه ترجع فروع الباب كلها ... والعقدة في البيع إيجابه) (٢) سواءٌ كان العقد حسيًّا كعقد الحبل والعسل أو معنويًا كعقد اليمين والعهد والبيع (٣).
والعقد عند علماء الشريعة له إطلاقان:
الأول: إطلاقٌ عام، والعقد بالإطلاق العام معناه الالتزام.
والالتزام كون الشخص مكلَّفًا بفعل أو امتناع عن فعل لمصلحة غيره (٤).
ومن ذلك قوله : ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ المائدة: (٨٩)، فكل التزام ولو كان من طرف واحد يكون عقدًا بهذا المعنى، كاليمين والإبراء والأمان والوقف (٥).
الثاني: إطلاق خاص، ولا بد فيه من إرادتين متفقتين، والعقد بالإطلاق الخاص هو ارتباط الإيجاب بالقبول أو ما يقوم مقامهما بمثله.
فالارتباط جنسٌ عامٌّ في حقيقة العقد، فهو الجامع بين المتعاقدين، وأما الالتزام فهو أثرٌ للعقد، فالمتعاقدان يلتزمان بمقتضى العقد وبشروطه بعد إبرامه وحصول الارتباط بين الإرادتين؛ لذا كان جنس الارتباط أولى في التعريف من جنس الالتزام، وبعض العقود جائزة يحق للطرفين فسخها، وهذا ينافي الالتزام.
والإيجاب ما صدر من المالك المُملِّك كالبائع في عقد البيع سواءٌ كان صدوره قبل الطرف الثاني أو بعده، وهذا مذهب المالكية (٦) والشافعية (٧)
стр. 16
والحنابلة (١)، وعند الحنفية (٢) الإيجاب ما يُذكر أولًا من كلام أحد المتعاقدين سواءٌ كان هو المالك المملِّك أو المتملِّك.
والقَبول على رأي الجمهور ما صدر من المتعاقد الثاني، وهو المتملك، وعلى رأي الحنفية ما يُذكر ثانيًا.
وجاء في التعريف (أو ما يقوم مقامهما بمثله) ومعناه: أو ارتباط ما يقوم مقام الإيجاب والقبول كالمعاطاة أو التعاطي بمثله من المتعاقد الآخر، فأخذ السلعة من المشتري يقوم مقام القبول وأخذ الثمن من البائع أو مده السلعةَ هو المِثل المقابل لفعل المشتري، ويقوم مقام الإيجاب، على اصطلاح الجمهور (٣).
ولا يصح أن يضاف في آخر تعريف العقد (على وجه مشروع يظهر أثره في محله) أو (يترتب أو يثبت أثره في المعقود عليه)؛ لأن هذا تعريف للعقد الصحيح، والمعرَّف هو العقد المطلق، فهو بإضافة هذا القيد تعريف غير جامع، والأصل في الحقائق العقلية والمصطلحات الشرعية أن تشمل الصحيح والفاسد؛ لذا يقال: بيع فاسد ونكاح باطل. فصح إطلاق مسمى العقد مع عدم حصول الأثر الشرعي عليه بلا تردد، وينفرد الثاني بورود الدور.
وقد يَرِدُ ذكر عقدٍ من العقود في النصوص الشرعية أو في ألفاظ المكلفين مطلقًا مرادًا به الصحيح من جنسه، بل هذا هو الأصل في الإطلاقات، كالوكالة بالبيع يحمل على البيع الصحيح، لكن بيان حقيقة العقد لا يتقيد بالصحة، فبينهما فرقٌ ظاهرٌ (٤).
والمقصود بالعقود المضافة إلى مثلها العقود بالإطلاق العام.
وللعقود تقسيمات متعددة بناءً على اختلاف الاعتبارات (٥)، ومن ذلك تقسيم العقود باعتبار المقصود منها، وأقسامها بهذا الاعتبار ثلاثة:
стр. 17
الأول: عقود معاوضات، ويدخل فيها تبعًا عقود المشاركات؛ لاشتراكهما في معنى المعاوضة العام، ويمكن جعلها قسمًا مستقلًا لتميز أحكامه عن المعاوضات، بل من العلماء من ألحق المشاركات بالتبرعات (١)، ولا مشاحة في هذا كله إذا فُهم مأخذه.
الثاني: عقود تبرعات، ومنهم من يميز عنها عقود الإرفاق، والإرفاق معنى يشمل العقود وغيرها، ومنهم من يميز عنها عقود الإباحات والأمانات المحضة، كما أن التبرعات تشمل التبرعات المحضة والمعلقة بالموت (٢).
والثالث: عقود التوثقات.
وبعض العقود غير المالية يكون فيها معاوضة، لكنها قصدٌ ثانٍ في العقد، كالنكاح، وليس في مسائله وما يلحق به ما يدخل في العقود المضافة إلى مثلها، حسبما توصلتُ إليه، ولو كان لشغلتْ قسمًا رابعًا، ومن أسباب تباين المناهج في تقسيم العقود بهذا الاعتبار أن من العقود ما لا مرية في كونها معاوضة، ومنها ما لا مرية في كونها تبرعًا، وكذلك في التوثقات، ومن العقود ما تُردد فيها؛ لأنها آخذة بنصيب من كل قسم، فيتجاذبها نوعان أو أكثر، كالعبد في الأحكام، هل يلحق بالبهيمة لأنه يباع ويشترى ويوهب ويوقف، أو يلحق بالحر لأنه مكلف ومتصرف؟ وكالحلي من النقدين، هل يُزكّى؛ لأن جنسه ذهب أو فضة فيلحق بهما، أو لا يُزكّى لأنه يُستعمل كالأثاث والمركوب والملبوس والعبد والفرس؟ فعلى سبيل المثال: الحوالة فيها معنى الإرفاق والتوثقة، وفيها شوب معاوضة، والقرض: هو ابتداءً تبرع وانتهاءً معاوضة.
