стр. 36
← Фикховые вопросы следующие страницы →
Фикховые вопросы · id 420
العقود المضافة إلى مثلها
عبد الله بن طاهر
Полный текст (309 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 37
واختارها ابن عقيل (١)، وهو قول ابن حزم (٢) وابن العربي (٣) وابن تيمية (٤) وابن قيم الجوزية (٥).
القول الرابع: لا يجوز ولا يصح بيع المبيع قبل قبضه إذا كان مكيلًا أو موزونًا، وهو قول عثمان ﵁ والنخعي وسعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين، وعطاء في قولٍ، والحكم وحماد ابن أبي سليمان (٦)، والأوزاعي في قولٍ (٧)، وإسحاق (٨)، وهو مذهب الحنابلة، وزادوا المذروع والمعدود (ضابطه عند الحنابلة ما بيع بتقديرٍ: كيل أو وزن أو عدٍّ أو ذرع) (٩).
الأدلة:
دليل القول الأول: استدلوا على المنع في المنقول -غير العقار- بما سبق من أدلة، واستدلوا للجواز في العقار بأن الأصل في ركن البيع إذا صدر عن الأهل في المحل الصحة، والمنع لعارض الغرر، وهو غرر انفساخ العقد بهلاك المعقود عليه، ولا يُتوهم هلاك العقار، فلا يتقرر الغرر، فبقي بيعه على حكم الأصل، وهو الجواز (١٠).
المناقشة: أن المنع لما في ذلك من ربح ما لم يضمن، ومن استياء البائع إذا رأى الربح في سلعته يؤول لغيره (١١)، وهذا موجود في العقار.
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن النصوص والإجماع محلهما الطعام، فدل على أن ما عدا الطعام يجوز بيعه قبل قبضه.
المناقشة:
стр. 38
١. أن هذا من الاستدلال بمفهوم اللقب، وهو ضعيف (١)، أو بالبراءة الأصلية في المسكوت عنه، وقد ذكر المخالف أدلةً ترفع حكم البراءة الأصلية.
٢. أنه إذا نهي عن بيع الطعام قبل قبضه مع كثرة الحاجة إليه وعمومها، فغير الطعام بطريق الأولى، وهذا من مفهوم الموافقة الأولوي، وهو أقوى من مفهوم اللقب (٢).
٣. أن تخصيص الطعام بالذكر في هذه الأحاديث مع وجود الأحاديث العامة من باب ذكر فردٍ من أفراد العام بما يوافق حكم العام، وذلك لا يقتضي التخصيص.
٤. أن ذكر الطعام خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له؛ لأن غالب التجارة حينئذ بالمدينة كانت فيه، فليس المراد تخصيص الحكم به (٣).
الدليل الثاني: القياس على العتق، فقد أجمعوا على أنه لو اشترى مملوكًا فأعتقه قبل أن يقبضه أن ذلك جائز (٤)، وذلك أن السلعة ليست من الطعام فكذلك البيع، ويدل عليه كون الملك للمشتري بمجرد العقد وقبل القبض في غير الطعام.
المناقشة:
١. تشوف الشارع إلى العتق يقتضي ذلك، ولا يوجد مثل هذا المعنى في البيع (٥).
٢. أن الشارع جعل للعتق من القوة والسراية والنفوذ ما لم يجعل لغيره (٦).
٣. أن البيع من المعاوضات التي من شأنها الربح، فيقع بذلك في ربح ما لم يضمن، وفي إضرار البائع الأول، وليس كذلك العتق.
أدلة القول الثالث:
الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ قال: ابتعت زيتًا في السوق فلما استوجبته لقيني رجل فأعطاني به ربحًا حسنًا فأردت أن أضرب على يده فأخذ رجل من خلفي بذراعي فالتفت فإذا زيد بن ثابت فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك فإن رسول الله ﷺ نهى أن تباع
стр. 39
السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (١).
وجه الدلالة: أن السلع تشمل المطعوم والمكيل والموزون والعقار والمنقول وغيرها، وقد نهي عن بيعها بنص الحديث قبل الحيازة.
المناقشة:
١. أن ابن عمر ﵄ ممن روى أحاديث الباب فكيف يخفى عليه الحكم، فلا يخلو إما أنه خاص بالطعام؛ لأن المبيع كان زيتًا لذلك رواه ابن عمر بلفظ الطعام وإما أن الحديث ضعيف.
الجواب: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والسبب هنا سبب الرواية لا سبب الورود، أي سبب إيراد راوي الحديث واستشهاده به لا سبب قول النبي ﷺ له، واللفظ الذي نقله زيد س عام، والصحابي قد ينسى فإذا ذُكِّر تذكّر.
٢. تخصيص «السلع» بالطعام لما في الأحاديث الأخرى، وهي أصح.
الجواب: نفي التعارض الداعي للترجيح بالأصحية، أو للجمع بالتخصيص، فإنه -كما سبق- ذكر فردٍ من أفراد العام بما يوافق حكم العام لا يقتضي التخصيص.
الدليل الثاني: عن حكيم بن حزام ﵄ قال: قلت: يا رسول الله، إني أشتري بيوعًا فما يحل لي منها وما يحرم عليَّ؟ قال: «فإذا اشتريت بيعًا فلا تبعه حتى تقبضه» (٢).
стр. 40
وجه الدلالة: أن (بيعًا) نكرة في سياق النهي فيعم كل بيع.
الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لعتاب بن أسيد: «إني قد بعثتك إلى أهل الله وأهل مكة فانههم أن يبيعوا ما لم يقبضوا» (١).
الدليل الرابع: ما ثبت من النهي عن بيع ما لم يُضمن، وسيأتي ذكره وتخريجه -إن شاء الله- (٢)، وما لم يقبضه المشتري فهو من ضمان البائع (٣)، إلا إذا مكّنه من القبض وفرَّط المشتري في ذلك، وما لم يدخل في ضمان المشتري فليس له أن يربح فيه، والبيع مظنة الربح.
الدليل الخامس: قال ابن عبد البر في "التمهيد": (ومن حجة من ذهب هذا المذهب أن عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله رويا عن النبي ﷺ أنه قال: «من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه» وأفتيا جميعًا ألا يباع بيعٌ حتى يقبض، وقال ابن عباس: (كل شيء عندي مثل الطعام) فدلَّ على أنهما فهما من النبي ﷺ المراد والمعنى) (٤).
المناقشة: أن عثمان ﵁ خالفهما في هذا الفهم.
الجواب: أنه ﵁ لم يرو النهي مرفوعًا، وقول ابن عباس وجابر ﵃ قرينة على صحة فهم العموم، وليس حجةً على غيرهما من الصحابة.
أدلة القول الرابع:
الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ نهى أن يبيع أحدٌ طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه (٥)، وفي رواية: قال قال رسول الله ﷺ : «من اشترى طعامًا بكيل أو وزن فلا يبيعه حتى
стр. 41
يقبضه» (١).
وجه الدلالة: أن مفهوم الحديث أن من ابتاع الطعام بغير الكيل أو الوزن فإنه لا يشترط قبضه.
المناقشة: أننا نقول بهذا الحديث وبما استدللنا به من أدلة، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، مع كون أحاديث المنع المطلق من هذا القيد أصح من هذا الحديث وأكثر، وهذه الزيادة يمكن حملها على الغالب والمعتاد، فلا يكون إعمال مفهوم المخالفة فيها صحيحًا، بدليل فهم ابن عباس وجابر ﵃ وأغلب التابعين والفقهاء.
الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄ قال: (ما أدركت الصفقة حيًّا مجموعًا فهو من مال المبتاع) (٢).
وجه الدلالة: أن معنى الأثر أن ما وقع عليه العقد وهو لم يتغير عن حالته فهو من ضمان المشتري، وعليه فتملُّكه له حصل قبل قبضه، فجاز له بيعه.
المناقشة:
١. أن هذا يدل على عدم اشتراط القبض مطلقًا، والمستدل يشترطه في المكيل والموزون.
٢. أن دخول المبيع في ملك المشتري لا يلزم منه جواز بيعه له قبل القبض؛ لذا سبق ذكر الإجماع على جواز عتق المملوك المشترى قبل قبضه.
٣. أنه لو تلف لكان من ضمان البائع عند المستدل (٣)، وهذا ترك لظاهر الأثر مع الاستدلال به في غير محله.