ولا يعدو الأمر كونه اصطلاحًا ومردُّه إلى الاجتهاد.
لذا لم يخصّه المتقدمون في دوواين الفقه بكبير عناية، من حيث التوسع في التقسيم والتعريف بها.
стр. 18
المبحث الثاني: الأصل في العقود .
قواعد الأصل في العقود كثيرة، فالأصل فيها اللزوم، والأصل فيها الفورية والتنجيز أو المناجزة، والأصل فيها السلامة، والأصل فيها تنزيلها على المتيقن أو الظاهر القريب، ولكن المقصود هنا الأصل في العقود من حيث حكمُها، والأصل فيها بهذا الاعتبار الجواز والصحة، في مذهب جمهور العلماء (١)، بل نصَّ ابن حزم على ما يوافق ذلك فقال: (إن ما سكت عنه النبي ﵌ فلم يأمر به ولا نهى عنه فهو مباح، وليس حرامًا ولا فرضًا) (٢)، لكن العبرة بما صرَّح به، وهو ما عزاه أبو العباس ابن تيمية إلى أهل الظاهر، أنهم لا يصحِّحون عقدًا ولا شرطًا إلا ما ثبت جوازه بنصٍّ أو إجماعٍ (٣).
ودليل الصحة والإباحة قوله ﷻ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ المائدة: (١)، وعدد من الآيات التي فيها حصر المحرمات وتَعدادها (٤) مما يُفهم إباحة ما سواها، من ذلك قوله : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الأنعام: (١٥١) الآيات، وقوله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ الأنعام: (١٤٥) الآيات، وقوله ﷺ : «إن من أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرَّم فحُرِّم من أجل مسألته» (٥).
ويظهر أثر هذا الأصل في البحث من جانبين: أحدهما: أن من وافق قوله الأصل لا يُطالب بالدليل؛ لأن دليله أدلة أصله، فإذا استدلّ فجانبه متقوٍّ بالأصل، والثاني: أنه من المرجحات في محل النزاع.
стр. 19
المبحث الثالث: القواعد والضوابط المتعلقة بالعقود المضافة إلى مثلها ، وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: الأصل في العقود التي يجوز أن يقوم فيها غير المعقود معه مقامه .
الأصلُ في العقود اللازمة على عمل معين تحصيلُ العمل، فيجوز أن يقوم به غير المعقود معه، والعقود غير اللازمة (الجائزة) لا يجوز للمعقود معه أن يقيم غيره مقامه فيها.
والعقود اللازمة هي التي لا يستقل أحد الطرفين فيها بالفسخ دون رضا الآخر، والعقود الجائزة بعكسها، فقد يستقل بفسخها أحد الطرفين أو كلاهما.
قال ابن رجب: (العقد الوارد على عمل معين إما أن يكون لازمًا ثابتًا في الذمة بعوض كالإجارة فالواجب تحصيل ذلك العمل، ولا يتعين أن يعمله المعقود معه إلا بشرط أو قرينة تدل عليه، وإما أن يكون غير لازم وإنما يستفاد التصرف فيه بمجرد الإذن فلا يجوز للمعقود معه أن يقيم غيره مقامه في عمله إلا بإذن صريح أو قرينة دالة عليه، ويتردد بين هذين من كان تصرفه بولاية إما ثابتة بالشرع كولي النكاح أو بالعقد كالحاكم وولي اليتيم) (١).
وتوجيه ذلك أن مقصود العقود اللازمة تحصيل المعقود عليه من عين أو عمل، وليس مباشرة ذلك العمل إلا إذا قامت قرينة على قصد مباشرة المعقود معه، أما العقود الجائزة فهي عرضة للفسخ من الطرفين، وهذا يجعلها أضعف من أن يستند فيها إلى طرف ثالث.
أمثلة ذلك:
أولًا: العقود اللازمة: الأجير المشترك يجوز له الاستنابة في العمل من حيث الأصل؛ لأنه ضمن تحصيله لا عمله بنفسه (٢)، والصانع يجوز له الاستنابة من حيث الأصل؛ لأن المعقود عليه تسليم العمل لا مباشرته (٣).
ثانيًا: العقود الجائزة: الوكيل في ما يقوم به مثله ولا يعجز عنه لا يجوز له التوكيل من حيث الأصل؛ لأنه عقد جائز (٤)، والعامل المضارب ليس له أن يضارب برأس المال من حيث الأصل؛ لأنها عقد جائز (٥).
والمراد بكونها من حيث الأصل أن تخلو من شرط أو قرينة تقتضي خلاف الأصل.
وأما العقود اللازمة من طرف والجائزة من الطرف الآخر، كالرهن والكفالة والضمان
стр. 20
والمكاتبة فهي كالعقود اللازمة في ما سبق، غير أنه لا أثر لها على مباحث هذا البحث، كما سيتبين في المباحث المتعلقة بالرهن والكفالة والضمان والمكاتبة.
المطلب الثاني: قاعدة نقل المِلك بنفس العقد المستفاد به المملوك .
الأملاك التامة قابلة للنقل بالعوض وغيره في الجملة، ومِلك المنافع إن كان بعقدٍ لازم جاز نقل الملك بمثل الذي ملك به أو دونه، دون ما هو أعلى منه ومَلَك المعاوضة عليه (١).
وتوجيه ذلك أن الملك التام يخوِّل صاحبه التصرف المباح المطلق كالاستعمال والاستغلال والمعاوضة، فيملك أن يهب الموهوب له وأن يوصي بالموصى له بعد القَبول الحاصل عقب موت الموصي، أما الملك غير التام كملك منفعة العين المستأجرة فله أن ينقل الملك فيها بمثل العقد الأول بشرط أن يكون المعقود معه بمنزلته أو أقل في استيفاء المنفعة، كالإجارة والإعارة عند من يرى أنها تمليكُ منفعةٍ؛ لأنه إنما ملك المنفعة، واستيفاؤها يكون بقبض العين، ونفيًا للضرر عن مالك العين.
المطلب الثالث: قاعدة نفي الضرر .
إذا تضمن العقد الثاني المضاف إلى مثله ضررًا بالمتعاقد الأول الذي لم تنقطع عُلَقه بالمعقود عليه لم يجز ولم ينفذ إلا بإذنه أو بتدارك الضرر بالضمان ونحوه.
ودليل ذلك عموم أدلة نفي الضرر وتحريمه (٢)، والنهي يقتضي الفساد (٣)، فإذا أذن فقد أسقط حقه، فإلم (٤) يأذن إلا بمقابل (تعويض) فله ذلك، وهذا التدارك لا يرفع الحكم بعدم الجواز والفساد ولكنه يجبر الضرر بعد وقوعه.
قال الزركشي والسيوطي: (واعلم أن إيراد العقد على العقد ضربان: أحدهما: أن يكون قبل لزوم الأول وإتمامه فهو إبطالٌ للأول إن صدر من البائع، وإمضاءٌ للأول إن صدر من المشتري بعد القبض. الثاني: أن يكون بعد لزومه، وهو ضربان: الأول: أن يكون مع غير العاقد الأول، فإن كان فيه إبطال لحق الأول لغا، وإلم يكن فيه إبطال للأول صح. الثاني: أن يكون مع العاقد الأول، فإن اختلف المورد صح قطعًا، وإن اتحد المورد فقال العراقيون: لا
стр. 21
يجوز، والأصح أنه يجوز) (١).
أمثلة ذلك:
١ - لو آجر إنسانًا للخدمة شهرًا لم يجز أن يُستأجر تلك المدة لعمل آخر (٢).
٢ - لو ضارب المضارب (العامل) بتقبل رأس المال من طرفٍ ثالثٍ وكان ذلك يدخل ضررًا على رب المال الأول لم يجز (٣).
٣ - لو أعار المستعير العارية فقد تصرف في ملك غيره، كما أنه يحتمل تعريضها للتلف أو العيب؛ لذلك لم يجز (٤).
ومثال انقطاع علق الأول أن يهب هبة لشخص، فيجوز للثاني أن يستعملها أو يبيعها أو يهديها؛ لانقطاع عُلق الواهب.
المطلب الرابع: قاعدة سد الذريعة .
كل عقد أضيف إلى مثله وكان حيلةً على المحرم كالربا أو بيع العينة فهو محرم.
ودليل ذلك قول رسول الله ﷺ : «قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه» (٥)، فلما أكلوا ثمن ما حُرِّم عليهم بالتحايل استحقوا اللعن، ويشهد لذلك من القواعد: قاعدة الأمور بمقاصدها (٦)، وقاعدة الوسائل لها حكم المقاصد (٧)، وقاعدة العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني (٨).
وهذه العقود لم يُنص على حكمها حال كونها وسيلةً لغيرها؛ لذا أخذت حكم ما هي وسيلة إليه.
أمثلة ذلك:
١ - لو استصنع من مصرف يعلم يقينًا أنه لن يباشر العمل، وطلب من المصرف أن
стр. 22
يكون عقد الاستصناع الثاني (الموازي) بين المصرف ومؤسسته أو طرف ثالث يتفق معه بحيث يكون المصرف هو المستصنع في العقد الجديد مع الطرف الثالث؛ ليتسلم المصرفُ السلعةَ ثم يسلمها بموجب العقد الأول للمستصنع الأصلي، وقَصَد بذلك الحيلة على القرض الربوي لم يجز؛ لأنه حيلة على الربا.
٢ - لو تقدم صاحب أرض لشركة تمويل بطلب بناء مركز تجاري على أرضه، واشترط أن يكون هو المقاول من الباطن -بمعنى أن يتقاول مع الشركة على مشروع على أن تتقاول معه في ذلك المشروع- لم يجز؛ لأنه من بيع العينة.
المطلب الخامس: ضابط فقهي .
كل عقدٍ أضيف إلى مثله يُشترط لصحته ما يُشترط لصحة العقد الأصلي، وقد يستقل العقد المضاف بشروط.
ومثال ذلك: يشترط في الهبة كون الواهب أهلًا للتبرع مالكًا للموهوب وكون الموهوب موجودًا متقومًا متميزًا مع قبض الموهوب له (١)، فيشترط في هبة الموهوب كل ما سبق من الشروط، وهكذا في سائر العقود.
تنبيهان:
الأول: جاء في "الأشباه والنظائر" لابن نجيم: (كل عقدٍ أُعيد وجُدِّد فإن الثاني باطل) (٢) وليس هذا من العقود المضافة لمثلها؛ لأن المقصود منه إعادته مع الطرف الأول، ومحل البحث أعم من ذلك فأحيانًا يكون إبرام العقد مع العاقد الأول كرهن المرهون من المرتهن، وأحيانًا -وهو الغالب- يكون مع طرفٍ ثالثٍ، قال بعدها: (فالصلح بعد الصلح باطل، كما في جامع الفصولين، والنكاح بعد النكاح كذلك، كما في القنية، والحوالة بعد الحوالة باطلة، كما في التلقيح إلا في مسائل: الأولى: الشراء بعد الشراء صحيح، أطلقه في جامع الفصولين وقيده في القنية بأن يكون الثاني أكثر ثمنًا من الأول أو أقل أو بجنس آخر وإلا فلا، الثانية: الكفالة بعد الكفالة صحيحة لزيادة التوثيق، بخلاف الحوالة فإنها نقل فلا يجتمعان، كما في التلقيح، وأما الإجارة بعد الإجارة من المستأجر الأول فالثانية فسخ للأولى، كما في البزازية).