كما أنه لا ملازمة بين جواز التصرف والضمان (٤).
الدليل الثالث: أن النبي ﷺ اشترى من جابر ﵁ جمله ووهبه له قبل القبض (٥).
стр. 42
وجه الدلالة: أن الجمل ليس موزونًا ولا مكيلًا؛ لذا جاز التصرف فيه قبل القبض.
المناقشة:
١. عدم التسليم بأن هذا التصرف كان قبل القبض، فقد استلم جابر الثمن وقال: (فانطلقتُ حتى ولَّيتُ) وفي رواية: (فجعل -يعني النبي ﷺ يطيف بالجمل ويقول: «الجمل جملنا») ثم وفاه الثمن (١).
٢. أن النبي ﷺ لم يبع ما اشتراه بل وهبه، وإنما النهي عن بيع ما لم يقبض.
الترجيح
الراجح أنه لا يصح ولا يجوز بيع المبيع قبل قبضه مطلقًا.
أسباب الترجيح:
١ - ما تقدم من أدلة ومناقشات.
٢ - أن حديث ابن عمر مع زيد ﵃ يتقوى بحديث حكيم بن حزام ﵁ وبعموم النهي عن ربح ما لم يضمن، فيترجح الأخذ بدلالتهما.
٣ - أن إعمال كل الأدلة أولى من إهمال بعضها، وبهذا القول يتحقق ذلك.
٤ - أن الخروج من الخلاف في هذه المسألة يحصل بهذا القول، وهو من الخلاف المعتبر، فالبائع بعد القبض مسلَّم بصحة بيعه، والبائع بعد القبض معرَّض بيعه للبطلان على قول، ولا أحد يوجب عليه البيع قبل القبض ولا يستحبه.
تنبيهات:
الأول: المرجع في تحديد القبض إلى العرف، فقبض كل شيء بحسبه عند الجمهور (٢)، وعند أبي حنيفة بالتخلية (٣).
стр. 43
فعلى القول الأول -وهو قول الجمهور- فالقيد المصرفي قبض للمبلغ المقيَّد، وقبض السلع البحرية بقبض بوليصة الشحن، وقبض الأسهم بدخولها في المحفظة، وقبض المعادن الدَّولية بقبض شهادات التعيين، وقبض السيارة إما أن يكون قبضًا تامًّا حقيقيًّا بإخرجها من مكانها إلى حوزة المشتري، وإما أن يكون قبضًا حكميًا بأحد هذه الأمور:
١: قبض استمارتها أو قبض عقد بيعها أو نقل ملكيتها، ولو بقيت في مكانها.
٢: استلام البطاقة الجمركية الأصلية.
٣: التعيين التام بإرسال مندوب أو نحوه من طرف المشتري مع امتناع المالك الأول بعد التعيين من التصرف فيها ولو كانت بحوزته حسًّا.
الثاني: الشراء والبيع الموازي للعملات: إجراء عمليات مؤقتة بين عملتين في السوق الحاضرة أو إجراء عمليات متزامنة في الوقت نفسه في السوق الآجلة لبيع العملة التي سبق شراؤها بسعر يتفق عليه حاضرا، أو شراء العملة التي سبق بيعها في السوق الحاضرة مع تحديد السعر للعملة العاجلة وفقا للسعر النقدي السائد، وللآجلة وفقا لسعر الفائدة بين العملتين، وهو غير جائز؛ لأنه لا يخلو من أمور: عدم التقابض بين العملتين، وهو شرط في صحة بيع وشراء العملات؛ لاتفاقها في علة الربا، أو المواعدة الملزمة بين طرفي عقد الصرف (١).
الثالث: بيع المشتري المبيع بثمن حالٍّ، وقد كان اشتراه بثمن مؤجل: يأتي في مبحث مستقل -بإذن الله-، وهو تورق المتورق (٢).
стр. 44
المبحث الثاني: الإجارة على الإجارة ، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الإجارة وحكمها .
تعريف الإجارة
الإجارة لغة: من أجر أجرًا وآجر، والاسم الإجارة والإيجار والمؤاجرة، والأجر هو الجزاء على العمل (١).
تعريف الإجارة اصطلاحًا:
١ - عند الحنفية: عقد على المنافع بعوض (٢).
٢ - عند المالكية: بيع المنافع (٣)، وقال ابن عرفة: بيع منفعة ما أمكن نقله غير سفينة ولا حيوان لا يعقل بعوض غير ناشئ عنها بعضه يتبعض بتبعيضها (٤).
٣ - عند الشافعية: تمليك منفعة بعوض بشروط (٥).
٤ - عند الحنابلة: عقد على منفعة مباحة معلومة من عين معينة أو موصوفة في الذمة مدة معلومة أو عملٍ معلوم بعوض معلوم (٦).
وهذه تعاريف -من حيث حقيقتُها، بغض النظر عما ذكر فيها من شروط- متقاربة مبنية على أن الإجارة عقد على المنافع فقط.
٥ - التعريف الراجح: عقد على كل ما يحدث ويتجدد مع بقاء العين، سواءً كان عينًا أو منفعة مباحة معلومة من عين معينة أو موصوفة في الذمة -مع تأقيت معلوم- أو عملٍ بعوض معلوم (٧).
حكم الإجارة
الإجارة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله : ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ
стр. 45
فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الطلاق: (٦)، وقوله : ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ القصص: (٢٦)، وأما السنة فأحاديث عديدة من أصرحها ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: قال الله : «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة -ذكر منهم-: رجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يوفه أجره» (١)، وأجمع المسلمون على جوازها في الجملة، واعتراض عبد الرحمن بن الأصم المعتزلي وغلامه إبراهيم بن عُلية الجهمي لا أثر له في الخلاف؛ لأنه غير معتدٍ بهما، وكذلك القاساني الظاهري؛ لأنه وإياهم مسبوقون بإجماع مُنعقد (٢).
المطلب الثاني: حكم إجارة المؤجِر العين المؤجرة وإجارة الأجير من يقوم بالعمل المطلوب منه في عقد الإجارة ، وفيه فرعان:
الفرع الأول: إجارة المؤجِر العين المؤجَرة .
صورة المسألة: إذا أجر إنسان عينًا من الأعيان كعقارٍ فهل يجوز له أن يؤجرها لغير المستأجر الأول في نفس مدة الإجارة، سواءٌ مضى من مدة الإجارة الأولى زمنٌ أو لم يمضِ، وسواءٌ قصد المستأجر الثاني الانتفاع أم استيفاء الأجرة من الأول؟
الحكم:
أولًا: الحكم التكليفي:
فيه قولان:
القول الأول: لا يجوز ذلك، وهو مذهب الحنابلة (٣)، حيث نصوا على أن المنفعة تنتقل للمستأجر بالإجارة ولا يملك المؤجر التصرف فيها (٤).
стр. 46
القول الثاني: يجوز، ويقوم المستأجر الثاني مقام المالك في استيفاء الأجرة من المستأجر الأول، وهو اختيار أبي العباس ابن تيمية (١)، وحقيقته بيع الدين على غير من هو عليه.
ثانيًا: الحكم الوضعي:
فيه قولان:
القول الأول: أن الإجارة الثانية تكون موقوفة على إجازة المستأجر الأول، فإن أجازها جازت وإن أبطلها بطلت، وهو مذهب الحنفية (٢) وقول الشافعي في القديم (٣).
القول الثاني: إذا أجر المؤجر العين لغير المستأجر الأول ففيه حالتان:
الأولى: إن أجرها قبل تسليم العين للمستأجر الأول: فتنفسخ الإجارة الأولى (٤).
الثانية: إن أجرها بعد تسليم العين للمستأجر الأول: ففيه احتمالان عند الحنابلة:
الأول: لم تنفسخ الإجارة، وعلى المستأجر جميع الأجرة، فإذا منعه بالعقد الثاني من الانتفاع فله على المالك أجرة المثل في المدة التي يؤجرها لغيره، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٥).
الثاني: تنفسخ الإجارة في المدة التي عقد عليها المؤجر مع غير المستأجر (٦).
الأدلة:
أدلة القول الأول في الحكم التكليفي:
الدليل الأول: أن المستأجر يملك المنافع بالعقد، كما يملك المشتري المبيع بالبيع، ويزول مِلك المؤجر عنها، كما يزول مِلك البائع عن المبيع، فلا يجوز له التصرف فيها؛ لأنها صارت مملوكة لغيره، كما لا يملك البائع التصرف في المبيع (٧).
стр. 47
الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لا يبيع بعضكم على بيع بعض» (١).
وجه الدلالة: أن الإجارة نوعٌ من البيع عند جمهور العلماء خلافًا لابن حزم (٢)، فلا يجوز لمن أجر عينًا أن يؤجرها لغيره؛ لأن المعنى الذي من أجله نهي عن البيع على بيع أخيه في الأعيان موجود في البيع على بيع أخيه في المنافع.
الدليل الثالث: أن المشغول لا يشغل (٣)، وهذه العين مشغولة بالعقد الأول مع المستأجر الأول فلا يجوز شغلها في نفس المدة بما ينافي ما هي مشغولة به، ومن ذلك إعادة إجارتها.
الدليل الرابع: أن المستأجر الثاني لا يقصد العين ولا منفعتها؛ لأنها تحت يد غيره إن كانت مقبوضة، فلم يبق إلا قصد الأجرة، وهي دين في ذمة المستأجر الأول، وهذا من ربا النسيئة، ومع تفاوت الأجرتين يكون ربا فضل ونسيئة.
المناقشة: أن هذا من بيع الدين على غير من هو عليه، وليس من الربا، وأيضًا هو لن يأخذ ممن دفع له حتى يكون من الربا، بل هو بالحوالة أشبه.
الجواب: بيع ما في ذمة غيره بيعٌ لما لا يملك، والربح فيه ربحٌ لما لم يضمن.
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أنه تصرف من المؤجر في ما استحقه على المستأجر، وهو الأجرة، قال أبو العباس ابن تيمية: (وغلط بعض الفقهاء فأفتى في نحو ذلك بفساد الإجارة الثانية ظنًا منه أن هذا كبيع المبيع، وأنه تصرفٌ في ما لا يملك، وليس كذلك بل هو تصرف في ما استحقه على المستأجر) (٤).
الدليل الثاني: قياسه على جواز تصرفه في العين بالبيع، بجامع التصرف الناقل للملك في كلٍّ من البيع والإجارة.
المناقشة:
أولًا: أن الأصل محل خلاف، فمحمد بن الحسن يمنع صحة البيع للعين المؤجرة في
стр. 48
قول (١).
ثانيًا: أن البيع وارد على العين والإجارة على المنفعة، والمنفعة مملوكة للمستأجر الأول.
الدليل الثالث: أنه تصرف لا يمنع حق المستأجر ولا يعود عليه بالضرر وفيه منفعة للمالك وللمستأجر الثاني، فجاز.
المناقشة:
أولًا: عدم التسليم بأنه لا يمنع حق المستأجر، فلو أراد المستأجر الثاني السكنى في العقار أو ركوب واستعمال السيارة المؤجرة لترتب عليه منع أحد المالكَين من استيفاء ملكه.
ثانيًا: أن المؤجر لا يخلو إما أن يكون مالكًا للمنفعة بعد إجارتها أو غير مالك، فإن كان مالكًا فما معنى عقد الإجارة مع المستأجر الأول وما أثره؟! وإلم يكن مالكًا فكيف يؤجر ما لا يملك، والإجارة بيع للمنافع، وقد قال ﷺ : «لا تبع ما ليس عندك» (٢).
أدلة الحكم الوضعي:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن عروة البارقي ﵁ أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه (٣).
وجه الدلالة: إقرار النبي ﷺ لعروة في تصرفه الذي لم ينشأ عن إذنٍ في شراء شاتين وفي بيع إحداهما، فإذا جاز اعتبار الإجازة في بيع الأعيان فكذلك في بيع المنافع، قال أبو العباس ابن تيمية: (وهذا -أي وقف العقود على الإجازة- في النكاح والبيع والإجارة وغير ذلك) ثم قال: (والقول بوقف العقود عند الحاجة متفق عليه بين الصحابة ... مع أن القول بوقف العقود مطلقًا هو الأظهر في الحجة، وهو قول الجمهور، وليس ذلك إضرارًا أصلًا) (٤).
стр. 49
المناقشة: التسليم بصحة تصرف الفضولي لكن هذا ليس منه؛ لأن الفضولي يتصرف لصالح المالك، كمن يبيع سيارة شخص بغير إذنه ليكون الثمن للمالك، وهنا المؤجر تصرف لصالح نفسه في ما لا يملك، وليس لصالح المالك (المستأجر الأول).
الدليل الثاني: أنه لا ضرر على المستأجر الأول مع تخييره في إمضاء الإجارة أو فسخها.
أدلة القول الثاني:
أولًا: دليل انفساخ الإجارة وفساد العقد الأول إذا أجرها المؤجر قبل تسليم العين: أن العاقد (المؤجر) قد أتلف المعقود عليه (المنافع) قبل تسليمه فانفسخ العقد، كما لو باع طعامًا فأتلفه قبل تسليمه (١).
المناقشة: عدم التسليم بأن الإجارة إتلاف للمنافع، والإجارة عقد لازم لا يشترط له القبض.
ثانيًا: دليل عدم انفساخ الإجارة وفساد العقد الثاني إذا أجرها بعد تسليم العين: أن المؤجر تصرف في ما ملكه المستأجر بغير إذنه، فأشبه ما لو تصرف في المبيع بعد قبض المشتري له، وقبض العين يقوم مقام قبض المنافع (٢).
المناقشة: عدم التسليم بحكم الأصل، فإذا باع إنسانٌ ملك غيره فإنه يكون موقوفًا على إجازة المالك ولا يبطل البيع؛ لما أبداه أصحاب القول الآخر من أدلة.
ثالثًا: دليل انفساخ الإجارة وفساد العقد الأول إذا أجرها بعد تسليم العين: أن المستأجر لم يقبض المنافع بعد، فأشبه التصرف في العين المباعة قبل قبضها أو تلف المكيل قبل تسليمه.
المناقشة: أن المنافع تحدث شيئًا فشيئًا وقبض العين بمثابة القبض الحكمي للمنافع المتجددة.
منشأ الخلاف في الحكم التكليفي:
يرجع الخلاف في هذه المسألة لحكم بيع الدين على غير من هو عليه بثمن حال أو مؤجل، فجمهور العلماء على تحريمه مطلقًا (٣)، وذهب المالكية (٤) والشافعية في الأصح عندهم (٥)
стр. 50
وابن تيمية (١) إلى جوازه إذا كان الثمن حالًّا.
الترجيح
الراجح أن إجارة المؤجر غير جائزة وباطلة.
سبب الترجيح: ما ذكر من الأدلة على المنع وعلى البطلان.
الفرع الثاني: إجارة الأجير من يقوم بالعمل المطلوب منه في عقد الإجارة .
صورة المسألة: إذا استأجر إنسانٌ أجيرًا ليقوم له بعملٍ معيَّنٍ -وهو الأجير المشترك- فهل للأجير أن يستأجر غيره ليقوم عنه بهذا العمل أو لا؟
الحكم:
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول: جواز ذلك، إلا إذا شُرط عليه أن يعمل بنفسه فلا يجوز، فإن أطلق فله أن يستأجر من يعمل عنه، وهو مذهب الحنفية (٢) والحنابلة (٣) وابن حزم (٤).
القول الثاني: ليس له ذلك إلا إذا شَرَطَ هو ذلك أو جرى به العرف، وهذا تخريجٌ على قول المالكية: (لا يجوز للراعي أن يأتي براع بدله حيث كان معينًا) فإنه لا يأتي براع بدله ولو كان أجيرًا له (٥).
القول الثالث: إن كانت الإجارة على عملٍ معينٍ-مثل أن يستأجر رجلًا ليخيط له ثوبًا- فيلزمه أن يعمل بنفسه، وإن كانت الإجارة على عملٍ في الذمة-مثل أن يستأجر رجلًا ليحصِّل له خياطة ثوب- فله أن يستأجر غيره، وهو مذهب الشافعية (٦).
الأدلة: أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن الأصل الجواز، ولم يقم دليل من نص أو إجماع أو معنى صحيح يمنع مِن إجارة الأجير مَن يقوم بعمله.
الدليل الثاني: القياس على جواز الوكالة في سائر ما تدخله النيابة من العبادات والعقود
стр. 51
وغيرها.
الدليل الثالث: عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا» (١).