стр. 23
الثاني: جاء في "بدائع الصنائع": (الشيء لا يستتبع مثله) (١) وذلك في معرِض التعليل للمنع من مضاربة المضارب بغير إذن رب المال؛ لذا قال بعدها: (ولهذا لا يملك الوكيل التوكيل بمطلق العقد كذا هذا) وفي "الاختيار" أن الشريك ليس له أن يشارك؛ لأن الشيء لا يستتبع مثله (٢)، وفي "حاشية ابن عابدين" أنه لو اشترى بيتًا وفوقه آخر لم يدخل العلو ما لم ينص عليه؛ لأن الشيء لا يستتبع مثله (٣).
ومعنى القاعدة أن العقد المطلق المتضمن للتصرف كالمضاربة والوكالة والمقاولة ليس من مقتضاه إبرام مثل العقد مع آخَر بصفته طرفًا في العقد الأول، إذن لا بد من شرطٍ أو إذن يسوِّغ ذلك، وعليه فالقاعدة لا تؤيد الحكم الذي ذكره ابن عابدين، وهذا كما يظهر ليس شاملًا لكل العقود المضافة إلى مثلها، وإلا لما جاز منها شيء، فمنها ما يكسب مطلق التصرف، ومنها ما يشترط فيه إذن الطرف الآخر، وسيتضح أن المباح من هذه العقود أكثر من الممنوع.
وحجية القواعد الفقهية يرجع لكونها نصًّا بذاتها أو مستنبطة من عدة نصوص أو من فروع المذاهب الفقهية، ولا شك في حجية الأول والثاني متى صح المستند، أما النوع الثالث
–وهذه منها- فليس بلازم الحجية، والله أعلم.
стр. 24
الفصل الأول
عقود المعاوضات المضافة إلى مثلها ، وفيه أحد عشر مبحثًا:
المبحث الأول: بيع المبيع.
المبحث الثاني: الإجارة على الإجارة.
المبحث الثالث: إقالة الإقالة.
المبحث الرابع: مضاربة المضارب.
المبحث الخامس: مزارعة المزارع ومساقاة المساقي.
المبحث السادس: استصناع الصانع (الاستصناع الموازي).
المبحث السابع: مقاولة المقاول (المقاولة من الباطن).
المبحث الثامن: الجعالة على الجعالة.
المبحث التاسع: إحالة المحال.
المبحث العاشر: السَّلم الموازي.
المبحث الحادي عشر: تورق المتورق (إعادة التورق).
стр. 25
المبحث الأول: بيع المبيع ، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف البيع وحكمه .
تعريف البيع
البيع لغة: مطلق المبادلة، وهو من الأضداد مثل الشراء (١).
والبيع اصطلاحًا:
١ - عند الحنفية: مبادلة المال المُتَقومِ بمالٍ مُتَقوم تملكًا أو تمليكًا (٢).
٢ - عند المالكية: عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة (٣).
٣ - عند الشافعية: مقابلة مالٍ بمال على وجه مخصوص تمليكًا (٤).
٤ - عند الحنابلة: مبادلة مال ولو في الذمة أو منفعة مباحة بمثل أحدهما على التأبيد غير ربا وقرض (٥).
وهذه التعاريف مؤداها واحد، والبيع معروف.
حكم البيع
البيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فلأدلة كثيرة أصرحها قوله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ البقرة: (٢٧٥)، وأما السنة فلأدلة كثيرة منها: قول النبي ﷺ : «بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا» (٦)، وقال لجابر ﵁: «بِعْنِيه» (٧) أي الجمل، إلى غير ذلك من الأدلة التي لا حصر لها، وأجمع المسلمون على جوازه في الجملة (٨)، وقد يعرِض للبيع الأحكام الخمسة (٩)، وفي "الموافقات" أنه مطلوب وجوبًا بحسب الكلية؛ لأنه من
стр. 26
الضروريات (١)؛ لذلك نصَّ بعض المالكية على كون المزارعة فرض كفاية (٢)، أي من هذه الحيثية، وليس هو المذهب عندهم.
المطلب الثاني: حكم بيع المبيع ، وفيه فرعان:
الفرع الأول: بيع البائع للمبيع .
صورة المسألة: أن يبيع بائعٌ سلعة ثم يقوم بإعادة بيعها لمشترٍ آخر، وقد يكون البيع الأول ناجزًا، أي تم بلا شروط وحصل التفرق بين المتبايعين، وقد يكون غير ناجز، فيحصل البيع الثاني في أثناء مدة خيار الشرط أو خيار المجلس.
الحكم:
إذا تمَّ البيع واستقرَّ فقد انقطعت عُلَق البائع عن المبيع وعُلَق المشتري عن الثمن، فليس للبائع أن يبيع ما لا يملك -إلا إذا تمت الإقالة بين البائع والمشتري الأول، فله أن يبيع السلعة لآخر بعد قبضها من الأول- وهذا مقتضى الفقه في المذاهب الأربعة (٣)، بل نقل أبو العباس ابن تيميّة إجماع المسلمين على عدم جواز بيع البائع لما قد باعه (٤)، وقال ابن حزم: (واتفقوا على أن بيع المرء ما لا يملك ولم يُجِزْه مالكه ولم يكن البائع حاكمًا ولا مُتَنَصِّفًا من حق له أو مجتهدًا في مالٍ قد يئس من ربه فإنه باطل) (٥) والبائع أصبح أجنبيًّا مما باعه، فدخل في هذا الحكم، فهذان إجماعان، أحدهما على تحريمه، والآخر على بطلانه.
وروي عن النبي ﷺ : «أيما رجل باع بيعًا من رجلين فهو للأول منهما» (٦).
стр. 27
أما إذا تم البيع الثاني أثناء مجلس البيع الأول وقبل التفرق أو في مدة خيار الشرط -أي قبل استقرار البيع الأول- فهذا نوع من التصرف في المبيع في مدة الخيار، وهو تصرفٌ ناقلٌ للملكية، وفي ذلك خلاف يرجع للخلاف في ملك المبيع في مدة الخيار-وهو سبب الخلاف في حكم التصرف-، وفي ذلك أقوال (١):
القول الأول: أنه إذا كان الخيار لهما فملك المبيع للبائع وملك الثمن للمشتري، وإذا كان الخيار للبائع وحده فملك المبيع له، والثمن يخرج عن ملك المشتري ولا يدخل في ملك البائع، وإذا كان الخيار للمشتري وحده فملك الثمن له، والمبيع يخرج عن ملك البائع ولا يدخل في ملك المشتري، وهو مذهب الحنفية (٢)، وعليه فبيع البائع للمبيع فسخٌ للبيع الأول، وليس له ذلك إذا كان الخيار للمشتري وحده (٣).
القول الثاني: أن ملك المبيع للبائع وملك الثمن للمشتري، سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما، وهو مذهب المالكية (٤)، وعليه فبيع البائع للمبيع فسخ للبيع الأول.
القول الثالث: أن ملك المبيع لمن له الخيار منهما، فإن كان الخيار لهما فملك المبيع والثمن موقوف، وهو مذهب الشافعية (٥)، وعليه فبيع البائع للمبيع فسخ للبيع الأول وبيع المشتري إجازةٌ وإمضاءٌ (٦).
القول الرابع: أن ملك المبيع للمشتري وملك الثمن للبائع سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما، وهو مذهب الحنابلة (٧)، وعليه فيحرم ولا يصح بيع المبيع إلا بإذن الطرف الآخر أو يكون التعاقد معه إلا المشتري فمتى كان الخيار له وحده فإن بيعه إمضاءٌ للبيع وفسخٌ وتركٌ
стр. 28
للخيار (١).
الأدلة:
دليل القول الأول: إن كان الخيار لهما فالملك باق لصاحب المحل؛ لأن المانع من الانعقاد في حق الحكم موجودٌ في الجانبين جميعًا، وهو الخيار، وإن كان لأحدهما فلا يدخل الملك في حق من ليس له الخيار؛ لأن البيع أصبح تامًّا في حقه، ومن كان الخيار له فملكه باق في محله، ولا يمكن مع ذلك أن يثبت للآخر؛ لأنه لا يجوز في عقد المبادلة الجمع بين البدل والمبدل (٢).
المناقشة: أن هذا القول يفضي إلى وجود ملكٍ لا مالك له، وهو محال، ويفضي إلى ثبوت الملك للبائع من غير حصول عوضه للمشتري أو يفضي إلى نقل ملكه عن المبيع من غير ثبوته في عوضه، وكون العقد معاوضة يأبى ذلك (٣).
الجواب: عدم التسليم، فالنصيب الموقوف من الميراث للحمل وللمفقود لا مالك له (٤).
الرد: ثبوت الملك في ما ذُكر ليس عن معاوضة، ففارق ما نحن فيه.
دليل القول الثاني: أن البيع مع الخيار عقد قاصر لا يفيد التصرف فأشبه الهبة قبل القبض.
المناقشة: عدم التسليم بالقصور، وجواز الفسخ لا يلزم منه القصور، وامتناع التصرف إنما هو لحق الطرف الثاني، فلا يمنع ثبوت الملك، كالمرهون والمبيع قبل القبض (٥).
دليل القول الثالث: قصْر التصرف على مَن له الخيار، والتصرف دليل الملك (٦)، ولذلك إذا منع من التصرف تبين أن الملك موقوف.
المناقشة: انتقال الملك إنما ينبني على سببه الناقل له، وهو البيع، وذلك لا يختلف بإمضائه وفسخه فإن إمضاءه ليس من المقتضي ولا شرطًا فيه، إذ لو كان كذلك لما ثبت الملك قبله، وقد أثبته المستدل حين كون الخيار لأحدهما، والفسخ ليس بمانع، فإن المنع لا يتقدم المانع كما أن الحكم لا يسبق سببه ولا شرطه (٧).
أدلة القول الرابع:
الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ابتاع نخلًا
стр. 29
بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدًا وله مالٌ فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع» (١).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل الملك في المال للمشتري بمجرد شرطه، فدل على أن المبيع دخل في ملك المشتري بمجرد العقد.
المناقشة: التسليم بأن مجرد العقد يقتضي دخول المبيع في ملك المشتري، وأن الشرط -عند من يصححه- لا يضرُّ في ذلك، ولكن محل الخلاف في بيع فيه خيار الشرط، وهو يفيد وجود مدة بين العقد وإمضائه أو فسخه.
الجواب: إذا انتقل الملك بالعقد مع وجود الشرط فينتقل مع خيار الشرط.
الدليل الثاني: أن البيع مع الخيار سببٌ يثبت الملك عقيبه إذا لم يفسخ، فوجب أن يثبت وإن فسخ، كبيع المعيب (٢).
الدليل الثالث وهو دليل صحة بيع المشتري إذا كان الخيار له دون البائع: أن هذا التصرف دليل الرضا من المشتري، ويلزم منه إمضاء البيع الأول، ولأنه لا حقَّ لغيره فيه، وثبوت الخيار له لا يمنع تصرفه فيه كالمعيب، أما البائع فإن ملك المبيع انتقل عنه، فبيعه تصرف في ملك غيره بغير ولاية شرعية ولا نيابة عرفية، فلم يصح (٣).
الترجيح
الراجح أن ملك المبيع للمشتري وملك الثمن للبائع مدة الخيارين، وعليه فلا يجوز ولا يصح بيع البائع للمبيع فيهما، فإن استأذن المشتري فأذن فهذا فسخ للبيع الأول، بخلاف بيع المبيع إذا كان الخيار له فإن هذا إمضاء للبيع الأول.
أسباب الترجيح:
١. أن الملك أثرٌ لازم للعقد الصحيح، وقد وُجد الملزوم، ووجود الخيار لا ينافيه إنما ينافي استقرار المِلك وتمامه، كوجود العيب في المبيع، فإنه يُثبت للمشتري الخيار، فدل على مِلكه للمبيع.
٢. ولما ذكره أصحاب هذا القول من دليل وتعليل.
والترجيح في هذه المسألة ظني؛ لوجاهة الأقوال الأخرى، والترجيح أيضًا نسبي.