وجه الدلالة: أن الأصل في العقود والشروط الجواز، وإجارة الأجير غيرَه جائزة ما لم يوجد شرط يخالفها.
الدليل الرابع: أنه إذا شرط أن يعمل بنفسه لم يرضَ إلا بعمله، وإذا لم يشرط ذلك جاز؛ لأن العادة قد جرت أن الصناع يعملون بأنفسهم وبأجرائهم (٢).
الدليل الخامس: أنه إذا شرط أن يعمل بنفسه صار المعقود عليه العمل في محل بعينه فيستحق عينه كالمنفعة في محل بعينه، وإذا لم يشرط صار المستحق العمل، ويمكن إيفاؤه بنفسه وبالاستعانة بغيره، فهو بمنزلة إيفاء الدين (٣).
دليل القول الثاني:
يمكن الاستدلال لهم على جواز إجارة من يقوم مقامه في حال الشرط بما استدل به أصحاب القول الأول، وعلى جوازه في حالة دلالة العرف بعموم أدلة إعمال العرف، كقوله
стр. 52
: ﷺ (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) (١) وهو الدليل الثاني للقول الأول، ويستدل لهم على المنع فيما عدا ذلك بأن المستأجر الأول إنما تعامل مع هذا العامل أو الصانع لا مع أجيره.
المناقشة: إذا عُلم من دلالة الحال أن مقصود المستأجر العمل لا العامل، كما لو كانت الإجارة على عمل في الذمة أو دل العرف على أن العامل يؤاجر غيره فلا معنى لقولنا: (تعامل مع هذا العامل)؛ لأنه لم يقصده لذاته، ولعدم الدليل السليم على المنع من ذلك، وقياسًا على حالة وجود العرف أو الشرط.
دليل القول الثالث:
يُمكن أن يستدل لهم على المنع إذا كانت الإجارة على عملٍ معينٍ بما استدل به أصحاب القول الأول أن المعقود عليه حينئذٍ العمل في محل بعينه فيستحق عينه كالمنفعة في محل بعينه، أما إذا كانت الإجارة على عمل في الذمة فاستدلوا على جوازه بأن معنى ذلك في التحقيق: استحققت عليك هذا العمل، فقد طلب أن يوقع المخاطب عملًا في عينٍ له إما بنفسه وإما بغيره (٢).
المناقشة:
أولًا: كل إجارة لا تكون على منفعة عينٍ فهي إجارة على عمل في الذمة، وجائز في هذه الحالة عندكم أن يؤجر الأجيرُ غيرَه.
ثانيًا: إذا كانت الإجارة على عملٍ معينٍ فلا نُسلِّم قياسه على إجارة العين، لأن المستأجر قد لا يكون له قصدٌ في تخصيص عامل العمل المعيَّن، بل مقصوده حصول العمل، فيكون كالإجارة على عملٍ في الذمة.
الترجيح
الراجح جواز إجارة الأجير من يقوم بالعمل المطلوب منه في عقد الإجارة إلا إذا شُرِط خلاف ذلك أو دل العرف أو القرينة على خلاف ذلك، كالنسخ، فإن الخطوط تختلف فليس له أن يؤاجر غيره إلا بإذن المستأجر، وهذا قول الجمهور، فإنّ من لم يذكر حالة الشرط أو قيام دلالة العرف في المسألة نصًا يوافق عليها حكمًا (٣).
стр. 53
سبب الترجيح:
١. أن الأصل في العقود الجواز والصحة.
٢. عدم ثبوت ما يقتضي المنع من نص أو إجماع أو معنى صحيح.
٣. مراعاة أدلة اعتبار الشروط الصحيحة في العقود وأدلة اعتبار العرف.
٤. ما ذُكر من الأدلة الأخرى.
تنبيه:
الأجير الخاص، وهو الذي يؤجر نفسه مدة معلومة، يستحق المستأجر فيها نفعه، ليس له أن يستأجر غيره (١).
المطلب الثالث: حكم إجارة المستأجر العين المؤجرة ، وفيه ثلاثة أفرع:
الفرع الأول: إجارتها لغير المؤجر ، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: إجارتها بمثل أجرتها أو أقل.
صورة المسألة: إذا استأجر إنسانٌ بيتًا-مثلًا- لمدة سنة فهل يحق له أن يؤجرها لغيره مدة سنة أو أقل بنفس قدر الأجرة الأولى أو أقل من ذلك؟ فقد يتبين له أن البيت لا يناسبه وأن المؤجر لا يقيله فلا يملك إلا أن يؤجرها ولو بأقل من أجرتها.
الحكم:
في هذه المسألة قولان:
القول الأول: جواز ذلك وصحته، وهو مذهب العلماء كافةً، ومنهم فقهاء المذاهب الأربعة (٢).
القول الثاني: لا يجوز للمستأجر إجارة العين مطلقًا، وهو رواية عن أحمد، ذكرها القاضي أبو يعلى (٣).
стр. 54
الأدلة:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: قال أبو العباس ابن تيمية: (يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره بمثل الأجرة بلا نزاع) (١)، فإما أن هذا الاتفاق المستفاد من قوله: (بلا نزاع) يعني به الصحابة والتابعين أو أن الرواية عن أحمد المخالفة لهذا القول لم تثبت عنه أو هي مجرد تخريج، وليست برواية.
الدليل الثاني: أن المنفعة مملوكة للمستأجر بالإجارة فله أن يتصرف فيها بما شاء كالعين المبيعة المقبوضة، ويكفي أن يقبض الأصل الذي تطرأ منه المنفعة (٢).
الدليل الثالث: أن المؤجر ملك الأجرة بعقد الإجارة وجاز له أن يتصرف فيها كيف شاء، فكذلك المستأجر يملك العوض المقابل بالعقد نفسه، ويستفيد جواز التصرف وإطلاقه.
الدليل الرابع: أن قبض العين قام مقام قبض المنافع، بدليل جواز التصرف فيها بسكنى الدار-مثلًا-، فجاز العقد عليها (٣).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة وعن بيع وسلف وعن ربح ما لم يُضمن وعن بيع ما ليس عندك (٤).
وجه الدلالة: أنه ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن، والمنافع لم تدخل في ضمان المستأجر.
المناقشة:
أولًا: يجاب بالمنع، فالمنافع دخلت في ضمانه بقبضه للعين، فلو تلفت المنافع تلفت من ضمانه، والنبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن، وهذا قد ضمنه فله ربحه.
ثانيًا: أن إجارتها بمثل أجرتها أو أقل ليس فيه ربح أصلًا.
стр. 55
الدليل الثاني: أنه بيع لما لم يدخل في ضمانه فلم يجز؛ قياسًا على بيع المكيل والموزون قبل قبضه (١).
المناقشة:
أولًا: أنه لا محظور في بيع المكيل والموزون قبل قبضه توليةً؛ لأنه لن يربح فيه، كما ذكر أبو العباس ابن تيميّة (٢).
ثانيًا: عدم التسليم بأنه لم يدخل في ضمانه؛ لأنه بقبض العين أو التمكن من قبضها يكون قابضًا للمنفعة، وإن تلفت تلفت في ضمانه.
الترجيح
الراجح جواز إجارة المستأجر للعين المؤجرة بمثل أجرتها أو أقل.
سبب الترجيح:
١. ما سبق من أدلة هذا القول، ويتقوّى بالقياس على المبيع وعلى الأجرة.
٢. أن أدلة القول الثاني ليست متوافقة مع صورة المسألة، وفي بعضها ضعف ظاهر.
٣. أن هذا القول أطبق عليه العلماء، حتى قيل فيه: (بلا نزاع)، وهو المعتمد عند الحنابلة خلافًا للرواية التي حكاها القاضي.
٤. أن هذا القول متأيد بموافقة الأصل في المعاملات، ولا يوجد دليل يقوى على نقله.
стр. 56
تنبيه:
للقول بالجواز في هذه المسألة وجميع مسائل هذا المبحث القادمة شروط، وهي:
الشرط الأول: قبض المستأجر للعين المؤجرة إذا كانت الإجارة لغير المؤجر (١).
وقد اشترطه الحنفية (٢) والشافعية (٣)، وهو وجه عند الحنابلة (٤)، خلافًا للمالكية (٥) والحنابلة (٦)، وهو قول للحنفية (٧) وبعض الشافعية (٨).
الشرط الثاني: أن يكون المستأجر الثاني أمينًا.
ذكره المالكية (٩) والشافعية (١٠).
الشرط الثالث: أن يكون المستأجر الثاني مثله أو دونه في الانتفاع والضرر، فلا يستأجر الأول بيتًا للسكنى ويؤجره لمن يتخذه مصنعًا، وقد يكون الثاني أمينًا ولكن يخالف جهلًا.
وهو شرط متفق عليه (١١).
الشرط الرابع: عدم اشتراط المؤجر على المستأجر أن يستوفي المنفعة بنفسه.
فإن اشترط المؤجر ذلك فعند الحنفية تفصيل: إن كان الشيء مما يتفاوت الناس في استعماله كالركوب واللبس صح الشرط، وإلم يكن كالدخول للعقار واللبث فيه لم يصح الشرط (١٢)، وفي وجه عند الشافعية يصحَّ الشرط وتجوز الإجارة، وفي وجه يبطل الشرط وتصح الإجارة،
стр. 57
وفي وجه يبطل الشرط والإجارة (١)، ونصَّ الحنابلة على بطلان الشرط لمنافاته مقتضى العقد (٢)، ونصَّ ابن حزم على صحة الشرط والعقد (٣)، وهو قولٌ للحنابلة (٤)، وقال أبو العباس ابن تيمية: (قياس المذهب فيما أراه أنها شروط صحيحة) (٥).
المسألة الثانية: إجارتها بأزيد من أجرتها.
صورة المسألة: إذا استأجر إنسان سيارة -مثلًا- بـ ١٠٠ يوميًا فهل يجوز له أن يؤجرها لغيره بـ ١٢٠ يوميًا؟
الحكم:
في هذه المسألة أقوال (٦):
القول الأول: يجوز للمستأجر إجارة العين لغير المؤجِر بأكثر من أجرتها، وهو قول عروة بن الزبير (٧) وطاوس (٨) وسليمان بن يسار (٩) والحسن (١٠) ومكحول (١١) وعطاء (١٢) والحكم (١٣)، والزهري (١٤)
стр. 58
وأبي ثور (١) وابن المنذر (٢) وابن حزم (٣) وابن عبد البر (٤) وابن تيمية (٥) وابن قيم الجوزية (٦).
ومن الأئمة الأربعة: مالك (٧) والشافعي (٨) وأحمد (٩)، وهو المذهب عند أتباعهم (١٠).
القول الثاني: يكره للمستأجر إجارة العين لغير المؤجر بأكثر من أجرتها.
وهو قول عبد الله بن عمر ﵄ (١١) ومسروق (١٢) وهشام بن هبيرة القاضي (١٣) وشريح (١٤) وسعيد بن المسيب (١٥) وأبي سلمة بن عبد الرحمن (١٦)
стр. 59
والنخعي (١) والشعبي (٢) ومجاهد (٣) وابن سيرين (٤) وميمون بن مهران (٥) ومحمد بن علي الباقر (٦) وحماد بن أبي سليمان (٧) وإياس بن معاوية (٨) والأوزاعي (٩).
القول الثالث: يحرم ذلك، وهو قول عكرمة (١٠) وشهر بن حوشب (١١) ورواية عن أحمد (١٢).
القول الرابع: إن أحدث المستأجر في العين زيادةً جاز أن يؤجرها بزيادة، وإلاّ لم تجز الزيادة.
وهو القول الثاني لكلٍّ من: هشام بن هبيرة (١٣) والنخعي (١٤) والشعبي (١٥) ومجاهد (١٦) والحكم (١٧) وهو قول الثوري (١٨) وأبي حنيفة (١٩) ورواية عن أحمد (٢٠)، والمذهب عند الحنفية إذا أحدث فيها شيئًا أو أجر معها شيئًا مما يجوز له إجارته طاب له أخذ الزيادة وإلا فلا، وزاد
стр. 60
بعضهم: أو أجرها بغير جنس الأجرة الأولى (١).
بيان هذا القول: إحداث الزيادة مثل أن يبني في الدار ما يزيد أجرتها أو يصقل السيف أو يحبك -أي يجلد- الكتاب، وإجارتها بغير جنس الأجرة الأولى مثل أن يستأجر سيارة بريالات فيقوم بإجارتها بدينارات، وأن يؤجر معها ما يجوز له إجارته مثل أن يستأجر ثوبًا فيؤجره مع عمامةٍ من عنده، ففي هذه الحالات يجوز أن يأخذ الزيادة وإلا فلا تطيب له.
القول الخامس: إذا أذن له المالك في الزيادة جاز وإلا فلا، وهو رواية عن الإمام أحمد (٢).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن الأصل الجواز ولم يأت عن النبي ﷺ نهيٌ عن ذلك (٣).
الدليل الثاني: أن المستأجر قد ملك بالعقد منافع الأصل الذي استأجره، فله التصرف فيه كيف شاء، قياسًا على مِلك المؤجر للأجرة (٤).
المناقشة: أن ملك المستأجر أضعف من ملك المؤجر، فالأول ملكه ناقص (للمنفعة دون العين) والثاني ملكه تام (للعين والمنفعة)، فلا يتم القياس (٥).
الجواب: أن هذا الفرق غير مؤثر في هذا الحكم؛ لأن مِلك المستأجر للمنفعة في ذاتها مِلك صحيح تام، والاصطلاح على تسميته ناقصًا لا يغير حقيقته.
الدليل الثالث: أنه عقدٌ يجوز برأس المال فجاز بالزيادة، قياسًا على بيع المبيع بعد قبضه (٦).
الدليل الرابع: أن المنافع مضمونة على المستأجر، فلو عطّل المكان المستأجَر -مثلًا- وأتلف منافعه بعد قبضه لتلفت من ضمانه (٧)، والغنم بالغرم، فكما أنه غرمه جاز أن يربح فيه؛ لحديث: «الخراج بالضمان» (٨).
стр. 61
الدليل الخامس: أن مِلك المنافع كمِلك الأعيان، فكما يجوز له أن يربح في كل ما يتملكه من الأعيان بشراءٍ أو هبةٍ أو إرثٍ فكذلك يجوز له أن يربح في ما يتملكه من المنافع تملكًا صحيحًا.
أدلة القولين الثاني والثالث (١):
الدليل الأول: أنه صح عن ابن عمر ﵄، فيلزم من يرى حجية قول الصحابي، وأيضًا لم يُعلَم له مخالف، قال ابن حزم: (والمالكيون يشنعون بخلاف الصاحب الذي لا يعرف له مخالف، وهذا مما تناقضوا فيه؛ لأن ابن عمر لم يجزه، ولا يعرف له مخالف من الصحابة ﵃) (٢) وهذا لازمٌ للحنابلة أيضًا (٣)، وإنما لم يلزم ابن حزم لأنه لا يرى حجية قول الصحابي (٤).
المناقشة:
١. أن الأثر من رواية قتادة عن نافع وعن ابن عمر ولم يسمع من واحدٍ منهما.
стр. 62
الجواب: أنه عُلمت الواسطة في روايته عن نافع، وهي واسطة سليمة.
٢. أن عدم العلم بالمخالف لا يلزم منه حجية هذا القول من جهة كونه إجماعًا؛ لأن من شروط ذلك أن ينتشر، وليس في الأثر ما يدل على انتشاره.
الجواب: تكفي حجية الأثر من جهة كونه قول صحابي صح عنه وليس له مخالفٌ من النصوص أو من الصحابة.
٣. أنه مخالف لعموم (الخراج بالضمان).
الجواب: أن العمل بالخاص في محل الخصوص وبالعام في سائر الموارد لا يعد مخالفةً، بل إعمالًا لكلا الدليلين، هذا على فرض صحة الحديث.
الدليل الثاني: أنه ربا، كذا قال النخعي.
ووجهه أنّ المستأجر دفع أجرةً وأخذ أكثر منها.
المناقشة:
١. عدم التسليم بأنه ربا، بل هي إجارة صحيحة، فالزيادة إنما أُخذت من طرف ثالث.
٢. أن هذا يلزم فيمن اشترى شيئًا وباعه بأكثر مما اشتراه به، ولا محرِّم لذلك، والمنافع كالأعيان، وهذا نقضٌ لدليلهم.
الدليل الثالث: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن (١).
وجه الدلالة: أن منافع العين المستأجرة لم تدخل في ضمانه فلا يجوز أن يربح فيها (٢).