стр. 30
الفرع الثاني: بيع المشتري للمبيع ، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: بيع المشتري المبيعَ بعد قبضه.
صورة المسالة: إذا اشترى شخص سلعة شراءً تامًّا، وقبض السلعة، فهل يحق له أن يبيعها لطرفٍ ثالثٍ؟
الحكم:
لا تردُّد في جواز ذلك، فإن البائع قد انقطعت عُلَقه من المبيع، ومقتضى عقد البيع انتقال السلعة من البائع إلى المشتري وانتقال الثمن من المشتري للبائع، وتمامُ ملك المشتري للسلعة وتمام ملك البائع للثمن (١)، ويلزم منه إطلاق التصرف المباح لهما في ما آل إليهما، ولا يخالف في ذلك أحد، وعموم أدلة جواز البيع تشمله، والاستدلال لمثل هذا بآحاد الأدلة لا حاجة له.
وليس يصح في الأذهان شيءٌ ... إذا احتاج النهار إلى دليل
المسألة الثانية: بيع المشتري المبيع قبل قبضه.
صورة المسألة: إذا اشترى شخص سلعة ولم يقبضها، فهل يجوز له أن يبيعها سواء كان المشتري الجديد هو البائع أو طرفٌ ثالثٌ؟
تحرير محل النزاع:
أجمعوا على تحريم بيع الطعام قبل قبضه (٢)، واختلفوا في بيع المشتري غير الطعام قبل قبضه، وذلك على صورتين:
الصورة الأولى: بيع غير الطعام على بائعه قبل قبضه، وفيه قولان:
القول الأول: أنه لا فرق بين بيع المبيع قبل قبضه لبائعه أو لغيره، فما حرم بيعه لغير البائع حرم للبائع، وعليه فقهاء المذاهب الأربعة (٣).
стр. 31
القول الثاني: جواز ذلك، وهو وجه عند الشافعية (١) ورواية عن أحمد (٢) واختيار أبي العباس ابن تيمية (٣) وابن قيم الجوزية (٤).
وأطلقوا القول بالجواز ولم يخصوه بغير الطعام.
وقبل ذكر الأدلة ما موقف أصحاب القول الثاني من الإجماع المنقول السابق؟
يحتمل أحد أمرين:
الأول: تخصيص جواز بيع المبيع من بائعه بغير الطعام؛ لمحل الإجماع، فجميع من نقل الإجماع من المتقدمين لم يخصّوا المنع بكون البيع لغير البائع.
الثاني: أن محل الإجماع هو بيع الطعام قبل قبضه لغير بائعه؛ لأن علة المنع ألا يربح المشتري في ما لم يضمن، وبيعه على بائعه بمثابة الإقالة، والاحتمال الثاني هو المذكور في كلام أبي العباس ابن تيمية: (... وكذلك نقل غير هؤلاء عن أحمد، وهذه الرواية أكثر في نصوص أحمد، وهي أشبه بأصوله، فإن علته في منع بيع دين السلم كونه مبيعًا فلا يباع قبل القبض، وأحمد في ظاهر مذهبه لا يمنع من البيع قبل القبض مطلقًا، بل له فيه تفصيل وأقوال معروفة، ولذلك فرق بين البيع من البائع وغيره، وكذلك مذهب مالك يجوِّز بيع المسلم فيه إذا كان عوضًا من بائعه بمثل ثمنه وأقل، ولا يجوز بأكثر، ولا يجوز ذلك في الطعام، وقال ابن المنذر: ثبت أن ابن عباس قال: (إذا أسلفت في شيء فحل الأجل، فإن وجدت ما أسلفت فيه، وإلا فخذ عوضا بأنقص منه) وهذا ابن عباس لما روي عن النبي ﷺ : أنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه. قال: ولا أحسب كل شيء إلا بمنزلة الطعام) (٥) ثم قال: (ومالك لم يجوِّز بيع دين السلم إذا كان طعامًا؛ لأنه بيع، وأحمد جوَّز بيعه، وإن كان طعامًا أو مكيلًا أو موزونًا من بائعه، إذا باعه بغير مكيل أو موزون؛ لأن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه هو في الطعام المعين، وأما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء ... فنهيه عن بيع الطعام قبل قبضه يريد به بيعه من غير البائع، فيه نزاع. وذلك أن من علله بتوالي الضمان يطرد النهي، وأما من علل النهي بتمام الاستيفاء وانقطاع علق البائع حتى لا يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى
стр. 32
المشتري قد ربح فيه: فهو يعلل بذلك في الصبرة قبل نقلها، وإن كانت مقبوضة، وهذه العلة منتفية في بيعه من البائع، وأيضًا فبيعه من البائع يشبه الإقالة، وفي أحد قولي العلماء تجوز الإقالة فيه قبل القبض، والإقالة هل هي فسخ أو بيع؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، فإذا قلنا: هي فسخ لم يجز إلا بمثل الثمن، وإذا قلنا: هي بيع ففيه وجهان، ودين السلم تجوز الإقالة فيه بلا نزاع، فعلم أن الأمر في دين السلم أخف منه في بيع الأعيان، حيث كان الأكثرون لا يجوزون بيع المبيع لبائعه قبل التمكن من قبضه، ويجوزون الإقالة في دين السلم، والاعتياض عنه يجوز كما تجوز الإقالة، لكن إنما يكون إقالة إذا أخذ رأس ماله أو مثله، وإن كان مع زيادة، أما إذا باعه بغير ذلك فليس إقالة، بل هو استيفاء في معنى البيع لما لم يقبض، وأحمد جوز بيع دين السلم من المستسلف؛ اتباعًا لابن عباس، وابن عباس يقول: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه. ولا أحسب كل شيء إلا بمنزلة الطعام) فابن عباس لا يجوِّز البيع قبل القبض، وجوز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لم يربح، ولم يفرق ابن عباس بين الطعام وغيره، ولا بين المكيل والموزون وغيرهما؛ لأن البيع هنا من البائع الذي هو عليه، وهو الذي يقبضه من نفسه لنفسه، بل ليس هنا قبض، لكن يسقط عنه ما في ذمته، فلا فائدة في أخذه منه ثم إعادته اليه، وهذا من فقه ابن عباس، ومالك جعل هذا بمنزلة بيع المعين من الأجنبي، فمنع بيع الطعام المسلف فيه من المستلف، وأحمد لم يجعله كبيع الطعام قبل القبض من الأجنبي، كما قال مالك، بل جوزه بغير المكيل والموزون، كما أجازه ابن عباس، وأما بالمكيل والموزون، فكرهه؛ لئلا يشبه بيع المكيل بالمكيل من غير تقابض إذا كان لم توجد حقيقة التقابض من الطرفين) (١).