المناقشة:
١. بقلب الدليل: فهذه المنافع إذا تلفت كانت من ضمان المستأجر، فجاز أن يربح فيها بدلالة مفهوم الحديث.
٢. أن قبض العين قائم مقام قبض منافعها المستحدثة؛ لذا قال ابن قدامة: (أما الخبر فإن المنافع قد دخلت في ضمانه من وجهٍ، فإنها لو فاتت من غير استيفائه كانت من ضمانه) (٣).
الجواب: أن الضمان فرعٌ عن القبض، وهذا القبض حكمي وليس حقيقيًا، فالضمان ثابت من وجه غير ثابت من وجه، وعليه فتحل الزيادة من وجه ولا تحل من وجه، فنغلب جانب
стр. 63
التحريم احتياطًا (١).
الرد على الجواب: عدم التسليم بجعل الضمان فرعًا عن حقيقة القبض بل التمكين من القبض أولى بذلك من حقيقة القبض، كما أطال في تقريره أبو العباس ابن تيمية (٢).
الدليل الرابع: أنه يربح في ما لم يضمن فلم يجز، كما لو ربح في طعامٍ قبل قبضه.
المناقشة:
١. تبين بطلان العلة المذكورة مما سبق في مناقشة الدليلين السابقين.
٢. لا يصح القياس على بيع الطعام قبل قبضه، فإن البيع هنا ممنوع منه بالكلية سواءٌ ربح أو لم يربح إلا عند بعضهم (٣).
دليل القول الرابع: استدلوا على المنع من الزيادة أو عدم طيبها -في الأصل- بالأدلة السابقة، واستدلوا على الجواز إذا أحدث عملًا أو زيادةً أو إذا أجر معها ما يجوز له بأن الزيادة في مقابلة ما زاده من ماله أو عمله (٤).
المناقشة: أن كنس الدار وتنظيفها عملٌ يزيد في أجرها عادةً (٥)، ورغم ذلك لا تطيب معه الزيادة عندكم كما في "المبسوط" (٦) وغيره، ومن جهة أخرى فإن الإحداث في غير ملكه بلا إذن لا يجوز، فالمستأجر لم يملك العين إنما ملك المنفعة.
دليل القول الخامس: يمكن أن يستدل له في المنع من الزيادة بالأدلة السابقة، وفي الجواز مع إذن المالك بأن هذه الزيادة متعلقة بملكه؛ لأن سببها أصل ماله، والمنع من الزيادة مراعاةً للمالك حتى لا يضيق صدره عندما يرى المستأجر منه يؤجر بأكثر مما أجره به، وهو يرى أنه أولى بهذه الزيادة، كالنهي عن البيع قبل القبض.
المناقشة: أن المالك لا يحق له التصرف في المنفعة بعد إجارته لها، ونقل ملكها للمستأجر، ولذا فلا عبرة بإذنه في أن يؤجر بزيادة، وإنما الجواز مستفاد من أدلة الشرع استنادًا لتمام الملك.
الترجيح
الراجح -والله أعلم- القول بجواز إجارة المستأجر للعين المؤجرة على غير المؤجر بأكثر
стр. 64
من أجرتها.
سبب الترجيح: قوة الأدلة وتعددها، وما ورد من مناقشة على أدلة الأقوال المخالفة.
الفرع الثاني: إجارتها للمؤْجِر .
صورة المسألة: أن يستأجر إنسانٌ مكتبًا لمدة سنة- مثلًا- ثم يؤجره على المؤجر نفسه لمدة سنة أو أقل سواء قبضه أو لم يقبضه (١).
الحكم:
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول: لا يجوز ذلك، وهو مذهب الحنفية (٢).
القول الثاني: يجوز ذلك، وهو قول المالكية (٣) والشافعية (٤) وقول عند الحنفية (٥).
القول الثالث: يجوز ذلك إلا إذا كان حيلة على العينة أو عكسها، وهو مذهب الحنابلة (٦).
بيان ذلك: جاء في "المعايير الشرعية" الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة: (ولا يجوز ذلك إذا كان يترتب عليه عقد عينة، بتغيير في الأجرة أو في الأجل، مثل أن تقع الإجارة الأولى بمائة دينار حالة ثم يؤجرها المستأجر إلى نفس المؤجر بمائة وعشرة مؤجلة، أو أن تقع الإجارة الأولى بمائة وعشرة مؤجلة ثم تقع الإجارة الثانية بمائة نقدًا، أو تكون الأجرة في الإجارتين واحدة غير أنها في الأولى مؤجلة بشهر وفي الثانية بشهرين) (٧).
القول الرابع: يجوز إذا قبض العين المستأجرة، وهو قولٌ عند الحنابلة (٨).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن المستأجر في حق المنفعة قائمٌ مقام المؤجر، فيلزم من إجارته للمؤجر
стр. 65
تمليك المالك (١).
المناقشة:
لم يَعُد المؤجر مالكًا للمنفعة فلا يلزم منه تمليك المالك، وإن أريد تمليك المنفعة لمالك عينها فلا محظور من ذلك؛ لما سيأتي من أدلة، وهو محل النزاع.
الدليل الثاني: أن ذلك يؤدي إلى تناقض الأحكام؛ لأن التسليم مستحَقٌّ على المؤجر، فإذا استأجر صار مستحِقًا، فيصير مستحِقًا لما يُستحق عليه، وهذا تناقض (٢).
المناقشة:
١. أن التسليم من المؤجر قد حصل بالتمكين أو القبض للعين، والاستحقاق الثاني له تسليمٌ آخر.
٢. يبطل ما ذكروه بالبيع، فإنه يُستحق على البائع تسليم العين، فإذا اشتراها استحق تسليمها (٣) في ما لا يشترط قبضه لبيعه على الخلاف فيه.
دليل القول الثاني: أن كل عقدٍ جاز مع غير العاقد جاز مع العاقد كالبيع، إذ يجوز بيع المبيع من البائع وغيره (٤)، ما لم يكن عينة.
دليل القول الثالث: الأصل في الجواز ما تقدم في دليل القول الثاني، ويُستدل لهم على الاستثناء بأدلة تحريم الحيل، كقوله ﷺ : «قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه» (٥) وغيرها من الأدلة (٦).
دليل القول الرابع: أنه إذا عقد عليها قبل قبضها لم يجز؛ لأن المنافع مملوكة بعقد معاوضة، فاعتبر -أي اشترط- في جواز العقد عليها القبض كالأعيان (٧).
المناقشة:
١. أن قبض العين لا ينتقل به ضمان العين إلى المستأجر؛ لأنه أمين، فلم يقف جواز
стр. 66
التصرف عليه.
٢. أن القبض لا يتعذر على المؤجر؛ لأن العين التي تعلقت بها هذه المنافع مقبوضة له قبل الإجارة (١).
منشأ الخلاف:
منشأُ الخلافِ وسببُه الخلافُ في مسألة بيع الطعام قبل قبضه هل يصح من بائعه أم لا؟
يرى أبو محمد ابن قدامة والشارح بناء الخلاف على هذه المسألة، وظاهر كلام ابن مفلح عدم بنائه، وقال المرداوي في "تصحيح الفروع": (وظاهر كلام المصنف عدم البناء، وهو ظاهر كلام الأكثر، والله أعلم، وهو الصواب) (٢) وقال في "الإنصاف": (الصواب البناء) (٣).
ومذهب الأئمة الأربعة عدم جواز بيع الطعام قبل قبضه من بائعه (٤).
وفي وجه عند الشافعية (٥) ورواية عن أحمد (٦)، وهو اختيار أبي العباس ابن تيمية (٧) وابن قيم الجوزية (٨): يجوز ذلك.
الترجيح
الراجح جواز ذلك إلا إذا كان حيلةً على العينة.
أسباب الترجيح:
١. ما ذكر من أدلة الجواز.
٢. أن الأصل في المعاملات الصحة والجواز.
٣. أنه إن كان حيلة على العينة فذلك من الحيل الممنوعة المحرمة، والمقاصد لها أثر في صحة المعاملات.
٤. إباحة الجمهور مع منعهم من البيع للبائع قبل القبض قرينة على عدم بناء الخلاف عليه
стр. 67
الفرع الثالث: إجارة المستأجر منافع الأجير .