ولذات العلة أجاز بيع المبيع قبل قبضه توليةً (٢).
стр. 33
الأدلة:
أدلة القول الأول:
أدلة الجمهور بالإضافة للإجماع السابق هي النصوص المانعة من بيع المبيع قبل قبضه، فإنها بعمومها تشمل البيع للبائع، وهي:
الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه»
قال ابن عباس: (وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام) (١) وفي رواية عنه: (ولا أحسب كل شيء إلا مثله) (٢).
الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ابتاع طعامًا فلا يبيعه حتى يقبضه» (٣)
وفي لفظ: «فلا يبعه حتى يستوفيه ويقبضه» (٤).
الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله» (٥).
وعنه ﵁ قال: وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يستوفى (٦).
الدليل الرابع: عن جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «إذا ابتعت طعامًا فلا تبعه حتى تستوفيه» (٧).
أدلة القول الثاني:
استدل من أجاز ذلك بأدلة أبرزها ما تقدم في كلام أبي العباس ابن تيمية، وهي:
стр. 34
الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: (إذا أسلفت في طعام فحلَّ الأجل فلم تجد طعامًا فخذ منه عرضًا بأنقص ولا تربح عليه مرتين) (١)، وعنه -كما سبق- مرفوعًا: «من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه» ثم قال: (ولا أحسب كل شيء إلا مثله).
وجه الدلالة: أنه ﵁ منع بيع المبيع قبل قبضه وأجازه في دين السلم؛ لأنه على بائعه، وليس في ذلك محذورٌ أصلًا؛ لأن علة النهي الربح في ما لم يضمن وتعلُّق البائع بالمبيع الذي لم يقبض، فإنه يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه.
المناقشة: التسليم بكون هذه العلة هي علة الحكم أو جزء العلة، ولكن بعض الأصوليين يقول: إن العلة المستنبطة إذا عادت على أصلها بالتخصيص بطلت (٢)، فإن فائدة تخريج المناط (استنباط العلة) إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق في الحكم، وليس تقييد محل الحكم وإخراج بعض أفراده، وأما أثر ابن عباس فقد خالفه ابن عمر ﵃ فقال: (إذا أسلفت في شيء فلا تأخذ إلا رأس مالك أو الذي أسلفت فيه) (٣)، والإسناد إليهما صحيح، ومعنى أثر ابن عمر ﵄ أنه ليس له إلا إنجاز السلم أو الإقالة منه، أما بيع المسلم فيه قبل قبضه لبائعه بعرض ونحوه فلا.
الدليل الثاني: أن بيع المبيع قبل قبضه من بائعه يشبه الإقالة، والإقالة جائزة في الجملة، أي سواء كان بالثمن الأول أم أكثر.
المناقشة: أن الإقالة فسخ ورجوع للعقد الأول -على ما سيأتي (٤) - والبيع عقد، وقال ابن عبد البر: (ولم يختلف فقهاء الأمصار غير مالكٍ وأصحابه في أن الشركة والتولية في الطعام لا تجوز قبل أن تستوفى) (٥)، فمن جعل الإقالة بيعًا فهو أولى بالمنع لدخوله في عموم أدلة المنع السابقة.
الصورة الثانية: بيع المبيع من غير الطعام على غير بائعه قبل قبضه، والبيع على غير البائع
стр. 35
هو المقصود عند إطلاق بيع المبيع قبل قبضه، وفي المسألة أقوال كثيرة (١)، أشهرها ما يلي:
القول الأول: لا يصح ولا يجوز بيع المبيع قبل قبضه إلا العقار، وهو مذهب الحنفية (٢).
القول الثاني: صحة وجواز بيع المبيع قبل قبضه إلا في الطعام -لأنه محل إجماع في الجملة-، وهو مذهب المالكية (٣)، والأوزاعي في قولٍ (٤)، وأبي ثور وابن المنذر (٥).
القول الثالث: لا يصح ولا يجوز بيع المبيع قبل قبضه مطلقًا، وهو قول ابن عباس (٦) وجابر (٧) ﵃.
стр. 36
والشعبي وعطاء (١) وزفر (٢) والثوري (٣) ومحمد بن الحسن (٤) وابن حبان (٥)، وهو مذهب الشافعية (٦)، ورواية عن أحمد (٧)،
стр. 37
واختارها ابن عقيل (١)، وهو قول ابن حزم (٢) وابن العربي (٣) وابن تيمية (٤) وابن قيم الجوزية (٥).
القول الرابع: لا يجوز ولا يصح بيع المبيع قبل قبضه إذا كان مكيلًا أو موزونًا، وهو قول عثمان ﵁ والنخعي وسعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين، وعطاء في قولٍ، والحكم وحماد ابن أبي سليمان (٦)، والأوزاعي في قولٍ (٧)، وإسحاق (٨)، وهو مذهب الحنابلة، وزادوا المذروع والمعدود (ضابطه عند الحنابلة ما بيع بتقديرٍ: كيل أو وزن أو عدٍّ أو ذرع) (٩).
الأدلة:
دليل القول الأول: استدلوا على المنع في المنقول -غير العقار- بما سبق من أدلة، واستدلوا للجواز في العقار بأن الأصل في ركن البيع إذا صدر عن الأهل في المحل الصحة، والمنع لعارض الغرر، وهو غرر انفساخ العقد بهلاك المعقود عليه، ولا يُتوهم هلاك العقار، فلا يتقرر الغرر، فبقي بيعه على حكم الأصل، وهو الجواز (١٠).
المناقشة: أن المنع لما في ذلك من ربح ما لم يضمن، ومن استياء البائع إذا رأى الربح في سلعته يؤول لغيره (١١)، وهذا موجود في العقار.
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن النصوص والإجماع محلهما الطعام، فدل على أن ما عدا الطعام يجوز بيعه قبل قبضه.
المناقشة:
стр. 38
١. أن هذا من الاستدلال بمفهوم اللقب، وهو ضعيف (١)، أو بالبراءة الأصلية في المسكوت عنه، وقد ذكر المخالف أدلةً ترفع حكم البراءة الأصلية.
٢. أنه إذا نهي عن بيع الطعام قبل قبضه مع كثرة الحاجة إليه وعمومها، فغير الطعام بطريق الأولى، وهذا من مفهوم الموافقة الأولوي، وهو أقوى من مفهوم اللقب (٢).
٣. أن تخصيص الطعام بالذكر في هذه الأحاديث مع وجود الأحاديث العامة من باب ذكر فردٍ من أفراد العام بما يوافق حكم العام، وذلك لا يقتضي التخصيص.
٤. أن ذكر الطعام خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له؛ لأن غالب التجارة حينئذ بالمدينة كانت فيه، فليس المراد تخصيص الحكم به (٣).
الدليل الثاني: القياس على العتق، فقد أجمعوا على أنه لو اشترى مملوكًا فأعتقه قبل أن يقبضه أن ذلك جائز (٤)، وذلك أن السلعة ليست من الطعام فكذلك البيع، ويدل عليه كون الملك للمشتري بمجرد العقد وقبل القبض في غير الطعام.
المناقشة:
١. تشوف الشارع إلى العتق يقتضي ذلك، ولا يوجد مثل هذا المعنى في البيع (٥).
٢. أن الشارع جعل للعتق من القوة والسراية والنفوذ ما لم يجعل لغيره (٦).
٣. أن البيع من المعاوضات التي من شأنها الربح، فيقع بذلك في ربح ما لم يضمن، وفي إضرار البائع الأول، وليس كذلك العتق.
أدلة القول الثالث:
الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ قال: ابتعت زيتًا في السوق فلما استوجبته لقيني رجل فأعطاني به ربحًا حسنًا فأردت أن أضرب على يده فأخذ رجل من خلفي بذراعي فالتفت فإذا زيد بن ثابت فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك فإن رسول الله ﷺ نهى أن تباع
стр. 39
السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (١).
وجه الدلالة: أن السلع تشمل المطعوم والمكيل والموزون والعقار والمنقول وغيرها، وقد نهي عن بيعها بنص الحديث قبل الحيازة.
المناقشة:
١. أن ابن عمر ﵄ ممن روى أحاديث الباب فكيف يخفى عليه الحكم، فلا يخلو إما أنه خاص بالطعام؛ لأن المبيع كان زيتًا لذلك رواه ابن عمر بلفظ الطعام وإما أن الحديث ضعيف.
الجواب: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والسبب هنا سبب الرواية لا سبب الورود، أي سبب إيراد راوي الحديث واستشهاده به لا سبب قول النبي ﷺ له، واللفظ الذي نقله زيد س عام، والصحابي قد ينسى فإذا ذُكِّر تذكّر.
٢. تخصيص «السلع» بالطعام لما في الأحاديث الأخرى، وهي أصح.
الجواب: نفي التعارض الداعي للترجيح بالأصحية، أو للجمع بالتخصيص، فإنه -كما سبق- ذكر فردٍ من أفراد العام بما يوافق حكم العام لا يقتضي التخصيص.
الدليل الثاني: عن حكيم بن حزام ﵄ قال: قلت: يا رسول الله، إني أشتري بيوعًا فما يحل لي منها وما يحرم عليَّ؟ قال: «فإذا اشتريت بيعًا فلا تبعه حتى تقبضه» (٢).
стр. 40
وجه الدلالة: أن (بيعًا) نكرة في سياق النهي فيعم كل بيع.
الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لعتاب بن أسيد: «إني قد بعثتك إلى أهل الله وأهل مكة فانههم أن يبيعوا ما لم يقبضوا» (١).
الدليل الرابع: ما ثبت من النهي عن بيع ما لم يُضمن، وسيأتي ذكره وتخريجه -إن شاء الله- (٢)، وما لم يقبضه المشتري فهو من ضمان البائع (٣)، إلا إذا مكّنه من القبض وفرَّط المشتري في ذلك، وما لم يدخل في ضمان المشتري فليس له أن يربح فيه، والبيع مظنة الربح.
الدليل الخامس: قال ابن عبد البر في "التمهيد": (ومن حجة من ذهب هذا المذهب أن عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله رويا عن النبي ﷺ أنه قال: «من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه» وأفتيا جميعًا ألا يباع بيعٌ حتى يقبض، وقال ابن عباس: (كل شيء عندي مثل الطعام) فدلَّ على أنهما فهما من النبي ﷺ المراد والمعنى) (٤).
المناقشة: أن عثمان ﵁ خالفهما في هذا الفهم.
الجواب: أنه ﵁ لم يرو النهي مرفوعًا، وقول ابن عباس وجابر ﵃ قرينة على صحة فهم العموم، وليس حجةً على غيرهما من الصحابة.
أدلة القول الرابع:
الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ نهى أن يبيع أحدٌ طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه (٥)، وفي رواية: قال قال رسول الله ﷺ : «من اشترى طعامًا بكيل أو وزن فلا يبيعه حتى