صورة المسألة: إذا استأجر مستأجرٌ أجيراً؛ ليعمل له، فهل له أن يؤجره لغيره؟
المسألتان السابقتان في منافع العين، وسبب إفراد منافع الأجير بالبحث أنّ بعضَ من يجيز إجارة المستأجر منافع العين يمنعه من إجارة منافع الأجير، أما على القول بالجواز فيدخل في الخلاف السابق من حيث تأجيره بمثل أجرته أو أقل أو أكثر، وهذه الصورة تشمل الأجير المشترك، وهو الأجير على عمل، والأجير الخاص، ويسمى الأجير الواحد، وهو الذي يؤجر نفسه مدةً معلومةً يستحق المستأجر النفع في جميعها.
الحكم:
في هذه المسألة قولان:
القول الأول: جواز إجارة منافع الأجير، وهو مذهب المالكية (١)، وأكثر الشافعية (٢) وابن حزم (٣) وأجازه الحنفية في العبد، ولم أجد لهم نصًّا في الحر (٤).
القول الثاني: المنع من إجارة منافع الأجير، وهو مذهب الحنابلة (٥) وبعض الشافعية (٦).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عدم الدليل المانع من ذلك، والأصل الجواز (٧).
الدليل الثاني: أن منافع الأجير مملوكة للمستأجر بمقتضى عقد الإجارة، فجاز له التصرف المباح فيها، كسائر ما يملكه.
المناقشة: التسليم بذلك في الأجير المملوك؛ لأنه مملوك ومنافعه مملوكة، أما الأجير الحر فلا تدخل منافعه في يد المستأجر وضمانِه إلا عند وجودها (٨).
الجواب: أن مراد الفقهاء بذلك أن منافع الحر لا تضمن بالتفويت، بل تضمن بالاستعمال
стр. 68
والتناول، كأن يستخدمه في عملٍ كُرهًا، مع أن في أصل المسألة خلافًا (١).
الدليل الثالث: أنه لا يلزم مستأجر العين أن يستوفي المنفعة بنفسه، فكذلك منافع الأجير، له أن يستوفيها بنفسه أو بمن يقوم مقامه، كأن يؤجرها.
المناقشة: أن الناس يتفاوتون في استخدام الأجير تفاوتًا كثيرًا، ومن شروط إجارة المستأجر للعين أن يكون الثاني مثله أو دونه في الانتفاع والضرر.
الجواب: قال في "المبسوط": (الاستخدام له حدٌّ معلومٌ بالعرف، فإذا كلَّفه فوق ذلك امتنع العبد منه، سواء كان المستأجر هو الذي يستخدمه أوغيره) (٢)، ولا فرق بين الحر والعبد في ذلك.
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: قال الله : «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة -ذكر منهم-: ورجلٌ باع حرًّا فأكل ثمنه» (٣).
وجه الدلالة: أنه كما لا يجوز أن يبيعه فيأكل ثمنه، فكذلك لا يجوز أن يؤجره فيأكل أجرته.
المناقشة: أن بيع الحر محرَّمٌ لذاته، ولما فيه من الكذب والخداع، وظلم الحرِّ المباع، وجعله عبدًا بذلك، وإجارة منافع الأجير ليس فيها شيءٌ من ذلك، وإنما هي إجارة لمنفعة ملكها المستأجر بطريقٍ مباحٍ.
الدليل الثاني: كراهة ابن عمر ﵄ لذلك وقوله: (الفضل للأول) (٤).
المناقشة: أثر ابن عمر ﵄ خاص بما لو آجره بأكثر مما استأجره به، ويدل مفهومه على الجواز إذا آجره بمثل أجرته أو أقل.
الدليل الثالث: أن الحر لا يدخل تحت اليد، أو لا تثبت يد غيره عليه (٥)، وعليه فالأجير الحر لا تدخل منافعه في تصرف المستأجر، فلا يملك أن يتصرف فيه بإجارته لغيره.
المناقشة: أن هذه القاعدة ليست محل اتفاق؛ لذا قال بعض الشافعية: (صرح به الأصحاب في مواضع كثيرة، ولم أجد في كلام الأصحاب ولا في الشريعة دليلًا عليه) ثم قال: (فالأرجح
стр. 69
عندي -والعلم عند الله- أن الحر يدخل تحت اليد) (١)، وقال بعض الحنابلة: (وإن قلنا تثبت صح) (٢)، وقال بعضهم: (وحكى صاحب "التلخيص" وجهًا بثبوت اليد على منافع الحر دون ذاته، ورتّب عليه صحة إجارة المستأجر للأجير الخاص، وجزم الأزجي في "النهاية" بصحته) (٣)، وعلى القول بصحة القاعدة فاليد إنما تثبت على منافع الحر فقط.
الدليل الرابع: أن العين المستأجرة جاز للمستأجر إجارتها؛ لأن أصلها مملوك، وكذلك العبد، أما الحر فليس مملوكًا، فكذلك منافعه.
الترجيح
الراجح جواز إجارة المستأجر منافع الأجير بالشروط السابقة في إجارة العين (٤).
سبب الترجيح: الموازنة بين أدلة القولين وما ورد من مناقشات عليها.
تنبيهان:
الأول: من الصور المعاصرة لهذه المسألة إجارة الخدم والسائقين والعمّال؛ لأنهم أجراء خاصّون.
الثاني: مصطلح الإجارة المضافة مغاير للإجارة المضافة إلى مثلها، وصورتها أن تكون مدة الانتفاع بالعين المؤجرة لا تلي عقد الإجارة، مثل أن يستأجر بيتًا يسكنه في شهر رمضان، ويكون العقد بين الطرفين قد تم في شهر محرم من ذلك العام (٥).
стр. 70
المبحث الثالث: إقالة الإقالة ، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الإقالة وحكمها .
تعريف الإقالة
الإقالة لغةً الفسخ، يقال قاله البيع قيلًا، وأقاله يُقيله إقالةً وتقايُلًا، وقد تقايلا البيع أي تتاركا (١).
والإقالة اصطلاحًا مختلف فيها للخلاف في حقيقتها، وذلك على أقوال:
القول الأول: أنها فسخٌ، وهو مذهب الشافعية (٢) والحنابلة (٣) وداود (٤) وزفر (٥).
القول الثاني: أنها بيعٌ، وهو مذهب المالكية (٦) وابن حزم (٧).
القول الثالث: أنها فسخ في حق المتعاقدين بيع في حق غيرهما، وهو مذهب أبي حنيفة (٨).
القول الرابع: أنها بيع إلا إذا تعذر جعلها بيعًا فهي فسخ، وهو مذهب أبي يوسف (٩).
القول الخامس: أنها إن كانت بجنس الثمن الأول أو مثله فهي فسخ وإلا فهي بيع، وهو مذهب محمد بن الحسن (١٠).
القول السادس: أنها فسخ قبل القبض بيعٌ بعده، وهو قولٌ لأبي حنيفة وأبي يوسف (١١).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن الإقالة في لسان الشارع -كما هي في لغة العرب- الرفع والإزالة والفسخ، يقال: أقال الله عثرتك أي أزالها، وفي الحديث: «من أقال مسلمًا عثرته» (١٢).
المناقشة: لا نسلم أن النبي ﷺ سمى فعل من باع آخر بيعًا ثم استقاله فرد إليه ما ابتاع
стр. 71
وأخذ ثمنه إقالة، إنما فيه الحض على الإقالة فقط، وليس فيه أن الإقالة لا تسمى بيعًا (١).
الجواب:
١. عموم الحديث المستفاد من اسم الشرط (مَن) يشمل من أقال في بيعٍ كما يشمل من أقال في سائر العقود، وما لم ينقله الشارع إلى معنى خاص يبقى على معناه المعروف في اللغة.
٢. أنه لو سلم أن الحديث ليس فيه أن الإقالة تسمى بيعًا أو لا تسمى فإنه ينبغي حمل اللفظ على المعنى المتعارف عليه.
الدليل الثاني: قال ابن المنذر: (وفي إجماعهم أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع إجماعهم على أن له أن يقيل المسلم جميع المسلم فيه دليلٌ على أن الإقالة ليست بيعًا) (٢)؛ لأنها لو كانت بيعًا لباع عليه ما لم يقبضه.
المناقشة: عدم التسليم بدعوى إجماعهم على جواز إقالة المسلم فيه قبل قبضه (٣).
الدليل الثالث: مجموعةٌ من المعاني القياسية ذكرها ابن قدامة بقوله: (ولأنها تجوز في المسلم فيه قبل قبضه فلم تكن بيعًا كالإسقاط، ولأنها تتقدر بالثمن الأول ولو كانت بيعًا لم تتقدر به، ولأنه عاد إليه المبيع بلفظ لا ينعقد به البيع فكان فسخًا كالرد بالعيب) (٤)
الدليل الرابع: أن البيع والإقالة اختلفا اسمًا فيختلفان حكمًا، على الأصل، فإذا كانت رفعًا لا تكون بيعًا؛ لأن البيع إثبات والرفع نفي وبينهما تنافٍ (٥).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن البيع مبادلة مالٍ بمالٍ، وقد وجد ذلك في الإقالة، والعبرة بالحقائق والمعاني، ولهذا تبطل بهلاك السلعة (٦).
المناقشة:
стр. 72
١. لو كانت بيعًا أو محتملةً له لانعقد البيع بلفظ الإقالة، وليس كذلك (١)؛ لأن اللفظ لا يحتمل هذا المعنى عرفًا.
٢. أن اتفاق الإقالة مع البيع في بعض الأحكام لا يوجب اتحاد ذاتيهما.
٣. قال في "البدائع": (لو تقايلا البيع في المنقول ثم باعه البائع من المشتري ثانيًا قبل أن يسترده من يده [وهي إقالة الإقالة] جاز ... وبيع المبيع المنقول قبل القبض لا يجوز بلا خلاف بين أصحابنا، فكان هذا الفعل حجة على أبي يوسف إلا أن يثبت عنه الخلاف فيه) (٢).
٤. أن البيع ما كان مفيدًا لمبادلة المال بالمال ابتداءً لا تراجعًا بطريق الرفع (٣).
الدليل الثاني: أن البيع عقد صحيح بالقرآن والسنة والإجماع المقطوع، ولا يحل فسخ عقدٍ صححه الله -تعالى- في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ إلا بنص آخر ولا نص في جواز فسخه مطارفة بتراضيهما (٤).
المناقشة:
١. هذا مبني على أن الأصل في المعاملات والفسوخ المنع حتى يرد دليل على الإباحة، وهذا الأصل باطل بالكتاب والسنة، وقد قرر ابن حزم أن ما سكت عنه النبي ﷺ فلم يأمر به ولا نهى عنه فهو مباح وليس حرامًا ولا فرضًا (٥).
٢. أن دليل جواز الفسخ قائم، وهو الحديث السابق، وقد صححه ابن حزم.
٣. أن اعتبار الإقالة بيعًا يلزم منه فسخ العقد الأول بهذا البيع الثاني، فيرد عليه ما أورده على الجمهور من عدم الدليل على جواز فسخ البيع الأول، وهذا قلبٌ لدليله عليه.
دليل القول الثالث: كونه فسخًا لما سبق في أدلة القول الأول، وكونه بيعًا لما سبق من أدلة القول الثاني، إلا أنه لا يمكن إظهار معنى البيع في الفسخ في حق العاقدين للتنافي فأظهرناه في حق الثالث (٦)، فكان فسخًا في حقهما بيعًا في حقه، فلو كان لأحدهما شريك ثبت له حق الشفعة؛ لأنها في حقه بيعٌ.
المناقشة:
стр. 73
١. ما كان فسخًا في حق المتعاقدين كان فسخًا في حق غيرهما كالرد بالعيب والفسخ بالخيار.
٢. أن حقيقة الفسخ لا تختلف بالنسبة إلى شخص دون شخص، والأصل اعتبار الحقائق (١).
دليل القول الرابع: أن الأصل في الإقالة الفسخ إلا أنها إذا لم يمكن أن تجعل فسخًا تجعل بيعًا ضرورة (٢).
المناقشة: يرد على اعتبارها بيعًا ما ورد على أصحاب القول الثاني، وعلى عدم إمكان اعتباره فسخًا ما ورد على القول الثالث.
دليل القول الخامس: يمكن أن يستدل له بأن وقوع الإقالة بغير الثمن الأول جنسًا وقدرًا يعدُّ استئنافَ عقدٍ جديدٍ؛ لذا اعتبر بيعًا.
المناقشة: أن هذا يؤيد كونها فسخًا؛ لأنها لو كانت بيعًا لجازت عند الجمهور بأكثر من الثمن كسائر البياعات، وقد قال ابن قدامة: (ولا تجوز إلا بمثل الثمن سواء قلنا: هي فسخ أو بيع ... وبهذا قال الشافعي) (٣). قال ابن عبد البر: (لا خلاف بين العلماء أن الإقالة إذا كان فيها نقصان أو زيادة أو تأخير أنها بيع) (٤) فبما أنه لا يجوز أن يزيد على الثمن الأول إذن الإقالة فسخ للعقد -أي البيع- الأول.
دليل القول السادس: أن الأصل اعتبارها بيعًا لما تقدم من أدلة القول الثاني، وإنما تعتبر فسخًا قبل القبض لعدم جواز بيع المنقول-عند الحنفية- قبل قبضه.
المناقشة: يرد عليه ما يرد على القول الثاني.
الترجيح
الراجح أن الإقالة فسخٌ بشرط كونها بالثمن نفسه.
سبب الترجيح
١. قوة الأدلة.
٢. استنادها إلى الأصل، وهو حمل اللفظ على مقتضاه.
٣. مناقشة أدلة الأقوال الأخرى.
стр. 74
وعليه فالراجح في تعريف الإقالة: رفع العقد وإلغاء حكمه وآثاره بتراضي الطرفين (١).
حكم الإقالة
الإقالة جائزة، والأصل فيها السنة والإجماع، أما السنة فقوله ﷺ : «من أقال مسلمًا أقال الله عثرته» (٢).
وأما الإجماع فقال في "نتائج الأفكار": (الإقالة جائزة في البيع بمثل الثمن الأول: عليه إجماع المسلمين) (٣).
وقال في "نهاية المطلب": (الإقالة لا خلاف في جوازها) (٤).
ونص بعض الحنفية (٥) والحنابلة (٦) على أنها مندوبة، للحديث السابق.
وذكر الحنفية أنها تجب في العقد المكروه والفاسد (٧).
стр. 75
المطلب الثاني: حكم إقالة الإقالة .
صورة المسألة: هي إلغاء الإقالة والعودة إلى العقد، مثال ذلك: لو تقايلا البيع ثم تقايلا الإقالة وعادا إلى البيع فما حكمه؟
لم أجد مَن نصَّ على هذه المسألة إلا الحنفية.
قال في "الأشباه والنظائر": (إقالة الإقالة صحيحة إلا في السلم) (١).
قال في "الدر المختار" (٢) وفي "البحر الرائق" (٣): (وتصح إقالة الإقالة، فلو تقايلا البيع ثم تقايلاها، أي الإقالة، ارتفعت وعاد البيع).
وقال في "بدائع الصنائع": (ولو تقايلا البيع في المنقول ثم إن البائع باعه من المشتري ثانيًا قبل أن يسترده من يده يجوز البيع، وهذا يطرد على أصل أبي حنيفة ومحمد وزفر ... وأما على أصل أبي يوسف فلا يطرد) (٤).
وقال في "حاشية ابن عابدين": (باع زيد من عمرو شيئًا منقولًا كثوب وقبضه ثم تقايلا ثم باعه زيد ثانيًا من عمرو قبل قبضه منه جاز البيع) (٥).
ومقتضى مذهب الجمهور الجواز؛ لأنهم يعدونه فسخًا، ولا محظور في ترك الفسخ وإلغائه، ومقتضى مذهب المالكية عدم جوازه في الطعام قبل القبض؛ لأن بيع المبيع يشترط فيه القبض إذا كان طعامًا، وقد سبق، والإقالة عندهم بيع.
ويمكن أن يُخرَّج للحنابلة قولٌ بالمنع مما جاء في "المغني": (ولا يفتقر الخلع إلى حاكم ... ولأنه قطع عقد بالتراضي أشبه الإقالة) ثم ذكر كون الخلع فسخًا ثم قال: (والخلع في نفسه فسخٌ فلا يُفسخ) (٦).
أدلة الجواز:
الدليل الأول: أن الإقالة فسخ إما مطلقًا أو في حق العاقدين، وعلى كلا القولين فقد عاد